← Адаб

Адаб · id 5354

ما لم ينشر من الأمالي الشجرية

ابن الشجري

Полный текст (153 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ما لم ينشر من الأمالي الشجرية لابن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢ هـ تحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن كلية الآداب - جامعة بغداد مؤسسة الرسالة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

ما لم ينشر من الأمالي الشجرية

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الرسالة ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد، سواء كان مؤسسة رسمية أو أفرادًا. الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٢٤١٦٩٢ ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا: بيوشران

стр. 5

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الأمالي الشجرية من الكتب المهمة التي جمعت أقوال كثير من النحاة واللغويين والأدباء، وقد أملاها ابن الشجري (١) في أربعة وثمانين مجلسًا إلا أن طبعة حيدر آباد لا تضم إلا ثمانية وسبعين مجلساً، ونظراً لأهمية هذا الكتاب ارتأينا نشر ما لم ينشر منه خدمة للعلم وللعلماء. ويجدر بي هنا أن أشير إلى بعض الملاحظات (٢) التي عنت لي أثناء

стр. 6

تحقيقي لهذه المجالس وهي: ١ - كان ابن الشجري عيالاً على الهروي إذ نقل فصلين كاملين من كتابه: الأزهية في علم الحروف، ولا بأس في أن يتأثره ابن الشجري أو يتابعه أو ينقل نصوصاً كاملة من كتابه إلا أن عرض هذه الأقوال غفلاً وعدم نسبتها إليه مما لا يقره العلم. ٢ - ونقل أيضًا عن ثعلب في شرحه لديوان زهير وعن الجرجاني في الوساطة وعن ابن جني والواحدي وأبي القاسم الأصفهاني وابن فورجة في شروحهم لشعر المتنبي ولم يشر لذلك. ٣ - خص ابن الشجري المجلس الموفي الثمانين ومعظم المجلس الحادي والثمانين في ذكر زلات مكي بن أبي طالب المغربي (٣) في كتابه (مشكل إعراب القرآن) (٤) وقد اهتم ابن الشجري بهذا الكتاب ونقل عنه كثيراً في أماليه وتابعه في بعض أوهامه إلا أن الذي يلفت النظر هو اهتمامه البالغ بذكر زلاته وسقطاته. ويغلب على الظن أن هجوم مكي على المعتزلة ووصمهم بالإِلحاد في كتابه (٥) كان هو الدافع الذي حفز ابن الشجري إلى تتبع زلاته إذ نرى ابن الشجري قد استشهد كثيرًا بآراء الرماني المعتزلي. وإذا لم يكن هذا هو الدافع. فلِمَ هذا الِإهتمام بكتاب

стр. 7

مكي والتحامل عليه بدون مبرر؟ ولمَ لم يرد على أبي جعفر النحاس الذي تابعه مكي في نقله لهذه الأقوال؟ ولمَ لم يرد على أبي عبيدة صاحب الرأي الذي نقله مكي؟ وربما أثار ابن الشجري أيضًا أن مكيًا كان ناشرًا للمالكية في الأندلس (٦). ٤ - يبدو لي أن ابن الشجري كانت تنقصه الدقة فقد تعقبه ابن هشام في عدة مواضع من كتابه المغني مغلطًا له (٧) ومثبتًا عليه عدم التحري في نقل آراء سيبويه والكسائي والأخفش وأبي علي الفارسي (٨). مخطوطتا الكتاب: اعتمدت في تحقيق هذه المجالس على مخطوطتين هما: ١ - مخطوطة مكتبة الدراسات العليا ببغداد المرقمة ٣٦٩، وهي نسخة جيدة كتبت سنة ٦١٤ هـ والموجود منها الجزء الثالث فقط ويبدأ من المجلس السادس والخمسين إلى آخر الكتاب وقد رمزت لها بالحرف (د). ٢ - مخطوطة الخزانة التيمورية المرقمة ٦٧٢ (أدب تيمور) وقد كتبت سنة ١٩٢٠ بخط واضح مقروء وفي أولها فهرس مفصل لمجالس الكتاب، وقد رمزت لها بالحرف (ت). وقد اتبعت في التحقيق طريقة النص المختار رغبة في أن تظهر هذه

стр. 8

المجالس في أقصى درجة ممكنة من الكمال مع التقيد بقواعد التحقيق العلمي المعروفة. والله أسال أن يكون عملي خالصًا لوجهه إنه نعم المولى ونعم النصير. * .. * .. * .. * * .. * .. *

стр. 9

النص بقية (المجلس الثامن والسبعون) .... وغطاها كما يغطي السحاب السماء وقد فعلت العرب ذلك في أشعارها ولا سماه لذلك سحاباً جعله يستسقي فيسقى مع أن الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهي في الجو وإذا كانت تهبط إلى الأرض حتى تقع على القتيل فالسحاب الساقي عال عليها. فأما استسقاء الطير فجار على العرب في استعارة هذه اللفظة تعظيماً لقدر الماء. قال علقمة بن عبدة يطلب أن يفك أخوه شأس من الأسر يخاطب

стр. 10

بذلك ملك الشام. وفي كل حي قد بنعمة ... وحق لشأس من نداك ذنوب وأصل الذنوب الدلو العظيمة، وقيل للنصيب ذنوب في قوله تعالى: (فإنَّ للَّذينَ ظلموا ذنوباً مثلَ ذنوبِ أصحبهمْ) لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ هذا ذنوباً وهذا ذنوباً. وقال رؤبة: يا أيها المائح دلوي دونكما ... أني رأيت الناس يحمدونكما وهما لم يستقيا في الحقيقة ماء وإنما استطلق أحدهما أسيراً وطلب الآخر عطاء ولذلك قال أبو تمام: .......................... ... بعقبان طير في الدماء نواهل.

стр. 11

والنهل لا يكون إلا من المشروب دون المطعوم وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى فغيره وألطف فجاء كالمعنى المخترع قال: يفدى أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم وذكر الطير في مواضع أخر فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال: يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع ومن المستحسن ما قيل أيضاً في هذا المعنى قوله في وصف جيش: وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش والعقبان فوقه تسايره

стр. 12

فتخطف الطير أمامه. وقال أبو العلاء المعري: يقول إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناج لأن الرماة كثرة في الجيش وإن ثار الوحش أدركوه فأخذوه. وقول أبي العلاء إن ذا الجناح تصيبه الرماة أوجه لأن الشاعر أراد تفخيم الجيش وتعظيمه فلا يفوته طائر ولا وحش ثم قال: تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم أراد أن الجيش ارتفع غباره فالشمس تصل إليه ضعيفة داخلة بين ريش الطير التي تتبعه لتصيب من لحوم القتلى، ثم قال: إذا ضوءها لا من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم وذكر أبو نصر بن نباتة الطير قواد زيادة أبدع فيها فقال: ويوماك يوم للعفاة مذلل ... ويوم إلى الأعداء منك عصبصب إذا حومت فوق الرماح نسوره ... أطار إليها الضرب ما تترقب

стр. 13

وقال: وإنك لا تنفك تحت عجاجة ... تقطع فيها المشرفية بالطلا إذا يئست عقبانها من خصيلة ... رفعت إليها الدراعين على القنا الخصيلة كل لحمة فيها عصب والطلا الأعناق. وقول أبي تمام إذا ظللت عقبان أعلامه .... يقال للراية عقاب وتجمع عقباناً. (آخر المجلس).

стр. 14

المجلس التاسع والسبعون ذكر المعاني إن الخفيفة المكسورة قد تصرف العرب فيها فاستعملها شرطية ونافية ومخففة من الثقيلة وزائدة مؤكدة. فإذا كانت نافية فسيبويه لا يرى فيها إلا رفع الخبر يقول: إن زيد قائم كما تقول في اللغة التميمية: ما زيد قائم. وإنما حكم سيبويه بالرفع بعدها حرف يحدث معنى في الاسم والفعل كألف الاستفهام وكما لم تعمل ما النافية في اللغة التميمية وهو وفاق للقياس ولما خالف بعض العرب القياس فاعملوا (ما) لم يكن لنا إن نتعدى القياس في غير ما، وغير سيبويه اعمل إن على تشبيهها بليس كما استحسن بعض العرب ذلك في (ما) واحتج بأنه لا فرق بين إن وما في المعنى إذ هما لنفي ما في الحال وتقع بعدهما جملة الابتداء كما تقع بعد ليس وأنشد: إن هو مستولياً على أحد ... إلا على حزبه الملاعين

стр. 15

وهو قول الكسائي وأبي العباس المبرد ووافق الفراء في قوله سيبويه. ولك في إن إذا كانت نافية ثلاثة أوجه: أحدهما أن لا تأتي بعدها بحرف إيجاب كقولك: إن زيد قائم وإن أقوم معك كما قال تعالى: (إنْ عندكم مّن سلطنِ بهذا) وقال: (ولئن زالتا إنْ أمسكهما منْ أحدٍ من بعدةِ) اللام في لئن مؤذنة بالقسم وقوله: (إن امسكهما من أحد من بعده) جواب القسم المقدر وقال تعالى: (قلْ إنْ أدرى أقريبٌ ما توعدونَ) أي: ما أدري. فأما قوله: (ولقدْ مكَّنَّهمْ فيما إنَّ مكَّنَّكم فيهِ) (ففي إن قولان أحدهما أنها نافية وما بمعنى الذي فالتقدير: مكناهم في الذي ما مكناكم فيه) (والقول الآخر أن (إنْ) زائدة فالتقدير: مكناهم في الذي مكناكم فيه). والوجه هو القول الأول بدلالة قوله تعالى: (ألمْ يروا كمْ أهلكنا من قبلهم مَن قرنٍ مَّكَّنَّهمْ في الأرضِ ما لمْ نمكّن لَّكمْ). والثاني من أوجهها الثلاثة أن تأتي بعدها بإلا فاصلة بين الجزأين فتجعل الكلام موجباً كقولك: إن زيد إلا قائم وإن خرج إلا أخوك وإن لقيت إلا زيدا كما قال تعالى: (إنَّ الكفرونَ إلا في غرورٍ) و (إنْ أمَّهتهمْ إلا الَّائي ولدنهمْ) و (إنْ هوَ إلَّا نذيرٌ

стр. 16

مُّبينٌ) و (إن يقولونَ إلَّا كذباَ) و (إن يدعونَ من دونهِ إلَّا إنثاً)، (وتظنُّونَ إن لبثتمْ إلَّا قليلاً) فأما قوله: (وإنْ منْ أهلِ الكتبِ إلَّا ليؤمننَّ بهِ) فالتقدير فيه: وإن أحد من أهل الكتاب وحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، ومثله: (وإن منكمْ إلَّا واردها) التقدير: وإن أدح منكم. والوجه الثالث أن تدخل لما التي بنعنى إلا موضع إلا وهي التي في قولهم: بالله لما فعلت أي إلا فعلت، تقول: إن زيد لما قائم تريد: ما زيد إلا قائم، قال الله تعالى: (إن كلُّ نفسٍ لَّمَّا عليها حافظٌ) وقال: (إن كلٌّ لَّمَّا جميعٌ لدينا محضرونَ)، (وإن كلُّ ذلكَ لمَّا متعُ الحيوةِ الدُّنيا)، وقد قرئت هذه الآيات بتخفيف الميم فمن شدد جعل لما بمعنى إلا وإن نافية فالمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وكذلك الآيتان الأخريان. ومن خفف الميم جعل ما زائدة وإن مخففة من الثقيلة واللام للتوكيد فارقة بين النافية والموجبة والمعنى: إن كل نفس لعليها حافظ، والكوفيون يقولون في هذا النحو: إن نافية واللام بمعنى إلا، وهو من الأقوال البعيدة. والمخففة من الثقيلة لك فيها وجهان: إن شئت رفعت ما بعدها بالابتداء وألزمت خبرها لام التوكيد

стр. 17

فقلت: إن زيد لقائم تريد: إن زيداً لقائم، هذا هو الوجه لأنها إنما كانت تعمل بلفظها وفتح آخرها على التشبيه بالفعل الماضي فلما نقص اللفظ وسكن الآخر بطل الأعمال فمن ذلك قول النابغة: وإنْ مالك للمرتجى إن تقعقعت ... رحى الحرب أو دارت علي خطوب قول آخر: إن القوم والحي الذي أنا منهم ... لأهل مقامات وشاء وجامل الجامل الجمال وكذلك الباقر البقر وإنما ألزمت خبرها اللام إذا رفعت لئلا تلتبس بالنافية لو قلت: إن زيد قائم، وإن شئت نصبت فقلت: إن زيداً قائم وإن أخاك خارج، وتستغني عن اللام إذا نصبت لأن النصب قد أبان للسامع إيجاب وإن استعملت اللام مع النصب جاز وأنشدوا بالنصب قو الشاعر: كليب إن الناس الذين عهدتهم ... بجمهور حزوى فالرياض لذي النخل نصب الناس على نية تثقيل إن، وعلى هذا قراءة من قرأ: (وإنَّ كلّاً لمَّا ليوفينَّهمْ ربُّكَ أعملهمْ) وإذا بطل عمل المخففة جاز أن يقع

стр. 18

بعدها الفعل فلم يكن بينها وبين النافية فرق في ذلك إلا باللام تقول في النافية: (إن قام زيد وإن ضربت زيدا، وتقول في المؤكدة): إن قام لزيد وإن ضربت لزيدا تدخل اللام على الفاعل وعلى المفعول للفرق بين الإيجاب والنفي قال: شلت يمينك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمِّدِ وكذلك تقول: إن كان زيد منطلقاً تريد: ما كان زيد منطلقاً، وتقول: إن كان لمنطلقاً تريد: إنه كان زيد منطلقاً فتدخلها على خبر كان كما جاء في التنزيل: (وإن كنتَ من قبلهِ لمنَ الغافلين) (إن كانَ وعدُ ربّنا لمفعولاً) وعلى خبر كاد: (وإن كادوا ليفتنوكَ) وعلى المفعول الثاني من باب الظن: (وإن نَّظنُّكَ لمنَ الكاذبينَ)، (وإن وجدنا أكثرهمْ لفاسقينَ)، إن في هذه المواضع مخففة من الثقيلة بإجماع البصريين واللام لا الوي والكوفيون يجعلنها النافية ويزعمون أن اللام بمعنى إلا وقد ذكرت انه قول ضعيف بعيد.

стр. 19

وأما الزائدة فقد زادوها بعد ما النافية كافة لها عن العمل في لغة أهل الحجاز فيقع بعدها المبتدأ والخبر والفعل والفاعل تقول: ما إن زيد قائم وما عن يقوم زيد وما إن رأيت مثله، قال فروة بن مسيك: فما إنْ طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا (طبنا شأننا) وقال النابغة: ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي إلي يدي وقال امرؤ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال أراد: فما حديث فزاد إن ومن، وقد زادها آخر بعد ما المصدرية في قوله:

стр. 20

ورج الفتى للخير ما إنْ رأيته ... على السن خيراً لا يزال يزيد أراد لا يزال خيراً وقد ذكروا لهذا الحرف معنى خامساً فقالوا أنه بمعنى إما في قول النمر بن تولب: سقته الرواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما قال سيبويه: أراد وإما من خريف وحذف ما لضرورة الشعر وإنما يصف وعلا، وقبل هذا البيت: فلو أن من حتفه ناجيا ... لكان هو الصدع الاعصما والمعنى: سقته الرواعد من مطر الصف وإما في الخريف فلن يعدم السقي. وقال الأصمعي: إن ههنا للشرط أراد: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري وبقول الأصمعي أخذ أبو العباس المبرد لأن إما تكون

стр. 21

مكررة وهي ههنا غير مكررة وأحتج من قال بقول سيبويه بأنه وصفه بالخصب وأنه لا يعدم الري ويجب في قول الأصمعي إن لا يقطع له بالري لأنه إذا كانت إن الشرطية لم يقطع له بأن الخريف يسقيه كما تقول: إن حضر زيد أكرمته فلا يقطع له بالحضور كما يقطع له به في قولك: إذا حضر زيد أكرمته وكذلك قولك: أسافر إذا جاء الصيف ولا تقول: أسافر إن حضر الصيف، لأن الصيف لا بد من مجيئه فكأنه قال: وإن سقاه الخريف فلن يعدم الري فدل على أنه يعدم الري إن لم يسقه الخريف. وقول الأصمعي قوي من وجهتين أحدهما: إن ما لا تستعمل إلا مكررة أو يكون معها ما يقوم مقام التكرير كقولك: إما أن تحدث بالصدق وإلا فاسكت وإما أن تزورني أو أزورك، وهذا معدوم في البيت. والثاني: إن مجيء الفاء في قوله: فلن يعدما، يدل على أن إن الشرطية لأن الشرطية تجاب بالفاء وإما لا تقتضي وقع الفاء بعدها ولا يجوز ذلك فيها تقول: إما تزورني وإما أزورك ولا يجوز: وإما فأزورك فبهذين كان قول الأصمعي عندي أصوب القولين. وكذلك اختلفوا في قول دريد بن الصمة: لقد كذبتك عينك فاكذبنها ... فإن جزعا وإنْ أجمال صبر قال سيبويه: فهذا على إما ولا يكون على إن التي للشرط لأنها

стр. 22

لو كانت للشرط لاحتيج إلى جواب لأن جواب إن إذا ألحقتها الفاء لا يكون إلا بعدها فإن لك تلحقها فقلت: أكرمك إن زرتني سد ما تقدم على حرف الشرط مسد الجواب، ولو ألحقت الفاء فقلت: أكرمك فإن زرتني، لم يسد مسد جواب الشرط فلا بد أن تقول: أكرمك فإن زرتني زدت في إكرامك أو ما أشبه هذا فلذلك بطل أن يكون قوله: فإن جزعا على معنى الشرط وحملت إن على معنى إما وحذفت ما للضرورة والمعنى: فإما جزعت جزعا وإما أجملت إجمال صبر. وقال غير سيبويه: هو على إن التي للشرط والجواب محذوف فكأنه قال: إن كان شأنك جزعا شقيت به وإن كان إجمال بر سعدت به. وقول سيبويه هو القول المعول عليه لأنه غبر مفتقر إلى هذا الحذف الذي هو حذف كان ومرفوعها وحذف جوابين لا دليل عليهما. الصدع الفتي من الأوعال وواد الأوعال وعل وهو تيس الجبل، وفي الأعصم قولان: قيل هو الذي فر رسغه بياض والرسغ موصل الكف في الذراع وموصل القدم في الساق ويقال لموصل الكف في الذراع المعصم، وقيل: إنه سمي أعصم لاعتصامه في قلة الجبل. وزعم قوم أن (إنْ) وردت بمعنى (إذْ) واستشهدوا بقوله تعالى: (وذروا ما بقيَ منَ الرّبوا إن كنتمْ مؤمنينَ) فقالوا المعنى: إذ كنتم مؤمنين لأن الخطاب للمؤمنين ولو كانت إن للشرط لوجب أن يكون الخطاب لغير المؤمنين، (ومثله: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتمُ الأعلونَ إن

стр. 23

كنتمْ مؤمنينَ))، ومثله أيضاً: (فاللهُ أحقُّ أن تخشوهُ إن كنتم مؤمنينَ). وقال من رد هذا لقول: إن للشرط والمعنى: من كان مؤمناً ترك الربا ومن كان مؤمنا لم يخش إلا الله وهذا أصح القولين. وقد حكى قطرب أن إن قد جاءت بمعنى قد وهو من الأقوال التي لا ينبغي أن يعرج عليها. ذكر أقسام أنْ المفتوحة المخففة فأحد أقسامها أن تدخل على الفعل فتكون معه في تأويل مصدر (إن كان ماضياً أو مستقبلاً أو أمرياً وهذا الحرف أحد الحروف الموصولة فيكون مع صلته في تأويل مصدر) في موضع رفع مثاله: (وأن تصوموا خيرٌ لَّكمْ). أي: وصومكم ومثله: (وأن تعفوا أقربُ للتَّقوى) أي وعفوكم. ومن المرفوع بكان: (أكانَ للنَّاسِ عجباً أنْ أوحينا) و (فما كانَ جوابَ قومهِ إلا أن قالوا) في قراءة من نصب الجواب. ومن

стр. 24

المنصوب: (يريدُ اللهُ أن يخفِّفَ عنكمْ) و (إنِّا أرسلنا نوحاً إلى قومهِ أنْ أنذرْ قومكَ) معناه بأن أنذر قومك فلما حذفت الباء تعى الفعل فنصب ومنه في أحد القولين: (ما قلتُ لهمْ إلَّا ما أمرتني بهِ أنِ اعبدوا اللهَ) قوله: (أنِ اعبدوا الله) في موضع نصب على البدل من قوله: (ما أمرتني به) ويجوز أن تكون (أنْ) ههنا مفسرة بمعنى (أيْ) فلا يكون لها موضع من الإعراب. ومثال المجرور: (قالوا أوذينا من قبلِ أن تأتينا) أي من قبل أتيانك. وتقع بد عسى مع صلتها في تأويل مصدر منصوب إذا كانت عسى ناقصة كقولك: عسى زيد أن ينطلق ومثله: (عسى ربُّكمْ أن يرحمكمْ)، وتكون في تأويل مصدر مرفوع إذا كانت عسى تامة كقولك: عسى أن انطلق ومثله: (وعسى أن تكرهوا شيئاً .. وعسى أن تحبُّوا شيئاً). والقسم الثاني من أقسامها أن تكون مخففة من الثقيلة ويليها الاسم والفعل فإذا وليها الاسم فلك فيه مذهبان: أحدهما أن تنصبه على نية تثقيلها، تقول: علمت أن زيداً قائم، قال الشاعر: فلو أنكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقكِ لم أبخلْ وأنتِ صديق

стр. 25

وقال كعب بن زهير: وقد علم الضيف والمرملون ... إذا أغبر أفق وهبت شمالا بأنك ربيع وغيث مريع ... وقدما هناك تكون الثمالا المرملون الذين لا زاد معهم والمريع الكثير النبات. غيث مريع ومكان مريع وقد مرع المكان امرع. وهبت شمالا أضمر الريح ولم يجر لها ذكر فنصب شمالاً على الحال وقد أشبعت الكلام في هذا النحو، وهناك في هذا البيت ظرف زمان وإنما وضع ليشار به إلى المكان واتسع فيه، ومثله في التنزيل: (هنا لكَ الواليةُ للهِ الحقِّ) و (هنالكَ دعا زكريَّا ربَّهُ) والثمال الغيث. ومما جاء فيه أن معملة على هذا الوجه من أشعار المحدثين قول المتنبي: وأنكَ بالأمس كنت محتلما ... شيخ معد وأنت أمردها في قوله محتلما كلام رأيت إيراده لما فيه من الفائدة، وذلك أن

стр. 26

محتلما حال وخبر كان قوله: شيخ معد فالعامل في الحال كان ومن منع من إعمال كان في الأحوال فغير مأخوذ بقوله لأن الحال فضلة في الخبر منكورة فرائحة الفعل تعمل فيها فما ظنك بكان وهي فعل متصرف تعمل الرفع والنصب في الاسم الظاهر والمضمر وليست كلن في نصبها الحال بأسوأ حالاً من حرف التنبيه واسم الإشارة. وحكى أبو زكريا في تفسيره لشعر المتنبي عن أبي العلاء المعري أنه قال: زعم بعض النحويين أن كان لا تعمل في الحال، قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل في (محتلما) من قوله: أنك بالأمس (كنت محتلما الفعل المضمر الذي عمل في قوله: بالأمس)! وأقول: إن هذا القول سهو من قائله، وحاكيه، لأنك إذا علقت قوله: بالأمس بمحذوف فلا بد أن يكون (بالأمس) خبراً لأن أو لكان لأن الظرف لا تعلق بمحذوف إلا أن يكون خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة ولا يجوز أن يكون خبراً لأن ولا لكان لأن ظروف الزمان لا توقع أخباراً للجثث ول صفات لها ولا صلات ولا أحوالاً منها، وإذا استحال أن يتعلق قوله (بالأمس) بمحذوف علقته بكان وأعملت كان في (محتلما). والوجه الثاني من وجهي إعمال أن انك تعملها في مقدر وهو الضمير الشأن وتوقع بعدها الجملة خبراً عنها كقولك: علمت أن زيد قائم وأكثر قولي أن لا إله إلا الله، ومنه قوله تعالى: (وآخرُ دعواهمْ أنِ الحمدُ للهِ

стр. 27

ربِّ العالمينَ) التقدير: أنه قائم وأنه لا إله إلا الله وانه الحمد لله، ومثله: (أن لَّعنةُ اللهِ على الظاَّلمينَ) في قراءة من خفف ورفع، ومثله: (وناديناهُ أن يا إبراهيمُ قد صدَّقت الرُّؤيا) التقدير: أنه قد صدقت الرؤيا أو أنك قد دقت الرؤيا، ومنه قول الأعشى: في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل وإذا وليها الفعل لم يجمعوا عليها مع النقص الذي دخلها بحذف إحدى نونيها (وحذف) اسمها أن يليها ما لا يجوز أن يليها وهي مثقلة فكان الأحسن عندهم ال فصل بينها وبينه بأحد أربعة أحرف السين وسوف ولا وقد، تقول: علمت أن ستقوم وأن سوف تقوم وأن لا تقوم وأن قد تقوم، وفي التنزيل: (علم أن سيكون منكم مرضى) وفيه: (أفلا يرونَ ألَّا يرجعُ إليهمْ قولاً) وقال جرير:

стр. 28

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع وقال بن أبي الصلت: وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ... أن سوف يتبع أخرانا بأولانا وربما وليها الفعل بغير فصل كقوله تعالى: (وأن لَّيسَ لإنسان إلا ما سعى)، وإنما حسن أن يليها ليس لضعف ليس في الفعلية وذلك لعدم تصرفها، وقد وليها الفعل المتصرف في الشعر في قوله: إني زعيم يا نوي ... قة إن سلمت من الرزاح وسلمت من غرض الحتو ... ف من الغدوَّ إلى الرواحِ أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح رفع الفعل لأنه أراد أنك تهبطين. الرزاح الإعياء، يقال: إبل مرازيح

стр. 29

ورزحى ورزاحى. والطلاح جمع الطلح وهو شجر عظام كثير الشوك. وأما الطلح في قوله تعالى: (وطلحٍ مَّنضودٍ) فزعم المفسرون أنه الموز. فصل الأفعال التي تقع بعدها أن ثلاثة أضرب: ضرب قد ثبت في النفوس واستقر وهو علمت وأيقنت ورأيت في معنى علمت، وضرب بعكس هذا نحو طمعت وخفت واشتهيت، وضرب متوسط بينهما وهو حسبت وخلت وظننت. فالضرب الأول لا يقع بعده إلا الثقيلة والمخففة منها لأن التوكيد إنما يقتضيه ما ثبت في النفوس واستقر. والضرب الثاني لا يقع بعدها إلا المصدرية، تقول: طمعت أن تزورني وخفت أن تهجرني واشتهيت أن تواصلني. وفي التنزيل: (والَّذي أطمعُ أن يغفرَ لي خطيئتي) وفيه: (أخافُ أن يأكلهُ الذئبُ وأنتمْ عنهُ غافلونَ) والضرب الثالث تقع بعده المخففة والمصدرية كما جاء في التنزيل: (وحسبوا ألَّا تكونَ فتنةٌ) قرئ برفع تكون ونصبها. وق جاءت المخففة من الثقيلة بعد الخوف في قول أبي محجن الثقفي:

стр. 30

إذا مت فادفني إلى أل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف في قول آخر: .................... ... وما خفت يا سلام أنَّك قاطعي وأشد من هذا مجيئها بعده في التنزيل في قوله: (ولا تخافونَ أنَّكمْ أشركتمْ باللهِ). والثالث من أقسام أن استعمالها زائدة للتوكيد كقولك: لما أن جاء زيد أكرمته، ووالله أن لو أقمت لكان خيراً لك، قال: ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تباري بالخدود شبا العوالي القبل جمع الأقبل وهو الذي ينظر إلى طرف أنفه، وفي التنزيل: (فلمَّا أن جاءَ البشيرُ). والرابع كون أن بمعنى أي التي للعبارة والتفسير لما قبلها كقولك:

стр. 31

دعوت الناس أن رجعوا معناه: أي ارجعوا، قال الله تعالى: (وانطلقَ الملأُ منهمْ أن امشواْ) معناه: أي: امشوا، وقال جل شأنه: (وعهدنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن طهِّرا بيتي) معناه: أي طهرا، وتكون هذه في الأمر العام خاصة ولا تجيء إلا بعد كلام تام لأنها تفسير ولا موضع لها من الإعراب لأنها حرف يعبر به عن المعنى. فصل اختلف النحويون في مواضع من كاب الله تعالى منها قوله: (يبينُ اللهُ لكمْ أن تضلُّوا)، (ومنها: (يبين لكمْ على فترةٍ من الرُّسلِ أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ)، ومنها: (ألستُ بربّكمْ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كنَّا عنْ هذا غافلينَ)، ومنها: (وألقى في الأرضِ رواسيَ أن تميدَ بكمْ)، ومنها: (إنَّ اللهَ يمسكُ السماواتِ والأرضَ أن تزولا)، ومنها: (ولا تجهروا لهُ بالقولِ كجهرِ بعضكمْ لبعضٍ أن تحبطَ أعمالكمْ)، ومنها: (يحرجونَ الرَّسولَ وإيَّاكمْ أن تؤمنوا باللهِ ربِّكمْ)، وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم:

стр. 32

نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا فقال الكسائي والفراء: يبين لكم لئلا تضلوا، وقال أبو العباس المبرد: بل المعنى: كراهة أن تضلوا. وكذلك قوله: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم)، وقال الكوفيان معناه: لئلا تؤمنوا بالله، وقال المبرد: كراهة أن تؤمنوا بالله. وكذلك قول عمرو ابن كلثوم: فجعلنا القرى تشتمونا قالا معناه: لئلا تشتمونا، وقال أبو العباس: أراد كراهة أن تشتمونا، وقال علي بن عيسى الرماني: إن التقديرين في قوله تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا) واقعان موقعهما لأن، البيان لا يكون طريقاً إلى الضلال فمن حذف القسم في نحو: واله أقوم حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف لا. وأقول ليس يجري حذف لا في نحو: (يبين الله لكم أن تضلوا) مجرى حذفها من جواب القسم لأن الدلالة عليها إذا حذفت من جواب القس قائمة لأنك إذا قلت: والله أقوم، لو لم ترد لا لجئت باللام والنون فقلت: لأقومن. فصل زعم بعض النحويين أن (أنْ) قد استعملت بمعنى إذ في نحو: هجرني زيد أن ضربت عمرا، قال معناه: إذ ضربت واحتج بقول الله

стр. 33

تعالى: (وعجبوا أن جاءهم مُّنذرٌ منهمْ) قال: أراد إذ جاءهم وبقوله: (ألمْ ترَ إلى الَّذي حاجّ إبراهيمَ في ربّهِ أنْ آتاهُ اللهُ الملكَ)، وبقوله: (إنَّا نطمعُ أن يغفرَ لنا ربُّنا خطايانا أن كنَّا أوَّلَ المؤمنينَ)، وبقوله: (ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أنْ يكبرواْ)، وبقوله: (ولا يجرمنَّكمْ شنئانُ قوم أن صدُّكمْ عنِ المسجدِ الحرامِ)، وبقوله: (أفنضربُ عنكمُ الذّكرَ صفحاً أن كنتمْ قوماً مسرفينَ) في قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر: سالتاني الطلاق أن رأتاني ... قلَّ مالي قد جئتماني بنكر وبقول جميل: أحبك أنْ سكنت جبال حسمى ... وأنْ ناسبت بثنة من قريب وبقول الفرزدق:

стр. 34

أتغضب أنْ قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم وهذا قول خال من العربية والصواب أن (أنْ) في الآي المذكورة والأبيات الثلاثة على بابها فهي الفعل الذي وصلت به تأويل مصدر مفعول من أجله فقوله: (وعجبوا أنء جاءهم منذر منهم) استشهد به، ثم أقول أن تقدير إذ في بعض هذه الآي التي استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أن قوله تعالى: (ولا تأكلوها إسرافاً وبدارا أنْ يكبروا) لا يصح إلا بتقدير: من أجل أن يكبروا ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدرها في هذه الآية بالظرف الذي هو إذ ونب بها الفعل فحذف نون يكبرون كان فساداً ثانياً. قول جميل: ناسبت بثنة اسم محبوبته بثينة وإنما كبرها ضرورة والبثنة الزبدة.

стр. 35

المجلس الموفي الثمانين يتضمن ما وعدت به من ذكر زلات مكي بن أبي طالب المغربي في "مشكل إعراب القرآن " فمن ذلك أنه قال في قول الله سبحانه: (أولئكَ على هدًى منْ ربِّهمْ) واحد أولئك ذلك فإذا كان للمؤنث فواحده "ذي" أو "ذه" أو "تي". انتهى كلامه. وأقول إن أسماء الإشارة منها ما وضع للقريب ومنها ما وضع للمتراخي البعيد ومنها ما وضع للمتوسط. فالموضوع لقريب المذكر ذا والمؤنث ذي وذه وتا وللإثنين تان وللجماعة الذكور والإناث ألاء ممدود وألا مقصور وقالوا للمتوسط ذاك فزادوا الكاف وتيك ذانك وتانك واولاك وأولئك وقالوا للمتباعد الغائب ذلك

стр. 36

فزادوا اللام وتلك وتالك قال القطامي: .................. ... فان لتالك الغمم انقشاعاً وقالوا أولاك على هذا أنشدوا: أولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالكا وقالوا في المثنى ذانك وتانك فشددوا النون فكان الصواب أن يذكر مع أولئك ذاك وتيك فذكره ذي وذه خطأ والصحيح نظير ذي وذه للمؤنث تا فأما تي فمجهولة في أكثر الروايات. وقال في قوله (واللهُ محيطٌ بالكافرينَ): أصل محيط مُحْيِط ثم ألقيت حركة الياء على الحاء. والصحيح أن أصل محيط محوط لأنه من حاط يحوط والحائط أصله حاوط لأنك تقول حوطت المكان إذا

стр. 37

جعلت عليه حائطاً فألقيت كسرة الواو على الحاء فصارت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها كما صارت واو الوزن والوقت والوعد ياء في ميزان وميقات وميعاد. وقال في قوله تعالى: (كلَّما أضاءَ لهمْ مَّشوا فيهِ) كلما نصب على الظرف بمشوا وإذا كانت كلما ظرفاً فالعامل فيها الفعل الذي هو جاب لها وهو مشوا لأن فيها معنى الشرط فهي تحتاج إلى جواب ولا يعمل فيها أضاء لأنه في صلة "ما". ومثله: (كلَّما رزقوا) الجواب "قالوا" وهو العامل في كل وما اسم ناقص الفعل الذي يليه. انتهى كلامه. وأقول: إنه لا يجوز أن تكون "ما" في كلما هذه ونظائرهما اسماً ناقصاً لأن التقدير فيها إذا جعلتها ناقصة: كل الذي أضاء لهم البرق مشوا في البرق لأن الهاء التي في "فيه" تعود على البرق فلا ضمير إذن في الصلة يعود على الموصول ظاهراً ولا مقدراً والصحيح أن "ما" هنا نكرة موصوفة بالجملة (مقدرة باسم زمان فالمعنى كل وقت أضاء لهم البرق مشوا فيه فإن قيل: فإذا كانت نكرة موصوفة بالجملة) فلا بد أن يعود عليها من صفتها عائد كما لابد أن يعود على الموصول عائد من صلته فالجواب أن الجملة إذا وقعت صفة بخلافها إذا وقعت صلة لأن

стр. 38

الصلة مع الموصول بمنزلة اسم مفرد فلا معنى للموصول إلا بصلته وليس كذلك الصفة مع الموصول وإذا عرفت هذا عرفت هذا فالعائد من الجملة الوصفية إلى الموصوف محذوف التقدير: كل وقت أضاء لهم البرق فيه مشوا فيه فحذفت (فيه) هاهنا كما حذفت من الجملة الموصوف بها في قوله تعالى: (واتَّقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نَّفسٍ شيئاً) التقدير: لا تجزي فيه كما قال: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله). وقال في قوله: (إلَّا إبليسَ) إبليس نصب على الاستثناء المنقطع ولم ينصرف لأنه أعجمي معرفة. وقال أبو عبيدة: هو عربي مشتق من أبلس إذا يئس من الخير ولكنه لا نظير له في الأسماء وهو معرفة فلم ينصرف لذلك. قلت: إن كان يريد بقوله لا نظير له في الأسماء عدم نظير له في وزنه فليس هذا بصحيح لأن مثال إفعيل كثير في العربية كقولهم للطلع إغريض وللعصفر إحريص وللسنام الطويل إطريح ولا خلاف في أنك لو

стр. 39

سميت بإغريض ونحوه لصرفت. وإن كان يريد أنه لا نظير له في هذا التركيب على هذا المثال فكذلك إغريض منفرد بهذا التركيب على هذا المثال ولو انضم التعريف إلى لم يمتنع من الصرف وأبو عبيدة إنما كان صاحب لغة. وقال في قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً). قوله كفاراً مفعول ثان ليردونكم وإن شئت جعلته حالاً من الكاف والميم يردونكم. قلت: لا يجوز أن يكون قوله (كفاراً) مفعولاً ثانياً ليردونكم لأن رد ليس مما يقتضي مفعولين كما يقتضي مفعولين كما يقتضي ذلك باب أعطيت بدلالة أنه إذا قيل: أعطيت زيدا قلت: ماذا أعطيته فيقال: درها أو الدرهم الصحيح أو نحو ذلك. ولو قيل: ردت زيدا لم تقل: ماذا رددته فبهذا تعتبر الفعل المتعدي وغير المتعدي ويزيد ذلك وضوحاً أن منصوب رددت الثاني يلزمه التنكير والإشقاق وأن يكون هو الأول كقولك: رددت زيدا مسروراً ورددته ماشيا ورددته راكباً ولو كان مفعولاً به لم تلزمه هذه الأشياء، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدا الدرهم فتجد في المنصوب الثاني التعريف والجمود وأنه غير الألو ثم يجوز مع هذا أن يكون المنصوب الثاني في هذا الباب مضمراً تقول: الدرهم أعطيته وأعطيتك إياه وجميع هذه الأوصاف لا يصح فيها وصف واحد في قولك: رددت زيدا راكباً

стр. 40

ونحو حتى أن التعريف وحده ممتنع تقول: ردتكم ركبانا ولا تقول: رددتكم الركبان ولا رددتك الراكب. وقال في قوله: (حسداً من عند أنفسهم) من متعلقة بحسد فيجوز الوقف على "كفاراً" ولا على "حسداً". قلت: إن قول النحويين هذا الجار متعلق بهذا الفعل يريدون أن العرب وصلته به واستمر سماع ذلك منهم فقالوا: رغبت في زيد ورضيت عن جعفر وعجبت من بشر وغضبت على بكر ومررت بخالد وانطلقت إلى محمد وكذلك قالوا: حسدت زيداً على علمه وعلى ابنه ولم يقولوا حسدته من ابنه وكذلك وددت لم يعلقوا به من فثبت بهذا أن قوله "من عند أنفسهم" لا يتعلق بحسداً ولا بود ولكنه تعلق بمحذوف يكون وصفاً لحسد أو وصفاً لمصدر ود فكأنه قيل: حسداً كائناً من عند أنفسهم أو ودا كائنا من عند أنفسهم. وقال في قوله: (كذلكَ قال الَّذينَ لا يعلمونَ) و (كذلكَ قالَ الَّذينَ من قبلهم) الكاف في الموضعين في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي قولاً مثل ذلك قال الذين لا يعلمون وقولاً مثل ذلك قال الذين من قبلهم ثم قال: ويجوز أن تكونا في موضع رفع على
следующие страницы →