← Адаб

Адаб · id 5354

ما لم ينشر من الأمالي الشجرية

ابن الشجري

Полный текст (153 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الرَّسولَ لوْ تسوَّى بهم الأرضُ) والمعنى: لو يجعلون والأرض سواء كما قال: (يومَ ينظرُ المرءُ ما قدَّمتْ يداهُ ويقولُ الكافرُ يا ليتني كنتُ تراباً) وهذا استدلال أبي علي. ويجري مجرى التمني فيما ذكرته الخوف، وقد جاء: (وأخاف أن يأكله الذئب)، وجاء (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله)، ومثل تمنيت اشتهيت، قال أبو تمام: مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر وجاء صريح التمني في قول الآخر: ما روضةٌ إلا تمنَّتْ أنّها ... لك مضجعٌ ولخطِّ قبرك موضعُ ويجوز أن تكون (ممنى) منصوبة نصب الظروف والجملة التي هي كان واسمها وخبرها نعت لها فتتصل أن بما قبلها كأنه قال: في منى كن لي أن البياض خضاب أي في جملة منى كما قالوا: أحقاً أنك ذاهب، وأكبر ظني انك مقيم، يردون: في حق وفي أكبر ظني. وإذا أردت

стр. 72

معنى الظرفية في (منى) فلك في أن مذهبان: فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيين رفع بالظرف يرتفع عند سيبويه بالظرف ارتفاع الفاعل، وقد مثل ذلك بقوله: غداً الرحيل، وأحقاً أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب قال: حملوه على: أفي حق أنك ذاهب، قال: وكذلك إن أخبرت فقلت: حقاً أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب، وأكبر ظني أنك ذاهب. وإذا كان هذا مذهب سيبويه مع من ذكرناه فالمنية تقارب الظن، فيحسن أن تقول: أكبر مناي أنك ذاهب فتنصب (أكبر) بتقدير (في)، وأنشد سيبويه في ذلك للأسود بن يعفر: أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلِ ... تهددكم إيايَ وسطَ المجلسِ وأنشد: أحقاً أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريقُ في أبيات أخر، فهذا أحد المذهبين. والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه يرفع اسم الحدث بالابتداء ويخبر بالظرف المتقدم، حكى ذلك عنه سيبويه في قوله: وزعم الخليل أن (التهدد) ههنا، يعني في بيت الأسود، بمنزلة:

стр. 73

الرحيل بعد غد وأن (أن) بمنزلة وموضعها كموضعه. انتهت حكايته عن الخليل وأقول: إن اعترض معترض وقال: كيف تحكمون على أن المفتوحة بالابتداء والعرب لم تبتدئ بها؟ فالجواب: أنهم لم يبتدئوا بها لئلا يعرضوها لدخول إن المكسورة عليها، وإذا كانوا قد كرهوا دخول المكسورة على لام التوكيد لأنهما بمعنى واحد فكراهيتهم لدخولها على أن مع تقارب لفظيهما واتفاقهما في العمل والمعنى أشد فلما ألزموها التأخير استجازوا رفعها بالابتداء لأن إن المكسورة لا تباشرها إذا دخلت على الجملة كقولك: إن من الصواب أنك تنطلق، ومثل قوله: أحقاً أن جيرتنا استقلوا، (ومنْ آياتهِ أنَّكَ ترى الأرضَ خاشعةً) على المذهبين. قال أبو العلاء المعري في تفسير قوله: منًى كنَّ لي ... البيت: لو إن هذا الكلام في غير الشعر لكان ثبوت الألف واللام في (شباب) أحسن لأنه مضاه لقولهم: المشيب، وكانت العرب في الجاهيلة إذا اتفق لها مثل هذا آثرت دخول لام التعريف وإن قبح في السمع، وأكثر ما يجيء في شعر امرئ القيس فمنه قوله: فان أمسِ مكروباً فيا ربَّ بهمةٍ ... كشفت إذا ما اسودَّ وجهُ الجبانِ فقد أساءت الألف واللام والوزن عند السامع وآثرها قائل البيت على الحذف ولو حذف لكان الحذف أحسن في الغريزة ولكن دخول الألف واللام أثبت في تمكين اللفظ، وكذلك قوله:

стр. 74

فلما أجنّ الشّمسَ عني غؤورها ... نزلت إليه قائماً بالحضيضِ وأقول: إن اللام فيما ذكره أبو العلاء لا تخلو أن تكون لتعريف الجنس أو تكون عوضاً من تعريف الإضافة إلى الضمير فكونها لتعريف الجنس في مثل قوله: وجه الجبان، وكونها عوضاً من تعريف الإضافة في مثل قولك: حسن الوجه، الأصل: حسن وجهه فلما حذفت الهاء من وجهه عرفته باللام، ولو قلت: حسن وجهٍ، جاز على ضعف لأنه قد علم أنك لا تعني من الوجوه إلا وجه المذكور، فحق شباب في بيت المتنبي أن يكون معرفاً باللام عوضاً من تعريف الإضافة إلى الضمير من حيث كان مراده، شبابي فدخول اللام ههنا لو استعمل أقلق الوزن إلا أنه كان يكمل المعنى واللفظ على أن إسقاط اللام منه زحاف، وقد قيل: رب زحاف أطيب في الذوق من الأصل. قال أبو الفتح في تفسير البيت: يقول شيبي هذا منى كن لي قديماً وإنما كنت أتمنى المشيب ليخفي شبابي. والقرون الذوائب واحدها قرن.

стр. 75

مسألة الفرق بين اسم الفاعل والمصدر في العمل إن اسم الفاعل يضاف إلى المفعول ولا يضاف إلى الفاعل لأن اسم الفاعل عبارة عن الفاعل والشيء لا يضاف إلى نفسه. والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. واسم الفاعل يعمل إذا كان للحال أو الاستقبال ولا يعمل إذا كان لما مضى وذلك لأن اسم الفاعل يشبه الفعل المضارع ولا يشبه الماضي من جهة أنه يجري على المضارع في حركاته وسكونه وعدد حروفه فمدحرج جار على يدحرج وليس بجار على دحرج فلما أشبه بجريانه عليه حمل عليه في العمل وحمل الفعل على اسم الفاعل في الإعراب. والمصدر يعمل إن كان للماضي من الزمان أو الحاضر أو المستقبل. ومن الفرق بينهما أن المصدر يعمل معتمداً وغير معتمد واسم الفاعل لا يعمل عند سيبويه إلا معتمداً واعتماده أن يكون وصفاً أو خبراً أو حالاً ويعتمد على الموصوف أو المخبر عنه أو ذي الحال. واسم الفاعل يضمر الفاعل فيه والمصدر يحذف الفاعل منه، وإنما أضمر الفاعل في اسم الفاعل لأنه مشتق من الفعل فاضمروا فيه الفاعل كما أضمروه في الفعل والمصدر بعكس ذلك لأن الفعل مشتق منه. واسم الفاعل يتقدم منصوبه عليه كما يتقدم على الفعل، والمصدر لا يتقدم عليه منصوبه لأن المصدر المعمل عمل الفعل مقدر بأن والفعل وأن حرف موصول والصلة لا تتقدم على المصول لأنهما بمنزلة كلمة فإن شئت قدرته بأن وفعل سمي فاعله وإن شئت بأن وفعل لم يسم فاعله، فالأول كقول الله تعالى: (فمن تابَ منْ بعدِ ظلمهِ) أي: من بعد أن ظلم، والثاني كقوله: (ولمنِ انتصرَ بعدَ ظلمهِ) أي: بعد أن ظلم.

стр. 76

المجلس الثاني والثمانون يتضمن ذكر أبيات من شعر أبي الطيب منها قوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ: يمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم ذهب باليدين والرجلين مذهب الأعضاء فذكر على المعنى، كما قال الأعشى: يضم إلى كشيحة كفا مخضبا وكان القياس أن تقول: بأربع ولكنه ألحق الهاء ضرورة، وقد أنثوا المذكر على المعنى فيما رواه الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابياً يمانياً يقول: فلان لغوب جاءته كنابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: أليس هو بصحيفة؟

стр. 77

فقلت له: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق، وقال الشاعر: أحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النصور ويروى: الغيور، أنث الحدثان على معنى الحادثة. ومن تأنيث المذكر على المعنى تأنيث الأمثال في قوله : (من جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشرُ أمثالها) لأن الأمثال في المعنى حسنات فالتقدير: عشر حسنات أمثالها، وإذا كانوا قد أنثوا المذكر على المعنى فتذكير لمؤنث أسهل لأن حمل الفرع على الأصل أسهل من حمل الأصل على الفرع. وقال: على أعقابه، فجمع في موضع التثنية وحقه في الكلام: على عقبيه كما جاء في التنزيل: (نكصَ على عقبيهِ)، ولكنهم جمعوا في موضع الإفراد فقالوا: شابت مفرقه، وبعير ذو عثانين. وقال الشاعر: والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر فجمع التربية واللبة بما حولهما، وإذا كان هذا قد جاز في موضع الواحد فالجمع التثنية أجوز. فأما أعراب (وراء) مع حذف المضاف إليه فإن الغايات وهي الظروف التي حذفوا منها المضاف إليه وبنوها على الضم كقبل وبعد وفوق وتحت إنما بنوها لأن المضاف إليه

стр. 78

مقدر عندهم حتى أنها متعرفة به محذوفاً، فلما اقتصروا على المضاف فجعلوه نهاية صار كبعض الاسم لا يعرب، فإن نكروا شيئاً من ذلك أعربوه فقالوا: جئت قبلا ومن قبل وبعداً ومن بعد، قال الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلا ... أكاد أغص بالماء الحميم وقرأ لبعض القراء: (للهِ الأمرُ من قبلُ ومنْ بعدُ) فأعرب لنية التنكير فقوله: ن وراء، على تقدير التنكير كأنه قال: من جهة تخالف وجهه يلجم، والعلج (يجمع علوجاً وإعلاجاً كجذوع وأجذاع والعلج) الرجل العجمي والحمار الوحشي، وقالوا: رجل علج أي شديد، واشتقاقه من المعالجة كأنه لشدته يعالج الشيء الثقيل، وقالوا لحمار الوحش علج لأنه يعالج أتنه يعاركها، وقالوا: اعتلجت الأمواج، التطمت. يقول: يمشي القهقرى على أربعة كالبهيمة جعل ما يوج في قيه لجاماً. ومنها قوله: وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفة أو فتَّ فيها حصرم

стр. 79

أراد أنه أبداً يحرك جفونه يستدعي بذلك العلوج فإشارته إليهم بجفونه متتابعة حتى كأن بعينه طرفة أو حصرماً فت فيها فهي لا تستقر، وفت معطوف على مطروفة وليس من حق الفعل أن يعطف على الاسم ولا حق للاسم أن يعطف على الفعل ولكن ساغ ذلك في اسم الفاعل واسم المفعول لما بينهما وبين الفعل من التقارب بالاشتقاق والمعنى ولذلك عملاً عمله، فمما عطف فيه الفعل على الاسم قوله تعالى: "أوَ لمْ يرواْ إلى الطَّيرِ فوقهمْ صافَّاتٍ ويقبضنَ) وقوله: (إنَّ المصَّدقينَ والمصَّدقاتِ وأقرضواْ اللهَ قرضاً حسناً). ومما عطف فيه الاسم على الفعل قول الراجز: تبيت لا تأوى ولا نفاشاً قول الآخر: بات يغشيها بعضب باترٍ ... يقصد في أسؤقها وجائر وإنما ساغ ذلك في هذا الضرب من الأسماء لصحة تقدير الاسم بالفعل والفعل بالاسم فالتقدير: صافات وقابضات، وإن الذين تصدقوا وأقرضوا الله، ولا تأوى ولا تنفش، ويقصد في أسؤقها، ويجور، وطرفت وفت فيها حصرم. النفاش الغنم التي تنتشر بالليل فترعى بلا راع وكذلك

стр. 80

الإبل. يقال نفشت تنفش نفشاً مفتوح الثاني، وفي التنزيل: (وداودَ وسليمانَ إذْ يحكمانِ في الحرثِ إذْ نفشتْ فيهِ غنمُ القومِ). ومنها: وإذا أشار محدثاً فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوزٌ تلطم إن قيل: كيف قابل القهقهة وهي صوت باللطم وليس بصوت وإنما كان حق الكلام أن يضع في موضع تلطم تولول أو تبكي أو نحو ذلك لأنه إنما شبه حديثه بقهقهة القرد فشبه صوتاً بصوت ولا معنى لتشبيه الحديث باللطم، وعن هذا السؤال جوابان: أحدهما أنه شبه حديثه بقهقهة قرد أو بلطم عجوز خدها في مناحة ولطم النساء في المناحة لا بد أن يصحبه صوت فلما اضطره الوزن والقافية إلى ذكر اللطم الدال على الولولة والنوح اكتفى بذكر الدليل عن المدلول عليه وأوهنا للإباحة فكأنه وتولول فكذلك، والجواب الثاني: إنه شبه شيئين بشيئين، شبه حديثه بقهقهة القرد وشبه إشارته في أثناء حديثه بلطم العجوز، وإنما جعل حديثه كضحك القرد لأنه لعيه غير مفهوم الحديث وجعله مشيراً بيديه لأنه لا يقدر على الإفصاح فهو يستعين بالإشارة إذا حدث كما أشار باقل حين عجز عن الجواب وقد مر بقوم ومعه ظبي اشتراه بأحد

стр. 81

عشر درهماً، وهو متأبطه، فقالوا له: بكم اشتريت الظبي فمد يديه وفرق أصابعه ودلع لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم وبلسانه درهماً، فشرد الظبي حين مد يديه. وقد ضمن هذا التشبيه معنى آخر وهو أنه أراد قبح وجهه وكثرة تشنجه فهو في القبح كوجه القرد وفي التغضن، وهو التشنج، كوجه العجوز، فأن قيل: كيف يشبه شيئين بشيئين ويعطف بأو وهي لأحد الشيئين وإنما حق ذلك العطف بالواو لأن التقدير: وإذا أشار محدثاً فكأنه في حديثه قرد يقهقه وفي إشارته إلى عجوز تلطم؟ فعن هذا الاعتراض جوابان: أحدهما أن (أو) ههنا للإباحة، وقد قدمت ذكر ذلك، والثاني أن (أو) قد وردت في مواضع من كلام العرب بمعنى الواو واعتمد بعض النحويين على ذلك، وأنشدوا: فقلت البثوا شهرين أو نصف ثالثٍ ... إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيتا أراد: ونصف ثالث. قال الأصمعي: الكركرة والقهقهة رفع الصوت بالضحك والاستغراب أشد منهما قوله: يقلى مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمم القلى البغض مكسور مقصور، وقد صرفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه مثل رماه يرميه وقليه يقلاه مثل رضيه يرضاه وهو من الياء بدلالة

стр. 82

يقلي، ولو كان من الواو كان يقلو وأنشدوا في يقلي: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي وفي التنزيل: (ما ودَّعكَ ربُّكَ وما قلى). وروى أبو الفتح لغة ثالثة: قلاه يقلوه قلاءً مثل رجاه يرجوه رجاء وأنشد: أن تقل بعد الود أم محلمٍ ... فسيّان عندي ودها وقلاؤها والقذال جماع مؤخر الرأس، ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد يقلي إليه كأنه قال: يبغض قذاله مفرقة الأكف إياه ويجري إسناد البغض إلى القذال مجرى إسناد الاشتهاء إلى السفن في قوله: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. والوجه أن تضمر في قلي فاعلاً وتعمل المفارقة في القذال، فإن نصبته فالأكف فاعلة وإن رفعته فالأكف مفعولة على منهاج: قرع القواقيز أفواه الأباريق.

стр. 83

يقول: يحب أن يقفد حتى أنه ليكاد يتعمم على يد قافده أي صافعه، فقوله: يقلي مفارقة الأكف قذاله، كقولك: يحب مواصلة الأكف قفاه. ومنها قوله: وتراه أصغر ما تراه ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم هذا البيت قد تكلمت عليه وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدمته من الأمالي، وهو والأبيات الأربعة التي ذكرتها قبله وذكرت ما اقتضته من التفسير مهملة كلها في تفسير أبي زكريا لم يصحب بيتاً منها كلمة فذة، وأبو الفتح ذكر في بيتين منها أحرفاً يسيرة. حذف أبو الطيب أن ورفع الفعل في قوله: يا حاديي عيرها وأحسبني=وأوجد ميتاً قبيل أفقدها وحذفها في هذا النحو للضرورة، ولا يجوز عند البصريين النصب بها مضمرة إلا بعد عوض كإضمارها بعد الفاء في جواب ما ليس بواجب كالنهي في قوله تعالى: (لا تفترواْ على اللهِ كذباً فيسحتكمْ) والكوفيون يرون النصب بها محذوفة وإن لم يكن عوض وينشدون قول طرفة:

стр. 84

ألا أيها الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي بنصب: أحضر، وعلى مذهبهم قال أبو الطيب: بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيهاً ويمنعها الحياء تميساً والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن كقولك: خرجت قبيل الظهر وبعيد المغرب وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح يصف ذنب فرسه: بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل الضافي السابغ، والأعزل من الأذناب الذي يميل يمنة أو يسرة، فإن قيل: لم كان حذف أن اضطراراً في قوله: قبيل أفقدها وظاهر أمر قبل وبعد أنهما ظرفا زمان فهلا أضيفا إلى الفعل بغير تقدير أن كسائر أسماء الزمان؟ فالجواب: أن المكان أحق بهما من الزمان وقد أوضح حالهما أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب في قوله: أن قبل وبعد غير متمكنين فلا يرفعان ولا يجوز: سير قبلك، والذي منعهما

стр. 85

من التصرف والرفع أنهما ليسا باسمين لشيء من الأوقات كالليل والنهار والساعة والظهر والعصر، وإنما استعملا في الوقت للدلالة على التقديم والتأخير، يعين أنك إذا قلت: جئت قبل زيد، أردت تقديم زمان مجيئك على زمان مجيئه (وإذا قلت: جئت بعده، أردت تأخير زمان مجيئك عن زمان مجيئه)، ويشهد بأن أصلها المكان ثلاثة أشياء: أحدها امتناعهم من إضافتهما إلى الفعل في حال السعة وإنما يضافان إلى أن والفعل وما والفعل كما جاء في التنزيل: (من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا). والثاني: إخبارك بهما عن الجثة كقولك: الجبل بعد الوادي والوادي قبل الجبل، وظروف الزمان لا تستعمل أخباراً عن الأشخاص. والثالث: أنهما أصل في الغايات ولم نجدهم أدخلوا في حكمهما إلا ظروف المكان كفوق وتحت ووراء وقدام وعل، فهذا قول جلي كما تراه والمتسمون بالنحو قبيل وقتنا هذا ممن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته فاستمسك بما ذكرته لك فقد أقمت لك برهانه. وهذه المسألة مما ذكرته في الرد على أبي الكرم بن الدباس في كتابه الذي سماه: المعلم من مشكل أبي علي في الإيضاح. قوله في باب الجمع الذي على حد التثنية: لو سميت رجلاً بخالد أو حاتم وكسرته، قلت: خوالد وحواتم كما تقول: كاهل وكواهل، ولو

стр. 86

سميته أحمر لقلت: الأحمرون والأحامر، وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح فهذا اجدر، ومن قال: الحرث فقياس قوله أن يقول: حمر، وإن نكره كان قياس قوله أن لا يصرف بلا خلاف. وأقول: إن كل ما كان من الصفات على مثال فاعل كالجالس وضارب فأنهم لك يجمعوه على فواعل وصفاً للرجال لئلا يلتبس بفواعل إذا أريد به النساء كقولك: نسوة جوالس وضواحك كما جاء في التنزيل: (والقواعدُ منَ النِّساءِ)، وشذ من جمع الرجال (فوارس)، وذلك لاختصاص هذا الوصف بالرجال، فإن سموا رجلاً بوصف على هذا المثال كخالد وحاتم وحارث كسروه على فواعل، وإنما استجازوا جمعه علماً على فواعل لخروجه من الوصفية (إلى العلمية، كما أن أحمر لا يجمع وصفاً إلا على فعل فإذا أخرجوه عن الوصفية) بالتسمية جمعوه جمع السلامة لأنه صار كأحمد وأكثم فقالوا: الأحمرون كما قالوا الأحمدون وكسروه على الأفاعل كما قالوا في العلم (الأحامد وفي غير العلم) الأجادل. وقوله: وإذا كانوا قد قالوا الأباطح فهذا أجدر: يعني أن الأبطح ومؤنثه مما أخرجته العرب عن الوصفية فلم يجروه على ما قبله فيقولوا: مكان أبطح ولا بقعة بطحاء، وكذلك الأبرق والبرقاء، فالأبطح والأبرق صفتان غالبتان بمعنى أنهما غلبا على الاسمية فلم يجريا على موصوف وجمع المذكر منهما على الأفاعيل فقيل: الأباطح والأبارق كما جمع الاسم عليه كالأزمل والأزامل، ولم يجمعوا مؤنثهما على

стр. 87

قياس باب حمراء فيقولوا: بطح وبرق لمفارقتهما له من حيث لم يجريا على موصوف بل شبهوهما لتأنيثهما وفتح أولهما بباب جفنة فقالوا: بطحاوات وبرقاوات كصحراوات، كما شبهوا باب الكبرى لتأنيثه وضم أوله بباب غرفة فقالوا: الكبر كما قالوا: الغرف، وكذلك قالوا في تكسيرهما: بطاح وبراق كجفان وقصاع، فإن سميت بأحمر وجمعته على الأحامر عن معناه بنقله إلى العلمية، والأبطح خارج عن معناه الوصفي الذي وضع له، ونقيض هذا قول من جمع الحارث على الحرث، وذلك أنهم ردوه بهذا الجمع إلى الوصفية فجمعوه على فعل كشاهد وشهد وصائم وصوم وغاز وغزى، فقياس هذا أن يجمع أحمر علماً على مثال جمعه وصفاً فيقال: حمر، وإن نكرته على هذا القول قلت: مررت بأحمر وأحمر آخر، فلم تصرفه نكرة لمراعاة الوفية فيه من حيث جمع على حمر. وقوله: بلا خلاف، يعني بلا خلاف بين سيبويه والأخفش لأن سيبويه إذا سمى رجلاً بأحمر ثم نكره لم يصرفه مراعاة للوصف فيه، والأخفش يصرفه لزوال الوصف بالتسمية، وقد أوردت هذه المسألة فيما تقدم، فههنا يوافق الأخفش سيبويه فلا يصرفه منكراً لأن جمعه على فعل مصرح له بالوصفية. الأبطح والبطحاء: كل مكان متسع، والأبرق والبرقاء: مكان ذو حجارة مختلفة الألوان، والكاهل: ما بين الكتفين، والحارث في أصل وضعه: الكاسب، والأزمل: الصوت، والأجدل: الصقر.

стр. 88

وقال أبو علي في باب الأفعال المنصوبة: وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، أن جعلت بمعنى وقع جاز الرفع والنصب في (أدخلها)، وإن جعلت المفتقرة إلى الخبر وجعلت أمس من صلة السير لم يجز إلا النصب لأنك إن رفعت بقيت كان بلا خبر وإذا نصبت كان لقولك: حتى أدخلها في موضع الخبر، انتهى كلامه. وأقول: إنك إن جعلت كان بمعنى وقع فالكلام يتم إذا قلت: كان سيري، فإن جعلت حتى غاية جاز أن تعلقها بكان وجاز أن تعلقها بالسير، وإن جعلتها للاستئناف فقد أتيت بجملة تامة بعد جملة تامة، فإن جعلت كان الناقصة وجعلت (أمس) خبراً لها علقته بمحذوف وجاز أيضاً في (أدخلها) الرفع والنصب، وإن علقت (أمس) بالسير احتجت إلى خبر لكان، فإن جعلت (حتى) غاية فهي وما بعدها في تأويل إلى ومجرورها لأن التقدير: حتى أن أدخلها أي: حتى دخولها والمعنى: إلى دخولها، فكأنك قلت: كان سيري إلى دخول المدينة (فإلى متعلقة بمحذوف أي منتهياً إلى دخول المدينة، وإذا جعلت حتى للاستئناف فالتقدير: كان سيري حتى أن أدخل المدينة) فالجملة التي هي: حتى أن أدخل المدينة خالية من ضمير يعود على اسم كان ظاهر ومقدر. من روى لأبي الطيب: نرى عظماً بالبين والصد أعظم فالمعنى: إن البين يزيله قطع المسافة والصد لا تقطع مسافته.

стр. 89

ومن روى: نرى عظماً بالصد والبينُ أعظم فالمعنى: إن الحبيب وإن صد فعين المحب تدركه وإذا فارق حال البعد من النظر إليه. وقوله: خوذٌ جنت بيني وبين عواذلي ... حربا وغادرت الفؤاد وطيسا الوطيس في العربية مستعمل على معنيين: أحدهما معركة الحرب والآخر تنور من حديد وقيل قول ثالث: إنها حفرة يختبز فيها. وقيل: أول من قال: الآن حمي الوطيس، النبي ﷺ ، يريد الحرب، سبه اشتعالها باشتعال النار في التنور، قال ذلك يوم حنين. وقال تأبط شراً: إني إذا حميَ الوطيسُ وأوقدتُ ... للحربِ نار منيةٍ لم أنكلِ قال أبو الفتح: حمل الوطيس في البيت على التنور أشبه لأنه يريد حرارة قلبه. والقول الآخر غير ممتنع ههنا لأنهم يقولون: حميت الحرب واحتدمت وتضرمت، وأقول إن الأحسن عندي أن يكون أراد

стр. 90

معركة الحرب لأمرين: أحدهما قوله: جنت حرباً، والآخر أن حرب العواذل إنما يكون باللوم واللوم إنما يلحق القلب دون غيره من الأعضاء فهو معركة حربهن. وقوله في أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب: لا تكثر الأموات كثرة قلّة ... إلّا إذا شقيت بك الأحياء أراد بقوله: كثرة قلة، كثرة يقل لها الأحياء، قدر أبو الفتح مضافاً محذوفاً من قوله: بك، قال: أراد شقيت بفقدك، وذهب أبو العلاء المعري إلى القلة إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت منهم وإما لأن الميت يقل في نفسه. وقال أبو زكريا: قول أبي الفتح شقيت بك يريد بفقدك يحيل معنى البيت لأن الأحياء شقوا به لأنه قتلهم. وأقول: إن الصحيح قول أبي الفتح إنه أراد شقيت بفقدك، وبهذا فسره علي بن عيسى الربعي قال: ذهب إلى أنه نعمة على الأحياء وفقده شقاء لهم. ومما حذفت منه هذه اللفظة التي هي الفقد قول المرقش: ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراءِ المرءِ ما يعلم

стр. 91

أراد: ليس على فقد طول الحياة، لا بد من تقدير هذا. وأظهر هذه اللفظة في هذا المعنى بعينه، وهو كون حياته نعمة وكون موته شقاء ونقمة الشاعر في قوله: لعمرك ما الرَّزيّة فقد مالٍ ... ولا شاةٌ تموت ولا بعير ولكنَّ الرزيّة فقد حرٍّ ... يموت لموته خلقٌ كثير وقد صرح بهذا المعنى ما رواه الربعي عن المتنبي أنه قال: قال لي أبو عمر السلمي: عدت أبا علي الأوارجي في علته التي مات فيها بمصر فاستنشدني: لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ .... فأنشدته فجعل يستعيده ويبكي حتى مات. فإذا كان المتنبي حكى هذا فهل يجوز أن يكون المعنى إلا على ما قدره أبو الفتح. وقوله: لم تسم يا هارون إلا بعدما أق ... ترعت ونازعت اسمك الأسماء قال فيه أبو الفتح أراد لم تسم بهذا الاسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء فكل أراد أن يسمى بع فخراً بك. وقال أبو العلاء: أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم ههنا في معنى الصيت كما يقال: فلان قد ظهر اسمه أي قد ذهب صيته في الناس فذكره لا يشاركه فيه أحد وماله يشترك فيه الناس، فأما أن يكون عنى باسمه هارون فهذا يحتمله ادعاء

стр. 92

الشعراء وهو مستحيل في الحقيقة لأن العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون. والذي ذهب إليه أبو الفتح من إرادته اسمه العلم هو الصواب، وقول المعري أن الاسم هنا يريد به الصيت ليس بشيء يعول عليه لأن قول أبي الطيب: لم تسم معناه: لم يجعل لك اسم، وأما دفع المعري أن يكون المراد الاسم العلم بقوله: إن في الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمل لفظ صدر البيت الذي يلي هذا البيت وهو قوله: فغدوتَ واسمك فيك غير مشاركٍ والمعنى: إن اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء فمعارضته بأن في الناس جماعة يعرفون بهارون إنما يلزم أبا الطيب لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك في اسمك، فلم يفرق المعري بين أن يقال: اسمك مشارك فيك وأن يقال: أنت غير مشارك في اسمك، وإنما أراد: إن اسمك انفرد بك دون الأسماء ولم يرد: انك انفردت باسمك دون الناس. فاللفظان متضادان كما ترى.

стр. 93

المجلس الثالث والثمانون تفسير قول أبي الطيب المتنبي: عزيز أسا من داؤه الحدق النجل ... عياءٌ به ماتَ المحبون من قبل روى بعض الرواة: عزيز أساً بتنوين أساً ونصبه على التمييز كما تقول: عزيز دواء زيد، فرفعوا (من) بالابتداء وعزيز خبرها لأن (من) معرفة بصلتها أو نكرة مخصصة بصفتها فهي أولى بالابتداء في كلا وجهيها، وصفة من تكون على ضربين جملة ومفرد، فالجملة في قول عمرو بن قميئة: يا ربَّ من يبغضُ أذوادنا ... رحنَ على بغضائه واغتدين وفي قول الآخر:

стр. 94

ربّ من انضجتَ غيظاً صدره ... قد تمنى لي موتاً لم يطع والمفرد في قول حسان: فكفى بنا فضلا على من غيرنا=حب النبي محمدٍ إيّانا فمن نكرة البيت الأول والثاني لأن رب لا تليها المعرفة، وفي البيت الثالث لأن المفرد لا يكون صلة فكأنه قال: على ناس غيرنا (أو قومٍ غيرنا)، وإن رفعت (غيرنا) بأنه خبر مبتدأ محذوف تريد: من هو غيرنا، فجعلت (من) موصولة كقراءة من قرأ: (تماماً على الَّذي أحسنَ)، يريد: هو أحسن، جاز، ومثله ما رواه الخليل من قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً. ويجوز في قول من نون أساً أن يرفع (من) بعزيز رفع الفاعل بفعله على ما يراه الأخفش والكوفيون من إعمال اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة باسم الفاعل وإن لم يعتمدن، كقولك: قائم غلاماك ومضروب صاحباك وظريف أخواك، والوجه أعمالهن إذا اعمدن على مخبر عنه أو موصوف أو ذي حال، وأقل ما يعتمدن عليه همزة الاستفهام وما النافية.

стр. 95

وروى آخرون إضافة أساً ورفعه بالابتداء لتخصصه بالإضافة وعزيز خبره. وإن شئت رفعت عزيزاً بالابتداء ورفعت أساً على المذهب الأضعف. وأما عياء ففي رفعه ثلاثة أوجه: إن شئت جعلته خبراً بعد خبر كقولهم: هذا حلو حامض أي قد جمع الطعمين. وإن شئت أبدلته من الحدق لأنها هي الداء في المعنى فكأنك قلت: من داؤه عياء. وعزيز هنا يحتمل أن يكون من عز الشيء إذا قل وجوده، ويحتمل أن يراد به: شديد صعب غالب للصبر من قولهم: عزه يعزه إذا غلبه، ومنه: (عزيزٌ عليه ما عنتُّم) أي شديد عليكم عنتكم أي هلاككم. وللأسى وجهان: أحدهما الحزن وفعله أسيَ يأسى والآخر العلاج والإصلاح وفعله: أسا يأسو، يقال: أسوت الجرح، إذا أصلحته وداويته، أسواً وأساً، قال الأعشى: عنده الحزمُ والتُّقى وأسا الصَّر ... عِ وحملٌ لمضلعِ الأثقالِ وحدفة العين: سوادها والجمع حدق وحداق فحدق من باب قصبة وقصب وحداق مثل رقبة ورقاب ورحبة ورحاب. والنجل جمع نجلاء والمصدر النجل وهو السعة في حسن. تفسير قوله

стр. 96

كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إيّاكَ لم ترني يتوجه في هذا البيت سؤال عن الفرق في الإعراب بين: كفى بجسمي نحولاً (وكفى باللِه وكيلاً). وسؤال ثانٍ وهو أن أنَّ المفتوحة تكون مع خبرها في تأويل مصدر كقولك: بلغني أنك ذاهب أي بلغني ذهابك، فبأي مصدر تتقدر في هذا البت. وسؤال ثالث وهو أن يقال أن الجملة التي هي: لولا مخاطبتي إياك لم ترني، وصف لرجل ورجل اسم غيبة فكيف عاد إليه منها ضمير متكلم، وكان القياس أن يقال: لولا مخاطبته إياك لم تره؟ الجواب: إن كفى مما غلب عليه زيادة الباء تارة مع فاعله وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل: كفى بالله، المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة في (بالله) قول سحيم: كفى بالشيب والإسلام للمرءِ ناهياً وأما زيادتها مع المفعول فمنه ما أوردته من قول الأنصاري: فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النبي محمدٍ إيّانا

стр. 97

ومنه: كفى بك داءً أن ترى الموتَ شافياً التقدير: كفاك داء رؤيتك الموت، ومنه: كفى بجسمي نحولاً أنني رجل لأن فاعل كفى أن وما اتصل بها، وأسبك لك من ذلك فاعلاً بما دل عليه الكلام من النفي بلم وامتناع الشيء لوجود غيره بلولا فالتقدير: كفى بجسمي نحولاً انتفاء رؤيتي لولا وجود مخاطبتي. وانتصاب (نحولا) على التفسير والتفسير في هذا النحو للفاعل دون المفعول، فوكيلا تفسير لاسم الله تعالى، ونحولاً تفسير لانتفاء الرؤية، كما كان (فضلا) في بيت الأنصاري تفسيراً لحب النبي إياهم. فقد بان لك الفرق في الإعراب بين: كفى بجسمي نحولاً و"كفى بالله وكيلاً" من حيث كان (بالله) فاعلاً وبجسمي مفعولاً. وإنما زيدت الباء في نحو: كفى بالله، حملا على معناه إذ كان بمعنى: اكتف بالله، ونظيره قولهم: حسبك بزيد، زادوا الباء في خبر حسبك لما دخله معنى اكتف. وأما رجل من قوله: أنني رجل، فخبر موطئ وإنما الخبر في الحقيقة هو الجملة التي وصف بها رجل والخبر الموطئ هو الذي لا يفيد بانفراده مما بعده كالحال الموطئة في نحو: (إنَّا أنزلناهُ قرآناً عربياً)، ألا ترى أنك لو اقتصرت على رجل هنا لم تحصل به فائدة، وإنما الفائدة مقرونة بصفته فالخبر الموطئ كالزيادة في الكلام، فلذلك عاد الضميران اللذان هما الياءان في مخاطبتي ولم ترني إلى الياء في أنني ولم يعودا على رجل لأن الجملة في الحقيقة خبر عن الياء في أنني وإن كانت بحكم

стр. 98

اللفظ صفة لرجل، ولو قلت إن (رجل) لما كان هو الياء التي في أنني من حيث وقع خبراً عنها عاد الضميران إليه على المعنى كان قولاً، ونظيره عود الياء إلى الذي في قول علي ﵇: أنا الذي سمتنِ أمّي حيدره لما كان الذي هو أنا في المعنى، وليس هذا مما يحمل على الضرورة، لأنه قد جاء مثله في القرآن نحو: (بلْ أنتمْ قومٌ تجهلونَ)، فتجهلون فعل خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء وفاقاً لقوم، ولكنه جاء وفق المبتدأ الذي هو أنتم في الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قو لم يحصل بهذا الخبر فائدة، ومما جاء من ذلك في الشعر لغير ضرورة قوله: أأكرمَ من ليلى عليّ فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها أعاد من أطيعها ضمير المتكلم، ولم يعد ضمير غائب وفاقاً لامرئ، فهذا دليل إلى دليل التنزيل فاعرف هذا وقس عليه نظائره.

стр. 99

ومما أهمل مفسرو شعر أبي الطيب تعريبه قوله: بئس الليالي سهدت من طربي ... شوقاً إلى من يبيت يرقدها يتوجه في هذا البيت السؤال عن المقصود فيه بالذم، وما موضع (من طربي) من الإعراب؟ وما الذي نصب شوقاً؟ وكم وجهاً في نصبه؟ وبم يتعلق إلى؟ وكم حذفاً في البيت؟. فأما المقصود بالذم فمحذوف وهو نكرة موصوفة بسهدت والعائد إليه من صفته محذوف أيضاً فالتقدير: ليال سهدت فيها، ونظير هذا الحذف في التنزيل في قوله: (ومنْ آياتهِ يريكمْ البرقَ)، التقدير: آية يريكم فيها البرق. وجاء في الشعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة في قول الراجز: مالك عندي غير سهمٍ وحجر ... وغير كبداءَ شديدةِ الوتر جادت بكفَّي كان من أرمى البشر أراد: بكفي رجل فحذف رجلاً وهو ينويه. وقوله: من طربي، مفعول له ومن بمعنى اللام كما تقول: جئت لأجلك ومن أجلك لمخافته شره ومن مخافة شره، (ولا تقتلواْ أولادكمْ مِّنْ إملاقٍ) أي لإملاق.

стр. 100

وشوقاً يحتمل أيكون مفعولاً من اجله عمل فيه (طربي) فيكون الشوق علة للطرب والطرب علة للسهاد، ولا يعمل سهدت في (شوقاً) لأنه تعدى إلى علة فلا يتعدى إلى أخرى، إلا بعاطف كقولك: أقمت سهداً وخوفاً، وسهدت طرباً وشوقاً. ويحتمل (شوقاً) أن ينتصب انتصاب المصدر كأنه قال: شقت شوقاً أو شاقني التذكر شوقاً، وشقت ما لم يسم فاعله، كقول المملوك: قد بعت، أي باعني مالكي، وكقول الأمة وقد سئلت عن المطر: غثنا ما شئنا، والأصل: غاثنا الله. فأما إلى فالوجه أن تعلقها بالشوق لأنه أقرب المذكورين إليها، وإن شئت علقتها بالطرب، وذلك إذا نصبت شوقاً بطربي، فإن نصبته على المصدر امتنع تعليق إلى بطربي لأنك حينئذ تفصل ب (شوقاً) وهو أجنبي بين الطرب وصلته، وكان الوجه في يرقدها: يرقد فيها كما تقول: يوم السبت خرجت فيه، ولا تقول: خرجته إلا على سبيل التوسع في الظرف، تجعله مفعولاً به على السعة، كقوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً وكقول الآخر: في ساعةٍ يحبها الطعام المعنى: يحب فيها، وشهدنا فيه.

стр. 101

وفي البيت أربعة حذوف، الأول حذف المقصود بالذم وهو ليال، والثاني حذف (في) من سهدت فيها فصار سهدتها، والثالث حذف والضمير من سهدتها، والرابع حذف (في) من يرقدها. وقد روي سهرتها طرباً وسهرت من طرب، وقد فرق بعض اللغويين بين السهاد والسهر فزعم أن السهاد للعاشق واللديغ، والسهر في كل شيء وأنشد قول النابغة: يسهد في ليلِ التمام سليمها وقول الأعشى: وبتّ كما بات السليم مسهَّدا والطرب خفة تصيب الإنسان لشدة سرور أو حزن، قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أن الطرب في الفرح دون الجزع وليس كذلك، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع، أنشد: وأراني طرباً في إثرهم ... طربَ الواله أو كالمختبل

стр. 102

ومثله قول الآخر: وقلن بكيت فقلت كلاً ... وهل يبكي من الطربِ الجليد وقوله: أمط عنك تشبيهي بما وكأنّه ... أحدٌ فوقي ولا أحد مثلي يتوجه فيه سؤال عن (ما) من قوله: تشبيهي بما، وليست ما من أدوات التشبيه، وقد قيل في ذلك أقوال: أحدها: ما حكاه أبو الفتح عن المتنبي أنه كان إذا سئل عن ذلك أجاب بأن (ما) سبب للتشبيه لأن القائل إذا قال: ما الذي يشبه هذا؟ قال المجيب: كأنه الأسد أو كأنه الأرقم أو نحو ذلك، فأتى المتنبي بحرف التشبيه الذي هو كأن وبلفظ الحرف الذي كان سؤالاً عن التشبيه فأجيب عنه بكأن فذكر السبب والمسبب جميعاً. قال أبو الفتح: وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء علامة التأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها ولكنها لما صاحبت الألف وكان انقلابها لسكون الألف قبلها قيل هما جميعاً لتأنيث. والثاني: ما حكاه القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة بين المختصمين في شعر المتنبي عن المتنبي أيضاً قال: سئل عن معنى قوله: بما وكأنه، فقال: أردت لا تقل

стр. 103

ما هو إلا كذا وكأنه كذا لأنه ليس فوقي أحد ولا مثلي فيشبهني به. وقال الراوي مقوياً لهذا الوجه: إذا قلت: ما هو إلا الأسد وإلا كالأسد، فقد أتيت بما لتحقيق التشبيه كما قال لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه فليس ينكر أن ينسب التشبيه إلى (ما) إذا كان لها هذا الأثر. والثالث: ما رواه الربعي عن المتنبي أيضاً قال: سئل عن قوله: بما وكأمه، فقال: أردت ما أشبه فلاناً بفلان وكأنه فلان. فهذه ثلاثة أقوال مختلفة كما ترى ولا يمتنع أن يجيب المسؤول بأجوبة مختلفة في أوقات متغايرة. والرابع: قول أبي علي بن فورجة قال: هذه (ما) التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد. وإليه ذهب أبو زكريا قال: أراد أمط عنك تشبيهي بأن تقول: كأنه الأسد وكأنما هو الليث. وهذا القول أردأ الأقوال وأبعدها من الصواب لأن المتنبي قد فصل (ما) من (كأن)، قدمها عليه واتى في مكانها بالهاء، فاتصال (ما) بكأنه غير ممكن لفظاً ولا تقديراً، وهي مع ذلك لا تفيد معنى إذا اتصلت بكأن، فكيف إذا

стр. 104

انفصلت منه وقدمت عليه؟ وهي في الأقوال الثلاثة المحكية عن المتنبي منفصلة، قائمة بنفسها، تفيد معنى. فهي فيما رواه أبو الفتح استفهامية، وفيما رواه علي بن عبد العزيز الجرجاني نافية، وفيما رواه الربعي تعجبية، والكافة إنما تدخل لتكف عن العمل، لا لمعنى تحدثه، فهي بمنزلة ما الزائدة. ثم أن هذين اللفظين اللذين قد مثل بهما أبو زكريا فقال: كأنه الأسد وكأنما هو الليث، قد أتى فيهما بأداة التشبيه التي هي كأن وحدها لأن معنى كأنه وكأنما هو واحد فلا فرق بينه وبين أن تقول: أمط عنك تشبيهي بكأن وكأن فهو فاسد من كل وحجه. يقال: ماط الله عنك الأذى أماطه أي أزاله وماط الشيء زال، ومطته عنك، وأمطه نحه وأزله، ومط عني تنح وزل، استعملوا ماط لازماً ومتعدياً. وقوله: تشبيهي أراد تشبيهك إياي فحذف الفاعل وهو الكاف وأضاف المصدر إلى المفعول فصار المنفصل متصلاً والمصدر كثيراً ما يحذف فاعله. أنشد بعض أهل الأدب لأخي الحارث بن حلزة: ربما قرت عيونٌ بشجى ... مرمضٍ قد سخنت منه عيون وقال: من هذا البيت أخذ المتنبي قوله: مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد

стр. 105

قلت: إن كان الجاهلي أبا عذرة هذا المعنى فلقد أحسن أبو الطيب أخذه حيث أتى به في نصف بيت. قوله: إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقلِ ظاهره أن معنى عجزه غير متعلق بمعنى صدره، وأين قوله في الظاهر: ولا في الحب للعاقل، من قوله: إلام طماعية العاذل. ويحتمل تعلقه به وجوها: أحدها أن يريد: إلام يطمع عاذلي في إصغائي إلى قوله، والعاقل إذا أحب لم يبق له مع الحب رأي يصغى به إلى قول ناصح فعذله غير مجد نفعاً. والثاني أن العاقل لا يرتئي في الحب فيقع فيه اختياراً وإنما يقع اضطراراً فلا معنى لعذله. والثالث أن العاقل ليس من رأيه أن يورط نفسه في الحب وغنما ذلك من فعل الجاهل، وعذل الجاهل أضيع من سراج في الشمس، فكيف يطمع في نزوعه. ومن مشكل أبياته قوله: ولا تجزني بضنى بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوب

стр. 106

كنى بالبقر عن النساء على مذهب العرب في تشبيههم النساء بالبقر الوحشية، يريدون بذلك شدة سواد عيونهن، قال عبد الرحمن بن حسان: صفراء من بقر الجواء كأنَّما ... ترك الحياء بها رداع سقيم الرداع وجع الجسم أجمع، ويروى: أثر الحياء. وقوله: لا تجزني، دعاء بلفظ النهي، فحكمه في الجزم حكم النهي، كما قال: فلا تشلل يدٌ فتكت بعمروٍ ... فإنّك لن تذل ولن تضاما وكذلك استعمال الدعاء بلفظ الأمر كقولك: لقطع الله يده. والضنى الداء المخامر الذي إذا ظن صاحبه أنه قد برأ نكس. وقوله: بعدها، أراد بعد فراقها فحذف المضاف. وقوله: بي، صفة لضنى، فالباء متعلقة بمحذوف تقديره: كائن أو واقع. ويحتمل الناصب للظرف الذي هو (بعدها) وجهين: إن شئت أعملت فيه المصدر الذي هو ضنى، وإن شئت أعملت فيه الباء التي في (بي) لأن الظرف وحرف الخفض إذا تعلقا بمحذوف عملا في الظرف وفي الحال كقولك: زيد في الدار اليوم، وهو عند جعفر غداً، والهاء في (بعدها) عائدة على (بقر) وإن كانت بقر متأخرة، وجاز ذلك لأنها فاعل والفاعل رتبته التقدم فإذا أخرته

стр. 107

جاز تقديم الضمير العائد عليه لأن النية به التقديم، مثله: (فأوجسَ في نفسهِ خيفةً موسى)، وفي الكلام حذف وذلك أنه أراد: لا تجزني بضنى بي ضنى بها أي ضنى يقع بها، فحذف ذلك للعلم به. ومسكوباً لا يجوز أن ينتصب على الحال من دموعي لأن الواحد المذكر لا يكون حالاً من جماعة، لا تقول: طلعت الخيل مترادفاً، ولكن مترادفة. ولو قلت: مترادفات، كان أحسن كما جاء في التنزيل: (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات). ولو قال: تجزي دموعي مسكوبة، كان حالاً، وإذا بطل انتصاب (مسكوباً) على الحال نصبته على البدل من الدموع، كأنه قال: تجزي دموعي مسكوباً منها بمسكوب من دموعها، فحذف الجارين والمجرورين. وإنما احتيج إلى تقدير (منها) لأن بدل البعض وبدل الاشتمال لا بد أن يتصل بهما ضمير يعود على المبدل منه كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأعجبني زيد علمه. ومن بدل الاشتمال المحذوف منه الضمير قو الأعشى: لقد كان في حولٍ ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم أراد: ثويته فيه. ومعنى البيت أنه بكى عند الفرقة وبكين فجزين دمعه بدمع، فدعا لهن أن لا يجزينه بضناه ضنى، كما جزينه بالدمع دمعاً.

стр. 108

المجلس الرابع والثمانون قول أبي الطيب: أنت الجواد بلا من ولا كدرٍ ... ولا مطال ولا وعد ولا مذلِ سألني سائل عن المذل فقلت: قد قيل فيه قولان أحدهما أن معناه القلق، يقال: مذلت من كلامك أي قلقت، ومذل فلان على فراشه إذا قلق فلم يستقر والقول الآخر البوح بالسر، يقال: فلان مذل بسره وكذلك هو مذل بماله، إذا جاد به. وذكر أبو زكريا في تفسير البيت الوجهين في المذل ثم قال: والذي أراد أبو الطيب بالمذل أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد كما يقلق غيره، وليس ما قاله بشيء عليه تعويل بل المذل هاهنا البوح بالأمر ونفى ذلك عنه فأاخرته راد أنه إذا جاد كتم فلم يبح به. وقول أبي زكريا أراد أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد قد زاد بذكر الشدائد ما ذهب إليه بعداً من الصواب، وهل في البيت ما يدل على الشدائد، إنما مبنى البيت على الجود والخال التي مدحه بنفيها عنه متعلقة بمعنى الجود وهي المن والكدر والمطال والوعد والمذل الذي هو البوح بالشيء.

стр. 109

فصل أنبّه فيه على فضائل أبي الطيِّب وأورد فيه غرراً من حكمه فمن بدائعه قوله في الحمَّى: وزائرتي كأنّ بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلامِ بذلت لها المطارفَ والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي المطارف جمع مطرف ومطرف وهو الذي في طرفيه علمان، والحشايا حجمع حشية وهو ما حشي مما يفرش. إذا ما فارقتني غسَّلتني ... كأنّا عاكفانِ على رامِ إنما خص الحرام، والإغتسال يكون من الحلال والحرام لأنه جعلها زائرة والزائرة غريبة فليست بزوجة ولا مملوكة. كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجامِ إنما قال بأربعة لأنه أراد الغروب والشؤون وواحدهما غرب وشأن

стр. 110

وهما مجاري الدموع. أراقب وقتها من غيرِ شوقٍ ... مراقبة المشوقِ لمستهامِ ويصدق وعدها والصدق شرٌّ ... إذا ألقاك في الكرب العظامِ أبنتَ الدهرِ عندي كلُّ بنتٍ ... فكيف وصلتِ أنتِ من الزِّحامِ جعل الحمى بنتاً للدهر لأنها تحدث فيه فكأنه أب لها. وقوله: عندي كل بنت، يريد: كل شديدة حدثها الدهر. وفيها: ضاقت خطَّةٌ فخلصت منها ... خلاصَ الخمرِ من نسجِ الفدامِ خطة حال صعبة الفدام مصفاة الخمر ويقال: فدام بالتشديد. قال أبو الفتح بعد أن ذكر هذه الأبيات: ما قيل شعر في وصف حال نهكت صاحبها واشتدت به ثم عاد إلى حال السلامة إلا وهذا أحسن منه. وقد ذكر عبد الصمد بن المعذل الحمى في قصيد رائية وليست في طرز هذه وإن كان عبد الصمد حاذقاً مخترعاً غير مدفوع الفضل. وقال أبو الفتح بعد قوله: وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهمِ السقيمِ
следующие страницы →