← Адаб

Адаб · id 5363

الهفوات النادرة

الصابئ، غرس النعمة

Полный текст (99 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٥٠ - وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جبير قال: كان بعض الشطرنجيين برسم خدمة عضد الدولة أبي شجاع بن بويه، يلاعبه، فلاعبه يوما وله رسم يشرب بحضرته، فحاف النبيذ عليه، وغلب لعضد الدولة فقال له: شاه مات يا خرا! وكان للشطرنجي غلام تركي يخف على قلب عضد الدولة وينفق عنده لنجابته وذكائه، وقد أذن له في أن يسقي بحضرته، فلما سمع الغلام ما قال له مولاه استعظمه، وعلم أن النبيذ قد غلب على عقله فأبدى ما أبدى من جهله، فأخذ مخدة فتركها على رأسه، إعلاما لعضد الدولة أنه لا يحس بفعله، فكيف بقوله؛ فلما كان من غد حضر الشطرنجي على رسمه، ولم يبد لعضد الدولة منه ولا شاهد عنده ما يدل على علمه بما جرى منه، فعلم أنه لم يحس بقوله ولا أطلعه الغلام على فعله لئلا يظهر منه خوف يوحش عضد الدولة منه، فأعجب عضد الدولة بالغلام زيادة إعجاب، وشغف بذكائه فضل شغف، وعرض للشطرنجي به وبالرغبة فيه، فلم يطب الشطرنجي قلبا بإخراجه عن يده، لمحبته له وغلبته عليه، وكونه قوام أمره! ثم مات الشطرنجي فلم يكن لعضد الدولة همة غير الغلام، وأخذه، ووضع عليه من يطارحه الحديث ويعرض له به، فما أقر لأحد بمعرفة تلك الحال وما جرى فيها، واستنبطه بنفسه عن فعل مولاه وقوله وغلطه وجهله، فأنكر أشد الإنكار، وجحد أنه رأى ذلك أو حضره؛ فاختص به عضد الدولة وقدمه حتى استودعه أسراره ومهماته وما لم يكن يثق فيه إلى غير نفسه! ١٥١ - وحكى المرزباني قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن محمد الأسدي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن مخوف عن أبيه قال: كنا مع جعفر بن يحيى فأخبر أن الرشيد مغموم، قال: بماذا؟ قالوا: منجم يهودي قد حكم عليه بأنه يموت في سنته تلك، وإن اليهودي في دار الرشيد موكل به .. فركب جعفر مبادرا وأحضر اليهودي فقال له: يا مدبر ما حملك على هذا القول الذي قتلك وأهلكك؟ قال: هفوة وزلة! قال: قد حكمت على أمير المؤمنين بالوفاة في هذه السنة فهل حكمت لنفسك أن تعيش؟ قال: نعم، قال: كم؟ قال: كذا وكذا سنة، لسنين كثيرة ذكرها، فنهض جعفر بن يحيى إلى الرشيد وأعلمه بما جرى وكذبه عنده، وقال: قد ذكر أنه مختل العقل وأن ذلك حمله على ما قال، وأنها زلة وهفوة يسأل العفو عنها والإقالة منها، فإنها كذب وزور أوجبه فساد عقله والسوداء المعترضة له! فقال الرشيد: هيهات! هذا يقول حيث خاف وفزع! واجتهد جعفر في أن يخرج ذلك من نفس الرشيد فلم يكن إليه سبيل، فقال لهما أيس منه: يا أمير المؤمنين قد ظهر كذبه وحمقه بما لا يقع شك فيه، قال: وما هو؟ قال: قد ذكر أنه يعيش كذا وكذا سنة، وإذا تقدم أمير المؤمنين بضرب عنقه علم كذبه وفساد علمه وأنه لا يصح حسابه لنفسه فكيف يصح لغيره! فتقدم الرشيد بضرب عنقه، وزال عنه ما اهتم له؛ ومضى دم المنجم بحمقه! ١٥٢ وحكي أن أبا عبد الله بن الجصاص صلى خلف إمام، فلما قرأ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال ابن الجصاص: إي لعمري! وأنه أراد تقبيل رأس الخاقاني الوزير فقال له مازحا معه: لا تفعل ففي رأسي دهن! فقال: والله لو كان في رأس الوزير خراء لقبلته! وقال يوما: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت أتلمظ المقعدة حتى وقعت عليها! ووصف يوما مصفحا بالعتق فقال: هو كسروي! ١٥٣ - وحدث القاضي أبو حامد قال: كنت قائما بين يدي معز الدولة أبي الحسين بن بويه فقال لأبي جعفر الصيمري وزيره: أريد الساعة خمسمائة ألف درهم لمهم، فقال له: زد أيها الأمير فإني أيضا أريد مثله! قال: فإذا كنت وزيري فممن أطلب إلا منك؟ قال: فإذا كان الارتفاع ما يفي بالخرج من أين لي مال أعطيه إذا طلبته! فحرد معز الدولة فقال: الساعة أحبسك في الخلاء حتى تؤدي ذاك! قال: إذا حبستني في الخلاء خرئت نقرة وضربتها دراهم!! فخجل معز الدولة وأمسك عنه. ١٥٤ - وحدث أبو أحمد الحارثي قال: كان عندنا بواسط رجل مختلف موسر يقال له أبو محمد بن أبي أيوب، وكان يعاشرنا بمغنية يهواها، وكان من غنائها صوت أوله: إنَّ الخليطَ أجدَّ منتقلهْ ... ولوَ شكِ بينٍ حملتْ إبلهْ وكانت تجيد فيه الصنعة فيستحسنه ولا يفهمه أبو محمد لتخلفه فاقترحه يوما عليها فقال: بالله يا ستي غني لي: إني خريت وجئت أنتقله!!

стр. 37

فقالت: أنا أغني شيئا من هذا!! ففطنت أنا لما يريد، فقلت لها: إنه يريد أن تغني له: إن الخليط أجد منتقله فقالت له: قطع ظهرك! أين هذا من هذا!! وغنت الصوت. وكان من غنائها الجيد: خليليَّ هبّا نصطبحْ بسوادِ فقال لها يوما: يا ستي غني لي بالله: خليلي هبا نصطبح بسماد فقالت له: إذا عزمت على هذا فوحدك! ١٥٥ - وحدث أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد قال: رأيت أبا الحسن علي بن عمرو الموصلي يكتب إلى أبي تغلب ابن ناصر الدولة كتابا، فكتب في موضع منه: "أمور حميدة" فقلت: أمور جميلة قال: صدقت، ولكن كتبت وأنا بالموصل إلى أبي تغلب رقعة فيها "أمور جميلة" ووصلت الرقعة إليه وهو عند أخته جميلة، وكانت غالبة عليه محتوية على أمره، لا يقطع شيئا دونها، فعرضها عليها وأخذ فيها تضمنته رأيها، فأنكرت علي قولي "جميلة" إنكارا شديدا لأنه اسمها، وبلغني فاعتذرت أعظم الاعتذار، وما كتبت إلى أحد بعدها "جميلة"، وصارت لي عادة! ١٥٦ - وحدث أبو القاسم الجهني قال: كان في أسد بن جهور نسيان وسوداء، فحضرته يوما في دار بعض الوزراء وقد جلس يتحدث، ومعنا بعض القضاة، وكان يوما حارا، فوضعنا عمائمنا، ووضع القاضي قلنسوته، فطلب الوزير أسد بن جهور، فقام مسرعا، وأخذ قلنسوة القاضي، وعنده أنها عمامته، فلبسها ودخل على الوزير، فصاح القاضي به وجماعتنا، فما سمع ولا رجع، حتى بلغ الوزير، فضحك منه، وخجل أسد وعدا إلينا راجعا عنه.

стр. 38

١٥٧ - وحدث القاضي أبو القاسم التنوخي أن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز حدثه عن بعض أهله قال: كان محمد بن منصور يتقلد القضاء بكور الأهواز وعمر بن فرج الرخجي يتقلد الخراج بها، وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية، ولا يركب أحدهما إلى الآخر إلا بعد أن يجيئه، ويتشاحنان على التعظيم، وترد كتب الخليفة عليهما بخطاب واحد، وتولدت بينهما من ذلك عداوة عظيمة، ويكتب الرخجي إلى المتوكل في القاضي فلا يلتفت المتوكل إليه لعظم محله عنده وموضعه منه، ويبلغ القاضي ذلك فلا يحفل به .. فلما كان في بعض الأوقات ورد خادم بكتاب المتوكل لهما بأن يجتمعا على أمر رسمه لهما، فقال الرخجي للقاضي: تحضر الديوان لذلك، وقال القاضي له: بل تحضر أنت الجامع لنجمع على ما رسم، فقال الرخجي للخادم: ترجع إلى أمير المؤمنين وتعلمه أن القاضي امتنع من أن يحضر ديوانه، وسامني الحضور إلى الجامع لإمضاء أمر أمير المؤمنين فلم أفعل، لما فيه من القباحة والوهن، وأن العرض وقف إلى أن يعود الأمر بما يفعل فيمتثل! فبلغ القاضي ذلك فركب إلى الديوان، ودخل والرخجي جالس في دسته، وبين يديه الكتاب والجلة، فحين شاهدوا القاضي قاموا له وخدموه، إلا الرخجي فإنه لم يكلمه ولا سلم القاضي عليه، وجلس في طرف المجلس وآخر البساط، بعد أن رفع غلامه طي البساط، وجلس على البارية، واحتف به شهوده، وجاء الخادم فجلس عنده ووقفه على كتاب المتوكل، وتخاطبا فيما رسم، حتى فرغوا منه، فلما انقضى ذلك قال الرخجي له: يا أبا جعفر ما هذه الجبرية! لا تزال تولع بي وتتحكك بمناقرتي ومضاهاتي، وتقدر أنك عند الخليفة أطال الله بقاءه مثلي، أو محلك يوازي محلي! قال: وأسرف في هذا القول، وحمي في الخطاب، ومضى على رأسه في الكلامُ والقاضي ساكت، إلى أن قال في جملة كلامه وبحدة طبعه: والخليفة أعزه الله لا يصرف على يدي في أمواله التي بها مقام دولته، ولقد أخذت من ماله ألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار فما سألني عنها، وإنما إليك أن تحلف منكرا لحق، وأن تفرض لامرأة على زوجها، وأن تحبس ممتنعا من أداء حق ... وأخذ يعدد هذا وشبهه، وأبو جعفر لما ذكر الرخجي يعد بأصابعه الألف الألف التي كررها، وقد كشفها للناس ليروها إلى أن عقد خمسة، فلما أمسك الرخجي لم يجبه القاضي بشيء، وقال: يا فلان الوكيل، قال: سمعت ما جرى؟ قال: نعم، قال: قد وكلناك لأمير المؤمنين وللمسلمين على هذا الرجل في المطالبة لهم بهذا المال الذي أقر به، فقال الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين فعل! فأخذ القاضي دواة وكتب بخطه في مربعه سجلا بالمال ورمى به إلى الشهود وقال: اشهدوا على إنفاذي الحكم بما في هذا الكتاب، وإلزامي فلان بن فلان هذا وأومأ إلى الرخجي ما أقر به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا الكتاب للمسلمين! فكتب الشهود خطوطهم بالشهادة وختموها، وأخذها القاضي فجعلها في كمه، ونهض، وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي ويقول: يا أبا جعفر بالغت في عقوبتي، قتلتني، أهلكتني! فقال له القاضي: إي والله! فما سمعناه أجابه بغيرها وافترقا.

стр. 39

وكتب صاحب الخبر إلى المتوكل قي الوقت بما جرى، فلما وقف المتوكل على الحال تقدم بالقبض على الرخجي وتقييده، وقال لوزيره: حاسب هذا الخائن المقتطع لأموالنا حتى حفظها الله تعالى بقاضينا محمد بن منصور، وقد ظهرت أموالنا عليه بإقراره في سقطات قوله وفلتات فعله، وهذه عادة الله تعالى عند أئمة عباده أن يأخذ لهم أعداءهم كذلك، اكتب الساعة في أمره بما رسمته واحمله مقيدا مغلولا، فخرج الوزير وهو على غاية القلق لعنايته بالرخجي، واستدعى خليفته على الباب وقال له: اكتب إليه الساعة: "قد تسرعت يا مشؤوم، وقتلت نفسك، ما الذي دعاك إلى معاداة القضاة! " وقل له: "قد جرى كيت كيت، وأنت مقتول إن لم تتلف أمر محمد بن المنصور، فاجتهد فيه" وأعلمه أنني هو ذا أؤخر ما أمر الخليفة به فيه اليوم فقط إلى أن يحكم أمره مع القاضي، وأقول للخليفة إني قد أنفذت إليه من يقبض عليه، وأنفذ إليه في الغد! فلما ورد ذلك على الرخجي قامت قيامته، وأحضر من يخصه فشاوره فقال له: تركب الساعة إلى القاضي وتطرح نفسك عليه .. فركب إليه في موكب عظيم، فحجبه ولم يوصله، واجتهد في الوصول إليه، فلم يكن إلى ذلك طريق، فرجع حيران، وقال لأصحابه: ما ترون فإني أخاف أن يرد العشية من يقبض علي! فقيل له: إن للقاضي رجلا يخصه، وقد قدمه وعظمه وأنس به، ويريد أن يسمع شهادته، وهو غالب عليه جدا، فتستدعيه وتكتب له روزا بشيء من خراجه ترغبه فيه، وتسأله أن يوصلك إليه ويستصلحه لك! فأحضره الرخجي، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه وسأله ذلك، فقال: أما استصلاحه لك فلا أضمنه، ولكن أوصلك إليه، فقال له: قد رضيت، فقال: إذا كان الوقت المغرب فانتظرني! وخرج الرجل، فلما كان المغرب جاءه وقال: تلبس عمامة وطيلسانا وتركب حمارا وتجيء وحدك، ففعل ذلك وركبا بغير سمعة، وجاء الرجل فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي ولصديق لي معي؛ فدخل إليه وخرج إليهما وقال: ادخلا، فدخلا، فحين شاهده القاضي صاح على الرجل وقال له: ادخلا، فدخلا، فحين شاهده القاضي صاح على الرجل وقال له: أتحتال وأنت أمين مرشح للشهادة! ثم قال للرخجي: اخرج عافاك الله عن داري! قال: فبادر الرخجي إلى رأسه فقبله، فلماذا رآه القاضي قد فعل ذلك قام إليه وعانقه وجلسا، وبكى الرخجي بين يديه، ودفع الكتاب إليه، فبكى القاضي وقال: عزيز علي يا هذا ما كان اضطرك إلى الإقرار بما أقررت به! قال: غلطت وأخطأت وغفلت، فتحتال الآن في أمري؟ فقال: والله ما لي حيلة، فإن الحكم كالسهم إذا خرج لم يمكن رده! فجهد به الرخجي فما زاده على هذا، وانصرف بأقبح منصرف، فما كان من الغد ورد خادم فقبض عليه، وغله وقيده، وحمله، وورد كتاب الخليفة إلى القاضي:"أحسن الله تعالى جزاءك على ما فعلته في أموال المسلمين، وقد كنا نأمر بمحاسب هذا الرجل فنؤخر ذلك لعوائق، والآن فقد أقر طائعا غير مكره بما في ذمته، وما نؤثر معاملته إلا بما يعمله أهل الذمة لو كانوا في مكاننا من أخذ الحق بالحكم، وقد أنفذته على الواجب بارك الله عليك وله أملاك قبلك، فتنصب من يبيعها وتحمل ثمنها إلى بيت المال" ففعل ذلك، وهي الأملاك التي تعرف الآن بالرخجيات، وجعل الرخجي في العذاب بسر من رأى. وحدث الحسين بن عياش قال: كان جحظة لما أسن يفسو في مجالسه، فيلقي من يعاشره منه جهدا، وكنت أحب غناءه، والكتابة عنه لما عنده من الآداب، وكان عشيري، فكنت إذا جلست عنده أخذت عليه الريح، فجئته يوما في مجلس الأدب، والناس عنده، وهو يملي، فلما خفوا قال لي ولآخر كان معي: اجلسا عندي حتى أقعد كما على لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما من غناء المسدود! فقلنا: هذا موضع سجدة! وجلسنا وصدبقي لا يعرف خلقه في الفساء، وأنا قد أخذت الريح فوقي، فوفى لنا بجميع ما ذكره: وقال لنا وقد غنى وشربنا: نحن بالغداة علماء، وبالعشي في صورة المخنكرين! فلما أخذ النبيذ منه أقبل يفسو، وصديقي يغمرني ويتعجب، فأقول: إن ذلك عادته وخلقه، وإن سبيله لي يحتمل، إلى أن غنى صوتا من الشعر، والصنعة له فيه، وكان يجيده جداً: إنَّ بالحيرةِ قسَّا قد مجنْ ... فتنَ الرُّهبانَ فيها وافتتنْ ترك الإنجيلَ حبَّا للصِّبا ... ورأى الدُّنيا مجوناً فركنْ

стр. 40

فطرب صديقي عليه طربا شديدا، واستحسنه كثيرا، وأراد أن يقول له: أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال له لما في نفسه تردد من أمر الفساء: افس علي يا أبا الحسن كيف شئت! فخجل جحظة، وخجل الفتى وانصرفنا! ١٥٩ - وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحق ابن البهلوي التنوخي قال: حدثني أبي قال: حضرت أسد بن جهور، وكان شديد النسيان، عند عبيد الله بن سليمان الوزير وهو يخاطبه في أمر من الأمور فيقول له أسد: السمع والطاعة لأمر القاضي أغزه الله، وقد أنسي أنه الوزير؛ وكان إلى جنب أبي العباس بن الفرات، فغمزه أبو العباس وقال له: قل الوزير أعزه الله! فقال لأبن الفرات: نعم أعز الله القاضي! فضحك ابن الفرات وقال: لست القاضي، فارجع إلى صاحبك فقضه!. ١٦٠ - قال: وكنت يوما عند أسد بن جهور وهو يكتب، فجفت دواته، فقال: يا غلام كوز ماء للدواة، فجاء الغلام بكوز ماء، فأخذه وشربه، ومضى الغلام بالكوز، وأخذ يكتب فلم تنكتب له، فقال: ويلك هات الماء للدواة، فجاء بشربة ثانية، فأخذها وشربها، ولم يطرح في الدواة منها، ثم كتب فلم تنكتب له، فقال: ويلك كم أطلب للدواة ماء ولا تحضره،! فجاءه الغلام بشربة ثالثة، فأخذ يشربها، فقال له: يا سيدي اطرح منها أولا في الدواة، ثم اشرب الباقي! فقال: نعم نعم! وطرح في الدواة وكتب. ١٦١ - وحدث أبو محمد السليماني الهاشمي المعروف بعباد رحله، وقد جرى ذكر البربهاري بحضرته، فقال: رأى عينا هائجة فقال: لو استعمل لها الخضرط عوفيت! فقال له: ليس هو الخضرط، فقال: نعم غلطت، الخضخض! فسكتوا عنه، وإنما أراد الحضض!. ١٦٢ - وطلب المكتفي يوما من أبي عبد الله بن الجصاص عقدا حسنا من فاخر الجوهر ليبتاعه منه، فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟ قال: ثلاثين ألف دينار، قال: لا تصب ما تريد إذا، ولكن عندي عقد فيه ستون حبة، ولا أبيعك إياه بأقل من ستين ألف دينار، فإن بلغت حملته إليك، فقال: افعل، فحمله إليه والعباس بن الحسن الوزير قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال المكتفي أمره وحسنه! قال: ما رأيت قط مثل هذا! فقال له ابن الجصاص: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا مشكاحل! فتنكر المكتفي وتنمر، وأومأ إلى ابن الجصاص العباس بالإمساك والانصراف، ففعل. وقال المكتفي للعباس: بالله وبحقي عليك هذه الكنية تلقبني بها العامة؟ قال: لا والله يا مولاي، ولكن هذا الرجل رقيع عامي جاهل، والعامة إذا افتخرت على إنسان قالت له: يا أبا مشكاحل! وقد ربحت يا أمير المؤمنين بهذه الكلمة العقد بلا ثمن فدعني وابن الجصاص، فتنمر له وأحله علي؛ فلما كان بعد أيام جاء ابن الجصاص فأذكر المكتفي بثمن العقد، فازور عنه وقال له: الق العباس؛ فجاء إليه يطالبه بالمال، فقال له: ويحك تطالب بثمن العقد للخليفة بعد أن لقيته بما لقيته وخاطبته في معناه بما خاطبته، واجترأت عليه وأخطأت بين يديه بما لا يجوز أن يتفوه به!! ولولا أنه ينسبك إلى العامية والبحارة والجهل والحمق لضرب رقبتك! أمسك عنه ولا تتكلم في معناه بحرف؛ فأمسك، وذهب العقد بتلك الكلمة!. ١٦٣ - وورث بعض المتخلفين المخلقين مالا جليلا فقامر به وعمل كل ما اشتهى، وضجر من المال فقال لجلسائه وندمائه: افتحوا لي باب صناعة أتلف فيها بقية هذا المال، لاتعود علي بشيء منها! فقال أحدهم: تشتري التمر من الموصل فتبيعه بالبصرة! فقال: أليس يعود من ثمنه شيء وإن كان قليلا! وقال آخر: تبتاع الإبر التي كل ثلاث وأربع بدرهم، وتجمع منها ألوفا كثيرة وتسبكها سبيكة لاتساوي خمسة دراهم! قال: وذا أيضا يعود منه خمسة دراهم، وما قصدي إلا ما لا يعود منه درهم واحد! فقال آخر: ابتع ثيابا واخرج إلى الأعراب فبعها عليهم وخذ سفاتج منهم إلى الأكراد، وافعل مثل ذلك مع الأكراد، فما يرجع إليك شيء! فقال: ذلك، وفعله في بقية ما بقي معه.

стр. 41

١٦٤ - وبلغني عن آخر أنه أسرع في إتلاف ماله حتى بقيت منه خمسة آلاف دينار، فالتمس مثل ما ألتمس الأول، وأشير عليه بأشياء لم توافقه، فقيل له: ابتع بالمال إلا خمسمائة دينار مخروطا وبلورا، واجعله في بيت مصففا مصنفا واشرب عليه يومك، وأنفق الخمسمائة دينار في الجذور وما تحتاج إليه ذلك اليوم، فإذا فرغت فخل فيه فأرا وسنانير، فإن تلك تهرب وهذه تطلب، فيتكسر الجميع فلا يرجع منه شيء! فاستطاب ذلك وفعل، وكان يفرح بتكسير ذلك ويضحك، وقام جلساؤه فجمعوا الزجاج ووجدوا فيه صحيحا ومصدعا، وباعوه واقتسموا بدارهم صالحة من ثمنه، وتفرقوا عنه، ولا حديث لهم غير حديثه، فلما كان بعد سنة قال صاحب المشورة بالزجاج والفأر والسنانير: أمضي إلى ذلك المدبر .. فمضى فوجده قد باع قماش بيته وآلاته وأنفقه في قوته، ثم نقض داره وباع آلتها، ولم يبق غير دهليزها، وهو فيه نائم، تحته قطن وفوقه قطن من البرد وعدم الملبوس، فقلت له: يا مشؤوم ما هذا؟ قال: ما تراه! فقلت: بقيت في نفسك حسرة؟ قال: نعم، أشتهي أن أرى فلانة، المغنية التي كان يعشقها وأتلف المال عليها، وبكى بكاء شديدا، فرققت له، وأعطيته دست ثياب، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنية، فقدرت أن حاله قد أثابت، فأدخلتنا إليها وأكرمته، وبشت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة، فقالت في الحال: قم لا تجيء ستي فتراك وليس معك شيء فتحرد علي لم أدخلتك الدار، فاخرج إلى الشارع حتى أصعد أكلمك من الروزنة! فخرج وجلس ينتظرها، فقلبت عليه مرقة السكباج فصيرته آية ونكالا، وضحكت فبكى بكاء شديدا، وقال: يا فلان بلغ أمري إلى هذا، أشهد الله تعالى وأشهدك أني تائب من كل ما يكرهه الله تعالى، فأخذت أطنز به وأقول: أي شيء تنفعك التوبة الآن!! فرجعنا إلى بيته، وأخذت الثياب عنه، وتركته بين القطن وانصرفت ولم أرجع إليه نحو ثلاث سنين؛ فأنا ذات يوم في باب الطاق، وإذا بغلام يطرق لرجل راكب، فرفعت رأسي وإذا به على برذون فاره بمركب مليح فضة محرقة، وعليه ثياب فاخرة، وكان من أولاد الكتاب وممن يركب الخيول الحسان الفرهة بالآلات الحسنة، ويلبس من الثياب الثمينة، فحين رآني قال: فلان؟ فعلت أن حاله قد صلحت، فقبلت فخذه وقلت: سيدي أبو فلان؟ قال: نعم، قلت: ما هذا؟ فقال: قد صنع الله تعالى فله الحمد، البيت البيت، فتبعته حتى انتهى إلى بابه، ونزل ودخل ودخلت معه، فإذا بالدار الأولية قد رتبها وجعلها صحنا فيه بستان، وجصصها وطبقها، وعمل فيها مجلسا حسنا عامرا، وجعل باقي الدار صحنا كبيرا، وقد صارت منزلا جيدا ليس على ما كانت عليه أولا، وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما يخلو فيها، وقد أعادها أحسن مما كانت عليه، وقد فرش فيها فرشا حسنا، وفي داره أربعة غلمان وخادم وبواب وشاكري هو سائس دابته، وجلس فجاءوه بآلة حسنة مقتصدة نظيفة، وفاكهة متوسطة، وطعام نظيف كاف على قدر ما نحتاج إليه، فقدم وأكلنا، وجيء بنبيذ تمري حسن فجعلوه بين يدي، وبمطبوخ بين يديه، ومدت ستارة، وبخر موضع بعود مطرى، هذا كله وأنا متشوف إلى علم السبب في ذاك، وشربنا وغنت جارية من وراء الستارة غناء طيبا، فلما طابت نفسه قال: يا فلان تذكر أيامنا الأولية؟ قلت: نعم، قال: أنا الآن في نعمة متوسطة، وما قد رزقته من العقل والعلم بالزمان والإخوان أحب إلي من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟ قلت: نعم! قال لي: إن لم يكن ذلك الكثير فهو الذي يحتاج إليه، قلت: أجل، قال: وكذلك داري وآلتي وثيابي ومركوبي وطعامي وشرابي .. وأخذ يعدد ويقول: إن لم يكن ذاك المفرط ففيه جمال وبلاغ وكفاية، وقد تخلصت من تلك الشدة الشديدة! أتذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني، وما عاملتني أنت أيضا من أخذك الثياب عني وتعريتي؟ فقلت: هذا قد مضى والحمد لله الذي أخلف عليك وخلصك مما كنت فيه، فعرفني من أين تجددت لك هذه النعمة، ومن هذه الجارية التي تغنينا؟ فقال: أما الجارية فاشتريتها بألف دينار وربحت تخريق الثياب والجذور والهدايا والألطاف وتلك الحماقات، وأما النعمة فإنه كان لأبي خادم بمصر وابن عم، وماتا في يوم واحد، وخلفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إلي وأنا بين القطنين كما رأيت، فحمدت الله تعالى على ذلك، واعتقدت أني لا أبذر، وأنا أدبر أمري وأعيش عيشا وسطا صالحا طيبا، فعمرت الدار، واشتريت جميع ما فيها بخمسة

стр. 42

آلاف دينار مع ثمن الجارية، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار، وابتعت ضياعا ومستغلا بعشرين ألف دينار تغل لي كل سنة مقدار نفقتي التي تراها، وأمري يمشي على هذا! وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنني أحببت أن ترى رجوع حالي ونعمتي ثم لا أعاشرك يا ماص بظر أمه أبدا!! يا غلمان برجله! فجروا والله برجلي وأخرجوني مسحوبا؛ فكنت بعد ذلك أراه راكبا فيضحك مني، ولم يعاشرني ولا لتلك الطبقة جميعها!. ١٦٥ - وحدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن العباس قال: كان أبو عصمة العكبري الخطيب غالبا على أبي القاسم بن الحواري، ومنزله في الطيبة مشهور، قال: حدثني أن أبا عمر القاضي خطب لابن رائق الكبير على ابنة قيصر الكبير بحضرة المقتدر فأطال وأبلغ، وكان يوما حارا؛ فلما انقضت الخطبة قيل له: اخطب على الابنة الأخرى للأخ الآخر؛ فكره الإطالة لئلا يضجر الخليفة، وأراد التقرب إليه، فحمد الله تعالى وقرأ آية من القرآن وعقد النكاح، فنهض المقتدر مبادرا لشدة الحر، ووقع ذلك التخفف عنده ألطف موقع لأبي عمر. قال: وعاد ابن الحوري إلى داره، وجئت وجلست معه أحادثه وأتطايب له على عادتي وأغمزه، فقال: جرى اليوم لأبي عمر كل جميل، ووصفه الخليفة وقرضه واستحسن إطالته في الخطبة الأولى وإيجازه في الثانية، وقال: مثل هذا الرجل وفيه هذا الفضل لم لا نزيده في الإحسان إليه؟ فقررت معه أن نزيده في أرزاقه وأعماله كذا وكذا، وأمرني بتنجز ذلك له من الوزير! قال: وكان ابن الحواري صديقا لأبي عمر، فلما سمعت ذلك دعتني نفسي إلى أن أسبق بالخبر إلى القاضي، لأستحق البشارة منه وأتقرب إليه، فطال علي الوقت حتى نام أبو القاسم، وقمت وركبت وجئت إلى أبي عمر، فأنكر مجيئي ذلك الوقت، وعلم أنه لمهم، فأوصلني وجلست وهنأته وحدثته بالحديث، فقال أبو عمر: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأحسن جزاء أبي القاسم، ولا عدمتك! فاستقلت شكره، وولد لي ذلك فكرا مغما بأن لي في وجهه من التعجب مني، فلما خرجت ندمت ندما شديدا وقلت: سر للسلطان أفشاه إلى رجل عنده في منزلة الوزراء، فباح به ذلك الرجل إلي وحدي، لأنسه بي، لا يسره إشفاؤه، ولعله هو أراد أن يعيد على القاضي، فبادرت أنا بإخراجه إليه، "إنا الله وإنا إليه راجعون" وإن راح أبو عمر يشكره على ذلك ويذكره به علم أن ذلك من فعلي، وبأي صورة يتصورني؟ أليس يراني بصورة مخرج سر، وإخراج السر في الخير والشر والفرح والغم والجيد والرديء واحد، وربما أداه ذلك إلى استثقالي واطراحي وتجنبي واحتشامي وقطع معيشتي وحجابي، وإذا فعل ذلك من يرغب في، ومن يستخدمني بعده ويدخلني داره وقد علم أني طردت لإفشاء سر لا يعلم ما هو!! ما لي إلا أن أرجع فأتدارك غلطي وزلتي وجهلي وغفلتي وحمقي وهفوتي، وأسأل القاضي ألا يظهر أنه علم بذلك، قال: فرجعت إليه، فحين وقع ناظره علي قال: يا أبا عصمة ولا حرف!! فعلمت أنه علم بما جئت له، وحسب لي ما حسبته لنفسي، وعرف من جهلي وغلطي ما عرفته أنا من زللي وخطلي، فشكرته وعجبت من صحة حدسه وزيادة عقله، وانصرفت. ١٦٦ - وحدث أبو الطيب بن هرثمة أنه سمع الباغندي الأب المحدث يقول لجارية كانت تخدمه، وقد حرد عليها: قد ذهب زمانك الذي كنت تخضبين فيه خديك بالكتلتين، أراد: الكلكون!. وسمعه أيضاً قال في حديث حدث به قوله: "وفاكهة وأبا" فقال: وفاكهة وأتا! ١٦٧ - وحكى السلامي الشاعر قال: دخلت على عضد الدولة فمدحته فأجزل عطيتي من الثياب والدنانير، وبين يديه جام خسرواني فرآني ألحظه، فرمى به غلي وقال خذه، فقلت: وكل خير عندنا من عنده فقال عضد الدولة: ذاك أبوك! فبقيت متحيراً لا أدري ما أراد، فجئت أستاذاً لي فشرحت له الحال، فقال: ويحك قد أخطأت خطيئة عظيمة، لأن هذه الكلمة لأبي نواس يصف كلباً حيث يقول: أنعتُ كلباً أهلهُ من كدَّهِ ... قد سعدت جدودهم بجدّهِ وكل خير عندهم من عندهِ قال: فعدت متشحاً بكساء، ووقفت بين يدي الملك أرعد، فقال: مالك؟ قلت: حممت الساعة! فقال: هل تعرف سبب حماك؟ فقلت: كنت أنظر في شعر أبي نواس فحممت! فقال: لا تخف فلا بأس عليك من من هذه الحمى! فسجدت له وانصرفت.

стр. 43

١٦٨ - وكان شرف الملك بن الهمام قد اختص نديماً ذكياً فاضلاً، وكان أحد أصحابه منهوماً بالباه، فاتباع فاتباع يوماً شحم السقنقور، وعرف شرف الملك ذلك فقال لنديمه: فلان بلا سقنقور كما تعلم، فإذا تناول السقنقور هات رجلك! فقال النديم: بل هات نساءك! ثم أفاق لغلطة فأظلمت عليه الدنيا، فوانسه شرف الملك، ولم يظهر له قبحاً ولا تنكراً. ١٦٩ - ونقل عن المدائني أنه قال: تمثل خالد بن طليق قاضي البصرة في مجلس المهدي: إذا القرشيُّ لم يضرب بعرقٍ ... خزاعيِّ فليسَ من الصَّميم قال: فغضب المهدي حتى ظنوا أنه قاتله، فقال خالد بن طليق: إذا كنتَ في دارٍ فحاولتَ رحلةً ... فدعها، وفيها إن أردتَ معادُ قال: فسكن غضبه. ١٧٠ - عن الهيثم بن عمرو بن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن دغفل البكري قال: حمى النعمان بن المنذر ظهر الكوفة، فكان يقال له خد العذراء، ينبت الشيح والقيصوم وشقائق النعمان! قال: فخرج النعمان يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ بخصف نعلاً، فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرعاء فأخذوا يميناً وشمالاً فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولدت الغنم ونتطلب السمن! والنعمان متلثم لا يعرفه الرجل .. قال: أو ما تخاف من النعمان.؟ قال: وما أخاف منه؟ والله لربما لمسته بيدي هذه بين عانة أمه وسرتها كأنه أرنب جاثم! فحسر عن وجهه فإذا خرزات ملكه، وقد هاج وجهه غضباً، فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن، لا ترى أنك قد ظفرت بشيء! لقد علمت العرب أنه ليس فيما بين لا بتيها شيخ واحد هو أكذب مني! فضحك النعمان من قوله، ثم مضى ولم ينله بمكروه. ١٧١ - وحدثني أبو الفوارس أحمد بن كتيلة العلوي الحسيني قال: مرض ابن عم لي علي بن ناصر بن زيد بن كتيلة، فجئت أعوده، فلقيت ولده، فسألته الوصول فقال: إنه قد أغمي عليه، وقعدنا جميعا على دكة في دهليز داره، فأنشدت على سهو مني: إنَّا إلى اللهِ راجعونا ... كانَ الذي خفتُ أنْ يكونا أضحى المرجّى أبو عليٍّ ... موسَّداً في الثَّرى دفينا لمّا انتهى واستوى شباباً ... وحقَّقَ الرَّأيَ والظنونا دافعتُ إلاَّ المنونَ عنهُ ... والمرءُ لا يدفعُ المنونا ثم استرجعت فرأيت أنني قد غلطت في إنشادي الأبيات، فقلت لابنه معتذرا إليه: والله ما أنشدت الأبيات إلا على سهو مني! فقال لي: هو أوكد! وخرجت من عنده ووصلت داري، ولم ألبث حتى سمعت ناعيه، ثم خرجت مع ولده وجماعة من الناس خلف جنازته، فقال لي ولده: والله إنني منذ أنشدت الأبيات أيست منه! ١٧٢ - وحدث علوية المغني قال: كنت مقتولا لولا كرم المأمون لا محالة، فإنه دعاني آخر جلسة جلسها وهو بدمشق، وقد عزم على الخروج إلى البذندون، ودعا مخارقا فقال: غنياتي، فسبقني مخارق وغنى: لمّا تذكَّرت بالدَّيرين أرَّقني ... صوت الدَّجاجِ وضربٌ بالنَّواقيسِ فقلتُ للرَّكبِ إذ جدَّ المسير بنا ... يا بعدَ يبرينَ من بابِ الفراديسِ قال: وجننت فغنيت بشعر فيه: الحينُ ساقَ إلى دمشقَ وما ... كانتْ دمشقُ لأهلنا بلدا فضرب المأمون بقدح في يده الأرض، وقال يا غلام أعط مخارقا ثلاثة آلاف درهم، وأخذ بيدي، فقمت، ودمعت عين المأمون وقال للمعتصم: ما أظنني يا أبا إسحق أرى العراق أبدا:

стр. 44

١٧٣ - قال مؤلفه: كان عندي أبو طاهر بن أبي قيراط العلوي، وقد رتبته في خزن الكتب بدار العلم من شارع ابن أبي عوف في غربي مدينة السلام التي وقفتها في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، فبينما نحن نتحدث إذ استؤذن لإنسان ديلمي أقعدته في الدار هو وزوجته لحفظها وخدمة من يدخل إليها، فقال ابن أبي قيراط: فاتشوه عما عنده مني لننظر ما يعتقده في؛ وكنت أمزح معهما دائما على العبث بينهما، وأشطر كلا منهما عن صاحبه، فأضحك مما يورده هذا الديلمي في العلوي؛ واستتر العلوي وراء إنسان كان حاضرا، فلما جلس الديلمي وفرغ من سلامه قلت له: كان العلوي البارحة هاهنا فهل استوحشت له أم لا؟ فقال: لعن الله ذاك، فإنه كافر وزنديق، ساقط شحيح، يشتري شيئا بنصف حبة يأكله يوما ويومين، فإن كان مالحا وبقي ذلك الجلد الذي لا ينقطع ولا يؤكل، أو باذنجانة مرة، أو قليل لبن حامض، صاح بالمرأة وأعطاها الذي لا يصلح للسنانير فضلا عن الناس، ويناظر ظاهرا في إبطال الشريعة وتكذيب الأنبياء، ويظهر الكفر والإلحاد، وبالله يا سيدي إني أكره أن يكون مثله نائبا عنك في ذلك الموضع وعلى تلك الدار والكتب!! وضحكنا، وزاد فيما يورده، وأفحش فيما يذكره. وأخرق العلوي ما سمعه، فخرج من وراء ذلك الإنسان، لضحك الرجل ووقوعه على وجهه، فلما رآه الديلمي بقي حائرا وقال: يا شريف كذبت فيما قلته، والتفت إلي وقال: يا سيدنا رجل حر فيه خير والله، ما يقصر معنا، يعطينا البزر والشيرج ومن جميع ما يشتريه قبل أن يأكله، ونحن له شاكرون داعون! وامتقع لونه، وتلعثم لسانه، وتعثر كلامه، فلحقنا من النوبة الأخرى ما زاد ضحكنا له وأسرف، فأما أنا فغلب علي الأمر حتى قمت من المكان وغبت عنهم ساعة من الزمان ورجعت والديلمي قد انصرف، وبقي العلوي يلوم نفسه، ويقول: شرعت في أن سمعت سبي والاستخفاف بي في وجهي!.

стр. 45

١٧٤ - وحكي أن الرشيد والفضل بن الربيع خرجا في يوم صائف لتنسم الأخبار ومشاهدة الناس على عادة كانت للرشيد في ذاك، فبلغا في الظهيرة إلى باب كبير، وفي دهليزه حباب وجرار لطاف والرحبة التي فيها آلباب مرشوشة مكنوسة، وفيها دكة عليها بارية جديدة، والهواء في الموضع رقيق كثير، فجلسا، وسمعا من الدار صوت غناء، فدخلا الدهليز وتطلعا إلى الدار، فرأيا غلاما شابا وبين يديه مجلس ظريف وعتيدة يخرج منها منها ثياب النساء، فيقلبها ويبكي ويقبلها، ويغني بالعود أطيب غناء وأحرقه، فطرقا الباب، فخرج إليهما، فلما رآهما قال: مرحبا بكما، ألكما رأي في الدخول والقيلولة عند عبدكما؟ فقالا: نعم، فدخلا وغلق الغلام الباب، وقدم لهما طستا وإبريقا ومنديلا دبيقيا، وأقلب عليهما حتى توضأا وصليا، وقدم لهما ما أكلاه، وأخذا في الشرب معه، فقالا له: رأيناك تخرج من هذه العتيدة ثياب امرأة فتقبلها وتبكي وتغني عليها وكان سبق إلى وهم الرشيد أنه كان يحب امرأة فقتلها وجعل ثيابها عنده، يذكرها بها، ويبكي عليها، وهو مجتهد في أن يعلم صحة ذاك وتحقيقه ليقيده بها، ويحقق الأمر عنده كون الرجل وحده وخلو الدار من غلام وجارية أو صاحب أو أنيس! فقال لهما: لا تسألاني ودعاني! فمازحاه ولاطفاه وألحا عليه إلى أن قال: اسمعا خبرني فإنه عجيب، وأمري فإنه غريب، كان والدي وهب لي وأنا صغير جارية في سني وقريبة مني، وتربت معي ودخلت الكتاب لدخولي، فتعلمت الكتابة والقراءة أجود مني، وعلمت الغناء فتعلمت معها، وتحاببنا حبا شديدا، ومات والدي أعظم ما كنت بها وجدا، فرفع خبرنا إلى الفضل ابن الربيع لعنه الله فرفعه إلى الرشيد كافأه الله فلم أشعر إلا بالجارية قد أخذت مني، وحملت إلى دار الخلافة خبرها الله، فاستغثت وقلت: لأي حال تؤخذ مملكتي؟ فاستخف الفضل بي قصم الله أجله وتبر عمره وقال: هذه جارية أبيك، ولا يجوز أن تكون بعده معك، والظاهر من أمرها أنها تجري مجرى الوالدة لك، فأحضر النخاسين وانظر قيمتها ليسلم إليك، فحلفت على أن أبي وهبها لي منذ كنا طفلين، فلم يلتفت علي، وأمرني فانصرفت، ولم تطب نفسي بقبض ثمنها، وغصبت عليها! هذه صفتي وحالي! فسري عن الرشيد، وقال له: ما اسمها؟ فقال: عتب، فقال له: أعلم أننا من قوم سحرة، كهنة مخدومون، ونحن نجمع الليلة بينك وبينها، ونذلل لك الجن حتى يحملوك إليها ويعيدوك وقد نعمت عينا بالاجتماع معها طول ليلتك! فقال: أنتما رائدا الخير، وأرجو أن يصح لي منكما هذا الخبر! فسار الرشيد الفضل وقال له: تقدم إلى الفراش الخاص بأن يحضر منام الناس، ويجلس على الباب، ومعه خمسة من الفراشين الأجلاد ومعهم كساء كبير وثيق، وأحضر أنت معك بنجا جيدا وشيئا من البراكير الحديد وما نوهمه به أننا نضرب له مندلا ونحضر الجن، وتقدم إلى عتب بأن تزين دارها، وتتخذ طعاما وشرابا وتعما مجلسا جميلا وتعليق الدار بأصناف الثياب المنقوشة، وتستكثر من الشمع، فإنني أريد الليلة الشرب عندها! فقال: السمع والطاعة؛ وقال له ظاهرا: قم وأحضر أداتنا، فنريد أن نتعصب مع صديقنا الليلة! فقال: حبا وكرامة؛ وانصرف وعاد آخر النهار ومعه برخاشات توهم أنها آلة، فلما أعتم الليل ضربا مندلا وتكلما عليه، ثم أقعداه في وسطه وسقياه قدحا فيه البنج، فوقع لا يعقل أمره، ودخل الفراشون فحملوه في الكساء، وأقعدوا واحدا منهم في الدار، وانصرفوا به إلى دار عتب فطرحاه فيها؛ وقال الرشيد لعتب: هذا مولاك؟ قالت: نعم، قال لها: قد رجعت إلى رقه على شرط وهو أنك لا تعلمينه بما فعلنا به، وكوني معه كأنكما لم تتفارقا، ليتصور أنه يراك ويرى ما هو فيه في النوم، فإن أطلعته على أننا جئنا به إليك أخذنا رأسك! فقالت: الله الله يا مولانا! وأعطاها دواء يخلص من البنج، فسقته إياه، وطرحت عليه الماء البارد، فاستيقظ ورأى تلك الشموع والدار والمجلس والجارية، ففرح وقال لها: يا عتب، قالت: لبيك يا سيدي، وجلست تغني له وتشرب معه، وهو يقبلها ويفرح بها، ويتعجب مما هو فيه، ويقول لها: أليس أخذت مني؟ أليس فعل بي الفضل بن الربيع لعنه الله كذا وكذا؟ وأخذك الرشيد مني فعل الله به وصنع! وجاءني البارحة ساحران فضربا لي مندلا وجمعا بيني وبينك، فاحذري لا يشعر بنا الرشيد فنهلك! فقالت: الله تعالى يكفي! وبقي يحدثها فيما نحن فيه، فلما صار آخر

стр. 46

الليل وإذا بالرشيد قد جاء، فقالت له: ويلك قد جاء الخليفة إلى عندي، فبكى وفزع وجزع، وهجم الرشيد عليه فقال: من عندك يا عتب؟ قالت: هذا مولاي جاء به الجن الليلة إلى عندي! فقال له: ويلك الجن يحملون الناس إلى دور الناس! هاتوا سيفا ونطعا، فأحضرا وقال: اصدقني، من أوصلك إلى هاهنا، وإلا تقدمت بضرب عنقك! فأخذ يقص عليه حديث الساحرين، وهو يكذبه ويتهدده، إلى أن نشفت لهواته، فقال اسقوني ماء، فأمر عتبا أن تطرح له في الماء بنجا، ففعلت، فلما شربه وقع نائما، وتقدم بحمله إلى بيته، وأن ينزل في المنزل الذي أخذ منه، وترد أبوابه عليه، ويقعد فراش في الشارع يحفظ الباب عليه، إلى أن يجيئاه، وجرى الأمر على ذاك، وجاءه الرشيد والفضل وسقياه من الدواء المخلص من البنج، فانتبه فزعا مروعا، فقالا له: ما عمل أصحابنا الجن معك؟ فأخذ يتذكر ويشرح لهما ما رآه في نومه، وما لحقه وجرى عليه، حتى قال: وشربت ماء فانتبهت وتخلصت من عظم ما تورطته وحصلت فيه! فقالا: إلا أنك رأيتها وفرحت بها، وتفرجت معها؟ قال: إي والله، ورجعت روحي إلي، وطابت نفسي، وليت كان لي مثل ذلك كل ليلة، ودع أقتل على التحقيق لا التفزيع! فقالا له: هذا لك عندنا، ما دمنا نعاشرك؛ فقبل رأسيهما وشكرهما، وأحضرهما ما طعماه معه، وأخذوا في الشرب، وأخذ يغني ويبكي أكثر من أمسه، وقال: قد تجدد علي من رؤيتها البارحة ما قد جدد أحزاني وأطار عقلي! وجرى أمره في الليلة الثانية على ما جرى في الأولية، وفي الثالثة على مثل ذلك، إلا أنه كان يتخلص في الليلتين من الخليفة والقتل بشرب الماء، فكان في الليلة الثالثة يلتمس الماء فيسقاه، ولا يطرح فيه بنج فلا ينام، ويعاود طلب الماء فيسقاه دفعات ولا ينام، ولا ينتبه على حسابه وظنه، فلما مات في جلده، كما يقال، تقدم الرشيد إليه بأن يأخذ بيد الجارية وجميع ما في دارها وينصرف به وبها إلى بيته، ففعل ذلك وأصبح في داره مالكا جاريته، وعرف حقيقة الحال فجزع وخضع مما كان يجري منه على الخليفة والفضل، وأمره الفضل بن الربيع بأن يتردد إلى الدار، فصار يتردد وهو خجل حي، وأطلق له من المال وأجري عليه من الجراية ما يقوم بحاله، وأنفق له من المال إنفاق لم يكن في حسابه. ١٧٥ - وخاطب الوزير أبو القاسم بن المغربي بعض العمال واحتد عليه، وقال: لأتقدمن بصفعك! فقال: بل نترك العمالة ولا تصفعنا ولا نصفعك! فأطرق المغربي، وترك الكلام، وعرف الرجل غلطته، فبقي ميتا، ثم خرج متحاملا. ١٧٦ - وحدثني محمد المعروف بابن الدوري قال: حدثني أبو المعالي ابن الطوابيقي البزاز قال: كنت سائرا في اليمن إلى مكة، ومعي تجارة على جمل، وزاد وماء على جمل، وأنا ورفيق لي على جمل موطأ لنا عليه، ونحن نتحدث، ويقارضني، ونتقارض ونتفرج، فحضر في نفسي قول الله تعالى:"وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفاس" وقلت: ما نبلغ مقصدنا إلا ونحن على الرفاهة وفي اللذة والفرجة، فما مر هذا الخاطر على قلبي حتى وقع الجمل الذي عليه الزاد والماء، فمات، فنزلنا إليه فأخذنا الزاد عنه، ولم يكن معنا في الرفقة جمل فارغ نكتريه، فاحتجنا أن نقلنا الزاد على الجمل الذي كنا عليه، ومشينا وراءه يومين وليلتين إلى مكة، فدخلناها ورجلاي قد انتفختا وتنضختا دما، وقد لقيت تعبا ونصبا وشقاء لم أظن أنني أسلم معه، وبقيت بمكة مدة أداوي ما لحقني وأصابني، وتحققت أن ذلك جواب ما خطر لي واعترضني، وعجبت من ذلك، وكثر فيه فكري!.

стр. 47

١٧٧ - وفي كتاب الأوراق المصولي قال: كان المأمون نازلا على البذندون، نهر من أنهر الروم عند طرسوس، فجلس يوما وأخوه المعتصم عليه، وجعلا أرجلهما فيه استبرادا له، وكان أبرد ماء وأرقه وألذه، والزمان صائفا، فقال المأمون لأخيه المعتصم: أحببت الساعة من أزاذ العراق أكلة، وأشرب من هذا الماء عليه! وسمع صوت أجراس البريد، فقال: هذا بريد أين؟ فقيل: بريد العراق، وأحضر طبقا فضة فيه رطب أزاذ، فعجب من تمنيه وما اتفق له فيه، فأكلا وشربا من الماء، ونهضا، فودع المأمون وقال ثم انتبه محموما، وفصد، وظهرت في رقبته نفخة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج ويفتحها فتبرأ، فقال المعتصم للطبيب وأظنه ابن ماسويه ما أظرف ما نحن فيه! تكون الطبيب المتفرد المتوحد في صناعتك وخدمة أمير المؤمنين وتعتاده مثل هذه النفخة فلا تزيلها عنه فتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه!! والله لئن عادت هذه العلة لأضربن رقبتك! فانصرف ابن ماسويه مستطرفا لقول المعتصم، وحدث بذاك بعض من يثق به ويأنس إليه، فقال له: تدري ما قصد المعتصم؟ فقال: لا، قال: قد أمرك بقتله حتى لا تعود النفخة إليه، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على منع الأمراض عن الأجسام، وإنما قال: لا تدعه يعيش فيعود المرض إليه! وتعالل ابن ماسويه، وأمر تلميذا له بمشاهدة النفخة والتردد إلى المأمون نيابة عنه، والتلميذ يجيئه في كل يوم، فيعرفه حال المأمون وما تجدد له وبه، فأمره بفتح النفخة، فقال له: أعيذك بالله، ما احمرت ولا كملت ولا بلغت إلى حد الجرح، فقال له: امض وافتحها كما أقول لك ولا تراجعني! فأطاعه وفتحها، فمات المأمون منها. ١٧٨ - وحدث الرئيس أبو الحسين والدي قال: رأى الحسن بن رجاء بن الضحاك، وهو يتقلد فارس، وقد صفا له أمرها، كأن آتيا أتاه وصاح به بباب البيت الذي كان نائما فيه:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة" فانتبه مرعوبا، ومات من غده!. ١٧٩ - وقال: رأى الأفشين في منامه قبل سخط المعتصم عليه رؤيا أفزعته، فأرسل ليلا إلى مفسر كان قريبا منه فأحضره، وقال له: قد هالني أمر رؤيا رأيتها! قال: خير أيها الأمير اقصصها علي عند طلوع الشمس، فقال لخازنه: يكون عندك! فلما أصبح دعاه وقال له: رأيت البارحة كأن الشمس والقمر دخلا علي وأنا جالس في بهو، فقعد أحدهما على كتفي الأيمن، والآخر على الأيسر، وانتبهت لجزعي منهما! قال المفسر: فما حضرني ما أقوله في ذاك، فاستعفيته، فقال: قل ما خطر لك وأنت آمن، قلت: اقرأ "لا أقسم بيوم القيامة"، فقرأها، حتى بلغ: "وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر" فأخذته رعدة وزمع وخرجت من عنده، فما مضت عليه ثالثة حتى قبض عليه. ١٨٠ - وحدثني والدي الرئيس أبو الحسين قال: حدثني أبو الحسن محمد بن محمد الحبشي النحوي وهو من أهل البطيحة قال: أقام أبو محمد بن عمر بن شاهين صاحب البطائح بعد وفاة أبيه، وقبل انحدار أبي القاسم المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة أبي شجاع بن نويه لحربه، وبعد وقوع الصلح معه، على سيرة جميلة في نظره، ثم حسده أبو الفرج أخوه على موضعه، وكان جاهلا متهورا، فأعمل الحيلة في الفتك به، واتفق أن اعتلت أختهما فقال لأبي محمد: إن أختنا مدنفة مشفية، فلو عدتها لقويت من نفسها؛ ففعل وركب إليها، ورتب أبو الفرج في دارها قوما وأوقفهم على الفتك به، فلما دخل أبو محمد إليها وقف أصحابه عنه لأنها دار حرم، وحمل أبو الفرج سيفه على عادة كانت له في ذلك؛ ومشى من ورائه، حتى إذا تمكن منه وقرب من الموضع الذي رتب القوم فيه جرد سيفه وضربه به، وخرجوا فتمموه له؛ ووقعت الصيحة واختلط الناس، فصعد أبو الفرج إلى سطح الدار، وأطلع على الجند وقال لهم: ما لكم علي إلا أن أطلق لكم الأموال، وأضع فيكم العطاء، وأغمر جماعتكم بالإحسان! وكان الأمر قد فات، فسكتوا وأطاعوه وأمروه، فأعطاهم وفرق فيهم! قال أبو الحسن: وحدثني أبو القاسم هبة الله بن عيسى، وكان يكتب لأبي محمد أيام عمران أبيه، وبعد ذلك له أيام إمارته، قال: لهج أبو محمد آخر عمره بأن يقترح على المغنين: لم تلبثِ الحلفاءُ والجمرُ ... يا سيِّدي قد نفدَ العمرُ فكنت أتطير عليه من ذلك، حتى كان من أمره ما كان!

стр. 48

١٨١ - وحدث أبو جابر أحمد بن خلف المعروف بابن القاضي الموصلي قال: كنت أهوى جارية لأبي القاسم المعروف بابن الداية يقال لها شراة، وكانت من المحسنات، فأعطيته بها ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، وكان صوتي عليها: أبي المدنفُ الغضبانُ يا نفسُ أن يرضى ... وأنتِ الذي صيَّرتِ طاعته فرضا وجزتِ به حدَّ الهوى فاجمعي له ... إذا همَّ بالهجرانِ خدَّكِ والأرضا فرأت قائلا يقول لها في منامها، ليلة من الليالي: لا تغني بهذا الصوت! فانقطعت عن غنائه مدة، ثم عاودت الغناء به، فرأت ثانيا في منامها مثل ما رأته أولا، فأمسكت عنه مدة أخرى؛ واتفق أن حضرت عند مولاها فألححت عليها ولم أزل بها حتى غنته لأنها كانت تجيده، فما استتمته حتى سعلت، وأداها السعال إلى الخناق، وماتت. ١٨٢ - وكان لموسى الهادي جارية يقال لها ضياء، ويجد بها وجدا شديدا، ففكر يوما فكرا طويلا، ثم عاد بهارون أخيه وقال له: يا أخي إن هذا الأمر صائر إليك، فدع لي ضياء! قال: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويمتعك بها! فقال: دع هذا عنك واحلف لي وعاهدني أنك لا تقربها؛ ففعل، ومات الهادي وكانت ضياء من أكبر هم الرشيد، فدعاها إلى نفسه، فقالت: يا أمير المؤمنين فكيف بالعهود المأخوذة عليك في أمري!! أما كذا فكفارته كذا، وأما الحج فأحج راجلا .. وبلغت من الموقع عنده أن كانت تنام على فخذه فلا يزعجها حتى تنتبه لنفسها، فبينا هي نائمة على ذلك، وهو جالس على عتبة باب إذ انتبهت ووضعت يدها على رأسها، وجعلت تبكي وتصيح، فقال لها الرشيد: مالك؟ فقالت: رأيت الهادي آخذا بعضادتي الباب وهو يقول: إن الذي غرَّه منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدُّنيا لمغرورُ أنت الذي خنت عهدي بعد موثقةٍ ... إن لم تكن كذبتْ عنك الأخابيرُ. فضمها الرشيد إلى صدره، وما جاء الليل حتى ماتت. ١٨٣ - وقال خالد بن عبد الله القسري يوما، وقد اجتمع عنده جماعة من سماره وخواصه: حدثوني عن الحب حديثا لا فحش فيه، فقال أبو حمزة اليماني: كان فتى من العرب يسمى مالك بن نصر، له بنت عم يحبها وتحبه، يقال لها الرباب، وكانت جمال وكمال وظرف وعقل، فبينما هو يوما معها إذ بكى، فقالت: ما يبكيك؟ قال: إني نظرت إليك فقلت أموت فتتزوج بعدي، فأسفت بك، ولحقتني حسرة عليك! قالت: فلعلك أن تبقى بعدي؟ قال: إن بقيت بعدك فلك عهد الله أني لا أتزوج ما حييت! قالت: ولك مني مثل ذلك .. وتعاهداً وتواثقاً .. ثم إن الفتى خرج مع قتيبة بن مسلم الباهي إلى خرسان، فلم يزل يقاتل بين يديه حتى طعن فسقط عن فرسه فقال وهو يجود بنفسه: أل ليتَ شعري غزالٍ تركته ... إذا ما أتاه مصرعي كيفَ يصنهُ أيلبسُ أثوابَ السَّوادِ تسلِّياً ... على مالكِ أم فيه للبعل مطمعُ فلو أنني كنتُ المؤخَّرَ بعدهُ ... لما لبثت نفسي عليه تقطَّعُ قال: ثم مات، فبلغ الرباب ذلك، فكاد الحزن يقتلها، وذابت حتى لم يبق منها إلا خيال، وكانت لا تهدأ من البكاء والشهيق، فتشاور أهلها فيها وقالوا لو زوجت لسلت! فزوجوها على كره منها، فلما كانت الليلة التي أرادت أن تزف فيها إلى زوجها نامت وأمها عند رأسها، فرأت في منامها مالك بن نصر زوجها الأول آخذا بعضادتى الباب وهو يقول: حيَّيتُ ساكنَ هذي الدَّارِ كلَّهمُ ... إلاَّ الربابَ فإنِّي لا أحيِّيها استبدلتْ بدلاً غيري وقد علمتْ ... أن القبورَ تواري منْ ثوى فيها فانتبهت مذعورة، وذكرت لأمها ما رأت، فقالت: يا بنية ارقدي فهذا من عمل الشيطان، وتعوذي منه! فوضعت رأسها، وأتى خيال زوجها مالك، فأخذ بعضادتى الباب ثم قال: قد كنتُ أحسبها للعهدِ راعيةً ... حتى تموتَ وما جفَّت مآقيها أمستْ عروساً وأمسى مسكني جدثاً ... حتى تموتَ فإنِّي ما ألاقيها أمسيتُ في حفرةٍ يبلى الحديدُ بها ... لا يسمعُ الصوتَ نفساً مشطتها فانتبهت مذعورة، فخرقت ثيابها، وقطعت جلبابها ونقضت مشطتها وعاهدت الله لا يجتمع رأسها مع رأس رجل ما عاشت، فلم تلبث إلا قليلا حتى ماتت.

стр. 49

١٨٤ - وحدث محمد بن يزيد بن عبد الحميد الكاتب بالرقة قال: حدثني السندي بن شاهك قال: كنت نائما ذات ليلة في غرفة الشرطة بالجانب الغربي من مدينة السلام، كما جرى به رسم ولاة الشرطة من المبيت في أعمالهم إلا في ليال معلومة، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى بن خالد وهو واقف بإزائي، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر، وهو ينشد: كأن لم يكن بين الحجونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يسمرْ بمكَّةَ سامرُ بلى! نحنُ كنّا أهلها فأبادنا ... صروفُ اللَّيالي والجدودُ العواثرُ فانتبهت فزعا وقصصت الرؤيا على أحد خواصي، فقال: هذه أضغاث أحلام، وليس كل ما رآه الإنسان وجب أن يفسر! وعاودت مضجعي فلم تمتلئ عيني غمضا حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد، ودق باب الغرفة فأمرت بفتحها، فصعد إلي سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في مهماته، فانزعجت وأرعدت مفاصلي، فظننت أن الخليفة قد أمره بأمر في، وجلس إلى جانبي وأعطاني كتابا، وقال: اقرأه، ففضضته وإذا فيه: "يا سندي، كتابنا هذا بخطنا، مختوم بالخاتم الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فإذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى دار يحيى بن خالد، للإحاطة عليه، وسلام معك، حتى تقبض عليه وتوقره حديدا وتحمله إلى الحبس في مدينة أمير المؤمنين المنصور، المعروف بحبس الزنادقة، وتتقدم إلى باذام بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك أنت إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر، والتقدم إليه بأن يفعل مثل ما تقدم به إليك في يحيى، وأن تحمله أيضا إلى حبس الزنادقة، ثم بث، مع فراغك من أمر هذين، أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته". ١٨٥ - ورأى ميمون بن هرون في منامه، وهو بسر من رأى، رجلا واقفا بباب العامة ينشد: يا طالبَ الحقِّ أينَ الحقُّ وا أسفا ... غالتهُ غولٌ أمِ الإنصافُ مدفونُ أضحى الخليفةُ مقتولاً تهضَّمه ... عبيدهُ وهو بالإرغام مقرونُ فأصبح وقد قتل المعتز بالله. ١٨٦ - وذكر أبو بكر بن أبي الدنيا فقال: كان بنصيبين رجل يكنى أبا عمرو، وكان يواصل الشرب ولا يفتر عنه، فرأى في منامه قائلا يقول له: جدَّ بك الأمرُ أبا عمرو ... وأنتَ معكوفٌ على الخمرِ تشربها صرفاً صراحيَّة ... سالَ بك السَّيلُ وما تدري فلما كان في اليوم الثاني من رؤيته ما رأى مات. ١٨٧ - قال الزيادي: كنت نائما فأتاني آت في منامي وقال: من للطلاء والمغنا? ... ء ومن لشرب الخسرواني قد ماتَ شيخُ الكافري? ... نَ وكان داهيةَ الزَّمانِ فانتبهت بصوت الناعي لإسحاق بن إبراهيم. ١٨٨ - وحدثنا أبو الفضل الربعي عن أبيه قال: كان عبد الله بن قثم بن عبد الله بن العباس أمير مكة في زمن المهدي، وكان متزوجا بلبابة بنت علي بن عبد الله بن العباس، فاتفق أن كان قائلا يوما ورأى رؤيا .. قال ابن صيفي: وأرسل إلي يدعوني فلما جئته قال لي: رأيت يا أبا إسماعيل في قائلتي ما قد أزعجني، وأراني والله ميتا! قلت: وما ذاك؟ قال: رأيت وجها برز إلي من هذا الجدار وقال منشدا: بينما الحيُّ وافرونَ بخيرٍ ... حملوا خيرهمْ على الأعوادِ قلت: يبقي الله الأمير، ولعل ذلك من الشيطان! قال: ما كان وجه شيطان! قلت: لعل الميت غيرك! فقال: من هو؟ عساك تعرض بلبابة بنت علي؟ نعم هي والله خير مني وأمجد .. فما مضى على هذا الحديث شهر حتى توفيت لبابة، فأقمنا بعد ذلك بسنة فأرسل إلي في مثل الوقت من اليوم المتقدم فقال: رأيت ذلك الوجه بعينه، خرج إلي في القائلة وأنشد ذلك البيت بعينه، وأنا والله ميت وما بقيت، لبابة أخرى! فقلت: يبقيك الله أيها الأمير! وما مضى شهر حتى مات.

стр. 50

١٨٩ - وحدث يوسف المعروف بابن الداية صاحب إبراهيم بن المهدي قال: صار إلى إبراهيم بن المهدي في النصف من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين رجل من ثقاته فأعلمه أنه رأى في المنام كأن في يده رقعة مكتوب فيها: "الطالع الجوزاء ثلاث عشرة درجة" وكأنه دفعها إلى إبراهيم فقرأها وهي تنقرض حتى لم يبق في يده منها شيء، ثم نظر إلى الأرض فلم يجد فيها شيئا مما انقرض! فقال إبراهيم: ينقرض أمر المأمون ولا يلي بعده أحد من ولده، لأن طالعه الدرجة الثالثة عشرة من الجوزاء! فلما مضى أحد وثلاثون يوما على الحديث قدم جعلان التركي على إسحق بن إبراهيم والفضل بن مرزوق بنعي المأمون، وأنه توفي بعد العصر من يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين. ١٩٠ - ذكر حبيب بن إبراهيم البصري قال: حكى بعضهم أنه رأى ليلة الفطر من سنة إحدى وثلثمائة وقد حبس أبو الهيثم بن ثوابة في منامه كأن دارأبي الهيثم مسودة، وفيها جارية سوداء، بيديها عود وهي تضرب وتغني: أزجر العين أن تبكّي عظيما ... إن في الصَّدرِ لوعةً وهموما قتلته ملوكُ آلِ أبي العا? ... صِ وقد كانَ سيِّداً معلوما قال: وكأني أقول لها: الشعر على خلاف هذا، وهو: أزجرُ العينَ أن تبكّي الرسوما ... إن في الصَّدرِ منْ يزيدَ هموما قتلتهُ ملوكُ آل أبي العا? ... صِ وقد يقتل الكريمُ الكريما فقالت: هذا يا معشر الإنس قاله شاعركم الطرماح وما غنيته أنا إلا لشاعرنا لما أدخل رأس يزيد بن المهلب إلى دمشق، فارووا ما عندكم فإنا نروي ما عندنا?! ثم قامت إلى وسط الدار وقالت: وأيقنتُ التفريقَ يومَ قالوا ... نقسِّمُ مالَ أربدَ بالسِّهام وضربت بعودها الأرض فكسرته، ودخلت حجرة في دار أبي الهيثم، وغابت عن عيني، فقتل أبو الهيثم بعد مديدة. ١٩١ - وحدث بعض وجوه الكتاب ببغداد قال: رأيت في المنام جارية كانت لامرأة أبي العباس بن الفرات تسمى "همة"، وفي يدها عود وهي تغني: السلاح السلاحْ ... إن أتانا الصباحْ أينَ فرسانُ قيسٍ ... ألطِّوال الرِّماحْ أينَ ساداتُ قومي ... ذو الأكفِّ السِّماحْ أين أهلُ القصورِ ... ألجعادُ الملاحْ ثم حدثت الحادثة على أبي الحسن بن الفرات بعد ذلك بأربعة أشهر سواء، واستتر أهله، وحصلت هذه الجارية عندي، فسألتها هل تغني بهذا الشعر؟ قالت: نعم، ثم أنشدتنيه، وقالت في البيت الأخير في مكان (القصور) (البطاح). ١٩٢ - وحدث محدث قال: رأيت في منامي نصف النهار قبل نكبة أبي الحسن بن الفرات بخمسة عشر يوما كأن أبا الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب ابن الفرات قد دخل علي، وعليه قميص كرابيس، وهو منتوف بعض لحيته، فقلت له: مالك؟ وكيف جئتني على هذه الحالة؟ فقال: أخنى علينا الدَّهرُ كلكلهُ ... من ذا يقومُ بكلكلِ الدَّهرِ وانتبهت فكتبت هذا البيت على الحائط، فلما كان بعد الأيام المذكورة نكب ابن الفرات. ١٩٣ - كان الوزير أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد مدلا على الوزير أبي الحسن بن الفرات لمودة بين أسلافهما، واختصاصه هو بأبي الحسن، فوجد أبو الحسن الكتب النافذة إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه، فلم يظهر ذلك للمقتدر بالله، حراسة لسليمان وصيانة عن أذية تطرقه وبلية تلحقه، واعتمد تقديمه والتنويه به، وكان سليمان قد تقلد للوزير أبي الحسن علي بن عيسى أيام نظره مجلس العامة في ديوان الخاصة، فقلده ابن الفرات هذا الديوان رئاسة، ثم شرع سليمان لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة وصرف ابن الفرات، وعمل لذلك نسخة بخطه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات وكتابه وأصحابه وأسبابه وضياعه وأمواله، واتفق أن قام لصلاة المغرب مع جماعة من الكتاب في دار ابن الفرات فسقطت من كمه، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن الفرات من وقته، فلما وقف عليها فبض عليه، وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وصودر هناك وعوقب، ثم رفع صاحب البريد إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم يحضرها ولدها ولا شاهدته قبل موتها، فاغتم ابن الفرات لذلك فكتب بخطه كتابا هذه نسخته:

стр. 51

"ميزت أكرمك الله بين حقك وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وذكرت من سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق أكرمك الله بذاك، واسكن إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه، واعلم أنني أراعي فيك حقوق أبيك التي تقوم بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب، وتسهل ما عظم من جنايتك، وتقلل ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها إن شاء الله تعالى، وقد قلدتك أعمال قهستان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى أحمد بن محمد بن حبيش بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد هذه الأعمال، وأظهر فيها أثرا حميدا يبين عن كفايتك ويؤدي إلى ما أحبه من زيادتك إن شاء الله." ١٩٤ - وحدث أبو علي بن القائي النصراني قال: كان بشر بن علي كاتب حامد صديقا لي ولأبي يعقوب أبي، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، واستعرت الدنيا نارا بالمحسن ابنه وشره وتسلطه وتبسطه، طلب بشرا وأبا محمد بن عينونه في جملة من طلبه، وتتبعه وكبس عليه واستقصى في أمره، فأما بشر فإنه أخذ لنفسه عند القبض على حامد صاحبه، واستتر عندي، ولم أعلم أبي وأخي به خوفا أن يحلفا فيدلا عليه، واتفق أن كتب أخي إلى بشر رقعة ضمنها كل إرجاف وفضول، وما اطلع عليه من تقرر الأمر لأبي القاسم الخاقاني وقرب تقلده الوزارة، وبأنه قد أحكم له ما يريده منه، وأجابه بشر في تضاعيفها بما شاكل الابتداء، من غير تحفظ ولا تحرز، واختلطت الرقعة بين يدي أخي بمكاتبات وكلائه وحسبانات صنيعته، وغير ذلك مما لا فكر فيه؛ وكتب أبو أحمد عبيد الله بن محمد أخو أبي إبراهيم موسى بن محمد، وكان يتولى نصيبين، إلى المحسن بما قال فيه:"إن أردت ابن عينونه وعبد الرحمن بن عيسى بن داود فهما عند ابن القنائي"، فما شعر أبي وأخي في يوم واحد إلا بمريب خادم المحسن وقد كبسهما في جماعة من الرجالة، وفتش جميع الحجر والبيوت، ولم يبق غاية إلا بلغها في الاستقصاء والاحتياط في التفتيش والطلب، فلما لم ير أحدا عدل إلى ما كان بين أيديهما من رقاع حساب، فجمعه وحمله إلى المحسن، وفي جملته الرقعة إلى بشر وجوابه فيها، المشتملة على العجائب! ورأى أخي ذاك فمات في جلده؛ ولم يقصد أحد داري اكتفاء بما جرى على دار أبي وأخي، وسلم ابن عينونه، وكان في الوقت سكران لا فضل فيه لحركة! وقال ابن هندي: فحدثني أبو منصور بن فرخانشاه صهرنا قال: كان خبر الرقعة عندي، وأنها فيما أخذه مريب من الرقاع، فلم أزل أمشي خلفه، وهو متأبط بما أخذه، إذ انسلت الرقعة بعينها بتفضل الله تعالى من بين سائر تلك الكتب والرقاع وسقطت على الأرض، فأخذتها وبادرت إلى مستراح رأيته في الطريق مفتوحا، فطرحتها فيه، وهدأت نفسي عند ذلك. قال: ومضى أبي وأخي مع مريب إلى المحسن، ووقف على الرقاع والكتب، فلم يجد فيها ما أنكره، فخاطبهما بالجميل، واعتذر إليهما، وعرفهما السبب الذي من أجله فعل! وجاءته رسالة أبي الحسن والده ينكر عليه فعله، وانصرفا مكرمين، وزالت المحنة والبلية عنهما بانسلال تلك الرقعة من بين تلك الرقاع المأخوذة، ولله الحمد والفضل والمنة والطول. ١٩٥ - وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: حدثني أبو الطيب أحمد ابن إسماعيل عمي قال: مضيت في يوم من الأيام على رسمي إلى الديوان بالثريا، فبينا أنا أسير لحقني فارس يسايرني، وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمي وكنيتي ومنزلي وصناعتي، فلما ذكرت له مكاني مع أبي العباس بن الفرات قال: كيف مذهبه في العمل؟ قلت: أحسن مذهب، يستقصي حقوق سلطانه، ويستوفي مناظرة عماله، ويجد في استخراج أمواله!

стр. 52

قال: فكيف يجري أمر هذا الوزير يعني عبيد الله بن سليمان فإنني ما رأيت أشد تخليطا منه، ولا أغظم من حجابه، ولا أكثر إخلافا لمواعيده! قلت له: وكيف ذاك؟ قال: لأني رجل من الفرسان، قد أخر قائدي عني رزقي، فاحتجت إلى أن أخللت به، وصرت إلى الحضرة متظلما منه، وأنا أجتهد في أن يطلق لي ما وجب من رزقي، فليس يلتفت إلي، وكلما رفعت إليه رقعة رمى بها، ومتى وصلت إليه لم يخرج عليها توقيع، فقد احترقت وهلكت ونفدت نفقتي، وطالت على بابه أيامي، وكيف يمكن لهذا الرجل، وهو على ما وصفته لك، أن يعمل أعمال الخلافة ويدبر أمور المملكة؟ قلت له: الذي نعرفه من مذهبه وتقدمه ومعرفته وكتابته وكفايته غير ما ذكرته عنه، وما يدع شيئا إلا نظر فيه، ولا مظلوما إلا أنصفه! قال: الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا، وأخذ الأموال لنفسه، والجند يتظلمون، وحاشية الخليفة يشكون، والنواحي خراب! فقلت: ما أحد من الحاشية إلا وهو راض، والأموال تحمل إلى الحضرة، والعمارة زائدة، والأمور مطمئنة! فقال: ما الآفة في جميع ما يجري إلا هذا الغلام الذي رفعه الخليفة فوق قدره، وأعطاه ما لا يستحقه، وصير الناس عبيدا وخولا له! فقلت: من الغلام؟ فقال: بدر، وأقبل يطعن عليه، ويتكلم فيه .. قلت: ما وضعه الخليفة إلا موضعه، والرجال حامدون له وراضون برئاسته! فحول وجهه عني فرأى كوكبة من الفرسان قد أقبلت، فحرك دابته ومضى، وما بعد حتى جاءت الكوكبة، وسألوني عن الخليفة هل رأيته، وأين أخذ؟، فقلت: ما رأيت الخليفة! قالوا: هل مر بك فارس على دابة شيتها كذا، وعليه من اللباس كذا! قلت: نعم، قالوا: وأين هو؟ فإنه الخليفة، قلت: بين أيديكم! ووجمت، ووقعت فيما لا ينادي وليده، وأقبلت أتذكر ما قلته له، وذكرت أصحابه عنده، حذرا من خطأ وقع فيه أو طعن سهوت به، وصرت إلى الديوان بالثريا، وأنا لا أعقل غما وهما، فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد الله بن سليمان من حضرة المعتضد بالله، واستدعى أبا العباس ابن الفرات صاحب الديوان، وأعاد عليه كل ما جرى بيني وبين المعتضد بالله، وأحمد عنده ما كان مني، وجزاني الخير، وخرج أبو العباس واستدعاني وسألني عن حالي في طريقي، وما جرى فيه لي معه، فحدثته حديث الفارس وما دار بيننا، فذكر أن الوزير أعاده عليه بعينه، وأقبل يحمد الله تعالى حسن توفيقه إياي فيما قلته وأجبت به، وأوصلني بالتحفظ فيما بعد. ١٩٦ - وحكى أبو علي عبد الرحمن بن عيسى أخو الوزير أبي الحسن علي بن عيسى أن أبا علي محمد بن عبيد الله الخاقاني كان لين العريكة قليل البصيرة، لا يدفع عن الشيء يخاطب عليه، ولا يتصور عواقب أمره فيه، فانبسطت العامة عليه فضلا عن الخاصة، وانقاد لكل محال! قال: فحدثني سبك المفلحي أن أحد القواد الأصاغر سأله أمرا، فقال: اكتب رقعة حتى أوقع لك فيما أردته، فأحضره بياضا وقال له: يوقع الوزير في آخره بالإجابة إلى المسؤول، لأكتب العرض فيه من بعد! فوقع له. قال: وتأخر نصر بن الفتح كاتب مؤنس الخادم عن الخاقاتي ثم جاءه، فسأله عن سبب تأخره فقال له: لي بنت عزيزة علي، وهي عليلة، وأنا بها قلق وعليها مشفق ولأجلها متأخر! واتفق بعد انصرافه من بين يديه أن عرض عليه صك قد أنشئ على نصر بمال لبعض الوجوه، فوقع فيه: "أطلق أكرمك الله ذلك، وعرفني خبر الصبية إن شاء الله"! قال: وحدثني سبك المفلحي قال: سألته إثبات راجل معي بأربعة دنانير في كل شهر، فقال: أربعة دنانير كثير! وكررها، ومازال يحسبها حتى صارت ثمانية وأربعين ديناراً في السنة، وكتب: "تجري له ثمانية وأربعين ديناراً في المشاهرة"!. وعرضت عليه رقعتان: إحداهما عن بعض الجند نفي استطلاق ما تأخر من رزقه، والأخرى من بعض حرمه، تستأذنه في دخول الحمام، فوقع تحت رقعة حرمته وعنده أنها رقعة الجندي: "قد حظر أمير المؤمنين ذلك، فلا سبيل إليه! " وتحت رقعة الجندي: "إذا خلونا كان الخطاب شفاهاً إن شاء الله! " فعجب والكتاب من هذا التوقيع، ووقعت المرأة على ذكر الخليفة وأنه حظر عليها دخول الحمام فلطمت واغتنمت كيف عرف الخليفة ذلك ومنع منه!. ١٩٧ - وحكى أبو الفرج السلمي الكاتب قال: حدثني أبو العباس بن النفاط قال: حدثني أبو عبد الله

стр. 53

بن أبي العلاء الكاتب قال: كنت بحضرة الخاقاني وقد عرض عليه كتاب من كتب الديوان إلى عامل النيل بحمله غلة كانت حاصلة قبله، وأنكر عليه تأخيرها، فوقع في الكتاب: "أحمل الغلة وأزح العلة ولا تجليس متودعاً في الكلة! " قال: ثم التفت إلي فقال لي: يا أبا عبد الله في النيل بق يحتاج معه إلى الكلل! فقلت: إي والله، وأي بق، ومن أجله يلزم الناس الكلل نهاراً وليلاً! قال: فسر بذلك وقال: نحمد الله على حسن التوفيق! ونفعني ذلك عنده. قال: ووقع في كتاب بعض العمال وكان مستزيداً له: "الزم وفقك الله المنهاج، واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما يمكن من الدجاج، إن شاء الله! " قال: فحمل العامل دجاجاً كثيبراً، فتقدم بأن يباع ويورد ثمنه في الحساب، فأورد منسوباً إلى ثمن دجاج السجع!. ١٩٨ - وجدت في بعض الكتب أن شيخاً من فارس رأى في منامه امرأة من ولد عثمان بن عفان ﵁ حاسرة، في يدها عود وهي تضرب وتغني: إنَّ الشّبابَ وعيشنا اللذّ الذي ... كنّا به زمناً نسرُّ ونجذلُ ذهبت بشاشته وأصبح ذكرهُ ... حزناً يعلُّ به الفؤادُ وينهلُ فلم يكن بين ذلك وبين قتل مروان بن محمد وخروج الأمر عنهم إلا قليل. ١٩٩ - وحكى ابن أبي ربعي أنه رأى في منامه كأن رجلاً ينشده: يا عينُ ويحكِ فاهملي ... بالدمع منك وأسبلي دّلت على قرب القيا ... مةِ قتلةُ المتوكِّل فقتل المتوكل بعد ذلك بمديدة. ٢٠٠ - وحكى صالح بن أحمد بن حنبل ﵄ قال: رأيت في منامي كأن رجلاً يعرج به إلى السماء وقائلاً يقول: ملكٌ يقادُ إلى مليكٍ عادلٍ ... متفضِّلٍ بالعفو ليسَ بجائرِ فلما كان من الغد جاءنا نعي المتوكل من سر من رأى. ٢٠١ - وقال أبو الوارث قاضي نصيبين: رأيت في منامي كأن آتياً فأنشدني: يا نائمَ العينِ في جثمانِ يقظانِ ... ما بالُ عينكَ لا تبكي بتهتانِ إنَّ اللياليَ لم تحسنْ إلى أحدٍ ... إلاَّ أساءتْ إليه بعد إحسانِ أما رأيتَ صروفَ الدَّهرِ ما فعلت ... بالهاشميِّ وبالفتحِ بنِ خاقانِ فأتي البريد بأنهما قتلا في تلك الليلة!. ٢٠٢ - وحدث أبو البركات بن كامل قال: وجدت بخط الملك العزيز أبي المنصور بن الملك جلال الدولة أبي طاهر بن بويه ما نسخته: "رأينا فيما يرى النائم بالذخيرة بألطف من البصرة بعد المعركة هناك في صبيحة يوم الاثنين، مستهل شهر رمضان سنة أربعين وأربعمائة، كأن امرأة تنازعنا رمحاً في دارنا البصرة، وكأنا استنفذناه منها، فانعطفت تنشد متكئة على دار ابزين البستان الذي في الدار، وذلك بعد وفاة الملك أبي كاليجار بن بويه الذي كان غلب على العراق، وأبعد الملك العزيز عنها وشتته منها: يا غارسَ الكرمِ والنّخيلِ ... وقائد الرحل والخيول لو كنتَ تدري إلامَ صارتْ ... أحوالُ ذي المال ذا الجليلِ ما جئت من منزلٍ بعيدٍ ... ترمي قتيلاً على قتيل وبعد الأبيات: "اللهم إنا نستعيذ بك من طول الأمل في هذه الدنيا الزائلة المتنقلة تنقل الأفياء، اللهم فلا تشقنا فيها، ولاتلهنا بها عن الآخرة، واجعلنا من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، واحشرنا مع أهل بيت نبوتك الطاهرين، ولا تضرعنا مصارع الجبارين .. " وكتب خسرو فيروز بن شاهنشاه الأعظم أبي طاهر فيروز خسرو بخطه في التاريخ، وعاش بعد ذلك مرتاعا منزعجا، ولم يبق إلا قليلا ومات عن ثلاث وثلاثين سنة وستة عشر يوما شمسية. ٢٠٣ - ودخل إنسان يهودي يعرف بصاعد الصيرفي حماما بباب المراتب فقال شعرا لأبي الحسن البصروي الشاعر في دواتي لنور الدولةأبي الأعز بن مزيد يسمى ثابتا: ليسَ على شاطئِ الفراتِ ... أسقطُ من ثابتِ الدّواتي طلبتُ منه وكان جهلاً ... منشفةً نشَّفتْ حياتي فقال واللهِ ما تراها ... ولو تمسَّحتَ في لهاتي واتفق أن تدخل ثابت الدواتي وسمعه ينشد، فمسك لحيته، وقال له: يا كلب ما وجدت من تقطع به خمارك إلا هجائي! فاعتذر صاعد إليه واستحيا منه.

стр. 54

٢٠٤ - وحكى أبو سعد بن سعدان العطار قال: حدثني أبو القاسم أبي قال: اجتاز بي يوما أبو الحسن سعيد بن نصر، وكان دواتي الصاحب أبي محمد بن مكرم، فسلم علي وسلمت عليه، وسألني بعض الحاضرين عنه فقلت: أذكر هذا وقد أنكر عليه ابن مكرم فعلا فعله، فتقدم بصفعه على باب داره بالشمشكات! واتفق أن أبا الحسن لم يكن بعد عني البعد الذي لا يبلغه كلامي، فالتفت إلي وقال: يا هذا ما وجدت ما تعرفني به غير هذا الحديث! فخجلت واستحيي، ولم يكن لسان يجيبه، ولا عين تنظره، فأطرقت وأمسكت. ٢٠٥ - وحدثني قال: كان في جوارنا إنسان يعرف بابن بيهويه فأحضرنا لمشاهدة حائط في داره قد عاب، واتفق أن أمه كانت تغسل الثياب، فاخرج إلي في طست من تراب الحائط وقال لي: ما يمكن أن تدخل اليوم إلى الحائط وتشاهده، وهذا من ترابه فانظر ما تريد معرفته منه! فقال له: أنا أرجع في غد إليك، وضحك منه، وتحدث بذلك عنه. ٢٠٦ - وحدث عن ابن الزنفيلفي التاجر الكوفي قال: خرجت من مصر أطلب العراق، ومعي متاع ب? نحو خمسين ألف دينار للتجار ولي، واستصبحت معي جارية اشتريتها بمصر، وهويتها، ولم يمكني مفارقتها، فلما حصلنا في السماوة قالت لي الجارية: اعلم أن هذا البدوي هوذا يولع بي، وقد طالبني نفسي فامتنعت منه، فحلف ليقتلنك الليلة ويأخذني ويأخذ المال جميعه، فدبر أمرك بما تراه! قال وكان البدوي وابنا أخ له خفرائي الذين نسير معهم ونحدر بهم، فبقيت واجما، وعلمت أني مقتول وأموال الناس مأخوذة لأجل الجارية، وفكرت في أن أزوجها به، فإذا بلغنا الكوفة أخذتها منه وألزمته طلاقها، فقلت لها ذلك، وقررت رأيي معها عليه؛ فلما أدركنا المساء ونزلنا وتعشينا قلت له: يا علون، قال: لبيك، قلت: أحببت أن أزوجك بجاريتي فلانة، ألك في ذلك رأي؟ فقال: إي والله وأي رأي! فزوجته بها، وضحك واستهل، وأخذها وبعد إلى وراء رابية عنا ... فلما كان السحر جاءتني الجارية فقالت: يا مولاي جاء الرجل! فقلت: ويلك ما تقولين؟ قالت: ما قد سمعت، فقلت لها: هذا هو الهلاك بعينه، سيقول ابنا أخيه: أنت وضعت الجارية على أن أطمعته شيئا سمته به، ويجعلان ذلك طريقا إلى ما أراد هو أن يعمله بي! وقمت إليهما فقلت لهما: اسمعا ما تحكيه هذه الجارية، فقالت له: إنه لما خلا بي لم ينزل عن صدري، ولا ترك الجماع إلا بقدر الراحة ساعة بعد ساعة، ثم ثقل على صدري ثقلا عظيما، فرميت به عني، فبعد جهد ما أنزلته ودميته إلى الأرض، وتأملته فرأيته ميتا! فقالا: لا ترغ، فإنه نوى لك القبح واعتزمه فيك، وأحوجك إلى ما فعلته معه فأهلكه الله وعجل مقابلته، امض يا شيخ فلا بأس عليك! .. وقمنا إليه فواريناه وارتحنا! ٢٠٧ - وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي قال: قبض عضد الدولة على أبي الوفاء طاهر بن محمد أحد أصحابه، واعتقله بقلعة الماهكي، فلما توفي عضد الدولة كتب أبو عبد الله بن سعدان إلى أبي الهيجاء عقبة ابن عنان الحاجب، وأضنه كان بالبند نيجين، على يد شجاع التنائي بقتله، فقتله وأنفذ إليه برأسه في مخلاة، فلما أحضره بين يديه وشاهده، تقدم بدفنه فدفن تحت مسناة داره على دجلة بالجانب الشرقي من مشرعة باب الطاق، فسمعت جماعة يذكرون أنه لما قتل أبو عبد الله بن سعدان رمي برأسه وجثته إلى دجلة، فلم يزل الماء يحدر الرأس إلى مسناة دار أبي الوفاء طاهر بن محمد، وكانت في مشرعة المخرم، فأخذه أحد الملاحين ودفنه تحت المسناة، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق! ٢٠٨ - وحدث بعض من كان في القعة بين الغساسيري وبين عسكر خراسان التي قتل فيها الغساسيري في ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال: أخذت مع الناس، وكان معي سبعون دينارا، فعمدت إلى ثل صغير فدفنتها في جانبه، وعفيت أثرها، وقعدت عنها بحيث أشاهدها. فاتفق أن سقط غراب على التل، ورماه أحد الأتراك بنشابة فوقعت في الدنانير ومضى التركي فانتزعها فظهرت له الدنانير، فأخذها.

стр. 55

٢٠٩ - وحدث أبو علي المحسن بن علي التنوخي في (نشوار المحاضرة) قال: حدثني أبو القاسم الجهني قال: حدثنا أبو محمد بن حمدون قال: أمر المعتضد بالله، في علته التي مات فيها، وقبل موته بأيام يسيرة، بأن يصنع له سم يقتل به جماعة ممن كان في الحبس، لم يحب قتلهم قتلة ظاهرة بسياسة رآها، وفعل ذلك وجيء بالسم إلى حضرته، فأراد تجربته قبل أن يقتل به من أراد قتله، فطرح في كرنبية، وأحضرت في طيفورية، وهو مفكر فيمن يطعمه منها وعلى من يجرب السم الذي فيها، إذ دخل محمد بن أحمد نفاطة وابن أبي عصمة، فقيل لهما: إن الخليفة يريد أن يأكل من ذلك اللون، وهو محجم عنه للحمية، فقالا: ما أحسن هذه الكرنبية! فلو أكل منها مولانا لقمة رجونا أنها لا تضره! وتجاوزا ذاك إلى أن أكلا منها لقما، كأنها قصدا استنهاض شهوته وتحريكها بأكلها، فلم يمكنه أن ينهاهما لئلا يخرج السر، وأمسك عنهما، ومضيا إلى منازلهما فماتا من يومهما، وبلغ الخليفة خبرهما من الغد، وقد اشتدت علته، فعلم صحة السم، وأمسك لسانه أن يأمر في معنى من أراد أن يأمر في معناه بإطعامه من ذلك السم الذي عمل له! ومات المعتضد بعد ذلك بثلاث أيام، ومضى أولئك بالعرض وسيء الاتفاق وسوء المقدار، وكأنه عمل لهما لا لغيرهما، وسلم من عمل له وقصد به ونجا. ٢١٠ - حدثني الرئيس أبو الحسين قال: رأيت في منامي قبل وفاة عميد الجيوش الحسين بن استاذ هرمز بأيام شخصا راكبا قد تحلق بين السماء والأرض، والأبصار إليه شاخصة، ثم ذاب حتى لم يبق منه شيء، فتأملته فإذا به عميد الجيوش، فانتبهت وعاودت النوم فرأيت عميد الجيوش قد نزل من داره إلى زبزبه، ومعه أبو الفتح محمد بن عنان وأبو الفتح بن المطاميري حاجبه، وكأنني قد سألت عن قصده فقيل لي: هو منحدر إلى الجبل لأن أبا غالب قد وافى عكبرا، فاستيقظت ولم أعرف أبا غالب، واتفق أن دعاني أبو الحسن رشأ بن عبد الله الخالدي واجتمع معي هناك أبو القاسم علي بن محمد بن المطلب، فلما أخذنا في الشرب حدثته حديث المنام واستكتمته إياه، فما استتممت الحديث حتى غنت المغنية: قد مضا ذلك الزّما ... نُ فما فيه مطمعُ فعلى ذلك الزما ... نِ سلامٌ مودّعُ فقال لي: أما تسمع؟ قلت: بلى! وتوفي عميد الجيوش من غد أو بعده، ولحق به أبو الفتح بن عنان ثم أبو الفتح المطاميري، وكان أبو غالب فخر الملك الذي وزر بعد بالعراق. ٢١١ - وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثتني علم قهرمانة المستكفي بالله الشيرازية حماة أبي أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي قالت: كان المستكفي لما أفضى إليه الأمر يوصيني بتفقد القاهر بالله بنفسي، وألا أغول على أحد في ذلك، ويكرمه ويبره ويحسن غليه، وكان قد اختل عقله لسوداء لحقته، ويخرق ما يلبسه من الثياب، وقلما يبقى عليه منها قميص أو جبة، وينتف شعر لحيته وبدنه، وربما صاح وضج، ثم يثيب إليه عقله. قالت: فراسلني في بعض أيام إفاقته المستكفي يأمرني بأن استعرض شهواته وحاجاته، فسألني تمكينه من جواريه، فعرفته ذلك فأمرني بحملهن إليه، وأدخلت إليه طماعة منهن، ثم استدعى بعد ذلك مرة أن تدخل إليه ابنته، ففعلت، فقبض عليها يوماً وافتضها، وبلغ المستكفي ذلك فأعظمه وهاله، وأمر أن يفرق بينهما، ولا يمكن أن يدخل إليه غير جواريه. ٢١٢ - وحدث قال: حدثني أبو أحمد الحارثي قال: كنت أعاشر بهمذان بعض كتاب الديلم، وحسبك وصفاً بجهل أن أقول: إنه من كتاب الديلم! وكان يتحلى مغنيه، فسمعها يوماً تغني: يا حبيباً نأى عليكَ السّلامُ ... فرّقتْ بينَ وصلنا الأيّامُ فاستطابه، فلما أراد أن يستعيده قال: يا ستي غني ذاك الصوت الذي أوله: "يا حبيب الله عليك السلام! " فقالت: هذا صياح الحراس، أظنك أردت: يا حبيباً نأى عليك السّلامُ ... ....................... قال: نعم، هوهو، شدي لي في ذنبه علامة، أي وقت أردته أخرجته!. قال: وسمعته يحلف فيقول: والله الذي لا إله إلا هو أعني الطلاق والعتاق!. قال: وكتب مرة بحضرتي تذكرة بأضاحي يريد تفرقتها في دار صاحبه، وقد قرب عيد الأضحى: "القائد ثور وامرأته بقرة، ابنه كبش، بنته نعجة، الكاتب تيس" قال: فقلنا له: الروح الأمين ألقى هذا عليك فلم يدر ما أردت!.

стр. 56

قال: وحدثني أبو أحمد الحارثي أيضاً: قال: حضرت هذا الكاتب وهو يشرب. وقد قل نبيذه، فكتب إلى صديق له رقعة يطلب منه نبيذاً ما رأيت أطرف منها، فقلت له: يا سيدي قد رأيت كتاب بغداد وطرقت الآفاق ما رأيت أحسن من هذه الرقعة، فأحب أن تأذن لي في نسخها، فقال: يا بابا، ونحن اليوم أين بقي ما نحسنه! قد نسيناه كله مع هذا القائد! انسخها .. وأعجبه ذاك، وكانت: "كتبت هذه الكلمات يا سيدي وزري أعني به قميصي ومن هو فاضلي ومولاي وأنا عبده ومتصنع له، أطال الله بقاءه، من منزلك الذي أنا ساكنه، وقد نقصت الدم من قفاك المرسوم بي، وليس وحق رأسك الذي أحبه عندي من نبيذك الذي تشربه شيء، فبحيلتي العزيزة عليك إن كان عندك من نبيذ اشربه فوجه إلي منه بما عسى الأسهل على يدي غير هذا الرسول، فإنه ثقة، أوثق مني ومنك، وإن أردت ألا تختمه فلا تفعل، فإن الصورة لا توجب إلا ذاك، فعلت عن شاء الله. قال: وكنت يوماً عنده فجاءه صديق له من كتاب الديلم مجروحاً، فقال له: مالك؟ قال: جاء إلى الأمير اليوم كتاب من وكيله في إقطاعه فرمى به إلي وقال: اقرأه، وكنت قبل ذا إذا جاءه كتاب أخرج إلى المعلم حتى يقرأه علي وأحفظه، وأدخل فأقرؤه عليه، فلم أقدر اليوم أن أخرج من بين يديه، فقلت له باكياً: أنا لو كنت أحسن أقرأ وأكتب كنت أكون كاتب الأمير علي بن بويه! فرماني بالزوتين فجرحني. قال: وبلغني عن بعض قواد الديلم انه قال: كاتبي أحذق الناس بأمر الدواب والضياع وشراء الأمتعة والحوائج، وما له عيب إلا أنه لا يقرأ ولا يكتب!. ٢١٣ - وقال: حدثني محمد بن عبد الله التميمي قال: حدثني الهمذاني الشاعر قال: انحدرت أريد الحامدة، وكان في الوقت يليها الهيثم بن محمد العامل. فمدحته، فقال لي: لست ممن يعطي على المدح شيئاًأريأ، فلو هجوتني لكان أجدى عليك! قال: فأردت النهوض من مجلسه، فلما رأى ذلك قال: اجلس، فجلست، وجيء بمائدة لم أر مثلها، عليها من كل شيء حسن طيب شهي لذيذ، فأقعدني ناحية، وجعل يأكل ويقول: لو هجوتني لأكلت معي! وكلما مر لون وصفه ونعته وشهانيه وحسرني عليه، وأرانيه ومنعنيه، والروائح تقتلني، والمشاهدة تحسرني، إلى ان فرغ من الطعام، وجيء بالحلوى، وكانت الصورة فيه مثلها في الطعام، ثم جيء بغسول من دواري عجيبة طيبة، فغسل يده بها وهو يقول: لو هجوتني لأكلت مما أكلت وتحليت مما تحليت به وغسلت يدك من هذا! ثم أحضر الشراب وعبئ بحضرته مجلس ما ظننت أن مثله يكون إلا في الجنة حسناً، بأصناف الفاكهة وألوان الرياحين والطيب والكافور والتماثيل والشمامات والمطبوخ القطربلي والنبيذ من الزبيب والعسل، وهو يقول: لو هجوتني لشربت من هذا وحبيت من هذا وتنقلت من هذا، قم الآن وكل ما تستحقه بمدحي، فقمت وجاءوني بطبق وسخ عليه أرغفة سود وقطع مالح ومرق سكباج أحمض من الفراق، وقليل تمر، فأكلت لفرط الجوع، وجاءوني بأشنان أخضر لم ينق يدي، وجئت فجلست عنده، فقال: اجعلوا بين يديه من الشراب مثل ما يستحق من مدحي! فجاءوني بقنينة زجاج أخضر غليظ وحش وقدح مثلها وسخين وحشين، وفي القنينة نبيذ دوشاب طري، وباقلي مملوح وباقة ريحان، فشربت أقداحاً، وهممت بهجائه وأنا أمتنع خوفاً من أن يكون ذاك يصعب عليه، وإنما يمازحني بما يقوله لي، وأنا أفكر في ذاك إذ خرج خمسين ديناراً فقال: الآن قد فاتك ما مضى، ولكن اهجني مستأنفاً حتى أعطيك لكل بيت ديناراً، فقلت إن كان لابد فاكتب وقلت: جاءت بهيثم أمّهُ ... من بغيها وزنائها فرمى إلي ديناراً، فقلت: جاءت به من نتنهِ ... لا شكَّ يومَ خرائها يا هيثمُ بنَ محمدٍ ... يا بنَ التي لشقائها فقال: ما صنعت شيئاً! قلت: انتظر، قال: هات، فقلت: أمستْ تناكُ بكسرةٍ ... وكذاك مهرُ نسائها فرمى بقية الدنانير إلي، وقال: حسبك، ما أريد أجود من هذا ولا أكثر! هاتوا له مما أكلت؛ فقدم لي من جميع ما كان على المائدة فأكلت، وقدم لي من الشراب الذي بين يديه والتحايا والأنقال، فلما أراد القيام أمر لي بجائزة وخلعه فأخذتها وانصرفت من عند أحمق الناس وأجهلهم على الإطلاق.

стр. 57

٢١٤ - وقيل: دخل شاعر من شعراء الهند على أمير المنصورة فمدحه، فقال له الأمير: تقدم يا زوج القحبة! فقال: وما زوج القبيحة أيها الأمير؟ قال: هذا بلغة العرب كناية عمن له قدر جليل ومحل كبير ومال ودواب وجمال وغلمان وقدر ومنزلة! قال: فأنت أيها الأمير إذن أكبر زوج قحبة في الدنيا! فخجل وعلم أن هزله ومزحه جر عليه سبه وشتمه. ٢١٥ - وكان بسجستان إنسان يعرف بأبي العباس بن أشناس، يتقلد أعمال السلطان، فجاءه أبوه يوماً يسأله في أمر إنسان، وضجر منه وقال: أحب منك وأسألك إذا جاءك إنسان وقال لك: كلم ابنك، تسبني وتقول: ذاك ما هو ابني! فقال له الأب: يا بني والله إنني أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل مني! فخجل الابن، وندم فلم تنفعه الندامة، وتداول الناس الحديث. ٢١٦ - ودخل سليمان بن بندار إلى مالك بن أسماء الفزاري يقتضيه مالا له عليه، فقال له: ليس لك علي إلا أير حمار! وكان بنو فزارة يأكلون لحم الحمير، فقال له سليمان: بارك الله لكم يا بني فرازة، إن جعتم أكلتموها وإن كان عليكم دين قضيتموه منها! فخجل مالك وطأطأ رأسه، وقال: رذيلة جلبتها بمزحي على نفسي!. ٢١٧ - قيل إن أهل الكوفة أصابهم مطر شديد في يوم صائف عظيم الحر، حتى سقطت سقوفهم وتهدمت حيطانهم، والحجاج إذ ذاك بها، فركب وسار منفرداً ينظر مبلغ أثره، فأتى موضعاً يقال له العريان، فرأى غلاماً من غلمان العرب، من اصحبهم وجهاً وأحسنهم شباباً، ومعه قوس وهو يتصيد، فقال له الحجاج: اقبل يا غلام، فأقبل، فقال له: ممن أنت يا غلام؟ قال: من الناس! قال: وأي الناس؟ قال: من ولد آدم، قال: فمن أبوك؟ قال: الذي ولدني، قال: فأين ولدت؟ قال: على ظهر الأرض في بعض الحجرات، قال: فأين نشأت؟ قال: ما بين السماء والأرض في بعض الفلوات، قال: وما اسمك؟ قال: وما تريد من اسمي؟ قال: أحببت ان أعرفك، قال: والله ما ضرني إنكارك إياي في سالف الدهر فينفعني اليوم علمك بي ومعرفتك لي! قال: إني أظنك مجنوناً، قال: أحلني ذاك عندك مجيئي إليك سعياً كأنني ممن يرجو منك خيراً أو يخاف لك شراً، ولست هناك! قال: وما يدريك يا غلام؟ قال: لعيك بجوابي وإظهارك لسبابي! قال: فانطلق معي افعل بك خيراً، قال: والله ما أرى فيك شيئاً من الخير فأنطلق معك! قال: ما أسفهك يا غلام! قال: وما علمك بسفهي وأنني سفيه، وأنت قد ذهب بك التيه وذاك بك شبيه!. فبيناهما في ذلك إذ أحدقت بهما خيل الحجاج فقالوا: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، فقال مغضباً: احتفظوا بالغلام، ثم رجع إلى الكوفة، فلما اطمأن به المجلس أمر بان نقف من جانبيه ستة آلاف رجل من الجند، بأيديهم الأعمدة والترسة والسيوف المخترطة، ثم أمر بإدخال الغلام عليه، فدخل يخطر بين الصفين، لا يهوله ما يراه، حتى وقف بين يديه، فقال له الحجاج: يا عدو الله أنت صاحب الكلام لا أم لك ولا أب لك ولا أرض لك! قال الغلام: لو كنت عدو الله كنت شيطاناً رجيماً، وما أحد بلا أم ولا أب إلا آدم وحواء، والأرض فالله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وما هي لي ولا لك، وأنا صاحب الكلام فما أنكرت منه؟ فلما رآه لم يغفل عن الجواب، ولا تغير في الخطاب، أمسك عنه مخافة أن يشتد غضبه فيقتله، وأطرق طويلاً ثم رفع رأسه إليه فقال: هل أصابكم من هذا المطر؟ قال: نعم، قال: فشهدت ابتداءه؟ قال: نعم، قال: فصفه لي؟ قال: والله لقد نظرت إليه حين أقبل تؤلفه الرياح، فوعهد الله ما عنانا ولا اكترثنا له، ثم لم يلبث أن صار نشاطاً لا ترى منه خلاصاً، ثم تحندس وأظلم، واشتدوا كتهم، وتزاحم حتى علا البقاع والتلاع، وبلغ رؤوس الجبال فهد الصخور وثور البحور، ثم هدأ بإذن من على العرش استوى، "ذلك تقدير العزيز العليم"! قال: يا غلام سلني حاجتك؟ قال: والله ما اسأل إلا من أنا وأنت عنده في المسالة سواء! ذلك الله ربي وربك! فأمر له بعشرة آلاف درهم، وبعث به إلى عبد الملك بن مروان، فأضعف له الجائزة بعد أن عجب منه ومفق عليه، وانصرف إلى أهله مسروراً.

стр. 58

٢١٨ - وحكي أنه حمل أبو اسحق الأهوازي إلى المتوكل، فلما أدخل عليه قال لابن حمدون: اعبث به! فقال له ابن حمدون: متى تعلمت العبارة؟ قال: أنا معبر قبل أن تكون مضحكاً! قال: فما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما هي؟ قال: رأيت كأن أمير المؤمنين حملني على فرس أشهب أخضر الذنب مثل خضرة النبات! قال: إن صدقت رؤياك فإن أمير المؤمنين يأمر بأن يدخل في استك فجلة فيغيب أصلها الأبيض وتبقى الخضرة بين فخذيك! فضحك المتوكل وقال: صدقت رؤياك يابن حمدون! هاتوا فجلة، فقال له: يا أمير المؤمنين أنت أمرتني! قال: ولكنك رأيت الرؤيا قبل أمري لك! وأمر بأن فعل به ذاك، وأجاز الأهوازي جائزة سنية.

стр. 59

٢١٩ - وحكى محمد بن أيوب الهاشمي أن اسحق بن العباس بن محمد كان والياً على البصرة، وكان مزاحاً عبيثاً، فلاعب الصباح بن عبد العزيز الأشعري بالنرد، في أمره ورضاه، فقمره اسحق، فقال له الصباح: احتكم أيها الأمير وأجمل، قال: أصفعك عشراً جياداً! قال: أبو الفداء أعزك الله! قال: والله لو أعطيتني جميع ما تملك ما قبلته، ثم التفت إلى غلام أسود كأنه شيطان فقال له: اصفع وجود، فصفعه عشراً كاد أن يعميه! ثم لاعبه وغلبه وفعل به مثل فعله الأول، ثم عاود اللعب فغلبه الصباح وقال له: قمرتني أيها الأمير نوبيتين فلم تحسن الصنيع، ولم تجمل الفعل، ولم ترجع عن الصفع الوجيع! قال: فما تريد؟ قال: صفعك كما صفعت، ومقابلتي لك بمثل ما فعلت! قال: ويلك، تفضحني، ويبلغ أمير المؤمنين خبرنا فيكون سبب عزلتي ونكبتي وزوال نعمي! قال: إذن لا أبالي والله! قال: أو أدفع إليك خليفتي عبد السميع فتصفعه عشرا، قال: لا أفعل، قال: وأعطيك فاضل الصرف فيما بين الصفع مائة دينار؟ قال: هات على بركة الله تعالى ... فأحضر عبد السميع فجاء كالفيل، فقال له: اجلس، وقال له: ما أشك في مودتك إياي وموالاتك لي، قال: أنا عبد الأمير وخادمه، قال: ما أعرفني بذاك منك وفيك! اعلم أن هذا الفاسق الأحمق الجاهل لاعبني بالنرد .. وقص عليه القصة إلى ما انتهى الأمر بينهما إليه ووقف الحكم عليه، فقال عبد السميع: أعيذ الأمير بالله، ما ظننت أنه ينزلني هذه المنزلة ويحلني في هذه الرتبة! قال: صدقت والله ولا ظننت أنا أن مثل هذا يتفق ويكون، ولا خطر لي ببال، لكنها بلية أوقعت نفسي فيها، وزلة ما كان لي مثلها قبلها، وأحب أن تنقذني منها وتحتمل المكروه عني فيها، فأقدني وأنقذني منها! فأقبل عبد السميع على الصباح وقال له: تأمر أعزك الله أن ألطم يسيرا عوض الصفع؟ فقال له: أنت والله أحمق! إما أن تمكنني من قفاك وإلا قمت إلى قفا الأمير أعزه الله! فقال إسحق بن العباس لعبد السميع: دع هذا وأمثاله عنك، فهو أنكد وألج وأشأم من أن يرجع أو يحسن أو يجمل! فقال الصباح: الأمير بذاك بدأ، وأمر به وبمثله! فقال عبد السميع: اصفع لا بارك الله لك وفيك، فالتفت الصباح إلى عبد له أسود كأنه الجمل الهائج فقال: اصفع وجود وبالغ وخذ بثأر مولاك ولا تراقب! فصفع عبد السميع عشر صفعات كاد رأسه يقع منها، وقال له الأمير بعد ذلك: يعز علي والله ما نالك ولحقك، ارجع إلى عملك! وكان يخلفه على الشرطة وجميع أموره ولا ينفذ لإسحق أمر إلا على يده، وقام يجر رجليه؛ وعاودا اللعب، فقمره الصباح ثانيا، واتفقا على ما اتفقا عليه أولا، واستدعي عبد السميع، فتغافل واحتج، فلم ينفعه، وجاء مكروها وهو وجل خائف، فقال له إسحق بن العباس: اعلم أن هذا الأحمق قد قمرني ثانيا واحتكم مثل حكمه أولا! فقال: اعزلني أيها الأمير، فلا رأي لي في خدمتك، فقال له: أعني هذه المرة الواحدة، وخلصني من هذا الجاهل القليل العقل والمروءة، العادم المعرفة والدراية! قال:"إن الله وإنا إليه راجعون" فقال الصباح لعبده: اصفع وجود صفعا ينثر الشعر من اللحية، ويحلق الشعر من القفا! فقال: لا كرامة ولا عزازة، اصفع يا هذا صفع المداعبة والإخوان، لاصفع العقوبة والسلطان، وأجمل فيما تفعل، فعسى أن تقع لك حاجة فأجازيك بالحسنى! فقال له مولاه: اصفع الرقيع، الصفع الوجيع، ولا تصغ إلى ما لم يصغ إليه من قتل مولاك! فقال إسحق: استعن بالله واجر على عادتك في طاعتك، فقال: لاحول ولاقوة إلا بالله! وجثا على ركبتيه، وصفعه العبد صفعا زعزع به أركان رأسه، فقال: فبكى وانتحب مما لحقه، فقال له إسحق: يعز والله علي، ارجع إلى عملك أعزك الله! فقال: لعن الله هذا العمل ويوما توليته فيه! لي إليك حاجة! قال: حوائجك عندي كلها مقضية! قال: لاتلاعب هذا الشئوم دفعة أخرى فإنه ألعب منك! فقال: اسكت، فوالله إني لأرجو أن تتولى منه ما تولى منك، وأن تشتفي منه كما اشتفى منك! قال: ما أريد ذاك أيها الأمير، قال: فما ألاعبه كما تشتهي؛ ونهض يجر رجليه خزيان جيران، وتقدم إلى صاحبه بأن يقف هناك وينظر مل يكون من الأمير والصباح، ويعلمه، وتقدم بأن يسرج له فرس، وقعد ينتظر الغلام، فجاءه وأعلمه بأنهما لعبا، وأن الصباح قمر إسحق، وأنه تقدم باستدعائه .. فركب الفرس وهرب على وجهه يقول: لا والله لا أطيع ولا أجيب ولا أعمل له

стр. 60

عملا أبدا! وعرف إسحق ذلك فابتاع القمرة من الصباح بخمسة آلاف درهم، ولم يلعب معه بعدها! ٢٢٠ - تقدم أعرابي فصلى بالناس فقرأ (الحمد) بفصاحة وبيان، ثم قال: ويوسفُ إذ دلاَّه أولادُ علَّةٍ ... فأصبحَ في قعرِ الركيَّةِ ثاويا فوثبوا إليه فصفعوه! ٢٢١ - وكان لزيد بن علي بن الحسين ﵃ ابن يخالط سفهاء المدينة، فغضب عليه وأخرجه إلى خبير، فجمع إليه مشيخة مجانا، لهم هيئة من حلق الشوارب وتوفير اللحى، واتفق أن خرج زيد إلى ماله بخبير، فلما رآهم قال لابنه: مثل هؤلاء كنت آمرك أن تعاشرن ولعمري قد أحسنت الاختيار، وسترى مني ما تحب! فأقبل الابن عليهم وقال لهم: إني أخاف أن يخرج أبي من خبير ولم يعرفكم، فقالوا له: الساعة يعرفنا! وحضرت صلاة المغرب فتقدم زيد فصلى بهم، فلما قرأ:"قل يا أيها الكافرون" قالوا: لبيك لبيك! فلما قرأ:"لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد" قالوا: صدقت صدقت جعلنا الله فداك! فلما انصرف قال لابنه: ما هؤلاء! عليك وعليهم لعنة الله، فما رأيت مثلهم قط! قال: وما أنكرت منهم؟ لقد دعوتهم فلبوك، وخبرتهم فصدقوك! ٢٢٢ أحضر النعمان بن الشقيقة صاحب الخورنق سنمار الرومي من بلاد الروم فبنى له الخورنق، فكان يبني فيه السنة والسنتين ثم يدعه زمانا لايعمل فيه شيئا، حتى يستقر البناء، ثم يبني، فأقام كذلك مدة طويلة، فلما فرغ من البناء دخله النعمان وعلا عليه فنظر إلى أحسن منظر وإلى ما اجتمع له في ذلك القصر مما لم يتهيأ له في غيره، فكان يرمي بظرفه إلى حسن الماء في بحر النجف واتساعه وأصوات الملاحين وصيد السمك، ثم يرمي بطرفه إلى الجانب الآخر فيرى رعي الإبل وصيد الظباء والأرانب والثعالب وجناة الكمأة، فسر به غاية السرور، وأعجب به أعظم العجب، فقال له سنمار متبجحا بالبراعة في صنعته وحكمته وهندست، ولاهيا عن غفلته وغلطته: إني لأعلم في هذا القصر موضع حجر لو حركته لتداعى القصر! قال: أويعرف غيرك؟ قال: لا! قال: لاجرم والله لايعرفه أحد على وجه الأرض! وأمر به فرمي من القصر، فتقطعت أعضاؤه، فقالت العرب في أمثالها: جزاهُ، جزاهُ اللهُ شرََّ جزائهِ، ... جزاءَ سنمَّارٍ وما كانَ ذا ذنبِ وقالَ: اقذفوا بالعلجِ من رأسِ شاهقٍ ... وذاك وبيتِ اللهِ من أعظم الخطبِ ٢٢٣ - حدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهيز قال: كنت بجلب عند أميرها معز الدولة أبي علوان ثمال بن صلح الكلابي يوما أتحدث معه، فانجز الحديث إلى أن قلت: وصف لأمير بني عقيل المقلد بن المسيب في سني نيف وثمانين وثلاثمائة جارية مغنية ببغداد، فبذل فيها ألوف كثيرة، وأجابت مالكتها إلى بيعها، فامتنعت الجارية من الإجابة إلى البيع عليه؛ فرأيت حماد بن الندى ابن عم معز الدولة وهو جالس وهو أعور، فأمسكت ووقفت، وأردت أن أقول:"لأنه أعور"، والتفت، فقال لي معز الدولة: فلم امتنعت من الخروج إليه؟ فقلت: لأنه بلغها أنه أنجزه! واتفق أن نهض حماد، فقلت لمعز الدولة: والله أيها الأمير لقد أقلت اليوم من سوء أدب أراد أن يلفظ به لساني، وأقع فيما لا أؤثره ولا أشتهيه! فقال: وهو؟ فذكرت ذلك له، فضحك وقال: ردوا إلي حمادا، فرد، فقال له: يا حماد حدثني فلان بكذا وكذا ... فقال: أيها الأمير، أما الرجل فأحسن الله جزاءه حيث فعل ما فعل، وأما القبيح فما سمعته إلا منك، ولاواجهني به غيرك! وضحكا، وخلصت أنا من حماد.

стр. 61

٢٢٤ - حدثني منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قال: كتب القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي رقعة إلى كمال الدولة أبي الفضل بن فسانجس بشيء فعله أبو الحسن بن عبد الرحيم النائب عن كمال الملك أبي المعالي بن عبد الرحيم أخيهن في معنى ضرب دنانير ناقصة العيار ومطالبة الناس بأخذها بدنانير الجياد، فعلة من أفعاله القباح التي كان بها معروفا وعلى أمثالها معتمدا في متصرفاته ونيابته عن أخيه، وليس قصدنا ذكر ذلك فنخرج به عما قصدناه، وإن كانت أخباره القبيحة كثيرة وظاهرة، البيانيغني عن ذكرها وسطرها، فشكاه التنوخي فيما فعله وارتكبه واستحسنه ونفث مما في صدره منه ثقة بكمال الدولة ولأنس كان بينهما، وكمال الدولة عدو بني عبد الرحيم، وأعطى الرقعة لغلام كان له أعور يدعى بأحمد، وقال له: احمل هذه الرقعة إلى كمال الدولة، فوقع في أذنه:"احمل هذه الرقعة إلى كمال الملك، فأخذها وحملها إليها، ودخل بها عليه" فحين وقف عليها علم أنها من غلطات التنوخي وحماقته وهفواته وزلاته، وكان بذلك معروفا، وقد صار منه مألوفا، فقال له: يا أحمد قد غلطت! هذه إلى كمال الدولة أبي الفضل بن فسانجس، فاحملها إليه؛ فأخذها أحمد وحملها إلى ابن فسانجس، وأخذ جوابها إلى القاضي، فلما سلمه إليه قال له: أنت أبدا لاتفهمني ما تقوله لي! قال: كيف؟ قال: قلت لي احمل الرقعة إلى كمال الملك، فلما قرأها قال لي هذه إلى كمال الدولة، فرجعت بها إليه! قال له: أو قد حملت اللاقعة إلى كمال الملك؟ قال: نعم، فلطم على رأسه ووجهه وقال: ويه ثم ويه ثم ويه! ووثب إليه فأخذ عمامته وهرب منه، فخرطها حتى لم يبق منها مصرة درهم صحيحا ... قال أبو منصور: وجاءني لا يعقل أمره، وحدثني ذاك، فقلت له: يا قاضي! أنت سيدي ووالدي، وأنا عبدك وولدك، والله إنك فضولي، ما عليك من بني عبد الرحيم وفعلهم، وهم أولياء نعمتك ومحبوك، وأنت وليهم ومنتم إليهم ومحب لهم، وبحيث لو قيل لك: أيما أحب إليك أن تموت أنت قبل بني عبد الرحيم أو هم قبلك لاخترت سبقهم وبقاءهم بعدك، لأنهم يراعونك ويفعلون معك مالا تفعلونه مع غيرك! وقد وسموك بدار الضرب، وما تخل من ثلاثين دينارا في الشهر، وما هم إلى غيرك بالإطلاق فعل يقارب هذا الفعل، ثم أي تعلق لابن فسانجس في هذه الأمور وهو رجل قاعد في بيته، لايحلي ولايمر، ولايقضي ولا يمضي، حبابه السلامة منهم وأن يمكنه المقام في بيته معهم حتى تكاتبه بأخبارهم وأفعالهم! ثم إنك عدوه ومضمر بغضه، وأنت تصوم كل يوم ثلاثاء لما قبض عليه في يوم الثلاثاء، سرورا بمساءته وفرحا بمضرته، ولما أسلف إليك من القبح الذي يطول به الشرح!! فقال: اعلم أن بطن الأرض أحسن إليَّ من ظهرها وأصلح، فم بنا إلى المرتضى أبي القاسم نقيب النقباء؛ فقمنا وجئناه بالحديث، فقال له مثل قولي، وقال له التنوخيُّ: الشيخ أبو منصور من لا قوم وإليهم، وأسألك أن تكلفه أن يمضي إلى كمال الملك ويفاتشه في ذلك ويسأله الإقالة من هذه العثرة والإغضاء عنها وعن هذه الزلَّة! فقال له: كمال الملك يعرفك ويفهم فعلك وأنه عن غير نية قبيحة فاسدة، بل عن هفوة منك وأشياء متصلة زائدة، وهو أقل من أن يجري في ذاك قولاً أو يحدث عليه فعلاً! فقال: ما تسكن نفسي ولا يراجعني أنسي إلاَّ بعد أن أعلم من هاذ الأمر زوال ما أحذر! فالتفت المرتضى إليَّ وقال: هو ذا تسمع، وأنت أولى من انتهى إلى إرادته وتطِّف لمصلحته! فقلت: السمع والطاعة، وقمت وعبرت إلى باب المراتب، ودخلتُ على كمال الملك عصراً، فقال لي: أريد أ، آكل خبزاً، وما اتفق لي من يأكل معي، فقم بنا .. فدخلنا إلى موضع المائدة، وأكلنا، وجاءوه بما يشرب، وبدأته لما ظهرت نشوته وطابت نفسه فحدثته بحديث القاضي، فضحك وقال: قد والله ابتلي بنفسه وحمقه وخفته! ثم قال: قل له لا يقل في هذا شيئاً فيسمع أبو الحسن أخي، وليس ذاك بمأمون على المقابلة، وصدق، قال فإنه كان محسن بيت بني عبد الرحيم، يعني بذاك المحسن بن الفرات الذي كان سبباً في هلاك أبيه وأهله وذويه، قال: فرجعت إلى التنوخي بذاك فطابت نفسه، وأمسك. ٢٢٥ - حدثني أبو القاسم بن البسري البندار، وكان محدثاً عالي الإسناد، قال: أنشدني أبو القاسم بن بابك الشاعر لنفسه في التنوخي: إذا التنوخيُّ انتشى ... وغاص ثم انتعشا

стр. 62

أخفى عليه إنْ مَشَي ... تُ وهو يخفى إن مشى فلا أراه قِلَّةً ... ولا يراني عمشا وذاك أن عينه كانت غير صحيحة، لا تهدأ جفونه من الانخفاض والارتفاع والغمض والانفتاح، وفيه يقول البصروي في قصيدة: وفي انض الأعمالِ قاضٍ ... ليسَ بأعمى ولا بصيرٍ يقضمُ ما يجتبى إليهِ ... قضمَ البراذيِن للشَّعيرِ بعني بذاك نظره في أمر العيار ودار الضرب. ٢٢٦ - وحدثني غيره قال: جاء إلى التنوخي رجل على الطريق، وهو راكب حماره، فأعطاه رقعة وبعد مسرعاً عنه، ففتحها فإذا فيها: إنَّ التنوخيَّ به أُبنَةٌ ... كأنَّه يسجدُ للفيشِ له غلامانِ ينيكانهِ ... بعلةِ التزويح في الخيشِ فلما قرأها قال لغلمانه: ردوا ذاك زوج القحبة الذي أعطاني الرقعة، فعدوا وراءه وردوه، فقال: هذه الرقعة منك؟ قال: لا، أعطانيها بعض الناس وأمرني أن أوصلها إليك، قال: قل له يا كشخان يا قرنان يا زوج ألف قبحة، هات زوجتك وبنتك وأمك وأختك إلى داري، واحضر معهم، وانظر ما يكون مني إليهم، واحكم ذلك الوقت عليَّ بما قد حكمت به في رقعتك أو بضده، قفاه قفاه! فصفعوه وافترقا. ٢٢٧ - حدثني أبو سعد بن سعدان العطار قال: كان في جوارنا بدرب عبدة من نهر الدجاج فقيه يعرف بالكشفلي من الشافعيين، وتقدم التقدم الشديد حتى جعل في رتبة أبي حامد الأسفراييني، وقعد بعد موته مقعده وسد مسده، واتفق أن حملت إليه عمامة عريضة قصيرة من خراسان، فقلت: أيها الشيخ اقطعها وألفقها ليمكنك التعمم بها، فلما كان من غد رأيتها على رأسه أقبح منظر؛ وتأملتها وإذا به قد قطعها عرضاً ولفقها فصار عرضها أربعة عشر شبراً، وطولها نصف ما كان، فعجب منه ولم أراجعه. ٢٢٨ - عرض على الوزير ذي السعادات أبي الفرج محمد بن جعفر ابن فسانجس بالبصرة في سني نيف وثلاثين وأربعمائة، بعض التجار المسافرين ثلاث شقاق دبيقية مذهبة رفيعة، فبقيت مدة في خزانته، وحضر صاحبها في يوم كان ذو السعادات فيه متنمراً من شيء اتفق عليه، وطالب بها، فتقدم بإخرجها إلى حضرته، فجيء بها، ففتح الدواة، وكتب على واحدة بخط غليظ: "هذه لا تصلح"وعلى أخرى: "هذه غير مرضية" وعلى الأخرى: "هذه غالية" وقال: ادفعوها إليه، فأخذها الرجل وقد هلكت عليه! وكانت له في مثل ذلك نظائر، لأن السوداء كانت غالبية عليه وعلى خلقه وطبعه، وكان إذا أخطأ الفرس تحته يتقدم بقطع قضيمه، تأديباً له، فإذا قيل له في ذلك قال: أطعموه ولا تعلموه بأني علمت بذالك! ٢٢٩ - وحدث الكرماني، كاتب كان لأبي بكر ابن الصيرفي صاحب الجيش، قال: أنفذني أبو بكر صاحبي لأنفق في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء، فأنفقت فيهم، واستقضلت أنا وكاتب أبي محمد جعفر والجهبذ والنقيب نحو عشرة آلاف درهم، وقلنا ندخل إلى موضع ونتحاسب ونتقاسم، فدخلنا مسجداً بإزاء دار أبي محمد جعفر، ليس فيه إلا رجل عليل نائم في زي السؤال، فأقللنا الفكر فيه، وغلطنا وأخطأنا في ذلك، وأخذنا نتحاسب ونقول: أخذنا من رزق فلان الساقط بالوفاة كذا، ورزق فلان البديل كذا، ومن الضروب كذا، ومن فضل الوزن كذا، إلى أن جمعنا المبلغ الذي أخذناه، وعينا قسط كل واحد منا، وأقبلنا نزنه لصاحبه ونعطيه إياه، فرفع الرجل الغريب رأسه وقال: يا أصحابنا أخرجوا لي قسماً معكم، فقلنا: ولم؟ قال: قد سمعت ما كنتم فيه! فقلنا: هذا الرجل ضعيف، فأعطيناه خمسة دراهم، فقال: لا أقنع إلا بقسط مثل واحد منكم، فغاظنا، واستخففنا به، فقال: لا عليكم إن أعطيتموني ما طلبت، وإلا قمت الساعة ومضيت إلى أبي بكر بن الصيرفي وعرفته أنكم أخذتم باسم فلان الساقط بالوفاة كذا، وباسم فلان البديل كذا، ومن جهة كذا وكذا، ومن جهة كذا وكذا .. ولم يزل يذكر ما كنا فيه تجارينا إلى أن أتى على جميع الوجوه ومبلغ المال المسروق، حتى لم يخرم شيئاً منه، وقال: فأقل ما يعاملكم به إذا لم يصرفكم أن يرتجع المال منكم! ففكرنا في قوله، وعلمنا صحته، فرمنا منه الاقتصار على بعض ما طلب، فلم يفعل، ودخلنا تحت حكمه، وأعطيناه سهماً كأحدنا، وقمنا واجمين من غلطنا وسهونا فيما سامحنا به نفوسنا في فعلنا ما فعلناه.

стр. 63

٢٣٠ - وحضر يوماً أبو عباد ثابت بن يحيى وزير المأمون بحضرة المأمون، فعرض عليه ما أراد عرضه عليه، وخاطبه على ما أراد خطابه فيه، ثم انصرف، فأمر المأمون برده، فرد، وخاطبه في شيء، وانصرف حتى إذا بعد تقدم برده، فرجع، وقد تغيظ وتنمر، وأمره بأمر وانصرف، فلما بعد تقدم برده، فقال للرسول: وأخذ الدواة من الدواتي بيده الساعة والله يابن الفاعلة أضرب بها رأسك! ألا قلت له: قد مضى إلى النار!! ورجع فقال له المأمون: اعرض غداً فيما تعرض حوائج الهاشميين، فقال: نعم، والآن فاذكر يا أمير المؤمنين كل ما تريده مني، فو الله لا رجعت اليوم إليك بعد هذه الدفعة ولو قمت بنفسك إلي تردني! فضحك المأمون وقال: انصرف راشداً. ٢٣١ - كان شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش بن بدران أمير بني عقيل قبض على إبراهيم أخيه لإفساد عليه اتهم به، واعتقله في قلعة له، وأراد المضي إلى السلطان عضد الدولة أبي شجاع الب ارسلان إلى خراسان، فاستدعى مستحفظ القلعة التي فيها إبراهيم أخوه، وقال له: أنا ماض إلى هذا السلطان، ولست أعلم ما يكون مني هناك، فإن أنا هلكت أو قبض علي فأفرج عن إبراهيم أخي ليقوم مقامي في إمارة العشيرة، وإن سلمت فأنت على حالك في الحفظ والحراسة ل، وكان أبو وجابر بن صقرب كاتب مسلم حاضراً، فوضع يده على فخذ مسلم رأسه إلى مستحفظ القلعة وقال له: دع هذا الكرم عنك، لو جاءك رأس الأمير في مخلاة لا تفرج عن إبراهيم حتى تراني! فأطرق الأمير، وخرج المستحفظ ثم عاد من بعد إلى الأمير وقال: ما تقول فيما قاله أبو جابر؟ قال له: هذا رجل أحمق لا تسمع منه ولا تطع له! وقبض بعد أيام على ابن صقلاب وقتله. ٢٣٢ - قيل: وجلس أبو عباد يوماً بين يدي المأمون يكتب فدخلت شعرة بين سنى قلمه، وعمد إلى إخراجها بسنه، ثم كتب فإذا هي بحالها، فأهوى إليها ثانية فقطع وبقي أصلها، ثم كتب فإذا هي غمرت جميع حروفه، فكسر القلم ورمى به وقال: لعنك الله ولهن من براك ومن أنت له! فضحك المأمون وأنشد أبيات دعبل فيه وهي: أولى الأمورِ بضيعةٍ وفسادِ ... أمرٌ يدبرهُ أبو عبادِ خرقٌ على جلسائه فكأنَّما ... حضَرُوا لملحمةٍ ويمِ جلادِ وكأَنَّهُ من دَيْرِهِزْقِلَ مفلِتٌ ... حردٌ يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ فاشددْ أميرَ المؤمنين وثاقهُ ... فأنصحُّ منه بقيةُ الحدّادِ ٢٣٣ - ودخل أبو عباد يوماً إلى المأمون فقال له: يا ثابت، ما أراد بك دعبل حيث يقول: وكأَنَّهُ من دَيْرِهِزْقِلَ مفلِتٌ ... حردٌ يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ فقال: الذي أراد يا أمير المؤمنين حيث يقول: إنِّي من القومِ الذين سيوفهم ... قتلنْ أخالك وشرفتكَ بمقعدِ شادوا بذكركَ بعد طول خُموله ... واستنقذوكَ من الحضيض الأوهدِ فقال المأمون، وقد تنمر وعلم غلطه في خطابه لمثله بما خاطبه به حتى أجابه عنه بما أجابه: فإني قد عفوت عنه، فلا يتعرض له! ٢٣٤ - وحدث محمد بن أبي سمير وكان كاتباً لأبي عباد قال: كان في ناحية أبي عباد رجل خراسان يعرف بالغالي يأنس به، وكان من رسمه أنه إذا مدح شاعرٌ أبا عباد أنشد الغالي عقيبه مثله ... من قيله فيه، فاتفق أن دخل يوماً أبو سعد المخزومي إلى أبي عباد، وهو مشغول، فاستأذنه في إنشاده فأذن له على كره، فلما فرغ أظهر له استحسان شعره، وانصرف أبو سعيد، وقد ضجر أبو عباد بقطعه إياه بشعره عن شغله، فقام الغالي على عادته واستأذنه في الإنشاد، فقال له متبرماً متغيظاً: أنشد، فقال: لمّا أنخنْا بالوزيرِ ركابنا ... مستعصمين بجودهِ أعطانا ثَبَتَتْ رَحى مُلْك الإمام بثابتٍ ... وأفاضَ فيه العدلَ والإحسانا يقري الوفودَ طلاقةً وسماحةً ... والناكثين مهنَّداً وسِنانا منْ لم يزلْ للناسِ غيثاً مُمرِعاً ... متخرِّقاً في جوده .... وأشار إليه بوجهه، وجعل يردد: "في جوده .. " فاغتاظ أبو عباد وقال: ويلك! قل: "قرنانا، كشخانا! " وأرحنا! فقال: يا سيدي "معوانا" فارتجَّ المجلس بالضحك، ومضى الغالبي على وجهه، فلما سكن أبو عباد جعل يضحك مما كان منه، وأخذ القلم ووقع له بألفي درهم، وسلمه إلى من لحقه به.

стр. 64

٢٣٥ - وجلس المأمون يوماً على الشرب والحسن بن سهل معه، فقال له المأمون: لعلك تقدر أنني قتلن الفضل أخاك؟ ولا والله ما قتلته! فقال له: بلى والله لقد قتلته! فقال: والله ما قتلته، فقال بلى والله لقد قتلته! فقال: والله ما قتلته يكررها ثلاثاً فقام المأمون من مجلسه وقال: أفٍّ لك! وانصرف الحسن إلى منزله. ٢٣٦ - وحدث أبو العباس بن أبي البهلول قال: حدث المأمون قال: وصفت لي جارية بالعراق وأنا بخراسان، عاملة كاتبة لاعبة بالشطرنج والنرد، مفتنة في كل أدب، فأنفذت وابتعتها بمال كثير، وحملت إليَّ فأعجبتني وشغفت بها، واتفق في بعض الأيام أن خلوت بها ولهوت معها وجعلت الشطرنج بيني وبينها، إذ دخل الفضل بن سهل علي هاجماً ومعه غلام له، فلما رآني على ذلك أخذ قنينة كانت بين يدي وضرب بها الأرض وقال لي: أنت على هذه الحال وتنازع أخاك الخلافة، وتبلغ في التخرق والتوفر على النساء واللهو إلى هذه الغاية، ونحن ندعي لك التشاغل بالصلاة والصيام! وقال لغلامه: خذ بيد الجارية فهي لك! وورد علي من فعله ما كدت أن اجعله سبب دنو أجله، ثم كظمت غيظي وصبرت على ما لحقني. ٢٣٧ - لما قدم طاهر بن الحسين العراق أقر العباس بن موسى على الكوفة وزاده عدة طساسيج، فوجه العباس إليه كاتبه يشكره ويؤديه رسائل منه إليه، فلما دخل إليه قال له: أخيك أبي موسى يقرئك السلام! قال: ومن أنت منه؟ قال: كاتبه الذي يطعمه الخبز! فقال طاهر: أين عيسى بن عبد الرحمن الكاتب؟ فجاء، فقال: اكتب بصرف العباس ابن موسى عن الكوفة وأعمالها لتركه اتخاذ كاتب يحسن الأداء عنه! ٢٣٨ - دخل المتوكل يوماً على محمد بن عبد الملك الزيات فلما رآه قال له: يا جعفر تكون ابن أمير المؤمنين المعتصم بالله ﵀ وأخا أمير المؤمنين الواثق بالله أطال الله بقاءه وهذا شعرك كأنك بعض المخنثين!! وأمر بإحضار مزين، وحضر، وقال خذ طرته وشعر قفاه، فألقى عليه بعض غلمان محمد منديلاً، فزجره محمد وقال: لا! إلا على ثوبه، فحكى عن المتوكل أنه كان يقول: ما بلغ مني شيء ما بلغه فعل محمدٍ في طرحه الشعر على ثوبي! ٢٣٩ - وكان محمد بن عبد الملك تشكى، فدخل عليه احمد بن أبي خالد، وهو أصم، فقال محمد: كيف أصبحت جعلت فداك؟ قال له: بشر! فلم يسمع، فقال: الحمد لله على ذلك، فمن يختلف إليك من الأطباء؟ قال: إبليس قال: مبارك رفيق، فأي شيء وصف لك؟ قال: آجر مدقوق! قال: خفيف طيب، فخذه ولا تفارفه! ٢٤٠ - وحدث محمد بن علي بن طاهر بن الحسين قال: كان أحمد بن يوسف يسقط السقطة بعد السقطة، فتلفت نفسه في بعض سقطاته، وذاك أنه حكى لي علي بن يحيى بن أبي منصور أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود ة والعنبر على المجمر، فحين يبخر يأمر بإخراجه ووضعه تحت الرجل من جلسائه إكراماً له؛ وحضر أحمد بن يوسف يوماً، وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع المجمر تحت أحمد بن يوسف، فقال أحمد: هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا تقول هذا، ونحن نصل رجلاً واحداً من خدمنا بعشرة آلاف درهم! إنما قصدنا إكرامك، وأن أكون أنا وأنت قد اقتسمنا البخور قطعة واحدة! يحضر عنبر! فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، فأمر أن تطرح قطعة في المجمر، ويبخر بها أحمد، ويدخل رأسه في زيقه، حتى ينفذ بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة، وهو يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه فاعتل ومات. قال محمد: ومن سقطاته أنه كلم أب العباس عبد الله بن طاهر في حاجة له يخاطب له المأمون عليها فوعده بذاك، ثم عاد إليه فقال له: كنت سألتك أن تكلم أمير المؤمنين في كذا، وقد سألت مؤنس يعني جاريةً كان المأمون يتحظاها أن تخاطب أمير المؤمنين فيها، وما بالأمير حاجة إلى الخطاب في ذلك! فلما خرج قال: رأيتم أحمق من هذا! يسأل مثلي في أمر أن أخاطب الخليفة فيه، ثم يجيئني ويعرفني أنه قد سأل جارية. فيما سألني، ولأنه قد استغنى بها عني! ٢٤١ - وحدث أبو هفان قال: كنت يوماً عند الفضل بن مروان وزير المعتصم، فقال في شيء جرى: الله المستعين أراد المستعان ما أحسن بالرجل أن يذكر ربه على كل حال! فقلت له: ليس ربك الذي ذكرت، فقال: قد قلت ألف مرة إني لو كنت أحسن العروض لقلت الشعر!

стр. 65

٢٤٢ - وحدث إبراهيم بن المهدي قال: دخل الفضل بن مروان على المعتصم بالله ومعه كساء طبري في غاية الحسن فعرضه عليه، واستحسنه المعتصم وأعجب به وقال: ما رأيت مثله! وأرانيه، فقال الفضل لي: كم قيمته؟ قلت: ليس التقويم من عملي وإنما يرجع فيه إلى الباعة! فقال: فبكم كنت تبتاعه لو حمل إليك؟ قلت: بمائة دينار، فقال: لأجل هذا يا أمير المؤمنين لا تفي ضياع عملك بنفقاته، ولا تبين صلاتك له في حاله! وحقك يا أمير المؤمنين لقد صمدت لصاحبه منذ صليت الظهر إلى أن غربت الشمس أراوضه في ثمنه، لم أتشاغل بغيره حتى ابتعته منه بثلاثين ديناراً! فقلت: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما قلدك من أمور عباده، فقد أقر الفضل بين يديك بأنه لم يعمل عملاً وهو وزيرك الذي تجري على يده أمور مملكتك ورعيتك وأموالك إلا لمكاس في ثمن كساء بثلاثين ديناراً، فلو ابتاعه بألف دينار أو بعشرة آلاف دينار ما كان أنفع وأعود، وكان شغله بأمور الدين والدنيا أجدى وأولى من توفير سبعين ديناراً في ثمن كساء! وما أدفع حرمة الفضل بك وحقه عليك ومعرفته بالأسعار وقيم الأعلاق، فوفره على ذلك واشغله به، واطلب لوزارتك ودواوينك من هو أقوم بها منه وأكفى فيها! فقدح هذا القول فيه، وأثر في قلب المعتصم، وحط منزلته عنده. ٢٤٣ - وحدث ابن عبد السلام الهاشمي قال: كنت في مجلس الفضل ابن مروان إذ دخل عليه إعرابي فصيح اللسان، يتظلم من بعض عماله، فصدف بوجهه عنه وزبره، فوقف ساعة متحيراً واجماً لا يحير جواباً ثم قال: أياستني من عدلك، فاسمع مني واصنع ما بدا لك، ثم أنشده: تجبرتَ يا فضلُ بن مروانَ فانتظر ... فقبلكَ كانَ الفضلُ والفضلُ والفضلُ ثلاثةُ أملاكِ مضوا لسبيلهم ... أبادهمُ التغيرُ والموتُ والقتلُ فإنك قد أصبحتَ في الناسِ ظالماً ... ستودي كما أودى الثلاثةُ من قبلُ ثم ولى منصرفاً، فقال الفضل: ما عني بقوله؟ فقيل له: أراد الفضل بن يحيى بن خالد، والفضل بن سهل، والفضل بن الربيع؛ فتغير وجهه وامتقع لونه، وبان غضبه وغيظه، وتصبر، ولم يرد الأعرابي، ولا أمر بإنصافه، ولم يكن بين ذلك وبين القبض على الفضل إلا أيام يسيرة. ٢٤٤ - وحدث أبو العباس بن عمار قال: حدثني سعيد بن فضالة أنه عرض على الفضل بن مروان عند وزارته للمعتصم بالله مجمعاً عمله خليل الصايغ للخليفة، فجعل منه المقاريض وآلات المجامع حتى أخرج مبرداً، وقال: ما هذا؟ قلت: مبرد، قال: تبرد به ماذا؟ قلت: إذا قلمت الأظفار بردت بها ليزول ما فيها من شعت! قال: وأنا لا أحسن إذا قلمت أظفاري أن أبلها بريقي، وأحكها بالحائط، وأستغني بذاك عن المبرد! وفعل ذاك بحضرتنا وأراناه. ٢٤٥ - حدث عبد الله بن سليمان عن الحسن بن وهب قال: قال المعتصم بالله يوماً لأحمد بن عمار، وهو يتقلد العرض عليه: أين الحسن اين وهب؟ فقال له: في منزله، فقال: لم يأخذ في كل شهر ألفي درهم ولا يعمل بها؟ أحضره ووله كتب الكتب الصادرة عنا، فإنه حسن الخط جيد البلاغة، فأحضرني وعرفني ما جرى، واستعملني، فتمكنت منه وغلبت عليه، وملكت الإيراد والإصدار عنه، وكان يجيئني أكثر من مضي إليه، فلم أشعر يوماً وأنا في منزلي إلا به وقد دخل علي، وعليه دراعة وجبة وعمامة من وشي، وقد انصرف من دار المعتصم، فسلك الطريق بهذا الزي إلى داري، فقمت إليه متلقياً، وعلمت أ، مثل تلك الثياب لا تكون إلا خلعة، وجلس مغموماً مهموماً، وقال لي: ما الكلأ؟ فقلت: النبت الذي يكثر في الصحراء عند توالي الأمطار؛ ثم قلت به: أرى أمراً ساراً وأراك معه مفكراً واجماً؟ قال قرأت على أمير المؤمنين كتاب صاحب البريد بالبصرة يذكر فيه أن المطر اتصل فكثر الكلأ، فقال لي: ما الكلأ؟ قلت: لا أدري! فقال: أنالا أدري وكاتبي لا يدري! يا غلام اصفع! فصفعت ثلاثاً، ثم قال لي: امضِ إلى الحسن بن وهب فاسأله ما الكلأ وعرفنيه، فلما وليت من بين يديه قال لبعض أصحابه: سيظهر ما جرى عليه فيضعف جاهه ويقف أمره! وأمر بأن يخلع علي هذه الخلعة من خاص ثيابه ليزول بها غضاضة ما عوملت به، وجئتك كما ترى! فقلت: هبك بم تعرف الكلأ، وأما علمت أنه لا يكثر عند المطر إلا النبات!

стр. 66

٢٤٦ - وحدث ابن أبي عون عن أبيه عن الفضل بن مروان قال: كان محمد بن الفضل الجوجرائي شديد البخر، فدخل يوماً إلى إبراهيم بن المدبر، وذكر في عرض الحديث حال جارية له لطيفة الموقع من قلبه، كثيرة الحظ من شغفه، محبة مع موافقة، وأنه كان يدخل لسانه في فمها منذ أول الليلي وإلى آخره؛ فقال له إبراهيم بن المدير: حق لهذه ألا تعيش! أراد لنتن فيه، ولم يفطن محمد بن الفضل لما ذهب إليه فقال: هكذا والله كان، ما عاشت إلا قليلاً ثم ماتت؛ فضحك أهل المجلس حتى كادوا يفتضحون. ٢٤٧ - وقال موسى بن عبد الملك للناس وقد تكاثروا بين يديه في ديوان الخراج: تقدموا إلى خلف! وخرج إليه يوماً صاحب خزانة السلاح فقال له: قد تقدم أمير المؤمنين يعني المتوكل بابتياع ثلاثين ألف رمح، طول كل واحد أربعة عشر ذراعاً، فقال: نعم هذا الطول، فكم يكون العرض فضحك الناس منه، ولم يفطن لما غل فيه! ٢٤٨ - وكان أحمد بن الخصيب وزير المنتصر خفيفاً طائشاً، وكان يرفس المتظلمين إذا كثروا عليه وهو راكب، ويبصق عليهم فقال فيه بعضهم: قل للخليفة يابن عمِّ محمدٍ ... أشكلْ وزيرك إنه ركالُ أشكلهُ عن ركلِ الرِّجال وأنْ تردْ ... مالاً فعند وزيرك الأموالُ وقال فيه أحمد بن أبي طاهر: قل للخليفة يابن عمِّ مَّحمدٍ ... أشكلْ وزيرك أنَّه محلولُ فلسانُه للشَّتم في أعراضنا ... والرجلُ منه في الصدور تجولُ كم طالبٍ لظلامةٍ أو حاجةٍ ... متعرضٌ لكلامه مرْكولُ وكان أحمد بن محمد بن المدبر يقول: إنما رزق الله تعالى أحمد بن الخصيب الحظ الذي رزقه ليعلم الناس أن الأرزاق ليست بالاجتهاد ولا الاستحقاق، وأنها فوضى بين العقلاء والجهلاء! وقال رجل لأحمد بن الخصيب يصف عنده رجلاً: ما سمع إلا سبع! فقال أحمد: تقول: سبع! أنا أعرف به منك، والله ما هو إلا تسع! يذهب إلى العدد. ٢٤٩ - وحدث علي بن عبد الغفار قال: أصيب أحمد بن الخصيب بمصيبة فخرج إلينا يعصر عينيه ويقول: غيضنَ من عبراتهنَّ وقلن لي ... ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا فقلت: ماذا؟ قال: لنا رأيت النساء يبكون قلت هذا البيت فيهن! فقلت: إنه لجرير! فقال: وما في هذا، قد يقع توارد! وقرأ يوماً أحمد بن الخصيب كتاب وقف أشناس بسر من رأى في أيام المعتصم بالله، وبلغ إلى موضع فيه: "بتا بتلاً" فقال: "تباّ تبلاً" فقال بعض الحاضري: قاتله الله، أما سمع قط بلفظ الطلاق! ووقع يوماً في ذكر رجلين كانا زنديقين، فنزعا ورجعا، وأمر لهما بصلة: "هذان اللذان كانا زنديقين أسلما! ". ٢٥٠ - وقال ابن حمدون: قال لي المنتصر بالله يوماً: شعرت يابن حمدون بأن أحمد بن الخصيب على غاية الجهل، وأنه يشتمني في وجهي شتماً يذكر فيه حرمي، فتمنعني خدمته لي وحرمته بي من الإساءة إليه في مقابلته عليه! فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ومن يقدم على هذا؟ فقال: إذا دخل في غد إلي فاحضر بين يدي، فركبت في غد، ولم يكن يوم نوبتي، ووافى أحمد، فلما انصرف الموكب وتقوص المجلس قام المنتصر وأخذ بيد أ؛ مد، وماشاه في ممر دار البستان، وأنا اتبعهما، فسمعت المنتصر يقول به: قد طالبتني السيدة بإقطاعها ضياع أم المتوكل فما ترى؟ قال: لا، ولا كرامة لهذه الفاجرة! قال: وقد التمست أيضاً أن نقيم لها ولخدمها مثل ما كان لأم المتوكل من الإقامات والإنزال! فقال: دق يدها الفاجرة على رجلها وقل لها: حتى نرضي الموالي أولاً! قال ابن حمدون: والتفت المنتصر إلي وقال: هاتان ثنتان سماعاً من غير إخبار! ٢٥١ - وذكر المبرد قال: قرأ ابن رياح كتاب الصدقات بحضرة المنتصر بالله، وأحمد بن الخصيب حاضر، وقال: "في كل ثلاثين بقرة تنيع"، فقال المنتصر: وما التبيع؟ فبادر ابن الخصيب وقال: البقرة وزوجها! فقال المنتصر لابن رياح: أكذاك هو؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ووصف له التبيع، فقال ابن الخصيب: هذا متفق عليه! ٢٥٢ - وذكر المبرد أيضاً أن ابن الخصيب قرأ على المنتصر حساباً قال في بعضه: "وعشرة آلاف درهم في مرمة التنور"، فقال: ما هذا؟ تنور يرم بعشرة آلاف درهمّ وتؤمل ذلك فكان: "في مرمة السور.

стр. 67

٢٥٣ - شكا الكتاب إلى الفضل بن مروان ما يلقونه من حدة أحمد ابن الخصيب وعجلته وسفهه وتخلفه، فقال: كيف لو رأيتم محمد بن جمثيل وهو يلي ديوان الخراج، وقد أنكر على كاتب له حرفاً كتبه فأخذ النعل وقام إليه، وعدا الكاتب بين يديه، وجعل يتبعه وهو يدور حول بستان كان في صحن الدار، فلما أيا الكاتب قال له: أنا كتب أو وحش يصاد١ فاستحيا منه ورجع عنه. ٢٥٤ - وحدث إبراهيم بن المدبر قال: دعاني صاعد بن مخلد يوماً فوجدت عنده ابن الخصيب، وقدمت إليه المائدة وعليها هليون، فأكب أ؛ مد عليه واستكثر منه، فقلت: أراك محباً له؟ قال: نعم، هو يزيد في البهاء! أراد: الباه، فعجبت من سخنة عينه! ثم قدم الشراب، فغنت المغنية: إن العيونَ التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثمَّ لا يحيينَ قتلانا فقال أحمد: هذا الشعر لأبي، فقلت: قاتل الله جريراً ما كان أكثر ما يسرق من شعر أبيك! ٢٥٥ - وحكى أبو عمرة صاحب المظالم قال: ألحَّ الناس بسر من رأى على أحمد بن الخصيب في الجلوس لهم والوقوف على قصصهم والنظر في ظلاماتهم، فقال لجماعة من بني هاشم وأولاد المهاجرين والأنصار: ادفعوا قصصكم إلى أبي عمرة ليأخذ جوامعها ويضمنها تذكرة يعرضها عليَّ لأوقع فيها بما تنتجز به أموركم، فسكنوا إلى ذاك، وجاءوني بقصصهم، فعملت جوامعها في ثلث قرطاس وجئته به فوضعته بين يديه، ولم يوقع فيه وطالبني القوم يما فعلته في حوائجهم فعللتهم ووعدتهم، فأغلظوني وأسمعوني، وشكوت ذلك إليه، ووعدني بإنقاذ الجوامع موقعاً فيها؛ ثم أنقذها مختومة ففضضتها، فإذا هو قد وقع تحت باب (بني هاشم): "هشم الله وجوههم! " وتحت باب (المهاجرين): "هجرهم الله" وتحت باب (الأنصار): "لا نصرهم الله" وفي غير ذلك من الأبواب نسب أصحابها، فبقيت واجماً حائراً، وخلوت ببعضهم وتوثقت منهم وخرجت إليهم بالسر في ذلك، واستحلفتهم على كتمان ما ذكرته لهم منه، فعذرني العقلاء، واستزادني الجهلاء، وانبسطت الألسن بالدعاء عليه، والوقيعة فيه والظلامة منه. ٢٥٦ - حدث عبد الواحد بن محمد قال: حدثني أبي قال: تشكى حجاج بن هرون صاحب ديوان الزمام على الخراج، فجئناه عواداً، ووجدناه يصلي الضحى، وابنه هرون جالس، فسألناه عن خبر أبيه، فقال: لحقته حمى واعتقال، فأشار حجاج إلينا وهو في صلاته ثم قال: عوعوعو! يريد أ، هـ أكل لحم جزور، فقال ابنه: نعم أكل لحم جزور فأفعله. وحدث أيضاً قال: حدثني نصر بن الحجاج قال: أقرأني عيسى بن فرخانشاه كتاب حجاج بن هرون إليه وقد عنونه "بخادمك وولي نعمتك حجاج بن هرون"! ٢٥٧ - وحدث أحمد بن الخصيب أن حجاجاً صاح به يوماً في الديوان: ي أبا إسحق، ابن بويب من أيوه؟ فقلت له: بويب! قال: صدقت والله. قال: وعصفت الريح يوماً وأخذت من بين يديه رقعة رفعتها في الهواء فلم تلحق إلا بعد سقوطها بعد زمان، فأقبل على الريح وقال: ما عرفك إلا سليمان بن داود الذي حبسك حتى أكلت خراك! قال: وكان يطلب العمل والرقعة فإذا تعذر عليه وجوجه قال: سبحان من يدع الشيء في موضع فإذا طلبه لم يجده سبحانه! قال: وكان يقول لخازن الديوان إذا طلب منه عملاً: أين الاهن الاهنة الايش اسمه الما يقال له! ٢٥٨ - ودخل عليه يوماً أبو العيناء فحادثه، وجرى ذكر الرطب، فقال الحجاج: أطيب الرطب ما دق أنوائها ورق لحائهاّ فقال له أبو العيناء: يا أبا محمد ما كنت أعرفك تحسن النحو، وأراك قد تعلمته! فقال: نعم تعلمت من معلم الصبيان، قال: ففي أي باب الصبيان اليوم منه؟ قال: في باب الفاعل والفاعلة! فقال: إذن فهم في باب والديهم! وقال أبو العيناء: قلت له يوماً قد قطعتني لغير ذنب! فقال: لا والله ما يمنعني من التوالي عنك إلا الشغل! ٢٥٩ - وحدث المبرد قال: حدثني نفيس الكاتب قال: وصف حنين بن إسحق الطبيب لحجاج معجوناً وواقفه على أخذ وأن يؤخر غداءه إلى وقت الظهر ويعرفه خبره بعد ذلك! قال حنين: فكنب إلي رقعة يقول فيها: "شربت الدواء وأكلت قليل كسرة، واختلفت كرامة لوجهك أربعة: أحمر وأخضر مثل السلق، ووجدت مغساً، ورأيك في إنكار ذلك على بطني إن شاء الله! " فلم أدر بما أجيبه، وقلت للرسول: أقره السلام وقل له: نلتقي غداً إن شاء الله تعالى.

стр. 68

٢٦٠ - وحكى الوزير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قال: حدثني علي بن يحيى قال: اجتاز شجاع بن القاسم يوماً في الشرب من دار الخلافة، فخرقت كلاب كانت فيه ثيابه، ودخل على المستعين على تلك الحال، فقال به: ما بالك على هذه الصورة؟ فقال: داس كلب ذنبي فخرقت ثيابه! فضحك المستعين حتى زال تماسكه. ٢٦١ - وحكى إبراهيم بن المدبر قال: حدثني أحمد بن عمار قال: عملت شعراً رائجياً وواقفت سعيد بن حميد أن يلقيه على رجل من الطالبين كان جلداً خبيثاً، ولنا ملازماً وصديقاً، ويواقفه على أن يقصد به شجاعاً وينشده إياه على أنه مديح له فيه، وبذلنا له عن ذلك براً، والشعر هو هذا: شجاعٌ نجاعٌ كاتبٌ لاتبٌ معاً ... كجلمودِ صخرٍ حطهُ السيلُ من علِ خبيصٌ لبيصٌ مستمرٌّ مقوّم ... كثيرٌ أثير ذو شمالٍ مهذَّب فطينٌ لطينٌ آمرٌ لك زاجرٌ ... حصيفٌ لصيفٌ كلُّ ذلك يعلمُ بليغٌ لبيغٌ كل ما شئتَ قلته ... لديه وإن تسكت من القول يسكن أديبٌ لبيبٌ فيه عقلٌ وحكمةٌ ... عليمٌ بشعري حين أنشدُ يشهدُ كريمٌ عليمٌ قابضٌ متباسطٌ ... إذا جئته يوماً إلى البذلِ يسمح فحفظه الطالبي ومضى إلى شجاع وقال له: ليس الشعر أعزك الله من صناعتي، وقد قلت شيئاً أرجو أن أوافق عليه، وجعلته مديحاً لك وجزاء عن إحسانك إلي وإلى بني عمي، فإن رأيت أن تسمعه مني؟ فقال له: قد أغناك الله عنه مع شرفك ووجوب حقك! قال: أحب أن تتفضل علي بذلك، واندفع فأنشد الأبيات، وشجاع مصغ إليه، فلما فرغ من إنشادها شكره عليها، ودخل إلى المنتصر فتنجز له عشرة آلاف درهم صلة، وأرزاقه ألف درهم في كل شهر، وعاد إلينا الطالبي فقال: أنتما السبب بما وصل إلي، ووالله لا أخذت منكما شيئاً! وكنا وعدناه بألف درهم. ٢٦٢ - قال الحسين بن يحيى: ما سمعت شجاعاً ينشد شعراً قط غير بيت كان يتمثل به كثيراً: وإذا تكونُ كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندبُ ٢٦٣ - وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله تعالى عنه قال: كان لروزبهان بن ونداخرشيذا جد أمير الديلم كاتب يعرف بأبي الحسن علي بن أبي الحسين القمي، وقد استخلفه بحضرة معز الدولة أبي الحسين بن بويه ببغداد وعول عليه في مراعاة إقطاعه بالسواد، فاتفق أن كان الوزير أبو محمد المهلبي جالساً في دار معز الدولة بباب الشماسية على الأرض يشاهد البناء فيها، وأبو الحسن القمي هذا بين يديه مع جماعة، فنهض القمي وقرب من الوزير كأنه يريد أن يساره بشيء، ثم رفع يده ولطم وجه الوزير وقال: دبابة! بالدال وكانت بقة، فقال له: يا جاهل فإذا كانت ذبابة تقتلها على وجهي! فقال: ذاك صغار لك خرطوم يلسع، فقال له: قم فقد سقط عنك القلم! فانصرف وهو يقول: إنما خدمنا! والجماعة تضحك منه وتعجب. ٢٦٤ - وحكى أبو رفيد الأزدي قال: أكثرنا الضجيج على عبيد الله بن يحيى بن خاقان في أمر البصرة لما دخلها الزنج، فضجر يوماً وقال: ذهبت البصرة فمه؟ فقال فيه العدوي البصري: قال الوزير المعاون الظَّلمةْ ... الأخرسُ اللفظ مشبه امرخمهْ وقد شكونا ذهابَ بصرتنا: ... إن ذهبتْ بصرة العُرَيبِ فمهْ إن ذهبتْ زال ملكُ آل بني ال ... عباسِ أهلِ الفخار والعَظَمَهْ كلمةُ سوءٍ زلَّ اللسانُ بها ... وربَّ حتفٍ تسوقُه كلمهْ وجعل الصبيان يصيحون إذا مر عبيد الله في الطريق: فذهبت البصرة فمه! ثم اختصروا وصاحوا: فمه فمه!! فبلغ ذلك أبا يعلى كاتب عبدي الله بن يحيى فقال: والله لأنفين العدوي من الدنيا. فقال العدوي: أما من الدنيا فلا، ولكن ربما نفاني من سر من رأى، وقال يهجوه: نعمة اللهِ لا تعابُ ولكنْ ... ربمَّا استقبحتْ على أقوامِ لا يليقُ الغنى بوجهِ أبي يع ... لى ولا نورُ بهجةِ الإسلامِ وسخ الثَّوبِ والعمامةِ والبرِ ... ذونِ والوجه والقفا والغلام لا تمسُّوا أقلامهُ فتمسُّوا ... من دماءِ الحسين في الأقلام وبلغت هذه الأبيات عبيد الله، وقد تدوولت وشاعت وذاعت بسر من رأى، فتنكر لأبي يعلى، وكرده مقامه معه، ونبا عنه، وكانت السبب في خروج أبي يعلى عن سر من رأى.

стр. 69

٢٦٥ - وحدث جعفر بن أبي نوح قال: حدثني أبي قال: كان جعفر بن محمود وزير المعتز ثقيلاً على قلبه إلا أنه لم يكن متمكناً من صرفه وتغيير أمره لأجل الأتراك، فدخلت يوماً على المعتز فنظر إلي نظراً علمت معه أنه يريد أن يلقي إلي شيئاً على خلوة، فتوقفت إلى أ، خلا مجلسه، ثم قال لي: رأيت يا عيسى أحداً ابتلي بما بليت به، لقد بلغ المكروه مني في نفسي وحرمي مبلغاً ما أطيق الصبر عليه! قلت: يبقي الله أمير المؤمنين ويصلح أموره، ما الذي ضاق صدراً به؟ قال: ويحك كنت جالساً خالياً ومعي عقد جوهر أنظمه لجاريتي فلانة، فلم أشعر إلا بدخول جعفر بن محمود ووقوفه بين يدي، وقال لي: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ قلت: إن فلانة جاريتي لطيفة الموقع من قلبي فأنا أنظم لها لهذا؛ فضحك وقال: هل علمت يا أمير المؤمنين أنها كانت ربيطتي ومحبة لي، وأرجو أن يملها أمير المؤمنين فيهبها لي! فتداخلني من الغيظ والحمية ما لم أملك معه أمري، وهممت أن أتقدم بقتله ولا أبالي ما جرى من بعده، ثم رجعت وصبرت واحتملت! فقلت: هذا رجل جاهل، والرأي ما رآه أمير المؤمنين وفعله. ٢٦٦ - وحدث أبو علي نطاحة قال: أمل صالح بن شسرزاد على كاتب كتاباً إلى بعض العمال وقال فيما قال: "أبقاكما الله وحفظكما" فقال له الكاتب: يا سيدي الكتاب إلى واحدّ فقال له: فاجعله عني وعن شريكي! ولباذنجامة الكاتب في صالح: حمارٌ في المتابة يدعيها ... كدعوى آل صخرٍ في زيادِ فدّعْ عنك الكتابةَ لستَ منها ... ولو عرفتَ ثوبكَ بالمدادِ وكيف يجوزُ في الكتاَّبِ فدمٌ ... عديمُ الفهمِ منخوبُ الفؤادِ ٢٦٧ - حدث أبو العباس بن عمار قال: حدثني بعض المتأدبين من أهل سر من رأى ومن كتاب ديوان الخاتم ا، صالح بن شيرزاد دخل على بعض الوزراء فقال له: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، فقال: لست بالأمير ولا السلام على الأمراء كذاك! فقال: أعزك الله إذا دخلنا على أمثالك تصاعد الكلام في صدورنا حدوراً! ٢٦٨ - وحكى أن أبا أيوب ابن أخت الوزير في أيام المعتصم كان من الحمق، وكان يقول بخلطة الجن له ومعرفته بهم ومعرفتهم به، وأوهم نفسه عشق جارية منهم تسمى "قرة العين"، وكان يطرح إلى جانبه مصلى لتجلس عليه معه، وزاد ذكره لها ولهجه بها حتى غارت داريته عز عليه من ذاك وهجرته وامتنعت من لقائه وكلامه! وركب يوماً إلى باب قوم فاستأذن عليهم وقال لهم: قد مات عامر من عمار داركم، وكان شيخاً صالحاً، وأريد أن أدخل وأعزي أهله به فأدخلوه، وصلى تحت سدرة في الدار أربع ركعات، ثم قال: عظم الله أجركم في أبي سعيد وأحسن عزاءكم! وانصرف. ٢٦٩ - وحكى محمد بن موسى بن سيف قال: كنت أكتب لموسى بن عيسى بالبصرة، فوصل إليها فيل أهداه صاحب السند إلى الموفق، وكتب موسى بخبره إلى الموفق، فعاد الجواب بخط أبي العلاء صاعد بن مخلد وزير الموفق: "كتابي إليك بخطي، بين يدي الأمير أطال الله بقاءه وقد وصل كتابك في أمر الفيل، وسار خبره فر وصوله سالماً، وقد أمر الأمير أيده الله بأن يقاد الفيل على أصلح الطرق، حتى يؤمن عليه الخلل فيما يحتاج إليه، إن شاء الله! " ٢٧٠ - قال: وكتب إلى عبيد الله بن سليمان، وقد مات له ميت: "أحب جعلني الله فداءك أن تكتب إلى صاحب الجسر في إطلاق إحضار نائحة ليشفوا غيظهم الليلة" فقال عبيد الله: فلم أعلم غيظهم على الله أم على ملك الموت! وكتب له بما أراد. ٢٧١ - وقرأ صاعد يوماً على الموفق كتاباً فلم يفهم معناه، وقرأه الموفق وفهمه، فقال فيه عيسى بن الفاسي: أرى الدهرَ يمنعُ من جانبِه ... ويُهدي الحُظوظ إلى عائبهْ وكم طالبٍ سبباً مجلباً ... فأعيا عناه على طالبهْ ومن عجَب الدَّهرِ أنَّ الأمي ... ر أصبحَ أكتبَ من كاتبهْ وله فيه أيضاً: أتاني كتابانِ من صاعدٍ ... بمدح الرضى وبذمِّ الغضبْ وتاريخ هذا وذا واحدٌ ... بيوم الخميس، في للعجبْ فيا ليتَ شعري لماذا رضي ... وياليتَ شعي لماذا غضب! ٢٧٢ - وكتب ابن الفيروزان المدائني إلى صاعد بن مخلد أبياتاً، وأهدي إليه هدية معها في يوم مهرجان، فأجابه صاعدٌ: وصلت تحيفاتك ... في يوم مهرجانك فلا عدمتُ بلاغتَك ... وطيب ريحانك

стр. 70

فأنت جانجاني ... وأنا جانجانك! وخاطبه أبو العينار يوماً فيحاجة، فأمسك عنها، ولم يرد جواباً عليه، فعاوده، وكان الأمر على حاله تلك، فقال له: تكلم يا سيد من سكتّ فقال ابن بسام في ذلك: يا من علا وتعظَّمْ ... اللهُ أعلى وأعظمْ يا أهلَ بغدادَ صوموا ... أبو العلا قد تكلمْ وكانت نعمة صاعد عظيمة جمة فخمة زائدة، وكان استغلال ضياعه في كل سنة ألف ألف دينار، ووجد له لما قبض عليه من الأموال والجواهر والثياب والفروش والآلات والصياغات والطيب وآلات السلاح الشيء العظيم، ومن الكراع والجمال أربعة آلاف رأس، ومن الخصيان والأتراك والسودان والحشم ثلاثة آلاف نفس وما ينيف عليه. ٢٧٣ - كان إسماعيل بن بلبل الوزير يفاوض المعتمد بالله في أمر، فقال له: إذا أخرجه أمير المؤمنين من أستي أربعة أصابع فليدخله في أست من شاء! قال المعتمد، وكان المخبر بذاك لعبيد الله بن سليمان وزيره: فورد علي من قوله ما أخجلني، وأطرقت حياء منه! ٢٧٤ - وحدث هشام قال: كنت بحضرة حامد بن العباس وقد نظر في وزارة المقتدر بالله إذ خرجت أمُّ موسى القهرمانة وقالت له: أنقذني أمير المؤمنين إليك وأمرني أن أقول لك في مجلس عملك كان ابن الفرات يحمل إلي في كل يوم خريطة فيها ألف دينار وإلى السيدة عشرة آلاف في كل شهر، وإلى الأمراء والقهارمة خمسة آلاف دينار، وما حملت شيئاً من ذلك منذ أربعين يوماً! فقال لها غير محتشم: قد جئت الساعة حادة محتدة تطالبينني بذاك! اضربي والتقطي واحذري لا تغلطي! فخجلت واستحيت وانصرفت. ٢٧٥ - وقال يوماً في مجلسه الحفل لابن عبد السلام: هذا الدقيقي ابن البظراء قرابة أم كلثوم العفلاء تعرفه؟ فقال له: الوزير أعزه الله أعرف به مني! ٢٧٦ - وقال يوماً لأبي القاسم بن الحواري في دار الخلافة وأم موسى القهرمانة حاضرة، في عرض حديث: خاصمني الطائي دفعتين فنكت أمه مرتين! فقالت أم موسى: ما هذا الكلام من كلام الناس! إنا لله وإنا إليه راجعين! .. فاستحيا وقال: نحن في السواد إذا غلبنا خصومنا قلنا: نكنا أمهاتهم. ٢٧٧ - واستدعى يوماً الوليد ابن أخت الراسبي يطالبه بمال مصادرته، فقال له أبو الحسن علي بن عيسى، وهو يؤمئذ نائب عنه، يوليني الوزير خطابه؟ فقال: افعل، فاستدناه، وجلس يساره، والوليد الآن على أن أنيك أم ذا؟ فقال له: اللهم غفراً، إي والله وأي لوم! فقال محمد بن عبزس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء، وكان حاجب علي بن عيسى: لعن الله زماناً صرت فيه وزيراً. ٢٧٨ - وقال علي بن هشام: اجتاز حامد على باب دارنا بشارع باب الكوفة، فاتفق أن كلمه قوم من التناء ببادوريا وقالوا له: نحن أيها الوزير مطالبون عن كل نخلة سهريز بثلاثة دراهم، وحملها مائة رطل نبيعها بدرهمين، فأما ان أذنت لنا في قلعة أو خففت عنا من خراجه! فزبرهم وقال: النظر في مثل هذا إلى أبي الحسن علي بن عيسى فاقصدوه وخاطبوه، فمضوا، وسار خمس خطوات ثم وقف وأمر بردهم فردهم الرجالة، وقال لهم: كأني بكم وقد قلتم لعلي لن عيسى قد أجابنا الوزير وأحال عليك في التقرير! أمي إن كنت أجبتكن زانية، وأمكم إن قلتم هذا زانية، وأم علي بن عيسى إن أجابكم إليه زانية! ٢٧٩ - وكان علي بن عيسى يستوفى على حامد مال ضمانه المسواد، وهو إذ ذاك موسوم بخلافته على الوزراء، ويناظره عند اجتماعهما في دار الخلافة على ما يحل عليه منه، فيستظهر على بن عيسى، ويخلد حامد إلى السفه، فيقول له علي بن عيسى: سلاماً سلاماً! يريد قول الله تعالى: (وإذا خاطَبَهُم الجاهِلونَ قالُوا سَلاَماً) فلما كثر ذلك على حامد منه قال له: كم تكثر من ذكر سلامه الذي ينيك أسماء أختك! فقال علي بن عيسى: ما بقي بعد هذا شيء! وتجنب كلامه وخطابه.

стр. 71

٢٨٠ - كتب أسد ين جهور، وكان ممن تصرف في الأعمال الجليلة وله النعمة العظيمة، إلى بعض العمال أن احمل لنا مائتي جوانبيرة، فقال العامل: ما يصنع بهؤلاء العجائر! ثم حصل منهن ما أمكن، وأنفذهن طوعاً أو كرهاً، فما وصلن إلى بابه وقرأ كتاب العامل بإنفاذهن، قال: ادفعوهن إلى الطباخ وتقدموا إليه بأن يذبح لنا في كل يوم ما نحتاج إليه، فقيل له: انهن نساء! فقال: إنا لله، إنما أردت الجوامركات فغلطت، وتقدم بأن يدفع إليهن دراهم ويصرفن، وأن يكتب إلى العامل بحمل جوامركات من الدجاج. ٢٨١ - وحدث عبد الله بن محمد الروزي عن إسحق بن صالح قال: قيل للمأمون: إن بني علي بن صالح صاحب المصلى فجار سفهاء، قد نقش كل واحد على خاتمه ما يدل على مجونه وفجوره، فقال المأمون لعلي بن صالح: أحضرني أولادك لأقدمهم وأرتبهم، فقال: السمع والطاعة، وعرف أولاده ما رسمه المأمون في أمرهم، فأخذوا أهبتهم ودخلوا معه على المأمون فسلموا ووقفوا، فأمر بأخذ خواتيهم، وقرأ ما عليها فكان على واحد منها: "اس مكنسه استه" وعلى الآخر: "أبي يغلب النوكى بسيفه" بسيفه ورماحه" وعلى الآخر: تعس الأير وانتكسْ ... دخل الكسَّ فاحتبس وعلى الآخر: "النيك من قدام يضعف الركبتين، فلا تستعمله في الصيف"

стр. 72

فقال المأمون: يا سفهاء قبحكم الله، تركتم الأدب واطرحتموه، وآثرتم المجون والسفه واتبعتموه! هذا وأبوكم أحد العلماء والفقهاء الذين يرتضى برأيهم ويستضاء بهديهم! ثم أقبل عليه فقال له: مال الذنب إلا لك، لأنك أهملتهم حتى تتايعوا في غيهم وتركوا ما كان أولى بهم وبك! قال: ما لي عليهم قدرة ولا طاعة، ولا سيما هذا الكبير فإنه أفسدهم وأهتكهم، ويزين لهم سوء أعمالهم! فأطرق الكبير وأمسك، فقال له المأمون: تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين أتكلم بلساني كله أم كما يتكلم العبد الذليل بين يد مولاه، تاركاً لحجته، وهائباً لسيده؟ قال: تكلم بما عندك! قال يا أمير المؤمنين، هل أحمدت رأي أبينا إذ أحمدت فهمه وعلمه؟ قال: نعم، قال: أعتق ما أملك وأطلق ما أطأطلاق الحرج، وعلي ثلاثون حجة تبلغ بي الكعبة إن لم يكن أبي علي بن صالح طلب سكر طبرزد فلم يجد في خزانته منه شيء، ولم يكن الوقت وقتاً يوجد فيه بائع ولا سكر، فقال له خازنه: ما عندنا سكر؛ فقال: الحمد لله رب العالمين، ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت مصيبة، إلا أن هذا يقال عند المصائب في الأنفس، لكني احمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، بما حمده الشاكرون، وأنا أرجو أن نكون منهم ومعهم إن شاء اللهٍ .. ثم أقبل على الخازن فقال: ادع لي الوكيل، فدعاه، فقال: ما منعك إذ فني السكر أن تبتاع لنا سكراً؟ قال: ما أعلمني الخازن، فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: قد كنت على ذلك .. قال: ما ها هنا ما هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي ثم لا أضع الأخرى على الأرض ولا أراوح بينهما حتى تحضر اني ألف من سكراً من الجنس الذي طلبته، ليس بوسخ ولا مضرس ولا لين المكسر ولا محدث العمل ولا معوج القالب؛ ثم وثب وقال: "يُوفون بالنَّذْر ويَخافونَ يوماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً" والله ثم والله لا أزال قائماً حتى أوفي ينذري! قال: فتبادر غلمانه ومواليه وبعض ولده وعجائزه نحو السوق، فواحد ينبه حارساً، وآخر يفتح درباً، وآخر يحمل شريجة، وآخر يوقظ نائماً، وآخر يرمي كلباً، والغلمان والخزَّان والجواري والحراس والسُّوقة في مثل يوم القيامة! ثم قال: يا قوم أمالي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق المخبآت؟ أين اللواتي كنت أغذوهن لي الطعام واللبوس ويرعين فيما أرعين من خفض العيش وغضارة الدهر؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفسية وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد، ونغدو أو نروح؟ فتبادر إليه بناته وأمهات أولاده، فقامت كل واحدة منهن على ساق، فقال: أحسنتم والله، أحسن الله جزاءكن عن بركن، لمثل هذا كنت أعدكن وأحسبكن الحسنى! ولاحظ الكبرى من بناته وآخر من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال له: تراوحان ولا أراوح! صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم قال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم". حذاري منكماّ ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته سكرطبرزد، وجائزته من أمير المؤمنين ثلاثمائة ألف إذا كان السعر بين الغالي والرخيص، وضيعته بالزَّاب تغلُّ مائة ألف، وضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيريه من أجل ضيعة ملكها أحدٌ، وضيعته بطسوج الدسكرة لولا أن سعيداً السفدي أدال الله منه قطع شربها وغور مجاري مائها حتى عطلت أنهارها وبطلت عمارتها، إضراراً بنا وتعدياً علينا، ما كان لأحد مثلها، وعلى أن أكرتها ومزارعيها من ألعن خلق الله، لو تمكنوا من أن يقتطعوا الحاصل ما أعطونا شيئاً، ومن أخبرك أن الضيعة لرب الضيعة فقل كذبن لا أم لك، الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث للسلطان، وثلث للوكيل، وثلث للأكار، وإنما يبقى لرب الضيعة صبابة كصبابة الإناء، ومجة كمجة العرقوب، يجيء وقت الدياس، فيمر بهم الأمير، فهذا يخبز له، وهذا يذبح له، وهذا يستقيهم النبيذ، وما نبيذهم العكر الأسود إلا وضر الدبس وماء الكشوث، قبح الله ذاك شراباً ما أثقله في الجوف وأضره بالأعلاق النفيسة! ثم يأتي وقت الكيل فمن بين رقام رقم الله جلبابه، وأعدَّ له من الهوان ما هو أهله ومن بين كيال كال الله له الويل بقوله: "وّيْلٌ للمُطَفِّفين" ما يبالي أدهم بما يقدم عليه، ولقد سمعت أمير المؤمنين أعزه الله يسأل قضاته بالحضرة، هل عدلتم كياً قط؟ فكلهم قال: لا! قال: فإن أطعموا الجداء الرضع ونقى دستميسان ووهبت

стр. 73

لهم الدراهم، فويل يومئذ لفئة السلطان ماذا يحمل عليها من القشب والقصر والمدر ويخلط فيها من التبن! ثم قال: يا قوم لم أسهبت في ذكر هؤلاء وما الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى تكلمت فيه؟ أما كان يكفيني أني قائم على رجلي بأحد جناحي؟ فقالوا: هذا للسكر الذي خلت خزانتك منه! قال: أجل والله، إذا كان وكيلي مشغولاً بزوجته وبناته ومصالح أمره فمتى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي! والله لقد حدثت أن حلي بناته بألوف دنانير، وقال لزوجته: اخرجي إلى الأعياد، وادخلي الأعراس واسألي عن رجال المذكورين، واطلبي المواضع المعروفة والأنساب المرضية والأخلاق الكريمة لبناتك، وأخرجيهن في الجمعيات يتصفحن محاسن العزاب، ويخترن أولي الأنساب! أو لم يزو عن الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله فيهن السعي، فنبع قوم من هذه البدعة: خارجية خرجت ومارقة مرقت،، ورافضة رفضت الدين وأهل الدين، فتركوا فرض الله، "قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله! " وقد روينا عن النبي ﷺ من غير وجه ولا اثنين أنه خطب الناس فقال في خطبته: "إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها وجحوداً لها فلا جمع الله له شملاً، ولا بارك الله له في أهله، أل اولا حج له ولا جهاد حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه"! ثم قال: يا قوم ما الذي حركنا على هذه الفضيلة في جوف الليل؟ فقالوا: السكر! قال: أجل والله فما أحضرتموني ألف من سكراً إلى هذه الغاية! أيا صبح أيا فتح أيا نصر أيا نجح! تبادروا مولاكم ويلكم فإنه قد تصب ولغب من طول القيام! والله إني لأحسب أن الثريا مقابلة سمت رأسي! ذهب والله الليل وجاء الويل! ويلكم أدركوني فإني أُريغ نومة ولا بد من البكور نحو الدار! فبادر بقية الخدم يستحثون الأول، وأخذوا السكر فجاءوا به من غير وزن ثمنه ولا تقرر سعره، طلباً للسرعة والعجلة، فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرت به، قال: فهل أخذتموه من الجنس الذي طلبت؟ قالوا: نعم، قال: فهل وزنتموه واستوجبتموه؟ قالوا: لا! قال: يا أعداء الله أردتم أن توقعوا أذيتي، والله لا يطمع مني في هضمه، ولا أزال على حالي حتى تأخذوه بيعاً صحيحاً لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنوية! هيهات يا أبي الله ذلك وعلي بن صالح! فرجعوا وقطعوا ثمنه مع التجار، ووزنوا لهم ثمنه، وعادوا إليه فأخبروه بذلك، فقال: يوزن بحضرتي! فجاءوا بالقبان، فقال: من يزن منكم؟ فقالوا: من أمرته، فقال: زن يا صبح، فقد دنا الصبح، وأرجح، فإن النبي ﷺ اشترى ثوباً فقال للوزان: زن وأرجح، فو الله لو لم يكن في الرجحان إلا تحلة القسم وإن كانٍ في ذلك لما يدعو العلماء بالله الفقهاء في دين الله إلى العمل به لتوالي العمل به! فجعل الغلام يزن ويرجح، وهو يقول له: ويلك عجل، فذاك أهلك، فقد دنا الصبح! أوه جاءت والله نفسي أو كادت! قال: فلما استوفى الوزن خرَّ مغشياً عليه ما يدري أرضاً توسد أم وساداً، وكذلك كانت حال من كان معه في مثل حاله، فما انتبه واحد منهم لفريضةٍ ولا نافلةٍ إلا بحر الشمس .. فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وعقله وفهمه ورأيه وفقهه! فقال له المأمون: قاتلك الله، فما أعجب أمرك على كل حال، والله لئن كنت ولدت هذا على أبيك في مقامك هذا فمالك في الأرض نظير ولا في السماء شيبه! وإن كنت حكيت عنه حقاً وعياناً ووعيت لقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وأحكمت الحفظ والدراية وما في الدنيا لأبيك في ذلك شبيه، وإنك لتعمي مساوئك بمحاسنك، فلا تذكرن شيئاً من هذا بعد هذا المجلس، فإن عيبه فينا أقدح منه في أبيك! قال: فذهب علي بن صالح ليتكلم، فقال له المأمون: إياك أن تنبس بحرف! ثم أمرهم بالانصراف. ٢٨٢ - كان ليعقوب بن داود ابن متخلف، فوهب له المهدي جارية، فلما دخل إليه قال له: كيف أمرك مع تلك الجارية؟ قال له: ما وضعت يا أمير المؤمنين بيني وبين الأرض مطية أوطأ منها، حاشا السامع! فقال المهدي لأبيه: من تراه عني؟ مني أو منك؟ فقال له: الأحمق يا أمير المؤمنين تحفظ من كل شيء إلا من نفسه!

стр. 74

٢٨٣ - وكان ليقطين بن موسى كاتب يكنى بأبي خالد ويسمى بزدانفاذار فذكر الجاحظ في (كتاب البيان والتبيين) أن لكنة بزدانفاذار كانت لكنة نبطية، وأنه أملى يوماً على كاتب به: "والحاصل ألف كر "فلما قرأه أنكر ذلك، وقال له: أنت لا تهسن تكتب وأنا لا أهسن أملي! كتب الآن: الجاصل بجيم معجمة، فكتب. ٢٨٤ - وقلد المتوكل ابن الكلبي الخبر والبريد، وأحلفه على مطالعته بكل ما يبلغه ويعرفه، فكتب إليه يوماً: "ومما أنهيه إلى حضرة أمير المؤمنين أن زوجتي خرجت مع حبة لها إلى بستان، فعربدت عليها حبتها وجرحتها في صدغها" فقال إبراهيم بن العباس لما قرأ ذلك على المتوكل: هذا تصحيف، وأظنه بالعين وفتح الصاد! فضحك المتوكل وقال: ما هو إلا كما قال إبراهيم. ٢٨٥ - وحدث أبو العباس ابن عمار قال سقط سنور على قفا داود ابن الجراح فقال: رياش وخير! وحضر داود مجلساً فيه جماعة من الفقهاء، فلم يزل الكلام يجري بينهم إلى أن خاضوا في باب التزويج، فقام من المجلس وقال: نحن لا ندخل في باب الفروج! ٢٨٦ - وحكى ثابت بن إبراهيم عن الصابىء قال: لما ورد معز الدولة أبو الحسين بن بويه إلى بغداد، ومعه أبو جعفر محمد بن يعلى الصيمري فصدته مع جماعة من الناس، فدخلنا داراً قوراء، في جانب صحنها حصيران في صدرهما حصير مبطن عليه ثلاث مخاد، وجلسنا ننتظر إذنه، فما راعنا إلا رفع الستر وخروجه من حجرة كان فيها، وعليه منديل لطيف، وقميص نوري قد رفع ذيله على كتفه، وسراويل مسح بتكة ظاهرة، وقيل: الأستاذ الأستاذ! وبذاك كان يدعى، فنهضنا وبادرنا إلى السلام عليه وتقبيل يده، فجلس بين المخاد، فأمر ونهى غير متحاش، وانصرفنا متعجبين من أن شاهدنا ما شاهدنا من وقار علي بن عيسى بن الجراح وتزمته وأنه ما رئي في خلوته فضلاً عن جمعه إلا متعمماً متحنكاً عليه القميصان والمبطنة بينهما والدراعة من فوقهما، وفي رجله الخفان، ورأينا ما رأيناه الآن من الصيمري! ٢٨٧ - قال محمد بن هلال: وأذكر في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وقد دخلت وقاضي القضاء أبو عبد الله الدامغاني إلى العميد أبي نصر أحمد المستوفى، وهو الناظر ببغداد من قبل الملك طغرل بك، وقد سار الملك إلى الموصل وراء الفساسيري والعرب، وعليه قميص رومي خفيف فقط، فدخل إليه الأشقر الطبيب وسأله عن حاله وكيف كان مما يشكوه، فلم يشعر به إلا وقد تمدد على وجهه، وكشف القميص عن جسمه وهو مملوء دماميل وأراه إياها، وما زال يتقلب بين أيدينا على تلك الصفة ليشاهد الأشقر ما في جسمه من ذاك، ثم رجع وقعد؛ فقمت ولم أراجع إليه من بعد .. وحدثت عميد الملك أبا نصر بن محمد الكندري وزير طغرل بك بذاك، فضحك منه، وقال: هؤلاء قول سفل من أوغاد الناس وأصاغرهم، تقدموا معنا، وبلغوا إلى الغاية من جليل خدمتنا، لأن رؤساء البلاد والأكابر لم يرضوا هذه الدولة في اول خروجها واشمأزوا منها، ورفعوا نفوسهم عنها، فهلكوا واندحضوا وبادوا وذهبوا، وتبعها الأوباش والأصاغر والأدوان والأراذل، فارتفعوا وعلوا! ثم قال: وتأمل الملك والشرائع ثم الدول من بعدها تجد أوائلها وأحوالها على هذا! ٢٨٨ - وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: حدثني ثابت بن إبراهيم عمنا قال: كنت يوماً عند أبي جعفر الصميري وقد جاءه رسول الأمير معز الدولة يطلب منه فقيراً، فقال: نعم سنطلبه ونحصله، فمضى وعاد وقال: يراد الساعة! فقال: مالي فقراء، أخرأ فقراءّ فوجمنا مما سمعناه. ٢٨٩ - وحكى التنوخي قال: كان بالبصرة إنسان يعرف بأبي محمد التومني، كثير الأدب والمعرفة، حسن النشوار والمحاضرة، وعادته جارية بالتصدي لخطاب العمال عن أهل البصرة والقيام بحججهم في كل معضلة، فلما ورد الصيمري البصرة طالب الناس مطالبة اعترضه التومني فيها على عادته وقال له في عرض قوله: بلدنا أيها الأستاذ كثير الصلحاء ضعيف الأهل، وما أحمد أحد قط حيفه عليهم وإساءته إليهم، وربما وكلوك إلى الله تعالى ورموك بسهام الليل يعني الدعاء! فقال له الصيمري: سهام الليل في لحيتك يا شيخ! فاستحيا الرجل وانصرف.

стр. 75

٢٩٠ - وحدث ابن خربان الأهوازي قال: كان في أبواب المال بالأهواز جهبذ يعرف بابن واصل، تمت عليه حيلة في تزوير، وبقي عليه منه باقٍ، وطولب به فأدى بعضه وفلج في باقيه؛ وكان أبو عبيد الله الشيرازي صاحب ديوان الأهواز لمعز الدولة أبي الحسن بن بويه، وله عادة في سجع الكلام دائمة كثيرة جارية في ديوان العيوب والحماقة، لا ديوان الفضل والكتابة، وله فيها أخبار وحكايات غريبة عجيبة، فسئل في أمر ابن واصل وإنظاره فأجاب، ثم صار يقول إذا دعاه: "هاتوا ابن وصل وطالبوه بما عليه من الحاصل! "فيحضر ذلك المسكين ويحبس، ويطالب للسجع المشؤوم، ثم يؤخذ منه شيء قريب، ويسأل فيه فيفرج عنه، ثم يعيد السجع فيعود القبض والحبس! وقال يوماً: يا سيدنا أنا أعرف بابن بهية اسم والدته وأسألك أن تعفيني من الدعاء باسم أبي وتنقل ذكري إلى اسم أمي! فقال: حباً وكرامة، وصار يقول: يحضر ابن بهية ويطال بالبقية! فعاد الرجل فيما كان فيه من جهة الأب، وجرت عليه المطالبة بذلك السجع مرات وكرات! فقال: يا سيدنا أنا أنتقي من والدي وأسألك ألا أدعى باسم واحد معهما!! فضحك منه وأمسك عنه. ٢٩١ - وكان لبنجاسب أحد قواد الديلم الأكابر كاتب بعرف بأبي الرعاقل الطحري، فاستدعاه أبو عبيد الله يوماً وطالبه بفاضل القطاع بنجاسب وقال له: "على صاحبك من فضل الاقطاع ما قد كشف في طلب كسره القناع" فقال له: لا تقل مثل هذا فإن صاحبي معرف، وهو ابن عم الأمير، ولا يلبس بحمد الله مقنعة قط، ولا هو مخنث! فقال له: يا جاهل ومن قال إنه يلبس المقنعة؟ فقال: أنت الساعة، وستعلم من هو الجاهل! وقام مبادراً وجاء إلى صاحبه فقال له: يا قائد اقتلني بين يديك ولا أسمع فيك الكلام الرديء القبيحّ! فسأله عن ذلك، فقال: أ، ت بنجاسب بن يعقوب لنا مالح خالص فرابة الأمير يقول أبو عبيد الله فيك في الديوان والناس حضور يسمعون إنك مخنث تلبس المقنعة وقد كشفها عن رأسك بسبب فاضل إقطاع لا يجب علينا! فثار بنجاسب كالمجنون، وكان قد شرب أقداحاً، وأخذ في يده خشتاً، وركب دابة النوبة، وأسرع يطلب أبا عبيد الله لفتك به، ورآه قوم من القواد وعرفوا خبره، فأمسكوه وهو يجاذيهم وقالوا له: هذا لا يحسن بك، ويجب أن تمضي إلى الأمير وتعرفه ما جرى، فإن هو أجابنا إلى ما نريده في هذا الرجل، وإلا كان هذا بيدك لم يفتك منه شيء، وعدلوا به إلى دار الأمير معز الدولة، وصارت فتنة عظيمة، وبين لبنجاسب معنى الكلام بالفارسية، فلم يقبل، ولم يصغ إلى قول أحد إلى قول كاتبه، إلى أ، حضر أبو بكر السيرجاني كاتب الإنشاء، وكان موقراً عندهم، وحدث بالحديث فقال: أن أحل هذه العقدة! ودخل الدهليز فرأى بنجاسب على ما هو عليه من الامتعاض والغيظ، فسأله عن حاله فأعاد عليه ما قاله أبو عبيد الله لكاتبه، وقال: جعلني مخنثاً ألبس المقنعة! ولئن لم ينصفني الأمير منه لأقتله وأعود إلى ديلمان! فقال أبو بكر: أما كاتبك فأحسن الله تعالى جزاءه كيف حمي لصاحبه وامتعض له، إلا أنه ذهب عليه المعنى لأنه كاتب حاسي، ولا يعرف كلام العرب، والقناع في لغتهم السيف، وأبو عبيد الله يتكلم دائماً بما لا يفهمه غيره! ولم يزل يداريه ويحمد الكاتب على فعله حتى قبل منه وقال له: قد صدقت، وكأني ما عرفت هذا، ولا تلزمه معرفته، وكذا يكون الكاتب الناصح، إذا سمع كلمة في صاحبه قلق لها ولا يحتملها! وانصرف بنجاسب إلى داره، فخلع على كاتبه وأعطاه دابة يركبها، وكان من قبل راجلاً! ٢٩٢ - حدثنا أبو الفتوح منصور بن محمد المقدر الأصفهاني قال: كان بالري شاهد يعرف بأبي محمد الصفار، فشكاه قوم إلى الصاحب أبي القاسم شكوى أكثروا فيها ورفعوا إليه القصص بها، فوقع على أحدها: "إن كان ذاك دأب أبي محمد الصفار فالري ليست به بدار" وبلغ أبا محمد خبر التوقيع فأقل الفكر فيه والانزعاج له وقال: وقال ما أردابي الصاحب بما وقع به ولا اعتقد لي سوءاً فيه، وإنما طلب السجع فكتب بما كتب! وكان الأمر على ذلك. ٢٩٣ - وحدثنا أبو الفتوح بن المقدر قال: أشيع بالبصرة عند ورود فخر الدولة والصاحب إلى الأهواز بأن الصاحب يرى رأى المعتزلة ويكفر الطوائف المخالفة، إيحاشاً منه وتنفيراً لهم عنه، وبلغه ذاك فقال: بثُّوا أحاديثَ غيرَ متَّفقهْ ... وفَسَّقُونا وكلُّهُمْ فَسقَهْ
следующие страницы →