Полный текст (99 стр.). Показаны 71–99 · переход к 76.
стр. 71
٢٨٠ - كتب أسد ين جهور، وكان ممن تصرف في الأعمال الجليلة وله النعمة العظيمة، إلى بعض العمال أن احمل لنا مائتي جوانبيرة، فقال العامل: ما يصنع بهؤلاء العجائر! ثم حصل منهن ما أمكن، وأنفذهن طوعاً أو كرهاً، فما وصلن إلى بابه وقرأ كتاب العامل بإنفاذهن، قال: ادفعوهن إلى الطباخ وتقدموا إليه بأن يذبح لنا في كل يوم ما نحتاج إليه، فقيل له: انهن نساء! فقال: إنا لله، إنما أردت الجوامركات فغلطت، وتقدم بأن يدفع إليهن دراهم ويصرفن، وأن يكتب إلى العامل بحمل جوامركات من الدجاج.
٢٨١ - وحدث عبد الله بن محمد الروزي عن إسحق بن صالح قال: قيل للمأمون: إن بني علي بن صالح صاحب المصلى فجار سفهاء، قد نقش كل واحد على خاتمه ما يدل على مجونه وفجوره، فقال المأمون لعلي بن صالح: أحضرني أولادك لأقدمهم وأرتبهم، فقال: السمع والطاعة، وعرف أولاده ما رسمه المأمون في أمرهم، فأخذوا أهبتهم ودخلوا معه على المأمون فسلموا ووقفوا، فأمر بأخذ خواتيهم، وقرأ ما عليها فكان على واحد منها: "اس مكنسه استه" وعلى الآخر: "أبي يغلب النوكى بسيفه" بسيفه ورماحه" وعلى الآخر:
تعس الأير وانتكسْ ... دخل الكسَّ فاحتبس
وعلى الآخر: "النيك من قدام يضعف الركبتين، فلا تستعمله في الصيف"
стр. 72
فقال المأمون: يا سفهاء قبحكم الله، تركتم الأدب واطرحتموه، وآثرتم المجون والسفه واتبعتموه! هذا وأبوكم أحد العلماء والفقهاء الذين يرتضى برأيهم ويستضاء بهديهم! ثم أقبل عليه فقال له: مال الذنب إلا لك، لأنك أهملتهم حتى تتايعوا في غيهم وتركوا ما كان أولى بهم وبك! قال: ما لي عليهم قدرة ولا طاعة، ولا سيما هذا الكبير فإنه أفسدهم وأهتكهم، ويزين لهم سوء أعمالهم! فأطرق الكبير وأمسك، فقال له المأمون: تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين أتكلم بلساني كله أم كما يتكلم العبد الذليل بين يد مولاه، تاركاً لحجته، وهائباً لسيده؟ قال: تكلم بما عندك! قال يا أمير المؤمنين، هل أحمدت رأي أبينا إذ أحمدت فهمه وعلمه؟ قال: نعم، قال: أعتق ما أملك وأطلق ما أطأطلاق الحرج، وعلي ثلاثون حجة تبلغ بي الكعبة إن لم يكن أبي علي بن صالح طلب سكر طبرزد فلم يجد في خزانته منه شيء، ولم يكن الوقت وقتاً يوجد فيه بائع ولا سكر، فقال له خازنه: ما عندنا سكر؛ فقال: الحمد لله رب العالمين، ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت مصيبة، إلا أن هذا يقال عند المصائب في الأنفس، لكني احمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، بما حمده الشاكرون، وأنا أرجو أن نكون منهم ومعهم إن شاء اللهٍ .. ثم أقبل على الخازن فقال: ادع لي الوكيل، فدعاه، فقال: ما منعك إذ فني السكر أن تبتاع لنا سكراً؟ قال: ما أعلمني الخازن، فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: قد كنت على ذلك .. قال: ما ها هنا ما هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي ثم لا أضع الأخرى على الأرض ولا أراوح بينهما حتى تحضر اني ألف من سكراً من الجنس الذي طلبته، ليس بوسخ ولا مضرس ولا لين المكسر ولا محدث العمل ولا معوج القالب؛ ثم وثب وقال: "يُوفون بالنَّذْر ويَخافونَ يوماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً" والله ثم والله لا أزال قائماً حتى أوفي ينذري! قال: فتبادر غلمانه ومواليه وبعض ولده وعجائزه نحو السوق، فواحد ينبه حارساً، وآخر يفتح درباً، وآخر يحمل شريجة، وآخر يوقظ نائماً، وآخر يرمي كلباً، والغلمان والخزَّان والجواري والحراس والسُّوقة في مثل يوم القيامة! ثم قال: يا قوم أمالي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق المخبآت؟ أين اللواتي كنت أغذوهن لي الطعام واللبوس ويرعين فيما أرعين من خفض العيش وغضارة الدهر؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفسية وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد، ونغدو أو نروح؟ فتبادر إليه بناته وأمهات أولاده، فقامت كل واحدة منهن على ساق، فقال: أحسنتم والله، أحسن الله جزاءكن عن بركن، لمثل هذا كنت أعدكن وأحسبكن الحسنى! ولاحظ الكبرى من بناته وآخر من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال له: تراوحان ولا أراوح! صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم قال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم". حذاري منكماّ ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته سكرطبرزد، وجائزته من أمير المؤمنين ثلاثمائة ألف إذا كان السعر بين الغالي والرخيص، وضيعته بالزَّاب تغلُّ مائة ألف، وضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيريه من أجل ضيعة ملكها أحدٌ، وضيعته بطسوج الدسكرة لولا أن سعيداً السفدي أدال الله منه قطع شربها وغور مجاري مائها حتى عطلت أنهارها وبطلت عمارتها، إضراراً بنا وتعدياً علينا، ما كان لأحد مثلها، وعلى أن أكرتها ومزارعيها من ألعن خلق الله، لو تمكنوا من أن يقتطعوا الحاصل ما أعطونا شيئاً، ومن أخبرك أن الضيعة لرب الضيعة فقل كذبن لا أم لك، الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث للسلطان، وثلث للوكيل، وثلث للأكار، وإنما يبقى لرب الضيعة صبابة كصبابة الإناء، ومجة كمجة العرقوب، يجيء وقت الدياس، فيمر بهم الأمير، فهذا يخبز له، وهذا يذبح له، وهذا يستقيهم النبيذ، وما نبيذهم العكر الأسود إلا وضر الدبس وماء الكشوث، قبح الله ذاك شراباً ما أثقله في الجوف وأضره بالأعلاق النفيسة! ثم يأتي وقت الكيل فمن بين رقام رقم الله جلبابه، وأعدَّ له من الهوان ما هو أهله ومن بين كيال كال الله له الويل بقوله: "وّيْلٌ للمُطَفِّفين" ما يبالي أدهم بما يقدم عليه، ولقد سمعت أمير المؤمنين أعزه الله يسأل قضاته بالحضرة، هل عدلتم كياً قط؟ فكلهم قال: لا! قال: فإن أطعموا الجداء الرضع ونقى دستميسان ووهبت
стр. 73
لهم الدراهم، فويل يومئذ لفئة السلطان ماذا يحمل عليها من القشب والقصر والمدر ويخلط فيها من التبن! ثم قال: يا قوم لم أسهبت في ذكر هؤلاء وما الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى تكلمت فيه؟ أما كان يكفيني أني قائم على رجلي بأحد جناحي؟ فقالوا: هذا للسكر الذي خلت خزانتك منه! قال: أجل والله، إذا كان وكيلي مشغولاً بزوجته وبناته ومصالح أمره فمتى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي! والله لقد حدثت أن حلي بناته بألوف دنانير، وقال لزوجته: اخرجي إلى الأعياد، وادخلي الأعراس واسألي عن رجال المذكورين، واطلبي المواضع المعروفة والأنساب المرضية والأخلاق الكريمة لبناتك، وأخرجيهن في الجمعيات يتصفحن محاسن العزاب، ويخترن أولي الأنساب! أو لم يزو عن الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله فيهن السعي، فنبع قوم من هذه البدعة: خارجية خرجت ومارقة مرقت،، ورافضة رفضت الدين وأهل الدين، فتركوا فرض الله، "قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله! " وقد روينا عن النبي ﷺ من غير وجه ولا اثنين أنه خطب الناس فقال في خطبته: "إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها وجحوداً لها فلا جمع الله له شملاً، ولا بارك الله له في أهله، أل اولا حج له ولا جهاد حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه"! ثم قال: يا قوم ما الذي حركنا على هذه الفضيلة في جوف الليل؟ فقالوا: السكر! قال: أجل والله فما أحضرتموني ألف من سكراً إلى هذه الغاية! أيا صبح أيا فتح أيا نصر أيا نجح! تبادروا مولاكم ويلكم فإنه قد تصب ولغب من طول القيام! والله إني لأحسب أن الثريا مقابلة سمت رأسي! ذهب والله الليل وجاء الويل! ويلكم أدركوني فإني أُريغ نومة ولا بد من البكور نحو الدار! فبادر بقية الخدم يستحثون الأول، وأخذوا السكر فجاءوا به من غير وزن ثمنه ولا تقرر سعره، طلباً للسرعة والعجلة، فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرت به، قال: فهل أخذتموه من الجنس الذي طلبت؟ قالوا: نعم، قال: فهل وزنتموه واستوجبتموه؟ قالوا: لا! قال: يا أعداء الله أردتم أن توقعوا أذيتي، والله لا يطمع مني في هضمه، ولا أزال على حالي حتى تأخذوه بيعاً صحيحاً لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنوية! هيهات يا أبي الله ذلك وعلي بن صالح! فرجعوا وقطعوا ثمنه مع التجار، ووزنوا لهم ثمنه، وعادوا إليه فأخبروه بذلك، فقال: يوزن بحضرتي! فجاءوا بالقبان، فقال: من يزن منكم؟ فقالوا: من أمرته، فقال: زن يا صبح، فقد دنا الصبح، وأرجح، فإن النبي ﷺ اشترى ثوباً فقال للوزان: زن وأرجح، فو الله لو لم يكن في الرجحان إلا تحلة القسم وإن كانٍ في ذلك لما يدعو العلماء بالله الفقهاء في دين الله إلى العمل به لتوالي العمل به! فجعل الغلام يزن ويرجح، وهو يقول له: ويلك عجل، فذاك أهلك، فقد دنا الصبح! أوه جاءت والله نفسي أو كادت! قال: فلما استوفى الوزن خرَّ مغشياً عليه ما يدري أرضاً توسد أم وساداً، وكذلك كانت حال من كان معه في مثل حاله، فما انتبه واحد منهم لفريضةٍ ولا نافلةٍ إلا بحر الشمس .. فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وعقله وفهمه ورأيه وفقهه! فقال له المأمون: قاتلك الله، فما أعجب أمرك على كل حال، والله لئن كنت ولدت هذا على أبيك في مقامك هذا فمالك في الأرض نظير ولا في السماء شيبه! وإن كنت حكيت عنه حقاً وعياناً ووعيت لقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وأحكمت الحفظ والدراية وما في الدنيا لأبيك في ذلك شبيه، وإنك لتعمي مساوئك بمحاسنك، فلا تذكرن شيئاً من هذا بعد هذا المجلس، فإن عيبه فينا أقدح منه في أبيك! قال: فذهب علي بن صالح ليتكلم، فقال له المأمون: إياك أن تنبس بحرف! ثم أمرهم بالانصراف.
٢٨٢ - كان ليعقوب بن داود ابن متخلف، فوهب له المهدي جارية، فلما دخل إليه قال له: كيف أمرك مع تلك الجارية؟ قال له: ما وضعت يا أمير المؤمنين بيني وبين الأرض مطية أوطأ منها، حاشا السامع! فقال المهدي لأبيه: من تراه عني؟ مني أو منك؟ فقال له: الأحمق يا أمير المؤمنين تحفظ من كل شيء إلا من نفسه!
стр. 74
٢٨٣ - وكان ليقطين بن موسى كاتب يكنى بأبي خالد ويسمى بزدانفاذار فذكر الجاحظ في (كتاب البيان والتبيين) أن لكنة بزدانفاذار كانت لكنة نبطية، وأنه أملى يوماً على كاتب به: "والحاصل ألف كر "فلما قرأه أنكر ذلك، وقال له: أنت لا تهسن تكتب وأنا لا أهسن أملي! كتب الآن: الجاصل بجيم معجمة، فكتب.
٢٨٤ - وقلد المتوكل ابن الكلبي الخبر والبريد، وأحلفه على مطالعته بكل ما يبلغه ويعرفه، فكتب إليه يوماً: "ومما أنهيه إلى حضرة أمير المؤمنين أن زوجتي خرجت مع حبة لها إلى بستان، فعربدت عليها حبتها وجرحتها في صدغها" فقال إبراهيم بن العباس لما قرأ ذلك على المتوكل: هذا تصحيف، وأظنه بالعين وفتح الصاد! فضحك المتوكل وقال: ما هو إلا كما قال إبراهيم.
٢٨٥ - وحدث أبو العباس ابن عمار قال سقط سنور على قفا داود ابن الجراح فقال: رياش وخير! وحضر داود مجلساً فيه جماعة من الفقهاء، فلم يزل الكلام يجري بينهم إلى أن خاضوا في باب التزويج، فقام من المجلس وقال: نحن لا ندخل في باب الفروج!
٢٨٦ - وحكى ثابت بن إبراهيم عن الصابىء قال: لما ورد معز الدولة أبو الحسين بن بويه إلى بغداد، ومعه أبو جعفر محمد بن يعلى الصيمري فصدته مع جماعة من الناس، فدخلنا داراً قوراء، في جانب صحنها حصيران في صدرهما حصير مبطن عليه ثلاث مخاد، وجلسنا ننتظر إذنه، فما راعنا إلا رفع الستر وخروجه من حجرة كان فيها، وعليه منديل لطيف، وقميص نوري قد رفع ذيله على كتفه، وسراويل مسح بتكة ظاهرة، وقيل: الأستاذ الأستاذ! وبذاك كان يدعى، فنهضنا وبادرنا إلى السلام عليه وتقبيل يده، فجلس بين المخاد، فأمر ونهى غير متحاش، وانصرفنا متعجبين من أن شاهدنا ما شاهدنا من وقار علي بن عيسى بن الجراح وتزمته وأنه ما رئي في خلوته فضلاً عن جمعه إلا متعمماً متحنكاً عليه القميصان والمبطنة بينهما والدراعة من فوقهما، وفي رجله الخفان، ورأينا ما رأيناه الآن من الصيمري!
٢٨٧ - قال محمد بن هلال: وأذكر في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وقد دخلت وقاضي القضاء أبو عبد الله الدامغاني إلى العميد أبي نصر أحمد المستوفى، وهو الناظر ببغداد من قبل الملك طغرل بك، وقد سار الملك إلى الموصل وراء الفساسيري والعرب، وعليه قميص رومي خفيف فقط، فدخل إليه الأشقر الطبيب وسأله عن حاله وكيف كان مما يشكوه، فلم يشعر به إلا وقد تمدد على وجهه، وكشف القميص عن جسمه وهو مملوء دماميل وأراه إياها، وما زال يتقلب بين أيدينا على تلك الصفة ليشاهد الأشقر ما في جسمه من ذاك، ثم رجع وقعد؛ فقمت ولم أراجع إليه من بعد .. وحدثت عميد الملك أبا نصر بن محمد الكندري وزير طغرل بك بذاك، فضحك منه، وقال: هؤلاء قول سفل من أوغاد الناس وأصاغرهم، تقدموا معنا، وبلغوا إلى الغاية من جليل خدمتنا، لأن رؤساء البلاد والأكابر لم يرضوا هذه الدولة في اول خروجها واشمأزوا منها، ورفعوا نفوسهم عنها، فهلكوا واندحضوا وبادوا وذهبوا، وتبعها الأوباش والأصاغر والأدوان والأراذل، فارتفعوا وعلوا! ثم قال: وتأمل الملك والشرائع ثم الدول من بعدها تجد أوائلها وأحوالها على هذا!
٢٨٨ - وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: حدثني ثابت بن إبراهيم عمنا قال: كنت يوماً عند أبي جعفر الصميري وقد جاءه رسول الأمير معز الدولة يطلب منه فقيراً، فقال: نعم سنطلبه ونحصله، فمضى وعاد وقال: يراد الساعة! فقال: مالي فقراء، أخرأ فقراءّ فوجمنا مما سمعناه.
٢٨٩ - وحكى التنوخي قال: كان بالبصرة إنسان يعرف بأبي محمد التومني، كثير الأدب والمعرفة، حسن النشوار والمحاضرة، وعادته جارية بالتصدي لخطاب العمال عن أهل البصرة والقيام بحججهم في كل معضلة، فلما ورد الصيمري البصرة طالب الناس مطالبة اعترضه التومني فيها على عادته وقال له في عرض قوله: بلدنا أيها الأستاذ كثير الصلحاء ضعيف الأهل، وما أحمد أحد قط حيفه عليهم وإساءته إليهم، وربما وكلوك إلى الله تعالى ورموك بسهام الليل يعني الدعاء! فقال له الصيمري: سهام الليل في لحيتك يا شيخ! فاستحيا الرجل وانصرف.
стр. 75
٢٩٠ - وحدث ابن خربان الأهوازي قال: كان في أبواب المال بالأهواز جهبذ يعرف بابن واصل، تمت عليه حيلة في تزوير، وبقي عليه منه باقٍ، وطولب به فأدى بعضه وفلج في باقيه؛ وكان أبو عبيد الله الشيرازي صاحب ديوان الأهواز لمعز الدولة أبي الحسن بن بويه، وله عادة في سجع الكلام دائمة كثيرة جارية في ديوان العيوب والحماقة، لا ديوان الفضل والكتابة، وله فيها أخبار وحكايات غريبة عجيبة، فسئل في أمر ابن واصل وإنظاره فأجاب، ثم صار يقول إذا دعاه: "هاتوا ابن وصل وطالبوه بما عليه من الحاصل! "فيحضر ذلك المسكين ويحبس، ويطالب للسجع المشؤوم، ثم يؤخذ منه شيء قريب، ويسأل فيه فيفرج عنه، ثم يعيد السجع فيعود القبض والحبس! وقال يوماً: يا سيدنا أنا أعرف بابن بهية اسم والدته وأسألك أن تعفيني من الدعاء باسم أبي وتنقل ذكري إلى اسم أمي! فقال: حباً وكرامة، وصار يقول: يحضر ابن بهية ويطال بالبقية! فعاد الرجل فيما كان فيه من جهة الأب، وجرت عليه المطالبة بذلك السجع مرات وكرات! فقال: يا سيدنا أنا أنتقي من والدي وأسألك ألا أدعى باسم واحد معهما!! فضحك منه وأمسك عنه.
٢٩١ - وكان لبنجاسب أحد قواد الديلم الأكابر كاتب بعرف بأبي الرعاقل الطحري، فاستدعاه أبو عبيد الله يوماً وطالبه بفاضل القطاع بنجاسب وقال له: "على صاحبك من فضل الاقطاع ما قد كشف في طلب كسره القناع" فقال له: لا تقل مثل هذا فإن صاحبي معرف، وهو ابن عم الأمير، ولا يلبس بحمد الله مقنعة قط، ولا هو مخنث! فقال له: يا جاهل ومن قال إنه يلبس المقنعة؟ فقال: أنت الساعة، وستعلم من هو الجاهل! وقام مبادراً وجاء إلى صاحبه فقال له: يا قائد اقتلني بين يديك ولا أسمع فيك الكلام الرديء القبيحّ! فسأله عن ذلك، فقال: أ، ت بنجاسب بن يعقوب لنا مالح خالص فرابة الأمير يقول أبو عبيد الله فيك في الديوان والناس حضور يسمعون إنك مخنث تلبس المقنعة وقد كشفها عن رأسك بسبب فاضل إقطاع لا يجب علينا! فثار بنجاسب كالمجنون، وكان قد شرب أقداحاً، وأخذ في يده خشتاً، وركب دابة النوبة، وأسرع يطلب أبا عبيد الله لفتك به، ورآه قوم من القواد وعرفوا خبره، فأمسكوه وهو يجاذيهم وقالوا له: هذا لا يحسن بك، ويجب أن تمضي إلى الأمير وتعرفه ما جرى، فإن هو أجابنا إلى ما نريده في هذا الرجل، وإلا كان هذا بيدك لم يفتك منه شيء، وعدلوا به إلى دار الأمير معز الدولة، وصارت فتنة عظيمة، وبين لبنجاسب معنى الكلام بالفارسية، فلم يقبل، ولم يصغ إلى قول أحد إلى قول كاتبه، إلى أ، حضر أبو بكر السيرجاني كاتب الإنشاء، وكان موقراً عندهم، وحدث بالحديث فقال: أن أحل هذه العقدة! ودخل الدهليز فرأى بنجاسب على ما هو عليه من الامتعاض والغيظ، فسأله عن حاله فأعاد عليه ما قاله أبو عبيد الله لكاتبه، وقال: جعلني مخنثاً ألبس المقنعة! ولئن لم ينصفني الأمير منه لأقتله وأعود إلى ديلمان! فقال أبو بكر: أما كاتبك فأحسن الله تعالى جزاءه كيف حمي لصاحبه وامتعض له، إلا أنه ذهب عليه المعنى لأنه كاتب حاسي، ولا يعرف كلام العرب، والقناع في لغتهم السيف، وأبو عبيد الله يتكلم دائماً بما لا يفهمه غيره! ولم يزل يداريه ويحمد الكاتب على فعله حتى قبل منه وقال له: قد صدقت، وكأني ما عرفت هذا، ولا تلزمه معرفته، وكذا يكون الكاتب الناصح، إذا سمع كلمة في صاحبه قلق لها ولا يحتملها! وانصرف بنجاسب إلى داره، فخلع على كاتبه وأعطاه دابة يركبها، وكان من قبل راجلاً!
٢٩٢ - حدثنا أبو الفتوح منصور بن محمد المقدر الأصفهاني قال: كان بالري شاهد يعرف بأبي محمد الصفار، فشكاه قوم إلى الصاحب أبي القاسم شكوى أكثروا فيها ورفعوا إليه القصص بها، فوقع على أحدها: "إن كان ذاك دأب أبي محمد الصفار فالري ليست به بدار" وبلغ أبا محمد خبر التوقيع فأقل الفكر فيه والانزعاج له وقال: وقال ما أردابي الصاحب بما وقع به ولا اعتقد لي سوءاً فيه، وإنما طلب السجع فكتب بما كتب! وكان الأمر على ذلك.
٢٩٣ - وحدثنا أبو الفتوح بن المقدر قال: أشيع بالبصرة عند ورود فخر الدولة والصاحب إلى الأهواز بأن الصاحب يرى رأى المعتزلة ويكفر الطوائف المخالفة، إيحاشاً منه وتنفيراً لهم عنه، وبلغه ذاك فقال:
بثُّوا أحاديثَ غيرَ متَّفقهْ ... وفَسَّقُونا وكلُّهُمْ فَسقَهْ
стр. 76
حدِّثْ بمعروفِنا ومُنكرِهم ... ورأينا في مبَرَّةِ العققَهْ
إذا ملكْنا غداً بواصيهم ... فليثقُوا بالرَّجاءِ كل ثقهْ
إنْ لم نصدِّقْ على مُسيئهمُ ... بالعفوِ منا فملكُنا صدقَهْ
وأنفذ الأبيات مع من طرحها في المسجد الجامع بالبصرة، فتدوولت وأجاب عنها سفهاء الشعراء هنالك.
٢٩٤ - ووقع يوماً أبو الحسين محمد بن أحمد الرازي المعروف بكوردوير وتفسيره الكاتب الأعور في وزارته لمعز الدولة أبي الحسين بن بويه أول أمره: "احمل أيدك الله يا وكيل الأنقاض في الوقت والساعة خمسين طافالا للذنب إن شاء الله" أراد خمسين جذعاً للجسر، فكتب نصف التوقيع بالعربية ونصفه بالعجمية.
ووقع أيضاً مثل ذلك: "افعل ما رسمته لك وباشت بين إن شاء الله، وقد أعذر من أنذر، السلام" باشت بين: أبصر بين يديك! ووقع أيضاً: "اعمل الذي أمرتك به بجهد وتوان وعزل التقصير إن شاء الله، وتوان قدرتك! "
٢٩٥ - وحدث أبو الفضل بن المرزبان الشيرازي عن أخيه أبي منصور أنه قرأ رقعة كتبها كوردوير إلى أبي على الطبري، وكان بعسكر مكرم: "واستدعى معز الدولة حضور أبي علي لمهم يخاطبه عليه مولاي الأستاذ أدام الله عزه يعرف الأمر كيف هو والذي ذكره مولانا الأمير أطال الله بقاءه أنه لا يحتمل المكاتبة ولا يجوز تأخيره ويحتاج إلى السرعة، والصواب أن يترك مولاى الأستاذ الدواب على الشط ويبادر هو ويمشي على الزبزب في السرعة الخفيف ولا يفكر في الدواب، فقد أقمت له ما يحتج إليه منهم في حان الطواف، إن شاء الله تعالى".
٢٩٦ - ووقع أبو القاسم العلاء بن الحسن أحد وزراء صمصام الدولة بن عضد الدولة في رقعة عرضها عليه ابن ثعلبة أحد كتاب الديلم بالأهواز، وكان يكثر عليه في طلب المحال وما لا يجوز ولا يسوغ: "قاق قاق قاق! " ولأبي الفضل بن حيدرة فيه:
إذا ما العَلاءُ علا دستَهُ ... يُوقَّعُ في القصصِ الوارِدَهْ
فقُلْ للزَّمانِ بلا حشمةٍ ... خريتَ على الناسِ بالواحدهْ!
٢٩٧ - وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي ﵀ قال: كان أبو الطيب بن لافرخان ابن شيران أحد وزراء صمصام الدولة أبي كاليجار المرزبان ابن عضد الدولة أبي شجاع بن بويه يكشف رأسه، ويضع عمامته على مخاد دسته، ويحمى في المناظرة والمخاطبة، ويزحف إلى أن يخرج من الدست، ويطاف به فيحال بينه وبين دسته وعمامته، فسرقت يوماً، فسأل عنها فلم توجد، وجيء له يغيرها.
٢٩٨ - وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي ﵁ قال: حدثني أبو طالب العلاء بن محمد سبط أبي الحسن علي بن محمد المعروف بالأشقر قال: كان أبو علي الحسن بن بندار من أهل كازرون وزربشيراز، فوقع يوماً: "بس الله الرحمن: الصبر في نفس السلطان الأعظم أطال الله بقاءه كالماء في القدح العدل كلما زاد على الحد ذهب منه الكل"فلما وصل ذلك إلى عبد الواحد بن مسعود أحد الرعاة المنغلبين بأطراف فيروزاباد، وكان إليه، قال: لو فهمت ما كتبته لأجبت عنه! قال: وقال يوماً لأبي القاسم البلخي: أيها الأستاذ ماء القسمة أصلح للشجر أم ماء الوكيلّ فقلت الماء أيها الوزير واحد وإنما قسم قسمين فقسم لوكيل السلطان وقسم للتناء سمي القسمة، وسمي ذاك ماء الوكيل!
٢٩٩ - وحدثني والدي ﵁ قال: حدثني أبو عبد الله بن المرزبان ابن أخي أبي منصور الشيرازي قال: لعب أبو غسان عبد الله بن أحمد الشيرازي مع أبي سعيد بن ميدان الشيرازي أحد عمال عضد الدولة أبي شجاع بن بويه، ومتقدمهم بالشطرنج، فقال أبو غسان وقد اتجهت له ضربة: شاهك وسر كلاهك وأطيل حزنك فأهلك فرمى بالشطرنج ونهض وقال: هذا لمن يقول وقد بلغنا إلى النساء فضحك أبو غسان منه وضحكنا وشتمنا وانصرف.
стр. 77
٣٠٠ - وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو القاسم أبي قال حدثني أبي عن الحسين بن السميدع الأنطاكي قال كان عندنا بأنطاكية عامل من قبل أمير حلب، وكان له كاتب أحمق، فغرق في البحر شلنديان من مراكب المسلمين التي يقصدون فيها الروم، فكتب الكاتب عن صاحبه إلى الأمير بحلب: "بسم الله الرحمن الرحيم: أعلم الأمير أعزه الله أن شلنديين، أعني مركبين صفقا أي غرقا من خب البحر، أي من شدة موجه، فهلك من فيهما، أي تلفوا" فأجابه صاحب حلب: "ورد كتابك، أي وصل، وفهمناه أي قرأناه، فأدب كاتبك أي اصفعه، واستبدل به أي اصرفه، فإنه مائق أي أحمق، والسلام أي قد انقضى الكتاب".
٣٠١ - كان أبو سعيد بن ميدان ينشد دائماً:
متى كنَّ لي إنَّ السّوادَ خضابُ ... فيخفى بتبييضِ القرونِ شبابُ
وقيل له: إنه منى، فلم يقبل.
٣٠٢ - وكان أبو طاهر الطرسوسي قد خدم العمدة أبا محمد بن مكرم على المطبخ، فقال له العمدة يوماً: هذا الخبز الذي يقدم على الطبق رديء فأحضر الخباز واصفعه على حمل مثله إليك، فقال: السمع والطاعة، وكان الخباز والد أبي طاهر، وهو له عاق وبه مشاق، فأحضره وتقدم به فصفع عشرين صفعة.
٣٠٣ - ومن حكايات هذا الخباز مع ابنه: أن ابنه انتهى إلى أن رد إليه في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة عرض العسكر، وخلع عليه، فكان يجتاز في كل يوم بين السورين إلى دار الوزارة راكباً، وبين يديه الغلمان، فيقوم أبوه وهو خباز في دكان هناك. ويدعو له ويقول: زينك الله في عين السلطان، تلهياً به وإذكاراً له بنفسه.
٣٠٤ - وقع بين القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وبين أبي طاهر الطرطوسي كلام ومشاجرة، فقال له القاضي في دار الوزارة: يقي الله السفل آباءهم.
٣٠٥ - وسمعته ينشد دائماً:
وأنتَ تهذي بجملٍ مذنُ أزمانِ
فقلت له: يا هذا: منذ أزمان فقال: ما حفظته إلا كما أنشدته ولا أرجع عنه! فكنا نضحك منه ونتعجب منه! وكان معطلاً ذهرياً لا يصلي ولا يصوم، فقلت له يوماً: يا هذا أما تصلي تجملاً ورياءً إن لم يكن نية واعتقاداً! ما نصبر على مشاهدة هذا منك ولا نرضى به! فقال: نعم وصلى قاعداً متوجهاً إلى غير القبلة فقلت له: يا هذا ما توضأت قال: أن على وضوء، قلت: فما الصلاة إلى هذا الصوب فقال: قال الله تعالى (فأينما تولّوا فثَمَّ وَجهُ الله) فقلت له: إن لم تصل فأنت عارف بتأويل القرآن وقمت إليه فوجهته إلى القبلة مكرهاً.
ودخلت إليه وهو يجود نفسه فقلت له: تب يا هذا ما كنت تعتقد! فقال: اسكت عني ودعني. وأدار وجهه إلى الحائط، فنهضت عنه، لعنه الله.
٣٠٦ - وحدثني أبي قال: كان من كتاب الإنشاء في أيام عضد الدولة وبعدها في أيام صمصام الدولة ابنه كاتب يعرف بأبي الحسين القمي، قال: فشاهدته في ديوان الإنشاء يكتب بين يدي جدي أبي إسحق أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في الديوان، وجلس يتحدث مع جدي تارة، ومعي إذا اشتغل جدي أخرى، وكانت له عادة في حديثه بأن يلوز شفتيه ويشير بيده، فبقي أبو الحسين القمي شاخصاً ببصره، ويتعجب منه، فقال له أبو الفتح: ما بك يا أبا الحسين تحدق إلي النظر وتكثر مني العجب؟ فقال: ما هو؟ قال: شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث غليه ويقول ببوزه كذا وبيده كذا، بقرد رأيته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة على شاطئ دجلة، فعل مثلما فعل مولاي الشيخ فامتعض أبو الفتح وقال له: ما هذا القول يا أبا الحسين أعزك الله، ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي أو أمجن فتمجن بي، فلما رآه أبو الحسين قد حرد واشتط وغضب قال له: المعذرة إلى الله تعالى وإلى مولاي الشيخ، وقد صانه الله تعالى عن أن أشبهه بالقرد، وإنما شبهت القرد به، فضحك أبو الفتح وقال: ما أحسن ما اعتذرت، وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع وكان يتحدث هو بها دائماً.
٣٠٧ - وأخبرنا قال: اجتاز أبو الفتح يوماً وأبو الحسين في الديوان وبين يديه كانون فيه نار، واليوم شديد البرد، فقال له أبو الحسين: تعال أيها الشيخ إلى النير فقال له أبو الفتح وضحك: أعوذ بالله، والنير هو صماد البقر.
стр. 78
٣٠٨ - وحدثنا قال: كان في الديوان أيضاً كاتب يعرف بأبي نصر ابن مسعود، فلقي يوماً أبا الحسن ابن البواب علي بن هلال ذا الخط المليح في بعض الممرات، فسلّم عليه وقبل يده، فقال له أبو الحسن الله الله يا سيدي ما أنا وهذا فقال له أبو نصر: لو قبلت الأرض بين يديك لكان قليلاً، قال له: ولم ذاك يا سيدي وما الذي أوجبه واقتضاه؟ قال له: لأنك قد تفردت بأشيا ما في البغداديين كلهم من تفرد بها غيرك: الخط الحسن وإنني لم أر في عمري كاتباً من طرف عمامته إلى طرف لحيته ذراعان ونصف غيرك، فضحك أبو الحسن منه وجزاه خيراً، وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة علي ولا تكرمني لأجلها، ولا تبح بها عني فقال: ولم تكتم فضائلك ومناقبك؟ فقال له: أنا أسألك هذا فبعد جهد ما أمسك.
٣٠٩ - وقال: كان أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدان الأهوازي يكتب لأرسلان الجامدار، فأراد يوماً أن يكتب إلى صاحبه كتاباً، فتقدم إلى أبي منصور علي بن إسحق كاتبه بأن يعمل نسخة له، فعملها وأنفذها إليه، فوقع على رأسها "حرحرها" أراد حررها فقال فيه أبو ذر القصري:
استأذنَ الكاتبُ في نسخةٍ ... قد عملتْ كيف يقرّرها
فوقّعَ الصاحبُ في رأسها ... استخر الله وحرحرها
وكان الهنكري المغني يغني له، ومن أصواته عليه:
تجاسرتُ وكاشفت ... كَ لما غلبَ الصّبرُ
وقد يحسنُ في مثل ... كَ أن ينكشفَ السّترُ
فأراد يوماً أن يقترحه عليه، فقال له بالله غنِّ ذاك: "يا مهتوك الستر" فقال له الهنكري: عافاك الله ما أفهم ما تقول.
وكان له صوت على جارية لابن السيلحاني، وهو:
لكِ الخيرُ هل من مصدرٍ تصدرينه ... مريحٍ كما هيّجت لي سبلَ الوردِ
فقال لها يوماً: غني لي يا ستي ذاك: "صوت هيجانك" فغضبت ونهضت، فصاح بها مولاها وردها.
٣١٠ - وقال: كان علي بن خلف النيرماني ينشد دائماً:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكنَّ أخلاقَ الرجالِ تضيقُ
فقال له أحد الكتاب يوماً: يا سيدي تعرف قول الشاعر:
لعمركَ ما ضاقت بلادٌ بأهلها
فقال: نعم قال: فما تمامه؟ قال:
ولكنَّ عظمَ السّاقِ منكِ دقيقُ
فقال له صدقت. هذه رواية يعقوب في إصلاح المنطق قال: نعم أخذنا ذلك عن الشيوخ الكبار
٣١١ - وأنشد عبد الله بن فضلويه عامل قزوين في مجلس العمل:
يومُ القيامةِ داءٌ لا دواءَ له ... إلاّ الطّلاءُ وإلاّ الطّيبُ والطّربُ
فقال له أحد من كان بين يديه: إنما هو أعزك الله: يوم الحجامة فقال له: أتيت بنادرة باردة، الحجامة والقيامة واحد!
٣١٢ - وحدث فضل الزبيدي قال: كان محمد بن نصر بن بسام الكاتب أسرى الناس منزلاً وآلة وطعاماً وعبيدا، وكان قليل الأدب، وكنت أختلف إلى ولده عبد الله بن إسحق بن إبراهيم، ليقرأوا علي الأشعار، وكان عبد الله أيضاً سرياً جاهلاً، فدخلت يوماً والستارة مضروبة وهما يشربان، وأولادهما بين أيديهما وقد تأدبوا وفهموا وظرفوا وعرفوا، فغنى قول جرير:
ألا حيِّ الديارَ بسعدَ إني ... أحبُّ لحبِّ فاطمة الديارا
فقال عبد الله بن إسحق لمحمد بن نصر: ولا جهل العرب ما كان معنى ذكر السعد ها هنا، فقال له محمد: لا تفعل يا أخي فإنه يقوي معدهم ويصلح أسنانهم? قال اليزيدي: فقال لي علي بن محمد بن بسام: يا أستاذ بالله اصفعهما وابدأ بأبي.
٣١٣ - وكان أبو العباس سهل بن بشر ممن ارتفعت في الدولة الديلمية رتبته، وعلمت درجته ومنزلته، وضمن واسط والأهواز، على حماقة متمكنة ورقاعة متبينة، وكان دأبه تغليظ الكتاب والرد عليهم وتغيير كتبهم التي ينشؤنها عنه وعكس حسباناتهم التي يرفعونها إليه ويعرضونها عليه بالمحال والفاسد المستحيل الباطل، ولقد قال يوماً لأحدهم: ويلك لم يجب أن تفصل في هذا الموضع هذا التفصيل الواسع! كان يجب أن يكون بقدر ما تسلكه نملة وقد جعلته بحيث تسلكه حية، أيش حية بل شاة، أيش شاة بل دابة، أيش دابة بل جمل، أيش جمل بل فيل، أيش فيل بل كركدن! ثم خرق الكتاب ورمى به.
стр. 79
٣١٤ - وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: رأيته عدة دفعات لا أحصيها كثرة، يجلس في مجلس العمل، فإذا كثر عليه الشغل وضاق به صدره وغلبت عليه سوداؤه تركه مفكراً، ثم أخذ الدرج الذي بين يديه وخرق منه وفلته وتخلل به وأخرج من فيه وشمه ثم رمى به حيث وقع من حجور الناس أو وجوههم أو لحاهم أو عمائمهم، فاتفق في بعض الأيام أن وقع من ذلك واحدة في لحية أحمد بن عمر الطالقاني الكاتب، فصوت من فيه كصوت البوق، فتنبه سهل بن بشر من غفلته وقال: ما هذا! وشتمه أفحش شتم، وسبه أقبح سب، فقال له: نصب سيدنا الأستاذ في لحيتي هذا المطرد فظننت أنه يريد الخروج إلى بعض الأسفار، فضربت بالبوق ليعلم ذاك فيصحبه من يريد أن يصحبه ويسير معه فضحك منه الحاضرون.
٣١٥ - وقال القاضي: كان سهل حديداً سفيها شتاماً للغلمان، ولم يكن يصبر على خدمته أحد، وشتم يوماً بعض الفراشين، فتداخلت الفراش حمية الإسلام ودخل بقربته إلى حجرة خالية بعيدة عن الدار الكبيرة التي فيها الغلمان ليرش خيشاً فيها، وقام سهل وراءه يتبعه ويشتمه، ورأى الفراش خلو الموضع من غيرهما، فصفعه بالقربة إلى قطعها على قفاه جميعاً، ووقع سهل مغشياً عليه، فداس بطنه ولكم جنوبه، فلما شفى نفسه منه تركه يتخبط وخرج فأخذ ما كان له في خزانة الفراشين وانصرف، وبعد ساعة ما ظهر على سهل وعرف ما جرى عليه، وطلب الفراش بأصحاب الشرط والمراكز والجوازات فلم يوقف له على خبر.
وشتم يوماً فراشاً آخر فرد عليه، فنهض إليه، وعدا من بين يديه فقال له بحق محمد نبيك قف لي حتى ألحقك! فقال له: بحق عيسى ربك ارجع عني واتركني! وما زالا يعدوان حوالي البستان، وعثرا الفراش فوقعت عمامته فأخذه سهل ومازال يعضها ويخرقها ويقول: اشتفيت والله ثم رجع فجلس في مكانه.
٣١٦ - قال القاضي واجتمع النصارى بجنديسابور إلى مطرانهم وشكوا ما يجري من سهل عليهم من السب والشتم والقذف والصفع، وأنهم لا يأمنون نفرة من المسلمين عليهم لأجله، وفتكة منهم بهم بسببه، فقال لهم أن أكفيكم ذاك في يوم الأحد عند حضوره في البيعة، وفعل المطران ذاك، واستقصى الخطاب له فيه، فقال له: أنت يا أبونا أحمق، إنما أخاطب الناس بما أخاطبهم به عن القائد لا عني، فإن لساني مستعار عنه، ومستأجر لهذا وغيره! فلعنه المطران، وانصرف سهل، وأراد أن يشتم رجلاً فقال له: اسمع يا هذا قد وعظني المطران، وأنا رجل مستأجر مع هذا القائد، ولابد لي من أن أمتثل أمره وأؤدي عنه ما يقوله. وقد قال لك: يا زوج كذا وابن كذا ويا أخو كذا! وشتمه وسبه لم فعلت كذا وذكر له ما أراد موافقته عليه وبقي يقول ذلك مدة، ثم قال: هذا طويل، حر أم المطران، ورجع إلى ما كان عليه أولاً.
٣١٧ - وقال القاضي كنت عنده يوماً ونحن خاليان، فجاء الدواتي بكتاب فقرأه وطواه، وكتب عليه: "لأبي فلان فلان بن فلان من .. " ووقف ثم قال لي: ممن؟ فقلت: إما منك أو من الأمير! فقال: صدقت صدقت! وكتب.
٣١٨ - قال القاضي: وحدثني عبيد الله بن محمد الصرومي الشاعر، وكان منقطعاً إلى سهل فقال: رأيته يوماً وقد سقط غراب على حائط صحن داره، فنعب فتطير من صياحه، وأمر بصفع البواب لما مكن الغراب من دخول الدار.
٣١٩ - كان خالد بن صفوان يدخل على بلال بن أبي بردة يحدثه فيلحن، فلما كثر ذاك على بلال قال له: يا خالد حدثني أحاديث الخلفاء فتخلط وتلحن لحن السقاءان فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب. وكف بصره فكان إذا مر به موكب بلال يقول: ما هذا؟ فيقال: الأمير، فيقول خالد: سحابةُ صيفٍ عن قليلٍ تقشّعُ.
فقيل ذلك لبلال فقال له: لا تتقشع والله حتى تصيبك منها بشؤبوب! وأمر به فضرب مائتي سوط.
وكان خالد كثير الهفوات، لا يتأمل ما يقول، ولا يفكر فيما يبديه لسانه، وإنما هو قائل ما خطر بباله، ومن ذاك أن سليمان بن علي سأله عن ابنيه جعفر ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال مسرعاً عجلاً:
أبو منذر جارٌ لها وابنُ برثنٍ ... فيا لكِ جارى ذلةٍ وصغارِ
فأعرض سليمان عنه، وكان حليماً كريماً.
وكان الحسن يقول: لسان العاقل من وراء قلبه، إذا عرض له القول نظر فيه، فإن كان له قال، وإن كان عليه أمسك، ولسان الأحمق أمام قلبه، فإذا عرض له القول قاله، له أم عليه.
стр. 80
٣٢٠ - وحدث القاضي أبو علي قال: حدثنا أبو علي محمد بن الحسن بن جمهور البصري الكاتب قال: كنت أكتب لأبي الفضل بن علان بن إسماعيل، وهو عامل أرجان، ولحقته حمى ربعاً، فقيل له يوماً: قد ورد أبو المنذر النعمان بن عبد الله متوجهاً إلى أرجان، ومتقلداً لها، وهو قريب منك، فخرج في غد نستقبله ونقضي حقه! فقال: كيف أعمل وغداً نوبة الحمى، ولا أتمكن فيه من الحركة، وفكر ساعة ثم قال: الرأي أن أحم اليوم وأركب غداً، هات يا غلام الدواج فأحضره وقام وألقاه عليه، وأخذ يترعد ويتحمم بجهله وتخلفه.
٣٢١ - قال الرئيس أبو الحسين والدي ﵁: حدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: قال لي المطيع لله، وقد كتبت له، وأنا أماشيه وأحادثه، عرفت خبري مع إسماعيل؟ يعني أبا علي بن الحبان صاحبه، قلت لا يا مولانا قال: قال لي منذ أيام في عرض حديث: عرفت ما يقول هؤلاء الروافض ويبتدعون فيه وقتاً بعد وقت؟ قلت: مثل ماذا؟ قال يقولون إنه لا يقطع الصلاة إلا كلب أو هاشمي! فضحكت تعجباً من حمقه وجهله، وقلت بلغتني هذه الحكاية على خلاف ما حكيتها، قال: كيف؟ قلت: لا يقطع الصلاة إلا كلب وابن حبان!
٣٢٢ - وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ أيضاً قال: خرج قوم من الديلم إلى إقطاعهم في أيام معز الدولة فظفروا في طريقهم باللص المعروف بالفراتي في بستان، فأخذوه وحملوه إلى الوزير أبي محمد المهلبي، فتقدم بإحضار أبي الحسين أحمد بن محمد القزويني كاتب بكج الأحمر مملوك معز الدولة، وقد رد إليه النظر في الشرطة ببغداد، فلما حضر قال له المهلبي: هذا الفراتي اللص العيار الذي عجزتم عن أخذه وكف أذاه عن الناس، إذ قد أسعر بغداد بالكبسات والعملات وقتل النفوس ونهب الأموال، فخذه واكتب خطك بتسليمه، فقال: السمع والطاعة لما يأمر الوزير، لكنه يقول: ثلاثة وهذا واحد! وكان المهلبي أحضر العيار بين يديه ليسلمه إليه فكتب أكتب خطي بتسليمي ثلاثة؟ فقال له: من قال لك اكتب بثلاثة؟ فقال الفراتي اللص العيار ثلاثة وهذا واحد، فقال له: يا هذا هذا العدد وصف لهذا الواحد، فاكتب وأمسك واستر هذا العقل عليك وعلى مستكتبك، ودفع إليه دواة فكتب: "يقول أحمد بن محمد القزويني كاتب بكج الأحمر فتى معز الدولة: تسلمت من حضرة سيدنا الوزير أطال الله بقاءه ما أحمل إلى صاحبي اللص العيار الفراتي ثلاث هم واحد رجل" وكتب بخطه في التاريخ! فضحك الوزير وقال لأبي الفرج بن داذيشوع النصراني كاتب الفتك: قد صحح القزويني مذهبكم في تسلم هذا اللص! فقال نعم يا سيدنا وصحح تخلفه أيضاً.
стр. 81
٣٢٣ - وحدثني أيضاً قال: حدث الحسين بن الحراوي المهلبي قال: كان أبو سعيد بن بندار الرازي المجوسي من كبار كتاب الديلم المشهور تخلفهم، السابقة فيه أخبارهم، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد قواد الديلم، فأراد الوزير أبو محمد أن ينفذ ماهك في بعض الخدم، فقال له وقد أراد الخروج من بين يديه: يا أبا سعيد لا تبرح من الدار حتى أوافقك على شيء أريده منك، فقال السمع والطاعة لأمر سيدنا الوزير ونهض من بين يديه، فقال الوزير: هذا رجل مجنون، وربما طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف، فتقدموا إلى البوابين بألا يدعوه يخرج من الدار، وفعل ذلك، وجلس ماهك طويلاً، وأراد دخول الخلاء، فقام بطلب ذلك فرأى الأخلية مقفلة وكان يتقدم المهلبي بذاك ويقول: كانت دار أبي جعفر الصيرمي منتنة الرائحة لأجل خلاء كان فيها لعامة الناس، ووجد ماهك خلاء الخاص غير مقفل وعليه ستر مسبل، فرفع الستر ليدخل، فجاء الفراش الموكل بالموضع ومنعه ودفعه، فقال يا هذا أليس هذا خلاء؟ قال: نعم! قال أريد أن أعمل فيه حاجة فلم تمنعني؟ قال: هذا خلاء الخاص لا يدخله غير الوزير! قال: فبقية الأخلية مقفلة فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البوابون، فأخرأ في ثيابي؟ فقال: لا استأذن في دخول خلاء ليتقدم بذاك ونفتح لك أحد الأخلية، فتقضي حاجتك! واشتد به الأمر فكتب إلى الوزير رقعة قال فيها: "قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس ولا يحسن ذكره، والفراش يقول لا تدخل، والبواب يقول لا تخرج، وقد تحير عبده في البين، والأمر في الشدة فإن رأى سيدنا الوزير أن يسمح لعبده بأن يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله تعالى" ودفعها إلى بعض الحجاب فأوصلها إلى الوزير ولم يعلم ما أراد بالرقعة، واستعلم الوزير الصورة وعرفها فضحك، ووقع على ظهر الرقعة: "يخرأ أبو سعيد أعزه الله حيث يختار إن شاء الله تعالى! " فأخذ التوقيع وجاء به إلى الفراش وقال: هذا ما طلبت، توقيع سيدنا الوزير، فقال: التوقيعات يقرؤها أبو العلاء بن أبرونا كاتب ديوان الدار، وأنا لا أحسن أكتب ولا أقرأ! فصاح ماهك في الدار هاتي من يعمل لي في الديوان صك الخراء! فضحك فراش آخر وأخذ بيده وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته.
٣٢٤ - وحدثني أيضاً قال: كان أبو الحسن علي بن الحسين القمي يكتب لأبي منصور راذرويه أحد مماليك معز الدولة، فطولب بفاضل إقطاع خرج على صاحبه، فقال لأبي الفضل العباس بن الحسين الشيرازي الوزير: يا سيدنا الوزير، القائد يطلب في ذاك حبة مهل بضم الميم فقال له الوزير: المهل يعطيه لكاتبه فشكره وتقدم يقبل رجله ويده على ذلك، فقال أبو الفضل لأبي العلاء صاعد بن ثابت النصراني خليفته: هذا الجاهل قد ألزمنا الإنظار بحمقه، فافعله معه وأخره أياماً، فقال: السمع والطاعة.
стр. 82
٣٢٥ - وحدثني والدي ﵁ قال: حدثني أبو إسحق جدي قال: كنا ليلة بحضرة الوزير أبي محمد المهلبي والقاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن قريعة معنا، ونحن نتذاكر فأنشدت قطعة للعماني الراجز استحسنها كل من حضر، فقال لي القاضي: لمن هذه الأرجوزة يا أبا إسحاق؟ قلت له من طريق العبث به: لأبي العباس دستويه! وكان درستويه هذا جاهلاً متخلفا وفدما ناقصاً، وصاحباً لأبي سهل ديرزشت بن المرزبان العارض، وثقة من ثقاته، يجري مجرى خلفائه. قال أبو إسحق: فتعجب القاضي من قولي وقال: هذا رجل موفور المثابة من الفضل والدراية وقوة البضاعة في الأدب والرواية! قلت: هيهات الأمر على أكثر مما ذكرت وظننت، قال: فيجب أن أقصده وآخذ عنه وأستدعي ديوانه منه فأنتسخه وأقرأه عليه! فقلت: قد قصر القاضي حيث لم يفعل ذلك إلى الآن! قال: لم أعلم فلما كان من الغد بكر القاضي ولبس وتطيلس وصار إلى دار درستويه، ودخل إليه فسلم وجلس، وتعرف أخباره ثم قال: كنا البارحة بحضرة الوزير أطال الله بقاءه وأنشد صديق للشيخ أرجوزة من أراجيزه استحسنها الوزير وجميع من حضر، ولم أعلم أنه من الأدب بهذه المنزلة، فجئته لآخذ عنه ما ينشدنيه من فيه! فلم يعلم درستويه ما يقول، وقال لغلمانه: ادعوا أبا نصر، يعني ابنه، فحضر وكان في الجهل شراً منه، وقال له انظر ما يريد القاضي، فاستعاد منه القول، فلما استتمه لم يفهمه، إلا أنه سمع أرجوزة فقدر أنها خرقة، فقال لأبيه بالفارسية: القاضي يطلب خرقاً يعمل منها قلنسوة! فقال: السمع والطاعة، واستدعى خازنه وأمره بإحضار ما عنده من بقية الثياب، فأحضر رزمة كبيرة فيها نحو مائة خرقة من ديباج وسقلاطون ووشي وغير ذلك من فاخر الثياب فحلها وبسط الخرق بين يدي القاضي وقال له: اختر يا سيدي ما تريد، ففطن القاضي، وأخذ عشر خرق تساوي عشرين ديناراً، ووضعها في كمه ونهض، وقال: أحسن الله جزاء الشيخ وأطال بقاءه ولا أعدمناه! وراح القاضي في ذلك اليوم إلى دار الوزير أبي محمد، فلما اجتمعنا بين يديه على رسمنا قال لي: يا عيار نصبت لي مكيدة فنفعني الله بها! وشرح ما جرى له مع درستويه وأخرج الخرق من كمه فأراناها ثم ردها إلى كمه، وضحك الوزير وفحص برجليه، واستعاده الحديث مرات وضحكت الجماعة.
٣٢٦ - وحدثني ﵁ أيضاً قال: كان أبو الفرج محمد بن العباس قد جلس للعزاء بأبي الفضل العباس أبيه، وقد ورد الخبر عليه بذاك من فارس، فحضر العزاء أبو العباس درستويه، وقال حين جلس: رحم الله الأستاذ أبا الفضل فإنه كان تربي ومولاي وأستاذي، ثم أقبل على أبي الفرج فقال: أطال الله بقاء سيدنا، صح الخبر؟ فقال: قد وردت الكتب والأخبار به ولم يبق شك فيه! فقال له: دعني من هذا، ورد كتابه ﵁ بخطه بصحة الخبر؟ فقال أبو الفرج: لو ورد كتابه بخطه ما جلسنا للعزاء وضحك الناس ونهض جماعة من شدة الضحك، ونهض أبو الفرج وقطع العزاء فلم يجلس من بعد.
٣٢٧ - وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: رأيت عند القاضي أبي بكر بن قريعة في سنة إحدى وستين وثلثمائة شيخاً يعرف بابن سكران يتوكل له في ضياعه وضماناته ببادوريا فقلت له: من يكون منك ابن سكران الذي كان يتوكل للحسن بن عبد العزيز الهاشمي في ضيعته ويكتب إليه كتباً ظريفة مضحكة؟ فقال أنا هو، وسمناه أن يقرأ علينا شيئاً من ذاك، وكان يقول عنه إنه يحفظ، فامتنع، ولم أزل والقاضي أبو بكر به إلى أن أمل علي كتابين من لفظه على ما بهما من الخطأ والنقصان في الهجاء، فكان أولهما وعنوانه "من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي الإمام أبو لمة يريد أبو الأئمة، لأن أولاده كانوا أئمة في الجوامع إلى وكيله وخادمه أبو القاسم بن سكران" ولولا أنه يقول إنه خادمه ما قلنا إنه منهم، ومضمونه:
стр. 83
"بسم الله الرحمن الرحيم: يابن سكران قد أعجبتك نفسك، صبغوني في عينك، أنت تعرفني إذا دحرت فكيف إذا غضبت، ها وها كدت أفعل، كنت إذا أردت أن تعمل شيء تكتب إلي وتستأذني وتشاورني، صرت تأمر وتنهى لنفسك، والله لأقطعن يدك الأخرى ورجليك، ولأضعنك في أضيق الحبوس، أنا مع أمير المؤمنين ابن عمي أعزه الله وقد خرج صلى بنا الجمعة وأنا أكلمه داه داه، أكلمه في أمير المسلمين والدين والهاشميين، وعينه في جوف عيني، وعيني في جوف فمه، لا ينظر إلى غيري، ترى لا أقدر أنتصف منك، والذي يبقى لي ابني أبو بكر وعمر وعثمان هاه من هونا يحردون الروافض عليك وعليهم لعنه الله، يا ماص بظر أمه، إن كنت منهم، وإن لم تكون منهم فلا شيء عليك، وليس أنت كما ذكرت طويتك ما دامت لك هذه العين تدور، وهذه الشعرة تعيش، والذي يعطيني في الآخرة أضعاف ما أعطاني في الدنيا منه أسأل إن شاء الله. الجزير الذي أوصل كتابك قد أطعمته البارحة مما أكلت: خبز وشواء، وكل خير وما رزق الله، فسله حتى يقل لك. البارحة وحياتك يا أبا القاسم ذكرتك وقد شربت ماء بارداً بثلج كثير، فقريت عليك وعوذتك ودعوت لك ولوالدي ولجميع المسلمين، وقلت: ترى ذاك ابن سكران وكيلي الميشوم إيش خبره في هذه الشمس الحارة ونصف النهار! وما أبالي معك بولد ولا تلد ولا أحد، فاحمل إلي الخراج وضح وصنانن الباذنجان وخيار وبطيخ وكل ما في القرية، والحملين الذي طلبتهم منك احملهم إلي في شعبان قبل رمضان، سمان سمان: واحد كبير نطبخه وآخر صغير نشويه، وسمعت أبا القاسم أعزك الله وفهمت أعزك الله يا أبا القاسم، وأطال بقاءك وأكرمك وأتم نعمته عليك، وصلى الله على محمد النبي وآله، وعلى أصحابك، قول آمين".
وعنوان آخر: "من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي الإمام في الرصافة، وابنه أبو بكر الإمام في دار الخلافة، وابنه الآخر عمر الإمام بمصر والحرمين، وابنه عثمان يكون الإمام في مدينة المنصور، وابنه علي يكون الإمام في باقي الدنيا إن شاء الله، إلى وكيله ابن سكران" وباطنه: "بسم الله الرحمن الرحيم: تحضر الجبابرة بني دينار والأطروش خاطر وابن كيلوه، لعنهم الله فإنهم كلاب، أحاط الله أكرة برقط حتى ننظر إيش يعملون، فقد والله محمود أردت أن أضرب القريتين بالنار، ولكن الله سلمكم فانظروا كيف تكونون، وقولوا أمر سيدنا وسيدكم أبو علي الحسن بن عبد العزيز الهاشمي ابن عم النبي، صلوات الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، بشرى من هم نحن منهم، وقد تقدم سيدنا أبو علي بإحضاركم، فتكون أعينكم بين أيديكم، والسلام".
٣٢٨ - وكان أبو الحسن القمي يكتب لروزبهان بن ونداخرشيد على إقطاعه في السواد، وخليفة عنه بحضرة معز الدولة ببغداد، وكان يهوى منداه جارية قهرمانة ابن مقلة، وهي صبية مليحة الوجه طيبة الغناء، وكان من أصواته عليها:
أيا راهبي نجرانَ ما فعلت هندُ ... أقامت على عهدي وأنّي لها عهدُ
فأراد يوماً أن تغنيه له، فقال لها: يا ستي غني في ذاك سوت:
أيا راهبي نجران ما فعلت هندي ... أقامت بلا عهدٍ وإني بلا عهدِ
فضحكت وقالت له: أعلم أنك سفلة بلا عهد! وقال لها مرة: يا ستي غني ذاك سوت: يا فاتمة بعط ذلول فضحكت وضحك الحاضرون يريد:
أفاطم مهلاً بعض التدلل
وحدثت عنه بين يديه وهو يسمع قالت: غنيت له ليلة:
أمن شميّة دمعُ العين مذروفُ ... لو أنَّ ذا منكَ قبلَ اليومِ معروفُ
وفيه لحن حسن، فأعجبه وأطربه، ولم يزل يتلفنه ويتحفظه إلى أن ظن أنه قد أتقنه، وصبر ساعة وقال لي: يا ستي بالله غني لي ذاك سوت: أمن سميته دموعك عينك ذرذف! فضحكت منه فقال: مالك؟ فأعدت البيت عليه على صحته فقال: يا باردة كله واحد.
قالت: وغنيت له مرة صوتا استحسنه وقال لي: يا ستي اكتبيه لي، فقلت له: يا هذا أنت كاتب أو أنا؟ فقال: أنا ما أحسن أكتبه بلحنه، أريد أن تكتبيه أنت بلحنه كما تحسنينه.
стр. 84
وكان يوماً في دار أبي الحسن الأهوازي فتحدث بحديث يقطين يكون بقم عظيما حتى إن قشر الواحدة إذا فرغ وجفف وسع من الحنطة شيئاً كثيرا. وقال وهو مقبل على أبي الحسن بن محمود البادرائي نديم أبي الحسن الأهوازي وكان طيباً نادرا، فقال له اقطعون رأس أخرجون صوف! فقال له ابن محمود يكون يا سيدي في قرع قم صوف، قال: هاي كيف يكون صوف في قرع، إنما أخرجون قماش بطنك، فقال ابن محمود: كانت حالي مع الصوف أصلح، مر يا سيدي في حديثك، فلك نبيك، وقد علمنا ما أردت، فضحكت الجماعة، فقال: ذا قرع مبارك جاب الضحك والفرح، وضحك معهم.
وكتب يوماً رقعة إلى عبد الواحد بن المقتدر بالله يسأله مبايعته سقف ساج مذهب كان في بيت ماء من داره على دجلة بباب خراسان: "بسم الله الرحمن الرحيم: قد علم سيدي الأمير حال السقف الذهب الذي حاشا وجه سيدي في الخلاء، وهو هدية من ماله، والشكر عليه كثير، وليس أجعل وحياة رأس سيدي في الخلاء، أريده لصفه ويوعز سيدي الأمير إذا منحني من ثمنه، مزحت مع سيدي، وليس أخرج له من رأي قضاء حقي، حتى أبو محمد القرافي يعرفه ما في الأمر ويزن الثمن، وعرفته ذلك حتى يعمل معي ما يشبه إن شاء الله".
٣٢٩ - وحدثني والدي الرئيس ﵁ قال: ورد عليه كتاب عامل له بناحية الذنب يقول فيه: "وقد ورد التياس وهو مقيم منذ أيام، وقد منع الرحى من الدوران، وسقط بذاك الارتفاع" فظن القمي أن التياس بعض أصحاب السلطان، فحرد وغضب، وركب إلى دار الوزير أبي الفضل الشيرازي، وكتب رقعة عن صاحبه يشكو فيها التياس، ويسأل التوقيع بصرفه وإنفاذ نقيب جلد لذلك، وقال: لولا هيبة الوزير لأنفذت من يصرفه ويمنعه، ويضرب قفاه ويصفعه! فعجب أبو الفضل منه وقال له: يا أبا الحسن التياس من رعيتك، وأمرك فيه كأمري، فافعل ما أحببت فلا أعترض عليك مني! فقبل يده ورجله وشكره وقال: أحب أن ينفذ من الديوان نقيبان لذلك، فوقع له إلى أبي العلاء صاعد بن ثابت خليفته، على ظهر رقعته: "يجاب أبو حسن أيده الله إلى ملتمسه في أمر هذا التياس" فشكره على ذلك، وحمل التوقيع إلى صاعد وعرضه عليه، فلما قرأه تبسم ودفعه إلى أبي منصور كاتبه، وكتب له في المعنى منشوراً نسخ ببغداد وتدوول، وسلم إليه نقيبان ينفذان به! قال: وقال أبو إسحق بن المفتي كاتب القمي: فلما انصرف والمنشور والنقيبان معه وافقهما لنفقتهما على مائة درهم، أطلق لهما منها خمسين درهماً، وقال لي: اكتب إلي العامل معهما بما يجب في ذلك فتحيرت ودهشت وقلت له: التياس يا سيدي الماء، وهذا الذي كتب له سخرية من الكاتب ولهو، فلا تنفذه وتضيع ما تطلقه للنقيبين فقال لي: يا أبو إسحاق هذا لك أبداً تعارضني في أموري وتدبيري ويحك كم أقول لك أعمل ما أريد ولا تكثر كلامك وليس تقبل ثم كتب بخطه إلى العامل يوصيه بإكرام النقيبين وعطيتهما بقية نفقتهما، ويوزعها على الأكرة، ويسلم إليهما التياس حتى يشخصاه إلى الديوان! ومضيا إلى العامل وأعطياه الكتاب، وطالباه بالبقية من نفقتهما وتسليم التياس إليهما، فتحير وقال: أما التياس فهو الماء فتسلماه كيف أردتما وقدرتما، وأما الدراهم فما يستجيب الأكرة إلى وزنها، وما في حالي فضلل لإطلاقها من جهتي! فاستخفا به ولم يفارقاه حتى أخذا ما أراده منه، وكتب الجواب يشكو ما جرى عليه ويقول: "التياس زيادة الماء، وهذا شيء من فعل الله تعالى، وما لمخلوق فيه حيلة" ويستعفي من العمالة، فلما وقف القمي عليه قال: قد بليت بهذا القرفان المتخلف، مرة يكتب كذا ومرة يكتب كذا، ومضى إلى الوزير أبي الفضل وقال: أطال الله بقاء سيدنا، بليت بتخلف هذا العامل، كتب يشكو التياس، والساعة قد كتب يقول: التياس الماء فاستعظم أبو الفضل قوله وحمقه، وقال: اسكت ويلك، ثم تقدم بأن يكتب إلى النقيبين بالانصراف.
٣٣٠ - وكتب هذا القزويني يوماً رقعة إلى بعض أصحابه وصدرها ب"أطال الله تعالى بقاءك" فقال له بعض من كان عنده: ما يساوي الرجل هذا الدعاء فقال: صدقت وذكرتني! وكتب قبل "أطال الله بقاءك": لا، وأنفذ الرقعة.
стр. 85
٣٣١ - وكان أبو سعيد ماهك بن بندار يكتب في صدر كتبه ورقاعه إلى عماله وأصحابه: "أطال الله بقاءك وحوائجها، فيقال له: ما معنى حوائجها؟ فيقول: دام عزك وتأييدك وهم لا يسوون ذكره ويكتب في آخر الرقعة: "الحمد لله وصلى الله على محمد وحاشيته" فيسأل عن ذلك فيقول: ذاك علي وفاطمة وكلهم غلمانه وحواشيه!
٣٣٢ - وحدث الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: قال أبو العباس درستويه يوماً لمعلم ولده أبي نصر: ما تناصحني في تعليمه! فقال له: كيف يا سيدي؟ قال: البارحة اجتهدت به في أن ينشدني قصيدة من الفصيح فلم يحسن.
وكتب هذا المعلم إلى درستويه يسأله أن يطلق له جاري شهر قد استحقه، ويسلفه مال آخر ليكتسي به، فوقع إلى وكيله أبي محمد: "أبو محمد المؤدب أيده الله وأنت تطلب شهراً له وشهراً ليس له، فأطلق له الواجب، وتطلق له آخر قرضاً علي بسبب كتبته إن شاء الله".
٣٣٣ - وقال: كتب الطوسي لعلمكان الديلمي في أيام معز الدولة فاستدعاه علمكان في بعض الأيام منكراً عليه شيئاً، فبادر يعدو حتى وقف بين يديه، ولحظة علمكان لحظ منكر متهدد، فضرط ضرطة، وأطرق علمكان ضاحكاً، فقال له الطوسي مسرعاً: يا قائد هذا العمل من فزع وجهك الحردان، فكيف لو كان شيئاً آخر فضحك وقال له: اخرج.
٣٣٤ - قال: وكتب أبو القاسم الحسين بن أميرويه كاتب موسى بن قتادة رقعة مع جارية له إلى البلقي: "يدفع أعزك الله البلقي في الجارية عشرين قثارة كباراً، فقال لها البلقي: دعيني أدفع فيك قثاة واحدة بكل ما في الصن من القثاء.
٣٣٥ - قال: وقال إسرائيل ابن سعيد الرازي: قال ابن أميرويه يوماً لأبي القاسم علي بن الحسين ابن أخت الوزير أبي الفرج محمد بن العباس، وهو معروف بالتزمت والتصوف، وقد جرى على ابن أميرويه من الأتراك استخفاف وصفع: يا سيدنا أنا أخدم بين يديك وليس لي بعد الله غيرك، والجاري خمس مائة درهم تكفيني لنفقتي، فلم الأتراك في كل وقت وحين يصفعونك ويجرون برجليك ويستخفون بك فضحك منه وقال: لسوء أدبهم وأدب من يجرؤن برجله وأعرض عنه، وصار بعدها لا يكلمه إلا بالفارسية.
٣٣٦ - وكتب أحد كتاب الأتراك المتقدم على جماعته، المعروف بأبي منصور بن الفرج في اتفاق كتب بين أصحابه: "قد رضينا بذاك، وكتب محمد بن الفرج عن السادة الأصفهلارية بأمرهم ونهيهم".
ووقع إليه وزير العصر في سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة ذو السعادات أبو الفرج بن فسانجس بأن ينظر بين غلامين من الأتراك تشاجرا في إقطاع ضيعة بينهما، وقال في التواقيع: "فإن الحق مقطعه ثلاث" يريد بيت زهير:
فإن الحقَّ مقطعهُ ثلاثٌ ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
فلما عرضا التوقيع عليه قال: أنتما اثنان فأين الثالث؟ قالا: ما لنا شريك ولا منازع! قال: فكذا ذكر الوزير في توقيعه، وقام فدخل إلى الوزير واستفهمه عن المقطع الثالث، فقال له مستهزئاً به: أنا المقطع الثالث فخرج إليهما وقال: الوزير يدعي معكما ثلث الإقطاع فأفردا ما يتعلق به لأحكم بينكما في الباقي: فضجا من ذلك ودخلا إلى الوزير فعرفاه الحال، فضحك، وعرفهما الصورة فضحكا أيضاً، وحكم الوزير بينهما.
وكتب يوماً إلى الوزير وقد رتبه على سد البثق بنهر الرفيل يخبره بتمام سده، وقال فيه: "وأتمم البثق بسعادة مولانا، وصاح الناس عليه: عساو" ومد ما بين العين والألف مدة استوعب بها السطر فلم يفهم الوزير ذاك، واتفق أني كنت عنده، فأعطانيه وقال: ما هذا.؟ فقلت: قد حكى لمولانا صياح الرجال عليه فضحك، وتدوول بين الناس ذلك.
٣٣٧ - وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: حضر أبو منصور بردانقادار بن المرزبان يوماً عند الوزير أبي نصر سابور بن أردشير، أحد وزراء بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بويه في سني نيف وثلاثمائة وتجاريا حديث الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي، وقد قبض سابور عليه واعتقله عنده وكان بحيث يسمع تحاورهما، وأبو منصور لا يعلم، فأسرع وغلط فيما بدر منه وأشار عليه بقتله، والاتفاق الردي ما سمع الأبرقوهي ما اشار به في معناه، واتفق أن خلص الأبرقوهي وتقلد الوزارة، وقبض على بردانفادار وقابله على ما كان منه، فكان إذا خوطب في معناه قال: يا قوم أنا سمعته يشير على سابور بقتلي فيمسك المخاطب ويكف السائل.
стр. 86
٣٣٨ - وحدثني ﵁ قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي المعروف بالنائب لأنه كان ينوب عن الوزراء قال: حدثني أبو القاسم الأبرقروهي، وكان مغرماً بالغلمان ومائلاً إليهم، قال: رأيت غلاماً أمرد مع أحد الخدم، فاستملحته واستحليته وراسلته واستملته، ووعدته وأرغبته، فأجابني وانتقل إلى حاشيتي، وشق على الخادم فعلي به، فشكاني إلى الملك بهاء الدولة، وبينا أنا في دار المملكة أنظر فيما يتعلق بي من العمل إذ جاءني فراش فقال: الأستاذ الأثير نحرير يستدعيك، فجئته فحين رآني قال: هاتوا حصيراً، فأحضر وبسط بين يديه، وصرف من كان قائماً وحاضراً إلا ثلاثة خدم استوقفهم، ثم قال لهم: ابطحوه على وجهه، فبطحوني، وضربت عشرين عصا جياداً، وأقعدني بعد ذلك وأنا أتململ، وقال: الملك يقول لك "إذا لم تكن مأموناً على غلام خادم فكيف آمنك على خمسة آلاف غلام تركي يجرون مجرى الحرم، وقد وكلتهم إلى مرعاتك" وأمرني بما عاملتك به، فانظر الآن بين يديك واحرس نفسك وجاهك، وارجع إلى شغلك. فقمت وعدت إلى ديواني نادماً على ما تسرعت إليه وغلطت وهفوت فيه.
٣٣٩ - وحكى أبو حيان التوحيدي قال: حضرت مائدة الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد فقدمت مضيرة رائقة فأمعنت فيها، فقال لي: يا أبا حيان إنها تضر بالمشايخ فقلت: إن رأى الصاحب أن يدع التطبب على طعامه فعل فكأنني ألقمته حجراً، وخجل واستحيا، ولم ينطق إلى أن فرغنا.
٣٤٠ - ومما تحدث به عن أبي الفتح محمد بن فارس أحد من نظر في الوزارة في أيام صمصام الدولة أبي كاليجار بن عضد الدولة أبي شجاع بن بويه أنه صعد يوماً من أيام ولايته من زبزبه إلى دار السيدة أم صمصام الدولة، فسقط من كمه زبيب، فقال عند مشاهدة الناس له وحيائه منه: أنا أجد في معدتي رطوبة، وقد وصف لي تناوله على الريق، فأنا أستصحبه لذاك فكان العذر أقبح من الفعل، ولقبه مجان بغداد: الوزير الزبيبي.
٣٤١ - وحدثنا الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني نجم الكفاة أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي قال: حدثني أبو الفرج عبد الله بن الحسين الراماني قال: ورد أبو القاسم المعمر بن الحسين المدلجي مع الوزير أبي القاسم العلاء ابن الحسن من الأهواز إلى شيراز، وأبو القاسم المعمر أحد كتاب الإنشاء إذ ذاك، وعرضت للوزير أبي القاسم العلاء بن الحسن سفرة، فكتب إلي المدلجي، وأنا حينئذ خليفة العلاء، يطلب مني بغلة سروجية بآلتها، ولم تكن منزلته عندي منزلة من أراعيه أو أعطيه، فرددت الرقعة مع رسوله فلم أجبه عنها، ومضى الرسول ثم عاد إلي ومعه الرقعة بعينها وقد كتب على ظهرها:
فإنك لا تدري إذا جاءَ سائلٌ ... أأنتَ بما تعطيهِ أم هو أسعدُ
عسى سائلٌ ذو حاجةٍ إن منعته ... من اليومُ سؤلاً أن يكونَ له غدُ
قال: فقرأت ذاك ثم أعدت الرقعة ثانياً بغير جواب كما فعلت أولا. وضرب الدهر ضربة وصرف العلاء بن الحسن ووزر المدلجي، وكنت إذ ذاك أتقلد كورة سابور وكورة أردشير خرة، فأنفذ إلي من أشخصني إلى شيراز، ووردت عليه وأنا لا أشك في القبض علي والمصادرة لي، لما كان من غلطي وسوء فعلي وما قضاه المقدور في، وحضرت مجلسه فقدمني وقربني ورفعني وأكرمني، وأقمت متردداً إليه وأياماً ومتعجباً من فعله وله مستطرفاً، فلما كان في بعض الأيام وقد قمت من مجلسه منصرفاً فتبعني الحاجب وقال: تقيم يا سيدي ساعة فإن الوزير يريد أن يجاريك شيئاً على خلوة، فلم يتخالجني شك في أنه القبض علي فأقمت خائفاً وجلا، ثم استدعاني وقد خلا مجلسه، وأسر إلى دواتيه شيئاً ومضى وعاد ومعه الرقعة بعينها فأخذها وسلمها إلي، فلما فضضتها وعرفتها أظلمت الدنيا في عيني، وودت أن الأرض ساخت بي، وقال لي: لا ترع فإنما واقفتك على فعلك الرذل القبيح لكيلا تستصغر بعدها أحداً وتطرح مراعاة العواقب والنظر فيها، وليكون هذا الفعل مني لك مصلحاً ولأخلاقك مهذباً، ثم خلع علي وردني إلى عملي.
стр. 87
٣٤٢ - وحدثنا والدي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني أبو سعد عبد الله بن فهد النصراني الكاتب قال: لما تقلد أبو القاسم بن فسانجس أعمال النهروانات في أيام الوزير فخر الملك أبي غالب، وأبو العلاء سعيد بن الحسن بن يزيد النصراني يتولى يومئذ ديوانها، اتفق أن رفع أبو القاسم من حسابها ما احتيج إلى الموافقة عليه وحضر بحضرة فخر الملك وجرى من الخطاب ما خرج فيه أبو العلاء إلى سوء الأدب واستعمال السرف، وعادته بذاك جارية، وثقل على أبي القاسم ما سمعه منه، وإمساك فخر الملك عن إنكاره عليه ومنعه منه، وانقضى المجلس على غيظ من أبي القاسم تجرعه وكظمه، وامتعاض أسره وكتمه، ومضت الأيام وقتل فخر الملك، ووزر أبو القاسم لسلطان الدولة بواسط، فقامت قيامة أبي العلاء من ذاك، وضاقت به الأرض بما رحبت، وبقي متحيراً بين الاستتار والتغيب أو المقام والتجلد، وورد أبو القاسم إلى بغداد فحمل بنفسه على أن لقيه، فلم ير منه ما ظنه به، ونفسه تحدثه بضد ما يظهره له ويشاهده، فلما كان في بعض الأيام وقد خرج من بين يديه منعه الحاجب وقال له: الوزير يأمرك ألا تنصرف إلا بعد استئذانه فما شك أنه الذي خافه وتوقعه. قال: فأقمت ساعة، ثم استدعاني فوجدته جالساً على الفاكهة وهو يأكل منها، فجلست وظننت أن ما بين يدي منها مسموم، فلم أزل أقلبه وأولع به ولا أتعرض له، وأحس بفعلي فأخذ كمثراة وقطعها وأكل منها ثم أعطاني باقيها فأكلته، وأنست قليلاً، وقمنا إلى الطعام فجرت حالي على مثل ذاك، وهو يطعمني مما يأكل، ويقدم إلي مما بين يديه تأنيساً بي وفرغنا، وخرجت لغسل يدي، واستدعاني وقال لي: أراك منقبضاً متجعداً وجلا منزعجاً، وأظن ذاك لتذكرك ذلك اليوم هيهات ما الأمر على ما تظن وإني لك على ما تحب وتهوى، وليس من المروءة ذكر ما مضى فقبلت يده ورجله والأرض بين يديه، ودعوت له وانصرفت ساكناً مطمناً.
?
٣٤٣ - وحدثنا ﵁ قال: كان الوزير أبو القاسم العلاء بن الحسن قد لقبه الديلم سياه سبال لقباً اشتهر به بينهم وفشا فيهم، إما لأنه كان أسود السبال دون لحيته، أو لأنه كان يخضبه، حتى إن أحد الديلم المتقدمين قال له في كلام دار بينهما: يا وزير سياه سبال بار خداه، فضحك منه وعلم الديلمي بما جناه عليه، فنهض خجلاً عجلاً، واستعيد فلم يعد ثم راسله بالاعتذار الشديد، وبقي مدة لا يلقاه حياء.
٣٤٤ - وحدثنا ﵁ قال: حدثني الوزير مؤيد الملك أبو علي الرخجي قال: عاد فخر الملك من الأهواز في خرجته الأولى للقاء سلطان الدولة أبي شجاع بن بويه، فاتفق أن حضر عيد أو فصل، وحضر أبو الفضل بن أبي أحمد الشيرازي لخدمته فيه على رسمه، وأنشده قصيدة مدحه بها وهناه بذلك اليوم فيها، ثم وصل آخر القصيدة بحديث جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مع الرشيد في قتله إياه، وقرأه عليه مسنداً له عمن رواه، فاستطرفنا إيراده ما أورده منه من غير أمر يقتضيه، وثقل على فخر الملك ما سمعه، وعلينا ما أورده وتطيرنا على فخر الملك من اتفاق ما اتفق، وأقبل بعضنا على بعض يعجب من ذلك، وندم أبو الفضل على ما كان منه، وانحدر فخر الملك عائداً إلى الأهواز، فكان من أمره ما كان وجرت حاله مجرى جعفر بن يحيى في قتله، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق.
٣٤٥ - وحدثنا ﵁ قال: حدثني نجم الكفاة أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي النائب قال: حدثني أبو القاسم البلخي المنجم قال: كان أبو الفضل عبد المسيح بن العلاء النصراني الكاتب صديقاً للوزير أبي الفضل بن سودميذ، ومختلطاً به، فاجتمعا على الرأي والسعي في نكبة الوزير فخر الملك أبي غالب، وتقلد أبو الفضل موضعه، وقبض على فخر الملك فاتفق أن كنت يوماً حاضراً عند ابن سودميذ وقد جاءه عبد المسيح، وتحدثا وأطالا السرار والإفصاح، فضرب ابن سودميذ في عرض حديثهما إلى دفتر كان بين يديه وفتحه ليتفاءل بأول ما يقع طرفه عليه منه، فوقع نظره على بيت من قصيدة لأبي تمام، على قوله:
وصرتَ وزيراً والوزارةُ مكرعٌ ... يغصُّ به بعد اللّذاذة كارعه
فرماه من يده، ثم أخذه بعد ساعة وفتحه، فخرج عليه البيت بعينه، فتطير منه ورماه في كانون تار كان بحضرته.
стр. 88
٣٤٦ - وحدثنا ﵁ قال: حدثني أبو طاهر الطهري حاجب فخر الملك وأبي محمد بن سهلان من بعده قال: كان في أبي محمد بن سهلان حدة من رزانة جميلة وله ألفاظ يوردها في كلامه واستراحات بين ألفاظه لا يحتملها أهل العراق، ومنها أنه كان يقول في أكثر أوقاته وضجراته: ليس تدرون من معكم في السفينة، فقال لي لما دخلنا بغداد: أنت أيها الحاجب تعرف من أخلاق البغداديين وعيوبهم ومذاهبهم في الإزراء على العجم وغيبتهم لهم وإيراد الحكايات عنهم ما لا أعلمه ولا أقف عليه ولا أخبره، وأريد أن تنبهني إلى ما أغفل عنه وأسهو فيه، وتلني على ما أتحفظ منه، ولا تراعي في ذاك هيبة الوزارة أو حشمة الرياسة، فإنها أمانة فقلت: السمع والطاعة، وكنت أشير إليه بإشارات في المواضع التي لا تحتمل الإفصاح، فيعرف ويرجع. وقلت له يوماً: هوذا تكثر من قولك "تدرون من معكم في السفينة" وهذا مما يستقبحه البغداديون ويعيبون عليه ويطعنون على قائله فيه، فقال: لم؟ فحاجزت ودافعت، وألح فقلت: نعم يقولون في الإنسان إذا استحمقوه: هو تيس في سفينة فأمسك. وكان ربما حملته الحدة والعادة على أن يقول ذاك، فإذا نظرت إليه فطن وقطع، وأمسك ورجع.
?
٣٤٧ - وحدثنا ﵁ قال: حدثني أبو نصر الحسن بن المصلحي الكاتب النصراني قال: كنا في يوم عيد بحضرة الوزير شرف الملك أبي سعد، والناس يدخلون إليه ويخدمونه ويهنونه، والشعراء ينشدونه ويمدحونه، إذا أنشد أحدهم فيه أنشد:
وأنت حصني الذي ألوذُ به ... فما لهُ قد تهدّمت شرفه
فتطيرت عليه من ذلك ومن مشاكله شرفه بشرف الملك لقبه ثم أنشده آخر قصيدة أولها:
عقدُ الصيامِ بيومِ العيدِ محلولُ ... فقلّد الكأسَ فالقنديلُ معزول
فازداد تطيري، وقدم الطعام، فبينا نحن نأكل إذ عثر المشاش وعلى رأسه طيفورية فيها أربعة صحون فرمى بها وكسرها، فكانت الثالثة في سوء ما اتفق، فلما كان في اليوم التاسع من شوال قبض عليه.
٣٤٨ - وحدثني أيضاً قال: حدثني أبو الفتح بن المقلد الأصفهاني قال: حدثني أبو منصور الحسن الحلبي قال: كنت أكاثر الوزير شرف الملك أبا سعد بن ماكولة بالبصرة فأنشدته يوماً لعتراه الخياط، ولم أعلم أن شرف الملك أصفهاني:
لم تكن أصفهانُ يوماً من الدّه ... رِ بدارٍ لنا ولا رامَ شاذا
غير أني اعتمدتُ فيها كريماً ... من قريشٍ جعلتهُ لي ملاذا
بلدةٌ تمطرُ الترابَ علينا ... مثلما تمطرُ السّماءُ الرّذاذا
أهلها شرُّ عصبةٍ خلقَ الل ... هُ وأجفاهم للغريب وآذى
ولهم لحنُ منطقِ لستُ أدري ... هِ إذا قال ذا وجاوبَ هذا
ما تعلّمتُ منه إلا قليلاً ... إنّهم أبدلوا من الريح وإذا
كلُّ ما يأثرونهُ من ملوك ال ... فرس فيروزَ وابنه وقباذا
فإذا ما أعاذَ ربّي أناساً ... من عذابٍ كبعضِ من قد أعاذا
فحمى الله أهلها أن يصيبوا ... وزراً من عقابهِ وملاذا
خربت عاجلاً كما خرّبَ الل ... هُ بأعمالِ أهلها كلواذي
قال: فتغير لونه، وتمعر وجهه، واستحيا حياء بان غيظه من عرضه، وضحك إلي من حضر من أهله ضحكاً مستكلفاً متعملا، فتنبهت حينئذ على غلطتي وهفوتي، واعتذرت إليه اعتذاراً لم يمح منه قبيح زلتي.
٣٤٩ - وحكى الوالد قال: حدثني أبو نصر الحسن بن منصور الصلحي الكاتب النصراني قال: حدثني الوزير النفيس أبو الفتح محمد بن الفضل ابن أردشير قال: كنت بالسيرجان مع الوزير أبي غالب الحسن بن منصور الملقب ذا السعادتين، فاتفق أن شربت عنده يوماً وسكرت سكراً سقطت معه شستجتي من كمي وفيها رقاع إليه قد أعطانيها أربابها لأتنجز لهم توقيعاته فيها، ومن جملتها رقعتان قد كتبت قديماً بخطي في إحداهما:
يا قليلَ موفورَ الصّلف ... والذي في البغى قد حاز السّرف
كن لئيماً وتواضع تحتمل ... أو كريماً يحتمل منكَ الصّلف
وفي الأخرى:
يا طارقَ البابِ على عبدِ الصّمد ... لا تطرقِ البابَ فما ثمَّ أحدْ
стр. 89
وتقدم بأخذ الشستجة وإعطائه إياها، ووقف على الرقاع ووقع بجميع ما سأل أربابها فيها، ثم وقع في إحدى الرقعتين المتضمنة للبيتين اللذين بخطي: "يطلق له ألفا درهم" وفي الأخرى المتضمنة للبيت الواحد: "يوجب له ألف درهم مشاهرة على استقبال كذا من الشهر الشهر الذي كان فيه، ورد الجميع إلى الشستجة وأعادها إلى كمي في الموضع الذي نمت فيه، وأصبحت من غد ولا علم عندي بما جرى، واستدعاني إلى الطعام وقت الظهر ولم ير عندي أثراً لفعله ولا مني شكراً له، فقال لي: وقفت على الرقاع التي في شستجتك؟ فقلت: لا والله، فأمسك وتراجمت بي الظنون في قوله، فلما فرغنا من الأكل ونهضت لغسل يدي طلبت الرقاع وتأملتها فوجدتها على ما ذكرت وشغل قلبي حال ما وجدوه فيها بخطي وكيف سبق إلى ظنه من أن ما كتبته إيماء إليه وتعريض به، وعدت إليه فدعوت له وشكرته، واعتذرت من الشعر الذي كنت كتبته فقال: لا تعتذر فإنا نستحقه إذا لم نقض حقاً ولم نراع صاحبا.
٣٥٠ - وحدث أبو الفضل الأزدي قال: أخبرنا شاه قال: مر رجل بابن المبارك، وكان يدعي النحو، فوقف عليه وهو راكب دابته يحدثه، فقال له ابن المبارك: أما بلغك الحديث: "لا تتخذوا ظهور داوابكم مجالس" فقال له: مجالساً يا أبا عبد الرحمن فضحك ابن المبارك وقال له: إن مجالس لا ينصرف لأنه على وزن مفاعل، وأنت لم تبلغ هناك بعد فخجل الرجل وانصرف، فكان إذا مر في السوق صاحوا به: لم تبلغ هذا هناك بعد يا أبا فلان فكان قلما يفاجئ الناس ويلاقيهم.
٣٥١ - وحدث محمد بن حبيب قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: شهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال له: كذبت، فقال: الكاذب المتزمل في ثيابك فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.
٣٥٢ - وحدث محمد بن شجاع قال: قرأ الكسائي في صلاة صلى فيها بهرون الرشيد: "إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" فقال له الرشيد: يا أبا الحسن في أي لغة هذه؟ قال: يا أمير المؤمنين إنه وقع في نفسي وأنا أقرأ أنه ليس أحد يقوم بالقرآن كقيامي، ولا يقف حدوده وتقطيعه وغريبه ومعانيه وتفصيله وفصله وقوفي، فحين وقع هذا في نفسي ابتليت بما ابتليت به في لساني.
٣٥٣ - شهد رجل على رجل عند بعض القضاة، فقال المشهود عليه، أيها القاضي تقبل شهادة علي ومعه عشرة آلاف دينار وما حج عمره! فقال له: فاسأله عن زمزم فلم يدر بما يجيب فقال: حججت قبل أن حفرت فلم أرها.
٣٥٤ - قال الحجاج لعبد الرحمن بن أبي بكرة: ما مالك؟ فقال: لقد ختمت على ألف ألف درهم، ثم على عبد الرحمن أنها سقطة قد زلت من فمه فتداركها مسرعاً معجلاً وقال: ولقد أصبحت وما أملك إلا خاتمي.
٣٥٥ - وحدث علي بن محمد بن الجهم قال: حدثني أبو العباس محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: حدثني أبي عن أحمد بن إسرائيل قال: صرت يوماً إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فلما صرت في صحن الدار رأيته مضطجعاً على مصلاه مولياً ظهره باب مجلسه، فهممت بالرجوع، فقال لي الحاجب: ادخل فإنه منتبه، فلما سمع حسي جلس، فقلت: حسبتك نائماً قال: لا، ولكني مفكراً في أمر الدنيا وصلاحها في هذا الوقت واستوائها ودرور الأموال وأمن السبل وعز الخلافة، فعلمت أنها أمكر وأنكر وأعذر من أن يدوم صفاؤها لأحد، وقد شغل قلبي حضور هذا الخاطر ببالي، وخفت عواقب ما وقع في نفسي فما مضى إلا أربعون يوماً حتى قتل المتوكل ونزل به من البغي ما نزل.
٣٥٦ - وحدثني ابن عبد الله الحميدي قال: أخبرني القاضي أبو الغنائم محمد بن علي بن الدجاجي عن المعافى بن زكريا قال: حدث الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا عسل بن ذكوان قال: حدثنا المازني عن أبي عبيدة قال: تغذى أسد بن عبد الله بخراسان، فأتاه طباخه بشواء فيه يبيس، فقال له: ما هذا؟ قال: إذا كان في الشواء يبيس كان أطيب له قال: صدقت ولكنه ينفعك في الجوذابة وبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إليه خالد: "ما كنت أحب لك هذه الفطنة البخيلة في قولك، ولا أن تبديها لجلسائك، فاقسم المال على ندماتك وجلسائك، ومرهم بالكتمان عليك".
стр. 90
٣٥٧ - وبالإسناد قال: حدث الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا الأصمعي عن ابن أبي عرفة قال: أملي زياد بن أبيه على كتابه يوماً كتاباً إلى معاوية، وسها فقال عن خاطر خطر بقلبه: "وهذا الرجل عمران بن الفضل البرجمي" فكتب الكاتب، فلما وصل الكتاب إلى معاوية، كتب إلى زياد: "ذكرت في كتابك عمران بن الفضل البرجمي ولم تذكر لهذا الكلام ما تقدمه ولا ما اتصل به" فسأل زياد الكاتب عن ذاك، فقال: ما أعلم، أنت تملي وأنا أكتب فقال زياد. حديث نفس سقط بين كلامي وكتابي، لا تكتبوا كتاباً إلا جعلتم له نسخة في الديوان، فكان ذاك أول وضع النسخ.
٣٥٨ - وبالإسناد قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثنا محمد بن المرزبان قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا أبو عبد الله القرشي قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال مالك بن أنس: إن لهؤلاء الشطار ملاحة، صلى واحد منهم خلف رجل، فلما قرأ: "الحمد لله" أرتج عليه، فجعل يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وردد ذلك دفعات، فقال له ذلك الشاطر من خلفه: والله ما للشيطان ذنب إلا أنك سخين العين ما تحسن تقرأ.
٣٥٩ - وبالإسناد قال: حدثنا أبو النصر العقيلي قال: حدثنا أبو الحسن بن راهويه قال: صلى يحيى بن المعلى الكاتب فقرأ: "قل هو الله أحد" فغلظ فيها، وكان في المجلس أبو نواس ووالبة بن الحباب وعلي بن الخليل والحسين الخليع، فقال أبو نواس:
أكثرَ يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد
فقال والبة:
قام طويلاً ساكتاً ... حتى إذا أعيا سجد
فقال ابن الخليل:
يزحرُ في محرابهِ ... زحيرَ حبلى للولد
فقال الخليع:
كأنما لسانهُ ... شدَّ بحبلٍ من مسد
٣٦٠ - وبالإسناد قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي قال: حدثنا إبراهيم بن سعدان قال: حدثنا الأصمعي عن عبد الله بن صالح قال: قال لي رجل من حارثة بن لام: أضافني رجل من بني تغلب فأحسن ضيافتي، فأفلت من لساني هذا البيت:
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكَّ أسته وتمثّل الأمثالا
فخجلت وسقط في يدي، فقال ما هذا بالله انبسط فإنما قلت كلمة مقولة.
٣٦١ - وبالإسناد: حدثنا أحمد بن أبي سهل بن عاصم أبو بكر الحلواني قال أبو بكر ختن المبرد: لقيني الأسباطي على الجسر وقد أخذ إسماعيل بن بلبل دور أهل الخلد فقال لي:
بغى وللبغي سهامٌ تنظر
أنفذ في الأكبادِ من وخزِ الإبر
سهامُ أيدي القانتين في السحر
قال: فو الله ما مضت أيام حتى كان من أمر إسماعيل وهلاكه ما كان.
?
٣٦٣ - ذكر أعرابي أنه شهد الموقف مع عمر بن الخطاب ﵇ فصاح به صائح: يا خليفة رسول الله، ثم قال: يا أمير المؤمنين، فقال رجلي من خلفي: دعاه باسم ميت، مات والله أمير المؤمنين فالتفت إليه فإذا رجل من بني لهب، وهم من بني نضر بن الأزد، وهم أزجر قوم قال كثير:
سألتُ أخا لهبٍ ليزجرَ زجرةً ... وقد صار زجرُ العالمين إلى لهبِ
قال: فلما وقفنا لرمي الجمار إذا حصاة قد صكت صلعة عمر فأدمته فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها فالتفت إليه فإذا هو اللهبي بعينه، فقتل عمر قبل الحول، قدس الله روحه، ونور ضريحه.
٣٦٣ - وحكى المبرد قال: قال يزيد على المنبر، وقد ذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: وهذه الضبعة العرجاء، فتحدث الناس بزلته فيها وغلطته، لأن الأنثى يقال لها ضبع والذكر يقال له الضبعان فإذا جمعا قيل ضبعان.
стр. 91
٣٦٤ - وحدث العباس بن المأمون قال: حدثني المتوكل على الله قال: احتجمت في اليوم الذي توفي فيه الواثق بالله وأنا لا أعلم، فقالت لي أمي: امض إلى أخيك الواثق وعده من مرضه، فقلت لها: أطعميني شيئاً بعقب الحجامة فإنني احس من نفسي بضعف، فقالت: إذا أنت أكلت لم يكن لك لابد من أن تشرب، وهي ساعة، فامض إليه وعده، وعد إلى طعامك وشرابك مطمئناً، ففعلت ودخلت الدار وجلست بحيث كنت أجلس، وفي الموضع باب، فسمعت حركة وراءه، ونظرت من ثقب فيه محمد بن عبد الملك الزيات وإيتاخ ومعهما محمد بن الواثق، وهما يلبسانه الرصافية، فيدخل رأسه فيها لسعته وصغره عنها، فقال أحدهما للآخر: وما يكون إذا لم يلبسها، نعممه وقالا: فما نعمل بجعفر يغنوني قال محمد بن عبد الملك: نقتله في التنور، وقال إيتاخ: بل ندعه في الماء البارد حتى يموت، ولا يبين عليه أثر قتل، فغشى علي لما سمعته من عزمهما في أمري، ولإخراج الدم، وأنني لم آكل شيئاً، وضعفي ثم تحاملت فجلست في موضعي، وجاء ابن أبي داود، فدخل وسمعته يخاطبها بما لم أحصله لما كنت فيه، وخرج بعد ساعة الغلمان الصغار المعروفون بالإيتاخية يتعادون إلي ويقولون لي: مولانا انهض، فلم أحفل بما سمعته ورأيته منهم، وقلت: هؤلاء يخاطبونني على العادة وما يعلمون ما قد أعتزم في حقي، ثم قمت ولم أشكك في أني أدخل لأسلم على الصبي بالخلافة وأبايعه، ثم ينفذ في ما تقرر بينهم فعله معي، ودخلت الحجرة فرأيت السرير خالياً، فسكنت نفسي قليلاً، ثم لقيني ابن أبي داود فقبل يدي وأمسكها إلى أن بلغت السرير، وقال لي: اصعد إلى المكان فقد أهلك الله تعالى له، فلما صعدت وجلست سلم علي بالخلافة، وجاء محمد بن عبد الملك وإيتاخ فسلما علي بها أيضاً، وأخذ ابن أبي داود عليهما البيعة لي، وأدخل القواد والموالي على مراتبهم يسلمون ويبايعون، ورآني ابن أبي داود متغير اللون فقال لي وقد دنا مني ما الخبر مالك؟ فخبرته بحال الحجامة وغلبة الصفراء علي، وقلت: الساعة أموت وتقعون في شغل جديد فعاد إلى موضعه الذي كان قائماً فيه، وقال: يجوز أن يتمم أخذ البيعة في غير هذا الموضع، أخرجوا الناس فأخرجوا، ودعا بصاحب المطبخ وأمره أن يقدم الطعام فقدمه، وتناولت ما أمسك رمقي وعادت به نفسي. ثم سألت عن الحال كيف جرت، فقيل لي: إن محمد بن عبد الملك وإيتاخ تطابقاً على ما سمعته منهما، ووكلا بباب الحجرة من يمنع من دخول ابن أبي داود إليهما حتى يفرغا من تدبيرهما ويحكماه، فلما حضر ابن أبي داود منع، فدفع في صدور الموكلين، وهابوه فلم يراجعوه، ودخل فسلم عليهما وقال لهما: أنا رسول المسلمين إليكما، وهم يقرأون السلام عليكما ويقولون لكما: قد بلغتنا وفاة إمامنا وعند الله نحتسبه، ورحمة الله تعالى ورضوانه، وأنتما المنظور إليكما في هذا الأمر، فمن اخترتما لإمامتنا؟ فقالا: اخترنا محمد بن الواثق! فقال: بخٍ بخٍ ابن أمير المؤمنين، وأحق الناس بميراثه، إلا أنه صغير السن لا يصلح للإمامة، فمن غيره؟ قالا: فلان وفلان وفلان، وهما يقرظان كل واحد ممن يذكرانه ويصفانه إلى أن قالا: وجعفر بن المعتصم يعنياني فقال: رضي المسلمون، اصفقا على يدي، فصفقا، ثم أرسلوا إلى فكان من الأمر ما كان، وبقي ما قاله محمد بن عبد الملك وإيتاخ في نفسي، فقلتهما بما اعتزما قتلي به، وعلمت أن ذلك القول الذي كان منهما وسمعته من القدر الطريف والاتفاق العجيب فيما بدر من لسانهما واطلعت عليه من سرهما، ووقع في نفسي أن الله تعالى وقفني عليه وأعلمنه وأسمعنيه من حيث لم أظنه ولم يظنا لأكافئهما به وأجازيهما عليه عما انتشر من لعنتهما وشرهما وتجبرهما، فقتلت ابن عبد الملك في التنور، وإيتاخ بالماء البارد، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق وأعجبه.
٣٦٥ - ذكر المبرد أن يزيد بن عبد الملك قال يوماً: إن الدنيا لم تصف لأحد يوماً قط، فإذا خلوت يومي هذا فاطووا عني الأخبار، ودعوني ولذتي وما خلوت به، ودعا بحبابة فقال: اسقيني وغنيني، فخلوا في أطيب عيش، فتناولت حبابة حبة رمان فتركتها في فيها، فغصت بها، فماتت، فجزع يزيد جزعاً أذهله، ومنع من دفنها، حتى قال له مشايخ بني أمية: هذا عيب لا يستقال، وإنما هذه جيفة فأذن في دفنها، وتبع جنازتها، فلما ووريت قال: أمسيت والله فيك كما قال كثير:
стр. 92
فإن تسلُ عنكِ النفسُ أو تدعِ الهوى ... فباليأسِ تسلو عنكِ لا بالتجلّد
وكل خليلٍ راءني فهو قائلٍ ... من أجلكِ هذا هامةُ اليومِ أو غدِ
فتطير عليه من هذا التمثل، فمات بعد خمسة عشر يوماً.
٣٦٦ - وحدثني أبو عبد الله الحميدي قال: أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي بمصر قال: أنبأنا أبو مسلم الكاتب قال: أنبأنا أبو بكر بن دريد قال: أنبأنا الحسن بن خضر عن أبيه عن كاتب عيسى بن علي عن إبراهيم بن خالد بن مخرمة قال: كنت يوماً عند مسلمة بن عبد الملك بن مروان وقد زاره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافياً له، فاستؤذن لرجل من أهل الحيرة على مسلمة، وقيل: قد حضر في مظلمة، وهو جار ضيعتك بمكان كذا فأذن له، فدخل فإذا برجل طويل القامة ضخم اللحية جهم الوجه، قد أخذ عارضاه ما بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر فيه حشد ثلاثة مماطر في يوم صائف، فو الله ما هو إلا أن طلع فمشى وتقرح وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ويعاتب نفسه على إيصاله، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج ولغط وتخليط فقال له مسلمة: اجلس. فجلس فقال له: ما كنيتك؟ قال: أبو العجنس، فقال: ما اسمك؟ قال: صهاب ابن حيان، وأبدى يسراه فإذا فص خاتمه مثل الإبهام الغليظ، وعليه أسطار، فلما رآه مسلمة لم يصبر آن قال له: أرى فصك ضخماً كبيراً، وأرى عليه سطوراً، فما هي؟ قال: فدفعه غلي لأقرأ ما عليه، لأنه لم يعلمه ولا يحسن أن يقرأه، فإذا عليه: صهاب أبو العجنس يؤمن بالواحد الأحد الصمد، وبالنبي الأمي محمد، ويسأل الله حياة سعادة وموت شهادة، إنه على كل شيء قدير" فضحك عبد الله وضحك، وتبسم مسلمة، ثم قال لحاجبه: اقض حاجته وأحسن ضيافته، فلما انصرف قال مسلمة: ما بعد كنيته وعظم لحيته ونقش خاتمه شك لمعتبر.
٣٦٧ - وحدث أبو بكر بن دريد قال: أنبأنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي أن أعرابياً كثر عياله، فتوجه بهم إلى خيبر لوبائها وقال:
قلتُ لحمّى خيبر استعدّي ... هذا عيالي فاجهدي وجدّي
وباكري بصالبٍ ووردِ ... أعانكِ الله على ذا الجندِ
فحُمَّ هو ومات، وسلموا وعادوا إلى موضعهم ورجعوا.
٣٦٨ - وحدث ابن دريد قال: أنبأنا أبو عثمان عن الثوري عن الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: كان عندنا رجل لحانةٌ، فلقي لحانة مثله، فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند (أهلونا)! فتعجب منه وحسده، وقال له: أنا أعلم من أين أخذتها، من قول الله تعالى: "شغلتنا أموالناوأهلونا".
٣٦٩ - وذكر أبو زيد الأنصاري قال: كنت ببغداد، فأردت الانحدار إلى البصرة فقلت لابن أخي: اكتر لنا سميرية، فجعل يقول: يا معشر (الملاحون)، فقلت له: ويلك ما تقول؟ فقال: جُعلت فداك، أنا مولع بالنصب! فضحكت منه وقلت: أتقنت. فقال: ماذا؟ قلت: اللحن!
٣٧٠ - وحدَّث أيوب بن محمد قال: سمعت بشر بن عبد الوهاب قال: كان يجلس إلى عمود في مسجد دمشق رجل جميل الهيئة، يظهر العبادة، فرأيته يوماً وقد سجد وهو يقول في سجوده سجد لك خضرتي وحمرتي وصفرتي وسوادي وبياضي خاضعاً ضارعاً خاشعاً ماصَّ بظر أمه! ومن أنا عبدك ابن عبدك الزاني ابن الزانية حتى لا تغفر له!.
٣٧١ - وحدَّث عيسى بن هلال بدمشق قال: حدثنا أبو حيوة شريح ابن يزيد قال: كان سعيد بن سنان أبو مهدي مؤذن الجامع بحمص، وكان شيخاً صالحاً، ويسحر الناس في شهر رمضان، ويقول في تسحيره إياهم: يا أهل حمص اسخنوا قديراتكم، وعجلوا عجلوا في أكلكم قبل أن أؤذن فيسخِّم الله وجوهكم!
٣٧٢ - وحدّث النصر بن شميل قال: حدّث عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال: دخل عبد الله بن الزبير على معاوية وعنده جماعة من قريش، فأوسع له معاوية حتى جلس معه على سريره، فلما انصرف قال له مروان بن الحكم: لله درك من رئيس قبيلةٍ تضع كبيرهم وترفع صغيرهم! فثقلت على معاوية وقال له:
نفس عصامٍ سوَّدت عصاما
وعرف مروان بن معاوية ذاك فضاحكه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما قلتها إلا مازحاً! فقال: أترسلها شعثاً غبراً ثم تتبعها ضحكة يا مروان! فأخذ يعتذر إليه ويحلف له، فقال له: ما أغناك عن كلام تحتاج بعده إلى مثل هذا الاعتذار!
стр. 93
٣٧٣ - أنفذ عبد الله بن علي إلى السفاح مشيخة من أهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم وأنهم حلفوا لأنهم ما علموا أن لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه غير بني أمية حتى وليتم أنتم!.
٣٧٤ - وقال هرون: حدثني يعقوب عن أبي الطريح ابن اسماعيل عن أبيه قال: كان المهاجر بن عبد الله الكلابي أشرف عربي في زمانه، وكان لأم ولدٍ وعاملاً على اليمامة من قبل بني أمية وبني العباس أربعين سنة. وكان يؤتى في الدية والحمالة من كل مكان فلا يرد أحداً إلا بحاجته، فبينا هو جالسٌ يوماً في منظرة له إذ رأى خمسين راكباً من قومه قد طلعوا عليه قاصدين إليه في زي جميل ومراكب ورواحل، فسره ذلك منهم، وأمر لهم بدار كبيرة وجعلها برسمهم، وبطعامٍ كثيرٍ يُصنع لهم، ودخل عليهم، وجعل يحييهم ويقبل عليهم فرحلً بهم وسروراً بما رأى من تجملهم وهيئتهم، وأتي بالطعام فجلس معهم يؤاكلهم ويحادثهم ويؤانسهم ويبسطهم، وهو لا يشك أنهم جاؤوه في دية أو حمالة وقعت عليهم، أو مغرمٍ ثقيل لزمهم، فقال لهم: حياكم الله وأنعم بكم عيناً يا بني عمي، ما حاجتكم فقد قضاها الله تعالى؟ قالوا: إن ابن عم لك أصاب رجلاً من طائفة العشيرة فقتله، وهو ابن أم ولد، وقد خفنا أن يأخذ ابن صريحة فيكون لهم الفضل علينا، وليس بنا ابن أم ولد غيرك، فنحن نحب أن ننقاد معنا ندفعك إلى القوم فيقتلوك ويصلح الله تعالى هذا الأمر بك، ولا يكون لهم على عشيرتك فضل! فلما سمع ذلك منهم قام عنهم، ودعا صاحب الشرطة فأخبره الخبر، وأمره أن يجلس لهم الصبيان في السكك معهم البعر، ثم يحملهم على رواحلهم، محولة وجوههم إلى أذنابها، ويأمر الصبيان بأن يرجموهم بالبعر وينثروه عليهم حتى يخرجهم من البلد، ففعل ذلك بهم.
٣٧٥ - وبلغ الأمين أن يعقوب بن المهدي لا يقيم نسبة، فدعاه وقال له: انتسب، فقال: أنا يعقوب بن المهدي، فقال: ابن من؟ فلم يعلم، فأمر به وحمل على الفيل، وحلف لا ينزله حتى يحفظ نسبه!
٣٧٦ - وكان خارجة بن زيد إذا صلى الجمعة انصرف إلى داره فجلس فيها، وأتته الأنصار طراً، أهل العوالي وغيرهم، مسلمة عليه كما يسلم على أمير المدينة، تعظيماً له وتشريفاً، وكان يأمر ليلة الجمعة بالماء يبرد في القرب، ويسقاه الناس بالعسل بعد صلاة الجمعة في عساس عظام من خيشاني، ونضارتها من الحسن والعظم ما لا غاية بعدها؛ وكان أبو عبد الله القراظ فارسياً سبي في خلافة عمر بن الخطاب، وله جواب منكر لا يطاق، وقد اسن، وخلقته مضطربة: له أذنان عظيمتان ورأس كبير وآراب منكرة، وكان ينصرف فيمن ينصرف بعد الجمعة إلى دار خارجة، فيشرب، فإذا رآه خارجة رحب به وأمر بتعجيل الشراب عليه، وإن رآه أحد أولاده فعل به كفعل أبيهم؛ فجلس يوماً إلى جنبه فتى من الأوس من ولد عبد الله بن نفيل بن الحارث، فلم تجز له، فإنه جعل يهزأ به ويقول للساقي: اسقِ الشيخ ماء فإنه لا حاجة له في العسل، ويضحك به؛ فقال له أبو عبد الله: من أنت يا فتى؟ قال: من الأنصار، قال: مرحباً بالأنصاري، فأي الأنصار أنت؟ قال: أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نفيل بن الحارث، فقال: يا فتى تدري من الأنصار؟ قال: نعم وأنا وقومي، فقال له: أما جدك فلم ينصر، أعلمت ما نزل فيه من القرآن؟ أتدري ما فعلت سورة براءة بأبيك؟ فضحته! هي الفاضحة له المبدية لمساوئه! فاستحيا الفتى وأراد أنم يقوم، فقال له: كما أنت أزيدك، اعلم أني شيخ مجرب صحبت سعد بن أبي وقاص سنين في السفر والحضر، وغيره من الصحابة! لا تهزأن بالشيوخ .. فضار الفتى إذا لقيه أكرمه واعتذر إليه وقال له: لم أعرفك! فيقول له القراظ: ليس هذا بعذرٍ، لا تسيئن إلى أحد عرفته أو أنكرته!
٣٧٧ - وحدث ابن جريج قال: كان عبد الله بن صفوان يُطعم كل يوم بمكة الناس في داره سويقاً وتمراً، ويأكل معهم، ثم ينصرف إلى بيته، فجاء يوماً من ذلك وعليه ثوبان وعمامة خزقانية، وقد ضاقت المجالس، فوقف على حلقة من تلك الحلق، وجعل يأكل وهو قائم، فقال له الذي حصل قائماً على رأسه وهو لا يعرفه ما رأيت كاليوم ملانا أذيتنا، فقال له خالد: أيها المرء الأمر أيسر من ذاك، إنما هو آكل ثم انصرف عنك! وعرفه بعد ذاك فقال: هذا أشرف البشر! وندم على مابدر منه، وكان حيث يراه يعتذر إليه.
стр. 94
٣٧٨ - وحكى ابراهيم بن إسحق الموصلي قال: غنيت بين يدي الرشيد وستارته مضروبة:
وأرى الغواني لا يواصلنَ أمرأً ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا
فقال: يا عاض كذا وكذا أتغني هذا وجواري أمير المؤمنين من وراء الستارة يسمعنه! لولا حرمتك لضربت عنقك! قال: فتناسيت الصوت من بعد حتى أنسيته.
٣٧٩ - وحدث أبو ظبيان الحماني قال: اجتمعت جماعة من الحي على شراب فتغنى أحدهم بشعر حسان:
إن التي عاطيتني فرددتها ... قتلتْ قتلتَ فهاتها لم تقتلِ
كلتاهما حلبُ العصيرِ فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصلِ
فقال أحدهم: ما معنى قوله "إن التي" فجعلها واحدة، ثم قال "كلتاهما حلب العصير" فجعلهما اثنتين؟ فلم يكن عند أحدهم جواب، فقال: امرأته طالق ثلاثاً إن بات الليلة أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن هذا! فأسقط في أيديهم ليمينه، واجتمعوا وقصدوا القاضي وهو في مسجده يصلي بين العشاءين، فلما سمع حسهم أوجز في صلاته، وأقبل عليهم فقال: ما حاجتكم؟ فبدأ أحدهم وكان أحسنهم هيئة فقال له: قد جرى من صاحبنا هذا زلة لسان وهفوة إنسان بطلاقٍ لزوجته أوجبه عليه، فاقتضى انطلاقنا ب نحو القاضي والقدوم عليه، فإن أذن لنا القاضي شرحنا اله ورجونا فيه تفضلك؟ فقال: قل ماهذا؟ فشرح له القصة، فقال القاضي: أما قوله "إن التي عاطيتني" فإنه عنى الخمرة، وأما قوله "كلتاهما حلب العصير" فعنى الخمر والماء الذي مزجت به، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السحاب، قال الله تعالى: (وأنزلنا من المعصراتِ ماءَ ثجّاجا) انصرفوا إذا شئتم، فانصرفوا.
٣٨٠ - حدثنا أبو منصور محمد بن عبد العزيز العكبري قال: حدثني أبو عبد الله البشير البصري، وكان صاحب خبر القادر بالله، قال: وقع بين أبي الحسن ابن سكرة الهاشمي الشاعر وزوجته بنت أبي تحفة الهاشمية لأجل خمرة المغنية وميله إليها، فاستعدت زوجته إلى أبي القاسم بن أبي تمام الزيني نقيب الهاشميين، فأحضره وألزمه إرضاءها أو طلاقها، فقال لها: مارضاك؟ قالت: أن تحلف بطلاقي أنك لا تجتمع معها ولا تقربها، فإن فعلت خلصت منك وانصرفت عنك! فاغتاظ منها وحلف بطلاقها على ذاك، وأضاف إليه أنه يهجوها كل يوم، فكانت زوجته لا تدعه يخرج من البيت حتى يهجوها، وتزوجت خمرة بإنسان يعرف بابن طومار، فاتفق أن جاء ابن طومار إلى أبي إسحق الطبري الشاهد المقرئ المحدث، ودخل ابن سكرة وهو لا يعرف ابن طومار، فقال له أبو إسحق: ما خبرك وما عندك؟ فقال: أمسكتني بنت أبي تحفة الساعة ولم تدعني أخرج حتى قلت:
خمرةُ من سخنةَ عينِ أستِها ... تنتفُ من حولٍ إلى حولِ
فقد غلتْ شعرتُها واغتلتْ ... فهيَ إذاً هولٌ منَ الهولِ
كأنها من خشنها ليفةٌ ... شُدتْ بها قارورة البولِ
فقال له أبو إسحق الطبري: هذا زوجها، وقد سمعك! فاستحيا ونكس رأسه، ثم قال له: فلي ينطح أو لك! ونهض فخرج.
٣٨١ - وحدث محمد بن اسماعيل بن موسى الهادي قال: كنت عند المعتصم وعنده علويه ومخارق ومحمد بن الحارث وعقيد، فتغنى عقيد، وكنت أضرب عليه:
نام عذالي ولم أنمِ ... واشتفى الواشونَ من سقمي
وإذا ما قلتُ بي ألمٌ ... شكَّ من أهواه في ألمي
فطرب المعتصم وقال: لمن الشعر والغناء؟ فلم يجبه أحد، فقلت: لعلية، فأعرض عني، فتبينت غلظي، وأن القوم اعتمدوا الإمساك، وقطع بي، فتبين حالي فقال: لا ترع يا محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا!
٣٨٢ - حدثني أبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قال: حدثني أبو علي الحسن بن شهاب الحنبلي ابن عم والدتي من حفظه قال: استدعى هشام بن عبد الملك بن مروان زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵈ وهو مكبل بالحديد، وقال له: يابن السوداء! فقال زيد: صبغة جلدها وخلقة ربها، قال: يا بن العجانة الخبازة! فقال: مهنة أهلها وخدمة بيتها، قال: يا بن الزانية! فقال: إن كنت صادقاً فغفر الله لها، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك! فأسقط هشام وعلم أنه أساء، وخجل ونكس رأسه، وأمر به فأعيد إلى محبسه.
стр. 95
٣٨٣ - وحدث ابراهيم بن المهدي قال: ما خجلت قط خجلي يوماً دخلت لى عُلية أُختى عائداً فقلت: كيف أنت جعلت فداك؟ وكيف كانت حالك وما خبرك مما كنت تشكينه؟ فقالت: بخيرٍ والحمد لله، ووقعت عيني على وصيفة قائمة على رأسها تذب عنها، فأعجبتني وشغلت بالنظر إليها، وأطلت ثم استرجعت فرددت نظري إلى علية عنها، وأنسيت أني قد تعرفت أخبارها، فقلت: كيف كنت يا أختي وما خبرك وحالك مما كنت تجدينه؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة ها قائمة على رأسها وقال لها: أليس قد مضى هذا مرة وأجبنا عنه! فخجلت خجلاً ما خجلت مثله قط، وقمت فانصرفت.
٣٨٤ - وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء، فاتخذت داية له مثلثة من الطيب وتنوقت فيها فلما وضعتها تحته فسا، وشمَّ المثلثة فقال لها: ماهي طيبة! فقالت له: يا سيدي لما كانت مثلثة كانت طيبة، فلما ربعتها صارت ليس بطيبةٍ!.
وكان محمَّقاً مع ذلك: كان يخطر بباله شيء فيشتهيه فيثبته فيما له، فضج الخازن من ذاك، فكان ذا كتب شيئاً من ذاك كتب الخازن تحته: "ليس هذا له وإنما اشتهاه! ".
ووجد له دفتر فيه ثبت ثياب: "ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندرية الهاشمية: لا شيء! أستغفر الله، بلى عندنا منها زر من جبة كانت للمهدي؛ الفصوص: الياقوت الأحمر التي من حالها وصفتها كذا وكذا: لا شيء! أسغفر الله، بلى عندنا درج كان فيه خاتم للمهدي هذه صفته .. " فحمل إلى المأمون هذا الدفتر، فضحك لما قرأه حتى فحض برجليه وقال: ما سمعت بمثل هذا قط!.
٣٨٥ - وروى أحمد بن ابراهيم بن اسماعيل عن أبيه قال: كان عند المهدي رجل من بني مروان فدخل إليه وسلم عليه، فأتي المهدي بعلج فأمر المرواني بضرب عنقه، فأخذ السيف وضربه، فنبا السيف عنه، فدحا به المرواني وقال: لو كان من سيوفنا ما نبا! فسمعه المهدي فاغتاظ حتى تغير وجهه، فقام يفطين وأخذ السيف، وحسر عن ذراعيه، وضرب العلج فرمى رأسه، وقال يا أمير المؤمنين إن هذه السيوف سيوف الطاعة لا تعمل إلا في أيدي الأولياء، فلا تعمل في أيدي أهل المعصية! ثم قام أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان أتأذن في إنشادهما، فقال: قل، فقال:
أيهذا الإمامُ سيفُك ماضٍ ... وبكفِّ الوليِّ غيرُ كهامِ
فإذا ما نبا كبفٍّ علمنا ... أنها كفُّ مبغضٍ للإمامِ
فقام المهدي عن مجلسه وأمر بقتل المرواني، فقتل.
٣٨٦ - وحدث ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قدم رجل من سلول على قتيبة بن مسلم بكتاب عامله بالري المعلى ابن عمرو المحاربي، فرآه قدامة بن جعدة المخزومي، وكان صديقاً لقتيبة، فدخل عليه، فقال له: ببابك الأم العرب: سلولي رسول محاربي إلى باهلي! فتبسم قتيبة مغيظاً، وكان قدامة بن جعدة يشرب الخمر ويعاشر عليا الأقيشر، فقال قتيبة: علي بمرداس بن جذام الأسدي، فدعي به، فقال له: أنشدنا ما قال الأقيشر في قدامة وهما بالحيرة، فقال:
ربَّ ندمانٍ كريمٍ سيدِ ... ماجدِ الجدين من فرعي مضرْ
قد سقيتُ الكأس حتى هرها ... لم يخالطْ صوها منه كدرْ
قلتُ: قم صلِّ، فصلى قاعداً ... يتغشاه سماديرُ السكرْ
قرنَ الظهرَ مع العصر كما ... تقرنُ الحقةُ بالحق الذكر
ترك الطور فلم يقرأ بها ... وقرأ الكوثر من بينِ السورْ
فتغير وجهُ قدامة وخجل، فقال له قتيبة: هذه بتلك والبادي أظلم!.
٣٨٧ - وحدث جعفر بن قدامة قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال كان علويه يغني بين يدي الأمين فغنى:
ليتَ هنداً أنجزتنا ما تعدْ ... وشفتْ أنفسنا مما تجدْ
واستبدتْ مرةً واحدةً ... إنما العاجزُ من لا يستبِد
فقال الأمين: قد عرض بأخي المأمون وقصده لي ومحاربته إياي! وقيل: بل الفضل بن الربيع قال له ذلك، فتقدم بأن يجر ن بين يديه وأن يضرب خمسين سوطاً!
стр. 96
٣٨٨ - وحدث علويه قال: كنت مع المأمون لما خرج إلى الشام، فدخلنا إلى دمشق وطفنا فيها، وجعل يطوف على صور بني أمية ويتتبع آثارهم، فدخل صحناً من صحونها فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستانٌ على أربع زواياه أربع سرواتٍ كأنها قصتْ بمقراضٍ من التفافها أحسن ما رأيت من السرو قداً وقدراً! فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح، وقال: هاتوا إلي الساعة طعاماً خفيفاً، فأُتي ببزماوردٍ فأكله، ودعا بالشراب، وأقبل علي فقال: غنني ونشطني، فكأن الله أنساني جميع ما أحفظه إلا هذا الصوت:
لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطقْ رجالٌ أراهم نطقوا
فنظر إليَّ مغضباً وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية، ويلك قلت لك سرني أم سؤني! ألم يكن لك وقت تمدح فيه بني أمية إلا هذا الوقتَ! فتجلدت عليه، وعلمت أني قد أخطأت فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية، هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلامٍ مملوك له، ويملك ثرثمائة ألف دينار وهبوها له سوى الضياع والخيل والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعاً! فقال: ما وجدت شيئاً تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا حضرني حين حضرتهم! فقال: اعدل عن هذا وتنبه ى إرادتي، وغنِّ، فأنسيت كل شيء كان قد علق بحفظي إلا هذا الصوت:
الحينُ ساقَ إلى دمشقَ ولم أكن ... أرضى دمشقَ لأهلنا بلدا
فرماني بالقدح فأخطأني، وانكسر القدح وقال: قم عني إلى لعنة الله وحرِّ سقره! وقام فركب فكانت والله تلك الحال آخر عهدي به حتى مرض ومات.
٣٨٩ - وكان خالد بن عبد الله القسري قدم على هشام بن عبد الملك، فأخذ يصف له طاعة أهل اليمن وحسن موالاتهم ونصيحتهم، فصفق عمر ابن يزيد يده على يده الأخرى حتى سمع لها في الإيوان دوي، وقال لهشام: كذب والله يا أمير المؤمنين، ما أطاعت اليمانية ولا نصحت قط! أليسوا أعداءك وهم أصحاب يزيد بن المهلب وابن الأشعث، والله لا ينعق ناعق إلا أسرعوا الوثبة إليه، فاحذهم يا أمير المؤمنين! فظهر تقبل ذلك في وجه هشام، واضطغنها عليه خالد ابن عبد الله؛ وولي خالد العراق فلم يكن له هم إلا قتل عمر بن يزيد حتى قتله.
٣٩٠ - ومات ابن للفرزدق صغير، فصلى عليه ثم التفت إلى الناس فقال:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وترحلوا
فمات بعد ذلك بأيام.
٣٩١ - وروى محمد بن موسى بن طلحة قال: قال أبو عبيدة: دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فإن أبا موسى خليلُ محمدٍ ... وكفَّاه يمنى للهدى وشمالُها
فقال له ابن أبي بردة: هلكت والله يا أبا فراس! فقال: وكيف ذاك؟ قال: ذهب شعرك! أين مثل شعرك في سعيد بن العاص والعباس بن الوليد وفلان وفلانٍ، وأسمى قوماً .. فقال له: فجئني بأحساب مثل أحسابهم حتى أقول مثل ما قلت فيهم! فغضب بلال حتى أتى بطست وفيه ماء بارد، فوضع يده ورجليه فيه، ليذهب الغيظ عنه، وتبين الفرزدق غلطه فذهب عقله، وخاطبه جلساؤه في الفرزدق وقالوا له: لا تعجل عليه، فقد كفيت أمره، فإنه هم وصدى اليوم أو غدٍ، وأذهب عنك عار قتله! ففعل، ولم يحل على الفرزدق الحول حتى مات.
٣٩٢ - قال أبو عبيدة: كان خالد بن عبد الله القسري من أجبن الناس، فخرج إليه المغيرة بن سعيد فعرف ذلك وهو على المنبر بالكوفة، فدهش وتحير وقال: أطعموني ماء! فقال الكميت بن زيد فيه، ويمدح يوسف بن عمر الثقفي:
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن ... كمن حصنُه فيه الرتاجُ المضببُ
وما خالدٌ يستطعمُ الماءَ فازعاً ... بعذلكَ والدعي إلى الموتِ ينعبُ
٣٩٣ - وحدث الصولي قال: حدثني أبو ذكوان قال: حدثني طماس قال: جاء ابن دنقش الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم يستحضره بها، فدخل يلبس ثيابه، ورأى ابن دنقش غلماناً لمحمد روقة، فقال وهو يظن أن محمداً بحيث لا يسمعه:
وعلى اللواطِ فلا تؤمنْ كاتباً ... إن اللواطَ سجيةُ الكتّابِ
فخرج إليه محمد، وقد لبس ثيابه، وقال له:
وكما اللواطُ سجية الكتابِ ... فكذا الخلاقُ سجيةُ الحجابِ
فخجل ابن دنقش واعتذر إليه، فقال له: إنما يقع الاعتذار لو لم يقع القصاص، فأما وقد كافأتك فلا!
стр. 97
٣٩٤ - وحدثني هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: جلس أبي يوماً للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلاً جالساً، فقال له: ألك حاجة؟ قال: تدنيني إليك فإني مظلوم، فأدناه فقال له: أنا مظلوم قد أعوزني الإنصاف! قال: من ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي! قال: ومن يحجبك عني وقد ترى مجلسي مبذولاً؟ قال: يحجبني عنك هيبتي لك وخوفي منك وطول لسانك وفصاحتك واطراد حجتك! قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك مني غضباً بغير ثمن، وإذا وجب خراجها أديته أنا في الديوان عنك لئلا يثبت لك اسم في الديوان بتصرفك فيها وملكك لها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها، وهذا ما لم يسمع مثله في الظلم! فقال له: هذا قول يحتاج إلى بينة وشهود وأشياء غير ذلك! فقال له: تؤمنني من غضبك حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك! قال: البينة أطال الله بقاءك هم الشهود، والشهود هم البينة، وأشياء غير ذلك عي منك وحصر وظلم وتغطرس! فضحك منه وقال: صدقت والبلاء موكل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعاً! ووقع له برد ضيعته عليه، وبأن يطلق له كران حنطة وشعيراً ومائة دينار يستعين بها على عمارة الضيعة، وصيره بعد ذلك من أصحابه، واصطنعه لنفسه.
٣٩٥ - وذكر أبو الفرج الأصفهاني قال: كان عبد الله بن الحسن الأصفهاني يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، وكتب إلى خالد بن يزيد ابن مزيد عن المعتصم: "إن أمير المؤمنين ينفخ منك في غير فحمٍ، ويخاطب امرأً غير ذي فهم" فقال محمد بن عبد الملك الزيات: هذا كلام ساقط سخيف جعل أمير المؤمنين ينفخ في الزق كأنه حداد! وأبطل الكتاب ولم ينفذه؛ ثم كتب من بعد محمد بن عبد الملك عن المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: "وأنت تجري أمرك على الأربح فالأربح والأرجح فالأرجح، لا تسعى بنقصان ولا تميل برجحان" فقال عبد الله الأصفهاني: قد أظهر ابن الزيات من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته منت جارته بذكر ربح السلع ورجحان الميزان ونقصان الكيل والخسران من رأس المال! فضحك المعتصم وقال: ما اسرع ما انتصف الأصفهاني من ابن الزيات! وحقدها عليه ابن الزيات حتى نكبه.
٣٩٦ - ذكر إسحق بن ابراهيم عن معبد قال: استقدمني الوليد بن يزيد، فبينا أنا يوماً في بعض حمامات دمشق إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمان له، فأطلى واشتغل به أصحاب الحمام عن سائر الناس، فقلت: والله لئن لم اطلع هذا عل بعض ما عندي لأكونن بمزجر الكلب، فاستدبرته حتى يراني ويسمع مني، ثم ترنمت، فالتفت إلى الغلمان وقال: قدموا إليه جميع ما هاهنا، فصار جميع ما كان بين يديه عندي، وأمر القوام بخدمتي فخدمت وأخرجت، وخرج، وسألني أن أصير إلى داره معه، ففعلت، ولم يدعْ من البر والإكرام شيئاً إلا أولانيه، ثم وضع النبيذ، فجعلت أغني له، ولا آتي بحسنٍ إلا وأتبعه ما هو أحس منه، وهو لا يرتاح لغنائي ولا يحفل بما يسمعه مني، فلما طال عليه أمري قال: يا غلمان، شيخنا شخنا، فأُتي بشيخٍ، فلما رآه هش به وأدناه منه، فأخذ الشيخ العود وغنى:
سلَّور في القدرِ ويلي علُوه ... جاءَ القطُّ أكلهْ ويلي علُوهْ
السلورُ: السمك الجرِّي بلغة أهل الشام فجعل صاحب المنزل أن يخرج من جلده طرباً، وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي، فما رأيت مثل ذلك اليوم غناء أضيع، وشيخاً أجهل.
٣٩٧ - اسماعيل بن يونس عن أبي هفان قال: حضرت يوماً مجلس بعض القواد الأتراك، وكانت له ستارة فنُصبت، فقال لها: غني لي صوت الخمار الأسود المليح! فلم ندْرِ ما أراد حتى غنت:
قل للمليحةِ في الخمار الأسودِ
ثم قال: غني: إني خربت وجئت أنتقله! فضحكت ثم قالت: كذا يشبهك! ولم ندْر ما أراد فغنت:
إن الخليط أجدَّ منتقله
٣٩٨ - أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جعفر بن المنصور ويعرف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس، وكان منقطعاً إليه وله منزلة حسنة، فذكر له مطيع حماد الرواية، وكان مطرحاً مجفوا في ايامهم، فقال له حماد دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية، ومالي عند هؤلاء خيرٌ! فأبى مطيعٌ إلا الذهاب به إليه، فاستعار سواداً وسيفاً ثم أتاه فدخل على جعفر فسلم وجلس، فقال له جعفر: أنشدني، قال لمن أيها الأمير؟ فقال: لجرير؛ قال حماد: فسلخ الله تعالى مني شعر جرير أجمع من قلبي إلا قوله:
стр. 98
بان الخليطُ برامتينِ فودعوا
واندفعت أنشده القصيدة حتى بلغت إلى قوله:
وتقول بوزعُ قد دببتَ على العصا ... هلاَّ هزئتِ بغيرنا يا بوزَعُ
فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته، فقال: ما هو بوزع؟ قلت: اسم امرأة، قال: امرأة اسمها بوزع! أنا بريء من الله ورسوله ومن العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولة من الغيلان! تركتني والله يا هذا لا أنام الليلة من الفزع ببوزع! يا غلمان اصفعوا قفاه! فصفعت حتى لم أدر أين أنا، ثم قال: جروا برجله، فجُرَّت رجلي حتى أخرجت من بين يديه، وكان أغلظ من ذلك غرامتي ثمن السواد والسيف! فلما انصرفت إلى مطيع وأخبرته قصتي جعل يتوجع لي، فقلت: ألم أخبرك أني لا أصيب من هؤلاء القوم خيراً وأن حظي كان مع بني أمية؟ فعجب مما جرى على لساني من غلطي وزللي الذي اقتضى صفعي وحرماني!
٣٩٩ - ورد كثير على يزيد بن عبد الملك، فرحب به يزيد، واستنطقه فقال: يا أمير المؤمنين ما يعني الشماخ بقوله:
فما أروى وإن كرمتْ علينا ... بأدنى من موقفةٍ حرونِ
تطيفُ على الرماةِ وتتقيهم ... بأوعالٍ معقَّفةِ القرونِ
فغضب يزيد من ذاك وقال له: وما يضر أمير المؤمنين يا ماصَّ بظر أمه ألا يعلم هذا! وإن احتاج إلى علمه سأل عبداً مثلك عن مثله! فسكنه من حضر من أهل بيته عن كثير وقالوا: كانت له عادة بمثل هذا أن يلقيه على الخلفاء وأولاد الخلفاء فجرى على تلك السنة، وأنسي ما فيها من سوء التوفيق، ولعمرنا إنه ما كان يحب له أن يبدأ بذاك، فإن أمر بمثله وأذن له فيه قاله! وخزي كثير، ولم يلتفت عليه يزيد.
٤٠٠ - جحظة عن ميمون بن هرون قال: حدثني بعض من كان مختلطاً بالبرامكة قال: كنت عند ابراهيم بن المهدي وقد اصطبحنا، وعنده عمرو بن بانة وعبيد الله بن أبي غسان ومحمد بن عمرو الرومي وعمرو الغزال، ونحن في أطيب ما كنا عليه إذ غنى عمرو الغزال، وكان ابراهيم بن المهدي يستثقله إلا أنه يتخفف بين يديه ويقصده، ويبلغه عنه تقديم له وعصبية، وكان يحتمل ذاك منه؛ قال: فاندفع عمرو الغزال فتغني في عر محمد بن أمية:
ما تمَّ لي يومُ سرورٍ بمنْ ... أهواهُ، مذ كنتُ، إلى الليلِ
أغبطَ ما كنتُ بما نلتهُ ... منهُ أتتني الرسلُ بالويلِ
لا والذي يعلمُ كل الذي ... أقولُ ذي العزةِ والطولِ
ما رمتُ مذ كنتُ لكمْ سخطةً ... بالغيبِ في فعلٍ ولا قولِ
فتطير ابراهيم، ووضع القدح من يده، وقال: أعوذ بالله من شر ما قلت! فوالله ما سكت حتى دخل حاجبه يعدو، فقال له: مالك؟ فقال: خرج الساعة مسرور من دار أمير المؤمنين حتى دخل على جعفر بن يحيى فلم يلبث أن خرج ورأسه بين يديه، وقُبض على أبيه وإخوته! فقال ابراهيم: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ارفع يا غلام، ارفع! فرُفع ما كان بين أيدينا، وتفرقنا، فما رأيت عمرو الغزَّال بعدها في دار ابراهيم ةوابن المهدي.
٤٠١ - الصولي عن أبي ذكوان عن محمد بن سلام قال: وجه أبو الأسود الدؤلي إلى الحصين بن أبي الحر العنبري جد عبيد الله بن الحسن القاضي، وهو يلي بعض أعمال الخراج لزياد، وإلى نعيم بن مسعود النهشلي، وكان يلي مثل ذلك، برسول وكتب معه إليهما، وأراد منهما أن يبراه، ففعل نعيم بن مسعود ذلك، ورمى الحصن بن أبي الحر بكتاب أبي الأسود وراء ظهره ولم يجبه عنه ورد الرسول، وعاد الرسول إليه بذلك، فقال يهجو الحصين:
حسبتَ كتاي إذ أتاكَ تعرضاً ... لسيبكَ، لم يذهبْ رجائي هنالكما
وخبرني من كنت أرسلتُ أنما ... أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا
نظرتَ إلى عنوانهِ فنبذْتهُ ... كنبذكَ نعلاً أخلقتْ من نعالكا
نعيم بنُ مسعودٍ أحقُ بما أتى ... فأنت بما تأتي حقيقٌ بذلكا
يصيبُ وما يدري ويُخطي وما درى ... وكيفَ يكونُ النوكُ إلا كذلكا
قال محمد بن سلام: وتقدم رجل إلى عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر، وهو يلي القضاء بالبصرة، مع خصمٍ له فخلط عليه في قوله وفعله، فتمثل عبيد الله بقول أبي الأسود:
يصيب وما يدري ويُخطي ومادرى ... وكيف يكونُ النوكُ إلا كذلكا
стр. 99
فقال له الرجل: إن رأى القاضي أن يدنيني منه لأقول شيئاً فعل! فقال: أدنُ، فدنا منه وقال: إن أحق الناس بستر هذا الشعر أنت، وقد علمتَ فيمن قيل! فتبسم عبيد الله وقال: أرى فيك مصطنعاً، فقم إلى منزلك؛ وقال لخصمه: رح إلي لتأخذ مالك، فراح إليه وغرم له ما كان يدعيه.
٤٠٢ - قيل لرجلٍ: بكم تبيع شاتك؟ قال: اشتريتها بخمسة، وهي خيرٌ من ستة، وقد رأيت دونها بسبعة، وقد أُعطيت بها ثمانية، وفي نفسي أني لا أبيعها بتسعة، ولكن لا أنقصها عن عشرة، فمن وزن أحد عشر وإلا لم أبعها والسلام!
٤٠٣ - ابن مهرويه عن علي بن القاسم طارمة قال: كنت مع المعتصم لما غزا الروم، فجاءه بعض سراياه فأخبره بخبر ساءه، فركب من فوره، وسار أحد سير، وأنا أسايره، فسمع منشداً ينشد في عسكره:
إنَّ الأمورَ إذا انسدتْ مسالكُها ... فالصبرُ يفتحُ كل ما أرتتجا
لا تيأسنَّ وإن طالتْ مطالبةٌ ... إذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فرجا
فسرَّ بذلك، وطابت نفسه، ثم التفت إلي وقال: يا علي أتروي هذا الشعر؟ قلت: نعم، قال: من يقوله؟ قلت: محمد بن بشير، فتفاءل باسمه ونسبه، وقال: أمرٌ محمود وبشرٌ سريعٌ يعقب هذا الأمر! ثم قال: أنشدني أبيات برمتها فأنشدته:
ماذا يكلفكَ الروحاتِ والدلجا ... البرَّ طوراً وطوراً تركبُ اللُّججا
كم من فتىً قصرتْ في الرزق خطوتُهُ ... ألفيتهُ بسهام الرزق قد فَلَجا
لا تيأسنَّ وإن طالتْ مطالبةٌ ... إذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فرَجا
إن الأمور إ ذا انسدَّتْ مسالكها ... فالصبرُ يفتحُ منها كل ما ارتتجا
أخلقْ بذي الصبر أن يحظى بحاجتهِ ... ومدمنِ القرعِ للأبوابِ أن يلِجا
فاطلب لرجلك قبلَ الخطوِ موقعَها ... فمن علا زلقاً عن غرةٍ زلجا
فلا يغرَّنك صفوٌ أنتَ شاربُهُ ... فربما كانَ بالتكديرِ ممتزحا
لا ينتجُ الناس إلا من لقاحهمُ ... يبدو لقاحُ الفتى يوماً إذا نُتجا
قال: وأصاب من ذلك الوجه ما أحب، وزال ماكره، وعاد غانماً مسروراً.
٤٠٤ - ذكر جحظة أن أبا الفضل بن القصار المعروف ببردِ الخيار مر يوماً على أبيه وهو يقصر في دكانه، ومعه غلامٌ يحمل قاطر ميز نبيذ وجوا مرجه مذبوحة مسموطة، وقد صار طنبورياً وأيسر، فقال: الحمد لله الذي جعل ابني وأرانيه قبل أن أموت ممن يأكل لحم الجوانيرات ويشرب نبيذ القامرطيزات يريد القاطرميزات!
٤٠٥ - أبو إسحق محمد بن هرون بن عيسى بن ابراهيم المعروف بابن شبرمة قال: كنا عند عبد الله بن أيوب، وكان يحدثنا بالعشيات، فخرج فقعد للحديث، فخرج طفلان صغيران، فقال له بعض من كان معنا: يا أبا محمد هؤلاء أولادك؟ يا أبا محمد تعرف ذلك الحديث؟ قال: أي حديث؟ قال: "قيل: يولد لابن ثمانين؟ قيل: نعم، إذا كان في جواره ابن عشرين! " فأطرق ابن أيوب وغضب غضباً شديداً وقال: لأحدثتكم العشية! ماذا التهجم وسوء الأدب؟ فحلف الرجل أنه سهل وغلط، ولم يورد ذلك على أصلٍ ولا عن قصد! فقلنا له: قد جئناك من مكانٍ بعيد من المدينة! قال: قد قلتُ لا أحدثكم، ادخلوا إلى ابني فاكتبوا عنه فإنه قد سمع من سعيد بن سعيد بن محمد الحرمي! وتركنا ودخل، ولم ينتفع به أحد من بعد؛ وكنا دائماً ندم المخاطب له تلك العشية ونلومه ونوبخه.
آخر الكتاب ، ولواهب العقل الحمد دائماً كما هو أهله ومستحقه، وصلواته على سيدنا ومولانا محمد النبي وآله، وسلامه. ووافق الفراغ من تعليقه يوم الأحد ثامن عشر شوال سنة سبع وأربعين وستمائة.