الإطلاق حده منذ القرن الرابع وما بعده. وأصبح المقصود من إطلاق كلمة الصوفية , جميع عرفاء المسلمين. وارتداء الصوف أي الجبة البيضاء الصوفية الذي كان حوالي أواخر القرن الأول من عادة الخوارج والمسيحيين) (١).
هذا ونقل الشيبي عن السمعاني أنه قال:
(إن اسم عبدك هو عبد الكريم , وأن حفيده محمد بن علي بن عبدك الشيعي كان مقدم الشيعة) (٢).
ثم قال:
(وهكذا يبدو عبدك جامعا لاتجاهات عديدة مختلفة نابعة من التشيع , الممتزجة بالزهد المتأثر بظروف الكوفة التي انتقل منها كثير من سكانها إلى بغداد , بعد أن صارت عاصمة للدولة الجديدة , والمهم في شأن عبدك أنه أول كوفي يطلق عليه اسم صوفي بعد انتقاله إلى بغداد ... وقد رأينا أن لبس الصوف قد نبع من بيئة الكوفة التي عرفت بتمسكها بالتشيع ومعارضتها وحربها بالسيف أو بالقول أو بالقلب لمن نكل بالأئمة العلويين , وذلك - إذا صح - يقطع بأن التصوف في أصوله الأولى كان متصلا بالتشيع) (٣).
هذا ولقد ذكره أيضا من المتقدمين الملطي بقوله:
(إن عبدك كان رأس فرقة من الزنادقة الذين زعموا أن الدنيا كلها حرام محرم لا يحل الأخذ منها إلا القوت من حيث ذهب أئمة العدل , ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل وإلا فهي حرام , ومعاملة أهلها حرام , فحل لك أن تأخذ القوت من الحرام من حيث كان) (٤).
فهذا هو الرجل الثاني الذي لقب بلقب الصوفي بداية الأمر.
وأما الثالث فلقد ذكرناه فيما مر , وهو كوفي أيضا , ولكنه من العجائب فهو وإن لم يكن متهما بالتشيع متهم بالزندقة والدهرية كما ذكر الحاج معصوم علي:
كان يلبس لباسا طويلا من الصوف كفعل الرهبان , ويرى أنه كان يقول
стр. 142
بالحلول والإتحاد مثل النصارى , غير أن النصارى أضافوا الحلول والاتحاد إلى عيسى ﵇ وأضافهما هو إلى نفسه , وكان مترددا بين هاتين الدعوتين , ولم يعلم على أيهما استقر في النهاية - ونقل عن كتاب أصول الديانات أنه -: كان أمويا وجبريا في الظاهر وباطنيا ودهريا في الباطن , وكان مراده من وضع هذا المذهب أن يثير الاضطراب في الإسلام) (١).
ومن الغرائب أن شخصا آخر وهو ذو النون المصري الذي يقال عنه: (أنه أول من عرف التوحيد بالمعنى الصوفي) (٢).
وهو: (رأس هذه الطائفة , فالكل قد أخذ عنه وأنتسب إليه , وقد كان المشائخ قبله ولكنه أول من فسر الإرشادات الصوفية وتكلم في هذا الطريق) (٣).
وأنه: (هو أول من تكلم في بلده في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية) (٤).
كما أثر عنه بأنه (أول من وضع تعريفات للوجد والسماع) (٥).
وعلى ذلك قال بحق , الكاتب الإنجليزي المشهور عن الصوفية:
(هو أحق رجال الصوفية على الإطلاق بأن يطلق عليه اسم واضع التصوف , وقد اعترف له بالفضل في هذا الميدان كتّاب التراجم المؤرخون من المسلمين) (٦).
فهذا هو الشخص الآخر من واضعي التصوف , وكان أيضا متهما بالزندقة والاشتغال بالسحر والطلسمات كما نقل الإمام الذهبي عن يوسف بن أحمد البغدادي أنه قال:
(كان أهل ناحيته يسمونه بالزنديق) (٧).
ونقل أيضا عن السلمي أنه قال:
(ذو النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال , ومقامات الأولياء , فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم , وهجره علماء مصر. وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف , وهجروه حتى رموه بالزندقة. فقال أخوه: أنهم يقولون: إنك زنديق.
стр. 143
فقال:
ومالي سوى الإطراق والصمت حيلة ... ووضعي كفى تحت خدي وتذكاري) (١).
وقال الإمام الذهبي:
(وقل ما روى الحديث ولا كان يتقنه , وقال الدارقطني: روى عن مالك أحاديث فيها نظر) (٢).
والصوفي المشهور فريد الدين العطار يكتب في ترجمته أنه (كان من الملامتية لأنه أخفى تقواه بظهوره في الناس بالاستخفاف بأمور الشرع , ولذلك عده المصريون زنديقا , ولو أنهم اعترفوا له بالولاية بعد موته) (٣).
وقد ذكره ابن النديم من الملمين بعلم الكيمياء , والعارفين به والكاتبين فيه (٤).
ويذكره القفطي بقوله:
(ذو النون بن إبراهيم الإخميمي المصري , من طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء , وتقلد علم الباطن والإشراف على كثير من علوم الفلسفة. وكان كثير الملازمة لبر با بلدة إخميم , فإنها بيت من بيوت الحكمة القديمة , وفيها التصاوير العجيبة والمثالات الغريبة التي تزيد المؤمن إيمانا , والكافر طغيانا. ويقال: أنه فتح عليه علم ما فيها بطريق الولاية. وكانت له كرامات) (٥).
وكذلك المسعودي يذكر أنه (جمع معلوماته عن ذي النون من أهل إخميم عندما زار هذا البلد. وهو يروي عنهم أن أبا الفيض ذا النون المصري الإخميمي الزاهد كان حكيما سلك طريقا خاصا , وأتخذ في الدين سيرة خاصة , وكان من المعنيين بحل رموز البرابي في إخميم , كثير التطواف بها. وأنه وفق إلى حل كثير من الصور والنقوش المرسومة عليها , ثم يذكر المسعودي ترجمة لطائفة من هذه النقوش التي ادعى ذو النون أنه قرأها وحلها) (٦).
ثم وبعد ذكر هذه العبارات كتب نيكلسون ما خلاصته: (أن ذا النون كان كثير العكوف على دراسة النقوش البصرية المكتوبة على المعابد وحل رموزها , كما
стр. 144
كانت مصر القديمة في نظر المسلمين مهد علوم الكيمياء والسحر وعلوم الأسرار , وكان هو من أصحاب الكيمياء والسحر مع أن الإسلام حرم السحر , ولذلك ستره بلباس الكرامات , ومن هنا بدا تأثير السحر في التصوف , ويؤيد ذلك استخدام ذي النون الأدعية السحرية واستعماله البخور لذلك كما ذكره القشيري في رسالته) (١).
فهذا هو الرجل الآخر من الثلاثة الأول الذين يقال عنهم بأنهم أول من لقبوا بهذا اللقب , ووصفوا بهذا الوصف , وعرفوا بهذا الرسم أو عرّفوا هذا الطريق إلى الناس بادئ ذي بدء.
سَلاَسِلُ التّصَوّف
ومن شواهد تأثر التصوف بالتشيع وعلمائها أن سلاسل التصوف كلها ما عدا النادر القليل منها تنتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁ دون سائر أصحاب رسول الله ﷺ , وفي طرق إسنادها إلى علي أسماء أئمة الشيعة المعصومين حسب زعمهم من أولاد علي ﵁ دون غيرهم , وأن رؤساء هذه العصابة يذكر لهم اتصال وثيق , وصلات وطيدة مع أئمة القوم كما يذكر في تراجمهم وسيرهم وأحوالهم , إضافة إلى ذلك أن الخرقة الصوفية لا يبدأ ذكرها أيضا إلا من علي ﵁ أيضا.
فإن علي بن أبي طالب ﵁ مع كونه من سادة أصحاب رسول الله ﷺ وأشرافهم , ومن العشرة المبشرين بالجنة , ورابع الأربعة من الخلفاء الراشدين الذين خلفوا رسول الله ﷺ بعد وفاته لقيادة هذه الأمة وتسيير أمورها ولكنه لم يكن أزهد من أبي بكر الصديق ﵁ , ولا من عمر الفاروق ﵁ (أبي بكر الصديق السابق بالتصديق الملقب بالعتيق , المؤيد من الله بالتوفيق , صاحب النبي ﷺ في الحضر والأسفار , ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار , وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار , المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار , وعامة الأبرار , وبقي له شرفه على كرور الأعصار , ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيدي والأبصار , حيث يقول علم الأسرار: ثاني اثنين إذ هما في الغار , إلى غير ذلك من الآيات والآثار , ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار , التي غدت كالشمس في الانتشار , وفضل كل من فاضل , وفاق كل من جادل وناضل , ونزل فيه: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل , توحد الصديق , في الأحوال
стр. 145
بالتحقيق , واختار الاختيار من الله دعاه إلى الطريق , فتجرد من الأموال , والأغراض , وانتصب في قيام التوحيد للتهدف والأغراض , صار للمحن هدفا , وللبلاء غرضا , وزهد فيما عزله جوهرا كان أو عرضا) (١).
(ومات ولم يترك دينارا ولا درهما) (٢).
(وكفن في ثوبين مستعملين قديمين) (٣).
وقال في آخر لحظاته من الحياة موصيا أهله وورثته:
(أما إنّا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا , ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي , وهذا البعير الناضح , وجرد هذه القطيفة , فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وأبرئي منهن. ففعلت.
فلما جاء الرسول بكى عمر حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده) (٤).
وعمر الفاروق ﵁ (ذو المقام الثابت المأنوق , أعلن الله تعالى به دعوة الصادق المصدوق , وفرق به بين الفصل والهزل , وأيد بما قواه به من لوامع الطول , ومهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد , وبدد به مواد التنديد , فظهرت الدعوة , ورسخت الكلمة , فجمع الله تعالى بما منحه من الصولة , ما نشأت لهم من الدولة , فعلت بالتوحيد أصواتهم بعد تخافت , وتثبتوا في أحوالهم بعد تهافت , غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين , لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم , ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم , إتكالا , اتكالا على من هو منشئهم وكافيهم , واستنصارا بمن هو قاصمهم وشافيهم , محتملا لما احتمل الرسول , ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول , ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه , ومعانقا لما كلف من التشمر والتوجيه , المخصوص من بين الصحابة بالمعارضة للمبطلين , والموافقة في الأحكام لرب العالمين , السكينة تنطق على لسانه , والحق يجري الحكمة عن بيانه , كان للحق مائلا , وبالحق صائلا , وللأثقال حاملا , ولم يخف دون الله طائلا) (٥).
و (كان بين كتفيه أربع رقاع , وإزاره مرقوع بأدم , وخطب على المنبر وعليه
стр. 146
إزار فيه اثني عشر رقعة , وأنفق في حجته ستة عشر دينارا , وقال لابنه: قد أسرفنا.
وكان لا يستظل بشيء غير أنه كان يلقى كساءه على الشجر ويستظل تحته , وليس له خيمة ولا فسطاط) (١).
وقال في وصيته التي وصى بها ابنه في آخر لحظة من عمره , وقد استسلف مالا من بيت مال المسلمين:
(بع فيها أموال عمر , فإن وفت وإلا فسل بني عدي , وإن وفت وإلا فسل قريشا ولا تعدهم) (٢).
وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه ردّا على الشيعة الذين قالوا: إن عليا كان أزهد أصحاب رسول الله ﷺ , فقال:
(أزهد الناس بعد رسول الله الزهد الشرعي أبو بكر وعمر , وذلك أن أبا بكر كان له مال يكسبه فأنفقه مله في سبيل الله ... ولقد تلا أبا بكر عمر في هذا الزهد , وكان فوق علي في ذلك يعني في إعراضه عن المال واللذات.
وأما علي ﵁ فتوسع في هذا المال من حله , ومات عن أربع زوجات وتسعة عشر أم ولداً سوى الخدم , وتوفي عن أربعة وعشرين ولدا من ذكر وأنثى , وترك لهم من العقار والضياع ما كانوا به أغنياء قومهم ومياسيرهم , هذا أمر مشهور لا يقدر على إنكاره من له أقل علم بالأخبار ... فصح بالبرهان الضروري أن أبا بكر ﵁ أزهد من جميع الصحابة ﵃ , ثم عمر) (٣).
هذا وكان في أصحاب رسول الله زهاد آخرون ولكن المتصوفة لم ينهوا سلسلة سندهم إلا إلى علي بن أبي طالب ﵁ مثل الشيعة الذين يجعلونه أول إمام لهم. كما نقل الهجويري عن الجنيد أنه قال:
(شيخنا في الأصول والبلاء على المرتضى , أي أن علي بن أبي طالب هو إمام هذه الطريقة في العلم والمعاملة , فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة اسم الأصول , ويسمون تحمل البلاء فيها بالمعاملات) (٤).
وهو الذي نقل عنه العطار أنه قال:
(ولقد وهبه الله تعالى من العلم والحكمة والكرامة , وماذا كنا نصنع لو لم ينطق المرتضى بهذا القول على سبيل الكرامة) (٥).
стр. 147
ويقول الطوسي أبو نصر السراج:
(ولأمير المؤمنين علي ﵁ خصوصية من بين جميع أصحاب رسول الله ﷺ بمعاني جليلة , وإشارات لطيفة , وألفاظ مفردة , وعبارة وبيان للتوحيد والمعرفة والإيمان والعلم , وغير ذلك , وخصال شريفة تعلق وتخلق به أهل الحقائق من الصوفية) (١).
(وأما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فذاك مدينة العلم , وأول آخذ لبيعة الطريق - طريق الأولياء - وأول ملقن بالذكر والسر من الرسول ﷺ (٢).
لأن جبريل ﵇ نزل إلى رسول الله ﷺ : (أولا بالشريعة , فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوه من أعمال الشريعة وهي الإيمان والإحسان فخص رسول الله ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض.
وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا على كرم الله وجهه عن رسول الله ﷺ (٣).
فإن عليا ﵁ حسب كلام المتصوفة: (من أصحاب العلم وممن يعلمون من الله ما لم يعلمه غيره) (٤).
ولا جبرائيل وميكائيل لأن رسول الله ﷺ (لما لقن علي بن أبي طالب ﵁ , وخلع عليه ذلك صار يقول:
عندي من العلم الذي أسرّه إلىّ رسول الله ﷺ ما ليس عند جبريل ولا ميكائيل) (٥).
وعلى ذلك نقل الطوسي عن الوجيهي أنه قال:
سمعت أبا علي الروذباري يقول: سمعت جنيدا ﵀ يقول:
(رضوان الله على أمير المؤمنين علي , ﵁ , لولا أنه اشتغل بالحروب لأفادنا من علمنا هذا معاني كثيرة , ذاك امرؤ أعطى علم اللّدني , والعلم اللّدني هو العلم الذي خصّ به الخضر ﵇ , قال تعالى: ﴿وعلمناه من لدنّا علما﴾) (٦).
стр. 148
ورسول الله ﷺ جعله بمنزله هارون من موسى مع الفضل العظيم لأبي بكر (ولم يشرك الحبيب الرسول المقرب الخليل في مقام الخلّة كما صلح أن يشرك معه في مقام الأخوة عليا كرم الله وجهه فقال: علي مني بمنزلة هارون من موسى) (١).
وكان له مقام ومنزلة عند الصوفية إلى أن نقل الشعراني عن أحد المتصوفين أنه قال:
(إن علي بن أبي طالب ﵁ رفع كما رفع عيسى ﵇ , وسينزل كما ينزل عيسى ﵇ ثم يقول الشعراني: قلت: وبذلك قال سيدي على الخواص ﵁ فسمعته يقول:
إن نوحا ﵇ أبقى من السفينة لوحا على اسم علي بن أبي طالب ﵁ يرفع عليه إلى السماء فلم يزل محفوظا في صيانة القدرة حتى رفع علي بن أبي طالب ﵁ (٢).
فهذا هو علي بن أبي طالب ﵁ ومكانته , ومنزلته , وشأنه , وقد نقل باحث شيعي عن جلال الدين الرومي الصوفي الفارسي المشهور أنه قال في أبياته ما تدلّ على رؤيتهم إلى علي وعقيدتهم فيه , فيقول:
(منذ كانت صورة تركيب العالم ... كان عليّ
منذ نقشت الأرض وكان الزمان ... كان عليّ
ذلك الفاتح الذي انتزع باب خيبر بحملة واحدة ... كان عليّ
كلما تأملت في الآفاق ونظرت
أيقنت بأنه في الموجودات ... كان عليّ
إن من كان هو الوجود , ولولاه
لسرى العدم في العالم الموجود (إياه) ... كان عليّ
إن سر العالمين الظاهر والباطن
الذي بدا في شمس تبريز ... كان عليّ) (٣).
وهذا الغلو في علي بن أبي طالب ﵁ عندما يقارن بالغلو الشيعي فيه , ليس بأقلّ منه في صورة من الصور.
وإليه تنتسب سلاسل التصوف كلها كما قال محمد معصوم شيرازي الملقب بمعصوم علي شاه:
стр. 149
(ولابد لكل سلسلة من سلاسل التصوف من الأزل إلى الأبد , ومن آدم إلى انقراض الدنيا أن تكون متصلة بسيد العالمين وأمير المؤمنين) (١).
لأنه (أزهد الصحابة عند المتصوفة) (٢).
كما هو (رأس الفتوة وقطبها) (٣).
فأول وليّ عند المتصوفة هو علي بن أبي طالب ﵁ , ومنه إنتقل الولاية إلى غيره من الأولياء كما أنه أول إمام عند الشيعة , وتسلسلت منه فورثها غيره , وكذلك الفتوة والقطبية , وهو الذي ألبس خرقته الحسن البصري , وهذه الخرقة التي يلبسها المتصوفة خلفاءهم وورثتهم (٤).
وينصّ على تشيع هذا ابن خلدون في مقدمته حيث يقول عند ذكر الصوفية:
(إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخيّلهم رفعوه إلى عليّ ﵁ وهو من هذا المعنى أيضا , وإلا فعليّ ﵁ لم يختصّ من بين الصحابة بتخليه ولا طريقة في اللباس ولا الحال , بل كان أبو بكر وعمر ﵄ أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ وأكثرهم عبادة , ولم يختصّ أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص , بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة , يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات , وإنما هو مأخوذ من كلام الشيعة والرافضة ومذاهبهم في كتبهم والله يهدي إلى الحق) (٥).
وهذا إضافة إلى أن هذه الخرقة ونسبتها إلى عليّ , ورواية لبس الحسن البصري كلها باطل , لا أصل له , لأنه (لم يثبت لقاء الحسن مع علي بن أبي طالب ﵁ على القول الصحيح , لأن عليا ﵁ انتقل من المدينة إلى الكوفة والحسن صغيرا) (٦).
стр. 150
وعلى كل فإن الصوفية ينهون سند لبس الخرقة إلى علي بن أبي طالب ﵁ , كما ينهون إليه سلاسلهم.
ولا يقتصرون على عليّ بن أبي طالب وحده , بل يقولون مثل ما يقوله الشيعة تماما: (وثامن الفتيان بعد النبوة والرسالة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث أسلم صبيا , وجاهد في سبيل الله مراهقا , وبوأه الله قطبانية الأولياء رجلا وكهلا.
وعنه أخذ الفتوة ابناه الحسن والحسين وهي أعلى مقامات الولاية عد القطبانية التي هي منها والصديقة التي هي كمالها.
ومن دلائل فتوة الحسن ﵁ أن آثر الخلافة الباطنة على الخلافة الظاهرة , وتنازل عن الظاهرة حقنا لدماء المسلمين.
ومن دلائل فتوة الحسين أن الشهيد الأعظم في سبيل الله وفي سبيل الأمانة.
ومن الخصائص التي خصّ الله تعالى بها عليا كرم الله وجهه أنه إذا كان الرسول مدينة العلم فعليّ بابها , وإن كان للفروسية أو الولاية فتيان فهو فتاهما الأول.
فعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه أول فتيان هذه الأمة وفتى أوليائها , وحسبه في ذلك أن أراد إفتداء الرسول بنفسه) (١).
ويقول أيضا:
(إن علي بن أبي طالب أخذ البيعة الخاصة بطريق الله عن رسول الله ﷺ , ولقن بها ابنه الحسن , ثم الحسين) (٢).
وكان الصوفي المشهور أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي يقول:
(طريقنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة , بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ , وهو أول الأقطاب) (٣).
وقالوا:
(وكان من أوائل أهل طريق الله بعد الصحابة علي بن الحسين زين العابدين , وابنه محمد بن علي الباقر , وابنه جعفر بن محمد الصادق , وذلك بعد علي والحسن والحسين ﵃ جميعا) (٤).
ويقول الكلاباذي في الباب الثاني من تعرفة:
стр. 151
(ممن نطق بعلومهم , وعبر عن مواجيدهم , ونشر مقاماتهم , ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة رضوان الله عليهم: علي بن الحسين زين العابدين. وابنه محمد الباقر. وابنه جعفر بن محمد الصادق ﵃ (١).
فانظر الترتيب , وهذا نفس ترتيب الشيعة لأئمتهم , حيث يعدّون الإمام الأول والثاني والثالث عليه وابنه الحسن والحسين , والرابع والخامس والسادس: زين العابدين , ومحمد الباقر , وجعفر بن محمد الباقر.
ثم الإمام السابع والثامن عندهم: موسى بن جعفر الملقب بالكاظم , وعلي بن موسى الكاظم الملقب بالرضا , من الأئمة الإثني عشر.
وهاهو الشعراني أيضا يعدهم أئمة , واثني عشر أيضا , عندما يذكر من بين الصوفية وأولياء الله موسى بن جعفر , فيقول:
(ومنهم موسى الكاظم ﵁ أحد الأئمة الإثني عشر , وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ... وكان يكنّى بالعبد الصالح لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل , وكان إذا بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بالمال) (٢).
وأما علي بن موسى الرضا فيقولون عنه: (أن شيخ مشائخ الصوفية معروف الكرخي أسلم على يديه) (٣).
ويكتب القشيري عنه: (أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي كان من المشائخ الكبار , مجاب الدعوة , يستشفى بقبره , يقول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرب , وهو من موالي علي بن موسى الرضا ﵁ (٤).
وزاد السلمي في طبقاته , والجامي في نفحاته أنه كان من حجبه , فيقول:
(معروف بن فيروز , ويقال: معروف بن علي , ويلقب بالزاهد , وهو من أجلة المشائخ وقدمائهم , والمعروفين بالورع والفتوة. كان أستاذ سري السقطي , وصحب داؤد الطائي.
وكان معروف أسلم على يد علي بن موسى الرضا , وكان بعد إسلامه يحجبه ,
стр. 152
فازدحم الشيعة يوما على باب علي بن موسى , فكسروا أضلع معروف , فمات , ودفن ببغداد , وقبره ظاهر , ويتبرك الناس بزيارته) (١).
والجدير بالذكر أن معروف الكرخي أستاذ السري السقطي , وخال وأستاذ لسيد الطائفة جنيد البغدادي , ولذلك (يروي الجنيد عن السري السقطي , وهو عن معروف الكرخي , وهو عن علي بن موسى الرضا , عن أبيه موسى الكاظم , عن أبيه محمد الباقر , عن أبيه زين العابدين , عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب , عن علي بن أبي طالب) (٢).
وكتب عنه شيخ الأزهر السابق والصوفي المعاصر الدكتور عبد الحليم محمود عن الرضا:
(له كرامات كثيرة: منها أنه قال لرجل صحيح سليم: استعد لما لا بدّ منه , فمات بعد ثلاثة أيام , وروى الحاكم أن أبا حبيب قال:
رأيت المصطفى ﵊ في النوم , في المنزل الذي ينزله الحاج ببلدنا , فوجدت عنده طبقا من خوص فيه تمر , فناولني ثماني عشرة تمرة , وبعد عشرين يوما قدم علي الرضا من المدينة ونزل ذلك المنزل , وفزع الناس للسلام عليه , ومضيت نحوه فإذا هو جالس بالموضع الذي رأيت المصطفى جالسا فيه , وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني , فناولني قبضة فإذا عدتها بعدد ما ناولني المصطفى , فقلت: زدني. فقال: لو زادك رسول الله لزدناك) (٣).
ومن الطرائف أن ذكر الثمانية هؤلاء من أئمة الشيعة الإثني عشر بالتسلسل الشيعي في كتب المتصوفة الكثيرين مثل ما يذكرون عن الرفاعي أحمد الكبير أنه (أخذ العهد والطريق من يد خاله شيخ الشيوخ صاحب الفتح الصمداني سيدنا منصور البطائحي الرباني وهو لبسها من خاله سيدنا الشيخ أبي المنصور الطيب وهو لبسها من ابن عمه الشيخ أبي سعيد يحيى البخاري الأنصاري وهو لبسها من الشيخ أبي الترمذي وهو لبسها من الشيخ أبي القاسم السندوسي الكبير وهو لبسها من الشيخ أبي محمد دويم البغدادي وهو لبسها من خاله الشيخ سري السقطي وهو لبسها من الشيخ معروف الكرخي وهو لبسها من إمام الزمان وحجة أهل العرفان الإمام ابن الإمام علي الرضي وهو لبسها من أبيه نور حدقة العناية والإمامة ونور حديقة الولاية
стр. 153
والكرامة ملجأ الأولياء الأعاظم أبي الحسن موسى الكاظم وهو لبسها من أبيه صاحب القدم السابق الإمام جعفر الصادق وهو لبسها من أبيه صاحب السر الطاهر الإمام محمد الباقر وهو لبسها من أبيه كهف المحتاجين وإمام الأفراد أبي محمد الإمام زين العابدين علي السجاد وهو لبسها من أبيه أحد سبطي رسول الله شهيد كربلاء الإمام الحسين أبي عبد الله وهو لبسها من أبيه إمام الأئمة ومجن هذه الأمة صاحب القدر العظيم والشرف الجلي أمير المؤمنين الإمام أبي الحسن علي ﵁ وعنهم أجمعين) (١).
وذكر الرفاعي نفسه بصورة أخرى , ويقول:
(أكمل التوبة الفورية في مقام البضعية , من حيث التحلي بحلوة الطينة الذاتيةالأحمدية , إنما هي توبة السيدة البتول العذراء , سيدتنا وقرة أعيننا فاطمة أم السبطين الزهراء سلام الله ورضوانه عليها , وقام عنها بنوبة الجزء الأزهري بعلها المأمون المنوه على جلالة قدره وعظيم مكانته بطالعه (علي مني بمنزلة هارون من موسى) الحديث. فأدرع بدرع الخلافة البضعية متحكما في مشهد الخلافة الأمرية , إصالة في مشهد الخلافة البضعية وكالة حتى لقي الله , فأدرع بمطرها النوراني السبطان السعيدان الشهيدان الحسن والحسين سلام الله وتحياته عليهما , ودارت هذه التوبة الجامعة المحمدية في الأسباط الطاهرين سبطاً بعد سبط إلى أن صينت في مقام الكنزية المضمرة إلى ولي الله المهدي الخلق الصالح سلام الله عليه , فتلقاها عنه من مقام الألباس النواب الجامعون المحمدون , فهم إلى عهدنا هذا من بني الإمام الحسين السبط شهيد كربلاء عليه وعليهم نوافح السلام والرضوان) (٢).
ولذلك كتب محمد معصوم شيرازي:
أن علي بن أبي طالب خاتم الولاية المحمدية , فكميل بن زياد النخعي , والحسن البصري , وأويس القرني أخذوا عن عليّ بن أبي طالب ﵇.
والشقيق البلخي أخذ عن الكاظم ﵇.
والشيخ أبو زيد أخذ عن جعفر الصادق.
والشيخ معروف أخذ عن الرضا , والشيخ سري أخذ عنه , والشيخ جنيد أخذ عن السري ,
وهو ومن الغرائب أن المتصوفة يعتقدون للحسن العسكري ابنا , كالشيعة
стр. 154
الإثني عشرية , مع إتفاق أهل السنة والمؤرخين , وشهادة الشيعة ونقيب الأشراف وأخوه العسكري وأمه بأنه لم يولد له ولد , وأثبت رواية فيه وأقوم حجة ما رواه الكليني بنفسه , والآخرين من مؤرخي الشيعة وأعلامهم أن الحسن العسكري لما دفن (أخذ السلطان والناس في طلب ولده , وكثر التفتيش في المنازل والدور , وتوقفوا عن قسمة ميراثه , ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل ملازمين حتى تبيّن بطلان الحمل , فلما بطل الحمل قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر , وادعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي) (١).
وذكر هذا الخبر جميع مؤرخي الشيعة ومؤلفيهم ومحدثيهم من المفيد في الإرشاد (٢).
والطبرسي في إعلام الورى (٣).
والأربلي في كشف الغمة (٤).
والملا باقر المجلسي في جلاء العيون (٥).
وصاحب الفصول في الفصول المهمة (٦).
والعباس القمي في منتهى الآمال (٧).
وقال النوبختي الشيعي المشهور في فرقه:
(أن الحسن توفى ولم يوله أثر , ولم يعرف له ولد ظاهر , فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه) (٨).
لكن المتصوفة يقولون أنه ولد للحسن العسكري ولد , وهو الذي سيخرج مهديا , كعقيدة الشيعة تماما بدون أدنى تغيير , فاسمع ماذا يقولون:
(فهناك بترقب خروج المهدي ﵇ , وهو من أولاد حسن العسكري , ومولده ﵇ ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم ﵇ , فيكون عمره إلى وقتنا هذا , وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمائه سبعمائة سنة وست سنين. هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي
стр. 155
المدفون فوق كوم الرئيس المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة على الإمام المهدي حين اجتمع به.
ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص رحمهما الله تعالى.
وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات ك
وأعلموا أنه لابد من خروج المهدي ﵇ لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة وهو من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵂ جده الحسين بن علي بن أبي طالب , ووالده حسن العسكري بن الإمام النقي بالنون ابن محمد التقي بالتاء ابن الإمام على الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ (١).
وكذلك الرفاعيون , حيث يعدّون الرفاعي الإمام الثالث عشر بعد الثاني عشر الموهوم الذي لم يولد (٢).
فهذه هي عقائد المتصوفة في علي بن أبي طالب ﵁ , وأئمة الشيعة من أولاده , فإليهم ينتسبون , وبمسلكهم يسلكون , وبخرافاتهم يتمسكون.
وهذا وحده كاف لبيان تأثر التشيع في التصوف.
ونختم كلامنا في هذا على مقولة صوفي كبير وهو أبو الظفر ظهير الدين القادري حيث يقول: القطبية كانت للأئمة الإثني عشر بطريق الاستقلال , ولمن بعدهم بطريق النيابة (٣).
стр. 156
نُزُولُ الْوَحيِ وإتْيَان المَلاَئِكَة
وبعد هذا نرجع إلى أفكار الصوفية الأخرى ومعتقداتهم الخاصة بهم , لنرى التشيع المتستر الظاهر فيها , وتأثيره خفيا جليا ليرى الباحث والقارئ منهل التصوف ومنبعه , مصدره ومأخذه.
فإن الشيعة يرون بأن النبوة لم تختم على محمد صلوات الله وسلامه عليه , حيث لم يكن وحده في زمانه الذي كان ينزل عليه الوحي , ويأتي إليه الملك , ويكلمه الله من وراء حجاب , بل كان هناك شخص آخر في زمانه وبعده , كان له تلك الأوصاف كلها , بل وأكثر منها.
حيث أن رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يكلمه الله إلا وحيا , أو من وراء حجاب , أو بإرسال رسول , فيوحي بإذنه ما يشاء.
وأما الإمام فكان ينزل عليه الوحي , ويرسل إليه رسول , ويكلمه الله ويناجيه بلا حجاب , وقد أعطى خصالا لم يسبقه إليها أحد , ثم توارث هذه الأوصاف من خلفه بعده إلى خاتم الأئمة.
ولقد ورد في كتب الشيعة الإثني عشرية - لا في كتب الإسماعيلية (١) والغلاة (٢) - وفي أصحها عندهم ما ينصّ على ذلك مثل ما ذكر الكليني - وهو كالبخاري عند أهل السنة - في كافيّه (٣) عن جعفر الصادق - الإمام المعصوم السادس لدى القوم - أنه قال:
(ما جاء به عليُّ ﵇ آخذ به وما نهى عنه انتهى عنه , جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد ﵌ ولمحمد ﵌ الفضل على جميع من خلق الله , المتعقّب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك بالله , كان أمير المؤمنين ﵇ باب الله الذي لا يؤتى إلا منه , وسبيله الذي من سلك بغيره هلك , وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد , جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى , وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما
стр. 157
يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا به لمحمد ﵌ ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الربّ وإن رسول الله ﵌ يدعى فيكسى , وادعى فأكسى ويستنطق واستنطق فأنطق على حد منطقه , ولقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي علمت المنايا والبلايا , والأنساب وفصل الخطاب , فلم يفتني ما سبقني , ولم يعزب ما غاب عني) (١).
ونقل محمد بن حسن الصفار شيخ الكليني وأستاذه , الذي يعدّونه من أصحاب إمامهم الحادي عشر - حسب زعمهم - روايات كثيرة في صحيحه لإثبات نزول الوحي على أئمتهم , ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى , منها ما رواها عن حمران بن أعين أنه قال:
(قلت لأبي عبد الله (جعفر) ﵇: جعلت فداك , بلغني أن الله تعالى قد ناجى عليا ﵇؟
قال: أجل , قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل) (٢).
لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم خيبر , فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس , فإن الله أمرني بذلك , قال أبو رافع: فمضى عليّ ﵇ وأنا معه , فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس وأطال الوقوف , فقال الناس:
إن عليا ﵇ يناجي ربه , فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها , قال أبو رافع: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله , فقلت: إن عليا ﵇ وقف بين الناس كما أمرته , قال قوم منهم:
(إن الله ناجاه , فقال: نعم يا رافع , إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين , ويوم غسل رسول الله) (٣).
ومثل هذه الروايات كثيرة لا تعدّ ولا تحصى (٤).
هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى يرى الشيعة أن أئمتهم أولئك أفضل من
стр. 158
الأنبياء كما صرح بذلك الكليني أن الإمامة فوق النبوة والرسالة والخلة حيث نقل رواية عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال:
(إن الله اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا , وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا , وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا , وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما) (١).
وروى أيضا عن يوسف التمار أنه سمع جعفر بن الباقر أنه قال:
(ورب الكعبة , ورب البنية -ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر ﵉ لأخبرتهما أني أعلم منهما , ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان , ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة) (٢).
وعنه أنه قال:
(إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض , وأعلم ما في الجنة وما في النار , وأعلم ما كان وما يكون) (٣).
وقد بوب الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبيرة بابا مستقلا بعنوان (الأئمة الإثني عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم , وأن الأنبياء أفضل من الملائكة).
ثم أورد تحته روايات عديدة , منها ما رواها عن جعفر أنه قال:
(إن الله خلق أولي العزم من الرسل , وفضلهم بالعلم , وأورثنا علمهم , وفضلنا عليهم في علمهم , وعلم رسول الله (ص) ما لم يعلمهم , وعلمنا علم الرسول وعلمهم) (٤).
وعلى ذلك قال الخميني زعيم شيعة إيران اليوم في كتابه (ولاية الفقيه) ما نصّه:
(إن من ضروريات مذهبنا أنه لا ينال أحد المقامات المعنوية الروحية للأئمة
стр. 159
حتى ملك مقرب ولا نبي مرسل , كما روي عندنا بأن الأئمة كانوا أنوارا تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم .... وأنهم قالوا: إن لنا مع الله أحوالا لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل , وهذه المعتقدات من الأسس والأصول التي قام عليها مذهبنا) (١).
فهذه هي عقائد الشيعة الإثني عشرية في أئمتهم بأنه يأتي إليهم جبريل , وينزل عليهم الوحي , ويكلمهم الله من وراء حجاب , ويناجيهم من دون حجاب , وأن النبوة لم تنقطع ولم تختم بمحمد صلوات الله وسلامه عليه , وأن الولاية أعظم وأفضل من النبوة والرسالة , وعلمهم بدون واسطة فصاروا يعلمون علم ما كان وما يكون , وفضلهم على الخلائق من الأنبياء والرسل.
والنصوص والروايات في هذا الخصوص جاوزت المئات , وعليها أسست وبنيت الديانة الشيعية نتيجة مؤامرة يهودية للقضاء على الإسلام ودعوة خاتم النبيين الناطق بالوحي ﷺ .
هذا , وبعد هذا عندما نرجع إلى آراء الصوفية , وأفكارهم , عقائدهم ومعتقداتهم , كتبهم ورسائلهم , رواياتهم ومقولاتهم , تصريحاتهم وعباراتهم , نجد معظم هذه الأفكار وطابعها واضحا جليا , بل إنها عين هذه الترهات والخزعبلات , مبثوثة منشورة في كتب الأولين منهم والآخرين. وهاهي النصوص:
فيقول الصوفي الكبير عبد القادر الحلبي المعروف بابن قضيب البان:
(كل ما خصّت به الأنبياء , خصّت به الأولياء) (٢).
وما هي اختصاصات الأنبياء غير الوحي , ونزول الملائكة , وكلام الربّ معهم , وإخبارهم عن الغيب , وكونهم معصومين عن الخطأ والزلل في تبليغ رسالات الله (٣) , التي يريد ابن البان إشراك غيرهم معهم من الصوفية؟
وهل لسائل أن يسأل: أو بعد مشاركة الغير يبقى الاختصاص اختصاصا؟
стр. 160
وقبل أن نتعمق في هذا نريد أن نضع النقاط على الحروف , كي لا يتوهم المتوهم أننا نلزم القوم على ما لا يتقولونه ويعتقدونه. فنثبت من كتبهم أنفسهم , وبعباراتهم هم ما يبرهن قولنا , فيقول الشيخ الأكبر للصوفية رادّا على الغزالي:
إن الغزالي غلط في التفريق بين نزول الملك على النبي والوليّ , مع أن النبي والوليّ كلاهما ينزل عليه الملك (١).
وقد ذكر الشعراني أيضا بقوله:
(فإن قلت: قد ذكر الغزالي في بعض كتبه: إن الفرق بين تنزّل الوحي على قلب الأنبياء وتنزله على قلوب الأولياء نزول الملك , فإن الوليّ يلهم ولا ينزل عليه ملك قط , والنبي لا بد له في الوحي من نزول الملك به , فهل هذا صحيح؟
فالجواب كما قاله الشيخ في الباب الرابع والستين وثلاثمائة: أن ذلك غلط ... قال الشيخ: وسبب غلط الغزالي وغيره في منع تنزل الملك على الوليّ عدم الذوق , وظنهم أنهم قد علموا بسلوكهم جميع المقامات وفلما ظنوا ذلك بأنفسهم ولم يروا ملك الإلهام نزل عليهم أنكروه , وقالوا: ذلك خاص بالأنبياء , فذوقهم صحيح وحكمهم باطل , مع أن هؤلاء الذين منعوا قائلون بأن زيادة الثقة مقبولة , وأهل الله كلهم ثقات.
قال: ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل الله وأخبرهم بتنزل الملك على الوليّ لقبلوا ذلك ولم ينكروه.
قال: وقد نزل علينا ملك فلله الحمد) (٢).
ولا ندري كيف يرد على الغزالي وهو القائل:
(ومن أول الطريق تبتدئ المكاشفات والمشاهدات , حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة , وأرواح الأنبياء , ويسمعون منهم أصواتا , ويقتبسون منهم فوائد.
ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق) (٣).
стр. 161
هذا ويقول ابن عربي في كتابه (الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم) زيادة على نزول الملك على الولي ّ:
(وليس الأمر كذلك , فقد رآه الأولياء في حال حديثه لهم , فكل قال ما شاهد ... ومشهده صحيح , وهذا كله إذا كان الحديث من الملك والروح) (١).
يعني أن الوليّ ينزل عليه الملك ويحدثه ويشاهده الوليّ ويراه وقت نزوله عليه , وكلامه به.
وبمثل ذلك يقول صوفي قديم آخر نجم الدين الكبري المتوفى ٦١٨ هـ أن الملائكة تنزل على الصوفية (٢).
وبمثل ذلك قال الدباغ , وبعبارة أكثر وضوحا من هذه العبارات:
(وأما ما ذكروه في الفرق بين النبي والوليّ من نزول الملك وعدمه فليس بصحيح , لأن المفتوح عليه سواء كان وليا أو نبيا لا بد له أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هم عليه , ويخاطبهم ويخاطبونه , وكل من قال: إن الوليّ لا يشاهد الملك ولا يكلمه فذاك دليل على أنه غير مفتوح عليه) (٣).
ونقل النفزي الرندي عن بعض المشائخ أنه قال:
(إن الملائكة تزورني فآنس بها , وتسلم عليّ فأسمع تسليمها) (٤).
وليس عامة الملائكة فحسب , بل جبريل أيضا كما ينص على ذلك الشعراني ناقلا عن الشيخ عبد الغفار القوصي أنه قال في كتابه المسمّى بالوحيد:
(أنّ الشيخ تاج الدين بن شعبان كان إذا سأله إنسان في حاجة يقول له: اصبر حتى يجيء جبريل) (٥).
стр. 162
وبذلك يقول ابن عربي أن القطب ينزل على قلبه الروح الأمين حيث يذكر في كتابه (مواقع النجوم):
(وهذا المقام (أي مقام القطب) وهذه أسراره ... رفع الحجاب وأشرقت أنواره
وبدا هلال التمّ يسطع نوره ... للناظرين وزال عنه أسراره
وتنزل الروح الأمين لقلبه ... يوم العروبة وأنقضت أو طاره) (١).
وينزل عليه بالأمر والنهي كما نص على ذلك الدباغ بقوله:
(ينزل الملك على الوليّ بالأمر والنهي) (٢).
(وتصير قلوبهم مهبطا للوحي) (٣).
ويسمعون كلام الله (فإذا تحقق الصوفي بهذا الوصف صار وقته سرمدا , وشهوده مؤبدا , وسماعه متواليا متجددا يسمع كلام الله تعالى) (٤).
و (يتلقاهم ملائكة الله مشرقين , يحيونهم بتحايا الملكوت , ويصبون عليهم ماء النبع من ينبوع البهاء ... ويقومون في هياكل القربات , يناجون مع أصحاب حجرات العزة ويسمعون صوتا كصوت رعد أو دويّ في الدماغ) (٥).
ويقول السهروردي المقتول سنة ٥٨٧ هـ هذا أيضا أن الأولياء , ويسميهم إخوان التجريد (يتعلمون العلم من روح القدس بلا تعلم بشرى , وتطيعهم مادة العالم العنصري , وينذرون الكون ويخبرونه بالجزئيات الواقعة في الماضي والمستقبل) (٦).
ويكتب الحكيم الترمذي في قضية مكالمة الله مع الوليّ:
(الولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى فأوصله إليه , فله الحديث , وينفصل ذلك الحديث ذلك الحديث من الله على لسان الحق معه السكينة تتلقاه السكينة
стр. 163
التي في قلب المحدّث , فيقلبه ويسكن إليه) (١).
ونختم هذا على ما قاله ابن عربي في هذا الخصوص:
(اعلم يا بنيّ أن العبد المحقق الصوفي إذا صفا وتحقق صار كعبة لجميع الأسرار الإلهية من كل حضرة وموقف , ويرد عليه في كل يوم جمعة ما دام في ذلك المقام ستمائة ألف سرّ ملكوتي , واحد منها إلهي , وخمسة أسرار ربانية , ليس لها في حضرة الكون مدخل) (٢).
وليس هذا فحسب , بل يقولون بعروج المتصوفة إلى السماء , ووقوفهم بين يدي الربّ , ومناجاتهم به , وتكليمه إياهم , فيحكي ابن البان عن نفسه:
(أوقفني الحق على بساط الأسرار ... وارتقيت إلى السماء الأولى .. . ثم ارتقينا إلى السماء الثانية ... ثم انتهينا إلى السماء السابعة ... وفيها ملك على كرسي من نور ... وفي هذه السماء رضوان خازن الجنان , وأجمل الملائكة من جنده , وفيها إسرافيل رئيس عالم الجبروت , وهو الذي بشرني بالقرب والمنزلة الكريمة عند ربي , وبالسعادة في الآخرة والشفاعة في أمة محمد (ص) , وفي هذه السماء رأينا إبراهيم الخليل مسندا إلى البيت المعمور ... ثم انتهينا إلى سبعين حجابا آخر ... حتى انتهيت إلى آخر حجاب هناك , وإذا بكرسي من اللؤلؤ منصبة قوائمه من الجوهر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر , فأخذ آخذ بيدي وأجلسني عليه , ثم نزّل علىّ شيء ودخل جوفي من حيث لا أعلم , فقال لي شيئا في قلبي. ها قد أكرمك مولاك بالسكينة الربانية. فلما أحسّ باطني بها سكن كل جارحة فيّ. فكأني لم أر أشياء ولم يهلني شيء.
ثم نوديت من مكان قريب. وذلك من جهاتي الستّ: يا حبيبي ومطلوبي , السلام عليك , فغمضت عينيّ , وكنت أسمع بقلبي ذلك الصوت حتى أظنه من جوارحي لقربه مني , ثم نوديت: انظر عليّ , ففتحت عينيّ فصرت كلي أعينا , وكأن في باطني ما أراه في ظاهري , وصرت كأني برزخ بين كونين وقاب , كما يرى الرائي عند النظر في المرآة ما بخارجها. ثم سمعت بقارئ يقرأ قوله: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله , لا نفرق بين أحد من رسله
стр. 164
وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
وإذا بذلك الحجاب قد رفع وأذن لي بالدخول. ولما دخلته رأيت الأنبياء صفوفا صفوفا ودونهم الملائكة , ورأيت أقربهم للحق أربعة أنبياء , ورأيت أولياء أمة محمد أقرب الناس إلى محمد وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى وأقرب إليه أربعة أولياء , فعرفت منهم السيد محيى الدين عبد القادر , وهو الذي تلقاني إلى باب الحجاب , وأخذ بعضدي حتى دنوت من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله , فناولني يمينه فأخذته بكلتا يديّ , فلا زال يجذبني ويدنيني حتى ما بقي بيني وبين ربي أحد , فلما حققت النظر في ربي ورأيته على صورة النبي , إلا أنه كالثلج أشبه شيء أعرفه في الوجود من غير رداء ولا ثياب. ولما وضعت شفتي على محل منه لأقبله أحسست ببرد الثلج , فأردت أخر صعقا , فمسكني سيدنا محمد صلى الله عليه وآله) (١).
وأما ابن عربي فيجعل لعروجه محاكيا المعراج النبوي الشريف ويقول:
(بينما أنا نائم وسر وجودي متهجد قائم جاءني رسول التوفيق , ليهديني سواء الطريق , ومعه براق الإخلاص , عليه لبد الفوز ولجام الإخلاص , فكشف عن سقف محلىّ , وأخذ في نقضى وحلىّ , وشق صدري بسكين السكينة , وقيل لي: تأهب لارتقاء الرتبة المكينة , وأخرج قلبي في منديل , لآمن من التبديل , وألقى في طست الرضا , بموارد القضا , ورمى منه حظ الشيطان , وغسل بماء: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ... ثم أتيت بالخمر واللبن , فشربت ميراث تمام اللبن , وتركت الخمر حذرا أن أكشف السر بالسكر ... استفتح لي سماء الأجسام فرأيت سر روحانية آدم ﵇ ... فاستفتح الرسول الوضاح , سماء الأرواح ... قال لي: مرحبا وأهلا - إلى آخر الخرافات والمختلقات) (٢).
ويقول أحد من المتقدمين من الصوفية نجم الدين كبري المقتول ٦١٨ هـ:
(أنه أيضا ممن عرج به إلى السماء) (٣).
стр. 165
كما نقل عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال:
(صعدت ظهيرة إلى العرش لأطوف به فطفت عليه ألف طوفة أو كما قال , ورأيت حواليه قوما ساكنين مطمئنين فتعجبوا من سرعة طوافي وما أعجبني طوافهم , فقلت: من أنتم , وما هذه البرودة في الطواف؟
فقالوا: نحن ملائكة , ونحن أنوار , وهذا طبعنا لا نقدر أن نجاوزه , فقالوا: ومن أنت وما هذه السرعة في الطواف؟
فقلت: بل أنا آدميّ , وفيّ نور , ونار هذه السرعة من نتائج نار الشوق) (١).
والجيلي كذلك ذكر عروجه ومعراجه , ورؤيته لسدرة المنتهى وتجليات الربّ ﵎ (٢).
وكذلك يذكر النفزي الرندي المتوفى ٧٩٢ هـ في تفسير قوله تعالى: وملكا كبيرا:
(أنه يرسل الله تعالى الملك إلى وليه , ويقول له:
استأذن على عبدي , فإن أذن لك فادخل , وإلا فارجع , فيستأذن عليه من سبعين حجابا , ثم يدخل عليه ومعه كتاب من الله عنوانه:
من الحيّ الذي لا يموت إلى الحيّ الذي لا يموت , فإذا فتح الكتاب وجد مكتوبا فيه عبدي , اشتقت إليك فزرني , فيقول: هل جئت بالبراق؟
فيقول: نعم , فيركب البراق , فيغلب الشوق على قلبه , فيحمله شوقه , ويبقى البراق إلى أن يصل إلى بساط اللقاء) (٣).
وهناك آخرون كثيرون ادعوا عروجهم إلى السماء , ومعراجهم أو مكالمتهم الرب , ومخاطبتهم إياه , ومنهم صالح بن بان النقا السوداني (٤).
ودفع الله بن محمد الكاهلي الهذلي السوداني (٥).
стр. 166
وفتح الله بوراس القيرواني (١).
ومحمد بن قائد اللواني العراقي (٢).
وأبو العباس المرسي (٣).
ومثل هؤلاء كثيرون لا يعدون ولا يحصون.
ويذكر الصوفي القديم المشهور عزيز الدين النسفي عن عروج المتصوفة إلى السماء:
(إن بعض الصوفية يعرجون إلى السماء الأولى ويطوفون حولها , وبعضهم يتجاوزون من السماء الأولى ... وبعضهم يصلون إلى العرش إذا أمكن لهم) (٤).
هذا بالنسبة للعروج , وأما من ناحية مكالمة الربّ لهؤلاء المتصوفة فللأهمية ننقل عبارة الجيلي كاملة , فيقول تحت عنوان (تجليّ الصفات):
(ومن المكلمين من يذهب به الحق من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح وهؤلاء أعلى مراتب. فمنهم من يخاطب في قلبه , ومنهم من يصعد بروحه إلى سماء الدنيا , ومنهم إلى الثانية والثالثة كل على حسب ما قسم له , ومنهم من يصعد به إلى سدرة المنتهى فيكلمه الله هناك , وكل من المكلمين على قدر دخوله في الحقائق تكون مخاطبات الحق له ولنه لا يضع الأشياء إلا في مواضعها. ومنهم من يضرب له عند عند تكليمه إياه نور له سرادق من الأنوار. ومنهم من ينصب له منبرا من نور. ومنهم من يرى نورا في باطنه فيسمع الخطاب من تلك الجهة النورية , وقد يرى النور كثيرا وأكثر مستديرا ومتطاولا. ومنهم من يرى صورة روحانية تناجيه , كلّ ذلك لا يسمى خطابا , إلا إنْ أعلمه الله أنه هو المتكلم , وهذا لا يحتاج فيه إلى دليل , بل هو على سبيل الوهلة فإن خاصية كلام الله لا تخفى , وأن يعلم أن كل ما سمعه كلام الله فلا يحتاج هناك إلى دليل ولا بيان , بل بمجرد سماع الخطيب يعلم العبد أنه كلام الله , وممن صعد به إلى سدرة المنتهى من قيل له حبيبي إنيتك هي هويتي وأنت عين هو وما هو إلا أنا , حبيبي بساطتك تركيبي وكثرتك واحديتي , بل تركيبك بساطتي
стр. 167
وجهلك درايتي , أنا المراد بك أنا لك لا لي , أنت المراد بي أنت لي لا لك , حبيبي أنت نقطة عليها دائرة الوجود فكنت أنت العابد فيها والمعبود , أنت النور أنت الظهور أنت الحسن والزين كالعين للإنسان والإنسان للعين:
أيا روح روح الروح والآية الكبرى ... ويا سلوة الأحزان للكبد الحرّى
ويا منتهى الآمال يا غاية المنى ... حديثك ما أحلاه عندي وما أمرا
ويا كعبة التحقيق يا قبلة الصفا ... ويا عرفان الغيب يا طلعة الغرا
أتيناك أخلفناك في ملك ذاتنا ... تصرف لك الدنيا جميعا مع الأخرى
فلولاك ما كنا ولولاي لم تكن ... فكنت وكنا والحقيقة لا تدرى
فإياك نعني بالمعزة والغنى ... وإياك نعني بالفقير ولا فقرا) (١)
فلينظر الباحث , وليتعمق وهل بقي هناك شيء خفي بعد هذا كله؟
ولكننا لتوثيق ما هو موثق نورد نصوصا أخرى من أكابر القوم الآخرين , وأعاظمهم.
منها ما نقل المتصوفة عن أبي يزيد البسطامي أنه كثيرا ما كان يقول للفقهاء:
(أخذتم علمكم ميتا عن ميت , ونحن أخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت) (٢).
وهو الذي يذكرون عنه أنه ذكر معراجه ومكالمته الرب - تعالى الله عما يقولون به علوا كبيرا - فيقول:
(أدخلني في الفلك الأسفل , فدوّرني في الملكوت السفلي , فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى , ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوّف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش.
ثم أوقفني بين يديه فقال لي: سلني أيّ رأيت حتى أهبه لك , فقلت:
يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه , فقال: أنت عبدي حقا تعبدني لأجلي صدقا لأفعلن بك) (٣).
стр. 168
ونقل الآخرون الكثيرون عنه أيضا أنه قال:
(رفعني مرة فأقامني بين يديه , وقال لي:
يا أبا يزيد , إن خلقي يحبون أن يروك.
فقلت: زيّني بوحدانيتك , وألبسني أنانيتك , وارفعني إلى أحديتك , حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك , فتكون أنت ذاك , ولا أكون أنا هنا) (١).
ونقلوا مثل ذلك عن السري السقطي رواية عن الجنيد أنه قال:
بتّ عند سري ليلة , فقال لي: أنائم أنت؟
فقلت: لا.
فقال: أوقفني الحق بين يديه , فقال: أتدري لم خلقت الخلق؟
قلت: لا. قال: خلقتهم فادّعوا محبتي , فخلقت الدنيا , فاشتغل بها من عشرة آلاف تسعة آلاف , وبقي ألف , فخلقت الجنة فاشتغل بها تسعمائة , وبقي مائة , فسلطت عليهم شيئا من بلائي , فاشتغل تسعون , وبقي عشرة , فقلت لهم: لا الدنيا أردتم , ولا في الجنة رغبتم , ولا من البلاء هربتم , فماذا تريدون؟
قالوا: إنك تعلم ما نريد.
فقال: سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال , أفتثبتون؟
قالوا: ألست أنت الفاعل؟ قد رضينا بذلك. نحمد ذلك بك وفيك ولك.
فقال: أنتم عبادي حقا (٢).
ورووا عن الجنيد أنه قال:
(لي ثلاثون سنة أتكلم مع الله تعالى) (٣).
стр. 169
وعن صوفي قديم آخر سهل بن عبد الله التستري أنه قال:
(أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله والناس يتوهمون أني أكلمهم) (١).
والشعراني نقل عن علي الخواص أنه قال:
(قد سمعت سيدي إبراهيم المتبولي يقول كثيرا:
لي ثلاثون سنة وأنا مقيم في حضرة الله لم أخرج , وجميع ما أتكلم به إنما أكلم به الحق (٢).
والرفاعية أيضا لا يريدون أن يقل شأن مرشدهم وهاديهم , وتنحط مكانته في أعين مريديه ومقلديه , فنقلوا عنه أنه كان كثيرا بينه وبين الربّ مناجاة ومخاطبات فنقلوا عن ابن جلال في جلاء الصد وا نصه:
(نقل عن السيد إبراهيم الأعزب أنه قال: كنت جالسا في الغرفة مع السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنهما , ورأسه على ركبتيه , فرفع رأسه وضحك بأعلى صوته فضحكت أنا أيضا ثم ألححت عليه ليخبرني عن سبب ضحكه , فقال:
أي إبراهيم , ناداني العزيز سبحانه: أني أريد أن أخسف الأرض , وأرمي السماء على الأرض.
فلما سمعت هذا النداء تعجبت , وقلت: إلهي , من ذا الذي يعارضك في ملكك وإرادتك؟
قال سيدي إبراهيم: فأخذته الرعدة ووقع على الأرض وبقي في ذلك الحال زمانا طويلا) (٣).
وحينما رأى الشاذلية هذه المكانة العالية , والمنزلة الرفيعة لمرشد الرفاعية , الرفاعي , لم يرضوا أن يتخلفوا عنهم , فقالوا: إن ما لشاذلينا لم تكن مخاطبات
стр. 170
فحسب , بل إن الله جل مجده هو الذي سماه بهذا الاسم , فيذكر الإمام الأكبر السابق للأزهر , الدكتور عبد الحليم محمود نقلا عن أبي الحسن الشاذلي كيفية نزوله من جبل زغوان , ومغادرته خلوته , فيقول:
(قيل لي: يا علي: اهبط إلى الناس ينتفعوا بك.
فقلت: يا ربّ أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم.
فقيل لي: انزل فقد أصحبناك السلامة , ودفعنا عنك الملامة.
فقلت: تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم.
فقيل لي: أنفق يا علي , وأنا الملي , إن شئت من الجيب , وإن شئت من الغيب.
ونزل الشاذلي ﵁ من على الجبل ليغادر شاذلة , ويستقبل مرحلة جديدة , فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه.
وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه ﵁ فيما يتعلق بنسبته إلى شاذلة , قال:
قلت ك يا ربّ لم سميتني بالشاذلي؟ ولست بشاذلي؟
فقيل لي: يا علي , ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشّاذّ لي. بتشديد الذال المعجمة يعني: المنفرد لخدمتي ومحبتي) (١).
هذا ولقد نقلوا مثل هذه المكالمات والمناجاة بين ذي النون المصري والربّ ﵎ أيضا (٢).
وقلما يوجد صوفي أو متصوف إلا وقد ادّعى مثل هذه الدعوى , وكتب التراجم وطبقات الصوفية مليئة بمثل هذه الأكاذيب والشناعات , والجرأة على الله ,
стр. 171
والإنتقاص من شأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه خاتم النبيين وسيد المرسلين , حيث ينسبون إلى أنفسهم , أو إلى مرشديهم ومتصوفيهم ما لم يكن لبشر أن يحصل عليه , حتى سيد الخلائق وأفضل النبيين والمرسلين مثل ما أوردنا عنهم , ومثل مارووا عن فتح الله بوراس القيرواني أنه كان يقول:
(أشهدني الله تعالى ما في السموات السبع وما في الكرسي وما في اللوح المحفوظ وجميع ما في الحجب , وفككت طلاسم السموات السبع والفلك الثامن الذي فيه جميع الكواكب وجميع الفلك الثامن , وهم بنات نعش والجدي والقطب , ووصلت إلى الفلك التاسع الذي يسمونه الأطلس , ورصدت جداوله وأنا عند ذلك طفل صغير لم أبلغ الحلم) (١).
وكان يقول:
(وفي السماء السابعة شاهدت ربي وكلّمته
وفوق العرش والكرسي قد ناداني وخاطبته
وما في اللوح المحفوظ من الآي والأمر والنهي قد حفظته
وبيدي باب الجنان قد فتحته ودخلته
وما فيه من الحور العين قد رأيته وحصيته
ومن رآني ورأي من رآني وحضر مجلسي
في جنة عدن وبستانها قد أسكنته) (٢).
ومثل ذلك ذكر الشعراني عن الدسوقي المتوفى ٧٧٦هـ حيث قال:
(أنا كل وليّ في الأرض خلعته بيدي. ألبس منهم من شئت , أنا في السماء شاهدت ربي , وعلى الكرسي خاطبته , أنا بيدي أبواب النار أغلقتها , وبيدي جنة الفردوس فتحتها. من زارني أسكنته جنة الفردوس) (٣).
نعوذ بالله من مثل هذه الخرافات , ولا يؤاخذنا الله على نقل ما اقترفته الأيدي الأثيمة والألسن الخبيثة , ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا إنْ هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
ثم إن الصوفية أصّلوا قاعدة وحكما عاما , وقالوا:
стр. 172
(ما كان وليّ متصل بالله تعالى إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى ﵇ يناجي ربه) (١).
(وإذا صفا قلب الفقير صار مهبط الوحي) (٢).
والدباغ يقول:
(وكلام الحق سبحانه يسمعه المفتوح عليه إذا ﵀ سماعا خارقا للعادة فيسمعه من غير حرفه ولا صوت ولا إدراك لكيفية , ولا يختص بجهة دون جهة , بل يسمعه من سائر الجهات , بل ومن سائر جواهر ذاته , وكما لا يخص السماع له جهة دون أخرى , كذلك لا يخص جارحة دون أخرى يعني أنه يسمعه بجميع جواهره وسائر أجزاء ذاته فلا جزء ولا جوهر ولا سنّ ولا ضرس ولا شعرة منه إلا وهو يسمع به , حتى تكون ذاته بأسرها كأذن سامعة , , ثم ذكر اختلاف أهل الفتح في قدر السماع وبيّنه بما لا يذكر) (٣).
(وأن معراج الصوفية , وخرقهم السموات , ومكالمتهم الربّ , ومخاطبته إياهم جائز شرعا ونقلا , وهو المنقول عن الشاذلي , وابن عطاء الله في (لطائف المنن) , ومحمد السنوسي في كبراه , والشيخ عبد الباقي وغيرهم) (٤).
وقد نقل الشعراني عن الشاذلي قوله:
(لا إنكار على من قال: كلّمني الله كما كلّم موسى) (٥).
وأما ابن عربي القائل دوما: (حدثني قلبي عن ربي , في كتبه ورسائله , و: ما صنفت كتابا عن تدبير واختيار إلا بأمر من الله وإرشاده) (٦).
يقول في سماع الصوفي كلام الربّ عندما يبلغ الدرجة العليا , ويتحقق في مقامه , يقول:
(إنما يسمع الصوفي في هذا المقام ويمتثل ما يسمع - كما أنا ما زلت أسمع متحققا في مقامي من الحق) (٧).
стр. 173
وأما إطلاعهم على الغيب , وإحاطتهم بعلم ما كان وما يكون , وإخبارهم بكل ما ظهر وما بطن فكتب القوم مليئة بهذه المختلقات , بل يمكن لقارئ كتب الصوفية والباحث في تراجمهم وطبقاتهم أن يقول: إن شخصا ما ينسب إلى هؤلاء الناس ويعدّ منهم إلا أن يكون حاملا لذلك العلم الذي هو من خاصة رب السموات والأرض , حيث أخبر عن ذاته سبحانه ﵎:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (١).
وقال: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (٢).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣).
وأخبر عن نفسه بنفسه:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٤)
و: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).
والآية التي هي نصّ في المسألة حيث أمر نبيّه ﷺ أن يقول:
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٦).
كما أمر نبيه ﷺ أن ينفي عن نفسه الغيب:
﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٧).
ونقل عن مصطفاه ﵊ أنه قال:
стр. 174
﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ (١).
وقال نبيه مخاطبا إياه:
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي و َلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٢).
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا , والأحاديث النبوية كذلك.
ولكن القوم يقولون عكس ذلك متأثرين بالتشيع , وآخذين أفكارهم ومعتقداتهم , فيقول القشيري في بيان درجات السلوك:
(ثم في خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية كان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له حتى لم يخف من الكون عليه شيء وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكن بقلبه , وكان لا يرى في هذا الوقت بعين لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم , بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة) (٣).
ونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال:
(إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق , فإنهم جواسيس القلوب , يدخلون في أسراركم , ويخرجون من هممكم) (٤).
ويقول ابن عجيبة الحسني:
(إن الحق سبحانه قسّم الخلق قسمين وفرقهم فرقتين: قسم اختصهم بمحبته , وجعلهم من أهل ولايته , ففتح لهم الباب , وكشف لهم الحجاب , فأشهدهم أسرار ذاته , ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته) (٥).
فإذا كشف الحجاب , وفتح لهم الباب (علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد وعلم كل شيء , كيف كان؟ وكيف هو كائن؟ وكيف يكون؟ وعلم ما لم يكن , ولم لا يكون ما لم يكن؟ ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون؟ كل ذلك علماً أصليا حكيما كشفيا ذوقيا من ذاته لسريانه في المعلومات علما إجماليا تفصيلاً كليا جزئيا مفصلا في إجماله ... ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السمع
стр. 175
فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات , وكلام الملائكة واختلاف اللغات , وكان البعيد عنه كالقريب) (١).
وقال عماد الدين الأموي:
(إذا انكشفت الحجب عن القلب تجلى فيه شيء مما هو مستور في اللوح المحفوظ , ولمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم) (٢).
وأيضا: (يشرف على الملكوت الأعظم , ويرى عجائبه , ويشاهد غرائبه , مثل اللوح , والقلم , واليمين الكاتبة , وملائكة الله تعالى يطوفون , حول العرش يسبحون بحمد ربهم , وبالبيت المعمور , ويسبحونه ويقدسونه , ويفهم كلام المخلوقين من الحيوانات والجمادات , ثم يتخطى منها إلى معرفة الخالق للكل والمالك للكل فتغشاهم الأنوار , وتتجلى لقلوبهم الحقائق) (٣).
ويقول الدباغ وهو يذكر بعض ما يشاهده المفتوح عليه وهو الولي عنده , فيقول:
(أما في المقام الأول فإنه يكاشف فيه بأمور , منها: أفعال العباد في خلواتهم.
ومنها: مشاهدة الأرضين السبع والسموات السبع , ومنها مشاهدة النار التي في الأرض الخامسة , وغير ذلك مما في الأرض والسماء ... ومن الأشياء التي يشاهدونها: اشتباك الأرضين بعضها ببعض , وكيف تخرج من أرض إلى أرض أخرى , وما تمتاز به أرض عن أرض أخرى , والمخلوقات التي في كل أرض.
ومنها: مشاهدة اشتباك الأفلاك بعضها ببعض , ما نسبتها من السموات وكيف وضع النجوم التي فيها.
ومنها: مشاهدة الشياطين وكيف توالدها.
ومنها: مشاهدة الجن وأين يسكنون؟
ومنها: مشاهدة سير الشمس والقمر والنجوم ... وأما ما يشاهده في المقام الثاني فإنه يكاشف بالأنوار الباقية كما كوشف في المقام الأول بالأمور الظلمانية الفانية ,
стр. 176
فيشاهد في المقام الملائكة والحفظة والديوان والأولياء الذين يعمرونه ... وأما المقام الثالث فإنه يشاهد فيه أسرار القدر في تلك الأنوار المتقدمة.
وأما المقام الرابع فإنه يشاهد فيه النور الذي ينبسط عليه الفعل , وينحل فيه كانحلال السمّ في الماء , فالفعل كالسم والنور كالماء ... وفي المقام الخامس يشاهد انعزال الفعل عن ذلك النور , فيرى النور نورا , والفعل فعلا ... والمفتوح عليه لا يغيب عليه ما في أرحام الأنثى فضلا عن غيره) (١).
وكان الدباغ هذا يرى أيضا أن المتصوفة لا يعرفون الغيب فحسب , بل يعرفون الغيوب الخمسة التي ذكرها الله تعالى في محكم كتابه أنه لا يعلمها أحد غيره بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢)
ولكنه ابن المبارك ينقل عنه قائلا:
(قلت للشيخ: (أي عبد العزيز الدباغ) ﵁: إن علماء الظاهر من المحدثين وغيرهم اختلفوا في النبي ﷺ , هل كان يعلم الخمس المذكورات في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ , فقال ﵁ وعن سادتنا العلماء:
كيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصوف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس) (٣).
والجدير بالذكر أن هذا هو القائل:
(ما السموات والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة) (٤).
وأيضا: (إن الجنين إذا سقط من بطن أمه يراه العارف في تلك الحالة إلى آخر عمره) (٥).
стр. 177
أما الرفاعي أحمد فنقلوا عنه أنه قال:
(إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث , ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق , فيطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة , ولا تحضر ورقة إلا بنظره , ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول الخلائق ... وكان يقول: إن القلب إذا انجلى من حبّ الدنيا وشهوتها صار كالبلّور , وأخبر صاحبه بما مضى وبما هو آت من أحوال الناس) (١).
ونقل ذلك الشعراني أيضا منه في طبقاته (٢).
ونقلوا عن الشبلي أنه قال:
(لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أشعر بها أو لم أعلم بها لقلت أنه ممكور بي) (٣).
وهذا قول الله الجليّ الصريح الواضح البيّن:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٤)
ومع أمر الله لنبيه ﷺ أن يقول:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥)
وقول الله :
﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦)
ولكن القوم عكس ذلك يقولون ما ألقى الشيطان إليهم من عقائد شيعية , ومعتقدات يهودية , وكان السحرة والكهان.
ولقد أدّب الله ﵎ نبيه ونجيه وصفيه سيد البشر قائد النبيين والمرسلين ﷺ
стр. 178
على جوابه لمن سأله عن أصحاب الكهف وعددهم , رجاء بأن ينزل عليه الوحي , ويخبر الله عنهم , والوحي كان ينزل , وجبريل كان يأتي , واتصاله كان قائما بالسماء فقال مرسله ومنزل الوحي عليه:
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (١).
وقبله أقرت الملائكة بقصور علمهم , واعترافهم بعدم إحاطتهم بملكوت السماء يوم قالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)
فأقرهم الله على القصور وعدم المعرفة بالغيب بقوله:
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣)
هذا وأما المنوفي الحسيني فينقل عن إبراهيم الدسوقي أنه كان يقول:
(إن للأولياء الإطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء , وما في جباه الإنس والجان مما يقع لهم في الدنيا والآخرة) (٤).
وأما الشاذلي فنقلوا عنه:
(من عبد الله باسمه الحيّ المحيي وأكثر منه , ولا حد لأكثره , شاهد حياة كل شيء ومحييه.
ومن ذكر بهم جميعا صعدت روحه إلى الملأ الأعلى , وصعدت روحه إلى العرش , ليكتب عند الله من الكاملين الصديقين) (٥).
وقال أفضل الدين:
стр. 179
(لا يعطى أحد القطبية حتى يعرف جميع عوالم هذه العروش والكراسي والسموات والأرضين بأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم وأعمالهم) (١).
ونقل الشعراني عن إبراهيم المتبولي أنه قال:
(يرتسم الوجود كله في قلب الفقير (أي الصوفي) فيراه من قلبه. وإيضاح ذلك أن القلب إذا انجلى صار كالمرآة الكبيرة , فإذا قابلها بالعالم العلوي والسفلي ارتسم كله فيها) (٢).
وروى أيضا عن علي الخواص أنه قال:
(لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب) (٣).
ويقول محمد ضيف الله الجعلي السوداني:
(كشف الأولياء على قسمين: منهم من ينظر في اللوح فإنه لا يتغير ولا يتبدّل كسيدي علي الخواص. ومنهم من ينظر في ألواح المحور والإثبات , وعدتها ثلاثمائة وستون لوحا فإنها تتغير وتتبدّل , فإذا أخبر الوليّ بكلام ولم يقع فلا ينكر عليه بأن يقال: كذب , بل يحمل على أنه نظر في ألواح المحور والإثبات) (٤).
فانظر هذه الخرافة المختلقة ما أشنعها وأقبح بها.
وأما ابن عربي ومدرسته فقد تكلموا في مثل هذا كثيرا , ولا يخلو كتاب من كتبهم عن مثل هذه الخرافات والموبقات , فيقول ابن عربي:
(فأما العلم اللدني , فمتعلقه الإلهيات وما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة. وأما علم النور فظهر سلطانه في الملأ الأعلى قبل وجود آدم بآلاف السنين من أيام الرب.
وأما علم الجمع والتفرقة فهو البحر المحيط , الذي اللوح المحفوظ جزء منه , ومنه يستفيد العقل الأول , وجميع الملأ الأعلى منه يستمدون. وما ناله أحد من الأمم سوى أولياء هذه الأمة. وتتنوع تجلياته في صدورهم على ستة آلاف ومائتين.
стр. 180
فمن الأولياء من حصّل جميع هذه الأنواع , كأبي يزيد البسطامي , وسهل بن عبد الله , ومنهم من حصّل بعضها) (١).
ويقول في إحدى رسائله:
(للأرواح الإنسانية إذا صفت وزكت معارج في العالم العلوي المفارق وغير المفارق فينظر مناظر الروحانيات المفارقة , فترى مواقع نظرهم في أرواح الأفلاك ودورانها بها , فينزل مع حكم الأدوار وترسل طرفها في رقائق التنزيلات حتى ترى مساقط نجومها في قلوب العباد , فتعرف ما تحويه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم , وما تدل عليه حركاتهم ... وإذا توجهت الأسرار نحو قارئها بفناء وبقاء , وجمع وفرق سقطت عليها أنوار الحضرة الإلهية من حيثها , لا من حيث الذات , فأشرقت أرض النفوس بين يديه فالتفت فعلم ما أدركه بصره وأخبر بالغيب وبالسرائر وبما تكنه الضمائر وما يجري في الليل والنهار) (٢).
ويقول:
(من يكن الحق سمعه وبصره فكيف يخفى عليه شيء) (٣).
وقال:
(يرتقي الوليّ إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ماسكة قلمها وهي تخطط في اللوح) (٤).
و: (من الصوفية من لا يزال عاكفا على اللوح , ومنهم من يشهده تارة تارة) (٥).
ونقل ابن عربي في كتابه عن الجنيد أنه قال:
(العارف هو الذي ينطق عن سرّك وأنت ساكت) (٦).
ولقد بيّن في إحدى كتبه طريق إطلاع الصوفية على الغيب فقال: