← Акыда

Акыда · id 5367

التصوف - المنشأ والمصادر

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (291 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فيشاهد في المقام الملائكة والحفظة والديوان والأولياء الذين يعمرونه ... وأما المقام الثالث فإنه يشاهد فيه أسرار القدر في تلك الأنوار المتقدمة. وأما المقام الرابع فإنه يشاهد فيه النور الذي ينبسط عليه الفعل , وينحل فيه كانحلال السمّ في الماء , فالفعل كالسم والنور كالماء ... وفي المقام الخامس يشاهد انعزال الفعل عن ذلك النور , فيرى النور نورا , والفعل فعلا ... والمفتوح عليه لا يغيب عليه ما في أرحام الأنثى فضلا عن غيره) (١). وكان الدباغ هذا يرى أيضا أن المتصوفة لا يعرفون الغيب فحسب , بل يعرفون الغيوب الخمسة التي ذكرها الله تعالى في محكم كتابه أنه لا يعلمها أحد غيره بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) ولكنه ابن المبارك ينقل عنه قائلا: (قلت للشيخ: (أي عبد العزيز الدباغ) ﵁: إن علماء الظاهر من المحدثين وغيرهم اختلفوا في النبي ﷺ , هل كان يعلم الخمس المذكورات في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ , فقال ﵁ وعن سادتنا العلماء: كيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصوف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس) (٣). والجدير بالذكر أن هذا هو القائل: (ما السموات والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة) (٤). وأيضا: (إن الجنين إذا سقط من بطن أمه يراه العارف في تلك الحالة إلى آخر عمره) (٥).

стр. 177

أما الرفاعي أحمد فنقلوا عنه أنه قال: (إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث , ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق , فيطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة , ولا تحضر ورقة إلا بنظره , ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول الخلائق ... وكان يقول: إن القلب إذا انجلى من حبّ الدنيا وشهوتها صار كالبلّور , وأخبر صاحبه بما مضى وبما هو آت من أحوال الناس) (١). ونقل ذلك الشعراني أيضا منه في طبقاته (٢). ونقلوا عن الشبلي أنه قال: (لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أشعر بها أو لم أعلم بها لقلت أنه ممكور بي) (٣). وهذا قول الله الجليّ الصريح الواضح البيّن: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٤) ومع أمر الله لنبيه ﷺ أن يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥) وقول الله : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦) ولكن القوم عكس ذلك يقولون ما ألقى الشيطان إليهم من عقائد شيعية , ومعتقدات يهودية , وكان السحرة والكهان. ولقد أدّب الله ﵎ نبيه ونجيه وصفيه سيد البشر قائد النبيين والمرسلين ﷺ

стр. 178

على جوابه لمن سأله عن أصحاب الكهف وعددهم , رجاء بأن ينزل عليه الوحي , ويخبر الله عنهم , والوحي كان ينزل , وجبريل كان يأتي , واتصاله كان قائما بالسماء فقال مرسله ومنزل الوحي عليه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (١). وقبله أقرت الملائكة بقصور علمهم , واعترافهم بعدم إحاطتهم بملكوت السماء يوم قالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) فأقرهم الله على القصور وعدم المعرفة بالغيب بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣) هذا وأما المنوفي الحسيني فينقل عن إبراهيم الدسوقي أنه كان يقول: (إن للأولياء الإطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء , وما في جباه الإنس والجان مما يقع لهم في الدنيا والآخرة) (٤). وأما الشاذلي فنقلوا عنه: (من عبد الله باسمه الحيّ المحيي وأكثر منه , ولا حد لأكثره , شاهد حياة كل شيء ومحييه. ومن ذكر بهم جميعا صعدت روحه إلى الملأ الأعلى , وصعدت روحه إلى العرش , ليكتب عند الله من الكاملين الصديقين) (٥). وقال أفضل الدين:

стр. 179

(لا يعطى أحد القطبية حتى يعرف جميع عوالم هذه العروش والكراسي والسموات والأرضين بأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم وأعمالهم) (١). ونقل الشعراني عن إبراهيم المتبولي أنه قال: (يرتسم الوجود كله في قلب الفقير (أي الصوفي) فيراه من قلبه. وإيضاح ذلك أن القلب إذا انجلى صار كالمرآة الكبيرة , فإذا قابلها بالعالم العلوي والسفلي ارتسم كله فيها) (٢). وروى أيضا عن علي الخواص أنه قال: (لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب) (٣). ويقول محمد ضيف الله الجعلي السوداني: (كشف الأولياء على قسمين: منهم من ينظر في اللوح فإنه لا يتغير ولا يتبدّل كسيدي علي الخواص. ومنهم من ينظر في ألواح المحور والإثبات , وعدتها ثلاثمائة وستون لوحا فإنها تتغير وتتبدّل , فإذا أخبر الوليّ بكلام ولم يقع فلا ينكر عليه بأن يقال: كذب , بل يحمل على أنه نظر في ألواح المحور والإثبات) (٤). فانظر هذه الخرافة المختلقة ما أشنعها وأقبح بها. وأما ابن عربي ومدرسته فقد تكلموا في مثل هذا كثيرا , ولا يخلو كتاب من كتبهم عن مثل هذه الخرافات والموبقات , فيقول ابن عربي: (فأما العلم اللدني , فمتعلقه الإلهيات وما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة. وأما علم النور فظهر سلطانه في الملأ الأعلى قبل وجود آدم بآلاف السنين من أيام الرب. وأما علم الجمع والتفرقة فهو البحر المحيط , الذي اللوح المحفوظ جزء منه , ومنه يستفيد العقل الأول , وجميع الملأ الأعلى منه يستمدون. وما ناله أحد من الأمم سوى أولياء هذه الأمة. وتتنوع تجلياته في صدورهم على ستة آلاف ومائتين.

стр. 180

فمن الأولياء من حصّل جميع هذه الأنواع , كأبي يزيد البسطامي , وسهل بن عبد الله , ومنهم من حصّل بعضها) (١). ويقول في إحدى رسائله: (للأرواح الإنسانية إذا صفت وزكت معارج في العالم العلوي المفارق وغير المفارق فينظر مناظر الروحانيات المفارقة , فترى مواقع نظرهم في أرواح الأفلاك ودورانها بها , فينزل مع حكم الأدوار وترسل طرفها في رقائق التنزيلات حتى ترى مساقط نجومها في قلوب العباد , فتعرف ما تحويه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم , وما تدل عليه حركاتهم ... وإذا توجهت الأسرار نحو قارئها بفناء وبقاء , وجمع وفرق سقطت عليها أنوار الحضرة الإلهية من حيثها , لا من حيث الذات , فأشرقت أرض النفوس بين يديه فالتفت فعلم ما أدركه بصره وأخبر بالغيب وبالسرائر وبما تكنه الضمائر وما يجري في الليل والنهار) (٢). ويقول: (من يكن الحق سمعه وبصره فكيف يخفى عليه شيء) (٣). وقال: (يرتقي الوليّ إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ماسكة قلمها وهي تخطط في اللوح) (٤). و: (من الصوفية من لا يزال عاكفا على اللوح , ومنهم من يشهده تارة تارة) (٥). ونقل ابن عربي في كتابه عن الجنيد أنه قال: (العارف هو الذي ينطق عن سرّك وأنت ساكت) (٦). ولقد بيّن في إحدى كتبه طريق إطلاع الصوفية على الغيب فقال:

стр. 181

(الكشف والإطلاع على الغيب يكون بطريق التجلي , إما بالتنزل أو بالعروج) (١). ويقول أيضا: (تتجلى صورة العقل في ذات الخليقة , فتلوح له أسرار والعلم المنقوشة فيه) (٢). فهذه هي آراء ابن عربي وأقواله , صريحة في معناها , جلية في مغزاها , واضحة في مرادها , لا غموض فيها ولا تعقيد , ولا تحتاج إلى التبيين والتوضيح. وأما تلميذه محمد بن إسحاق القونوي المتوفى ٦٧٣ هـ فيقول: (إن الكمل ومن شاء الله من الأفراد أهل الإطلاع على اللوح المحفوظ , بل وعلى المقام القلمي , بل وعلى حضرة العلم الإلهي , فيشعرون بالمقدر كونه لشبق العلم بوقوعه) (٣). ويقول شهاب الدين السهروردي المقتول: (الأنبياء والفضلاء المتألهون يتيسر لهم الإطلاع على المغيبات , لأن نفوسهم إما قوية بالفطرة أو تتقوى بطرائقهم وعلومهم , فينتقشون بالمغيبات , لأن نفوسهم كالمرايا المصقولة تتجلى فيها نقوش من الملكوت. فقد يسري شبح إلى الحس المشترك , يخاطبهم ألدّ مخاطبة وهو في أشرف صورة , وربما يرون الغيب بالحس المشترك مشاهدة , وربما يسمعون صوت هاتف , أو يقرؤن من مسطور) (٤). وقال لسان الدين بن الخطيب في روضته: (النفوس عند صفائها تتشبه بالملأ الأعلى , وتنتقش فيها أمثلة الكائنات المتعشقة فيه بنوع ما , وتشاهد المحجوبات , وتؤثر في العوالم السفلية) (٥). وبمثل ذلك يقول داود بن محمود القيصري: (إذا خلص الرجل , وصفا وقته , وطاب عيشه بالإلتذاذ بما يجده في طريق

стр. 182

المحبوب , بصر باطنه , فيظهر له لوامع أنوار الغيب , وينفتح له باب الملكوت , ويلوح منه لوايح) (١). والترمذي الملقب بالحكيم يقول: (إن الأولياء لهم علامات وعلوم , وأما ما يعرفونه من العلوم فهي (علم البدء , وعلم الميثاق , وعلم المقادير , وعلم الحروف , فهذه أصول الحكمة , وهي الحكمة العلمية , وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء الأولياء ويقبله من له حظ في الولاية) (٢). ويقول الجيلي عبد الكريم: (كل واحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع الممكلة الوجودية , ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار فضلا عن لغات الطيور. وقد قال الشبلي رحمه الله تعالى: لو دبّت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: أني مخدوع أو ممكور بي. وقال غيره: لا أقول: ولم أشعر بها لأنه لا يتهيأ لها أن تدبّ إلا بقوتي وأنا محركها) (٣). هذا ومثل هذا أكثر من أن يسعه كتاب , أو تشمله رسالة , ولقد تأتي حكايات المتصوفة المتضمنة إخبارهم بالغيب , وإحاطتهم بجميع علوم الكون وأحواله , وإطلاعهم على ما كان وما يكون في محله وفي باب مستقل إن شاء الله.

стр. 183

المسَاوَاة بَيْنَ النَّبِيِّ وَالوَليّ وأما تسوية الصوفية بين الولاية والنبوة , بل وتفضيلهم الولاية على النبوة والرسالة , والأولياء على أنبياء الله ورسله , مثل الشيعة , فتدل عليه عبارات القوم وتصريحاتهم , فيقول لسان الدين ابن الخطيب: (الولاية: أن يتولى الله الواصل على حضر قدسه , بكثير مما تولى به النبي , من حفظ وتوفيق , وتمكين واستخلاف وتصريف. فالولي يساوي النبي في أمور , منها: العلم من غير طريق العلم الكسبي , والفعل بمجرد الهمة , فيما لم تجر به العادة أن يفعل إلا بالجوارح والجسوم , مما لا قدرة عليه لعالم الجسوم. كان الفضيل بن عياض , على جبل من جبال منى , فقال: لو أن وليا من أولياء الله أمر هذا الجبل أن يميد لماد , فتحرك الجبل , فقال: اسكن. لم أردك بهذا , فسكن الجبل. ويفعل بالهمة في عالم الخيال وفي الحس , فإنه يسمع ويرى , ما لا يرى ولا يسمع وهو بين الناس. ويفارق الولي النبي في المخاطبة الإلهية , والمعارج , فإنهما يجتمعان في الأصول وهي المقامات , إلا أن النبي يعرج بالنور الأصلي , والولي يعرج بما يفيض من ذلك النور الأصلي , وإن جمعهما مقام اختلفا بالوحدة في كل مقام , من فناء وبقاء , وجمع وفرق. والولي يأخذ المواهب بواسطة روحانية نبيه , ومن مقامه يشهد , إلا ما كان من الأولياء المحمديين , فإنه لما كان نبيهم صلوات الله وسلامه عليه جامعا لمقامات الأنبياء (أورثهم الله مقامات الأنبياء) وأوصل إليهم أنوارهم , من نور نبيهم الوارث , وبوساطته , فإنه هو الذي أعطى جميع الأنبياء والرسل مقاماتهم في عالم الأرواح. ثم شاركت الأولياء الأنبياء في الأخذ عنه , وإليه الإشارة بقوله (أولياء أمتي أنبياء من دونهم) فقد يرث ولي من الأولياء آدم , أو إدريس , أو إسحاق , أو إسماعيل , أو يوسف , أو موسى , أو عيسى , لكن لا يتوصل إلى نوره ولا حاله إلا من

стр. 184

محمد صلوات الله وعليهم وسلامه , إلا القطب وحده , فإنه على قلب محمد ﷺ (ولمثل هذا المقام الكريم فليعمل العاملون)) (١) و (أن الأولياء لهم أربعة مقامات: الأول مقام خلافة النبوة , والثاني مقام خلافة الرسالة , والثالث مقام خلافة أولي العزم , والرابع خلافة مقام أولي الاصطفاء. فمقام خلافة النبوة للعلماء. ومقام خلافة الرسالة للأبدال. ومقام خلافة أولي العزم للأوتاد. ومقام خلافة الاصطفاء للأقطاب. فمن الأولياء من يقوم في عالم مقام الأنبياء , ومنهم من يقوم في عالم مقام الرسل , ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي العزم , ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي الاصطفاء) (٢). وعلى ذلك قالوا: (الولاية ظل النبوة , والنبوة ظل الإلهية .... فالأنبياء ﵈ مصادر الحق , والأولياء مظاهر الصدق ... والأولياء خصوا بإشارات نبوية , وإطلاعات حقيقة , وأرواح نورية , وأسرار قدسية , وأنفاس روحانية , ومشاهدات أزلية) (٣). وبمثل هذا قال الكمشخانوي في كتابه جامع أصول الأولياء (٤). وآخر قال بوضوح أكثر: (ما قيل في النبي يقال في الوليّ) (٥). وكذب على رسول الله ﷺ أنه حكى عن الله أنه قال: (أولئك كلامهم كلام الأنبياء) (٦).

стр. 185

تَفْضِيلُ الوَليّ عَلَى النَّبِيِّ ولم يقتصر القوم على مثل هذه السخافات والأباطيل , بل زادوا في غلوائهم حيث فضلوا الولاية على النبوة والرسالة , والأولياء على الأنبياء والمرسلين , فقالوا: (خضنا بحورا وقفت الأنبياء بسواحلها) (١). و (معاشر الأنبياء , أو تيتم اللقب , وأوتينا ما لم تؤتوه) (٢). ونقلوا عن البسطامي أنه قال: (تالله أن لوائي أعظم من لواء محمد ﷺ , لوائي من نور تحته الجان والجن والإنس , كلهم من النبيين) (٣). وهذا ما صرّح به بعضهم: (مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الوليّ) (٤). لأن (الولاية: هي الفلك الأقصى , من سبح فيه اطلع , ومن اطلع علم , ومن علم تحول في صورة ما علم. فذلك الوليّ المجهول الذي لا يعرف , والنكرة التي لا تتعرّف , لا يتقيد بصورة , ولا تعرف له سريرة , يلبس لكل حالة لبوسها , أما نعيمها وإمّا بؤسها. يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لاقيت معديا فعدنان إمعة , لما في فلكه من السعة) (٥). و (إن الولاية هي المحيطة العامة , وهي الدائرة الكبرى , فمن حكمها أن يتولى الله من شاء من عباده بنبوة وهي من أحكام الولاية , وقد يتولاه بالرسالة وهي

стр. 186

من أحكام الولاية أيضا. فكل رسول لابد أن يكون نبيا , وكل نبيّ لابد أن يكون وليا , فكل رسول لابد أن يكون وليا. فالرسالة بخصوص مقام في الولاية , والرسالة في الملائكة دنيا وآخرة , لأنهم سفراء الحق لبعضهم ... والرسالة في البشر لا تكون إلا في الدنيا , وينقطع حكمها في الآخرة , وكذلك تنقطع في الآخرة بعد دخول الجنة والنار نبوة التشريع , لا نبوة العامة. وأصل الرسالة في الأسماء الإلهية. وحقيقة الرسالة إبلاغ كلام من متكلم إلى سامع. فهي حال لا مقام , ولا بقاء لها بعد انقضاء التبليغ , وهي تتجدد) (١). بخلاف الولاية فإنها لا تنقطع أبدا , ولا تحدّ , لا بالزمان ولا بالمكان , ولها الإنباء العام (والله لم يتسمّ بنبي ولا برسول , وتسمّى بالوليّ , واتصف بهذا الاسم , فقال: الله ولي الذين آمنوا , وقال: هو الوليّ الحميد , وهذا الاسم باق جار على عباد الله دنيا وآخرة) (٢). وأن الولي يعلم علمين: علم الشريعة , وعلم الحقيقة , أي الظاهر والباطن , والتنزيل والتأويل , حيث أن الرسول من حيث هو رسول ليس له علم إلا بالظاهر والتنزيل والشريعة (فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع فمن حيث هو وليّ عارف , ولهذا مقامه من حيث هو عارف أتمّ وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع) (٣). وأن النبي والرسول يستمدّ بالعلم والمعرفة من الملك الذي يبلغه الوحي الإلهي بواسطته , ولا يمكنه الأخذ من الله مباشرة , والوليّ يستمد المعرفة من حيث يأخذها الملك الذي يؤدي بدوره إلى الأنبياء والرسل (فمرجع الرسول والنبي المشرع إلى الولاية والعلم) (٤). فلذلك قال ابن عربي بصراحة لا تحتمل التأويل: (وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم , ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الوليّ الخاتم , حتى أن الرسل لا يرونه - متى رأوه - إلا من

стр. 187

مشكاة خاتم الأولياء: فإن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ورسالته - تنقطعان , والولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون , من كونهم أولياء , لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء , فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع , فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه , فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى ... لما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبّن وقد كَمُلَ سوى موضع لبِنَة , فكان ﷺ تلك اللبنة. غير أنه ﷺ لا يراها كما قال لبِنَة واحدة. وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا , فيرى ما مثله به رسول الله ﷺ , ويرى في الحائط موضع لبِنَتين , واللبن من ذهب وفضة. فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما وتكمل بهما , لبنة ذهب ولبنة فضة , فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين , فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين. فيكمل الحائط. والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة , وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام , كما هو آخذ عن الله في السر ما هو موضع اللبنة الذهبية في الباطن , فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ من الملك الذي يوحى به إلى الرسول .. فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء. فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين , وإن تأخر وجود طينته , فإنه بحقيقته موجود , وهو قوله ﷺ : (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين). وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بُعثَ , وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين , وغيره من الأولياء ما كان ولياً إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمى (بالولي الحميد). خاتم الرسل من حيث ولايته , نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه , فإنه الولي الرسول النبي. وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن ألأصل المشاهد للمراتب) (١). ولا أدري كيف يدافع من يدافع عن ابن عربي بأنه لا يفضل الولي على النبي , وبعد هذه التصريحات كلها؟ حيث يجعل خاتم الأولياء منبع العلوم , ومصدر الفيض لجميع الأنبياء والرسل , وأنهم لا يستمدون إلا منه , ولا يستقون إلا من ذلك

стр. 188

المنهل والمورد , ولا يستضيئون إلا من مشكاته , وهذا الفيض الشيثي والعزيري نص في القضية. ولذلك ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله بشدّة عليه , وعلى من نهج منهجه وسلك مسلكه , في رسائله وكتبه , ونسب كلامه إلى الكفر الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا (١). وقال شيخ الإسلام في فتاواه: (وكذا لفظ (خاتم الأولياء) لفظ باطل لا أصل له , وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي , وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن حمويه وابن عربي وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها , وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي ﵇ من بعض الوجوه , إلى غير ذلك من الكفر والبهتان , وكل ذلك طمعاً في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء , وقد غلطوا , فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك , وليس كذلك خاتم الأولياء. فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار , وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ﵁ , ثم عمر ﵁ وثم عثمان ﵁ , ثم علي ﵁ , وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي ﷺ , ثم الذين يلونهم , ثم الذين يلونهم , وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن تقي يكون في الناس , وليس ذلك بخير الأولياء , ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق ﵁ تعالى عنه , ثم عمر: اللذان ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما) (٢). وقبل أن نورد نصوصا أخرى من القوم ممن خلف ابن عربي في مثل هذه المقولات وسبقوه نودّ أن نلفت أنظار القراء والباحثين إلى أن خاتم الأولياء الذي صعد وارتقى تلك المنزلة الكبرى , وحاز ذلك المنصب العظيم حتى ازداد على أنبياء الله ورسله , لم يكن عند ابن عربي إلا هو نفسه كما يقول في فتوحاته: (أنا ختم الولاية دون شك ... لورثي الهاشمي مع المسيح كما أني أبو بكر عتيق ...

стр. 189

أجاهل كلّ ذي جسم وروح بأرواح مثقفة طوال ... وترجمة بقرآن فصيح أشدّ على كتيبة كل عقل ... تنازعني على الوحي الصريح لي الورع الذي يسمو اعتلاء ... على الأحوال بالنبأ الصحيح وساعدني عليه رجال صدق ... من الورعين من أهل الفتوح يوالون الوجوب وكلّ ندب ... ويستثنون سلطنة المبيح) (١). وهناك تصريحات أخرى منه ومن أتباعه , نذكرها في ترجمته في باب مستقل في الجزء الثاني من هذا الكتاب , تحت تراجم كبراء المتصوفين - إن شاء الرحمن -. وأما الحكيم الترمذي الذي منه أخذ ابن عربي تلك الفكرة في أخذ النبي العلم والمعرفة من الملك , وأخذ الوليّ بدون واسطة , فيقول في جواب سؤال: ما الفرق بين النبوة والولاية؟: (الفرق بين النبوة والولاية أن النبوة كلام ينفصل من الله وحيا , ومعه روح من الله فيقضي الوحي ويختم بالروح ... والولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى , فأوصله إليه فله الحديث , وينفصل ذلك الحديث من الله , على لسان الحق معه السكينة , تتلقاه السكينة في قلب المحدّث , فيقبله ويسكن إليه) (٢). ثم يذكر خاتم الأولياء فيقول: (لما قبض الله نبيه ﷺ صيّر في أمته أربعين صديقا بهم تقوم الأرض , وهم آل بيته , فكلما مات واحد منهم خلفه من يقوم مقامه , حتى إذا انقرض عددهم وأتى وقت زوال الدنيا إبتعث الله وليا اصطفاه واجتباه , وقرّبه وأدناه , وأعطاه ما أعطى الأولياء , وخصّه بخاتم الولاية , فيكون حجة الله يوم القيامة على سائر

стр. 190

الأولياء فيوجد عنده بذلك الختم صدق الولاية على سبيل ما وجد عند محمد ﷺ من صدق النبوة فلم ينله العدو , ولا وجدت النفس إليه سبيلا إلى الأخذ بحظها من الولاية. فإذا برز الأولياء يوم القيامة واقتضوا صدق الولاية والعبودية وجد الوفاء عند هذا الذي ختم الولاية تماما , فكان حجة الله عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدهم , وكان شفيعهم يوم القيامة , فهو سيدهم , ساد الأولياء , كما ساد الأنبياء , فينصب له مقام الشفاعة , ويثني على الله تعالى ثناء ويحمده بمحامد يقرّ الأولياء بفضله عليهم في العلم بالله تعالى. فلم يزل هذا الولي مذكورا في البدء , أولا في الذكر , وأولا في العلم , ثم هو الأول في المشيئة , ثم هو الأول في اللوح المحفوظ , ثم الأول في الميثاق , ثم الأول في المحشر , ثم الأول في الجوار , ثم الأول في الخطاب , ثم الأول في الوفادة , ثم الأول في الشفاعة , ثم الأول في دخول الدار , ثم الأول في الزيارة , فهو في كل مكان أول الأولياء) (١). وقد سئل: أين مقامه؟ فقال: (في أعلى منازل الأولياء , في ملك الفردانية , وقد انفرد في وحدانيته , ومناجاته كفاحا في مجالس الملك , وهداياه من خزائن السعي. قال: وما خزائن السعي؟ قال: إنما هي ثلاث خزائن: المنن للأولياء , وخزائن السعي لهذا الإمام القائد , وخزائن القرب للأنبياء ﵈ , فهذا (خاتم الأولياء) مقامه من خزائن المنن , ومتناوله من خزائن القرب , فهو في السعي أبدا , فمرتبته هنا , ومتناوله من خزائن الأنبياء ﵈ , قد انكشفت له الغطاء عن مقام الأنبياء ومراتبهم وتحفهم) (٢). ويقول أيضا: (وقد يكون في الأولياء من هو أرفع درجة , وذاك عبد قد ولى الله استعماله , فهو في قبضته يتقلب , به ينطق , وبه يسمع , وبه يبصر , وبه يبطش , وبه يعقل , شهره في

стр. 191

أرضه , وجعله إمام خلقه ووصاحب لواء الأولياء , وأمان أهل الأرض , ومنظر أهل السماء , وريحانة الجنان , وخاصة الله , وموضع نظره , ومعدن سره , وسوطه في أرضه , يؤدب به خلقه , ويحيي القلوب الميتة برؤيته , ويرد الخلق إلى طريقه , وينعش به حقوقه , مفتاح الهدى , وسراج الأرض , وأمين صحيفة الأولياء , وقائدهم , والقائم بالثناء على ربه , بين يدي رسول الله ﷺ ! , يباهي به الرسول في ذلك الموقف , وينوه الله باسمه في ذلك المقام , ويقر عين رسول الله ﷺ ! , قد أخذ الله بقلبه أيام الدنيا , ونحله حكمته العليا , وأهدى إليه توحيده , ونزه طريقه عن رؤية النفس , وظل الهوى , وأئتمنه على صحيفة الأولياء , وعرّفه مقاماتهم , وأطلعه على منازلهم. فهو سيد النجباء , وصالح الحكماء , وشفاء الأدواء , وإمام الأطباء. كلامه قيد القلوب , ورؤيته شفاء النفوس , وإقباله قهر الأهواء , وقربه طهر الأدناس , فهو ربيع يزهر نوره أبداً , وخريف يجنى ثماره دأبا , وكهف يلجأ إليه , ومعدن يؤمل ما لديه , وفصل بين الحق والباطل. وهو الصديق والفاروق والولي والعارف والمحدّث. هو واحد الله في أرضه) (١). وأما ما قاله المتأخرون فهو أظهر وأصرح , فيقول داود القيصري: (فالنبوة دائرة تامة مشتملة على دوائر متباينة متفاوتة في الحيطة , وقد علمت أن الظاهر لا يأخذ التأييد والقوة والتصرف والعلوم , وجميع ما يفيض من الحق تعالى عليه إلا بالباطن: وهو مقام الولاية , المأخوذ من الولي , وهو القرب , والوليّ بمعنى الحبيب أيضا منه. فباطن النبوة الولاية , وهي تنقسم بالعامة والخاصة. فلأولى تشتمل على كل من آمن بالله وعمل صالحا , على حسب مراتبهم كما قال الله تعالى: ﴿الله وليّ الذين آمنوا﴾. والثانية تشتمل على الواصلين من السالكين فقط , عند فنائهم فيه وبقائهم به في الولاية الخاصة , عبارة عن فناء العبد في الحق. فالوليّ هو الفاني فيه الباقي به. . وهذا الفناء موجب لأن يتعين العبد بتعيّنات حقانية وصفات ربانية مرة أخرى , وهو البقاء بالحق , فلا يرتفع التعين منه مطلقا , وهذا المقام دايرة أتمّ وأكبر من دايرة النبوة , لذلك انختمت النبوة , والولاية دائمة , وجعل الوليّ , اسما من أسماء الله

стр. 192

تعالى دون النبي , ولما كانت الولاية أكبر حيطة من النبوة وباطنا لها , شملت الأنبياء والأولياء. فالأنبياء هم أولياء فانون بالحق , باقون به , منبئون عن الغيب وأسراره .... ولا نهاية لكمال الولاية , فمراتب الأولياء غير متناهية) (١). هذا ومثل هذا كثير عنده. وهناك تلميذ آخر لابن عربي شيعي , فقال مثل ما قاله القيصري: (وفي الحقيقة: الولاية هي باطن النبوة , والفرق بين النبي والرسول والوليّ أن النبي والرسول لهما التصرف في الخلق بحسب الظاهر والشريعة , والولي له التصرف فيهم بحسب الباطن والحقيقة ومن هذا قالوا: النبوة تنقطع , والولاية لا تنقطع أبدا) (٢). وقال النسفي عزيز الدين بن محمد المتوفى ٦٧١ هـ في كتابه (زبدة الحقائق): (إن طائفة من الصوفية ذهبت إلى تفضيل الولاية على النبوة , وقالوا: أن النبوة باطنها الولاية , وأما الولاية فباطنها عالم الإله) (٣). هذا ما ذكره في كتابه (زبدة الحقائق) , وبمثل ذلك ذكر في كتابه (الإنسان الكامل) (٤). وأما ما قاله في كتابه (كشف الحقائق) فهو: (أيها العارف , إن العارفين عند أهل الوحدة ثلاثة طوائف: حكماء وأنبياء وأولياء , فالحكيم من يكون عارفا بطبائع الأشياء , والنبي من يكون عارفا بطبائع الأشياء وخواصّها , والولي من يكون عارفا بطبائع الأشياء وخواصّها وحقائقها , فظهر أنه لا يوجد في العالم أحد يضاهي الوليّ في العلم والقدرة , لأن الله له تجليّان: تجلي عام , تجلي خاص. فالتجلي العام عبارة عن أفراد الموجودات , والتجلي الخاص عبارة عن الوليّ , وهذا هو معنى قول الله : ﴿فالله هو الوليّ وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء

стр. 193

قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾) (١). ويقول في موضع آخر من كتابه: (المعرفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول معرفة طبيعة كل شيء , وهذه رتبة الحكماء , والثاني معرفة خاصية كل شيء , وهذه رتبة الأنبياء , والثالث معرفة حقيقة كل شيء , وهذه رتبة الأولياء , وأعلم أن أهل الوحدة فضّلوا النبي على الحكيم , والوليّ على النبيّ , فإن كل نبي حكيم , وكل وليّ نبيّ , وليس كل نبي وليّ) (٢). وأما الصوفي آخر سعد الدين حمويه فيقول في مثنويّه: (واو الولاية أقرب إلى الحضرة الإلهية من نون النبوة , فلأجل هذا التقرب تعتبر الولاية أفضل من النبوة , ثم يبيّن ذلك في أبياته قائلا: الحرف الأول من كلمة الولاية هو الواو والواو في وسطها ألف أيها المريد والحرف الأول من كلمة النبوة هو النون والنون في وسطها حرف الواو فإذن الوليّ قلب النبي وروحه وروح الوليّ هو ذات الله ونفسه) (٣). فهذه هي عقيدة المتصوفة في الأولياء , والولاية , عين تلك العقيدة الشيعية الشنيعة التي ذكرناها من قبل , وهي تتضمن تفضيل الأولياء على أنبياء الله ورسله , والبعض الآخر كتموها عملا بالتقية التي لم يأخذوها أيضا إلا من الشيعة كما سنذكرها. فإن الوليّ عندهم فوق الرسول والنبي , ودون الله قليلا , وأحيانا يحذفون هذا الفرق البسيط أيضا بينه وبين الله , ويجعلونه ذات الله وعينه , سواء اتحد به , أو ذلك اتحد به , وعلى ذلك قالوا: (لو كشف عن حقيقة الوليّ لعبد) (٤).

стр. 194

إجْرَاءُ النُّبُوة وبهذه المناسبة نريد أن نذكر ههنا عقيدة صوفية خبيثة أخرى , أخذوها من بعض فرق الشيعة , من الخطابية , والخرمية , والمنصورية وغيرها بأن رسالة الله لا تنقطع أبدا , وأن النبوة جارية , ويأتي نبيّ حينا بعد حين (١). وهم بدورهم أخذوها من اليهودية مثل العقائد الأخرى كما ذكره ولهوزن: (أن النبي الصادق واحد يعود أبدا) (٢). ومعلوم أن هذه العقيدة لم تعتنقها فرق الشيعة إلا للقضاء على الإسلام وهدم كيانه , وفتح الأبواب على الدجالين والكذابين لترويج نبواتهم الباطلة ودعاويهم الكاذبة , وإخراج المسلمين عن حظيرة الإسلام , وإدخالهم في بؤرة الكفر والإرتداد , وإبعادهم عن محمد الصادق المصدوق الأمين ﵊ وعن شريعته السماوية السمحاء , ونشر الفتن والقلاقل بينهم , وفكّ جمعيتهم , وتشتيت شملهم , وتفريق كلمتهم , وتمزيق جماعتهم , والقضاء على شأنهم وشوكتهم , وسدّ سيل النور كي لا يعمّ المعمورة , ويشمل الكون , ووضع العراقيل في طريقه , مخالفين النصوص الصريحة المعارضة في كلام الله المحكم , وحديث رسول الله الثابت عنه عليه الصلاة والسىلام مثل قوله جل وعلا: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣). وقوله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٤). وقوله جلّ من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).

стр. 195

وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١). وقول رسول الله ﷺ : (أنا خاتم النبيين لا نبيّ بعدي) (٢). وقوله ﵊: إني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد) (٣). وقوله ﷺ : (مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه , ترك منه موضع لبنة , فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة , فكنت أنا سددت موضع اللبنة , ختم بي البنيان , ختم بي الرسل) (٤). وغيرها من الأحاديث الكثيرة الكثيرة في هذا المعنى ولكن القوم يقولون عكس ذلك , معرضين عن كلام الله وكلام رسوله ﷺ , متبعين غير سبيل المؤمنين , فيقول شيخهم الأكبر متفوها الكفر الصريح: (ويجمع النبوة كلها أم الكتاب , ومفتاحها: بسم الله الرحمن الرحيم. فالنبوة سارية إلى يوم القيامة في الخلق. وإن كان التشريع قد انقطع , فالتشريع جزء من أجزاء النبوة , فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله وأخباره من العالم , إذ لو انقطع لم يبق للعالم غذاء يتغذى به في بقاء وجوده: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ,: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله , وقد أخبر الله أنه ما من شيء يريد إيجاده إلا يقول له: كن , فهذه كلمات الله لا تنقطع , وهي النداء العام لجميع الموجودات. فهذا جزء واحد من أجزاء النبوة لا ينفد , فأين أنت من باقي الأجزاء التي لها) (٥). فهذه هي عقيدة القوم بلسان قدّيسهم , وفي فتوحاته التي يقولون فيها , وفيه: فتوحات شيخي غادة مدنية ... كستها نفيسات العلوم ملابسا فلا عجب لو تشتهيها نفوسنا ... وأبحاثها أبدت إلينا نفائسا فلله دّر الشيخ أكبر عصره ... بأنفاسه لا زال يحيى المجالسا

стр. 196

وهذه العقيدة هي التي شجعت الكثيرين من المتنبئين والكذابين على الله أن يدّعو النبوة بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه , مثل الغلام القادياني الذي استشهد على تنبئه بكلام ابن عربي هذا (١) , وغيره من الدجاجلة الآخرين , مع تصريح رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون , كلهم يزعم أنه رسول الله , وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) (٢). ولكن ابن عربي يقول معاكسا لذلك في فتوحاته: (ويتضمن هذا الباب المسائل التي لا يعلمها إلا الأكابر من عباد الله , الذين هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء في زمان النبوة , وهي النبوة العامة. فإن النبوة التي انقطعت بوجود رسول الله ﷺ إنما هي نبوة التشريع لا مقامها فلا شرع يكون ناسخا لشرعه ﷺ , ولا يزيد في حكمه شرعا آخر , وهذا معنى قوله ﷺ : إن الرسالة والنبوة انقطعت , فلا رسول بعدي ولا نبي , أي لا نبيّ بعدي يكون على شرع يكون مخالفا لشرعي , بل إذا كان , يكون تحت حكم شريعتي ... فهذا هو الذي انقطع وسدّ بابه , لا مقام النبوة) (٣). فهل يقول المتنبئون الدجالون الكذابون غير هذا؟ فإنهم لا يلتقطون إلا من موائد الصوفية وخوانها , ولا يستوحون إلا من أمثال شيخهم الأكبر. ويقول ابن عربي كذلك مجيبا على سؤال الترمذي الملقب بالحكيم: أين مقام الأنبياء من مقام الأولياء؟ يجيب على هذا ويقول: (وإن كان سؤاله عن مقام الأنبياء من الأولياء , أي أنبياء الأولياء - وهي النبوة التي قلنا أنها لم تنقطع , فإنها ليست نبوة الشرائع - وكذلك في السؤال عن مقام الرسل , الذين هم أنبياء فلنقل في جوابه: أن أنبياء الأولياء , مقامهم من الحضرات الإلهية الفردانية , والاسم الإلهي الذي تعبدهم (هو) الفرد , وهم المسمون الأفراد. فهذا هو مقام نبوة الولاية , لا نبوة الشرائع. وأما مقام الرسل , الذين هم أنبياء فهم الذين لهم خصائص على ما تعبدوا به أتباعهم. كمحمد ﷺ , فيما قيل له: (خالصة

стр. 197

لك من دون المؤمنين) في النكاح بدون الهبة. فمن الرسل من لهم خصائص على أمتهم ومنهم من لا يختصه الله بشيء دون أمته. وكذلك الأولياء: فيهم أنبياء , أي خصوا بعلم لا يحصل إلا لنبي , من العلم الإلهي. ويكون حكمهم من الله , فيما أخبرهم به , حكم الملائكة. ولهذا قال (تعالى) في نبي الشرائع: (ما لم تحط به خبرا) , أي ما هو ذوقك , يا موسى! مع كونه كليم الله. فخرق (الخضر) السفينة , وقتل الغلام حكماً , وأقام الجدار - مكارم خلق - عن حكم أمر الإلهي , (هذا كله) كخسف البلاد على يدي جبريل ومن كان من الملائكة. ولهذا كان الأفراد من البشر بمنزلة المهيمن من الملائكة , وأنبياؤهم منهم بمنزلة الرسل من الأنبياء) (١). هذا ويقول الآخرون مثل ما قاله ابن عربي , فيقول الفرغاني: (أما الولاية فهي التصرف في الخلق بالحق , وليست في الحقيقة إلا باطن النبوة , لأن النبوة ظاهرة الأنباء , وباطنها التصرف في النفوس بإجراء الأحكام عليها. والنبوة مختومة من حيث الأنباء , إذ لا نبيّ بعد محمد ﷺ , دائمة من حيث الولاية والتصرف) (٢). وأما السهروردي المقتول فيقول: (إن اتفق في الوقت متوغل في التأله والبحث فله الرياسة , وإن لم يتفق فالمتوغل في التأله المتوسط في البحث. وإن لم يتفق فالحكيم المتوغل في التأله عديم البحث , وهو خليفة الله. ولا تخلو الأرض من متوغل في التأله أبدا) (٣). فهذه هي عقيدة أخرى منافية للإسلام ومخالفة له , ومعارضة لأسسه وقواعده , مناقضة لشرعته وتعاليمه , متبطنة الكفر أشد الكفر , ومتضمنة الارتداد كل الارتداد , مأخوذة من الشيعة واليهودية. ومعروف أنهم لم يخترعوا هذه العقيدة ولم يختلقوها ليوصلوا المتصوفة إلى مقام النبوة ومكانتها كما وصّل الشيعة إليها أئمتهم , فوصفوهم بجميع أوصاف النبوة , واختصاصاتها , ومن أهمها العصمة.

стр. 198

العِصْمَة فالعصمة في تبليغ رسالات الله ضرورية للأنبياء والرسل كي لا يقع الخطأ والغلط في أداء أوامر الله ونواهيه , وأحكام الله وإرشاداته , فيدعمون ويسددون بالوحي ونزول الملائكة عليهم , فما ينطقون عن الهوى , ويجب اتباعهم في كل ما يقولونه ويأمرون به , لسلامتهم من الخطأ , والزلل بخلاف غيرهم , فإنه يمكن عليهم الخطأ والنسيان , والزلل والغلط , فلا يؤمن جانبهم من هذه الأمور كلها. ولكن الشيعة الذين جعلوا أئمتهم كالأنبياء أو المشاركين في النبوة والمضاهين لها , اختلقوا لهم هذه المكانة , وادعوا لهم هذه المنزلة , فقالوا: (إن الإمام يجب أن يكون معصوما) (١). وقال ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة ﵈ أنهم معصومون مطهرون من كل دنس , وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا , ولا يعصون ما أمرهم , ويفعلون ما يؤمرون , ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم , ومن جهلهم فهو كافر. واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها , لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل) (٢). وقال خاتمة محدثي الشيعة ملاّ باقر المجلسي: (الشرط الثاني في الإمام أن يكون معصوما , وإجماع الإمامية منعقد على أن الإمام مثل النبيّ صلى الله عليه وآله معصوم من أول عمره إلى آخر عمره من جميع الذنوب الصغائر والكبائر والأحاديث المتواترة على هذا المضمون واردة) (٣).

стр. 199

ورووا في هذا الخصوص روايات مكذوبة على النبي ﷺ , وعلى عليّ ﵁ وأولاده. منها ما رواها ابن بابويه القمي عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون) (١). وروى المفيد في أماليه عن جعفر بن محمد أنه قال: (إن الله فرض ولايتنا وأوجب مودتنا ,والله , ما نقول بأهوائنا , ولا نعمل بآرائنا , ولا نقول إلا ما قال ربنا (٢). وقال ابن بابويه القمي في كتاب الخصال مفسرا قول الله : لا ينال عهدي الظالمين , يقول في تفسير: (فإذن لا يكون الإمام إلا معصوما , ولا تعلم عصمته إلا بنصّ الله عليه) (٣). وبمثل ذلك قال المتصوفة في كبرائهم وأوليائهم. وقبل أن نذكر النصوص في هذا الخصوص نورد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب عن الشيعة ومن تبعهم في ذلك من المتصوفين: (وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة فإن فيهم من ادّعى الإلهية في علي وهؤلاء شر من النصارى وفيهم من ادعى النبوة فيه ومن أثبت نبيا بعد محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين إلا أن عليا ﵁ بريء من هذه الدعوة بخلاف من ادعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله وهؤلاء الإمامية يدعون ثبوت إمامته بالنص وأنه كان معصوما هو وكثير من ذريته وأن القوم ظلموه وغصبوه ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة فإن المعصوم يجب إتباعه في كل ما يقول لا يجوز أن يخالف في شيء وهذه خاصة الأنبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال تعالى ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فأمرنا أن نقول آمنا بما أوتى النبيون وقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن

стр. 200

رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به وهذا مما اتفق عليه المسلمون أنه يجب الإيمان بكل نبي ومن كفر بنبي واحد فهو كافر ومن سبه وجب قتله باتفاق العلماء وليس كذلك من سوى الأنبياء سواء سموا أولياء أو أئمة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقول فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها ويقال لهذا ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين باتباع شريعة التوراة وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك ويقولون الشيخ محفوظ ويأمرون باتباع الشيخ في كل ما يفعل لا يخالف في شيء أصلا وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية تدعي في أئمتها أنهم كانوا معصومين وأصحاب ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي يقولون أنه معصوم ويقولون في خطبة الجمعة الإمام المعصوم والمهدي المعلوم ويقال أنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوماً ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها فإن الله تعالى يقول ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول﴾ الآية فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول وهذا خلاف القرآن وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة قال تعالى ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم اله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ وقال ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾. فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم فالرسول ﷺ هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار وبين الأبرار والفجار وبين الحق والباطل وبين الغي والرشاد والهدى والضلال وجعله القسيم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره ولهذا اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم

стр. 201

الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (١). وهو كما قال شيخ الإسلام أن الصوفية يعتقدون في أوليائهم ما يعتقد الشيعة في أئمتهم من تأليههم , وجعلهم أنبياء أو كالأنبياء , معصومين , ولو أنهم كثيرا ما يتجنبون عن استعمال هذه اللفظة , ويستبدلونها بالحفظ , ولا يقصدون من ورائها إلا العصمة التي يستعملها الشيعة توقيا وتحفظا من طعن الطاعنين واعتراض المعترضين , وسترا لتك الصلة الوثيقة التي تربطهم مع الشيعة , لو أن بعض المتهورين منهم لم يراعوا هذا الكتمان والإخفاء , وباحوا بهذا السر جهرا وعلنا , عارفين بأن تقيتهم هذه لا تسمن ولا تغني من جوع , لأن المراد من كلتا اللفظتين واحد , لا اختلاف بينهما من حيث المدلول , فقال قائلهم: (وأما صور تلقيات الموحدين الخطابية فهو أن تنبعث اللطفية الإنسانية مجردة عن الفكر طالبة ما لا تعلم منه إلا نسبة الوجود إليه بتقييدها به فإذا نزل هذا العقل بحضرة من الحضرات نزل إليه بحكم التدلي أو برز له أو ظهر له اسم من الأسماء الحسنى بما فيه من الأسرار فيهبه بحسب تجريده وصحة قصده وعصمته في طريقه فيرجع إلى عالم كونه عالما بما ألقي إليه من علم ربه بربه أو من علم ربه بضرب من كونه ثم ينزل نزولا آخر هكذا أبدا (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي) وهو خير البشر وأكثرهم عقلا وأصحهم فكرة وروية فأين الفكر هنا هيهات تلف أصحاب الأفكار والقائلون باكتساب النبوة والولاية كيف لهم ذلك والنبوة والولاية مقامان وراء طور العقل ليس للعقل فيهما كسب بل هما اختصاصان من الله تعالى لمن شاء) (٢). فاستعمل الشيخ الأكبر للصوفية العصمة للأنبياء والأولياء , وسوّى بينهما , ولم ير الفرق في كونهما مصطفين مختارين من قبل الله , ومزلتهما ومكانتهما لا تدركان بالعقل , ومنصبهما لا يكتسب. وقال في مقام آخر: (إن من شرط الإمام الباطن (يعني الولي) أن يكون معصوما , وليس الظاهر إن كان غيره مقام العصمة) (٣).

стр. 202

وبمثل ذلك قال أبو الحسن الشاذلي: (إن من خواص القطب إمداد الله له بالرحمة والعصمة والخلافة والنيابة) (١). وروى صوفي قديم أبو عبد الرحمن السلمي في (طبقات الصوفية) عن أبي بكر محمد الدينوري أنه سئل عن علامة الصوفي ما هي؟ فقال: (أن يكون مشغولا بكل ما هو أولى به من غيره , ويكون معصوما عن المذمومات) (٢). ونقل الدكتور عبد الحليم محمود عن صوفي متقدم أبي بكر الواسطي المتوفى ٣٢٠هـ أنه قسّم المتصوفة على ثلاثة أقسام , فقال: (الناس على ثلاث طبقات , الطبقة الأولى: منّ الله عليهم بأنوار الهداية , فهم معصومون من الكفر والشرك والنفاق. والطبقة الثانية: منّ الله عليهم بأنوار العناية فهم معصومون من الصغائر والكبائر. والطبقة الثالثة: منّ الله عليهم بالكفاية فهم معصومون عن الخواطر الفاسدة وحركات أهل الفضيلة) (٣). ويزيل السهروردي عبد القاهر في عوارفه بعض الحجاب عن ذلك السرّ الذي طالما أخفاه على تشيّعهم , ومصدر تصوفهم , ومنبع أفكارهم , فيقول: (الشيخ للمريدين أمين الإلهام , كما أن جبريل أمين الوحي , فكما لا يخون جبريل في الوحي , لا يخون الشيخ في الإلهام , وكما أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى فالشيخ مقتد برسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا , لا يتكلم بهوى النفس) (٤). لأن الشيخ (والعرف معدن علم الله , مرضع أرواح الطالبين بنفسه , صحف

стр. 203

أسرار ربّ العالمين بروحه , العارف وأن كان بدويا وحشيا فهو معدن العقل والعلم) (١). وهم معصومون (لأنهم أطفال في حجر الحق) (٢). (كالأب الشفيق) (٣). أو (كولد اللبوة في حجرها) (٤). و (أنهم قائمون بالله , قد تولى الله أمرهم , فإذا ظهرت منهم طاعة , لم يرجوا عليها ثوابا , لأنهم لم يرو أنفسهم محلا لها , وإن ظهرت منهم زلّة فالدية على العاقلة , لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء , قيامهم بالله , ونظرهم إليه , وخوفهم هيبته , ورجاؤهم الأنس به) (٥). و (أنهم لا يعرفون إبليس والشيطان) (٦). (وأما خلق الله أهون عليهم من إبليس , ولولا أن الله أمرهم أن يتعوذوا منه ما تعوذوا منه) (٧). ولربما استعملوا الحفظ على أوليائهم ومتصوفيهم , بدل العصمة الشيعية لأئمتهم , لكن في نفس المعنى والمقصود , فقالوا: (ومن شرط الوليّ أن يكون محفوظا , كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما) (٨).

стр. 204

لأن الحق يتولى تصريفه (فيصرّفه في وظائفه وموافقاته , فيكون محفوظا فيما لله عليه , مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات , فلا يكون له إليها سبيل وهو العصمة) (١). و (أن تصير الأشياء كلها له واحدة , فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته) (٢). و (لطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعدّ) (٣). وبمثل ذلك قال القشيري: (الوليّ له معنيان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول , وهو من يتولى الله أمره , قال تعالى ك ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ , فلا يكله إلى نفسه لحظة , بل يتولى الحق سبحانه رعايته. والثاني: فعيل مبالغة من الفاعل , وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته , فعبادته تجري على التوالي , من غير أن يتخللها عصيان. وكلا الوصفين واجب حتى يكون الوليّ وليا: يجب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء , ودوام حفظ الله تعالى إياه في السراء والضراء) (٤). وقال أيضا: (فإن قيل: ما معنى الوليّ؟ قيل: يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل , كالعليم والقدير وغيره فيكون معناه: من توالت طاعاته من غير تخلل معصية. ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول , كقتيل بمعنى مقتول , وجريح بمعنى مجروح , وهو الذي يتولى الحق سبحانه , حفظه وحراسته على الادامة والتوالي , فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان , وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة ,

стр. 205

قال الله تعالى: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾) (١). وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي تحت عنوان (وليّ حق الله ووليّ الله): (فهؤلاء كلهم أولياء حقوق الله , وهم أولياء الله يصيرون إلى الله تعالى في مراتبهم , فيحلون بها ويتنسمون روح القرب , ويعيشون في فسحة التوحيد والخروج عن رقّ النفس , قد لزموا المراتب , فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم فيه من الأعمال. فإذا صرفهم الله من المرتبة إلى عمل أبدانهم حرسهم , فيمضون مع الحرس في تلك الأعمال , ثم ينقلبون إلى مراتبهم , هذا دأبهم) (٢). وعلق ابن عجيبة على قول الشبلي: (الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى) , علق عليه بقوله: (يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم) (٣). وظاهر أن من يكون هذا شأنه لا يكون إلا معصوما محضا , لذلك أن الصوفية حينما يستعملون الحفظ , لا يريدون من وراء ذلك إلا العصمة , ولذلك ذكر الهجويري كلتا اللفظتين في معنى واحد , بصورة الألفاظ المترادفة حيث حكى عن الجنيد أنه قال ك (تمنيت وقتا ما أن أرى إبليس - عليه اللعنة - وذات يوم كنت واقفا بباب المسجد , فإذا بشيخ يقبل من بعيد متجها إلى , فلما رأيته أحسست وحشة في قلبي , فلما اقترب مني قلت: من أنت أيها الشيخ , إذ لا طاقة لعيني برؤية وجهك من الوحشة , لا طاقة لقلبي بالتفكير فيك من الهيبة؟ قال: أنا الذي تتمنى مشاهدتي. قلت: يا ملعون! ما منعك أن تسجد لآدم؟ قال: يا جنيد كيف تصور أني أسجد لغيره؟ قال الجنيد: فتحيرت في كلامه , فنوديت في سري أن: (قل له: كذبت , لو

стр. 206

كنت خرجت عن أمره ونهيه. فسمع النداء من قلبي , فصاح وقال: أحرقتني بالله! وغاب) (١). ثمّ علق عليها بقوله: (وفي هذه الحكاية دليل على حفظه وعصمته , لأن الله يحفظ أولياءه في كل الأحوال من كيد الشيطان) (٢). وتؤيد وتدعم أنهم يدّعون أولياءهم ومتصوفيهم معصومين , مقولاتهم في كتبهم أنه لا يجوز الاعتراض على وليّ من أوليائهم أو على أحد من متصوفيهم , لو كان عمله يعارض الشرع , أو يظهر بصورة منكرة , فيقول الشعراني: (من دخل في صحبة شيخ , ثم اعترض عليه بعد ذلك فقد نقض عهد الصحبة) (٣). ثم نقل حكايتان خبيثتين تدلان على عقيدة القوم في مشائخهم وكونهم معصومين , فيقول: (كان أبو سهل الصعلوكي ﵀ يقول: كان لبعض الأشياخ مجلس يفسر فيه القرآن العظيم فأبدله بمجلس قوال , فقال مريد بقلبه: كيف يبدل مجلس القرآن بمجلس قوال؟ فناداه الشيخ: يا فلان , من قال لشيخه: لم , لم يفلح. فقال المريد: التوبة ... وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي , فلما قدّم خادمه السفرة قلا له: كل معنا يا فتى , فقال: لا , إني صائم. فقال له أبو تراب: كل , ولك أجر صوم شهر. فقال: لا , فقال له شقيق: كل , ولك أجر صوم سنة , فقال: لا , فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله , فسرق ذلك الشاب بعد سنة , فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ , ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال:

стр. 207

من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به) (١). وبمثل ذلك قال شيخ الأزهر السابق نقلا عن سيده أحمد الدردير أنه قال: (فالآداب التي تطلب من المريد في حق شيخه أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا , وعدم الاعتراض عليه في أيّ شيء فعله , ولو كان ظاهره أنه الحرام , ويؤول ما انبهم عليه , وتقديمه على غيره , وعدم الالتجاء لغيره من الصالحين , فلا يزور وليا من أهل العصر , ولا صالحا إلا بإذنه , ولا يحضر مجلس غيره إلا بإذنه , ولا يسمع من سواه حتى يتمّ سقيه من ماء سرّ شيخه) (٢). فهل هناك ضلال بعد هذا الضلال , وتسفيه للعقول بعد هذا كله؟ ومن رجل جعل شيخا لأكبر جامعة إسلامية وأقدمها في العالم؟ ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٣). ولطرافة كلام الشيخ ننقل ههنا ما كتبه في آداب المريد , فيقول: (ومن آداب المريد للشيخ: أن لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه , ولا يجلس على سجادته , ولا يسبح بسبحته , ولا يجلس في المكان المعدّ له , ولا يلح عليه في أمر , ولا يسافر , ولا يتزوج , ولا يفعل فعلا من الأمور المهمة إلا بإذنه , ولا يمسك يده للسلام مثلا ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب , بل سلم بلسانه , وينتظر بعد ذلك ما يأمر به , وأن لا يمشي أمامه ولا يساويه في مشي إلا بليل مظلم ليكون مشيه أمامه صونا له من مصادفة ضرر ... وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته ... وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه , ولا يقول: لم فعل بفلان كذا ولم يفعل بي كذا , وإلا لم يكن مسلما له قيادة: إذ من أعظم الشروط تسليم قيادة له ظاهرا وباطنا ... وأن يجعل كلامه على ظاهره فيمتثله إلا القرينة صارفة عن إردادة الظاهر , فإذا قال له: اقرأ كذا , أو صلّ كذا , أو صم كذا وجب عليه المبادرة , وكذا إذا قال له وهو صائم: أفطر وجب عليه الفطر , أو قال: لا تصلّ كذا إلى غير

стр. 208

ذلك ... وأن لا يدخل عليه في خلوة إلا بإذنه , وأن لا يرفع الستارة التي فيها الشيخ إلا بإذنه وإلا هلك كما وقع لكثير) (١). فلنرجع إلى موضوعنا ونقول: إن القوم يجعلون متصوفيهم معصومين حيث لا يجيزون الاعتراض عليهم , ويقولون: (من قال لأستاذه: لِمَ لا يفلح) (٢). لأن (الشيخ في أهله كالنبي في أمته) (٣). وعلى ذلك قال القشيري: (من شرط المريد أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه) (٤). وهناك حكايات ومقولات كثيرة في هذا المعنى تنبئ وتدلّ صراحة على أن عصمة المتصوفة وأوليائهم , مثل عصمة الأنبياء , وبتعبير صحيح كعصمة أئمة الشيعة , مثل الحكاية التي رواها ابن عجيبة في فتوحاته , عن بعض مشائخه قال: (رأيت يوما شخصا استحسنته فإذا لطمه وقعت على عيني , فسالت على خدي , فقلت: آه فقيل لي: لحظة بلطمة , لو زدت لزدناك) (٥). فمن كان هذا القائل يا ترى؟ فانظر كيف يدّعون العصمة حتى من النظر إلى أحد بتلذذ؟ وكذلك نقل أحد الرفاعيين عن الرفاعي أنه قال: (قال لي الشيخ يعقوب: رأيت الشيطان واقفا على باب داري فهممت بضربه , فقال: أي يعقوب , أنتم أهل الإنصاف , إن في بيتكم الأحمر والأصفر (أي الذهب والفضة أو الدنانير والدراهم) , وهما لي كيف لم أجيء إلى بيتكم؟) (٦).

стр. 209

صوفيّ رأى الشيطان وهمّ بضربه , فالمعنى أن الصوفي لا يمكن أن يغويّه الشيطان , فإذن هو معصوم عن الوقوع في المعاصي والخطايا , والزلات والسيئات. هذا ومثل هذا كثير. فهذه هي العقيدة الأخرى التي أخذها الصوفية من الشيعة , إن دلت على شيء دلت على روابط عتيقة بين التصوف والتشيع , وكون الأول مأخوذا عن الثاني. عَدَمُ خُلُوِّ الأرْضِ مِنَ الْحُجَّةِ من العقائد الشيعية المعروفة , الخاصة بهم أن الأرض لا تخلو من الحجة , وهو الإمام عندهم فلقد بوب محدثوهم وفقاؤهم ومتكلموهم أبوابا مستقلة لبيان هذه العقيدة المختلقة المصطنعة , وأوردوا فيها روايات مكذوبة على رسول الله ﷺ , وعلى عليّ ﵁ وأولاده , أئمة القوم حسب زعمهم , وآراء كبرائهم , وعبارات قادتهم. فلقد أورد محدثهم الكبير الكليني - وهو بمنزلة البخاري عند المسلمين السنة - في كافيه الذي هو أحد الصحاح الأربعة الشيعية , وبمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة روايات عديدة تحت عنوان: لو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة: ومنها ما رواها عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال: (لو لم يكن في الأرض إلا اثنان لكان الإمام أحدهما) (١). كما أورد روايات كثيرة في باب: (أن الأرض لا تخلو من حجة): منها ما رواها أيضا عن جعفر أنه سئل: (أتخلو الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت بأهلها) (٢). وبمثل ذلك روى ابن بابويه القمي المتوفى ٣٨١هـ أحد رجال الصحاح

стр. 210

الأربعة الشيعية , في عيونه عن علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن المعصوم لدى القوم - أنه سئل: (أتخلو الأرض من حجة؟ فقال: لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها) (١). وكذلك بوّب القمي بابا مستقلا في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة) العلة التي من أجلها يحتاج إلى إمام: وأورد فيه أكثر من عشرين رواية: منها ما رواها عن الباقر بن علي زين العابدين: (لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) (٢). وأورد الملا باقر المجلسي في بحاره أكثر من مائة حديث عن أئمته في هذا المعنى , منها ما رواها عن علي بن الحسين أنه قال: (ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم ﵇ من حجة فيها , ظاهر مشهور أو غائب مستور , ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها , ولولا ذلك لم يعبد الله) (٣). وكتب القوم مليئة من مثل هذه الروايات والأحاديث , نكتفي على هذا القدر من البيان. وإن الصوفية لأخذوها منهم بكاملها بدون أيّ تغيير وتبديل , غير أنهم جعلوا الحجة وليّا من أوليائهم , أو صوفيا من جماعتهم بدل الإمام لدى الشيعة , فيقول أبو طالب المكي في قوته , مستعملا حتى الألفاظ الشيعية ومصطلحاتهم نقلا عن علي ﵁ أنه قال: (لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة , إمّا ظاهر مكشوف , وإمّا خائف مقهور لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيّناته) (٤). ومثل ذلك أورد الطوسي السراج أبو نصر عنه:

стр. 211

(لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة لئلا تبطل آياته , وتدحض حججه) (١). وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي , وأحمد بن زرّوق: (لا تخلو الدنيا في هذه الأمة من قائم بالحجة) (٢). وقال السلمي في مقدمة طبقاته: (واتبع (الله) الأنبياء ﵈ بالأولياء , يخلفونهم في سننهم , ويحملون أمتهم على طريقتهم وسمتهم , فلم يخل وقتا من الأوقات من داع إليه بحق أو دال عليه ببيان وبرهان. وجعلهم طبقات في كل زمان , فالوليّ يخلف الوليّ ... فعلم ﷺ أن آخر أمته لا يخلو من أولياء وبدلاء , يبيّنون لأمته ظواهر شرائعه وبواطن حقائقه) (٣). وقال ابن عربي: (لا يخلو زمان عن كامل) (٤). وقال أحد أتباعه البارين علاء الدولة السمناني: (ولا بدّ في كل حين من مرشد يرشد الخلق إلى الحق , خلافة عن النبي المحق , ولابدّ للمرشد من التأييد الإلهي , ليمكن له تسخير المسترشدين , وإفادة المستفيدين , وتعليم المتعلمين ... وهو العالم , الوليّ , الشيخ. وإلى هذا أشار النبي ﵇ حيث قال: الشيخ في قومه كالنبي في أمته ... ولا يكون قطب الإرشاد في كل زمان من الأزمان إلا واحد يكون قلبه على قلب المصطفى صاحب الوراثة الكاملة) (٥). وقال صاحب الجمهرة: (قد صحت الروايات والنصوص المؤكدة الثابتة بالكتاب والسنة على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة , ومن عارف بالحقيقة الكامنة خلف الظواهر , ومن مميّز بين اللباب والقشور , وعابد لله على الوجه الصحيح , وسائر إلى الله على بصيرة

стр. 212

صريحة , وعقيدة وضاءة إلى أن تقوم الساعة) (١). ونقل عن قطب الدين القسطلاني في كتاب له في التصوف: (أن الله بحكمته ونعمته أقام في كل عصر من جعل له لسانا معبرا عن عوارف المعارف الإلهية , مخبرا عن لطائف العواطف الربانية , يصل الله به ما أنقطع من علوم الأنبياء ومعارف الأولياء) (٢). وقال لسان الدين بن الخطيب: (ولا بدّ عندهم أن يكون في العالم شخص واصل إليه في كل زمان , وهو الخليفة المتلقي عن الله أسرار الموجودات , أما ظاهرا فنبيّ ورسول أو باطنا فقطب) (٣). وقال الشعراني نقلا عن عليّ الخواص أنه قال: (من نعم الله تعالى على عباده كونه تعالى لا يخلي الأرض من قائم له بحجة في دينه , رضية لولايته , وأختاره لمعاملته , يبين به دلالاته , يوضح به طرقاته , فطوبى لمن كان كذلك في هذا الزمان) (٤). وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه بعد ذكر كلام الصوفية في هذا الخصوص: (وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لابدّ في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين , لا يتم الإيمان إلا به) (٥). وُجُوبُ مَعْرِفَةِ الإمَامِ وبمناسبة ما ذكرناه آنفا نريد أن نورد ههنا معتقدا شيعيا آخر مرتبطا بالعقيدة السالف ذكرها , وهو أنه يجب على الناس معرفة ذلك الإمام الذي لا تخلو الأرض منه , ومن مات ولم يعرف الإمام فقد مات ميتة جاهلية , أو ميتة كفر وضلال كما قال الشريف المرتضى الشيعي الملقب بعلم الهدى عند القوم:

стр. 213

(إن المعرفة بهم (يعني بالأئمة) كالمعرفة به تعالى , فإنها إيمان وإسلام , وأن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه فإنه كفر , وخروج من الإيمان , وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا ﵌ والأئمة من بعده , علي وأولاده الطاهرين ... والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة ﵈ من جملة الإيمان , وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان بإجماع الإمامية) (١). وقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة: (دفع الإمامة كفر , كما أن دفع النبوة كفر , لأن الجهل بهما على حدّ واحد , وقد روى عن النبي ﵌ أنه قال: من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية , وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر) (٢). ولقد أورد محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى في أبواب مستقلة بوبوها في مصنفاتهم , مثل الكليني في كافيّه , وابن بابويه القمي في كتبه , والطوسي في شافيه , والبرقي في محاسنه , والنعماني في غيبته , والحر العاملي في فصوله , والمجلسي في بحاره , والبحراني في برهانه , وغيرهم في غيره , حتى قال محدثهم العاملي: (الآيات والروايات من طريق العامة والخاصة , والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى) (٣). فهذا المعتقد من المبادئ الشيعية الأساسية التي بُنى عليها مذهب القوم. والمقصود منه أنه يجب على كل شخص أن يعتقد بعدم خلو الأرض من إمام , ثم يوجب على نفسه أن يعرفه , ويجعله قدوة له , وهاديا ومرشدا ومطاعا , فيأخذ منه معالم الدين , ويهتدي بهديه , ويسلك مسلكه , وينهج بمنهجه , وبدونه وبدون إرشاده وتوجيهه يضلّ الطريق , ويهوي في المزالق والمهالك , مزالق الكفر ومهالك الجاهلية. هذا ما يعتقده الشيعة , ولم يكن غريبا أن يؤمن بهذا المبدأ , ويعتقد بهذا المعتقد مشائخ الصوفية , وكبراء التصوف , لأنهم وراءهم حذو القذة بالقذة , فقالوا:

стр. 214

من لم يكن له شيخ فإمامه الشيطان كما ذكر ذلك المتصوفة عن أبي يزيد أنه قال: (من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان) (١). ويقول لسان الدين بن الخطيب: (يكون المرتاض يعتمد على شيخ ويلقي أزمته بيده , ليهديه قبل أن تسبقه إليها يد الشيطان. كن المعزي لا المعزى به ... إن كان لا بدّ من الواحد ومما ينقل: من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه) (٢). وبمثل ذلك قال ابن عربي: (اعلم أن مقام الدعوة إلى الله , وهو مقام النبوة والوراثة الكاملة , والحاصل فيه يقال له النبي في زمان النبوة , ويقال له الشيخ الوارث والأستاذ في حق العلماء بالله من غير أن يكونوا أنبياء وهو الذي قالت فيه السادة من أهل طريق الله , من لم يكن له أستاذ فإن الشيطان أستاذه) (٣). وقال الشعراني: (اعلم يا أخي أن أحدا من السالكين لم يصل إلى حالة شريفة في الطريق أبدا إلا بملاقاة الأشياخ ومعانقة الأدب معهم , والإكثار من خدمتهم , ومن ادعى الطريق بلا شيخ كان شيخه إبليس ... وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد ﵀ يقول: من سلك بغير شيخ ضلّ وأضلّ) (٤). وكتب في كتابه (الأخلاق المتبولية) نقلا عن علي المرصفي أنه قال: (لو أن مريدا عبد الله تعالى كما بين السماء والأرض بغير شيخه فعبادته كالهباء المنثور ... وسمعت سيدي علي الخواص رجمة الله يقول:

стр. 215

(لو أن العبد قرأ ألف كتاب في العلم ولا شيخ له فهو كمن حفظ كتب الطبّ مع جهله بالداء والدواء ... وأن كل من لم يسلك الطريق على يد شيخ حكمه حكم من يعبد الله على حرف) (١). وهذا مثل ما قاله الشيعة نقلا عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال: (إنما يعرف الله ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منّا أهل البيت , ومن لا يعرف الله ولا يعرف الإمام منّا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا) (٢). وعنه أنه قال: (كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول) وعلى ذلك يقول نيكلسون بعد نقل كلام أبي يزيد البسطامي: (من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه , يقول بعده: (هي فكرة يظهر أن لها صلة بالنظرية الشيعية , الذي كان عبد الله بن سبأ أول من قال بها) (٣). الْولاَيَة وَالْوصَايَة وتشابه آخر بين الصوفية والشيعة هو أن الصوفية أضفوا على أوليائهم عين تلك الأوصاف والاختيارات التي أضفى الشيعة على أئمتهم وأوصيائهم , فإن الشيعة يقولون: (أن الأئمة ولاة أمر الله , وخزنة علم الله , وعيبة وحي الله) (٤). ويروي أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار المتوفى ٢٩٠هـ شيخ الكليني , في بصائره , عن محمد الباقر بن علي زين العابدين أنه يقول: (نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ونحن مستودع مواريث الأنبياء
следующие страницы →