стр. 36
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 536
آراء السمعاني العقدية
مازن بن محمد بن عيسى
Полный текст (738 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
ولذا كان الإمام السمعاني محلا لثناء العلماء عليه، لِما آتاه الله تعالى من الفقه والعلم والديانة، يقول ابن القيسراني (١): "الإمام أبو المظفر السمعاني، صاحب السنة والفقه والعلوم " (٢)، وقد انهالت عليه عبارات المدح والثناء، التي كان هو مستأهلا لها، فمما قيل عنه:
- " فقد كان بحرا في الوعظ، حافظا لكثير من الروايات والحكايات، والنكت، والأشعار، فظهر له القبول عند الخاص والعام " (٣).
- " وكان إمام عصره بلا مخالف، أقر له بذلك الموافق والمخالف " (٤).
- " وكانت له يد طولى في فنون كثيرة " (٥).
- " الإمام، العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية " (٦).
- " ويقول إمام الحرمين: لو كان الفقه ثوبا طاويا، لكان أبو المظفر السمعاني طِرازه، وقال أبو علي بن الصفار: إذا ناظرت أبا المظفر، فكأني أناظر رجلا من أئمة التابعين، مما أرى عليه من آثار الصالحين " (٧).
ولذا فالإمام السمعاني بحق، وحيد عصره في وقته، فضلا، وطريقة، وزهدا، وورعا (٨)، قال عنه الإمام السبكي (٩): "الرفيع القدر، العظيم المحل، المشهور الذكر، أحد من طبق الأرض ذكره، وعبق الكون نشره " (١٠).
стр. 38
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه:
هذه القامة العظيمة، والمفخرة الكبيرة، لهذا الإمام العلم العلامة، الذي أجمع الناس على إمامته (١)، فبلغت شهرته الآفاق، وانتفع الناس بعلومه، تتلمذ على نخبة من العلماء، فأخذ عنهم، واقتبس منهم، وتتلمذ عليه نخبة من طلاب العلم، الذين صاروا منارات للهدى يُقتدى بهم. وليس المقصود هنا جمع كل شيوخه وتلاميذه، وإنما الإشارة إلى أبرزهم:
فمن شيوخه:
١ - أبو غانم، أحمد بن علي الكُراعي، مُسنِد مرو، الكراعي نسبة إلى بيع الأكارع، توفي سنة ٤٤٤ هـ، وهو من أكبر شيوخ السمعاني (٢).
٢ - التُرابي، أبو بكر محمد بن عبدالصمد المروزي، الشيخ الجليل، المُعَمّر، مُسنِد خراسان، قال الذهبي: " حدث وعُمِّر" (٣)، توفي سنة ٤٦٣ هـ (٤).
٣ - والده، أبو منصور محمد بن عبدالجبار السمعاني، كان إماما فاضلا، ورعا، متقنا، أحكم العربية واللغة، وصنف فيها التصانيف المفيدة، توفي سنة ٤٥٠ هـ (٥).
٤ - الحنّاط، وتعود هذه النسبة إلى بيع الحنطة، الحسن بن عبدالرحمن بن الحسن المكي الشافعي،، الشيخ العالم، الثقة، سمع منه أبو المظفر في مكة، توفي سنة ٤٧٢ هـ (٦).
٥ - الزنجاني، سعد بن علي بن محمد، كان سعد حافظا، متقنا، ثقة، ورعا، كثير العبادة، قال إسماعيل بن محمد الحافظ عنه: "إمام كبير، عارف بالسنة" (٧)، توفي سنة ٤٧١ هـ، وله تسعون عاما (٨).
стр. 39
فهذه إطلالة موجزة لبعض شيوخ الإمام السمعاني، وإلا فإن شيوخه كُثر، حتى قال بعض من ترجم له: " وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ " (١).
ومن تلاميذه:
١ - ولده الأكبر، محمد بن منصور بن محمد السمعاني، الفقيه، الأديب، المحدث، الحافظ، الواعظ، الخطيب، المبرز في علم الحديث، الجامع لأشتات العلوم، توفي سنة ٥١٠ هـ، وهو ابن ٤٣ سنة (٢).
٢ - الابن الثاني للسمعاني، الحسن بن منصور بن محمد، كان إماما، زاهدا، ورعا، كثير العبادة والتهجد، نظيفا منورا، مليح الشيبة، منقبضا عن الخلق، ولد بعد أخيه بسنتين، رُزق ثواب الشهداء آخر عمره، إذ دخل عليه اللصوص لوديعة كانت لإنسان عند زوجته، وخنقوه ليلة الإثنين سنة ٥٣١ هـ (٣).
٣ - السرخسي الشيرزي، أبو حفص عمر بن محمد بن علي، كان على سيرة السلف من ترك التكليف والتواضع، وكان فقيها، محققا، مدققا، حسن السيرة، كثير الدرس للقرآن، توفي سنة ٥٢٩ هـ (٤).
٤ - الفاشاني، أبو نصر محمد بن محمد بن يوسف، الإمام، الفاضل، العالم، الورع، برع في الفقه، وكان لطيف الطبع، كثير المحفوظ، حسن المحاورة، لا يمل جليسه منه، سمع الأكابر، ونشر العلم، توفي سنة ٥٢٩ هـ (٥).
٥ - التيمي، إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، الملقب بقوام السنة، إمام في التفسير، والحديث، واللغة، والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، توفي سنة ٥٣٥ هـ (٦).
وقد روى عن الإمام السمعاني خلق كثيرون، يقول أبو سعد السمعاني: " سمع الحديث الكثير في صغره وكبره، وانتشرت عنه الرواية، وكثر أصحابه وتلامذته " (٧).
стр. 40
المطلب الرابع: آثاره ومؤلفاته:
النتاج العلمي للإمام أبي المظفر السمعاني كان كثيرا، يشمل فنونا عديدة، إلا أنه لم يوجد له شي من المصنفات على المذهب الحنفي الذي تحول عنه (١)، وإنما كان الكثير من مصنفاته على المذهب الشافعي، يقول ابن العماد (٢):" وصنف في مذهب الشافعي كتبا كثيرة " (٣).
يقول أبو سعد السمعاني عن مؤلفات جده:" صنف التفسير الحسن المليح، الذي استحسنه كل من طالعه، وأملى المجالس في الحديث، وتكلم على كل حديث بكلام مفيد، وصنف التصانيف في الحديث مثل: منهاج أهل السنة، والانتصار، والرد على القدرية وغيرها، وصنف في أصول الفقه القواطع، وهو مغن عما صنف في ذلك الفن، وفي الخلاف البرهان، وهو مشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية، والأوساط، والمختصر الذي سار في الآفاق والأقطار الملقب بالاصطلام، ورد فيه على أبى زيد الدبوسي، وأجاب عن الأسرار التي جمعها، وكان فقيها مناظرا" (٤).
فهذه المؤلفات وغيرها، كأماليه في الحديث (٥)، والطبقات (٦)، والرسالة القوامية (٧) التي صنفها لنظام الملك في تقديم أدلة الإمامة، كلها تدل على سعة اطلاع ونظر هذا الإمام الفذ، وجودته في التصنيف، وقدرته على التأليف، علما أن بعض هذه الكتب في حكم المفقود.
وهنا أُشير إلى قضيتين:
الأولى: فيما يتعلق بتنظيم العلوم عند السمعاني:
فالعلم المختص لا يُدخل فيه غيره إلا لحاجة، وربما نبه على مثل ذلك.
стр. 41
ومن الأمثلة على ذلك: كتابه القواطع، خصصه لمسائل علم أصول الفقه، فتجده في أكثر من موطن منه، يُشير إلى بعض المسائل بأن متعلقها أبواب أصول الدين، وليس علم أصول الفقه، وإنما أشار إليها في هذا المقام لحاجة، ونادرا ما يطيل فيها، ومن النماذج:
- مسألة إمامة علي بن أبي طالب ﵁، وأنها منصوص عليها، فقد أشار إليها عرضا في باب المتواتر، ثم قال: والمسألة من باب أصول الدين، وليست من باب أصول الفقه، فتركنا الإطناب في ذلك (١).
- وفي مسألة أول واجب على المكلف: بيَّن قول السلف وطريقتهم المباينة لطريقة المتكلمين، ثم قال: وهذا الكتاب (القواطع) إنما قصرناه على محض أصول الفقه، وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه (٢).
وكذلك يُشير السمعاني في كتابه القواطع والتفسير، إلى بعض المسائل التي محلها علم الفقه والخلافيات، فلا يطيل في ذكرها، ولا يسهب في بحث مسائلها، وهو بهذا يؤكد على قضية استقلالية العلم المختص في فن من الفنون.
الثانية: فيما يتعلق بترتيب كتبه زمنيا:
يُعد كتاب القواطع للسمعاني من الكتب المتأخرة في التصنيف لداه؛ فتجده كثيرا ما يُشير فيه إلى مصنفاته الأخرى، فقد أشار فيه: إلى كتاب الانتصار، والاصطلام، والبرهان، ومنهاج السنة.
المطلب الخامس: وفاته:
بعد أن قضى الإمام السمعاني حياته في الرحلة للعلم وأهله، فأملى وحدث بها، ونشر العلوم وبثها، وكتب الفنون وخطها، وجاهد في الله تعالى حق جهاده، وافته المنية، فلحق بركب الصالحين، وانتقل إلى الله رب العالمين، تاركا وراءه خلفا صالحا يدعو له، وعلما نافعا يشفع له.
فرحمة الله تعالى على هذا الإمام العلم، الذي وافته منيته عن ثلاث وستين سنة، حفلت بكل خير.
стр. 42
توفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة ٤٨٩ هـ، في مدينة مرو، ودفن بأقصى سنجدان إحدى مقابر مرو (١)، ﵀ رحمة واسعة، وبلغه منازل العلماء الأبرار، والشهداء الأنقياء الأخيار.
стр. 43
المبحث الثالث: تفسير أبي المظفر السمعاني:
المطلب الأول: نسبة التفسير لمؤلفه، ومكانته العلمية:
تفسير الإمام السمعاني، ضمن مصنفاته النفيسة، ومؤلفاته الثمينة، وآثاره الحميدة. وقد نص المترجمون للإمام السمعاني في مصنفاتهم، نسبة هذا الكتاب إليه، وتتابعوا على ذلك، يذكر ذلك اللاحق عن السابق، مما يدل على صحة نسبة التفسير إليه؛ إذ لا يمكن أن يتتابع العلماء جيلا بعد جيل، على ما يكون خطأً محضاً. وقد شهد بذلك أقرب الناس لهذا الإمام الجليل، وهو حفيده النسابة العلامة أبو سعد السمعاني فقال: " صنف التفسير الحسن المليح، الذي استحسنه كل من طالعه " (١)، ونقل عنه الإمام الذهبي، وابن كثير، والسبكي (٢)، وغيرهم هذه النسبة. وقال الإمام ابن الجوزي في تأريخه:"وصنف التفسير " (٣). وقال العلامة الرافعي القزويني: " وصنف الإمام أبو المظفر التفسير في ثلاثة مجلدات" (٤). وقال المؤرخ ابن تغري بردي: " وصنف التفسير " (٥).
стр. 44
وقال العلامة اليافعي: " وله تفسير القرآن العزيز، كتاب نفيس " (١).
وقال العلامة ابن العماد: " وله تفسير جيد حسن " (٢).
وكثيرون غير هؤلاء ممن ترجم للإمام السمعاني، أشاروا إلى نسبة الكتاب إليه.
وتقدمت الإشارة في كلام الأئمة عن كتاب التفسير، بأنه تفسير حسن مليح، نفيس، جيد، وهذا لا شك فيه، فكل من اطلع على هذا الكتاب استحسنه واستملحه؛ لما حواه من فنون العلم، ودرر الفوائد، ولذا كان هذا التفسير، محط أنظار العلماء وطلاب العلم. فكل طالب علم، في تخصصات العلوم الشرعية المتنوعة، يجد بغيته في هذا التفسير. وسيظهر هذا جليا في بيان ميزات تفسير السمعاني، في المطلب الثاني.
المطلب الثاني: ميزات تفسير الإمام السمعاني (٣):
اختلفت الكتب المؤلفة في التفسير، من جهة عرضها، وأسلوبها، وطريقتها، وطولها، وقصرها. وتمايزت هذه المؤلفات من جهة خدمتها للنص القرآني المباشر، دون الخوض فيما وراء النص، بما بات يُعرف عند بعض المفسرين، بظاهر النص وباطنه.
стр. 45
ولذا كانت جُل أنظار العلماء وطلاب العلم، منصبة إلى التفاسير التي عُنيت بالمنهج السلفي في التعامل مع النص القرآني، الذي يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، وبكلام الصحابة، وبما صح في لغة العرب.
ومن هذه التفاسير التي حظيت باهتمام بالغ، من شريحة العلماء وطلاب العلم، تفسير الإمام أبي المظفر السمعاني، الذي حاز كثيرا من الفضائل والميزات، التي جعلته يتبؤا مكانا عاليا بين كتب التفاسير الأخرى.
ولا أدل على ذلك، من الإشادة الواسعة من أهل العلم بهذا التفسير بأنه: تفسير جيد حسن مليح، سهل العبارة، جميل الإشارة، قريب التناول، يقرب المعنى بلفظ موجز، ويقرر المعاني تقريرا صحيحا سليما، خاليا عن ألوان البدع والخرافات والأوهام، بعيدا كل البعد عن المصطلحات الفلسفية، والقوانين الكلامية، وهذا أهم ما يُميز الإمام السمعاني في هذا الباب، وهو بُعده عن المناهج الكلامية التي تُؤثر على فهم النص القرآني، والتعاطي الصحيح معه.
ومن أهم مميزات تفسير الإمام السمعاني:
١ - أنه وسط بين اختصارٍ قد يُخل ببعض المعاني، أو تطويلٍ قد يشتت ذهن القارئ. فهو يُعطي النصوص القرآنية حقها من الإيضاح والبيان، دون إسهاب ولا نقصان.
٢ - تفسير السمعاني قد حوى في طريقته غالب مناهج المفسرين، فهو في غالبه تفسير إجمالي، وفي جهات منه تفسير تحليلي، وفي أنحاء أخرى تفسير مقارن.
٣ - أنه تفسير متنوع المصادر، فقد أفاد السمعاني من العلماء قبله، في شتى العلوم والمعارف التي ضمنها تفسيره، فأصبح تفسيره غنيا بمصادره، غزيرا بفوائده.
٤ - عنايته بالمأثور في تفسيره، فكان يُفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبكلام السلف.
٥ - اهتمامه بذكر اللطائف، وحل الإشكالات التي تطرأ على النصوص، وكان غالبا ما يصدرها بقوله: (فإن قال قائل).
стр. 46
٦ - أنه تفسير غني بالاستنباطات العلمية (١)، التي تُنبئ عن علم دقيق، وفهم عميق.
٧ - أنه حديقة غنّاء، يقتطف منه طالب العلم والمعرفة من كل فن قطفة، فتفسير السمعاني امتاز:
- بإيراد أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغيرها من علوم القرآن الأخرى.
- واستشهاده بالقراءات وتوجيهها.
- واعتماده على اللغة العربية وأهلها، في فهم المفردة القرآنية، والرد على أهل البدع الذين جعلوا من المفردة القرآنية، مطية للوصول إلى العقائد الفاسدة.
- اعتماده على الشعر في توضيح المعاني، وفهم بعض المرادات.
- نقله لبعض مسائل الفقه.
- تقريره لمسائل العقيدة.
وبالإجمال: فإن تفسير الإمام السمعاني، تفسير سهل وسط، كُتب بأجمل الألفاظ، وأعذب العبارات، سهل ميسور، بعيد عن التعقيد، يمكن للمتخصص وغيره الإفادة منه.
المطلب الثالث: المآخذ على تفسير الإمام السمعاني:
كل مُؤلِفٍ يسعى للكمال، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يجعل الكمال والعصمة في كتابه العزيز، ولذا لا يخلو مُؤلَّف من المؤلفات، من خطأٍ أو تقصير، " فقلما يخلو إنسان من نسيان، وقلم من طغيان " (٢)، وما أجمل وأحسن قول من قال: " أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومه، إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" (٣).
стр. 47
ولذا يأتي اللاحق، فيُكمل نقصا، أو يجمع متفرقا، أو يُفصِّل مجملا، أو يُهذب مطولا، أو يرتب مخلطا، أو يُعيّن مبهما، أو يبين خطأ. وهذا ليس فيه غض من حق أحد، أو تنقص له، أو إسفاف به، وإنما هذا شان علم البشر.
علما أن بعض هذه المآخذ هي محل نظر واجتهاد، كمن أشار إلى قلة عرضه للمسائل الفقهية، أو تقعيده لمنهج السلف في الاستدلال في العقائد، أو التوسع في التفسير في مقام دون آخر، فهذه وغيرها من المآخذ خاضعة للنظر والاجتهاد، فهي أمور نسبية، فقد تكون عند بعضهم مآخذ، وعند غيرهم ميزات.
ومن المآخذ التي أُخذت على تفسير السمعاني:
١ - ذكره للإسرائيليات، وإن كان هو قليلُ الأخذ بها بالنسبة لغيره من المفسرين.
٢ - إيراده لبعض الأحاديث الضعيفة دون التنبيه عليها.
стр. 48
стр. 49
المطلب الرابع: منهج الإمام السمعاني في تفسيره:
امتاز تفسير الإمام السمعاني - كما سبق - بتنوع مصادره، والثراء العلمي الغزير، الذي ضمنه السمعاني تفسيره.
وكان دمج هذه العلوم والمعارف وترتيبها في مواضعها، أمر شاق، يحتاج لدقة في التصنيف، ودربة في التأليف. وقد جاء تفسير السمعاني على منهج فريد، فقد أزاح الستار عن المشكلات، وبيّن المجملات، وأظهر المحتملات، ورد المتشابهات إلى المحكمات، فكان تفسيرا وافيا شاملا لغالب المقاصد، والمعاني، والمرادات.
وكان تعامله مع النصوص يسير حسب الحاجة، فما احتاج لبيان سبب نزول بينه، وما افتقر لإيضاح غريب أوضحه، وما تعيّن فيه استنباط حكم استنبطه، ومتى ظهر إشكال أظهره وتعقبه.
ومن الملامح العامة لمنهج السمعاني في تفسيره:
١ - نقده لبعض الروايات، وحكمه عليها بالضعف أو الغرابة.
٢ - اهتمامه بذكر الأقوال في تفسير الآية، وربما أشار إلى سبب الخلاف فيها.
٣ - أن منهجه حيال أقوال المفسرين، يقوم على الجمع، أو الترجيح، أو التوقف دون ترجيح.
٤ - حكايته لبعض إجماعات المفسرين.
٥ - إيراده لبعض التقسيمات المفيدة، التي تجمع شتات المسائل.
٦ - اهتمامه بتعريف المصطلحات الشرعية، كالإيمان، والصلاة، وغيرهما.
٧ - الربط بين المعاني اللغوية والشرعية، في المصطلحات التي يتطرق إليها.
٨ - اهتمامه بفن الوقف والابتداء.
٩ - بيان الحق فيما ظاهره التوهم في بعض النصوص.
١٠ - اهتمامه بذكر بعض القواعد والفوائد اللغوية والأصولية.
١١ - اهتمامه بذكر أصول الكلمات العربية، واشتقاقاتها اللغوية.
١٢ - اهتمامه بذكر التعليل.
١٣ - ذكره لنفائس العلوم، وفضائل الفنون، المستنبطة من النصوص.
١٤ - الإشارة إلى علم الآداب والأخلاق والسلوك.
وبالإجمال: فهو تفسير حافل بالعلوم والمعارف، مليء بالفنون واللطائف.
стр. 50
المبحث الرابع: منهجه في دراسة العقيدة:
المطلب الأول: المنهج العام في دراسة مسائل العقيدة:
المتتبع لمسار الإمام السمعاني العلمي والمنهجي في تعاطيه لمسائل العقيدة، دراسة وتأصيلا وتقعيدا، يلمح المنهج الفريد الذي تميز به، والنَفَس العالي الذي تمتع به، ويدرك معنى الشمول الذي ظهر في شخصيته، خاصة في زمنه الذي ظهرت فيه البدع واحتدت، وعلت فيه المقالات المخالفة واشتدت. والسمعاني لم يكن وحيدا في هذا الباب، بل هو تطور طبيعي لسلسة النقد العلمي البناء المنصب على مقالات المخالفين، فهو يسير في ركاب العلماء الذين سبقوه، ملتمسا منهم الأصول العامة للمنهجية المنضبطة التي يحصل بها التعاطي مع مسائل المعتقد، بعيدا عن الأهواء والانحرافات التي أصابت الفكر في مقتل، ولذا كان السمعاني مجتهدا، مع كثرة أقرانه، ووفرة إخوانه.
وكانت لرحلات السمعاني المتعددة في الأمصار، ولقياه بأهل العلم المتخصصين في جميع الفنون، الأثر البالغ في تكوين الشخصية العلمية لديه، والتي ظهرت من خلال تبنيه لمنهج السلف - المستقى من نصوص القرآن والسنة - وتقرير قواعده، وتأصيل مسائله، والمنافحة عنه، ومجابهة مخالفيه والرد عليهم. وهذا يظهر جليا لكل من نظر في كتبه ومصنفاته، خاصة ما كتبه في تفسير القرآن الكريم، والذي كان أرضا خصبة لتقرير المنهج السلفي على ضوء النص القرآني، وهو كذلك الذي أعطى السمعاني سعة للتأكيد على المعتقد الصحيح كلما حلت مناسبة، أو سنحت فرصة.
وأما الإطار العام الذي سار عليه الإمام السمعاني في دراسة مسائل العقيدة، فهو يدور حول عدة مرتكزات، علما أن المنهج العام الذي تمحورت فيه شخصية السمعاني في هذا الباب، ظهرت من جهتين: من جهة التأصيل والبيان، ومن جهة الرد والتفنيد للشبهات.
والمرتكزات العامة التي سار عليها السمعاني في دراسة العقيدة تقوم على ما يلي:
أولا: ضبط منهج السلف: وهذا يظهر جليا في تقريراته لمسائل المعتقد وغيرها، فكان يدور في فلكهم، وكانت المسائل الكبرى والأصول العامة مقررة على طريقتهم، وبنظرة سريعة في المسائل التي بثها في تقرير أصول الإيمان الستة، تظهر ملامح ضبطه للمنهج السلفي.
стр. 51
والضبط للمنهج السلفي عند السمعاني يقوم على أمرين: ضبط حروفهم وألفاظهم في تأصيل المسائل والرد على المخالفين، والتعبير عنها بأسلوبه الخاص، وضبط أصول الاستدلال لديهم.
ومن الأمثلة الظاهرة على الأمر الأول من جهة التأصيل:
- في ضبط باب الصفات الإلهية يقول مقررا منهج السلف: وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف. (١)
- وفي ضبط باب الإيمان يقول: والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. (٢)
- وفي ضبط باب القدر يقول عن ركن المشيئة: رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد شيئا، ولا يختاره، ولا يشاؤه، إلا بمشيئة الله. (٣)
ومن الأمثلة الظاهرة على الأمر الأول من جهة الرد والتفنيد:
- رده على الاعتقاد الفاسد في الكواكب الذي كان شائعا عند المنجمين، فقال عند تفسير قوله تعالى: (الجوار الكنس) (التكوير ١٦): وهذه الكواكب هي التي يسميها المنجمون المتحيرة، وقد تفردت، حيث تسير بخلاف سائر الكواكب ... ويحيلون عليها الأفعال في العالم، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد، ونحيل الجميع على الله تعالى. (٤)
- ورده على المعتزلة في نفيهم الصفات، فقال في تفسير قوله تعالى: (أنزله بعلمه) (النساء ١٦٦): فيه دليل على أن لله علما، هو صفته، خلاف قول المعتزلة خذلهم الله. (٥)
- وفي رده على القدرية في باب القضاء والقدر، قال عند تفسير قوله تعالى: (لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون) (الأنبياء ٢٣): وفي الآية رد على القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية. (٦)
وأما الأمر الآخر فهو ظاهر جلي من جهة استدلاله بالنصوص، وبناء الأحكام عليها.
ثانيا: التزامه بمذهب السلف وتعظيمه: وهذا يظهر من عدة جهات:
стр. 52
١ - تصريحه بالتزام مذهب السلف: فقد ذكر في ثنايا حديثه ورده على القائلين: بأن أول واجب على الإنسان النظر: وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث، واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب، ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه. (١)
٢ - حثه وتحضيضه على التزام مذهب السلف واتباعه: فقال في معرض رده على المتكلمين: فعلى الطريقة التي ذكرتها، ينبغي أن يتكلم المسلم ويعتمد علاه، ولا يغتر بزخارف القول، وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية، من الصحابة ومنهج التابعين بإحسان؛ لبيان السعادة العظمى، ويصل إلى الطريقة المثلى (٢)، وقال: وشعار أهل السنة: اتباعهم السلف الصالح، وتركهم كل ما هو مبتدع محدث (٣)، وقال: فتبين لنا أن الطريق عند الأئمة الهادية: اتباع السلف والاقتداء بهم، دون الرجوع إلى الآراء (٤)
٣ - جزمه بمذهب السلف مذهب أهل السنة والجماعة، ونصرته له؛ كقوله مثلا: واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل السنة (٥)، وكثيرا ما تجد أمثال هذه العبارات في كلام السمعاني: (والمختار ما عليه السلف - وقد كان السلف - وهو المنقول عن السلف - وعن كثير من السلف - وعن بعض السلف - هو الأولى والأقرب بمذهب السلف - واختلف السلف - وهذا القول مأثور عن السلف) وغيرها من العبارات التي تدل على أمرين:
أولا: سعة علمه بمذهب السلف، وهذا ظاهر في كلامه وتقريره لمذهبهم، وكثيرا ما يُشير إلى هذه الألفاظ: (السلف، وأهل السنة) مع أن كلامه لا يخلو من نقولات مستفيضة عن أئمة السلف، وهذا بدوره يُربي طالب العلم على احترام مذاهب السلف، والحرص عليها، والنهل منها؛ لأنها تحوي العلم الصحيح المؤصل. وثانيا: تقديم مذهب السلف على غيره، والانتصار له.
стр. 53
٤ - ثناؤه العاطر على جهود علماء أهل السنة والجماعة، ومن ذلك قوله بعد بيان تهافت القول بالصرفة: ولا يحتمل هذا الموضوع بيان وجوه الإعجاز في القرآن، وقد كفينا مؤنة ذلك بحمد الله بمنه، وأعني بذلك جماعة من علماء أهل السنة، والله يشكر سعيهم، ويرحمهم وإيانا بمنه (١).
ثالثا: المنهج المعرفي للسمعاني: يقوم على الوحي، فهو يُقر أصالة بدلالة الوحي، وأنها مصدر المعارف الصحيحة المتعلقة بالغيبيات وغيرها، ولذا كان من الطبيعي أن يكون السمعاني معظما للنصوص، مُسلِّما لها، لا يتعرض لها برد ولا بتأويل فاسد، ولا يُعارضها بهوى أو عقل أو ذوق أو قياس، يقول في بيان ذلك: واعلم أن الخطة الفاصلة بيننا وبين كل مخالف، أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة، ونستخرج ما نستخرج منهما، ونبني ما سواهما عليهما، ولا نرى لأنفسنا التسلط على أصول الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا، بل نطلب المعاني، فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة، أخذنا بذلك وحمدنا الله تعالى على ذلك. وإن زاغ بنا زائغ، ضعفنا عن سواء صراط السنة، ورأينا أنفسنا قد ركبت البنيان، وبركت الجدد، اتهمنا آراءنا، فرجعنا بالآية على نفوسنا، واعترفنا بالعجز، وأمسكنا عنان العقل؛ لئلا يتورط بنا في المهالك والمهاوي، ولا يعرضنا للمعاطب والمتالف، وسلمنا الكتاب والسنة عليها، وأعطينا المقادة، وطلبنا السلامة، وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم (٢).
رابعا: سعة علمه بمقالات المخالفين: وهذه السعة أكسبته معرفة دقيقة بالشبه التي عولوا عليها للاستدلال لمذاهبهم، وتمرير أفكارهم، استطاع السمعاني من خلالها الرد على هذه الشبه وتفنيدها، وقد محا قلم السمعاني كثيرا من شبه المتكلمين من المعتزلة القدرية وغيرهم.
стр. 54
خامسا: وضوحه في بيان المعتقد الصحيح والاستدلال عليه: وهذا ظاهر في صنيعه في جميع أبواب العقائد، فتجده يقرر المعتقد الصحيح المبني على الدلالات البينة الواضحة بأسهل عبارة؛ فمثلا فيما يتعلق بالاستدلال بالمخلوقات على وحدانية الله تعالى، يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق) (إبراهيم ١٩): معنى خلق السموات والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته (١)، ويقول في تقرير مذهب السلف في باب الصفات الإلهية، في صفة الاستواء لله تعالى مثلا: وأما أهل السنة فيتبرؤون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف (٢)، وهذه مجرد نماذج تُبين مدى وضوح السمعاني في بيانه لمسائل العقائد.
سادسا: بُعده التام عن قواعد المتكلمين وقوانينهم: وهذا يظهر جليا في التنفير منها، والتحذير من خطورتها، ومن ذلك قوله: وإياك - رحمك الله - أن تشتغل بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض (٣).
سابعا: مباينته لمناهج أهل الأهواء والبدع، وطرائقهم في الاستدلال: فأهل البدع يُقدسون العقل، ويجعلونه ميزانا للقبول والرد، ويستحدثون أصولا جديدة للاستدلال، وطرائق محدثة للاستنباط، يحرفون بها النصوص، ويتأولونها لغير مراداتها، مما ينتج عنه خلل في الفهم، وخطأ في التطبيق، وانحراف في التأصيل.
стр. 55
ثامنا: ميله في الغالب لقول الجمهور: ففي الغالب يميل السمعاني في المسائل العقائدية التي جرى فيها خلاف إلى قول جمهورهم، فمثلا: في مسألة التوبة من القتل العمد، حين حكى خلاف السلف فيه، رجح قول أكثرهم، فقال: والأصح، والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا توبة (١)، ومثله: حين ذكر الخلاف في حقيقة تكلم النار، في قوله تعالى: (وتقول هل من مزيد) (ق ٣٠)، فقال: والأصح أن هذا النطق من جهنم على طريق الحقيقة، وهذا اللائق بمذهب أهل السنة في الإيمان بتسبيح الجمادات (٢).
تاسعا: عدم الإغراق في الردود: فالمتتبع لأسلوب السمعاني يجد أنه يكتفي في الردود في باب العقائد، بأقربها إلى الفهم وأيسرها وأوضحها، ولا تكاد تجده يُغرق في هذا الباب، بل يكتفي بنقض قول المخالف بأقرب عبارة. وهذا يُبين أسلوب السمعاني التصنيفي في هذا الباب؛ فأسلوبه في باب التقرير، يختلف عن أسلوبه في باب الرد والتفنيد، ففي تقرير المسائل العقائدية يُسهب غالبا في إيراد الأقوال والأدلة، وأوجه الاستدلال، في حين يُوجز في الرد على شبهات المخالفين على الأغلب من شأنه، ما لم يقتض الأمر إسهابا.
عاشرا: الاحتجاج بالسنة في باب العقائد مطلقا، متواترها وآحادها، وقد نافح السمعاني بشدة في كتابيه الانتصار والقواطع عن حجية خبر الواحد، وأنه يفيد العلم، وقال عند تفسير قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة ١٢٢): واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد، والمسألة في الأصول كبيرة (٣)، وقال في الانتصار: إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ، ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خَلَفَهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ ، وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يُوجب العلم فيما سبيله العلم (٤).
стр. 56
المطلب الثاني: المنهج الاستدلالي لدراسة مسائل العقيدة:
السمعاني من أهل النظر والاجتهاد، وهو من أهل المعرفة بالدلائل وطرق الاستدلال، وممن له معرفة ودراية فائقة بأصول الاستنباط، يَعرف هذا كل من نظر في تصانيفه ومؤلفاته، ولذا كان المنهج الاستدلالي عند السمعاني منهجا متميزا، يقوم على فهم دقيق، ونظر ثاقب، فهو من أهل هذا الفن وأساطينه، ولما كان السمعاني قد حاز قصب السبق في زمنه في علم أصول الفقه - يشهد له كتابه القواطع - الذي يُعد علما تأصيليا لأصول الاستدلال وطرق الاستنباط، فقد كان لهذا العلم أثر بارز في تشكيل الفهم الصحيح، والاستدلال الواضح القريب للإمام السمعاني، والإمام السمعاني قد أبان عن أصول الأدلة التي يُعتمد عليها في الاستدلال، فقال: " عامة الفقهاء الأصول أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ومعقول الأصل وهو القياس" (١)، وصحح هذا القول؛ لأنه أشار إلى أن بعضهم ضم إلى هذه الأصول الأربعة بعض الأصول الأخرى؛ كالعقل، والحس، واللغة، ورد على من جعلها أصولا للأدلة.
فمنهج الإمام السمعاني الاستدلالي يقوم على عدة مرتكزات:
أولا: الاهتمام بنقل الإجماعات في المسائل التي يقررها ويُؤصل لها: وقد استدل له بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) (النساء ١١٥): واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن الإجماع حجة (٢)، وقال: الإجماع حجة من حجج الشرع، ودليل من دلائل الله تعالى على الأحكام، وهو حجة مقطوع بها (٣)، ومرة يذكر إجماع أهل السنة، ومرة أخرى يذكر إجماع المفسرين، ومن المواطن التي حكى فيها الإجماع في هذا الباب بنوعيه قوله:
- والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعليه إجماع أهل السنة (٤).
- والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة (٥).
стр. 57
- (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (الإسراء ٧٩):أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة (١).
فالسمعاني يحتج بالإجماعات في أبواب العقائد، ومن ذلك قوله: وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم، على رواية الأحاديث في صفات الله ، وفي مسائل القدر، والرؤية، وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي ﷺ ، مناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أشبه ذلك مما يكثر عده وذكره (٢).
ثانيا: استدلاله بالمحكمات البينات الواضحات: وهذا بين في استدلالاته على المسائل الكبرى، ومن أمثلة ذلك: استدلاله على ثبوت الصفات الإلهية لله تعالى بأدلة واضحة بينة، بعيدا عن تحريفات المتأولين، الذين يتعلقون ببعض المتشابهات التي يردون بها الحق الواضح البين، ويعلقون عليها آراءهم.
ثالثا: استدلاله بأقوال الصحابة والتابعين، وقول أئمة اللغة والقراءات: وهذا مبثوث في كلامه.
رابعا: اهتمامه بالتعليل: خاصة أن السمعاني يُورد بعض التساؤلات التي تحتاج لجواب مُعَلل، وهذا موجود بكثرة في تفسيره، وذكر السمعاني أن الصحابة كانوا يُعللون؛ ونقل عن علي ﵁ قوله في حد الخمر: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون، فقد ذكر تعليلا، وقالت الصحابة لأبي بكر ﵃: رضيك رسول الله ﷺ لديننا، فرضيناك لدنيانا (٣)، ومن نماذج التعليل التي ذكرها السمعاني:
стр. 58
- قال في تفسير قوله تعالى: (وإياك نستعين) (الفاتحة ٥): إنما كرره ... ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم بمثل هذا، قد يدخل الكلام تجريدا أو تفخيما وتعظيما، ولا يُعد ذلك عيبا؛ كما تقول العرب: هذا المال بين زيد وبين عمرو، وإن كان يفيد قولهم: المال بين زيد وعمرو، ما يفيد الأول، ولا يُعد ذلك عيبا، بل عُدَّ تفخيما وتجزيلا للكلام (١).
- وقال في تفسير قوله تعالى: (بديع السموات والأرض) (الأنعام ١١٧): أي مبدعها، قال ابن عباس: هو الخالق لا على مثال سبق، ومنه المبتدع؛ لأنه أحدث ما لم يسبق إليه (٢).
- وقال في تفسير قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم) (البقرة ١٢٠): قيل: إنه خطاب للنبي، والمراد به الأمة؛ لأنه كان معصوما من اتباع الأهواء (٣).
خامسا: جمعه بين النصوص والتأليف بينها: ومن النماذج التي أبرزها السمعاني في هذا الباب، ما يتعلق بمسألة الرؤية، فقد ذكر أن مذهب أهل السنة: أن الرؤية حق، ورد بها القرآن والسنة، واحتج لها بالنصوص الواردة في ذلك، وأورد على هذه النصوص المثبتة، قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (الأنعام ١٠٣)، وبين أنه لا تعارض بينها، وقد ذكر في وجه الجمع بينها طريقين:
١ - قوله: فالإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية هي المعاينة، وقد تكون بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى: (فلما ترآء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا) فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، وإذا كان الإدراك غير الرؤية، فالله تعالى يجوز أن يُرى، ولكن لا يُدرك كنهه؛ إذ لا كنه له حتى يُدرك، وهذا كما أنه يعلم ويعرف ولا يُحاط به، كما قال: (ولا يحيطون به علما) فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم.
стр. 59
٢ - قوله: وقال ابن عباس: معنى قوله: (لا تدركه الأبصار) يعني: في الدنيا، وهو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا؛ بدليل قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) فكما أثبتت الرؤية بتلك الآية في الآخرة، دل أن المراد بهذه الآية الإدراك في الدنيا؛ ليكون جمعا بين الآيتين (١).
سادسا: الاستنباط الدقيق من الأدلة، وتوسيع دائرة الدليل؛ ليحوي أوجها متعددة.
سابعا: تكرار الأدلة المتنوعة على المسألة الواحدة، وحشدها في مكان واحد أو أمكنة متعددة؛ حتى تصير المسألة المستدل لها من أوضح الواضحات، فتتوارد الأدلة على معنى واحد؛ لتثبته في القلوب، وتطبعه في النفوس.
ثامنا: الاستدلال على المخالف بالحجج الإقناعية، والبراعة في قلب الأدلة على المخالفين، والإلزام بما ينقض قول المخالف.
تاسعا: إعمال القواعد الأصولية المتفق عليها عند أهل هذا الفن، وهو من أهله، وأحد أساطينه.
стр. 60
- وهنا أُشير إلى مسألة مهمة، تتعلق بالاجتهاد في العقائد: فبعضهم يرى أن العقائد لا يجري فيها باب الاجتهاد؛ لأن العقائد المطلوب فيها الجزم واليقين، وهذا هو الصحيح، لكن هذا يُحمل على غالب أمرها، خاصة في المسائل الكبرى والأصول العظمى؛ لأنه قد يأتي نص مُشكل في ظاهره، فتختلف فيه أنظار العلماء، فيجري الاجتهاد في هذا النص وأمثاله، ولذا فالاجتهاد كما هو حاصل في المسائل العملية، كذلك هو حاصل في المسائل العلمية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية، كما قد بُسط في غير موضع؛ كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويُبين المراد ولم يعرفه " (١)، ويقول: " وإني أُقرر أن الله غفر لهذه لأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العلمية" (٢)، لكن قيّد شيخ الإسلام في موطن آخر الاجتهاد في العقائد فقال:" وقد يغفر لأجل تأويل إذا كان مجتهدا، الاجتهاد الذي يُعفى معه عن المخطئ" (٣)، ويُفهم من كلامه: أن ما لا يُعفى معه عن المخطئ، فيعاقب ولا يُعذر (٤).
والاجتهاد كذلك يكون في النوازل المستجدة التي تحدث في الأمة في باب العقائد، يقول الشاطبي بعد أن سرد الآثار عن السلف الذامة للرأي:" ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي، لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم الاجتهاد على الأصول في نازلة، لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع، ممن يعرف الأشباه والنظائر، ويفهم معني الأحكام، فيقيس قياس تشبيه وتعليل، قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه، فهذا ليس فيه تحليل وتحريم ولا العكس، وإنما القياس الهادم ما عارض الكتاب والسنة، أو ما عليه سلف الأمة، أو معانيها المعتبرة" (٥).
стр. 61
وقد ورد عن الإمام السمعاني نصا يمنع ظاهره الاجتهاد في العقائد، يقول فيه:" أن الحوادث للناس والفتاوى في المعاملات ليس لها حصر ولا نهاية، وبالناس إليها حاجة عامة، فلو لم يجز الاجتهاد في الفروع، وطلب الأشبه بالنظر والاعتبار، ورد المسكوت عنه إلى المنصوص عليه بالأقيسة، لتعطلت الأحكام، وفسدت على الناس أمورهم، والتبس أمر المعاملات على الناس. ولا بد للعامي من مفت، فإذا لم يجد حكم الحادثة في الكتاب والسنة، فلا بد من الرجوع إلى المستنبطات منهما، فوسع الله هذا الأمر على هذه الأمة، وجوز الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول لهذا النوع من الضرورة، ومثل هذا لا يوجد في المعتقدات؛ لأنها محصورة محدودة، قد وردت النصوص فيها من الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أمر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ باعتقاد أشياء معلومة لا مزيد عليها ولا نقصان عنها، وقد أكملها بقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم) فإذا كان قد أكمله وأتمه، وهذا المسلم قد اعتقده وسكن إليه، ووجد قرار القلب عليه، فبماذا يحتاج إلى الرجوع إلى دلائل العقل وقضاياه، والله أغناه عنه بفضله، وجعل له المندوحة عنه .. " (١). بتحليل كلام السمعاني ينتج عنه التالي:
- أن الأحكام بحاجة إلى الاجتهاد؛ حتى لا تتعطل الأحكام، وتفسد أمور الناس.
- أن مسائل العقائد ليست بحاجة إلى الاجتهاد، كما هو الحال في مسائل الأحكام، الذي عبَّر عنها السمعاني برد الفروع إلى الأصول؛ لأن مسائل المعتقد محصورة محدودة، والواجب فيها التسليم والاتباع.
стр. 62
وبالتأمل في كلام السمعاني يُلحظ أنه لم ينص على أن الاجتهاد ممنوع مطلقا في مسائل المعتقد؛ فإن كلامه السابق يمكن أن يُحمل على أصول المعتقد وما لا خلاف فيه؛ لأنه قال: "فإن الله تعالى أمر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ باعتقاد أشياء معلومة، لا مزيد عليها ولا نقصان، وقد أكملها "، وهي الأصول الكبرى، وكلامه أيضا فيه احتراز عن المسائل المحتملة، لاختلاف الأدلة من جهة الثبوت والدلالة؛ لأنه قال: أشياء معلومة لا مزيد عليها ولا نقصان، وهذه تصدق على الأصول الكبرى، بدليل أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل مستجدة تُعد من فروع العقائد: كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه بعيني رأسه، ومسألة عذاب القبر ونعيمه على الروح أم على الجسد أم عليهما؟ ومسألة تعليق التمائم من القرآن، ومسألة طاعون عمواس، وغيرها من المسائل المشهورة في المصنفات والمسانيد، فلا يمكن للسمعاني أن يغلق بابا فتحه الصحابة واجتهدوا فيه ومارسوه عمليا، ومما يدل لذلك: أن السمعاني نفسه بحث جملة من المسائل الفرعية التي هي محل نظر واجتهاد، ولا تُعد من المسائل الكبرى التي أغلق الشارع الخوض فيها؛ كمسألة خلو النار من المعذبين، وما الذي يوزن في الميزان؟ ومسألة وقوع الأنبياء في الصغائر، وغيرها من المسائل التي لا تعود على الأصول الكبرى بالنقض أبدا. فالسمعاني كغيره من العلماء، الذين يتعاطون مع المسائل المستجدة بالبيان والتوضيح، فلا يدل نص السمعاني السابق على غلق باب الاجتهاد في العقائد، بل ينبغي ان يُحمل كما أشرت إلى المسائل الكبرى والأصول العظمى وما لا اختلاف فيه؛ تماشيا مع واقعه العملي.
стр. 63
الفصل الأول: الإيمان بالله تعالى
المبحث الأول: توحيد الربوبية
المطلب الأول: تعريف الربوبية في اللغة والاصطلاح
المطلب الثاني: معرفة الله جل وعلا ودلائل وجوده ووحدانيته
المطلب الثالث: إقرار المشركين بالربوبية
المطلب الرابع: مُدَّعو الربوبية، وأقوال الناس في الرب سبحانه جل وعلا
المطلب الخامس: مسائل في الربوبية
стр. 64
تمهيد:
بادئ ذي بدء، فإن الإمام السمعاني يقرر حقيقة ناصعة، وهو أن أمر التوحيد قد بُين ووضح على أتم وجه وأكمل بيان، يقول السمعاني في كتابه الانتصار:"وكان مما أُنزل إليه وأُمر بتبليغه أمر التوحيد وبيانه بطريقته، فلم يترك النبي ﷺ شيئا من أمور الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يُؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه" (١).
وقرر الإمام السمعاني في تفسيره، أن لفظ الإيمان إذا أُطلق، فَيُراد به الإيمان بالله تعالى (٢)، والإيمان بالله تعالى هو أشرف أقسام الإيمان وأنواعه، وأعظم درجاته، وأعلى مقاماته، وهو "رئيس أعمال القلوب" ((٣). و" الإيمان بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو أساس الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، وهو أوجب ما اكتسبته القلوب، وأدركته العقول" (٤) ولذا كان أعظم ما يستبصر به القلب الإيمان بالله تعالى، فنور الإيمان من أعظم منن الله وكراماته. (٥)
стр. 65
وأُثر عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب كتابًا ضمنه قوله: (فإن عز الدين، وقوام الإسلام، الإيمان بالله ... ) (١) والإيمان بالله تعالى، هو محل إجماع الأمم كلها، "فالنبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته" (٢) "والمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله" (٣) وهذا القول مما اتفقت عليه أقوال الأمة، وتطابقت عليه أراؤهم. (٤) وإنما كان الإيمان بالله تعالى مقدما على غيره؛ لأنه أصل الإيمان بالشرائع، فمن لايعرف الله تعالى، استحال أن يعرف نبياً أو كتاباً (٥).
والإيمان بالله تعالى هو الغيب المطلق، وقد نقل السمعاني في تفسيره أن المراد بالغيب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة ٣). هو الله تعالى (٦). وهو الذي تفاضلت به الأنبياء على غيرهم، وهم إنما تفاضلوا فيما بينهم بالعلم به لابغيره من الأعمال. (٧)
وقد فسر العلماء الإيمان بالله تعالى، بأنه علم ومعرفة وإقرار وعمل (٨)، وأنه يدخل فيه الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، وهذه كلها من لوازم الإيمان بالله تعالى (٩).
стр. 66
وهذا الركن العظيم يشتمل على عدة أشياء، عبَّر عنها العلماء بتعابير مختلفة ومؤداها واحد.
فقال بعضهم:" يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات، والصفات، والأفعال، والأحكام، والأسماء" (١).
وقال بعضهم: "فإن قيل: فما العمل الحاصل بالاعتقاد والإقرار؟ قيل: مجموع عدة أشياء:
أحدها: إثبات الباري ؛ ليقع به مفارقة التعطيل.
والثاني: إثبات وحدانيته؛ ليقع به البراءة من الشرك.
والثالث: إثبات أن وجود كل ماسواه، كان من قبل إبداعه واختراعه إياه؛ ليقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول.
والرابع: إثبات أنه مدبر ماأبدع، ومصرفه على ماشاء؛ ليقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع، أو تدبير الكواكب، أو تدبير الملائكة " (٢).
وقال بعضهم: "وأصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده، في إثبات الإيمان به، ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد آنيَّته؛ ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل، الذين لا يثبتون صانعاً.
الثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مبايناً بذلك لمذاهب أهل الشرك، الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.
الثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات، التي لايجوز إلا أن يكون موصوفاً بها، من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه" (٣)
وبهذه النقول عن العلماء في بيان هذا الركن العظيم، تبيِّن عدة أمور:
١ ـ أن الإيمان بالله تعالى، شامل لكل ما يستحقه الباري جل وعلا من الكمالات.
٢ ـ أنه يدخل فيه: الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأن ليس كمثله شيء (٤).
стр. 67
٣ ـ أن هذا التقسيم للتوحيد، ليس تقسيماً حادثاً، بل هو مستفاد من استقراء النصوص الشرعية، كقوله تعالى: " رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا " (مريم ٦٥)، وهو منقول عن بعض الأكابر من العلماء تنصيصاً عليه، وإلا فهو مضمن في كلام غالب علماء السلف.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١): " وقد دَلَّ استقراء القرآن العظيم، على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته ... الثاني: توحيده جَلَّ وعلا في عبادته ... النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته " (٢).
٤ ـ أن الإيمان بالله مقدم على بقية الأركان؛ لأنه الأصل، فإذا أطلق الإيمان بالله تعالى، دخل فيه الإيمان بتوابعه.
ولذا لما ذكر الله تعالى خصال البر في كتابه خصَّ ابتداء أركان الإيمان، فقدمها على أفعال الجوارح؛ تنبيها لشرفها عند الله جل وعلا، ولما ابتدأ بالأركان قدم الإيمان به ، قال جل وعلا: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... ﴾ (البقرة ١٧٧)
стр. 68
والسر في تخصيص هذه الأركان الخمسة؛ أنه يدخل تحتها كل مايجب الإيمان به، " فقد دخل تحت الإيمان بالله: معرفته بتوحيده، وعدله، وحكمته، ودخل تحت الإيمان باليوم الآخر: المعرفة بمايلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد، إلى سائر مايتصل بذلك، ودخل تحت الملائكة: مايتصل بآدائهم الرسالة إلى النبي ﷺ ليؤديها إلينا، إلى غير ذلك مما يجب أن يُعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الكتاب: القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم وصحة شرائعهم، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به، إلا دخل تحت هذه الآية" (١)
٥ ـ إن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، قال رجل للإمام الشافعي: أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال: مالا يُقبل عمل إلا به، قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله، هو أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظاً. (٢).
وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن العظيم من عدة أمور:
أولا: إبراز مكانة هذا الركن العظيم، وبيان أن تحقيقه مفتقر إلى بيان أركانه وحقائقه ولوازمه.
ثانيا: أن تقرير السمعاني لمسائل هذا الركن يُعد ردا ضمنيا على المخالفين في هذا الباب، فقد جهد السمعاني للانتصار لمذهب السلف في هذا الباب وغيره، وهذا يتضح من جهة تقريره عدة مسائل مبنية على استقصاء النصوص، واتباع منهج السلف، وستظهر مفصلة في ثنايا هذا البحث، وهي:
- إثبات أن التوحيد أول واجب على المكلف.
- إثبات فطرية المعرفة.
- إثبات وجود الله تعالى بالطرق القرآنية المشتملة على الدلائل العقلية وغيرها.
стр. 69
- بيان التلازم بين أنواع التوحيد الثلاثة، وأنه لا يُغني أحدها عن الآخر؛ ويظهر هذا جليا من جهة تأصيله لمسألة الإقرار المعرفي للمشركين بربوبية الله تعالى، وأن هذه المعرفة المنفصلة عن التعبد والتأله لله وحده دون ما سواه، لا تنفع صاحبه، ولا تشفع له عند الله تعالى يوم القيامة، وقرر أن مقتضيات ربوبيته تعالى مستلزمة لألوهيته سبحانه.
- وتتبع بالنقض كل الأقوال الفاسدة المتعلقة بالرب جل وعلا، والتي حُكيت عن جهلة الأمم السابقة، وما عُرف من أقوال مشركي هذه الأمة، وهذا منه إثبات لانفراد الرب جل وعلا في ربوبيته.
وقد جرى السمعاني في تقرير هذه المسائل على طريقة السلف، بمنأى عن مناهج أهل الفلسفة والكلام، بل إنه أغلظ القول فيهم، وحذر من اتباع مناهجهم، والسير على طرائقهم؛ لأنها لا تُؤدي إلى حقيقة شرعية، بل هي طرائق مشوبة باللغط، مشوهة بالغلط، أُريد منها أن تكون خليطا بين طريقتين، ومزيجا بين فكرتين، فنشأ عنهما طريقا منحرفا، لا يقوى على رد قول المخالف، ولا على تقرير البين الواضح.
المطلب الأول: تعريف الربوبية في اللغة وفي الاصطلاح:
المسألة الأولى: تعريف الربوبية في اللغة:
ذكر علماء اللغة أن لفظ الرب يطلق على أمور: (المالك، والخالق، والصاحب، والسيد، والمدبر، والمربي، والمتمِّم، والقيِّم، والمنعم) (١)
стр. 70
يقول ابن الأنباري (١): الرب (في اللغة) ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب: المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، ويكون الرب: المصلح (٢).
وقد أشار الإمام السمعاني في تفسيره إلى معاني الربوبية وما ذكره موافق لما ذهب إليه أئمة اللغة، واهتمام السمعاني بالمعاني اللغوية مهم من جهتين: الأولى: من جهة تفسير المفردة القرآنية باللغة التي نزلت بها، وثانيا: لما بين المعنى اللغوي والاصطلاحي من تمازج وتقارب، ينتج عنه المعنى الصحيح. لكن يُراعى أن الألفاظ التي لها حقائق شرعية، يُرجع في بيان معانيها إلى الشرع، وتكون هي المقدمة على غيرها من الحقائق.
وذكر السمعاني في تفسير الرب مايلي:
١ ـ أن الرب يأتي على معنيين:
أولا: بمعنى التربية والإصلاح، والثاني: بمعنى المالك،
فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة ٢): " وأما الرب يكون بمعنى التربية والاصلاح، ويكون بمعنى المالك، يُقال: رب الضيعة يُربيها، أي: أتمها وأصلحها، ويُقال: رب الدار لمالك الدار.
فالرب هاهنا يحمل كلا المعنيين؛ لأن الله تعالى مربي العالمين، ومالك العالمين (٣).
٢ ـ وذكر أن الرباني مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين الرب وطريقته (٤).
فقال: "و الرباني من طريق المعنى: هو أن يكون على دين الرب، وعلى طريقة الرب " (٥)
وقال: " وقيل: هو منسوب إلى الرب، كالبحراني منسوب إلى البحرين، والنجراني منسوب إلى نجران" (٦)
стр. 71
٣ ـ وذكر في تفسيره أن البعل يأتي بمعنى الرب، فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات ١٢٥)، وعن ابن عباس أنه قال:" (أتدعون بعلا) أي رباً، والبعل هو الرب، ومعناه: أتدعون هذا الصنم رباً" (١).
٤ ـ وذكر السمعاني عند قوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (المائدة ٢٤) أن العرب تسمي الكبير ربا، وفسر به الآية بأحد أقوالها فقال:" وفيه قول آخر أن معنى قوله:" فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ " أي: وكبيرك، وأراد أخاه الأكبر هارون، والعرب تسمي الكبير ربا، قال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف ٢٣) أي كبيري وأراد به عزيز مصر". (٢)
وهذا الكلام الصادر عن بني إسرائيل هل هو كفر أو فسق؟ حكى السمعاني في تفسيره قولين، وخرَّج لمن قال بالفسق ببعض المخارج، ولذا قال الرازي (٣) في تفسيره: ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
في حين ذهب الإمام الطبري (٤) إلى أن هذه المخارج إنما تُطلب " لو كان الخبر عن قوم مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوه في الله وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم" (٥).
стр. 72
والخلاصة: إن هذه الإطلاقات في اللغة للفظ الرب: بمعنى: المالك، والسَّيد، والمربي، والمتصرف، كلها معانٍ صحيحة في حق الله جل وعلا، فهو المالك لكل شيء وهو ربه وإلهه، والمتصرف فيه بالسيادة التامة الكاملة الشاملة، وهو جل ثناؤه مصلح أحوال خلقه.
يقول الإمام الماوردي (١) في تفسيره، بعد أن ذكر خلاف العلماء في اشتقاق لفظ الرب إلى أربعة أقوال: (من المالك، ومن السيد، ومن المدبر، ومن التربية)
فقال:" إن صفة الله تعالى بأنه رب؛ لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل: إنه مدبر لخلقه ومربيهم، فذلك صفة من صفات فعله. ومتى أدخلت عليه الألف واللام، اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركا بين الله وبين عباده (٢)
ولما ذكر الإمام الطبري الأوجه الثلاثة في اشتقاق الرب: (السيد المطاع-الرجل المصلح-والمالك للشيء) قال: " وقد يتصرف أيضاً معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة " (٣).
المسألة الثانية: تعريف الربوبية في الاصطلاح:
تواضع علماء السلف بجميع طبقاتهم، على ذكر ربوبية الله تعالى، وتفرده في أفعاله، مؤيدة بما ذكر في القرآن الكريم، وبما قُرِّرَ به المشركون، من تفرده جل وعلا بالملك والخلق والتدبير، وأنه بيده مقاليد الأمور كلها، من العطاء والمنع، والضرر والنفع، وأنه قهر خلقه بالفناء، ويسر لهم أسباب البقاء. كلهم تحت قبضته، وجميعهم في قدرته، فهو جل وعلا المتفرد"بالحول والقوة، والقدرة، والمشيئة، وأن العبد غير قادرمن ذلك كله إلا على مايقدره مولاه، وهذه نهاية توحيد الربوبية" (٤)
стр. 73
وإن من معاني ربوبية الله تعالى، وملكه، وخلقه، ورزقه، وهدايته، ونصره، وإحسانه، وبره، وتدبيره، وصنعه، الحق الذي هو مقتضى التوحيد، ومحض الربوبية، مايراه الإنسان ويعايشه، وماعلمه ومالم يعلمه، عن الخلق والتدبير والتصريف لكل هذه الكائنات. "فيشهد قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده، فلا خالق، ولا رازق، ولامعطي، ولا مانع، ولا مميت ولا محي، ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عن مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته، واقتضتها حكمته، فهذا جمع توحيد الربوبية" (١)
وهذا يدل على تفرد الرب جل وعلا، وأن ماسواه مربوب مشترك، مفتقر محتاج إلى الرب سبحانه، وهو سبحانه رب كل شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)، " فهو رب كل شيء، ومن دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره " (٢)
стр. 74
والذي يدل على صحة هذا النوع من التوحيد، وأن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد: " أن أصناف المشركين أربعة؛ لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله، والقائلون: بيزدان وأهرمن، وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (الأنعام ١٠٠)، أشركوا بالله، والقائلون: بأن المسيح ابن الله، والملائكة بناته، أشركوا أيضا بالله، فهؤلاء هم فرق المشركين، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ... واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء. إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يامحمد: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير الله تعالى، أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء، وهل يدخل في العقل، جعل المربوب شريكا للرب، وجعل العبد شريكا للمولى، وجعل المخلوق شريكاً للخالق؟. ولما كان الأمر كذلك، ثبت بهذا الدليل، أن اتخاذ رب غير الله تعالى، قول فاسد، ودين باطل" (١)
ومما ورد عن العلماء في تعريف التوحيد، وقيامه على اعتقاد وحدانية الله جل وعلا وتفرده بالخلق والملك والتدبير، ما يلي:
قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)
"وهو سيد كل شيء دونه، ومدبره، ومصلحه" (٢)
وقال الإمام الزجاج (٣) في بيان الرب في هذه الآية:" أي هو ابتدع الأشياء كلها لايقدر أحد على ابتداع شيء منها" (٤)
стр. 75
وقال الإمام القرطبي (١) في تفسير الرب: " أي مالكه " (٢)
وقال الإمام الرازي: "أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع" (٣)
وقال الإمام ابن تيمية (٤): " توحيد الربوبية: وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه" (٥)
وقد استدل الإمام السمعاني بصفات أفعال الله جل وعز على ربوبيته، واستحقاقه للألوهية. ولذا عرَّف السمعاني الربوبية القائمة على مقتضى هذه الصفات، الموجبة لوحدانيته، فأثبت ربوبية الله تعالى على خلقه بأنه:
١. الملك والمالك والمليك الذي بيده ملك كل شيء.
٢. والخالق والخلاق لكل شيء.
٣. والمدبر المتصرف في جميع الأمور، على وفق الحكمة الإلهية.
٤. والذي بيده الضر والنفع، والإعطاء والمنع.
٥. وأنه المتفرد بالإيجاد والإفناء، والبعث والإحياء.
٦. وأنه المتفرد برزق كل المخلوقات، والمُسهِّل لأرزاقهم.
وهذه كلها مقتضيات ربوبية الله ، وشواهد وحدانيته، ودلائل إلاهيته.
فإبراهيم الخليل ذكر بعض دلائل ربوبية الباري جل وعلا، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ (الشعراء ٧٧ - ٨٢).