← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣ ـ وذكر في تفسيره أن البعل يأتي بمعنى الرب، فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات ١٢٥)، وعن ابن عباس أنه قال:" (أتدعون بعلا) أي رباً، والبعل هو الرب، ومعناه: أتدعون هذا الصنم رباً" (١). ٤ ـ وذكر السمعاني عند قوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (المائدة ٢٤) أن العرب تسمي الكبير ربا، وفسر به الآية بأحد أقوالها فقال:" وفيه قول آخر أن معنى قوله:" فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ " أي: وكبيرك، وأراد أخاه الأكبر هارون، والعرب تسمي الكبير ربا، قال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف ٢٣) أي كبيري وأراد به عزيز مصر". (٢) وهذا الكلام الصادر عن بني إسرائيل هل هو كفر أو فسق؟ حكى السمعاني في تفسيره قولين، وخرَّج لمن قال بالفسق ببعض المخارج، ولذا قال الرازي (٣) في تفسيره: ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. في حين ذهب الإمام الطبري (٤) إلى أن هذه المخارج إنما تُطلب " لو كان الخبر عن قوم مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوه في الله وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم" (٥).

стр. 72

والخلاصة: إن هذه الإطلاقات في اللغة للفظ الرب: بمعنى: المالك، والسَّيد، والمربي، والمتصرف، كلها معانٍ صحيحة في حق الله جل وعلا، فهو المالك لكل شيء وهو ربه وإلهه، والمتصرف فيه بالسيادة التامة الكاملة الشاملة، وهو جل ثناؤه مصلح أحوال خلقه. يقول الإمام الماوردي (١) في تفسيره، بعد أن ذكر خلاف العلماء في اشتقاق لفظ الرب إلى أربعة أقوال: (من المالك، ومن السيد، ومن المدبر، ومن التربية) فقال:" إن صفة الله تعالى بأنه رب؛ لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل: إنه مدبر لخلقه ومربيهم، فذلك صفة من صفات فعله. ومتى أدخلت عليه الألف واللام، اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركا بين الله وبين عباده (٢) ولما ذكر الإمام الطبري الأوجه الثلاثة في اشتقاق الرب: (السيد المطاع-الرجل المصلح-والمالك للشيء) قال: " وقد يتصرف أيضاً معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة " (٣). المسألة الثانية: تعريف الربوبية في الاصطلاح: تواضع علماء السلف بجميع طبقاتهم، على ذكر ربوبية الله تعالى، وتفرده في أفعاله، مؤيدة بما ذكر في القرآن الكريم، وبما قُرِّرَ به المشركون، من تفرده جل وعلا بالملك والخلق والتدبير، وأنه بيده مقاليد الأمور كلها، من العطاء والمنع، والضرر والنفع، وأنه قهر خلقه بالفناء، ويسر لهم أسباب البقاء. كلهم تحت قبضته، وجميعهم في قدرته، فهو جل وعلا المتفرد"بالحول والقوة، والقدرة، والمشيئة، وأن العبد غير قادرمن ذلك كله إلا على مايقدره مولاه، وهذه نهاية توحيد الربوبية" (٤)

стр. 73

وإن من معاني ربوبية الله تعالى، وملكه، وخلقه، ورزقه، وهدايته، ونصره، وإحسانه، وبره، وتدبيره، وصنعه، الحق الذي هو مقتضى التوحيد، ومحض الربوبية، مايراه الإنسان ويعايشه، وماعلمه ومالم يعلمه، عن الخلق والتدبير والتصريف لكل هذه الكائنات. "فيشهد قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده، فلا خالق، ولا رازق، ولامعطي، ولا مانع، ولا مميت ولا محي، ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عن مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته، واقتضتها حكمته، فهذا جمع توحيد الربوبية" (١) وهذا يدل على تفرد الرب جل وعلا، وأن ماسواه مربوب مشترك، مفتقر محتاج إلى الرب سبحانه، وهو سبحانه رب كل شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)، " فهو رب كل شيء، ومن دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره " (٢)

стр. 74

والذي يدل على صحة هذا النوع من التوحيد، وأن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد: " أن أصناف المشركين أربعة؛ لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله، والقائلون: بيزدان وأهرمن، وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (الأنعام ١٠٠)، أشركوا بالله، والقائلون: بأن المسيح ابن الله، والملائكة بناته، أشركوا أيضا بالله، فهؤلاء هم فرق المشركين، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ... واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء. إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يامحمد: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير الله تعالى، أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء، وهل يدخل في العقل، جعل المربوب شريكا للرب، وجعل العبد شريكا للمولى، وجعل المخلوق شريكاً للخالق؟. ولما كان الأمر كذلك، ثبت بهذا الدليل، أن اتخاذ رب غير الله تعالى، قول فاسد، ودين باطل" (١) ومما ورد عن العلماء في تعريف التوحيد، وقيامه على اعتقاد وحدانية الله جل وعلا وتفرده بالخلق والملك والتدبير، ما يلي: قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤) "وهو سيد كل شيء دونه، ومدبره، ومصلحه" (٢) وقال الإمام الزجاج (٣) في بيان الرب في هذه الآية:" أي هو ابتدع الأشياء كلها لايقدر أحد على ابتداع شيء منها" (٤)

стр. 75

وقال الإمام القرطبي (١) في تفسير الرب: " أي مالكه " (٢) وقال الإمام الرازي: "أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع" (٣) وقال الإمام ابن تيمية (٤): " توحيد الربوبية: وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه" (٥) وقد استدل الإمام السمعاني بصفات أفعال الله جل وعز على ربوبيته، واستحقاقه للألوهية. ولذا عرَّف السمعاني الربوبية القائمة على مقتضى هذه الصفات، الموجبة لوحدانيته، فأثبت ربوبية الله تعالى على خلقه بأنه: ١. الملك والمالك والمليك الذي بيده ملك كل شيء. ٢. والخالق والخلاق لكل شيء. ٣. والمدبر المتصرف في جميع الأمور، على وفق الحكمة الإلهية. ٤. والذي بيده الضر والنفع، والإعطاء والمنع. ٥. وأنه المتفرد بالإيجاد والإفناء، والبعث والإحياء. ٦. وأنه المتفرد برزق كل المخلوقات، والمُسهِّل لأرزاقهم. وهذه كلها مقتضيات ربوبية الله ، وشواهد وحدانيته، ودلائل إلاهيته. فإبراهيم الخليل ذكر بعض دلائل ربوبية الباري جل وعلا، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ (الشعراء ٧٧ - ٨٢).

стр. 76

يقول الإمام السمعاني في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء ٨٠) وقوله:" وإذا مرضت"هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين " (١). وربوبية الله تعالى شاملة لكل الخلائق، قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (القصص ٣٠)، قال السمعاني: "أي رب الجن، والإنس، والملائكة، والخلائق أجمعين " (٢) وبإستقراء كلام السمعاني نجد أنه أشار إلى أن هذه الأمور هي من مقتضيات الربوبية التي تستلزم الألوهية، ومن أمثلتها: ١. في قوله جل وعلا: ﴿ ... وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة ١٧)، يقول: فيه إشارة إلى أن المستحق للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا " (٣). ٢. وفي قوله جل وعلا: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون ٨٤ - ٨٩)، فأشار الإمام السمعاني في قوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) إلى مقتضى ربوبيته وهي تمام ملكه، ولذا يقول جل وعز: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي تتعظون، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي تحذرون، (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي تخدعون، وقيل تصرفون عن الحق (٤)، أي بعد ظهور دلائله وشواهده.

стр. 77

٣. وفي قوله : ﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء ١٣١ - ١٣٢) يشير الإمام السمعاني إلى التلازم بين نوعي التوحيد، وذلك أن مافي السماوات ومافي الأرض لله ملكا وخلقا وتدبيرا، وهذا يقتضي أن يطلب الإنسان حاجاته ممن يملكها، وينزل فاقته بمن يعرفها، وفي هذا يقول السمعاني: (فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)، فاطلبوا منه ما تطلبون. وأما الثالث فيقول: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أي اتخذوه وكيلا ولاتتكلوا على غيره" (١) ٤. وفي قوله تعالى: ﴿ ... أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد ١٦)، يقرر الإمام السمعاني كذلك التلازم بين نوعي التوحيد، وأن من أقر بالربوبية وبمقتضياتها من الإنفراد في الملك والخلق والتدبير، لزمه الإقرار بألوهيته وإفراده فيها فيقول: " وقوله تعالى: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) يعني: أجعلوا لله شركاء، (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي اشتبه كماخلقوه بما خلقه الله، ومعنى الآية: أنهم كما عرفوا أن الأصنام لاتخلق كخلق الله، فلا ينبغي أن تعبد كعبادة الله" (٢)

стр. 78

٥. وفي قوله جل في علاه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ (الشعراء ٢٣ - ٢٤)، لفتة لطيفة، وعلاقة وطيدة، بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فإن موسى ﵇ حين سأل عن الرب جلَّ وعلا، دل عليه بمخلوقاته، فمن نظر فيها وتأمل أدرك، ولذا يقول السمعاني:" ومعنى قوله: (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) هاهنا أنكم كما توقنون الأشياء التي تعاينونها، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى" (١). ٦. وفي قوله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يشير الإمام السمعاني إلى معنى التدبير، الذي هو من مقتضيات ربوبية الله جل وعلا، فيقول:" التدبير من الله تعالى: فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة" (٢). وذكر الشيخ السمعاني أن الله جل وعلا، منفرد في التدبير والتصريف لهذا الكون؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء ٢٢)،فإذا كان الإله اثنين، حصل فساد في السماء والأرض. يقول السمعاني:" ومعنى الفساد في السماء والأرض إذا كان الإله اثنين، هو فساد التدبير، وعدم انتظام الأمور، بوقوع المنازعة والمضادة، وهو أيضا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣) (المؤمنون ٩١)، وقد ربط السمعاني بين (التدبير والحكمة) في تفسيره لمعنى اسم الله الحكيم، فيقول في بعض تلك المواطن، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (الفتح ٧)، "منيعا في النصر، حكيما في التدبير" (٤)،وقال في موطن آخر في قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (الذاريات ٣٠)، " أي الحكيم فيما يدبر" (٥).

стр. 79

وقد أشار السمعاني إلى أن الخلق مقرون بالحكمة والتدبير، وكل هذه من مقتضيات ربوبية الله تعالى، فيقول في حكمة خلق السموات والأرض في ستة أيام، مع أن الله تعالى قادر على خلقها في طرفة عين: " لأن خلقها على التأني أدل على الحكمة، فخلقها على التأني؛ ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره " (١). وأشار أيضاً إلى أن التدبير يأتي بمعنى القضاء، كما في قوله تعالى: " وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ " (يونس ٣١)، " ومن يقضي الأمر " (٢). وهل يخالف ما أشرنا إليه من تفرد الله تعالى بالملك، والخلق، والتدبير، ما أُضيف إلى بعض المخلوقات من مقتضيات هذه الأمور؟! لا يخالف ذلك تفرد الباري جل وعلا بمقتضيات ربوبيته في خلقه، وملكه، وتدبيره، ما يُضاف إلى بعض مخلوقاته، فالله جل وعلا، يُؤتي ملكه من يشاء، كما قال تعالى: " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ " (آل عمران ٢٦)، وقال سبحانه عن طالوت: " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ " (البقرة ٢٤٧ ـ ٢٤٨) فإن ملك البشر مقيد محدود، وملك الخالق شامل كامل تام لكل شيء في الدنيا والآخرة، ولذا يُقال يوم القيامة: " الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " (الفرقان ٢٦) وأشار السمعاني من نصوص السنة على ما يدل على ذلك، ففي رواية ابن عمر عن النبي ﷺ : " إن الله يقبض الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " (٣)

стр. 80

قال السمعاني في قوله تعالى: " يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) " (غافر ١٦): " قال ابن عباس: يقول الله تعالى هذا حين تفنى الخلائق، ولا يكون أحد يجيبه، فيجيب نفسه بنفسه، ويقول: لله الواحد القهار " (١). ويقول في تفسير قوله تعالى: " وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِي " (فصلت ٤٧)، " وفي التفسير: أن الله تعالى يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الآلهة؟، أنا الرب لا رب غيري، وأنا الله، لا إله غيري، أنا الملك، لا ملك غيري " (٢). فملك الله تعالى تام شامل، ولذا قال: " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " مع أنه مالك الأيام كلها، " وخصّه لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: " وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ (١٩) " (الانفطار ١٩)، وأما في الدنيا: للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر " (٣) وأما الخالقية المحضة التي يُراد بها الخلق من العدم، فهذا مما انفرد به الرب تعالى، فهو الخالق، البارئ، المصوِّر، فاطر السموات والأرض، بخلاف غيره من المخلوقات، وإن نسبت إليهم صفة الخالقية، فهي خالقية ناقصة، فيها تحويل مادة إلى مادة، مع أن خالق المادة وعملك هو الله جل في علاه. وفي هذا يقول الإمام السمعاني: " فإن قيل: قد قال: " وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا "، وقال في موضع آخر: " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ "، أي: لا خالق غير الله، فكيف وجه التوفيق بين الآيتين؟! والجواب عنه: أن الخلق بمعنى التقدير هاهنا " (٤).

стр. 81

وأما تدبير الخلائق فهو من خصائص الله جلا وعلا، وماجاء في قوله تعالى: " فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) " (النازعات ٥)، فإن قيل: هي الملائكة، فمعنى التدبير، هو ما جعل الله إليها من الأمور، وإن قيل: هي النجوم، فيجوز أن يُعَلِّق الله تعالى على مطالعها ومغاربها وسيرها أشياء، وأضاف التدبير إليها على طريق المجاز " (١). وما ذكره السمعاني، هو ما أجاب به الإمام علي بن أبي طالب ﵁، حين سأله ابن الكوَّاء عن المدبرات أمراً، فقال: الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره " (٢). إذن: فالسمعاني متوافق في تفسيره لمعنى الرب لتفسير السلف ولم يخرج عن مقتضى النص القرآني، وهو المنصوص عليه عند علماء اللغة والشرع. ويُعد تفسير كلمة الرب في القرآن الكريم من باب تفسير القرآن بالقرآن، فقد قال جل وعلا: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل الأرض فراشا والسماء بماء ... ) (البقرة ٢١ - ٢٢)، فذكر في الآية مقتضيات ربوبيته من الخلق والملك والتدبير، بالتضمن والالتزام. المطلب الثاني: معرفة الله جل وعلا، ودلائل وجوده ووحدانيته: المسألة الأولى: معرفة الله جل وعلا: مسألة المعرفة الإلهية من المسائل الواضحة البينة، التي تشهد لها الفِطر، والعقول، والنفوس، وكل مافي هذا الكون. ومع ذلك اختلف الناس في هذه المعرفة: هل تُعرف بالشرع أو بالعقل، أو بهما معاً؟. فأهل السنة على أن المعرفة واجبة بالشرع، ممكنة بالعقل، ومعنى وجوبها بالشرع: هو عدم قيام الحجة على المكلف قبل ورود الشرع. في حين نحا المعتزلة منحى آخر، فذهبوا إلى أن المعرفة لا تُنال إلا بحجة العقل. (٣)

стр. 82

وأما الأشاعرة فوافقوا السلف، في أن معرفة الله تعالى ممكنة بالعقل، واجبة بالشرع (١)، غير أنهم فارقوهم في بيان أول واجب على المكلف. فأهل السنة قرروا أن أول واجب على المكلف هو التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، ونبذ الشرك، على ما تواتر من نصوص الشرع في بيان هذا الواجب. (٢) وهو ما قرره السمعاني ونصره، ورد على المخالفين في إيجابهم النظر أولا، فقال:"وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث، واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب، ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه" (٣) وسلك الأشاعرة مسلكاً عويصاً في هذه المسألة، واختلفوا في أول واجب على المكلف، فقال بعضهم: أول واجب: المعرفة، وقيل النظر، وقيل: القصد إلى النظر، ثم ولدوا عليها سؤالات، كحكم تارك النظر. (٤) وهذا القول فيه مناقضة لما غرسه الله جل وعلا في النفوس، من معرفته، وفطرها على الإقرار بربوبيته، فإن الخلق كلهم ولدوا على الفطرة، فمتى " تركت الفِطر بلا فساد، كان القلب عارفاً بالله، محباً له وحده ". (٥) وقد قَرَّر السلف أن المعرفة الإلهية، هي معرفة فطرية، غريزية، جبلِّيَّة، بمعنى أن الخلق فطروا على معرفة خالقهم. وهذا لا يعارض ما قيل سلفاً، من وجوبه بالشرع، وإمكانه بالعقل، لأن العقل السليم موافق للفِطر السليمة.

стр. 83

فالقول بأن المعرفة اكتساب محض، هو من قول المتكلِمة، والذي تُؤيده ظواهر النصوص الشرعية، أن معرفة الله تعالى، والإقرار بربوبيته، مما فُطِر عليه البشر جميعهم، لكن حصل الانحراف بهذه الفِطر السليمة بأسباب متعددة، منها الوالدان، والبيئة، والمجتمع، والغفلة، والشياطين. وهذه المعرفة ليست كافية بذاتها، بل هي بحاجة لمعرفة مكتسبة تحييها، وتنميها، وتوقظها، وهي دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، " والرسل صلى الله عليهم وسلم، بُعثوا لتقرير الفِطرة وتكميلها، لا لتغيير الفِطرة وتحويلها " (١)، فالإقرار بالخالق وكماله، يكون فِطرياً ضرورياً في حق من سلمت فطرته. وهل يحتاج مع ذلك إلى الأدلة؟ نعم، قد يحتاج إلى الأدلة عليه ، كثير من الناس عند تغيُّرالفِطرة، وما يعرض لها من التحول. (٢) ولذا كان عمر بن عبدالعزيز يأمر بالتمسك بالفطرة السليمة الأولى، فقد جاء رجل إليه فسأله عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكُتَّاب والأعرابي، وأَلْهَ عما سوى ذلك. (٣) فإذا كانت الفِطرة تصح من عديم العقل، فكيف لا تصح من صاحب العقل والتمييز. فالهدهد غار على توحيد الله تعالى، مع كونه طيراً غير مكلف ولا مميِّز، وبهذه الفِطرة التي فَطر الله عليها الإنسان، وبما رُكِّب فيه من الإرادة والحركة، والشعور والإحساس الذي به يميِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وبه يبحث عما يحب وينفعه، وما يضر يبغضه. ولما كانت عبادة الله جل وعلا أعظم ما أمر الله به، وأكبر ما حُقَّ له سبحانه، وأول ما وَجب على المُكلف، جَعَل دليل استحقاقها مغروساً في النفوس، حاضراً في الأفئدة والقلوب، ليسهل انقيادها، وتكمل سعادتها.

стр. 84

" إن هذه الفِطرة هي التي تُفسِّر الظاهرة التي لاحظها الباحثون في تاريخ الأديان، وهي أن الأمم جميعاً ـ التي درسوا تاريخها ـ اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدسها. وقد يقال هنا: لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً، لما عَبَد الناس في مختلف العصور آلهة شتى. والجواب: إن الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق، لكن الإنسان تُحيط به مؤثرات كثيرة، تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق " (١). فالفطرة هي: السلامة من الاعتقادات الباطلة، وقبول العقائد الصحيحة. ومع ذلك جرى خِلاف طويل في تحديد معنى الفِطرة، فقيل: ـ هي الإقرار بمعرفة الله تعالى. ـ هي الخلقة التي خُلقَ عليها المولود. ـ هي البراءة التي ابتدأهم عليها، بمعنى أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه منذ ابتدأهم، للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم. وأما التفسير المعروف عند عامة السلف للفطرة: فهو الإسلام، وهي عبادة الله وحده، ولذا فسَّروا الفطرة في قوله تعال: " فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) " (الروم ٣٠) بدين الإسلام. (٢) ويُشار في هذا المقام إلى أن الفطرة، تعني المحبة لمن خَلَق وأبدع، والإقرار له بالربوبية والعبودية، بحيث لو خُلِّيَ بينه وبين ربه لم يعدل عن ذلك إلى غيره. فليست الفِطرة أن يولد المرء ساذجاً، لا يعرف توحيداً ولا شركاً؛ لأنه جاء في بعض الروايات: " إلا وهو على الملة " (٣).

стр. 85

وليست الفطرة مراداً بها المعرفة بجميع الأحكام وتفاصيلها، فهذا كل أحد يُنكره، لأن الله تعالى يقول: " وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا " (النحل ٧٨). وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية، بذكر الأدلة العقلية التي تُؤيد أن كل مولود يولد على الفطرة. (١) والإمام السمعاني ﵀ أشار في تفسيره إلى الخلاف الوارد في تفسير معنى الفطرة، وذكر أربعة أقوال: (٢) ١ ـ أنها بمعنى الدين. ٢ ـ أنها بمعنى دين الله تعالى، أي: أن الخلق يولدون على العهد الذي أخذ عليهم يوم الميثاق. ٣ ـ بمعنى على ابتداء الخلقة في علم الله مؤمناً وكافراً. ٤ ـ بمعنى الخلقة التي فُطِر عليها الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة، فأبواه يهودانه، يعني في الدنيا. والذي رجحه الإمام السمعاني: أن معنى الفطرة: هو أن الإنسان يولد على أنه متى سُئل: من خلقك؟ فيقول: الله خلقني، وهو المعرفة التي تقع في أصل الخِلقة. (٣) ونقل عنه الإمام اسماعيل الأصبهاني في كتابه الحجة في بيان المحجة. (٤) وفسر حديث النبي ﷺ : " خلقت عبادي حنفاء " (٥)، بأن فيه إشارة إلى الغريزية التي هي مركبة فيهم. (٦) وهو الذي يترجح في هذه المسألة، والله أعلم، وهو القول المحكي عن سلف الأمة، من أن الفطرة هي الإسلام والتوحيد، يدل له:

стр. 86

١ ـ قوله جل وعلا: " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) " (الروم ٣٠) قال مجاهد (١): فطرة الله الإسلام. (٢) وقال الضحاك (٣): فطرت الله التي فطر الناس عليها: دين الله الذي فطر خلقه عليه (٤). ٢ ـ قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) " (الأعراف ١٧٢) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فإن هذه الآية بينة في إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها، أن الله ربهم " (٥) ٣ ـ قوله ﵊: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء ". (٦)

стр. 87

وهذا " الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: " فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " (الروم ٣٠)، وهذا يعم جميع الناس، فعُلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح، لا إضافة ذم، فعُلِم أنها فطرة محمودة لا مذمومة ". (١) ٤ ـ وفي حديث النبي ﷺ : " ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ... ". (٢) وهذا فيه دلالة على البقاء على أصل التوحيد، وأن الشرك هو الطارئ، كما قال جل وعلا: " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ " (البقرة ٢١٣)، يقول الإمام الطبري: " كان الناس أمة مجتمعة على ملة واحدة، ودين واحد فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " (٣)، وقال: " فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم، أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق، دون الكفر والشرك به " (٤). وهذا الذي فسَّره به الإمام السمعاني فقال: " والمراد بالأمة هنا: الدين، يعني: كان الناس على دين واحد " (٥). ـ وأما ما ذهب بعض الأئمة، من تفسير الفطرة بموافقة القدر، فيحمل على الرد على القدرية، لا نفي الفطرية، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " مقصود حماد وإسحاق ومالك وابن المبارك، ومن اتبعهم كابن قتيبة وابن بطة، والقاضي أبي يعلى وغيرهم، هو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، وهذا مقصود صحيح، ولكن سلكوا في حصوله طرقاً بعضها صحيح، وبعضها ضعيف " (٦).

стр. 88

ومما يوجه به هذا القول: أن الفطرة لها تميِّز عما ذكروه، من أن كل مولود يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه؛ لأن كل المخلوقات بهذه المثابة، فالبهائم والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله، إذن: فليكن حينئذ كل مخلوق مخلوقاً على الفطرة. ولو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم. (١) المسألة الثانية: دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته: هذه المسألة هي الأصل التي يُبنى عليها ما بعدها، ولذا تتابع العلماء على البدء بهذا الأصل في الإيمان بالله تعالى، وهو الموافق للعقل والمنطق السليم، فالحديث عنها مقدم على غيرها، وإنما أخرت الكلام عنها، لدواعي ترتيب المباحث والمسائل لا غير، وإلا فإن حقها التقديم والتصدير ليُبنى عليها غيرها من المسائل، على أن ترتيب المسائل العلمية، هي تراتيب اصطلاحية، قد تُقَدَّم مسألة في مقام، وتُؤخر في مقام آخر حسب الدواعي والحاجة إليها. فمسألة وجود الله تعالى، مسألة فطرية (٢)، إلا أن الناس سلكوا مسالك متعددة في إثبات الوجود الإلهي. مع أن الدلائل التي جعلها الله جل وعلا سبيلاً لمعرفته، وبثها في الكون والآفاق والأنفس كثيرة، ولا تنحصر أفرادها: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد

стр. 89

يقول الإمام ابن القيم (١): " وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء. وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ". (٢) فوجود الباري جل وعلا ثابت بطريق الفطرة، والعقل، الحس، والشرع. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى، بل الذي عليه جمهور العلماء، أن الإقرار بالصانع فطري، وضروري مغروز في الجبلَّة ". (٣) أما المتكلمون فقد انتهجوا طرائق وعِرَة، وسلكوا أساليب معقدة، لإثبات وجود الله تعالى، استخدموا فيها مصطلحات فلسفية، انتجت نتائج متناقضة، أدت إلى نفي ما يستحقه الرب جل وعلا من الكمالات. فذهبوا إلى أن إثبات الباري متوقف على إثبات حدوث العالم، واحتياجه إلى محدث وهو الله تعالى، فسلكوا هذا الطريق الخفي، الذي يعتمد على إثبات الجواهر والأعراض، إمكاناً وحدوثاً. (٤) في حين ذهب الفلاسفة مذهباً آخر، فأثبتوا وجود الله جل وعلا، عن طريق الوجوب والإمكان، فقسموا الموجود إلى واجب وممكن، ثم استدلوا بالممكن على الواجب، من حيث حدوثه بعد أن لم يكن، ومن حيث ثباته على الإمكان. (٥)

стр. 90

فهذه استدلالات عقلية مجردة، وبراهين منطقية، فلسفية، تفتقر إلى الوضوح والسهولة والبيان، مع أن القرآن الكريم جاء بما يشفي ويكفي في مثل هذه القضية، فيكفي في إثبات وجوده تعالى، ما ركبه في الفِطر، وغرسه في النفوس على الإقرار بوجوده، قال جل وعلا: " قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ " (إبراهيم ١٠)، قال السمعاني: " معناه: ليس في الله شك، وهذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه ". (١) وقد سار الإمام السمعاني في هذا الباب على المنهج القرآني، والطريق الرباني، فقد أشار في تفسيره في أكثر من موضع، أن الله تعالى قد نصب الدلائل، وأقام البراهين، وأوضح الحجج، وبين الطرق التي تدل عليه، سواء كانت من جهة الآيات الشرعية، أو الآيات الكونية، التي تدل على وجوده . ومن ذلك: يقول الإمام السمعاني عند تفسير قوله تعالى: " هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (٥٢) " (إبراهيم ٥٢)، " وقوله: "وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ". أي: ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى ". (٢) وفي تفسير قوله تعالى: " لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) " (النحل ٥٥)، يقول: " قوله تعالى " لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ". معناه: أن حاصل أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعمة. وقيل: إن النعمة هي الآيات التي أراها خلقه على وحدانيته ". (٣) وفي تفسير قوله تعالى: " وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ " (الحجرات ٨)، يقول: " يُقال: حببه بإقامة الدلائل على وحدانيته، وهدايتهم إليها ". (٤)

стр. 91

وقد فصّل الله جل وعلا الآيات، وبيَّنها، وأظهرها، لكن تحتاج إلى نظر، وتأمل، وتدبر، يقول تعالى: " كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) " (الروم ٢٨)، يقول السمعاني: " أي: ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم ". (١) ولذا أمر الله أنبياءه بالتذكير بهذه الدلائل، فقال تعالى: " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) " (الغاشية ٢١): " أي: اذكر دلائل توحيد الله ". (٢) ثم عاب على المشركين شركهم فقال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ " (البقرة ١٦٥): يقول السمعاني: " كأنه عاب المشركين، حيث اتخذوا من دونه أنداداً، بعد ما أظهر الدلائل، ونصب البراهين على الوحدانية ". (٣) ولذلك كان التكذيب بالتوحيد، والاستكبار عن الإيمان، موجوداً عند بعض من طمست فطرته، وأعميت بصيرته، يقول جل وعلا في قصة موسى وفرعون: " وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) " (طه ٥٦): " أي: كذب بالتوحيد، وأبى عن الإيمان ". (٤) وبتتبع كلام الإمام السمعاني في تفسيره، نخلص إلى أنه سلك في استدلاله على وجود الباري جل وعلا طريقين: الطريق الأول: دليل الفطرة والميثاق: ذكرنا فيما سبق، أن النفس تدرك وجود الله تعالى بفطرتها، فلو تركت دون مؤثرات خارجية، لاستدلت على الله تعالى ـ ولذا الفطرة تكون حاضرة أوقات الشدة، وتظهر حين نزول البلية، شاهده قوله تعالى عن المشركين: " فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " (العنكبوت ٦٥)، يقول الإمام السمعاني:" أي: دعوا الله وتركوا دعاء الأصنام " (٥)

стр. 92

ويقول السمعاني: " وقد ذكر بعض أهل العلم، أن الفطرة هاهنا هي الفطرة التي هي موجودة في كل إنسان. فإن كل أحد يرجع إلى غريزته، عَرَف خالقه، وذلك معنى قوله تعالى: " فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " (الروم ٣٠). (١) وتتلاقى هذه الفطرة، وتتمازج سوياً مع العهد الأول، والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في عالم الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى. إلا أن هذا الميثاق لا تقوم به الحجة وحده، ولذا أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين. ويُشار في هذا المقام إلى أن العلماء مختلفون في آية الميثاق: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا " (الأعراف ١٧٢). هل المقصود به إخراج حقيقي أو إخراج حالي، قولان للعلماء: فمنهم من يقول: هذا الإشهاد كان لما استخرجوا من صُلب آدم، وهل ثبت النطق والكلام أم لم يثبت؟ قولان: فقيل: ثبت النطق والكلام، وقيل لم يثبت، وإنما الوارد في الأحاديث: أن الله جل وعلا أراهم آدم، وقال هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار. وممن نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، يقول الإمام ابن تيمية: "فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث المرفوعة الثابتة، ولا يدل عليه القرآن " (٢) ويقول الإمام ابن القيم: " وبالجملة فالآثار في إخراج الذرية من ظهر آدم، وحصولهم في القبضتين كثيرة، لا سبيل إلى ردها وإنكارها، ويكفي وصولها إلى التابعين، فيكف بالصحابة؟، ومثلها لا يقال بالرأي والتخمين، ولكن الذي دل عليه الصحيح من هذه الآثار إثبات القدر .. فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث التي تقوم بها الحجة، ولا يدل عليه القرآن " (٣)

стр. 93

والإمام السمعاني يرجح القول الأول، وفي هذا يقول: " وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق " (١). ونقل عن جماعة من المفسرين، القول بأن الله تعالى استنطقهم فنطقوا، وكلمهم فتكلموا، وفي هذا يقول: " وفي بعض الأخبار: أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم قبلاًـ أي عياناً ـ فقال: " أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ " قالوا: بلى، وقيل: جعل لهم عقول يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب. وقال بعض المفسرين عن علماء السلف: إن الكل قالوا: بلى، لكن المؤمنين قالوا: بلى طوعاً، وقال الكافرون كرهاً ". (٢) وأشار إلى أن المعتزلة، أنكرت الميثاق (٣)، وتأولوا هذه الآية، على ما تأوله أصحاب القول الثاني. إلا أن أصحاب القول الثاني، يُثبتون يوم الميثاق بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، لكنهم لا يعتبرون أن هذه الآية تدل عليه، خِلافاً للمعتزلة الذين ينكرون هذا الإشهاد أصلاً. وقد ذكر الإمام الرازي حجج المعتزلة، في إنكار هذا الميثاق ورد عليها (٤)، ولذا قال الإمام الزمخشري المعتزلي في كشافه عن هذا الميثاق: " من باب التمثيل والتخييل ". (٥) وشاهد القول أن الإمام السمعاني، جعل الميثاق الأول شاهداً ودليلاً على وجود الباري جل وعلا، وقد أورد إشكالاً وأجاب عنه، فقال: " وأما قوله: " أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " يقرأ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فتقدير الكلام: وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء، فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست بربكم؟ لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. فإن قال قائل: الحجة إنما تلزم في الدنيا، إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق، وأحد لا يذكر ذلك الميثاق، حتى يكون بالرجوع معانداً، فتلزمه الحجة؟

стр. 94

وقيل: إن الله تعالى قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد، كان معانداً ولزمته الحجة" (١) الطريق الثاني: دليل النظر والتأمل في الآيات: كل الكائنات تشهد، وكل المخلوقات تسجد وتعبد، فمن قلَّب النظر، وأمعن الفكر، وأجال البصر، ورأى عِظَم المخلوق، استدل به على عِظَم الخالق. وبهذا النظر، وهذا التأمل تستيقظ الفطرة، ويستقيم العقل، ويزن بالفضل، فالله جل وعلا خاطب عقول الكفار؛ فقال جل وعلا: " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) " (الطور ٣٥). يعني: أهم خلقوا السموات والأرض. والجواب: أنهم لم يخلقوا السموات والأرض (٢)، فعلموا من حالهم الضعف، وأنهم محتاجون لقوة يحتمون بها، وقبلة يتجهون إليها. إذن: فنفوسهم أقرت، وعقولهم استقرت، بأن الله هو الموجد، وما سواه موجود، وأن الله تعالى هو الخالق، وما سواه مخلوق، فكيف تصرفون العبادة لغيره. فسبحانه " شهد بتدبيره العجيب، وصنعه المتقن، وأموره المحكمه من خلقه، أنه لا إله إلا هو، وهذا كقول القائل: ولله في كل تحريكة وتسكينة أبداً شاهد ... وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد " (٣) ومن شواهد الدلائل على وجوده ما يلي: (٤) ١ ـ سُئِل الإمام أبو حنيفة عن الله جل وعلا، فقال: إن الوالد يريد الولد الذكر فيكون أنثى، ويكون العكس، فدل على الصانع. ٢ ـ وسأل هارون الرشيد الإمام مالكاً عن الله تعالى، فاستدل باختلاف الأصوات، وتردد النغمات، وتفاوت اللغات.

стр. 95

٣ ـ وسُئل الإمام الشافعي: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: ورقة الفِرصاد (١)، طعمها، ولونها، وريحها، وطبعها واحدها عندكم؟ قالوا: نعم، قال: فتأكلها دودة القز، فيخرج منها الإبريسم، والنحل فيخرج منها العسل، والشاة فيخرج منها البعر، ويأكلها الظباء فينعقد في نوافجها (٢) المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟ فاستحسنوا منه ذلك، وأسلموا على يده، وكان عددهم سبعة عشر. ٤ ـ واستدل الإمام أحمد على وجود الله تعالى، بقلعة حصينة، ملساء لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بد من الفاعل، عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ. ٥ ـ ويروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق، فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يوماً رياح هائلة، فكسَّرت السفن، وغَرَّقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها، ثم ذهب عني ذلك اللوح، فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج، حتى دفعت إلى الساحل. فقال جعفر: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح، ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك، هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال: بل رجوت السلامة، قال: ممن كنت ترجوها، فسكت الرجل، فقال جعفر: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي نجاك من الغرق، فأسلم الرجل على يده. ٦ ـ وسُئل أعرابي عن الدليل، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحكيم العليم القدير؟

стр. 96

٧ ـ وقيل لطبيب: كيف عرفت ربك؟ فقال: بإهليلج (١) مُجَفَّف أُطلِق، ولُعاب مُلين أمسك. ٨ ـ وقال آخر: عرفته بنحله بأحد طرفيها تعسل، والآخر تلسع. ٩ ـ وسُئل أبو نواس عنه، فقال: تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك عيون من لُجين شاخصات ... وأزهار كما الذهب السبيك على قُضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك إذن فهذا الكون كله بما فيه، يدل على الله جل وعلا، ويشهد بوحدانيته، ويسبح بحمده. سلِ الواحة الخضراء والماء جارياً ... وهذي الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى ... سل الليل والإصباح والطير شاديا وسَلْ هذه الأنسام والأرض والسما ... وسِلْ كل شيء تسمع الحمد ساريا ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا ... فمن غير ربي يُرجع الصبح ثانيا ولو غاض هذا الماء في القاع هل لكم ... سوى الله يجريه كما شاء راويا ولو أن هذي الريح ثارث وأعفرت ... أفي كونكم من يُوقف الريح ناهيا ألا أيها البُّحاث مال بحثكم ... توقف مشدوها لدى الكون واهيا إلهي ضل الناس في جنح غَيِّهم ... وليس لهم إلاك يارب هاديا (٢) أما منهج الإمام السمعاني في الاستدلال على وجود الله تعالى، بهذه الآيات، وتلك الدلالات فقد سلك فيها طريقين: الأول: دلائل الآفاق ... الثاني: دلائل الأنفس الطريق الأول: دلائل الآفاق: وقد فسَّرها الإمام السمعاني، بما بثه الله عز وعلا في هذا الكون، فقال " الآيات في الآفاق، آيات السموات والأرضين، وذلك من رفع السماء، وخلق الكواكب، ودوران الفلك، وإضاءة الشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك بسط الأرض، ونصب الجبال، وتفجير الأنهار، غرس الأشجار، إلى مالا يحصى ". (٣)

стр. 97

ثم أشار الإمام السمعاني إلى خِلاف المفسرين في المراد، بهذه الآيات، فقيل: " الآيات في الآفاق: هي الفتوح التي كانت بعد الرسول ﷺ ... ، قيل: ما أخبر من الأمم المتقدمة وما نزل بهم ... ، هو إمساك المطر ". (١) وقد أولى الإمام السمعاني هذه الدلائل، عناية فائقة، فلا يكاد يَمرُّ على دلالة آفاقية في القرآن، إلا ويشير إليها، ويُبيِّن أمرها، ومن ذلك: ـ قوله جل وعلا: " أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " (الأعراف ١٨٥). يقول: " يعني: استدلوا بها على وحدانية الله تعالى " (٢) ـ وقوله تعالى: " قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " (يونس ١٠١). يقول: " معناه: قل انظروا ماذا في السموات والأرض من الدلائل، والعِبر، والحجج ". (٣) وقد بيَّن الإمام السمعاني وجه دلالة هذه الآيات، على وحدانية الرب جل وعز، فقال: "والآية في السموات: سمكها، وسعتها، وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم. والآية في الأرض: مدُّها، وبسطها، وسعتها، وما يُرى فيها من الأشجار، والأنهار، والجبال، والبحار، والجواهر، والبنات. والآية في الليل والنهار: نقصانهما، وزيادتهما، وأن يذهب ضوء النهار، فلا يُدرى أين ذهب، يذهب سواد الليل، فلا يُدرى أين ذهب. والآية في الفلك: تسخيرها، وجريها على وجه الماء، وهي موفرة مثقلة، لا ترسب تحت الماء، بل تعلو على وجه الماء. " وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " أي: بعد يبسها وجدوبتها، فإن الأرض إذا أجدبت فقد ماتت، وإذا أخصبت فقد حييت. " وتصريف الرياح ": تصريفها: أن الرياح تارة تكون شمالاً، وتارة تكون جنوباً، وتارة تكون قبولاً، وتارة تكون دبوراً، وتارة تكون نكباء، والنكباء: هي التي لا تعرف لها جهة". (٤)

стр. 98

ـ وفي قوله تعالى: " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَأيَاتٍ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) " (آل عمران ١٩٠). يقول السمعاني: " يعني أن فيها دلالات على وحدانيته لذوي العقول " (١) ودلالة الخلق التي تدل على الخالق، كثيرة في القرآن، وقد أفاض الإمام السمعاني في ذكرها وبيانها، ولذا قال تعالى عن صفات عباده المؤمنين: " وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " آل عمران ١٩١ فيستدلون به على وحدانيته ". (٢) ـ ففي قوله جل وعلا: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ " (الأنعام ٧٣)، يقول الإمام السمعاني: " أي لإظهار الحق؛ لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته ". (٣) وكثيراً ما يخص الباري جل وعز، السموات والأرض من مخلوقاته؛ " لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد؛ ولأن فيهما العِبر، والمنافع للعباد ". (٤) ـ ويُعلِّق في مقام آخر، فيقول في تفسير قوله تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ " (إبراهيم ١٩): " معنى خلق السموات والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته ". (٥) ـ ويقول في تفسير قوله تعالى: " وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) " (يوسف ١٠٥): " معناه: أنهم يعرضون عنها مع مشاهدتها، ولا يستدلون بها على وحدانية الله ". (٦) ومن الدلالات الآفاقية التي استدل بها السمعاني على وحدانية الله تعالى، الليل والنهار، فقال: " قوله: " وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ " (الإسراء ١٢): أي: علامتين دالتين على أن لهما إلهاً واحداً ". (٧)

стр. 99

فكل هذه الدلائل يذكرها الله تعالى، يُعدِّد بها نعمه على عباده؛ ليعترفوا به ويشكروه. (١) فكل هذه الدلائل المُحدثة، تدل على باريها وخالقها؛ لأنها مفتقرة في وجودها وتصريفها إلى المحدث والموجد. (٢) الطريق الثاني: دلائل الأنفس: وقد فسَّرها الإمام السمعاني في قوله تعالى: " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ " (فصلت ٣٥): يقول: وقوله: " وفي أنفسهم " أي: من السمع والبصر، وخلق سائر الجوارح، وجميع الحواس، وفي بعض التفاسير: أن الآيات في النفس: دخول الطعام والشراب من مكان واحد، وخروجه من مكانين. وقيل: دخول الأطعمة على ألوان كثيرة، وخروجها على لون واحد " (٣) وقد أشار السمعاني أيضاً إلى تفسيرات أخرى للعلماء، في بيان معنى الآيات في الأنفس، ومما ذكره أن معنى الآيات في الأنفس، هي الفتوحات في زمن النبي ﷺ ، وقيل: ما أنذرهم من الوعيد والعذاب، وقيل: هي البلايا في الأجساد. (٤) ومن الدلائل التي ذكرها السمعاني، مايعرفه المرء عن نفسه، أنه كان نطفة من ماء مهين، ثم أحياه ربه وأوجده، ثم يميته عند انتهاء أجله، ثم يحييه مرة أخرى للبعث، وفي هذا يقول السمعاني: " قوله تعالى: " كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ": قاله تعجباً، تكفرون بالله بعد نصب الدلائل، ووضوح البراهين؟، ثم ذكر الدليل فقال: " وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا " هذا دليل، أي كنتم نطفاً في أصلاب الآباء، " فَأَحْيَاكُمْ " أي: خلقكم، " ثُمَّ يُمِيتُكُمْ " عند انتهاء الأجل، " ثُمَّ يُحْيِيكُمْ " للبعث، " ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " إلى الله مصيركم ". (٥)

стр. 100

فضعف الإنسان، وعجزه، وفقره، دليل على قدرة الله، وقوته، وبقائه، يقول السمعاني: "وفي الأخبار: أن الله أوحى إلى داود: اعرف نفسك واعرفني. فقال: يا رب كيف أعرف نفسي، وكيف أعرفك؟ فأوحى الله إليه: اعرف نفسك بالضعف، والعجز والفناء، واعرفني بالقوة، والقدرة، والبقاء ". (١) إذن: فمن عرف الله، فهو مهتدي القلب. (٢) فخلاصة هذه الدلالة: " أن كل أحد يعلم بالضرورة، أنه ماكان موجوداً من قبل ذلك، وأنه صار الآن موجوداً، وأن كل ما وُجد بعد العدم، فلا بُدَّ له من مُوجد، وذلك الموجد ليس هو نفسه، ولا الأبوان، ولا سائر الناس؛ لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة، فلا بُدَّ من مُوجد يُخالف هذه الموجودات، حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص ". (٣) فكل هذه دلائل وشواهد على التوحيد، والله جل وعلا يقول لنبيه ﵊: "أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) " (فصلت ٥٣): يعني: " أوليس في الدلالة التي أقامها على التوحيد كفاية ". (٤) والشاهد: أن الإمام السمعاني سار في طريقته الاستدلالية في هذا الباب على المنهج القرآني، بعيدا عن الطرائق الفلسفية والكلامية المنحرفة المعقدة التي لا تُوصل إلى نتيجة أو مطلوب. ولذا فهو يحشد الأدلة القرآنية بكل صورها وأشكالها وأنواعها؛ ليدلل على الحقيقة المغروسة في الفطر، وهي أن وجود الله تعالى فطري ضروري لا تنفك عنه النفس البشرية بحال، وهو بهذا يُؤكد على ما قرره القرآن وأصله من دلائل ظاهرة وباطنة، تقود المرء إلى الحقيقة التي لا شك فيها، إلا في أذهان من انحرفت عقولهم، وطمست فطرهم، وهي أن الله تعالى واجب الوجود، وأن وجوده من ذاته، فهو مستغنٍ عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، سبحانه الخالق البارئ المبدئ المعيد.

стр. 101

المطلب الثالث: إقرار المشركين بالربوبية: كان شرك المشركين الأوائل في الألوهية، فلم يكونوا يشركون معبوداتهم مع الله في التخليق، والترزيق، والإحياء، والإماتة، وإنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسطاء، كما أخبر القرآن الكريم عنهم. وكانت طريقة القرآن الغالبة، الاحتجاج على المشركين بما أقروا به، على ما أنكروه. فهم كانوا يقرون بأن الله تعالى، هو الخالق الرازق، بقوله : " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ " (الزخرف ٨٧)، ويقول جل وعلا: " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) " (يونس ٣١) وكذلك كانوا يقرون بربوبية الله على خلقه، قال تعالى: " قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) " (المؤمنون ٨٦ ـ ٨٧) إلا أن هذا الإقرار لم ينفعهم، ولم يغن عنهم شيئاً. فلم يستحقوا به اسم الإسلام. وهنا مسألتان: المسألة الأولى: الاستدلال بتوحيد الربوبية على الألوهية: وهذه من طرائق القرآن المعهودة في تقرير توحيد الألوهية، يقول الإمام ابن كثير (١): " وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية، بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولونه في تلبيتهم ". (٢)

стр. 102

ويقول شيخ الإسلام عن توحيد الربوبية: " وهو سبب لتوحيد الألوهية، ودليل عليه، كما يحتج به في القرآن على المشركين. فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد ـ توحيد الربوبية ـ ومع هذا يشركون بالله ". (١) وكذا يُشِير إلى هذا المعنى الإمام ابن القيم، فيقول عن توحيد الربوبية:" ولهذا يُحتج عليهم به على توحيد الإلهية، وأنه لا ينبغي أن يُعبد غيره، كما أنه لا خالق غيره، ولا رب سواه ". (٢) وهذا الذي فهمه السلف، فقد ورد عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: " وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) " (يوسف ١٠٦): قوله:"قال: من إيمانهم، إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون ". (٣) وهو مروي عن عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، عطاء. (٤) وبهذا فسَّر الإمام السمعاني هذه الآية، وأورد سؤالاً مفاده: " فإن قيل: كيف يجوز اجتماع الإيمان مع الشرك في الواحد ". الجواب من وجوه: أحدها: أن معناه: وما يقر أكثرهم بالله، إلا وهم مشركون بقلوبهم وضمائرهم. والثاني: أن مشركي مكة كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من يرزقكم؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من خلق السموات الأرض؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام. والقول الثالث: أن معنى شركهم، هو شركهم في التلبية ". (٥) وهذا المعنى الذي أشرنا إليه، وهو أن المشركين كانوا مقرين بالربوبية، وأن القرآن يلزمهم بهذا الإقرار، الإقرار بالألوهية، وقد أفاض الإمام السمعاني في بيان هذا المعنى في أكثر من موطن في تفسيره، ومن ذلك:

стр. 103

ـ قوله تعالى: " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) " (يونس ٣١): يقول السمعاني: " وقوله تعالى: فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ": معناه: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار ". (١) ـ وقوله جل وعلا: " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) " (الزخرف ٩): يقول السمعاني: " أي: ولئن سألت المشركين من خالق السموات والأرض؟ " ليقولن العزيز العليم "، وهذا على طريق التعجيب من حالهم، أي: كيف يعبدون الأصنام، ويزعمون أن لله شريكاً، وقد أقروا أن الله تعالى خالق السموات والأرض ". (٢) ـ وقوله تعالى: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ " (البقرة ٢١): يقول السمعاني: " وقوله: اعبدوا ربكم الذي خلقكم " أي: وحدوا الله الذي خلقكم، وإنما خاطبهم به؛ لأن الكفار، مقرون أن الله خالقهم ... إذا كان الله خالقكم وخالق من قبلكم فلا تعبدوا إلا إياه ". (٣) ـ وقوله تعالى: " قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا " (الرعد ١٦)، يقول السمعاني: " قوله تعالى: " قل من رب السموات والأرض ": معناه: قل يا محمد؛ من رب السموات والأرض؟ ثم أمره بالإجابة، وقال: " قل الله " ... وإنما صحت هذه الإجابة معهم؛ لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض "

стр. 104

ثم جاء وجه الإلزام بهذا الإقرار، فقال: " وقوله: " قل أفاتخذتم من دونه أولياء ": معناه: أنكم مع إقراركم أن الله خالقكم وخالق السموات والأرض، اتخذتم من دونه أولياء، يعني الأصنام ". (١) ـ وقوله تعالى: " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) " (الطور ٣٥)، يقول السمعاني: " وقوله: " أم هم الخالقون " أي: خلقوا أنفسهم، والمراد على هذا القول، أنهم إذ لم يدعوا أنهم تكونوا من غير خالق وصانع، ولا أدعوا أنهم هم الذين خلقوا أنفسهم، وأقروا أن خالقهم هو الله، فلا ينبغي أن يعبدوا معه غيره ". (٢) ـ وقوله تعالى: " أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ (٢١) " (الأنبياء ٢١)، يقول السمعاني: " وقوله: " هم يُنشِرون " أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم. وهذا لا يليق بوصف البشر ولكل محدث ... ومعنى الآية: هو الإنكار على متخذ الأصنام آلهة، وبيان أنه لا يليق بها الإلهية ". (٣) وهذا السرد يُبين بجلاء اتساق السمعاني مع المنهج القرآني، الذي جعله السمعاني قبلة له لتقرير مسائل المعتقد، وهذا الذي ميَّز تقعيده للمسائل العقائدية وتأصيله لها.

стр. 105

المسألة الثانية: حكم الإقرار بهذا النوع من التوحيد مجردا عن غيره: إن هذا الإقرار بمفرده، لم يدخلهم في الإسلام، ولذلك قاتلهم النبي ﷺ ، واستحل دماءهم؛ لأنهم أنكروا استحقاق الإلهية لله وحده، واشركوا معه غيره. وقد حكم الله تعالى عليهم بالإشراك والكفر، فقال: " وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) " (يوسف ١٠٦)، ولذا بعد أن بين الإمام السمعاني؛ أن هؤلاء مقرون بربوبية الله في التخليق والترزيق، إلا أنهم مشركون في قلوبهم وضمائرهم، ويعبدون مع الله غيره، من الأصنام والأوثان، قال: " وليس المراد من الإيمان، هو حقيقة الإيمان الذي يصير به الإنسان مؤمناً، وإنما المراد ما بينا " (١). أي: أنهم أقروا بالربوبية، وأشركوا في الألوهية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا التوحيد (أي: الألوهية): هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ". (٢) ولا يُعترض على هذا بأن الله تعالى، وصفهم بالإيمان فقال: " وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (١٠٦) " (يوسف ١٠٦)، لأنه لا يراد به حقيقة الإيمان، وإنما المعنى: أن اكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم، مشركون. (٣) والمراد بإيمانهم: اعترافهم بأن الله تعالى ربهم الذي هو خلقهم، ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم: عبادتهم غيره معه. (٤) وهو بهذا التقرير يُغلق الباب على المبتدعة القبوريين وأضرابهم، ممن سوغوا للشرك بجميع صوره وأشكاله، فحرفوا الكَلِم عن مواضعه، وضربوا القرآن بعضه ببعض، ولووا أعناق النصوص وطوعوها لأهوائهم، فخالفوا القرآن وما جاءت به الرسل.

стр. 106

فالسابقون من المتكلمين حين فسروا توحيد الإلهية بالربوبية، وقالوا: الإله هو القادر على الاختراع، فجعلوا نوعي التوحيد المتلازمين نوعا واحدا، فتبعهم على هذا المتأخرون منهم؛ وحين حصروا مفهوم الإيمان في التصديق فقط مجردا عن القول والعمل، وأيدوا مذاهبهم الفاسدة ببعض الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية، وردوا أن يكون شرك المشركين واقعا في الألوهية، وإنما هو في الربوبية، مخالفين بذلك ظواهر النصوص وإجماعات السلف = فقد أحدثوا شرخا عقائديا كبيرا في الأمة، وفسادا في التصور الصحيح، كانت آثاره السيئة بادية للعيان، ولذا قام السمعاني مقاما جليلا في الأمة، ذب عن جناب القرآن، وحَمى حِمى التوحيد، ورد على أمثال هؤلاء ردا مؤصلا، مستقى من نصوص الوحيين، مؤيدا بكلام السلف. المطلب الرابع: مُدَّعو الربوبية، وأقوال الناس في الرب : المسألة الأولى: مُدَّعو الربوبية: تبيَّن مما سبق، أن توحيد الربوبية توحيد فطري، مغروس في النفس، " بل القلوب مفطورة على الإقرار به، أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات ". (١) وحتى البهائم مفطورة على معرفة خالقها، فقد نقل الإمام السمعاني عن بعض الناس قولهم: " ورُوي عن ابن سابط أنه قال: أُبهمت البهائم إلا عن أربع: تعرف خالقها، وتطلب رزقها، وتدفع عن نفسها، وتعرف كيف تأتي أنثاه ". (٢) ولما كان هذا النوع من التوحيد فطرياً، " لم يُعرف عن أحد من طوائف العالم أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال ". (٣)

стр. 107

ومن نُقل عنه أنه أدعى الربوبية، فهو يعلم حقارة نفسه، وضعفه في ذاته وصفاته، وميله إلى من يُقيم له حاجاته، ويُؤمن له رغباته، وهذا يُبين حقيقة مدعيي الربوبية؛ ففرعون الذي أدَّعى الربوبية، وتلَبَّس بالألوهية، كان يعبد بقرة، فقد نقل السمعاني في تفسيره عن سليمان التيمي (١)، أن فرعون كان يعبد البقر، ونقل عن السُّدي (٢): أنه اتخذ أصناماً، وقال لقومه: هذه آلهتكم، وإنا إله الآلهة، ونقل عن الحسن: أن فرعون كان قد عَلَّق صليباً على عنقه، كان يعبده. (٣) وقد ظهرت مواطن الضعف والهزيمة في حياة فرعون، حكاها القرآن، وبيَّنها أكبر بيان؛ لتكون رداً مفحماً لكل من تجاسر على خصائص الرب، وتعالى على الإله. فأظهرت هذه المواطن شدة الضعف، والرهبة والخوف، التي تنافي دعوى الربوبية، فدَلَّت على عدم استحقاقه لما زعم.

стр. 108

أولى تلك المواطن، قوله تعالى حكاية عنه: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) " (القصص ٣٨)، وقوله جل وعلا: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا " (غافر ٣٦ - ٣٧): معلوم أن الإله الحق، كامل الصفات، عالم بما كان وبما سيكون، لا يخفى عليه شيء، ولذا هُنا عَبَّر فرعون بلفظ الظن، الذي محتواه شك ووهم، ويتنزه عنه الإله، فلو كان فرعون إلها حقاً، لعلم علماً يقينياً، ولكن هذا شأن الدجالين، الذين تقوم عقائدهم على التخيل الفاسد. وكذا لما لم يقطع بالنفي، دَلَّ على جهله المطبق الذي يتنزه عنه الإله الحق المبين. والموطن الثاني: قوله تعالى: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) " (غافر ٢٦): هنا يُظهر فرعون الدَّعي، مكنون ضعفه، وشدة عجزه، وخوفه وإشفاقه، من أن يبدل موسى دينه، أو أن يظهر في الأرض الفساد على زعمه. ألست تزعم أنك رب وإله! فلِمَ الخوف والخشية، والحيطة والحذر، لذا حكى الله جل وعز عنه قوله: " فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) " (الشعراء ٥٣ - ٥٦): يقول الرازي: " والغرض من هذه المعاذير، أن لا يتوهم أهل المدائن، أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم " (١)، والحال أنه متناقض في نفسه، ففيه ما يناقض دعواه.

стр. 109

فقد نقل السمعاني في تفسيره عن سعيد بن جبير أنه قال: كان موسى يخاف من فرعون خوفاً شديداً، وكان إذا دخل عليه قال: اللهم إني أعوذ بك من شره، وأدرأك في نحره، فحول الله تعالى ذلك الخوف إلى فرعون، فكان إذا رأى موسى بال في ثيابه كما يبول الحمار. (١) والموطن الثالث: قوله تعالى: " حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) " (يونس ٩٠): هنا أصابت فرعون الطاغية، الساعة الرهيبة، واللحظة العصيبة، التي لا مفر منها ولا مهرب، فقد ألجمه الماء وأغرقه، وبلغه الموت وأهلكه. مع أنه قد حملته العزة في أول الأمر، على تقحم البحر على إثر موسى وقومه، ولما تحقق الهلاك، عرف حقارة نفسه، وسفاهة أمره، والتجأ بعد انتهاء المهلة، وانقضاء الفرصة، فظهر عدم استحقاقه لما زعم. وممن يدَّعي الربوبية، المسيح الدجال حين يخرج في آخر الزمان، لكن هل ورد ذكر الدجال في القرآن أم لم يرد؟ قيل: إنه مذكور في قوله تعالى: " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " (غافر ٥٧)، وقد ورد عن أبي العالية (٢)، أنه قال: " أي: أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود ". (٣)

стр. 110

وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر (١): " وقد وقع في تفسير البغوي: أن الدجال مذكور في القرآن، في قوله تعالى: " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " (غافر ٥٧)، وأن المراد بالناس هنا: الدجال، من إطلاق الكل على البعض. وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه، والعلم عند الله ". (٢) ونقل هذا القول الإمام السمعاني في تفسيره، فقال: " ويُقال: لخلق السموات والارض أكبر من قتل الدجال واحداً وإحيائه، فالناس هاهنا: هو الدجال على هذا القول ". (٣) وممن ادعى الربوبية: النمروذ، قال الإمام السمعاني: " وهو أول من تجبَّر في الأرض، و أدعى الربوبية " (٤)، فطغى وتجبَّر وتكبر، فأرسل الله تعالى عليه وقومه البعوض، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في رأس نمروذ حتى أهلكته، ذكره مقاتل وغيره. (٥) المسألة الثانية: أقوال الناس في الرب جَلَّ وعلا: تعالى الله وتعاظم، عن كل ما يصفه به الواصفون المشركون، وينسبه إليه الكافرون من الشريك والولد، ولذا نزه نفسه، فقال: " سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) " (الصافات ١٨٠). فكلما حكى جل وعز، أقوالا عن المشركين، نزه نفسه سبحانه عن هذه الأقوال الشنيعة المنكرة. ـ فقال : " وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) " (الأنعام ١٠٠).
следующие страницы →