← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ج ـ يعقوب: وله في القرآن اسمان: يعقوب، وإسرائيل، ومعنى إسرائيل عبدالله (١)، وقد رجح السمعاني أن أبناء يعقوب كلهم أنبياء، قال: " فإن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء" (٢)، وقد ذكر القرطبي الخلاف فيهم، فقال: " أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولاً ولا آخراً؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا، وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي، فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده، أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه، والله أعلم " (٣). ٦ ـ داود بن إيشا: جمع الله تعالى له بين الملك والحكمة، قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:٢٥١]، يقول السمعاني: " جمع لداود بين الملك والحكمة، يعني: النبوة، قيل بعده بسبع سنين، ولم يكن من قبل مجتمعاً، بل كان الملك في سبط، والنبوة في سبط " (٤)، وقد أعطاه الله علماً، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، أي: علم القضاء، وعلم منطق الطير، ومنطق الدواب (٥)، واختصه الله تعالى بالفضل، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ:١٠]، قيل: هو النبوة، وقيل: الملك، وقيل: القضاء بالعدل، وقيل: حسن الصوت، وقيل: تليين الحديد له، وجميع ما أعطي وخص به. (٦)

стр. 527

٧ ـ سليمان: وقد ورث سليمان من والده داود، الملك والنبوة، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل:١٦]، قال السمعاني: " المراد منه: إرث الملك والنبوة " (١)، وقد آتاهم الله جل وعلا ملكاً عظيماً، قيل: هو تحليل الزوجات، وقيل: هو ملك سليمان، وقيل: المراد به، تأييدهم بالجنود من الملائكة (٢). واختلف في مدة ملك سليمان: فروي أن الملك وصل إليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وفي بعض الروايات، عن أبي جعفر بن محمد بن علي: أنه ملك سبعمائة سنة، قال السمعاني: " وهذه رواية غريبة " (٣). ٨ ـ يوسف: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]، وهو يوسف بن يعقوب نبي الله، وذلك: أن الله بعث إليهم يوسف رسولاً، فدعاهم إلى الله تعالى، ومكث فيهم عشرين سنة بعد وفاة يعقوب ﵇ (٤). وقال السمعاني في موطن آخر: " وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في نيل مصر " (٥). ٩ ـ موسى: اسم عبري، و (مو) باللغة العبرية هو الماء، و (شي) هو الشجر، فسمي (موشي)؛ لأنه أُخذ من الماء والشجر، ثم قلب الشين سيناً في العربية، فصار موسى (٦). وهو نبي بني إسرائيل، قال تعالى عنه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:٢١]، أي: النبوة والعلم. (٧)

стр. 528

١٠ ـ يحيى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء:٩٠]، قيل: سمي يحيى؛ لأن رحمها حيَّ بالولد (١). وقد سمَّاه الله يحيى قبل أن يولد (٢)، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، يعني: من تسمى باسمه، فإن قيل: فأي فضيلة له في هذا؟ قلنا: فضيلة التخصيص، وقيل فضيلة تسمية الله إياه بهذا الاسم (٣). والله جل وعلا آتاه الحكم صبياً، كما قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، يقول السمعاني: " أي النبوة، وهو قول أكثر المفسرين " (٤). ١١ ـ شعيب: بُعث إلى أهل مدين، وأهل الأيكة، فأما أهل مدين أهلكوا بالصيحة، وأما أهل الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة (٥)، وقد رزقه الله رزقاً حسناً، فقيل: كان كثير المال، وقيل: الرزق الحسن هنا النبوة. (٦) ١٢ ـ صالح: بعثه الله إلى أهل ثمود، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحِجر:٨٠]، يقول السمعاني: " الْمُرْسَلِينَ " المراد به، صالح ﵇ (٧)، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود:٦٣]، والرحمة هاهنا: بمعنى النبوة. (٨) وقيل: إن قوم صالح لما أهلكهم الله تعالى، جاء صالح مكة، وتوفي بها، وكذلك هود ﵇. (٩)

стр. 529

١٣ ـ هود: أرسله الله إلى عاد، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١]، وهو هود ﵇، وكان أخاهم في النسب لا في الدين (١). وهم عاد الأولى، وثمود هم عاد الأخرى (٢)، وقيل: إن عاداً الأولى عاد إرم، وعاد الثانية، المعروفة الذين أرسل إليهم هود ﵇. (٣) ١٤ ـ لوط: أرسله الله إلى المؤتفكات، سميت مؤتفكات؛ لأن الله تعالى قلبها بهم (٤). ولوط هو ابن أخي إبراهيم ﵉ (٥). قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٣]، أي: من جملة المرسلين، وهم الأنبياء (٦). واختلف المفسرون: هل آمن معه أحد؟! فقيل: لم يكن آمن به أحد إلا ابنتاه، قال ابن عباس: إنه ما من نبي إلا ويكون معه أمة يوم القيامة، سوى لوط ﵇، فإنه يأتي وحده. وقيل: إنه كان آمن به بضع عشرة نفساً. (٧) ١٥ ـ يونس: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٩]، أي: من جملة رسل الله. (٨) وهل كان نبياً قبل حادثة الحوت أو بعدها؟ قيل: كانت نبوته بعد أن أخرجه الله تعالى من بطن الحوت، قال السمعاني: " والأصح: أنه كان نبياً من قبل، وقد دَلَّ على هذا قوله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠]، وأما البلد الذي أرسل إليه فهو نينوى من بلاد الموصل". (٩)

стр. 530

١٦ ـ هارون أخو موسى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]، قيل: إنما سمى نبوة هارون لموسى؛ لأن موسى كان قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]، (١) وقيل: كان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، فكان أفصح منه لساناً، وأجمل منه وجهاً، وأوسم وأبيض، وكان موسى آدم، أقنى، جعداً. (٢) ١٧ ـ عيسى: يقول السمعاني: " وأما عيسى له اسمان: عيسى، والمسيح " (٣)، وعيسى كلمة الله، ومعنى كونه كلمة الله: ـ أن يكون بكلمة من الله، حيث قال له: كن فكان، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر، وإلقاء نطفة. ـ وقيل: أنه كلمة الله بمعنى أنه يُهتدى به، كما يهتدى بكلام الله.

стр. 531

ـ وقيل: أن الله تعالى كان قد أخبر الأنبياء، ووعدهم في كتبه، أنه يخلق نبياً بلا أب، ووعد مريم أنه يولد لها ولد بلا أب، فلما تَكوَّن عيسى، سماه كلمة؛ لأنه حصل بتلك الكلمة وذلك الوعد (١). وقال الله حل وعز: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٤٥]، قال ابن عباس: إنما سُمي مسيحاً؛ لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برئ. وقال الحسن وقتادة: سُمي مسيحاً؛ لأنه مسح بالبركة، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يمسح وجه الأرض، ويسيح فيها، وقيل: إنما سُمي مسيحاً؛ لأنه ممسوح القدم لأخمص قدميه (٢). ويقول السمعاني: " وسُمي عيسى روحاً؛ لأنه حصل بتكوين الله، من غير توليد والد" (٣)، وذهب السمعاني إلى أن عيسى من ذرية آدم، وإن كان انتماؤه إلى الأم؛ لأنه عده من ذرية نوح، فيكون آدم أباه من قبل الأم، وشاهده قول تعالى: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ " ثم قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٥]. (٤) فعيسى نبي، وليس بعده إلا نبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخرُف:٥٩]، أي: بالنبوة والآيات. (٥) واختلف المفسرون هل عيسى حي أو ميت؟!. اختلف المفسرون في هذا بناء على قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، فذكر السمعاني فيها أقوالاً:

стр. 532

أولاً: أنه حي، ومعنى الآية، كما قال الحسن البصري: " يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ " أي: قابضك من الأرض، قال السمعاني: وهو صحيح عند أهل اللغة، فيقال: توفيت حقي من فلان، أي قبضت. ففي الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إليَّ ومتوفيك، أي بعد النزول من السماء، وهذا محكي عن ابن عباس، وعليه تدل النصوص الصحيحة، في نزوله آخر الزمان، وقتله الدجال، وأنه يعيش بعد ذلك سبع سنين، ويتزوج، ويولد له، ثم يموت، ويصلي عليه المؤمنون من هذه الأمة. ثانياً: أن الآية على حقيقة الموت، وأن عيسى قد مات، ثم أحياه الله تعالى، ورفعه إلى السماء، قال وهب بن منبه: أماته الله ثلاث ساعات من النهار، ثم أحياه، ورفعه إليه، وهذا قول آخر لابن عباس. ثالثاً: أن المراد بالتوفي: النوم، وكان عيسى قد نام، فرفعه الله نائماً إلى السماء. ورجح السمعاني القول الأول، واستدل بقوله ﵊: " رأيت المسيح بن مريم يطوف بالبيت " (١)، قال: فدل على أن الصحيح: أنه في الأحياء. (٢) وختاماً: أشار السمعاني إلى قول أهل العلم: أن أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في السماء، واثنان في الأرض، أما اللذان في السماء: فإدريس وعيسى، وأما اللذان في الأرض: فالخضر وإلياس. (٣) وذكرنا أن الصحيح: في عيسى أنه حي في السماء، وأما إدريس، فقد ذكر السمعاني الخلاف فيه سابقاً، والراجح أنه ميت ليس بحي. وأما إلياس والخضر، فقد ذكر السمعاني في ذلك قصة، تدل على بقائهما أحياء. (٤)

стр. 533

والذي عليه المحققون من أهل العلم موتهما، يقول ابن كثير بعد أن أورد الحديث في أنهما يجتمعان في كل عام في رمضان ببيت المقدس، وأنهما يحجان كل سنة، ويجتعان بعرفات قال: " وبيَّنا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذي يقوم عليه الدليل: أن الخضر مات وكذلك إلياس ﵉ " (١).

стр. 534

المبحث الثالث: خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: المطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة بينهم: مما تمايز به الأنبياء والمرسلون، واختصوا به عن غيرهم من البشر، ما منحهم الله تعالى إياه من كمال الخُلق والخَلْق، وجمال الروح والريح، وما امتازوا به من العزم والحزم في تبليغ دعوة الله جل وعلا. لذلك اشتركوا في خصائص وميزات نجملها في الآتي: ١ ـ أن دينهم واحد، ومصدر دعوتهم، ومنطلق رسالتهم واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، أي: ملتكم ودينكم ملة واحدة، ومعنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها، هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، وأما في الشرائع فيجوز اختلافها. (١) فالأنبياء دعوتهم تعبيد الناس لرب الناس، والقيام بحقوقه، قال تعالى في قصة نوح في دعوته لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، يقول السمعاني: " وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل، فإن الله تعالى ما بعث رسولاً، إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله " (٢).

стр. 535

ولذا كان من كذب رسولاً واحداً، فقد كذب بجميع الرسل، قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان:٣٧]، يقول السمعاني: " الرُّسُلَ " أي الرسول، جمع بمعنى الواحد، ويُقال: من كذب رسولاً واحداً، فقد كذب جميع الرسل، فلهذا قال: " كَذَّبُوا الرُّسُلَ " (١)، ومثله قوله تعال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء:١٠٥]، فإنما ذكر المرسلين؛ لأن من كذب رسولاً، فقد كذب جميع الرسل. (٢) ٢ ـ أنهم لا يأخذون جُعلاً على دعوتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩]، يقول السمعاني: " قال أهل العلم: ولا يجوز للنبي أن يأخذ جُعلاً على النبوة؛ لأنه يُؤدي إلى تنفير الناس عن قبول الإيمان، ويجوز أن يأخذ الهدية؛ لأنه لا يُؤدي إلى التنفير " (٣). ثبت أن النبي ﷺ قبل الهدية، فلِمَ لم يقبلها سليمان، حين أرسلت بها ملكة سبأ؟ قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا المشركين، ولذا رُوي أن ملكة سبأ قالت: إن كان ملكاً، فأرضيه بالمال، وإن كان نبياً فلا يرضى بالمال. (٤) ٣ ـ أنهم كلهم أولو عزم وحزم، وعقل ورأي، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقد نقل السمعاني خلاف المفسرين في المراد بأولي العزم على أقوال: أ ـ أنهم أربعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈. قال: وعليه أكثر المفسرين. ب ـ أنهم من صبر: فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد، ويوسف صبر على السجن، وأيوب صبر على الضر. ونقله عن مقاتل. ج ـ وقيل: أولو العزم ثلاثة: نوح، وهود، وإبراهيم.

стр. 536

د ـ وقيل: كل الأنبياء من أولي العزم، وعليه: فـ (من) في الآية ليست للتبعيض، وإنما للتبيين، وقالوا: ليس في الأنبياء أحد ليس له عزم، ولا حزم، ولا رأي، ولا عقل، بل كانوا جميعاً بهذه الصفات. هـ ـ وقيل: هم الذين أمروا بالقتال، ومنابذة المشركين، فقاتلوا ونابذوا. ونقل عن بعضهم: أن آدم ويونس، لم يكونا من أولي العزم (١). واستدل بعض العلماء على هذا، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، وقوله الله تعالى لنبيه ﵊، أن يصبر، ونهاه أن يكون كصاحب الحوت، فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فهاتان الآيتان كلتاهما تدلان على أن أولي العزم من الرسل، الذي أُمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم، ليسوا جميع الرسل. (٢) ولعلَّ الأقرب في الآية ـ والعلم عند الله تعالى ـ هو القول بأن (من) بيانية جنسية، تعم جميع الأنبياء، يقول الألوسي بعد أن حكى الخلاف: " ولعل الأولى في الآية القول الأول، وإن صار أولو العزم بعد مختصاً بأولئك الخمسة عليهم الصلاة والسلام عند الإطلاق؛ لاشتهارهم بذلك، كما في الأعلام الغالبة، فكأنه قيل له: فاصبر على الدعوة إلى الحق، ومكابدة الشدائد مطلقاً، كما جد إخوانك الرسل قبلك " (٣)، وقال ابن عطية: " ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً " (٤)، وقال الثعالبي: " واختلف في تعيين أولى العزم من الرسل، ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً " (٥)، وقال الخازن: " وهذا القول هو اختيار الإمام فخر الدين الرازي ". (٦)

стр. 537

٤ ـ أن رؤياهم وحي، قال تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥]، يقول السمعاني: " قال أهل التفسير: إن رؤيا الأنبياء وحي، فعلم يعقوب أن الإخوة لو سمعوا بهذه الرؤيا، عرفوا أنها حق فيحسدونه، فأمره بالكتمان لهذا المعنى " (١)، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، " أي: أمرت بذبحك، قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي " (٢)، وجاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: " أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله علي وسلم من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " (٣)، ويقول السمعاني: "وجملة الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي، على ثلاثة وجوه: وحي إلهام، ورؤيا في المنام، ووحي بتكليم الله تعالى، ووحي بلسان جبريل ﵇ ". (٤) ٥ ـ أن الله جل وعلا يبعثهم برسالته على رأس أربعين سنة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه:٤٠]، أي: على قدر النبوة والرسالة، قال ابن عباس: ولم يبعث الله نبياً إلا على رأس أربعين سنة، وجاء موسى ربه، وهو ابن أربعين سنة، فنبأة الله وأرسله ". (٥) وقال ابن عباس: بعث نوح وهو ابن أربعين سنة. (٦) واختلف في يوسف هل نُبئ وهو صغير، وكذا يحيى ﵉؟ أما يوسف فقد قال الباري تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥]، فأكثر أهل التفسير، على أن هذا الوحي إلى يوسف، وبعث الله جبريل يُؤنسه، ويبشره بالخروج.

стр. 538

وقيل: إن الوحي هاهنا هو الإلهام، وأما إتيان جبريل فكان بعد هذا (١). والذي يدل على أن معنى الوحي في الآية الكريمة هو الإلهام، قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف:٢٢]، فقد فُسِّر الحكم بالنبوة (٢)، فدل على أن الأول كان إلهاماً. وأما يحيى ﵇، فقد ذهب أكثر المفسرين أنه أوتي النبوة وهو صغير، كما أفاده السمعاني، قال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، وقيل: المراد بالحكم هنا: العلم، فقرأ التوراة وهو صغير، وقيل: إن يحيى قيل له وهو صغير: تعال نلعب، فقال: ما للعب خُلقت، فهو معنى قوله تعالى: " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " (٣). ورجح الرازي حمله على النبوة لوجهين ذكرهما وأشار إليهما (٤)، ورجح آخرون: أن المقصود بالآية: يعني: هديناه صغيراً، كما قال لإبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١]، قال الفراء: أي أعطيناه هداه (٥)، وهو أحد القولين اللذين ذكرهما السمعاني، والآخر النبوة (٦)، والأول أقرب، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه. (٧)

стр. 539

وأما عيسى ﵇، فقد قيل: إنه أُوتي الإنجيل وهو طفل صغير، وكان يعقل عقل الرجال، وقال الحسن: جُعل نبياً وأوتي الإنجيل وهو في بطن أمه، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠]، وقيل المعني: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نبياً إذا صرت رجلاً، قال السمعاني: والصحيح هو الأول (١). وذكر الرازي هذا الخلاف، وأدلته، ثم قال: " وقوله " آتَانِيَ الْكِتَابَ " يدل على كونه نبياً في ذلك الوقت، فوجب إجراؤه على ظاهره، بخلاف ما قاله عكرمة " (٢)، وقال عكرمة: " آتَانِيَ الْكِتَابَ " أي: قضى أنه يُؤتيني الكتاب فيما قضى. (٣) ٦ ـ أن كل رسول أرسل بلسان قومه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، يقول السمعاني: " والحكمة في هذا: هو أنه إذا أرسله بلسان قومه عقلوا قوله، وفهموا عنه. فإن قال قائل: إن الله بعث النبي ﷺ إلى كل الخلق على ما قال: " بعثت إلى الأحمر والأسود " (٤)، ولم يبعث بلسان كل الخلق؟ والجواب عنه: أن سائر الخلق تبع للعرب في الدعوة، وقد بُعث بلسانهم، ثم إنه بَعَث بالرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله، وترجم لهم قوله " (٥).

стр. 540

٧ ـ أن الرسل سواء في أصل الرسالة، لكن الله فَضَّل بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، يقول السمعاني: " هذه الآية في بيان فضل الرسل بعضهم على بعض، مع استوائهم في أصل الرسالة " (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]، " معناه: أنه اتخذ بعضهم خليلاً، وكلم بعضهم، وسخر الجن، والإنس، والطير، والريح، لبعضهم، وأحيا الموتي لبعضهم، فهذا معنى التفضيل " (٢). المطلب الثاني: الوحي: المسألة الأولى: تعريف الوحي في اللغة والشرع: أ ـ الوحي لغة: إلقاء الشيء إلى النفس خُفية، ويُقال: الإعلام في خفية (٣). ويأتي الوحي بعنى الإلهام، أو بمعنى الأمر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة:١١١]. (٤) وهل مثله ما ذكره الله جل وعلا عن أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص:٧]، أكثر المفسرين على أن هذا الوحي بمعنى الإلهام، وأنه أُلقي هذا المعنى في قلبها، وقال بعضهم: إنها رأت ذلك رؤيا، وقيل: هو الوحي حقيقة، وأتاها الملك بهذا من الله، إلا أنها لم تكن نبية (٥). يقول أبو جعفر النحاس: الوحي على وجهين: أحدهما: وحي الله إلى أنبيائه ﵈، والآخر: بمعنى الإلهام، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨]، وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥]، أي: ألهمها أن تحدث. (٦)

стр. 541

وسُمي الوحي روحاً، كما قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل:٢]، وما ذاك إلا لأنه تقع به حياة القلوب، كالروح تقع بها حياة الأبدان (١)، وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥]، قال مجاهد: هو الوحي، وسمي روحاً؛ لأنه يحيا به الخلق (٢)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. ب ـ الوحي في الشرع: يقول السمعاني: " وهو في عرف أهل الإسلام: عبارة عما يُنزله الله تعالى على الأنبياء، ومن الأنبياء التبليغ إلى الخلق ". (٣) وقد سُئل الزهري عن الوحي فقال: الوحي ما يُوحي الله إلى نبي من الأنبياء، فيثبته في قلبه، فيتكلم به، ويكتبه، وهو كلام الله. (٤) فالوحي: هو كلام الله تعالى، المنزل بواسطة على رسول من الرسل؛ بينه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤]. المسألة الثانية: حالات الوحي: ذكر الله جل وعلا حالات الوحي في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١]: فقسَّم الله تعالى حالات الوحي إلى ثلاثة وجوه: الأول: الوحي في قوله (إِلَّا وَحْيًا)،وفيه قولان: أحدهما: أنه الإلهام من الله تعالى، بالنفث في صدره، والآخر: أنه الرؤيا في المنام.

стр. 542

الثاني: الوحي بتكليم الله تعالى. كما في قوله: " أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ " أي: كما كلم موسى من وراء حجاب، وقيل: بالحجاب على موضع الكلام، لاعلى الله، وقيل: إن موسى ﵇ كما سمع كلام الله ولم يره، كان بمنزلة من يسمع من وراء حجاب. الثالث: وحي بلسان جبريل ﵇، كما قال تعالى: " أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ "، يعني: يرسل جبريل بالوحي إلى من يشاء من الأنبياء. (١) يقول السمعاني: " وجملة الذي وصل إلى الأنبياء من الوحي، على ثلاثة وجوه: وحي إلهام، ورؤيا في المنام، ووحي بتكليم الله تعالى، ووحي بلسان جبريل ﵇ " (٢). وجبريل ﵇ هو الوكيل على وحي الله تعالى، وأخبر الله تعالى أن الملائكة تُلقي الوحي على الأنبياء والرسل، قال سبحانه: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات:٥]، يقول السمعاني: " فالملائكة يلقون على الأنبياء، والأنبياء يلقون على الأمم، والعلماء يلقون على المتعلمين ". (٣) وجعل الله تعالى للوحي ملائكة يحرسونه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، أي: حفظة، روى سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: ملائكة يحرسونه، يقول السمعاني: " وفي التفسير: أن الله تعالى ما بعث وحياً من السماء، إلا ومعه ملائكة يحرسونه. فإن قال قائل: ومن ماذا يحفظونه ويحرسونه؟ والجواب: إن الحفظ والحراسة، لخطر شأن الوحي، ولتعظيمه في النفوس، لا بحكم الحاجة إلى الحراسة والحفظ، يُقال: الحفظ والحراسة من المسترقين للسمع؛ لئلا يسرقوا شيئاً من ذلك، ويلقوه إلى الكهنة " (٤).

стр. 543

فالوحي هو الحق وهو مما اختص به الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحِجر:٨]، يقول السمعاني: " الحق الذي تنزل به الملائكة: هو الوحي، وقبض أرواح العباد ... " (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، يقول السمعاني: " وقوله: " قَالُوا الْحَقَّ " أي: قولوا: قال الله تعالى الحق، أي: الوحي " (٢). ولما كان كذلك أخبر الله تعالى، أن الشياطين ليسوا أهلاً لإنزال الوحي، وذلك حين قال المشركون: إن شيطاناً ينزل على محمد فيلقنه القرآن، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١١]، أي: لا يستطيعون إنزال الوحي، " إنهم عن السمع لمعزولون " أي: لمحجوبون، فإنهم حجبوا من السماء ومنعوا بالشهب. (٣) وبذا يتبيَّن في هذا المقام التزام السمعاني بمنهج السلف، في هذه القضية التي زلت فيها أقدام (٤)، فالعلماء متفقون على أن القرآن كلام الله ، ووحيه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ (٥)، " وننبه هنا على أن الوحي بأنواعه الثلاثة، من الأمور الممكنة عقلاً، الجائز وقوعها، وأنه لا حجر على الله في قدرته القادرة في واحدة من الممكنات. وقد أثبت الله في كتابه هذه الأنواع الثلاثة للوحي، وهو العليم الخبير، فما علينا إلا التسليم " (٦).

стр. 544

المطلب الثالث: العصمة: يظهر من كلام السمعاني ﵀ أن العصمة لازمة للأنبياء ﵈، ولذلك لا يمكن أن يقع منهم ما يخل بالرسالة. فأشار إلى أوجه العصمة عند الأنبياء: ١ ـ العصمة من الوقوع في الكفر والشرك، وقد نُقل الإجماع على ذلك (١)، وقد أورد السمعاني أمثلة على ذلك، منها قوله: " فإن قال قائل: كيف يقول " جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ " وآدم كان معصوماً عن الإشراك بالله؟ " (٢). ولذا قال السمعاني: " أنا نعتقد أن الرسول معصوم من الشرك والكبائر " (٣)، وحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٤]، بعد إثبات عصمته ﷺ عن الشرك، على الأمر بالثبات على الإيمان (٤)، وقال: " والله تعالى قد عصم الأنبياء عن الكفر والكبائر " (٥). ٢ ـ العصمة عن الوقوع في الكبائر، من الكذب ونحوه: وفي هذا يقول صاحب كتاب المواقف: " إن أهل الملل والشرائع، قد أجمعوا على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة، وما يبلغونه عن الله تعالى " (٦)،ويقول ابن تيمية: " فإن أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة ". (٧) وقد حُكي إجماع الأمة قاطبة على عصمة الأنبياء من الكبائر (٨).

стр. 545

وفي هذا يقول السمعاني: " واعلم أن الأنبياء معصومون من الكبائر " (١)، وقال: وأما الأنبياء ﵈، فلا يصح منهم وقوع الكبائر؛ لعصمة الله إياهم عن ذلك (٢)، وقال عن لوط ﵇ حين قال لقومه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨]، " ومنهم من قال: إنما قال هذا على طريق الدفع، لا على طريق التحقيق، ولم يرضوا هذا لقول؛ لأنه كان معصوماً من الكذب " (٣). ومن الأمثلة التي ذكرها السمعاني أيضاً: ما حكاه بعض المفسرين في نبي من الأنبياء، بعثه الله تعالى إلى قومه، فرشاه قومه، قال السمعاني: " وهذا أضعف الأقوال؛ لأن الله تعالى يعصم أنبياءه عن مثل ذلك ". (٤) فالعصمة من الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حكاه الإمام ابن تيمية (٥). ومسأل العصمة من الصغائر، هي موطن نزاع، لكن حكى شيخ الإسلام، كما أشرنا، إلى أنه هو القول المعروف عن أكثر علماء الإسلام، وهو الذي رجحه السمعاني فقال: " واعلم أن الأنبياء معصومون من الكبائر، فأما الخطايا والصغائر تجوز عليهم " (٦)، وقال: الأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم، ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية، وأما الخطأ والسهو فيجوز ذلك من الأنبياء (٧)، وقال الشوكاني: وجماعة من الفقهاء والمحدثين، قالوا: ولا بُدَّ من تنبيههم عليه" (٨)، ولكنه عقد فصلاً في الرد على من جَوَّز عليهم الصغائر. وقد حمل السمعاني ما ورد عن إبراهيم ﵇، من قوله: " إِنِّي سَقِيمٌ "، " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا "، وقوله عن سارة (هذه أختي)، على أحد معنيين:

стр. 546

الأول: أن الله تعالى أذن له قول ذلك؛ لقصد الصلاح، قال: وهو قول أهل السنة. الثاني: أن هذا قول يُخالف لفظه معناه، ولكل قول تأويله. أما قوله: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ " أي: على زعمكم واعتقادكم، وهو على وجه إلزام الحجة، وقال بعضهم معناه: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ "، قاله على سبيل الشرط، قال النحاس: وفي هذا التأويل بعد، وهو مخالف للأخبار الثابتة، وأما قوله: " إِنِّي سَقِيمٌ " أي: سأسقم، وقيل: معناه: سقيم، أي: مغتم بضلالتكم، فكأنه سقيم القلب بذلك، وأما قوله لسارة (هذه أختي) أي: أختي في الدين (١). فكلها من معاريض الكلام، ولم يكن كذباً صريحاً. (٢) وأورد السمعاني في قصة نوح سؤالاً، مفاده: فإن قيل: كيف يجوز أن يسخر نبي من الأنبياء من قومه؟ الجواب: أن هذا من ازدواج الكلام، ومعناه: إن تستجهلوني فإني استجهلكم إذا نزل العذاب، ومثله (إن تسخروا مني فسترون عاقبة سخريتكم). (٣) وكذا ما ورد عن يوسف ﵇، حين قال: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] إذ كيف استجاز أن ينسبهم إلى السرقة ولم يسرقوا؟!. ذكر السمعاني أوجها في الجواب، ثم قال: والقول الأول أجود الأقاويل، وهو إنكم لسارقوا يوسف من أبيه، وعملتم كما يعمل السُرَّاق. ثم قال: ويُقال: إنه كان وَاضَعَ مع بنيامين، وقال ما قاله بالمواضعة. (٤) وقد أحسن السمعاني في توجيه ابتلاء داود في موطن دون آخر. ففي الموطن الأول في سورة (ص)، ذكر أقوال بعض أهل التفسير في سبب ابتلاء داود ﵇، وذكر أقوالاً، لا تليق بنبي الله داود ﵇، وذلك أنه فتن بامرأة أوريا. (٥)

стр. 547

ولذلك نص العلماء على أن هذه القصة من المختلقات على نبي الله داود ﵇ (١)، قال ابن عطية: " وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا تليق، وقد حَدَّث بها قصاص في صدر هذه الأمة، فقال علي بن أبي طالب ﵁: من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود ﵇، جلدته حدين، لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله " (٢)، وقال الرازي: " والذي أدين به، وأذهب إليه، أن ذلك باطل " (٣). وفي الموطن الثاني: في السورة نفسها، حَكى السمعاني خلاف المفسرين في السبب الذي لأجله ابتلى الله سليمان ﵇، ثم قال: " والله أعلم بما كان، ولا شك أن الآية تدل على أن الله تعالى، قد أقعد على كرسيه غيره، وسلبه شيئاً كان له " (٤)، وغالب ما يُذكر متلقى عن بني إسرائيل. (٥) وأورد السمعاني تساؤلاً في هذا الباب، عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، قال: " فإن قال قائل: هذا تهاون نبي من أنبياء الله، فتكون كبيرة من الكبائر، فكيف وجه فعل هذا من موسى؟ والجواب عنه: أنه يحتمل أنه لم يكن مثل هذا الفعل تهاوناً في عاداتهم، فكان الأخذ باللحي، شبه الأخذ بالكف عندهم. وقال بعضهم: أنه أخذ بلحيته كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه عند الغضب، فجعله كنفسه، وأولى الأجوبة: أن هذا فعل الإنسان بمثله وشكله عند الغضب، فتكون صغيرة لا كبيرة، والصغائر جائزة على الأنبياء". (٦)

стр. 548

وكذا حمل السمعاني ما ورد عن نبينا الأكرم ﵊، ففي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، قال: " فإن قيل: كيف أمره بالاستغفار، وكان معصوماً من الذنوب؟. والجواب: أنه كان لا يخلو من الخطأ والزلل، وبعض الذنوب التي هي من الصغائر، فأمره الله بالاستغفار منها " (١)، ومثله في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، قال السمعاني: " فإن قال قائل: فأي ذنب كان له؟ قلنا: الصغائر، وكان معصوماً من الكبائر " (٢)، وبمثل هذه الآيات تمسك من جَوَّز الصغائر على الأنبياء، فأمرهم بالاستغفار عن الصغائر، ومن لم يُجوِّز الصغائر عليهم، قال: إنه أمر بالاستغفار تعبداً؛ لينال بذلك رضي الله تعالى، ويقتدي به ما يأتي من بعده. والصحيح: ما رجحه السمعاني، وهو ما عليه الجماهير. فالعصمة إذن: " حفظ الله تعالى ظواهر الرسل وبواطنهم، مما تستقبحه الفِطر السليمة، قبل النبوة، وحفظهم من الكبيرة، وصغائر الخِسة بعدها، وتوفيقهم للتوبة والاستغفار من الصغائر، وعدم إقرارهم عليها " (٣)، ولذا قال السمعاني في وصف الله تعالى ليحيى " وَحَصُورًا "، بأنه الممتنع من الوطء مع القدرة عليه. قال واختاروا هذا القول لوجهين: ١ ـ أنه يكون أقرب إلى استحقاق الثناء. ٢ ـ أنه يكون أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء، لبعدهم عن الآفات. (٤) وأما وقوع الخطأ والسهو منهم عليهم الصلاة والسلام، فهو واقع لبشريتهم، يقول السمعاني: وأما الخطأ والسهو، فيجوز وقوع ذلك من الأنبياء (٥)

стр. 549

المطلب الرابع: المعجزات: دعوات الأنبياء ﵈ واجهت خصوماً، كانوا أعداء لدعوة الرسل، يبثون الأراجيف، ويشيعون الشبهات، ويلصقون التُهم. ولذلك حكى الله تعالى تعنت المشركين مع النبي ﷺ ، حين دعاهم إلى توحيد الله تعالى، فقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٧]، فهم قالوا ما قالوا على طريق الإنكار، وزعموا أنه إذا كان مثلهم يأكل الطعام، ويمشيى في الأسواق، فلا يجوز أن يمتاز عنهم بالنبوة، فكانوا يقولون: أنت لست بمَلَكٍ ولا مَلِكٍ، فلست بِمَلَك؛ لأنك تأكل الطعام، ولست بمَلِكٍ؛ لأنك تتسوق وتتبذل، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذلون. يقول السمعاني: " وهذا الذي قالوه كله فاسد؛ وذلك لأن أكله الطعام لا ينافي النبوة، ولا مشيه في الأسواق، فإن أكله الطعام، يدل على أنه آدمي محتاج، ومشيه في الأسواق يدل على أنه متواضع غير متكبر، وأما اختصاصه بفضيلة النبوة من بين الناس فجائز؛ لأن الله تعالى لم يسوِ بين الناس، بل فاضل بينهم " (١)، وكذلك تحكموا في قولهم حين قالوا:" لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ "؛ لأنهم زعموا أن الرسول إن يكن مَلَكاً، فينبغي أن يكون له شريك من الملائكة، يقول السمعاني: " وهذا أيضاً فاسد؛ لأنه مجرد تحكم، ويجوز أن يتفرد الآدمي بالنبوة، ولا يكون معه ملك، ولَأَن يكون النبي آدمياً، أولى من أن يكون ملكاً؛ ليفهموا عنه، ويستأنسوا به " (٢)، والأعجب من ذلك أنهم تمالؤوا في تشويش الدعوة، وبث الأكاذيب والترهات، فقالوا بعد ذلك: " أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا "، يعني: ينزل عليه كنز من السماء، أو يظهر له في الأرض، فقالوا: هلا جعل الله لك بستاناً تعيش به، أو كنز يدفعه إليك؛ فتستغني به عن التعيش، والتكسب، والتبذل في الأمور، يقول السمعاني: " وهذا أيضاً فاسد؛ لأن كسبه، وتعيشه لم يكن منافياً نبوته". (٣)

стр. 550

لو قال قائل في هذا المقام، مع كثرة الآيات المقترحة من الكفار، لِمَ لا يجوز أن يجيبهم إلى الآية المقترحة، لعلها تكون سبباً لإيمانهم؟ قيل: إن الآية المقترحة لا نهاية لها، وإن وجب في المصلحة أن يجيب واحداً، وجب أن يجيب آخر، إلى مالا يتناهى (١)، وجواب آخر: وهو أن الأولين اقترحوا الآيات، فلما أعطوا كذبوها فأهلكوا، فلو أعطى الله تعالى كفار مكة الآيات المقترحة وكذبوا بها، عاجلناهم بالعذاب، وقد حكمنا بإمهالهم (٢)، وثالثاً: أنهم لو رأوا جميع الآيات لم يؤمنوا بها. (٣) ومع هذا التعنت، يُرسل الله تعالى آيات، وبراهين، وحججا، ساطعة، يُعلِم بها العباد أنه أرسل رسولاً، مؤيداً بهذا الآيات العظيمة، التي تكون خارقة لجميع الثقلين، فما يجريه الله تعالى على يد نبيه، على وجه الطلب أو الابتداء، ويكون خارقاً لقوانين الطبيعة، وخواص المادة، ومجرداً عن الأسباب والمسببات المعتادة على وجه يفوق طاقات العباد، ويَعْجَزُ الجميع عن معارضتها، فهي المعجزة. (٤) وقد أَيَّد الله تعالى أنبياءه ورسله بالآيات والبراهين، الدالة على صدق ما يدعون إليه، إلا أن القرآن الكريم لم يستغرق كل الآيات، بمعنى أنه القرآن أشار إلى بعض آيات الأنبياء، ولم يُشر إلى بعضها الآخر، فليست كل الآيات مذكورة في القرآن. (٥)

стр. 551

فمثلاً شعيب ﵇ قال لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، ولم تذكر ماهية الآية في القرآن، يقول السمعاني:" فإن قال قائل: " وما معنى قوله " قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ "، ولم تكن لهم آية؟ قيل: بل كانت لهم آية، إلا أنها لم تذكر في القرآن، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن ". (١) وكان نبينا محمداً ﵊ من أعظم الأنبياء وأفضلهم، ولذلك ما أوتي نبي آية، إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وقد أًوتي انشقاق القمر، وحنين الجذع، وكلام الشجر، ونبع الماء بين الأصابع، والقرآن العظيم، وبعث إلى الأحمر والأسود، وغيره من الأنبياء بُعث إلى قوم مخصوصين (٢)، ولذا يقول السمعاني: " واعلم أن الله تعالى قد أعطى رسوله محمداً ﷺ المعجزات الكثيرة، ولكنه لم يعطه على وفق ما اقترحوا " (٣)، وأعظم آياته التي أيده الله تعالى بها القرآن، ولذا تحدى به الجن والإنس، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]، يعني: فإن لم تفعلوا ذلك، ولن تفعلوه أبداً على طريق الإعجاز، ولم للماضي، ولن للمستقبل، يقول السمعاني: " وإنما قال هذا؛ لبيان المعجزة؛ لأن القرآن كان معجزة للنبي ﷺ ، حيث عجز الكل عن الإتيان بمثله " (٤). ويُقرر السمعاني أن دلائل صدق النبوة كثيرة، فهي لا تُحصر في المعجزة كما يقول المتكلمون، بل إن محمداً ﵊، النبي الأكرم، لو لم تأته معجزة، لدلت أحواله على صدقه، وعلى نبوته (٥). وهذا الذي يسميه الإمام ابن تيمية بالمسلك الشخصي. (٦)

стр. 552

الله تعالى يُؤيد رسله بهذه الآيات، ليثبت بذلك صدق نبوتهم، وصحة رسالتهم، فقد تكون الآية ظاهرة كونية كانشقاق القمر لنبينا ﵊، أو تكون تحديا وتعجيزا عن إلحاق الأذى والمكروه، كما كان لنوح ﵇ (١)، ولهود ﵇ (٢)، وقد تكون بإيجاد معدوم، كما كان لصالح ﵇ (٣)، أو إعدام موجود، كما كان لعيسى ﵇ (٤)، أو بتحويل حال الموجود، كما كان لموسى ﵇ (٥)، وقد تتفق معجزتان، كما كان من يوسف وعيسى ﵉. (٦) وقد أشار السمعاني أن الخارق للعادة، قد يظهر على يد كافر، لكنه لا يُسمى معجزة، بل محنة وفتنة، كما كان السامري مع العجل، فإن ما ظهر كان فتنة لبني إسرائيل وابتلائهم. (٧) المطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ : الإيمان بالنبي ﷺ ، والإقرار بنبوته، من أوجب الواجبات، ومن ألزم الفرائض، فلا يصح إسلام إلا بإقرار، فسائر العلماء متفقون على الإقرار بنبوته ﵊ (٨)، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، يقول السمعاني: " هذه الآية شهادة من الله تعالى لرسوله ﷺ بالحق، وأنه رسوله حقيقة " (٩)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون:١]، يقول السمعاني: " هو تطييب لقلب النبي ﷺ وتسلية له، ومعناه: أن علمي أنك رسول الله، وشهادتي لك بذلك، خير من شهادتهم ". (١٠)

стр. 553

المسألة الأولى: اسمه، ونسبه: أ ـ أسماء النبي ﷺ : ذكر الله تعالى أسماء النبي ﷺ في كتابه العزيز، ومن تلك الأسماء: ١ ـ أحمد: قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، وقد ثبت هذا الاسم كذلك في السنة، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي ". (١) وذكر السمعاني في معنى هذا الاسم وجهين: الأول: لأنه كان يحمد الله كثيراً، والثاني: لأن الناس حمدوه على فعاله. (٢) ونقل السمعاني عن علي ﵁ أنه قال: سمَّى الله رسوله محمداً ﷺ في القرآن بسبعة أسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمدثر، والمزمل، عبدالله. (٣)

стр. 554

أما (طه)، فإن السمعاني لم يذكر حين تفسيره لهذا لآية، أنه من أسماء النبي ﷺ ، ولكنه روى عن ابن عباس أنه قال: هو بالسريانية: يا رجل (١)، ورجحه الطبرى (٢)، وقال الواحدي: " أكثر المفسرين على أن معناه: يا رجل، يريد النبي ﷺ ، وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بين جبير، وقتادة، والضحاك، ومجاهد، وابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة، وبالنبطية، والسريانية، ويقول الكلبي: هي بلغة عك، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش " (٣). ونقل بعض المفسرين، أنه من أسماء النبي ﷺ (٤)، ولكن الأقرب أنه ليس من أسمائه ﵊، فهو إما محمول على معنى يا رجل، أو أنه من الأحرف الهجائية المقطعة، التي يُراد بها التحدي والإعجاز. (٥) وأما (يس)، فكذا لم يذكر السمعاني في تفسير هذه السورة، أنه من الأسماء النبوية، بل ذكر أن أشهر الأقاويل في معناها، ما قاله الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، وجماعة، أن معناها: يا إنسان، قال: ويُقال: معناها: يا محمد (٦). قال الواحدي: " قال ابن عباس والمفسرون: يريد يا إنسان، يعني: محمداً ﷺ " (٧)، وقد نُقل عن سعيد بن جبير أيضاً أنه من أسماء النبي ﷺ (٨). والأقرب، أن (يس) إما أن يكون بمعنى إنسان، أو يكون من الحروف الهجائية المقطعة، التي يُراد بها التحدي والإعجاز.

стр. 555

وقد استدل بعضهم بتسميته بعبدالله، بقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]. (١) وهنا يقول ابن القيم: " وأسماؤه ﷺ نوعان: أحدهما: خاص لا يشركه فيه غيره من الرسل، كمحمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة. والثاني: ما يُشاركه في معناه غيره من الرسل، ولكن له منه كماله، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشاهد، والمبشر، والنذير، ونبي الرحمة، ونبي التوبة ". (٢) ولذا لما عَدَّ النووي أسماء النبي ﷺ قال: " وبعض هذه المذكورات صفات، فإطلاقهم الأسماء عليها مجاز " (٣). وكذا قال ابن حجر حين عَدَّ الأسماء: " وغالب الأسماء التي ذكرها، وُصِف بها النبي ﷺ ، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية" (٤). ومما ذكر السمعاني في هذا المقام: ١ ـ تسميته بالنور: قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة:١٥]، مما فُسِرت به الآية: أنه النبي ﷺ ، قال السمعاني: " وقيل: محمد، وسُمي نوراً؛ لأنه يتبين به الأشياء، كما يتبين بالنور ". (٥) ٢ ـ السراج: قال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، وكذلك مما فُسرت به الآية، النبي ﷺ ، قال السمعاني: " وقيل: وسراجاً هو الرسول، سماه سراجاً؛ لأنه يُهتدى به، كالسراج يُستضاء به ". (٦) ب ـ نسب النبي ﷺ :

стр. 556

ذكر السمعاني نسب النبي ﷺ من أبيه إلى عدنان، وكان معروف النسب، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩]، يقول السمعاني: " يعني: أنهم عرفوه صغيراً وكبيراً، وعرفوا نسبه، وعرفوا وفاءه بالعهد، وأداءه للأمانات، وصدقه في الأقوال " (١). ثم قَسَّم السمعاني نسب النبي ﷺ إلى قسمين: ١ ـ متفق عليه: وهو إلى عدنان: (محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قُصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان). (٢) ٢ ـ مختلف فيه: وهو من عدنان إلى إبراهيم، إلى آدم ﵉، حتى قال ابن مسعود: كذب النسابون، حين قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم:٩]، وقال ابن عباس: بين إبراهيم وبين عدنان جد الرسول ثلاثون قرناً، لا يعلمهم إلا الله، وعن عروة بن الزبير قال: ماوراء عدنان إلى إبراهيم ﵇، لا يعلمهم إلا الله، وعن مالك بن أنس أنه كره أن ينسب الإنسان نفسه أباً أباً إلى آدم، وكذلك في حق الرسول ﷺ ، كان يكره ذلك؛ لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله. (٣)

стр. 557

المسألة الثانية: خصائصه ﵊: أما خصائصه ﵊، فهي كثيرة جداً، حتى ألف فيها العلماء، وصنف فيها الحكماء، وترنم بها الأدباء، ونظمها الشعراء. فالنبي ﷺ ، مكمن الأخلاق، ومنتهى الآداب، زكاه ربه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]، أي: على الخلق الذي أدبك الله به، مما نزل به القرآن، من الإحسان إلى الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك. وهو صاحب طبع كريم، ﵊. (١) ومما اختصه الله تعالى به: ١ ـ غفران ذنوبه: قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح:١ - ٣]، أي: يغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل زمان النبوة، وما تأخر عن زمان النبوة، قال الثوري: ما كان وما يكون ما لم تفعله، وأنت فاعله، فكأنه غفر له قبل الفعل. (٢) ٢ ـ عموم بعثته: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني: " أي: الجن والإنس، قال أهل العلم: ولم يبعث نبي إلى جميع العالمين، غير نوح ومحمد ﵉ ". (٣) ٣ ـ إكرام الرب تعالى له، بإعطائه اسمين من أسمائه: قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، يقول السمعاني: " وقد أعطاه الله تعالى في هذه الآية، اسمين من أسمائه، وهو في نهاية الكرامة ". (٤)

стр. 558

٤ ـ إعطاؤه المقام المحمود: قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، يقول السمعاني: " أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ ". (١) ٥ ـ القسم به: قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحِجر:٧٢]، قال ابن عباس: وعيشك، وقيل: وحياتك. وعن ابن عباس قال: ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد، فإن الله تعالى لم يقسم بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ . (٢) ٦ ـ تثبيت قلبه: قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، يقول السمعاني:: " معناه: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل، نقصها عليك؛ لنثبت بها فؤادك. فإن قيل: قد كان فؤاده ثابتاً، فإيش معنى قوله: " لنثبت به فؤادك "؟ قلنا: معناه: لتزداد ثباتاً ". (٣) ٧ ـ تعليمه مالا يعلم: قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، " يعني: من أحكام القرآن، وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه ". (٤)

стр. 559

٨ ـ الأمر بتعظيمه: قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩]، والتعزير ها هنا العظيم، والتوقير التبجيل والتفخيم (١). ولذلك نهي الله تعالى عن رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ ، أو الجهر له، أو مناداته باسمه، فأنزل الله تعالى ما يوجب عليهم تعظيمه، بأن يكلموه بالكلام المبجل المعظم له، الدال على توفية حقه في الخطاب (٢)، فأمر أن يُنادى يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، والمقصود دعاؤه على التفخيم والتعظيم. (٣)

стр. 560

٩ ـ أن الله تعالى جعله أمياً: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، " والحكمة في كون الرسول ﷺ أمياً؛ انتفاء التهمة عنه في تعلم أخبار الأولين، ودراستها من كتبهم: ويُقال: ليكون موافقاً لصفته في كتب الأولين " (١)، ولذا قال المشركون كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥]، فقوله: " اكْتَتَبَهَا " أي: طلب أن تكتب له؛ لأنه كان لا يكتب " فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ " أي: تقرأ عليه (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب، " إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ " أي: إذا لشك الكافرون لو قرأت وكتبت، أما أهل الشرك فكانوا يزعمون أنه قرأ من كتب الأولين، وانتسخ منها، وأما أهل الكتاب فقد كان نعته في كتبهم، أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلو قرأ وكتب، وقع لهم الشك. وعن الشعبي قال: لم يخرج النبي ﷺ من الدنيا حتى كتب وقرأ، وهذا قول ضعيف لا يعتمد عليه، وأظن أنه لا يصح عن الشعبي هذا؛ لأنه كان عالماً كبيراً ". (٣) ١٠ ـ الصلاة عليه: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، يقول السمعاني: " الصلاة من الله تعالى، بمعنى الرحمة والمغفرة، والملائكة والمؤمنين بمعنى الدعاء ". (٤)

стр. 561

١١ ـ ختم النبوة به: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، يقول السمعاني: " وقُرِئ " خاتَم " بنصب التاء، فأما قوله: " وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ " بالفتح، أي: آخر النبيين، وأما بالكسر، أي: ختم به النبيين ". (١) ١٢ ـ إكرامه برحلة الإسراء والمعراج: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، وكان بالروح والجسد، يقول السمعاني: " وقد تواترت الأخبار الصحيحة على ما يوافق هذا القول ". (٢) ١٣ ـ أن الله عصمة من عبية الجاهلية: يقول السمعاني في جواب سؤال أورده: هل كان النبي ﷺ ، على دين قومه قبل النبوة أم لا؟!. فأجاب بقوله: " قد ورد في التفسير: أنه كان على دين قومه قبل ذلك، ومعنى ذلك: أنه كان يشهد مشاهدهم، ويوافقهم في بعض أمورهم، من غير أن يعبد صنماً، أو يعظم وثناً، وقد كان الله عصمه عن ذلك " (٣).ونقل النقاش؛ أنه كان متعبداً قبل النبوة بشريعة إبراهيم، في النكاح، والطلاق، والعبادات، والمعاملات، وغير ذلك. (٤) وفي ذلك يقول ابن إسحاق: " فشب رسول الله ﷺ ، يكلؤه الله، ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها؛ لما يريد به من كرامته ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلاً، أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم خلقاً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال؛ تنزهاً وتكرماً، حتى ما أسماه قومه إلا الأمين؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة، وكان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي ـ يُحدث عما كان يحفظه الله به في صغره، وأمر جاهليته ". (٥)

стр. 562

وترجم لهذا الأئمة في مصنفاتهم، قال البيهقي: " باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعايبها؛ لما يريد من كرامته برسالته، حتى بعثه رسولاً ". (١) وكان الإمام أحمد يُشدِّد في هذه المسألة، فكان يقول: من قال إن رسول الله ﷺ كان على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل مما ذُبِح على النُّصُب. (٢) والمعلوم أن النبي ﷺ كان متديناً قبل بعثه، فهل كان متعبداً بشريعة من قبله؟. قولان: ١ ـ كان متعبداً بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه، لا من جهتهم ولا بتعلم، ولا من كتبهم المبدله. ٢ ـ وقيل: لم يكن متعبداً بشيء من الشرائع، إلا ما أوحى إليه في شريعته. واختلف القائلون بأنه كان متعبداً بشرع من قبله، بأي شريعة كان يتعبد؟ فقال بعضهم: بشريعة إبراهيم خاصة، وقال عنه السمعاني: هو قول شاذ، وذهب آخرون إلى أنه كان متعبداً بشريعة موسى، وظاهر كلام أحمد: أنه كان متعبداً بكل ما صح أنه شريعة لنبي قبله، ما لم يثبت نسخه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. (٣) وقد نازع السمعاني في هذه المسألة في كتابه القواطع، وذهب إلى أن النبي ﷺ لم يكن متعبداً بشرع من قبله قبل الوحي، وإنما كان ما كان منه على طريق الموافقة، حين وجد قومه على أدب إبراهيم ﵇ (٤)، ورجح القول بأن النبي ﷺ لم يكن متعبدا باتباعها، بل كان منهيا عنها (٥).

стр. 563

١٤ ـ أن الله تعالى عصم نبيه ﷺ : فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، ولكن هذه العصمة ـ كما بينا ـ فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، والعصمة من الكفر والشرك، والكبائر، أما العوارض البشرية فهذه تقع عليه، وعلى غيره من الأنبياء، يقول الإمام ابن تيمية: " والأنبياء يجوز عليهم المرض، والجوع، والنسيان، ونحو ذلك بالإجماع". (١) ومن هذه العوارض التي جرت للنبي ﷺ وقوع السحر عليه، يقول السمعاني في تفسير سورة الفلق: " واعلم أن المفسرين قالوا: إن هذه السورة والتي تليها نزلتا حين سُحر النبي ﷺ ، سحره لبيد بن أعصم اليهودي. وكان لبيد قد سحر النبي ﷺ ، وجعل ذلك في بئر ذي أروان، فاعتل النبي ﷺ ، واشتدت علته، وكان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، ثم إن جبريل ﵇ أنزل المعوذتين " (٢). وحاول بعض الناس إنكار السحر، بحجة منافاته لمقام النبوة، وهؤلاء تصدى لهم العلماء، وبينوا عوار قولهم، وفساد رأيهم، وفيهم يقول ابن قتيبة: " إن الذي يذهب إلى هذا، مخالف للمسلمين، واليهود، والنصارى، وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها، الهند، وهي أشدها إيماناً بالرقى، والروم، والعرب في الجاهلية، وفي الإسلام، ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل؛ لأن الله قال لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفَلَق:١ - ٤]، فأعلمنا أن السواحر، ينفثن في عُقدٍ يعقدنها، كما يتفل الراقي والمُعوِّذ ... ". (٣)

стр. 564

المسألة الثالثة: حكم تنقص النبي ﷺ وأذيته: أجرى الله سنته فيمن آذى رسله، فأخرجهم، أو قتلهم، بالهلاك، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٧٧]، يقول السمعاني: " ومعنى سنة الله: هو استئصال القوم بالهلاك، إذا أخرجوا الرسول، أو قتلوه ". (١) وتنقص الرسول ﷺ كفر، يقول مالك بن أنس: من قال رسول الله ﷺ وسخ، يُريد به النقص كفر بالله تعالى (٢). وقد حكى العلماء الإجماع على ذلك: ـ قال محمد سحنون: " أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر". (٣) ـ وقال ابن حزم: " وكل من آذى رسول الله ﷺ فهو كافر مرتد يقتل ولابد". (٤) ـ وقال ابن المنذر: " وأجمع عوام أهل العلم، على وجوب القتل على من سب النبي ﷺ ". (٥) ـ وقال ابن تيمية: " إن الساب إن كان مسلماً، فإنه يكفر، ويُقتل بغير خلاف ". (٦) ولذا قال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، " قال بعضهم: كلمة الكفر: هي سب محمد ﷺ ". (٧) إذن: فمقام النبوة عظيم، فقد أقسم الله بالقرآن، إن محمداً لمن المرسلين، فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس:١ - ٣] (٨)، ثم رفع الله ذكره بالنبوة والرسالة. (٩)

стр. 565

الفصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر المبحث الأول: التعريف باليوم الآخر، وأشراط الساعة المطلب الأول: التعريف باليوم الآخر المطلب الثاني: أشراط الساعة المبحث الثاني: الموت وحقيقته المبحث الثالث: أحكام البرزخ المبحث الرابع: البعث بعد الموت المبحث الخامس: أحداث الآخرة وأحوالها
следующие страницы →