← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

١ ـ المثاني: قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر:٢٣]، يقول السمعاني: " وإنما سُمي القرآن مثاني؛ لاشتماله على علوم مثناه، من الوعد والوعيد، والأمر والنهي، ونحوها " (١). ٢ ـ الكتاب: قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٣]، يقول السمعاني: "الكتاب القرآن، وسمي كتاباً؛ لأنه يجمع الآي والحروف، وهو من الكتب، وهو الجمع، ومنه: الكتيبة، وهي السرية؛ لاجتماعهم، ومنه يُقال: كتبت البغلة، إذا جمع بين شفريها بحلقة " (٢). ٣ ـ الفرقان: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني: " أي: القرآن، وسُمي القرآن فرقاناً لمعنيين: أحدهما: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والآخر: أن فيه بيان الحلال والحرام " (٣). ٤ ـ الحديث: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزُّمَر:٢٣]، يقول السمعاني: " أي: القرآن، وسماه حديثاً؛ لأنه حديث إنزاله، وقيل: أي: أحسن الكلام " (٤). ٥ ـ المبين: قال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزُّخرُف:١ - ٢]، يقول السمعاني: " هو القرآن، وسماه مبيناً؛ لأنه أبان فيه الهدى من الضلالة، والخير من الشر، وأبان فيه جميع ما يُؤتى، وجميع ما يُتقى " (٥)، والمبين: البين حلاله وحرامه، وقيل: البين رشده وغيه. (٦) ٦ ـ الروح: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، يقول السمعاني: "الروح هاهنا هو القرآن، سماه روحاً؛ لأنه تحيا به القلوب، وكالروح تحيا به النفوس ". (٧)

стр. 492

المطلب الثاني: التوراة والإنجيل والزبور: قال تعالى: إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) الأعلى ١٨ - ١٩، يقول السمعاني: أي: الكتب التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم وموسى، وقد أنزل على إبراهيم صحفا، وأنزل على موسى التوراة، فهي المراد بالآية (١)، فالتوراة بقيت محرفة في أيدي اليهود، وأما صحف إبراهيم فلم يُعرف منها اليوم شيء، كما نقله السيوطي عن أبي بكر الرازي (٢). فهو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة:٥٣]، والكتاب: التوراة، واختلف في الفرقان، فقيل: أراد به التوراة أيضاً، إلا أنه ذكرها باسمين. وقيل: أراد به الفرقان بين الحق والباطل، وقيل: أراد به انفراق البحر. (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨]، والفرقان: فيه قولان: أحدهما: التوراة، والآخر: البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، وقوله " وَضِيَاءً " فيها قراءتان: بالواو، وبغير الواو، فأما بالواو، فهو صفة أخرى للتوراة، إذا حملنا الفرقان على التوراة، وإن حملناه على البرهان، فمعناه: أعطيناه البرهان، وأعطيناه التوراة التي هي ضياء. فأما بغير الواو، فمعنى الفرقان على هذا ليس إلا التوراة، وضياء صفة لها. (٤) وأما أصل التوراة، فيقول السمعاني: " وأما التوراة أصلها: وورية من الورى، من قولهم: ورى الزند، إذا أضاء، وخرجت ناره، ويُقال: ورى زندي عند فلان، إذا أضاء أمره عند. فسمى وورية؛ لضيائها، وكونها نوراً، وقُلبت الواو تاء، فصارت تورية ". (٥)

стр. 493

والله تعالى كتب التوراة بيده، كما قال سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف:١٤٥]، وأراد به التوراة، وفي الخبر: " إن الله تعالى: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده" (١) (٢) وحُكي عن كعب الأحبار أنه قال: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، هذه أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١]، (٣) وقد وصف الله جل وعز التوراة بأنها إمام ورحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]، يقول السمعاني:" يعني: كانت إماماً ورحمة لمن ابتعها، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة للنبي ﷺ " (٤). ٣ ـ الإنجيل: الإنجيل من النجل، وهل الأصل، فُسمِّي به؛ لأنه كان أصلا من الأصول في العلم (٥). وهو الكتاب الذي أنزله الله تعالى، على نبيه عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠]، أي: الإنجيل (٦). وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد:٢٧]، أي: أعطيناه الإنجيل جملة. (٧) وغالب ما في الإنجيل من الأحكام، موافق لما في التوراة، إلا في أشياء معدودة. (٨) ٤ ـ الزبور:

стр. 494

وهو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى لداود ﵇، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، يقول السمعاني: " الزبور كتاب يشتمل على مائة وخمسين سورة، كلها تحميد، وتمجيد، وثناء على الله، ليس فيها أمر ولا نهي، ولا حلال ولا حرام " (١). وقال: " فالزبور: فعول بمعنى المفعول، وهو الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود، فيه التحميد، والتمجيد، والثناء على الله، والزبور: الكتابة، والزبرة قطعة الحديد، ويقال: ماله زبر، أي: ماله عقل " (٢)، ويُقال: أول كلمة في الزبور: رأس الحكمة، خشية الله تعالى. (٣)

стр. 495

المبحث الثاني: صفات القرآن الكريم: وصف الله جل وعلا كتابه العزيز، بعدة صفات، بيَّنها السمعاني في تفسره، منها: ١ ـ الحكمة: قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢]، يقول السمعاني: " يعني: والقرآن الذي أحكم بالأمر والنهي، والثواب والعقاب " (١)، وسُمي القرآن حكيماً؛ لأنه كالناطق بالحكمة. (٢) ٢ ـ الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٨]، قيل: هو القرآن. (٣) ٣ ـ شفاء ورحمة: قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، يقول السمعاني: " وأما المراد من الشفاء: هو الشفاء من الجهل بالعلم، ومن الضلالة بالهدى , ومن الشك باليقين. وقيل: المراد من الشفاء، هو الشفاء من المرض بالتبرك به، وقيل: إن معنى الشفاء: هو ظهور دليل الرسالة منه، بالإعجاز، عجيب النظم والتأليف. وقوله: " وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " أي: هو بركة، وبيان، وهدى للمؤمنين " (٤).

стр. 496

٤ ـ الهداية: قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]، يعني: أن القرآن الذي أنزله الله، يهدي إلى صراط العزيز الحميد، وهو الله تعالى (١). وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١٣]، أي: آمنا بالهدى، والهدى هو القرآن؛ لأنه يهدي الناس. (٢) ٥ ـ الكريم: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧]، أي: كثير الخير والبركة. (٣) ٦ ـ العزيز: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فُصِّلَت:٤١]، أي: كريم على الله، ويقال: كتاب أعزه الله. (٤) ٧ ـ العَليُّ: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخرُف:٤]، أي: القرآن في اللوح المحفوظ. وقوله: " لَدَيْنَا " أي: عندنا، " لَعَلِيٌّ ": أي: رفيع لا يناله أحد بتبديل ولا تغيير. وقوله " حَكِيمٌ " أي: أحكمت آياته، لا يُزاد فيها ولا ينقص. (٥) ٨ ـ المجيد: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج:٢١]، أي: هو المتجمع بخصال الخير (٦)، وقال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، أي: عظيم الكرم، ويقال: الكريم، وقيل: الرفيع، ومعناه: رفع القدر والمنزلة. (٧)

стр. 497

المبحث الثالث: إعجاز القرآن الكريم: لاشك، ولاريب، ولا مرية، أن القرآن الكريم مُعجز، وقد تحدى الله جل وعلا به الكفار، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]، يقول السمعاني: " وإنما قال هذا؛ لبيان المعجزة؛ لأن القرآن كان معجزة النبي ﷺ ، حيث عجز الكل عن الإتيان بمثله " (١). وكذب الكفار حيث قالوا بعد سماعهم القرآن: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال:٣١]؛ لأن القرآن مطمع ممتنع، فقد يتوهم صفوهم أنه يقول مثله، ويمتنع عليه ذلك، فيخطئ ظنه، ولربما توهم بجهله، أنه يمكنه الإتيان بمثله، ولكنه كان عاجزاً. (٢) ولا زال التحدي قائماً على الكفار، مرة بعد مرة، أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بسورة من مثله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨]، يقول السمعاني: " معنى الآية: هو الاحتجاج على الكفار بمعجزة القرآن، فإنهم كانوا يقولون: إن محمداً قد افتراه، فقال لهم: إن كان افتراه، وأتى به من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله " (٣). والمثلية هنا: في البلاغة، والنظم، وصحة المعنى. (٤) قال علي بن عيسى النحوي: البلاغة على ثلاث مراتب: المرتبة العليا: معجزة، والوسطى والأدنى ممكنة، والقرآن في المرتبة العليا من البلاغة. (٥)

стр. 498

وقال السمعاني مبينا وجه الإعجاز القرآني: وقد بينا وجه الإعجاز في القرآن من حيث النظم، والمعنى، والإخبار عن الغيوب، وغيره (١)، وحكى قولين في تفسير قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)، ومما له تعلق بهذا المبحث قال: وقيل: معنى الشفاء: هو ظهور دليل الرسالة منه بالإعجاز، وعجيب النظم والتأليف (٢) والعجيب أن الله تعالى تحداهم وهم أهل البلاغة، والفصاحة، والبيان، أن يأتوا بمثل سورة من القرآن، في الخبر عن الغيب والأحكام، والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم متحدياً، إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثل القرآن، في أخباره، وأحكامه، ووعده، ووعيده، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، يعني: مختلقات من غير خبر عن غيب، ولا حكم، ولا وعد، ولا وعيد، وإنما هي مجرد بلاغة، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣].

стр. 499

وقد أفاض العلماء في ذكر أوجه إعجاز القرآن الكريم (١)، ما بين بلاغته، وبيانه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، ومواعظه، وزواجره، وعلومه ومعارفه، وحفظه من أيدي العابثين، وتيسير حفظه وفهمه، وما انطوى عليه من الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، وما يحويه من روعة وهيبة تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، ولذا لا يمل سامعه، ولا يفتر قارئه، فتلذ له الأسماع، وتشغف له القلوب، " لا يأتيه التكذيب من الكتب المتقدمة، ولا يأتيه من بعده كتاب ينسخه ويرفعه " (٢). بل كانت الكتب السابقة كلها يصدق بعضها بعضاً، وجاء القرآن مصدقاً لها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٨٩]، والكتاب هو القرآن، وهو مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل (٣). وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٣]، يعني: القرآن مصدق لما قبله من التوراة والإنجيل. (٤) ولذا كان القرآن كله صدق وحق، ولا تناقض فيه ولا تفاوت، وكله بليغ صحيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد؛ لأنه ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَت:٤٢]، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، قال ابن عباس: ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت. (٥)

стр. 500

وقد رد السمعاني على القائلين بالصرفة، فقال: ولا نقول كما قال بعض المبتدعة: إن نفس القرآن ليس بمعجز، فإن فصاحة بعض الفحول من الشعراء الجاهلية، لا تكون دون فصاحته، وإنما الإعجاز في القرآن هو أن الله منع الخلق عن الاتيان بمثله مع قدرتهم عليه، وهذا قول باطل، وزعم كاذب، سمعت والدي ﵀ يقول: إن هذا قول اخترعه الجاحظ، ولم يسبقه إليه أحد (١).

стр. 501

المبحث الرابع: مسائل في القرآن الكريم: المطلب الأول: وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه: وصف الله جل وعلا القرآن الكريم في موضع بأنه كله محكم، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]، وفي موضع آخر بأنه كله متشابه، فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزُّمَر:٢٣]، ووصفه في موضع آخر، بأن منه محكم ومتشابه، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]. وفي هذا الموطن يُجيب السمعاني عن ما يرد إلى الذهن، من وقوع هذا الإشكال فيه. ولذا أورد هذا السؤال:" فإن قال قائل: كيف فرق هاهنا بين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل القرآن متشابهاً، وسمى الكل محكماً؟ " وأجاب عنه بأن معنى المتشابه في قوله تعالى:" كِتَابًا مُتَشَابِهًا " محمول على أنه يشبه بعضه بعضاً في الحق، والصدق، وصحة المعنى. ويقال: متشابهاً: الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة. وبكونه محكماً، كما في قوله تعالى: " أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ "، على معنى: أن الكل حق وجد، ليس فيه عبث ولا هزل (١)، وقيل: أُحكمت فليس فيها اختلاف ولا تناقض، وقيل: أحكمت فهي غير منسوخة، وقيل: أحكمت بالأمر والنهي، والحلال والحرام (٢).وقال السمعاني في وجه التسمية: وإنما سميت محكمات من الإحكام، كأنه أحكمها، فمنع الخلق من التصرف فيها؛ لظهورها ووضوح معناها (٣). ثم أورد السمعاني خلاف المفسرين في معنى كون القرآن بعضه محكماً، وبعضه متشابهاً، فقيل: ١ ـ المحكمات: الثلاث آيات في آخر سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ ... ﴾ [الأنعام:١٥١]، والمتشابهات: حروف التهجي في أوائل السور، وهو مروي عن ابن عباس ... ٢ ـ المحكمات: الحلال والحرام، وما سواه كله من المتشابهات؛ لأنه يشبه بعضه بعضاً في الحق، والتصديق، يصدق بعضه بعضاً، وهو قول عكرمة ومجاهد.

стр. 502

٣ ـ المحكمات: الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات، وهو قول ابن مسعود وابن عباس والضحاك. ٤ ـ المحكمات: ما أوقف الله تعالى الخلق على معناها، والمتشابهات: ما لا يُعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله تعالى، وهو قول جابر بن عبدالله الأنصاري. ٥ ـ المحكمات: ما لا يشتبه معناه، والمتشابهات: ما يشتبه ويلتبس معناه، وهو قول مجاهد. ٦ ـ المحكمات: ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابهات: ما لا يستقل بنفسه في المعنى، إلا بنوع استدلال، أو رد إلى غيره. (١) ٧ - المحكمات: التي لم تتكرر ألفاظها، والمتشابهات: التي تكررت ألفاظها، وهو قول عبدالرحمن بن زيد. ٨ - المحكمات: التي لا تحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، فلا تحتاج إلى نظر وتدبر، والمتشابهات: ما احتمل من التأويل أوجها، واحتاجت إلى تأمل وتفكر في الوقوف على المراد منها. ورجح السمعاني أن معنى المتشابه: هو ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، وكلفهم الإيمان به، والمحكم: مما أطلع العلماء عليه، وأوقفهم على المراد (٢). وبه رجح قراءة الوقف في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) , وأنه وقف تام، وأن الواو بعده واو الابتداء والاستئناف، وقال: وعليه إجماع القراء. وقد حكى السمعاني الخلاف في القراءتين الواردتين في الآية، والمحكيتين عن ابن عباس: الأولى: قراءة الوقف، والمروية عن طاووس عن ابن عباس، وهي المروية عن أبي بن كعب وعائشة، وهو قول الحسن وأكثر التابعين، وبه قال الكسائي، والفراء، والأخفش، وأبو عبيد، وأبو حاتم، واستدل لصحة هذا القول: بقراءة ابن عباس: (ويقول الراسخون في العلم آمنا به). الثانية: قراءة العطف، والمروية عن مجاهد عن ابن عباس، فالواو للنسق، والوقف يكون على قوله تعالى: (والراسخون في العلم)، ويكون المعنى: وأن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، وقال ابن عباس: وأنا ممن يعلمون تأويله (٣).

стр. 503

ولعل الأقرب ما ذكره بعض العلماء من التفصيل والجمع بين القولين، كما ذكره ابن كثير وغيره، بناء على معرفة المعنى المراد من التأويل: فإن كان المراد من التأويل: حقيقة الشيء وما يؤول إليه أمره، فهنا يكون الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله تعالى، ويكون قوله (والراسخون في العلم) مبتدأ، و (يقولون آمنا به) خبره. وإن كان المراد من التأويل: التفسير والتعبير عن الشيء، فيكون الوقف على قوله: (والراسخون في العلم)؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، فيكون قوله (يقولون آمنا به) حالا منهم (١). وقال ابن أبي العز: وكلتا القراءتين حق؛ ويراد بالأولى المتشابه في نفسه، الذي استأثر الله تعالى بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله (٢). وممن حقق القول في المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، فذكر بعض حكاية القولين في الآية، أنه لا تنافي بينهما، فقال: ولا منافاة بين القولين عند التحقيق؛ فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان: أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله، أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. الثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن. الثالث: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. ثم قال: إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد، هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد (٣).

стр. 504

المطلب الثاني: القرآن منزل غير مخلوق: وهذه هي العقيدة التي نصرها السمعاني في تفسيره، على مقتضى ظواهر نصوص القرآن، ثم أخذ يرد على المخالفين في هذا الباب. وقد اتفق علماء السلف، وأهل الملة، على أن القرآن كلام الله تعالى، منه بدأ، وإليه يعود، منزل غير مخلوق، وقد حكى الاتفاق جماعات من الأئمة: ـ يقول عمرو بن دينار (١): أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم، منذ سبعين سنة، يقولون: الله الخالق، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه خرج، وإليه يعود. (٢) ـ ويقول سفيان بن عيينة (٣): أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار، يقولون: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق. (٤) ـ ويقول ابن حجر: " وسبق ابن عيينة إلى ذلك، محمد بن كعب القرظي، وتبعه الإمام أحمد بن حنبل، وعبدالسلام بن عاصم، وطائفة. أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم " (٥). ـ ويقول الأشعري: " وأجمعوا على أن أمره ، وقوله غير محدث، ولا مخلوق، وقد دلَّ الله تعالى على صحة ذلك بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ففرق بين خلقه وأمره " (٦). ـ ويقول ابن تيمية: " واتفق سلف الأمة وأئمتها، على أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود " (٧). ـ ويقول الجرجاني في كتابه: اعتقاد أئمة الحديث: " ويقولون: كلام الله غير مخلوق " (٨).

стр. 505

وعلى هذا جرى قول المسلمين، وحصلت لأجله مناظرات، وتبعه ابتلاءات، لأئمة المسلمين؛ لإرغامهم على خلاف ما كان عليه السلف. وقد فارق أئمة المسلمين وسلفهم الجهمية والمعتزلة، القائلين بخلق القرآن، وحين انتشر فسادهم، وغلب في بعض الأزمان قولهم، تصدى لهم أئمة الإسلام، فردوا عليهم، وبينوا عوار قولهم، وفساد معتقدهم، فألفوا المؤلفات، وصنفوا المصنفات، في الرد على الجهمية والمعتزلة على جهة العموم، والخصوص في هذه المسألة. وأما معتقد إمامنا السمعاني في هذه المسألة، فقد أبانه وأوضحه، ثم رد على الجهمية والمعتزلة المخالفين لمنهج السلف وإجماعهم. ويُشار في هذا المقام، إلى أن بعض المعتزلة، قد يطلق على القرآن: أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق مفترى مكذوب، بل هو حق وصدق، ولا ريب في أن هذا المعنى منتفٍ باتفاق المسلمين. (١) ومذهب السمعاني جارياً على وفق كلام السلف، فيقول: ـ " مذهب أهل السنة، أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف " (٢). ـ " قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزُّمَر:٢٨]، روى الوالبي عن ابن عباس، أنه قال: " غَيْرَ ذِي عِوَجٍ " أي: غير مخلوق، وحكى سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين: أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق، وهذا اللفظ أيضاً منقول عن علي بن الحسين زين العابدين" (٣). وبعد أن بيَّن السمعاني مذهب أهل السنة، وحكى عليه الإجماع، كما قال: " والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعليه إجماع أهل السنة، وزعموا أن من قال: إنه مخلوق فهو كافر؛ لأن فيه نفي كلام الله تعالى " (٤) , وذكر قول المعتزلة، وتعلقهم الباطل، ببعض الدلائل القرآنية، فقال:

стр. 506

ـ " قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢]، استدل المعتزلة بهذا على أن القرآن مخلوق، وقالوا: كل محدث مخلوق. والجواب عنه: أن معنى قوله " مُحْدَثٍ " أي: مُحدث تنزيله، ذكره الأزهري وغيره، ويُقال: أنزل في زمان بعد زمان، قال الحسن البصري: كلما جدد لهم ذكر، استمروا على جهلهم، وذكر النقاش في تفسيره: إن الذكر المحدث ها هنا: ما ذكره النبي صلى الله عليه سلم، وبينه من السنن والمواعظ، الدلائل سوى القرآن، وأضافه إلى الرب؛ لأنه قاله بأمر الرب تعالى " (١).

стр. 507

ـ وقال: " قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخرُف:٣]، واستدل بهذا من زعم أن القرآن مخلوق، وذكر أن الجعل بمعنى الخلق، بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه:٥٣]، أي: خلق لكم، وعندنا أن هذا التعلق باطل، والقرآن كلام الله غير مخلوق. وقد ورد الجعل في القرآن، لا بمعنى الخلق، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزُّخرُف:١٩]، ومعناه: أنهم وصفوهم بالأنوثة، وليس المعنى أنهم خلقوهم " (١). ولذا كان هذا القول من شرِّ الأقوال، يقول وكيع:" لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر أقوالهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل " (٢)، يقول البخاري: " ولقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض معطليهم، فقضى باليمين على المسلم، فقال اليهودي: " حلِّفه بالخالق لا بالمخلوق، فإن هذا في القرآن، وزعمت أن القرآن مخلوق، فحلَّفه بالخالق، فبهت الآخر، وقال: قوما حتى انظر في أمركما، وخسر هنالك المبطلون " (٣). ومن الأدلة التي ذكرها البخاري، على أن كلام الله تعالى غير مخلوق، قال: " باب ما كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله، لا بكلام غيره، وقال نُعيم: لا يُستعاذ بالمخلوق، ولا بكلام العباد، والجن، والإنس، والملائكة، وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق، وأن سواه مخلوق " (٤).

стр. 508

المطلب الثالث: تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض: التفاضل في كلام الله تعالى، " هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم " (١)، ودلائله في القرآن الكريم أكثر من أن تُحصى. ولما كان المعتزلة يقولون بخلق القرآن، لم يمتنع عندهم أن يتفاضل؛ إذ المخلوقات لا يُنكر تفاضلها. وممن ذهب إلى هذا القول جماعة من العلماء، فقال به: إسحاق بن راهويه، وابن العربي، وابن الحصَّار، والقرطبي، وابن عقيل، وأبو يعلى، والحليمي، والبيهقي، والنووي، وابن تيمية، والزركشي. (٢). واحتجوا بالنصوص الواردة في القرآن والسنة، الدالة على التفاضل: ـ قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فالآيات تتماثل تارة، وتتفاضل تارة. ـ وقال النبي ﷺ : " يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معكم أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "، قال: فضرب على صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر ". (٣) في حين ذهب الأشاعرة، وبعض العلماء من أئمة السنة، إلى أن القرآن لا يتفاضل. قالوا: لأن القول بالتفاضل، يُشعر بنقص المفضول، والقرآن كله كلام الله تعالى. ويرى الإمام ابن تيمية، أن نشأة القول بإنكار التفاضل، إنما اشتهر بعد المائتين، لما أظهرت الجهمية القول بأن القرآن مخلوق (٤). يقول الآمدي عن الآية: " وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها، إذ القرآن كله خير لا تفاضل فيه، وإنما المراد به: ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو الأخف والأسهل في الأحكام " (٥).

стр. 509

والراجح ـ والعلم عند الله تعالى ـ هو القول الأول، المأثور عن السلف، إلا أن الزركشي حكى خلافاً عند القائلين بالتفضيل، هل هذا التفضيل عائد إلى ذات اللفظ، وما يحويه من المعاني العجيبة، أو هو عائد إلى مضاعفة الثواب، وعظم الأجر؟ قولان: ورجح الأول، وذلك: أن ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أعظم مما أخبر به عن خلقه، وما أمر فيه بالإيمان ونهي فيه عن الشرك، أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين، ونهى فيه الربا. (١) وأما الإمام السمعاني، فهو مع القول بالتفاضل، ولكنه أشار إلى أن وجه التفاضل، قد يظهر من جهة الإعجاز، أو من جهة الثواب، أو من جهة النفع والسهولة. قال:" فإن قيل: إيش معنى: " نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا " وآيات القرآن سواء، لا فضل لبعضها على بعض. وإن أراد به الخير والسهولة، فقد نسخ الأسهل بالأشق، مثل الصوم كان على التخيير بينه وبين الفدية، فنسخه بصوم رمضان على الحتم، فما معنى الخيرية؟ قلنا: قد قيل: تقديره: نأت منها بخير، أي نرفع آية، ونأتي بآية، والصحيح: أنه أراد بالخير الأفضل، يعني: في النفع والسهولة، ومعناه " نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا " أي: أنفع وأسهل، " أَوْ مِثْلِهَا " في النفع والسهولة. وأن نسخ الأسهل بالأشق، فمعنى الخير فيه بالثواب، فإن ثواب الأشق أكثر ... " (٢). ومما يدل على القول بالتفاضل على المعنى السابق عند السمعاني: ١ ـ ما ذكره في كتابه القواطع؛ حيث قال: " أن قوله: " نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا " يقتضي أن الذي يأتي به، خير من الآية المنسوخة على الإطلاق " (٣)، وفَسَّر الخيرية بما أشرنا إليه.

стр. 510

٢ ـ في تفسيره للآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحِجر:٨٧]، ذكر خلاف المفسرين في معنى السبع المثاني، ثم قال: " وأما قوله " وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ " المراد منه: سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة؛ لأنه خصها بالذكر والامتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن " (١)، ويُؤيد هذا مانقله الإمام ابن تيمية عنه من كتابه الاصطلام، في تقرير هذه المسألة، فيقول السمعاني كما نقله عنه ابن تيمية: " وأما قولهم: إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة، قلت: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص، بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين، مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة. وقال: وقد قال أصحابنا: إن قراءة الفاتحة لما وجبت في الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة؛ لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة، وهذه السورة أشرف السور؛ لأنها السبع المثاني ... " (٢). ٣ ـ استدلاله بحديث النبي ﷺ في فضل آية الكرسي، أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: أي آية أعظم في كتاب الله أعظم، فقال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، فقال ﵊: ليهنك العلم أبا المنذر " (٣). ٤ ـ وقوله في تفسير الآية الكريمة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]،: "سماها أحسن القصص لزيادة التشريف " (٤).

стр. 511

ومع ترجيح السمعاني لتفاضل القرآن في سوره وآياته، وحمله على أحد أوجه الخيرية، المشار إليها، من الثواب، أو السهولة، أو الإعجاز، إلا أن الإمام ابن تيمية قال لما حكى مثل هذا الكلام عن القاضي أبي يعلى: " قلت: بقي القول الثالث، وهو الحق، وهو التفاضل الحقيقي، كما نطقت به النصوص الصحيحة الصريحة " (١)، ولذا قال: " فلا يجوز أن يراد بالخير من جهة كونه أخف عملاً، أو أشق وأكثر ثواباً؛ لأن هذين الوصفين ثابتان لكل ما أمر الله به مبتدأ وناسخاً ... " (٢). إذن: " الصواب الذي عليه جمهور السلف والأئمة، أن بعض كلام الله أفضل من بعض، كما دَلَّ على ذلك الشرع والعقل " (٣). المطلب الرابع: القول بالمجاز في القرآن الكريم: المجاز نوع من البلاغة والبيان الراقي، ومع ذلك جرى خُلف في وقوعه من عدمه، في اللغة والقرآن والحديث، وقد حكى السمعاني إنكار وجوده في اللغة عن قوم، ورد عليهم، ثم نقل عن الجمهور القول بالمجاز في القرآن، وحكى خلاف أهل الظاهر ومن تبعهم في ذلك، وذكر حججهم، ورد عليهم. وبذا يظهر رأي السمعاني جليا في القول بالمجاز في اللغة والقرآن والحديث، ويدلل عليه بقوله: إن القرآن أنزل بلسان العرب، وفي إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب، يقتضي حسن خطابه إيانا فيه بلغتها، ما لم يكن فيه تنفير، والتنفير يكون بالكلام السخيف الذي ينسب قائله إلى المجون والغي، وليس هذا سبيل المجاز؛ لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر بالمجاز والاستعارة (٤). وعلى القول بالمجاز في القرآن، هل يُشكل على الآيات الواردة في الصفات؟ بمعنى أن يتعدى بحقيقة الكلام إلى مجازه، فيكون متأولا لنصوص الصفات على سياج المجاز.

стр. 512

لا يلزم من القول بالمجاز في القرآن، أن يتعدى به إلى آيات الصفات؛ فآيات الصفات باقية على حقيقتها؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة حتى يرد دليل إرادة المجاز، ولهذا يقول السمعاني: وإذا ثبت جواز المجاز في القرآن والسنة، فلكل مجاز حقيقة، وليس لكل حقيقة مجازا؛ لأن الحقيقة أصل المجاز، فافتقر المجاز إلى الحقيقة، ولم تفتقر الحقيقة إلى المجاز (١). ومما يدل على إبقاء السمعاني نصوص الصفات على حقائقها ما يلي: ١ - تعامله مع ظواهر هذه النصوص دون تأويل، وشاهده: ما ورد في كلامه عند تفسير قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) قال: (وجاء ربك) هو من المتشابه الذي يؤمن به ولا يُفسر، وقد أول بعضهم: وجاء أمر ربك، والصحيح ما ذكرنا (٢). ٢ - أنه حين أورد دليل القائلين بإنكار المجاز في القرآن، قال: وأما قولهم: إنه لو جاز ذلك، لجاز أن يُسمى الرب متجوزا أو مستعيرا، قلنا: عندنا لا يجوز أن يُسمى الرب تعالى، أو يوصف بوصف إلا الذي ورد به القرآن والسنة (٣). ٣ - استخدامه للمجاز في نفي معنى فاسد؛ كما في قوله تعالى: (إن الذين يُؤذون الله ورسوله) قال: وأصح القولين أن قوله: (يؤذون الله) على طريق المجاز، وأما على الحقيقة فلا يلحقه أذى من قبل أحد (٤). ٤ - عدم قبوله للمجاز في بعض التأويلات؛ كمن قال بالمجاز في قوله تعالى: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم)، فقال: قال بعض أهل العلم ظهور الآية منها كلام ونطق على وجه المجاز، لا أنها تتكلم، والأصح أنها تتكلم (٥)، ومثله في قوله تعالى: (قالتا أتينا طائعين)، قال: منهم من قال: هذا كله على طريق المجاز، وليس على طريق الحقيقة، وقال بعضهم: إن القول والإجابة على طريق الحقيقة، وهذا هو الأولى (٦). وبنظرة سريعة في تفسير السمعاني، يجد الناظر تعامل السمعاني الواسع لهذا الفن من البلاغة في تفسيره، ومن ذلك:

стр. 513

- قوله تعالى: (قال إني جاعلك للناس إماما)، قال السمعاني: يعني في الخير، وقد يكون الإمام في الشر على طريق المجاز (١). - وقوله تعالى: (أم على قلوب أقفالها)، قال السمعاني: بل على قلوب أقفالها، وهو على طريق المجاز (٢). - وقوله تعالى: (وجعلنا الليل لباسا)، قال السمعاني: أي سترا لكم، وهو مذكور على طريق المجاز (٣)، وغيرها كثير. الفصل الرابع: الإيمان بالرسل المبحث الأول: تعريف الرسول والنبي والفرق بينهما المطلب الأول: تعريف النبي والرسول المطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول المبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم ... وإثبات نبوتهم المبحث الثالث: خصائص الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام المطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة المطلب الثاني: الوحي المطلب الثالث: العصمة المطلب الرابع: المعجزات المطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد ﷺ الفصل الرابع: الإيمان بالرسل ﵈: الإيمان بالرسل ﵇، ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد، حتى يُؤمن بهم، ولذا فإن الله تعالى، " قد حتم على نفسه، ألا يقبل الإيمان إلا به، إلا مقروناً بالإيمان برسله، ومن لم يفعل ذلك فهو كافر، لقوله تعالى:" ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥١ - ١٥٢] " (٤).

стр. 514

الفصل الرابع: الإيمان بالرسل المبحث الأول: تعريف الرسول والنبي والفرق بينهما المطلب الأول: تعريف النبي والرسول المطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول المبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم ... وإثبات نبوتهم المبحث الثالث: خصائص الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام المطلب الأول: الخصائص والصفات المشتركة المطلب الثاني: الوحي المطلب الثالث: العصمة المطلب الرابع: المعجزات المطلب الخامس: الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم

стр. 515

الفصل الرابع: الإيمان بالرسل ﵈: الإيمان بالرسل ﵇، ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد، حتى يُؤمن بهم، ولذا فإن الله تعالى، " قد حتم على نفسه، ألا يقبل الإيمان إلا به، إلا مقروناً بالإيمان برسله، ومن لم يفعل ذلك فهو كافر، لقوله تعالى:" ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥١ - ١٥٢] " (١). والعجب كل العجب، لمن يزعم أنه لا فائدة في بعث الأنبياء؛ لأن العقل يُغني عنهم، ويهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة. أو من يرى أن حقيقة النبوة يرجع إلى المصلحة والحكمة، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق، وتقييدهم عن التقاتل والتنازع، والاسترسال في الشهوات، حتى قال بعضهم: فما أنا من العوام الجُهال، حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء، اتبع الحكمة، وأنا بصير بها، مستغنٍ فيها عن التقليد. (٢) وهؤلاء جهلوا أن " الرسالة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء. والرسالة روح العالم، ونوره، وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عُدم الروح، والحياة، والنور؟ والدنيا ملعونة، إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة " (٣). فلا بد من الأنبياء، ولا غنى عنهم بوجه ولا حال، بل حاجة الناس إلى الأنبياء، كحاجة الأعمى إلى الأولاد، فكما لا يمشي الأعمي إلى بدليل، فكذلك العقل أعمى في أمور الآخرة، لا يهتدي إليها إلا بدليل (٤). حتى إن بعض العلماء قال: إن الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة؛ لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل، بل بالسمع، فكان الكلام في النبوات أصلاً للكلام في الملائكة (٥). وهذا وإن قيل به، إلا أنه ترتيب واعتبار ذهني، لكن المراعى في ترتيب الآية القرآنية هو الترتيب الخارجي؛ لأن الملك يوجد أولاً، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول. (٦) فالإيمان بالرسل أصل معتبر في الإيمان، ويدخل تحته، الإيمان بنبوتهم، وصحة شرائعهم (٧)، والله جل وعلا قد شرح أحوال بعضهم، وأبهم أحوال الباقين، قال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨].

стр. 516

والإيمان واجب بكل الأنبياء، قال الضحاك: " علموا أولادكم أسماء الأنبياء المذكورين في القرآن، كي يؤمنوا بهم، ولا تظنوا أن الإيمان بمحمد يكفي عن الإيمان بسائر الأنبياء " (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد:٢١]، يقول السمعاني: " يعني: يؤمنون بجميع الأنبياء " (٢). والنبوة محض فضل من الله تعالى، على من يشاء من عباده، قال سبحانه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة:٩٠]، والفضل هو النبوة على الأنبياء. (٣) ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]، يقول السمعاني: " قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الرحمة بمعنى النبوة هاهنا " (٤). أما الفلاسفة فيرون أن النبوة مكتسبة، فصار كثير منهم يطلب أن يصير نبياً؛ لأن النبي عندهم تكون له كمال القوة العلمية، وكمال قوة السمع والبصر، وكمال قوة النفس، بحيث يعلم، ويسمع، ويبصر، ما يقصر غيره عنه، ويفعل في العالم بهمته، ما يعجز عنه غيره. (٥) وقد انصب اهتمام السمعاني في بيان هذا الركن على عدة جهات: ١ - تعريف النبوة والرسلة، والفرق بينهما. ٢ - معرفة أسماء الأنبياء الواردة في القرآن الكريم. ٣ - بيان خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأشار إلى عدة مسائل: (الوحي، والعصمة، والمعجزات). ٤ - خَصَّ نبينا محمد ﷺ بمزيد عناية وبيان، فأشار إلى: (أسمائه ونسبه، وبعض خصائصه، وحكم تنقصه وأذيته؟). والمتتبع لكلام السمعاني يجد التحقيق والتدقيق في المسائل، والسير على المنهج القرآني، وكلامه يُعد تأصيلا للمنهج الصحيح، وردا على المناهج والآراء المخالفة، سواء من أنكر النبوات مطلقا، أو أعمل عقله الفاسد في هذا الباب، وسيظهر في ثنايا هذ المبحث شيء من هذا.

стр. 517

المبحث الأول: تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما: المطلب الأول: تعريف النبي والرسول: المسألة الأولى: تعريف النبي: أ ـ في اللغة: يقول السمعاني: " وأصله الإنباء، فمن همز كان على الأصل، ومن لينه فلكثرة الاستعمال. وقيل: هو مأخوذ من النَبْوَة، وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون التليين على الأصل " (١). قال ابن الأنباري: " النبي معناه في كلام العرب: الرفيع الشأن، أُخذ من النباوة، والنباوة: ما ارتفع من الأرض. ويجوز أن يكون النبي سُمي نبياً؛ لبيان أمره، ووضوح خبره، أخذ من النبي، وهو عندهم الطريق. ويجوز أن يكون النبي سُمي نبياً؛ لأنه يُنبئ عن الله ، أي يخبر عنه، أُخذ من النبأ، وهو الخبر " (٢). ب ـ في الاصطلاح: يقول السمعاني: " النبي: هو العالي في الرتبة، بإرسال الله إياه، وإقامة الدليل على صدقه" (٣). ويقول الكفوي: " وأما مسماه في العرف: فهو حر، ذكر، من بني آدم، سليم من منفر، معصوم ولو من صغيرة سهواً قبل النبوة، وعن كل رذيلة، أكمل معاصريه غير الرسل، اصطفاه الله من بين عباده، وخصه منه بمشيئته موهبة منه ورحمة، وأوحى إليه بشرع، سواء أمره بتبليغه أم لا " (٤).

стр. 518

المسألة الثانية: تعريف الرسول: أ ـ في اللغة: يُقال الرسول، وجمعه رُسُل وأرسل. والرسالة: ما حمله الرسول، والجمع رسائل. (١) وقال ابن الأنباري: " الرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أُخذ من قول العرب: قد جاءت الإبل رَسَلاً، إذا جاءت متتابعة. والرسول يُقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه رسل، ومن العرب من يوحده في موضع الثنية والجمع " (٢). وسُمي الرسول رسولاً؛ لأنه ذو رسول، أي: ذو رسالة (٣). وقال الراغب: " أصل الرِّسْل: الانبعاث على التؤدة، ويقال: ناقة رِسْلَة: سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثاً سهلاً، ومنه الرسول المنبعث ... وجمع الرسول رسل، ورسل الله تارة يراد بها الملائكة، وتارة يراد بها الأنبياء " (٤). ب ـ في الاصطلاح: هو الذي ينبئه الله، ثم يأمره بأن يبلغ رسالته، من خالف أمره. (٥) وفي التعريفات: " الرسول: إنسان بعثه الله إلى الخلق؛ لتبليغ الأحكام " (٦). المطلب الثاني: الفرق بين النبي والرسول: ذكر السمعاني خِلافاً عند المفسرين، في لفظ النبي والرسول، هل بينهما فرق أم لا؟ فقال: " فقال بعضهم: هما سواء، وفرق بعضهم بينهما، فقال: " الرسول: هو الذي يأتيه جبريل ﵇ بالوحي، والنبي: هو الذي يأتيه الوحي في المنام، أو يلهم إلهاماً. ومنهم من قال: الرسول هو الذي له شريعة يحفظها، والنبي هو الذي بُعث على شريعة غيره فيحفظها، وقد قالوا: كل رسول نبي، وليس كل نبي برسول " (٧).

стр. 519

والسمعاني بهذا يشير إلى الأقوال التي قيلت في هذه المسألة , وقد نُسِبَ القول الأول إلى المعتزلة، فقد صَرَّح القاضي عبدالجبار بأنه لا فرق بين الرسول والنبي من جهة الاصطلاح (١)، وقال الرازي: " وقالت المعتزلة: كل رسول نبي، وكل نبي رسول، ولا فرق بينهما " (٢)، وقد خالف الزمخشري جمهور المعتزلة في هذا، وقال بالتفريق بينهما (٣). والأشاعرة يوافقون أهل السنة في التفرقة بين الرسول والنبي، ثم ذكروا في الفرق بينهما أقوالاً، ذكرها الرازي في تفسيره، وذكر شارح الطحاوية أن أحسن ما قيل في الفرق بينهما، " أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغ غيره فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول " (٤)، واعتراض الشيخ الأمين الشنقيطي على هذا التفسير (٥)، بدلالة قول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢]؛ لأنه يدل على أن كلا منهما مرسل. وقد أجاب بعض العلماء عن الاستدلال بهذه الآية، في اعتراضهم على الفرق السابق، فقال: " أصحاب التعريف السابق لا يمنعون إرسال النبي، ولكن هل النبي بعد الإرسال، ظل نبياً أم ارتقى وأصبح رسولاً؟ فإن قال بعد الإرسال ما زال نبياً، فهذا محل نظر، ولهذا فلا ينهض استدلاله لنقد رأي الجمهور " (٦).

стр. 520

المبحث الثاني: أسماء الأنبياء الواردة في القرآن، وإثبات نبوتهم: تتبع السمعاني أسماء الأنبياء ﵈ الواردة في القرآن، وبيَّن معانيها، وبعض خصائصها، وليس المقصود مجرد السرد، بل لما يترتب عليه من وجوب الإيمان بمن علمنا أسماءهم على وجه الخصوص، والإيمان بالجملة لمن لم ترد أسماءهم، مع وجوب الوقوف عند الوارد، دون الخوض عما وراء ذلك. وليس المقصود كذلك بسط قصص الأنبياء وبيان أحوالهم، فهذا له مقام آخر، لكن المقصود إثبات نبوءاتهم في القرآن الكريم، ومنهم: ١ ـ محمد وأحمد: ويأتي بيانها في مبحث خاص. ٢ ـ آدم: ورد اسمه في القرآن الكريم في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]: ـ وإنما سُمي آدم؛ لأنه خُلق من أديم الأرض. (١) ـ وقد اصطفاه الله جل وعز، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران:٣٣]، والاصطفاء: الاختيار، والصفوة الخيرة، ولِمَ اختار آدم؟ اختلفوا: فمنهم من قال: اختاره للدين، ومنهم من قال: اختاره للنبوة. فإن قال قائل: إلى من كان مبعوثاً؟ قيل: للملائكة، حتى علمهم الأسماء، وإلى أولاده. (٢) ـ واتفق المفسرون أنه هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وذكر السمعاني خلاف العلماء في سبب تسميته خليفة، ثم رجح القول الثالث، فقال: "وقيل: إنما سُمي خليفة؛ لأنه خليفة الله في الأرض؛ لإقامة أحكامه، وتنفيذ قضاياه. وهذا هو الأصح " (٣). وذكر السمعاني بعضاً من الدلالات القرآنية التي تدل على نبوته، منها: أ ـ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، يقول السمعاني: " وأما من الناس فهم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم، صلوات الله عليهم " (٤).

стр. 521

ب ـ وقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء:١٠٥]: نوح أول رسول أرسل الله تعالى. قال السمعاني: "وهذا محمول على أنه أول رسول أرسله الله تعالى بعد آدم ". (١) ٣ ـ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ: قيل سُمي نوحاً؛ لكثرة نوحه على نفسه، وقيل: كان اسمه عبدالغفار. (٢) وهو صاحب شريعة، روي عن ابن عباس قال: بعث الله نوحاً وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستين سنة، وتوفاه الله تعالى، وهو ابن ألف وخمسين سنة، وفي رواية: أن عمر نوح كان ألف وأربعمائة وخمسين سنة، وبُعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة (٣)، وقيل: إنه بعث وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. (٤) ومما استدل به السمعاني على نبوة نوح ﵇، والدلائل كثيرة متظافرة، قول تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود:٢٨]، يقول السمعاني: " الرحمة ها هنا هي النبوة والهدى " (٥). ٤ ـ إدريس: قيل: هو أبو جد نوح، يُسمى إدريس، لكثرة درسه الكتب. وقال محمد بن إسحاق: هو أول من خط بالقلم، وأول من لبس الثياب، وكان من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار. (٦) ـ وهل إلياس الوارد ذكره في القرآن، هو إدريس؟. ذكر السمعاني قولين للعلماء: أحدهما: أنه إدريس، ونسبه لابن مسعود، ورجح الآخر: وهو أنه رجل آخر. (٧) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣]، قال السمعاني: "إن إلياس كان من ولد هارون، وبعثه الله إلى بني إسرائيل، وياقل بعثه الله إلى بعلبك، وهي بلدة، وكان أهلها يعبدون صنماً يُسمى بعلاً ". (٨)

стр. 522

ـ واختلف في إدريس هو حي أو ميت؟ وذكر السمعاني قولين في المسألة: أحدهما: أنه حي، والآخر: أنه ميت، ثم قال: وهذا قول معروف. (١) ٥ ـ إبراهيم وآله: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣]، يقول السمعاني: " وآل إبراهيم: هم إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب. وآل عمران: موسى وهارون، وآل عمران من آل إبراهيم، وقيل: أراد به عيسى؛ لأنه ابن مريم بنت عمران" (٢). ـ وقد أمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:١٢٥]، يقول السمعاني: " وإنما خصَّ إبراهيم؛ لأنه كان مقبول الأمم أجمع " (٣). والله جل وعز قد اصطفى آل إبراهيم، وآتاهم النبوة، قال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:٥٤]، يقول السمعاني: " أراد بآل إبراهيم: داود، وسليمان، والكتاب: هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما الحكمة، قيل: هي النبوة، وقيل: هي السنة " (٤). ـ وقد أثنى الله تعالى على نبيه إبراهيم ﵇، ووصفه بعدة صفات: ١ ـ بأنه أمة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢٢]، وهذه مجموعة صفات امتاز بها خليل الرحمن (إبراهيم ﵇: ـ كان أمة: وهو المعلم للخير، وهو الذي يقتدى به ويُؤتم. ـ قانتاً: أي: مطيعاً لله، وقيل: قائماً بأوامره، وقيل: دائماً على العبادة. ـ حنيفاً: أي: مخلصاً، وقيل: مستقيماً على الدين.

стр. 523

ـ ولم يك من المشركين: أي: ممن يعبد الأصنام، وقيل: كان يرى العطاء والمنع من الله. وحسنة الدنيا، قيل: هي النبوة، وقيل: لسان الصدق، وقيل التنويه لذكره لطاعة ربه، وقيل: قبول كل أهل الملل له، وقيل: ضيافته، ودعاء الناس له إلى يوم القيامة. (١) ٢ ـ صديق: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم:٤١]، الصديق: كثير الصدق، القائم عليه. (٢) ٣ ـ أعطاه الله أجره في الدنيا: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٧]، يقول السمعاني: " أي الثناء الحسن، وقال قتادة: هو قبول كل أهل الأديان له، ورضاهم به، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: هو أنه أُرِي مكانه في الجنة، وقيل: إنه جعل الأنبياء من أولاده" (٣). ولذلك يُقال: إن الله تعالى لم يبعث نبياً بعد إبراهيم، إلا من نسله. (٤) أ ـ إسحاق: قال تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف:٦]، يعني: كما جعلهما نبيين من قبل، كذلك يجعلك نبياً. (٥) وقال تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]، أي: أعطيناه أولاداً كراماً بررة، عِوَض الذين كان يدعوهم إلى عبادة الله فلم يجيبوا. (٦) وقد ذكر السمعاني خلاف المفسرين في الذبيح. من هو؟ إسحاق أم إسماعيل؟ فذهب قوم إلى أنه إسحاق ﵇، وهو قول علي، وابن مسعود، وكعب، وقتادة، وجماعة. وذهب جماعة إلى أنه إسماعيل ﵇، وهو مروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، الحسن، وغيرهم.

стр. 524

وذكر السمعاني أن قوله تعالى، بعد سرد قصة الذبيح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢]، هي مستدل من قال بأن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه ذكر قصة الذبيح بتمامها، ثم قال: " وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ "، فدل على أنه كان غير إسحاق. وأما من قال إنه إسحاق، فقالوا: إن البشارة هنا وقعت بالنبوة لإسحاق، والبشارة الأولى، بولادته، وإعطائه إياه. (١) وهذه المسألة كما أشار السمعاني، أنها محل نزاع قديم، حتى أٌلفت فيها المؤلفات، ومع ذلك لم يرد فيها نص صريح صحيح، يُقطع به النزاع، ولذا جرى الخلاف عن اجتهاد، وحسن نية، وقد يكون عند بعضهم عن عصبية، وسوء طوية. وهذه المسألة ليست من الأحكام، ولا من أصول الدين، وإنما هي من محاسن الشريعة، وتوابعها، ومتمماتها، لا أمهاتها، كما أشار إليه ابن العربي (٢). فالمسألة اجتهادية، " لا يترتب على الجهل بها خطر على العقيدة، ولا أثر لها في حياة الناس، فأي ابني إبراهيم كان الذبيح، كان فيه وفي أبيه العبرة، وبهما تكون القدوة في الصبر على البلاء، وإيثار طاعة الله. ولا يشين ذلك من لم يكن الذبيح، ولا ينقص قدره، كما أنه لم ينقص قدر كثير من الأنبياء والمرسلين، أنهم لم يحصل لهم مثل ذلك، فالمزية بعينها تدل على الفضيلة، لكنها لا تدل على الأفضلية " (٣). وقد ذهب بعض العلماء إلى التوقف في هذه المسألة، قال الزجاج: " الله أعلم أيهما كان الذبيح " (٤)، ورجح الشوكاني هذا القول في تفسيره، وقال:" الوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، وفيه السلامة من الترجيح بلا مرجح، ومن الاستدلال بما هو محتمل " (٥).

стр. 525

ومع احتمال المسألة، وتباين الأراء فيها، إلا أن الأقرب ـ والله أعلم ـ أن الذبيح هو إسماعيل؛ لاعتبارات كثيرة أشار إليها العلماء، حتى قال ابن القيم: " القول بأنه إسحاق، فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب " (١)، وقال ابن كثير: " وقد ذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحُكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلماً من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل " (٢). ب ـ إسماعيل: أصلة اسمع إيل، وذلك أن إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ كان يدعو الله أن يرزقه ولدا، ويقول: اسمع إيل، فلما رزقه الله الولد سماه إسماعيل. (٣) وقد أثنى الله عليه، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، يقول السمعاني: " الأكثرون أن هذا، إسماعيل بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن حزقيل، نبي آخر، فإن إسماعيل بن إبراهيم توفي قبل إبراهيم. والصحيح: هو القول الأول، وقد كان بُعث إلى جرهم وهي قبيلة، وأما وفاته قبل إبراهيم لاتعرف". (٤)

стр. 526

ج ـ يعقوب: وله في القرآن اسمان: يعقوب، وإسرائيل، ومعنى إسرائيل عبدالله (١)، وقد رجح السمعاني أن أبناء يعقوب كلهم أنبياء، قال: " فإن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء" (٢)، وقد ذكر القرطبي الخلاف فيهم، فقال: " أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولاً ولا آخراً؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا، وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي، فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده، أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه، والله أعلم " (٣). ٦ ـ داود بن إيشا: جمع الله تعالى له بين الملك والحكمة، قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:٢٥١]، يقول السمعاني: " جمع لداود بين الملك والحكمة، يعني: النبوة، قيل بعده بسبع سنين، ولم يكن من قبل مجتمعاً، بل كان الملك في سبط، والنبوة في سبط " (٤)، وقد أعطاه الله علماً، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، أي: علم القضاء، وعلم منطق الطير، ومنطق الدواب (٥)، واختصه الله تعالى بالفضل، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ:١٠]، قيل: هو النبوة، وقيل: الملك، وقيل: القضاء بالعدل، وقيل: حسن الصوت، وقيل: تليين الحديد له، وجميع ما أعطي وخص به. (٦)

стр. 527

٧ ـ سليمان: وقد ورث سليمان من والده داود، الملك والنبوة، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل:١٦]، قال السمعاني: " المراد منه: إرث الملك والنبوة " (١)، وقد آتاهم الله جل وعلا ملكاً عظيماً، قيل: هو تحليل الزوجات، وقيل: هو ملك سليمان، وقيل: المراد به، تأييدهم بالجنود من الملائكة (٢). واختلف في مدة ملك سليمان: فروي أن الملك وصل إليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وفي بعض الروايات، عن أبي جعفر بن محمد بن علي: أنه ملك سبعمائة سنة، قال السمعاني: " وهذه رواية غريبة " (٣). ٨ ـ يوسف: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤]، وهو يوسف بن يعقوب نبي الله، وذلك: أن الله بعث إليهم يوسف رسولاً، فدعاهم إلى الله تعالى، ومكث فيهم عشرين سنة بعد وفاة يعقوب ﵇ (٤). وقال السمعاني في موطن آخر: " وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في نيل مصر " (٥). ٩ ـ موسى: اسم عبري، و (مو) باللغة العبرية هو الماء، و (شي) هو الشجر، فسمي (موشي)؛ لأنه أُخذ من الماء والشجر، ثم قلب الشين سيناً في العربية، فصار موسى (٦). وهو نبي بني إسرائيل، قال تعالى عنه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:٢١]، أي: النبوة والعلم. (٧)

стр. 528

١٠ ـ يحيى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء:٩٠]، قيل: سمي يحيى؛ لأن رحمها حيَّ بالولد (١). وقد سمَّاه الله يحيى قبل أن يولد (٢)، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، يعني: من تسمى باسمه، فإن قيل: فأي فضيلة له في هذا؟ قلنا: فضيلة التخصيص، وقيل فضيلة تسمية الله إياه بهذا الاسم (٣). والله جل وعلا آتاه الحكم صبياً، كما قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، يقول السمعاني: " أي النبوة، وهو قول أكثر المفسرين " (٤). ١١ ـ شعيب: بُعث إلى أهل مدين، وأهل الأيكة، فأما أهل مدين أهلكوا بالصيحة، وأما أهل الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة (٥)، وقد رزقه الله رزقاً حسناً، فقيل: كان كثير المال، وقيل: الرزق الحسن هنا النبوة. (٦) ١٢ ـ صالح: بعثه الله إلى أهل ثمود، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحِجر:٨٠]، يقول السمعاني: " الْمُرْسَلِينَ " المراد به، صالح ﵇ (٧)، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود:٦٣]، والرحمة هاهنا: بمعنى النبوة. (٨) وقيل: إن قوم صالح لما أهلكهم الله تعالى، جاء صالح مكة، وتوفي بها، وكذلك هود ﵇. (٩)

стр. 529

١٣ ـ هود: أرسله الله إلى عاد، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١]، وهو هود ﵇، وكان أخاهم في النسب لا في الدين (١). وهم عاد الأولى، وثمود هم عاد الأخرى (٢)، وقيل: إن عاداً الأولى عاد إرم، وعاد الثانية، المعروفة الذين أرسل إليهم هود ﵇. (٣) ١٤ ـ لوط: أرسله الله إلى المؤتفكات، سميت مؤتفكات؛ لأن الله تعالى قلبها بهم (٤). ولوط هو ابن أخي إبراهيم ﵉ (٥). قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٣]، أي: من جملة المرسلين، وهم الأنبياء (٦). واختلف المفسرون: هل آمن معه أحد؟! فقيل: لم يكن آمن به أحد إلا ابنتاه، قال ابن عباس: إنه ما من نبي إلا ويكون معه أمة يوم القيامة، سوى لوط ﵇، فإنه يأتي وحده. وقيل: إنه كان آمن به بضع عشرة نفساً. (٧) ١٥ ـ يونس: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٩]، أي: من جملة رسل الله. (٨) وهل كان نبياً قبل حادثة الحوت أو بعدها؟ قيل: كانت نبوته بعد أن أخرجه الله تعالى من بطن الحوت، قال السمعاني: " والأصح: أنه كان نبياً من قبل، وقد دَلَّ على هذا قوله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠]، وأما البلد الذي أرسل إليه فهو نينوى من بلاد الموصل". (٩)

стр. 530

١٦ ـ هارون أخو موسى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]، قيل: إنما سمى نبوة هارون لموسى؛ لأن موسى كان قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]، (١) وقيل: كان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، فكان أفصح منه لساناً، وأجمل منه وجهاً، وأوسم وأبيض، وكان موسى آدم، أقنى، جعداً. (٢) ١٧ ـ عيسى: يقول السمعاني: " وأما عيسى له اسمان: عيسى، والمسيح " (٣)، وعيسى كلمة الله، ومعنى كونه كلمة الله: ـ أن يكون بكلمة من الله، حيث قال له: كن فكان، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر، وإلقاء نطفة. ـ وقيل: أنه كلمة الله بمعنى أنه يُهتدى به، كما يهتدى بكلام الله.
следующие страницы →