← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والذي يترجح في هذه المسائل ـ والعلم عند الله تعالى ـ: أن الذي يوزن، الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، يقول ابن كثير: " وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها ". (١) وأن الميزان واحد، وإنما جاء اللفظ بالجمع، باعتبار تعدد الموزون. (٢) وبقي أن نشير إلى أن السمعاني أورد قضيتين: الأولى: فيما يتعلق بوزن أعمال الكفار، فقد أورد تساؤلاً في التوفيق بين قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]، وبين قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، فأجاب عنه: بأن المعنى: أي: لا يستقيم وزنهم على الحق، فإن ميزانهم شائل ناقص خفيف (٣). وهذه المسألة محل خلاف عند العلماء، وما ذكره السمعاني هو الراجح ـ والعلم عند الله ـ وذلك أنها توزن، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم؛ لإظهار شقائهم، وفضيحتهم على رؤوس الخلائق. (٤) والثانية: أشار السمعاني إلى بعض صفات الميزان، وهو أن له لسانا وكفتين، أما الكفتان فقد ذكر ابن القطان إجماع العلماء على ذلك، فقال: " وأجمعوا أن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة " (٥)، وأما اللسان فهو وارد عن ابن عباس وجماعة. (٦) ٣ ـ وأجمع العلماء على أن الخلق يُؤتون بصحف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حساباً يسيراً، ومن أوتي كتابه بشماله، فأولئك يصلون سعيراً. (٧) وقد أثبت السمعاني هذا المعنى المجمع عليه، وقال: " الكتاب: هو صحيفة الحسنات والسيئات ". (٨)

стр. 597

واستدل له بكثير من دلائل القرآن الكريم، والسنة المطهرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، قال قتادة: أي: فملاق عملك من خير وشر، ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، أي: هيناً، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠]، قال مجاهد: يخلع يده اليمنى، ويجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيوضع كتابه فيها، وقال الكلبي: تُغل يده اليمنى، ويوضع كتابه في شماله وراء ظهره. (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]، يقول السمعاني: " يعني على الخلائق، فمنهم من يُعطى بيمينه، ومنهم من يُعطى بشماله " (٢)، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، أي: يُظهر ما عملتم بالحق. (٣) ٤ ـ وأجمع العلماء على أن الصراط حق، وهو جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون بالإبطاء والسرعة على قدر ذلك. (٤)

стр. 598

والسمعاني أثبته بصفاته الواردة، فقال عند تفسير قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]، قال الحسن البصري: على الصراط، وعن ابن مسعود، قال: نور كل إنسان على قدر عمله، وعن ابن عباس في رواية الضحاك قال: الصراط في دقة الشعرة، وحدة الشفرة، والمؤمنون يمرون عليه، ونورهم من بين أيديهم، بعضهم كالبرق، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالطير، وبعضهم كحضرة الفرس " (١)، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، يقول السمعاني: " فإن قيل: كيف قال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، ثم قال: " وَقِفُوهُمْ "؟ قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويُقال: إن هذا أشد في التعذيب والتوبيخ ". (٢) ٥ ـ وأجمع العلماء على أن للنبي ﷺ حوضاً ترده أمته يوم القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ويُذاد عنه من بَدَّل وغَيَّر بعده. (٣)

стр. 599

وقد أثبت السمعاني الحوض بصفاته الواردة في السنة النبوية المطهرة، وذكر خلاف العلماء في الكوثر، هل هو الحوض أم لا؟!. وذكر حديث أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل عليَّ آنفاً سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر:١ - ٣]، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر وعدنيه ربي خيراً كثيراً، هو حوض ترد عليه أُمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (١)، ثم ذكر خلافاً عند العلماء، فذكر أنه نهر في الجنة، وقيل: إن الخير الكثير، وقيل: القرآن، وقيل: العلم والقرآن. (٢) وقال القرطبي: " والصحيح: أن للنبي ﷺ حوضين، وكلاهما يُسمى كوثراً، وأن الحوض الذي يُذاد عنه من بَدَّل وغيَّر، يكون في الموقف قبل الصراط ". (٣) ٦ ـ والشفاعة حق، فقد أجمع العلماء على الإيمان بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته (٤). وقد أثبت السمعاني الشفاعة بأنواعها، وجمع بين النصوص الواردة في إثبات الشفاعة ونفيها، ونُجمل عقيدة السمعاني في الشفاعة في أمور: أ ـ أن الشفاعة لله جميعاً، كما قال جل وعز: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر:٤٤]، يقول السمعاني: " معناه: أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه، فالشفاعة من عنده؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه". (٥)

стр. 600

ب ـ أن الشفاعة حق، ومن أنكرها فهو ضال مبتدع، يقول السمعاني: " والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة ". (١) ج ـ وأن الشفاعة قسمان: أولًا: شفاعة منفية: وهي شفاعة الكفار، قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، يقول السمعاني: " أراد بقوله: " وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ " في قوم مخصوصين، وهم اليهود والنصارى " (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر:٤٨]، يقول السمعاني معللاً ذلك: " لأنهم كفرة، فلا يكون لهم شفيع ولو كان لم ينفعهم. وفي التفسير: أن هذا حين يخرج قوم من المؤمنين من النار، بشفاعة الأنبياء والرسل، والملائكة، والعلماء والصديقين، وكل هذا مروي في الأخبار، ويبقى الكفار في النار على الخصوص ". (٣) ثانياً: الشفاعة المثبتة: وهي ما اجتمع فيها شرطان: ١ ـ إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، ٢ ـ ورضاه عن المشفوع له، واستدل لها السمعاني بجملة من النصوص، منها: قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، يقول السمعاني: " والمعنى أنهم لا يملكون الشفاعة لأحد، حتى يأذن الله فيه ويرضاه " (٤).

стр. 601

د ـ إثبات الشفاعة للنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، يقول السمعاني:" أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ " (١)، وأثبت شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، خلافاً لما ذهب إليه المنكرون. هـ ـ وأثبت الشفاعة لغير النبي ﷺ ، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنهم الأصدقاء، قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، يقول السمعاني: " في الأخبار: أن المؤمنين يشفعون للمذنبين، وكذا الملائكة والأنبياء. وعن الحسن البصري قال: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن لهم شفاعة يوم القيامة، والصديق هو الصادق في المودة على شرط الدين ". (٢) ٧ ـ وحساب الله جل وعلا للخلائق يوم القيامة، من الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من الأئمة: يقول الإمام ابن تيمية: " .. الجنة والنار، والبعث، والحساب ... فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة" (٣)، ويقول الإمام ابن أبي زمنين: " ومن قول أهل السنة: أن الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة، ويسألهم مشافهة منه إليهم " (٤)، ويقول العلامة القصري عن هذه الشعبة، وهي الإيمان بالحساب: " أما كون هذه الشعبة من الإيمان فبَيِّن؛ لإجماع أهل الشرائع عليه ". (٥) والسمعاني في تفسيره، جارٍ على ما اتفق عليه السلف، من الإيمان بالحساب يوم القيامة، ومما أشار إليه في هذا المقام:

стр. 602

أ ـ أن الله جل وعلا، هو متولي الحساب يوم القيامة (١)، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥]، أي: حسابهم العدل. (٢) ب ـ وأن الحساب يوم القيامة، موصوف بعدة أوصاف: ـ سرعته: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢]، نقل السمعاني عن أهل التفسير معنى سرعة الحساب، فقال: " قال أهل التفسير: يحاسب العباد أسرع من لمح البصر. وقال أهل المعاني: يُحاسب العباد من غير تدبير ولا رؤية؛ لكونه عالماً بما للعباد، وما على العباد، فلا يحتاج إلى رؤية ". (٣) وقال في مقام آخر: " معناه: سريع المجازاة، وحقيقة الحساب: إحصاء ما عمله الإنسان من خير أو شر، ليجازى عليه " (٤)، وقال أيضاً في بيانه: " في التفسير: أن الله تعالى يحاسبهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وعن الضحاك: ما بين صلاتين، وقيل بقدر شربة ماء". (٥) ـ سوؤه وشدته: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨]، رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال لفرقد: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟ هو أن يُحاسب على جميع الذنوب، ولا يغفر منها شيئاً، وقيل: إن سوء الحساب: هو أن لا يقبل حسنة، ولا يعفو عن سيئة". (٦) ـ يُسْره: قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، أي: هيناً، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، ويتجاوز عن السيئات، وقد فسره النبي ﷺ بالعرض، أما من نوقش الحساب فقد هلك ". (٧) (٨)

стр. 603

ج ـ ذكر السمعاني خلاف المفسرين في سؤال الكفار وحسابهم، فقال: ـ عن قتادة قال: الكافر لا يُحاسب، بل يُؤمر به إلى النار من غير حساب ولا سؤال. ـ وقال بعضهم: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]؛ لأنهم يُعرفون بسيماهم. ـ وقيل: لا يُسألون سؤال استعلام، وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ. ـ ويُقال: لا يُسألون سؤال لمن له عذر في الجواب، وإنما يُسألون على معنى إظهار قبائحهم، ليفتضحوا على رؤوس الجميع (١)، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، يقول السمعاني: هذا سؤال توبيخ، لا سؤال استعلام، يعني نسألهم عما عملوا فيما بلغهم، " ولنسألن المرسلين " عن الإبلاغ ". (٢) وأشار السمعاني إلى أن في القيامة مواقف، فموقف يُسألون، وموقف لا يسألون. (٣) ٨ ـ أجمع العلماء على أن الله جل وعلا، يحشر الخلائق يوم القيامة، ويعيدهم كما بدأهم، حفاة، عراة، غرلاً (٤). والحشر يوم القيامة حق. يقول السمعاني: " أما حشر الجن والإنس، حق يجب الإيمان به " (٥)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦]، يقول السمعاني: " الحشر: جمع الأقوام من كل صقع في محل واحد ". (٦)

стр. 604

وقرر السمعاني مسائل الحشر، على وفق الظواهر القرآنية، على ما أجمع عليه السلف، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]: " ولا شك في حشر البهائم والحيوانات يوم القيامة " (١)، وأن الناس يُحشرون يوم القيامة بأتم خلق، مصححة الأجساد؛ لخلود الأبد، وقد جاء في الخبر عن النبي ﷺ : " تُحشرون يوم القيامة حفاة، عراة، غرلاً، بهماً " (٢)، يقول السمعاني: " وقوله: بهماً، أي: مصححة الأجساد للخلود ". (٣) وذكر السمعاني صفة حشر الناس يوم القيامة، فقال: " في الأخبار: أن الناس يحشرون ثلاثة أصناف: صنف، ركباناً، وصنف مشاة، وصنف على وجهوهم ". (٤) وهل (من) في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]، للتبعض؟. يقول السمعاني: " وليس (من) هاهنا للتبعيض؛ لأن جميع المكذبين يحشرون " (٥)، وفائدة تخصيص المكذبين؛ لأن الحشر الذي يُساق فيه إلى النار، إنما يكون للمكذبين. (٦) ٩ ـ أجمع المسلمون من أهل السنة، على أن الجنة والنار مخلوقتان، وعلى أن الله تعالى قد أعدهما لأهلهما، وأجمعوا على أنهما لا يبيدان ولا يفنيان، وأجمعوا على أن ما وصف الله تعالى في الجنة من أكل وشرب، وأزواج مقدسات، ولباس، ولذَّات حق صحيح. (٧) " والجنة والنار داران، كل واحدة منهم ضد الأخرى، فما في هذه من أنواع الإكرام والنعيم، فله في هذه ضده من الخزي والعذاب الأليم. قالوا هذه نور، والأخرى ظلمة، وهذه أُنس وحُسن محض، وهذه وحشة وفزع وقبح محض، وهذه راحة ولذة وسرور محض، وهذه مشقة وتنغيص وكرب محض ". (٨)

стр. 605

وأثبت الإمام السمعاني الجنة وما فيها من النعيم، والنار وما فيها من العذاب الأليم، وقد قَرَّر عقيدة الآخرة في الجنة والنار، وفق ما جاء عن أهل السنة والجماعة، على النحو التالي: أ ـ أن الجنة والنار مخلوقتان، واستدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، يقول: " " أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ " أي: هيئت للكافرين، وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة. ودليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديباً وتعريكاً ". (١) واستدل بأن الجنة مخلوقة، بأن الله أمر آدم أن يسكن الجنة، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وأورد السمعاني إشكالاً مفاده: " فإن قيل: لم أمرهما بدخول الجنة، وقد وعد أن من دخلها يكون خالداً فيها، فكيف أخرجهما من الجنة؟ قلنا: إنما ذلك الوعد في حق من يدخلها للثواب والجزاء، وآدم إنما دخل الجنة بالكرامة دون الثواب " (٢). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم:١٤ - ١٥]، وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء، وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو كافر بهذه الآية ". (٣) ب ـ أنهما عظيمتان، واستدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، قال علي وابن مسعود: " هي حجارة الكبريت؛ لأنها أكثر توقداً والتهاباً، وقال الباقون هي جميع الحجارة، يقول السمعاني: " وهذا دليل على عظيم تلك النار ". (٤)

стр. 606

وقال عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، يقول السمعاني: " أي سعتها كسعة السموات والأرض ... وأما طولها فلا يعلمه إلا الله ". (١) ج ـ أن الجنة درجات، والنار دركات (٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحِجر:٤٤]، قال ابن جريج: النار سبعة دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. (٣) وفي الجنة مائة درجة، قال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء:٩٦]، يقول السمعاني: " وفي الخبر: (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله) (٤) (٥). د ـ أنهما لا تفنيان، وأن أهلهما باقون فيهما، إما في النعيم أو العذاب، وقد استدل السمعاني على بقاء الجنة والنار وعدم فنائهما، بدلالات كثيرة كثيرة من نصوص القرآن، تدل ظواهرها على البقاء وعدم الفناء:

стр. 607

١ ـ في بقاء الجنة وخلودها: يقول الله تعالى بعد أن ذكر نعيم الجنة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥]، يقول السمعاني: " أي: مقيمون لا يظعنون " (١)، ويقول تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢]، يقول السمعاني: " والمقيم: الدائم، وهو من لا يظعن أبداً " (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:٢٣]، يقول السمعاني: " مقيمين فيها أبداً" (٣)، وهذا وعد الله الحق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان:٨ - ٩]، يقول السمعاني: " ومعناه: مقيمين في الجنة كما وعد الله " (٤)، وقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١]، " أي: مقيمين لا يظعنون أبداً "، وأما أنص آية في القرآن على الخلود، فقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجر:٤٨] (٥).

стр. 608

٢ ـ في بقاء النار وخلودها: يقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة:٦٨]، أي: دائم (١)، وقال تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النحل:٢٩]، قال السمعاني: " أي: مقيمين دائمين فيها ". (٢) فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨]، الجواب: قال الفراء، هو مثل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧]، يعني: من الزيادة على مدة دوام السموات والأرض، فهذا هو المراد بهذه لآية أيضاً، وقيل: الاستثناء في العذاب، يعني: خالدين في نوع من العذاب، إلا ما شاء الله من سائر العذاب، وقيل: هو استثناء مدة البعث والحساب، لا يُعذبون في وقت البعث والحساب ". (٣) ووجه السمعاني ما ورد عن بعض السلف، من خلو النار من المعذبين، كما جاء عن أبي هريرة أنه قال: يأتي على جهنم زمان لا يبقى فيها أحد، يقول السمعاني موجهًا لهذا الأثر وأمثاله: " ومعنى هذا عند أهل السنة ـ إن ثبت ـ أن المراد منه: الموضع الذي فيه المؤمنون من النار، ثم يخرجون عنه، فلا يبقى فيها أحد، وأما مواضع الكفار، فهي ممتلئة بهم أبد الأبد، على ما نطق به الكتاب والسنة ". (٤) وأجاب كذلك عن الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، بثلاثة أوجه، ومنها: لابثين فيها أحقاباً إلى أحقاب لا تنقطع أبداً. (٥)

стр. 609

وبقي الإشكال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]، قال السمعاني: هذه الآية تُعدُّ من مشكلات القرآن، وقد أكثر العلماء فيها الأقوال، ونذكر ما يعتمد عليه " (١)، ففسر السمعاني معنى خلود السموات والأرض، بما ورد عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من المؤمنين يدخلهم الله تعالى النار، ثم يخرجهم منها إلى الجنة، ويسمون الجهنميين، وعَبَّر بالسموات والأرض عن طول المكث، ويكون الاستثناء واقعا على ما بعد الإخراج من النار، بشفاعة الأنبياء والمؤمنين. (٢) وأما تفسير الآية الأخرى في أهل الجنة الذين دخلوها، من غير أن يدخلوا في النار، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، فالخلود يُراد به الإقامة فيها ما دامت السموات والأرض، وكنى بهذا عن طول المكث. ـ وقيل: معنى الخلود راجع إلى سموات الجنة وأرضها، والاستثناء يعود على زمان الوقوف في القيامة، ومدة المكوث في القبر. ـ وقيل: معنى الاستثناء: ولو شاء لقطع التخليد عليهم، ولكن لا يشاء. (٣) إذن: فهما باقيتان لا تفنيان بإتفاق أهل الإسلام، يقول ابن تيمية: " وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار ". (٤)

стр. 610

١٠ ـ وهناك جملة من العقائد والمسائل المتعلقة باليوم الآخر، أثبتها السمعاني وفق ظواهر النصوص القرآنية، كنطق الجوارح يوم القيامة على الحقيقة، وسور الأعراف الذي بين الجنة والنار، وتبديل الأرض يوم القيامة، ومال بعد حكاية الخلاف في معنى التبديل، إلى القول المعروف فيها، وهو أن التبديل ليس بتبديل ذات، بل تبديل صفة وهيئة (١)، وما في الجنة من أصناف النعيم، وألوان التكريم، وما في النار من صنوف العذاب، والورود على النار، وزفيرها وتكلمها على الحقيقة (٢)، وقيام الناس لرب العالمين، ودنو الشمس على رؤوسهم (٣)، فكل هذه العقائد والمسائل قررها السمعاني، وأثبتها على وفق المنهج القرآني الرباني، وبناء على ما أجمعت عليه الأمة. ١١ ـ وأختم هذا الفصل بما أورده السمعاني، من كلام العلماء في مسألة مصير أولاد المشركين: أولاً: ذراري المسلمين إن ماتوا صغاراً، فهم مع آبائهم في الجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، وهذا هو الصحيح، وأما ما ورد في الحديث عن عائشة أنها قالت لما مات صبي من الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ : " يا عائشة أوغير ذلك؟ إن الله خلق النار، وخلق لها أهلها، وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق الجنة وخلق لها أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم "، فهذا الحديث حمله السمعاني على ماقبل نزول الآية، فقال: " وقد قال أهل العلم: إن الأصح في ذراري المؤمنين أنهم في الجنة، ويحمل أن النبي ﷺ إنما قال ذلك، على ما كان عرفه في الأصل، ثم إن الله تعالى أخبره أن ذراري المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها ". (٤)

стр. 611

ثانياً: ذراري المشركين: فقد حكى السمعاني خلاف العلماء فيهم، بناء على اختلاف الروايات في المسألة، فقيل: هم خدم أهل الجنة، وقيل: هم في النار مع آبائهم، وقيل: بالتوقف؛ لأن النبي سُئل عنهم، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " (١)، ولذا رجح السمعاني هذا القول، فقال: " والأولى أن يتوقف، ويوكل علم ذلك إلى الله تعالى، وهم على مشيئته، يفعل بهم ما يشاء " (٢)، وقال في موطن آخر: " والأصح أن الأمر فيهم على التوقف " (٣)، وقد ناقش ابن حزم المسألة، ورجح أنهم من أهل الجنة (٤). وهذه المسألة محل بحث وأخذ ورد عند العلماء، وابن القيم ناقش الأدلة، ونصر القول بامتحانهم يوم القيامة بطاعة الرسول ﷺ . (٥) وهكذا نرى منهج الإمام السمعاني في هذا الباب متسقا تمام الاتساق مع المنهج القرآني، والمنهج السلفي القائم على التسليم المطلق للنصوص، والإيمان الجازم بكل ما دلت عليه. والإثبات تمييز للضد، فإثباته ردٌ على كل منكر أو متأول، فسيما أهل البدع إنكار كثير من الغيبيات التي دلت عليها النصوص؛ فمنهم من أنكر حقيقة الميزان، أو الحوض، أو الصراط، أو الشفاعة لأهل الكبائر، أو خلود الجنة والنار، وكل ذلك مبثوث في كتب المقالات، ومعروف في كلام القوم. فجاءت آراء الإمام السمعاني سادة لهذا الخلل، ومقومة للإعوجاج الذي طرأ على العقيدة الصحيحة.

стр. 612

الفصل السادس: الإيمان بالقدر المبحث الأول: مراتب القضاء والقدر المبحث الثاني: الرد على القدرية المبحث الثالث: مسائل في القدر المطلب الأول: هل كان الحسن قدرياً؟! المطلب الثاني: هل يجب على الله تعالى شيء؟! المطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا؟! المطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أم معه؟! المطلب الخامس: معنى الختم والطبع المطلب السادس: هل المعدوم شيء؟! المطلب السابع: المحو والإثبات المطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله؟! المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب؟! المطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين

стр. 613

الإيمان بالقدر: الإيمان بالقدر هو الإيمان بأفعال الله تعالى، يقول القصري: " واعلم أن الإيمان بالقدر من أعظم شعب الإيمان؛ لأنه من التوحيد، فإنه إضافة الأفعال كلها إلى الله، وأنها صادرة عن قدرته لا شريك له فيها" (١)، وهو الإيمان بالغيب، قال ابن كيسان في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، أي بالقدر (٢)، وقد أجمع العلماء على أن الإقرار بالقدر مع الإيمان به واجب (٣)، وأفعال الله تعالى كلها قائمة على العدل، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٧٦]، يقول السمعاني: " عنى نفسه، والله تعالى يأمر بالعدل، ويفعل العدل " (٤)، وهذا محل إجماع عند العلماء، فقد أجمعوا على أن الله تعالى عادل في جميع أفعاله وأحكامه، ساءنا ذلك أو سرنا، نفعنا أو ضرنا. (٥) فالقدر سِرُّ الله، وسبيل المعرفة فيه التوقيف من الكتاب والسنة، يقول السمعاني مقرراً هذه العقيدة: " سبيل معرفة هذا الباب، التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس، ومجرد العقول، فمن عَدَل عن التوقيف فيه، ضَلَّ وتاه في بحار الحَيْرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، التي ضُرِبت من دونها الأستار، اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، وواجنبا أن نقف حيث حَدَّ لنا ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العَالَم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها ". (٦)

стр. 614

فالقدر يشمل علم الله تعالى، وكتابته، وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه (١)، وقد فسَّره الإمام أحمد بالقدرة، فقال: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً، وقال: هذا يدل على دقة علم الإمام أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين " (٢)، قال ابن القيم:" وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر، إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد، وكتابتها، وتقديرها ". (٣) وباب القدر من الأبواب العظيمة التي زلت فيها أقدام أقوام، لم تستطع أفهامهم ولا عقولهم أن تعي معاني هذا الباب، فوقعت في الزلل، وجرى عليها الخطأ والخلل. وقد خاض السمعاني غمار هذا البحث، وأبان عن المنهج القرآني الذي يجب على المسلم أن يسير عليه، وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن من عدة جهات: ١ - أبان عن مراتب القضاء والقدر بأدلتها. ٢ - رد على المخالفين، وفند أدلتهم، وأظهر عوارها. ٣ - أشار إلى مسائل متعلقة بالقدر، بحثها بحثا علميا دقيقا، وفق في أغلبها، غير أن منازلته للمعتزلة القدرية، ومناكفته لهم، أوقعته في بعض الهفوات التي لا يخلو منها أحد، فوقع كلامه في بعض المسائل متوافقا مع المذهب الأشعري، وقد أبنت وجه الحق فيها، والحق احق أن يُتبع؛ كمسألة التحسين والتقبيح العقليين.

стр. 615

المبحث الأول: مراتب القضاء والقدر: " القدر عند أهل السنة: قدرة الله تعالى وعلمه، ومشيئته، وخلقه، فلا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته، وعلمه، وقدرته ". (١) فالإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب: ١ ـ الإيمان بعلم الله تعالى الشامل المحيط، فالله تعالى عَلِمَ ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعَلِم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال (٢)، وهذا القدر متفق عليه عند الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة، ومن تبعهم من الأمة. (٣) وقد استدل السمعاني ﵀ على هذه المرتبة، بدلالات كثيرة من نصوص الوحيين، منها: ـ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: " روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:" مفاتح الغيب خمسة "، وذكر الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، ثم قرأ الآية " (٤) (٥) ـ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦]، أي: ما غاب عن العباد، ومالم يغب عنهم ". (٦)

стр. 616

ـ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، يقول السمعاني مستدلاً بالآية على شمول العلم الإلهي: " لَا يَعْزُبُ عَنْهُ " أي: لا يغيب عنه، " مِثْقَالُ ذَرَّةٍ " أي: وزن ذرة، " وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ " أي: أصغر من الذرة إلى أن لا يحيط به العقل، وأكبر إلى ألا يُحيط به العقل، والمعنى: أن كل ذلك في علمه ". (١) ـ وقوله: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزُّمَر:٤٦]، أي السر والعلانية. (٢) ـ وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢]، أي: ما كان وما يكون. (٣) ـ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة:٨]، أي: عالم بما ظهر وخفي. (٤) ـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، يقول السمعاني: " أي: وسع علمه كل شيء، وقالوا: هذا من فصيح القرآن ". (٥) ٢ ـ الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير المخلوقات، وهو ثابت في صريح القرآن والسنة، وآثار السلف، وهذا مما نُقل فيه الإجماع، فقد أجمع أهل السنة على أنه تعالى قَدَّر أفعال جميع الخلق، وأرزاقهم، وآجالهم، قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم، وأجمعوا على أن لله لوحاً محفوظاً، كتب فيه كل شيء قبل أن يخلق العالم. (٦) واستدل السمعاني على إثبات هذه المرتبة بجملة من الدلائل، منها:

стр. 617

ـ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: " يعني: أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] ". (١) ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، يقول السمعاني: " معناه: إلا هو مبين في الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ، وفي الأخبار المشهورة: " أن الله تعالى لما خلق القلم، قال: اكتب، قال: وما اكتب؟ قال اكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة " (٢)، وقد ثبت برواية عبدالله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: " إن الله قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (٣) " (٤). ـ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، يقول السمعاني: " معناه: وعند أصل الكتاب، وأصل الكتاب: هو اللوح المحفوظ ". (٥) ـ وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، أي: مكتوباً، ومعنى الكتاب: هو اللوح المحفوظ. (٦)

стр. 618

ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥]، يقول السمعاني: " أي: جملة غائبة من الغائبات، وقيل: ما من خبر غائب، " وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " هو اللوح المحفوظ". (١) ـ وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، " أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ ". (٢) ـ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]، " أي: حافظ، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: محفوظ ما فيه ". (٣) وقد سمى الله تعالى اللوح المحفوظ غيباً، فقال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧]، أي: عندهم اللوح المحفوظ، وسماه غيباً؛ لأنه كتب فيه ما غاب عن العباد. (٤) ٣ ـ " الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون، إلا بمشيئة الله ، ولا يكون في ملكه إلا مايريد " (٥)، وهذا مما أجمع عليه المسلمون، فأجمعوا على قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. (٦) واستدل السمعاني ببعض الدلائل القرآنية، وقَرَّر أن هذا هو اعتقاد أهل السنة، ومنه: ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]، يقول السمعاني: " أي: يكرم ويُهين، ويشقي ويسعد، بمشيئته وارادته، وهو اعتقاد أهل السنة ". (٧)

стр. 619

ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، يقول السمعاني: " رد مشيئتهم إلى مشيئته، والمعنى: لا يريدون إلا بإرادة الله، وهو موافق لعقائد أهل السنة، أنه لا يفعل أحد شيئاً، ولا يختاره، ولا يشاؤه، إلا بمشيئة الله ". (١) ٤ ـ الإيمان بعموم الخالقية، وأن الله خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد، وغير أفعال العباد (٢). وهذا مما أجمع عليه المسلمون، فقد أجمعوا على أنه تعالى خالق لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها سواه، وأجمعوا على أنه الخالق لجميع أفعال العباد، وأرزاقهم، والمنشيء لجميع الحوادث وحده. (٣) واستدل السمعاني على هذه المرتبة بعدة أدلة من القرآن الكريم، منها: ـ ما يدل على حصر الخلق في الرب جل وعلا، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، أي: لا خالق غير الله (٤)، فهذا استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا خالق غير الله. (٥) ـ وما يدل على عموم الخالقية، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩]، أي: صنفين، ويقال معناه: زوجين زوجين، وذلك مثل: السماء والأرض، والليل والنهار، والنور والظلمة، والذكر والأنثى، والبر والبحر، وعن مجاهد قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، وروى حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله خالق كل شيء، صانع وصنعته " (٦) (٧)، قال الإمام البخاري: " فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة ". (٨)

стр. 620

ـ ما يدل على خلق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، يقول السمعاني: " من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها، فلا يصلح أن تتخذوها ألهة، وفي الآية دليل على أهل الاعتزال، في أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ". (١)

стр. 621

المبحث الثاني: الرد على القدرية: ضَلَّ في باب القدر طوائف، حين لم يسلموا بالنصوص، ولم يجمعوا بينها، وظهر الانحراف في هذا الباب جلياً في اتجاهين: الأول: عُرف بالقدرية، وهي من أول الفرق التي حدثت في الأمة الإسلامية، في آواخر عصر الصحابة، وكان أول من تكلم به معبد الجهني، وقيل: أخذه من المجوس، من رجل يُقال له: سيسويه، وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني، وسموا قدرية لإنكارهم القدر. (١) وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، يعني: جعلوا العبد خالقاً لفعله، وأن أفعاله لا تعلق لها بالمشيئة الإلهية، ومَثَّل هذا الاتجاه المعتزلة، فصرحوا في كتبهم بهذه العقيدة المخالفة للنصوص. والثاني: عُرِفَ بالجبرية: نسبة إلى الجبر، وهو نفي الفعل عن العبد، وإسناده للرب جل وعز، وكان زعيمهم الجهم بن صفوان، والجبرية قسمان، كما أن القدرية قسمان، فالقدرية قدرية خالصة، أنكرت العلم الإلهي، وهذه كفرها السلف، إلا أنها تلاشت، وقدرية متوسطة أثبتوا العلم الإلهي، ولكنهم أنكروا خلقه لأفعال العباد. أما الجبرية فهي جبرية خالصة يمثلهم الجهم يسلبون العبد إرادته التامة، ويقولون: هو مجبور مضطر على فعله، كالريشة في مهب الريح، وجبرية متوسطة أثبتوا للعبد قدرة لكنها قدرة غير مؤثرة، أضحت تعرف عند الأشاعرة بنظرية الكسب في الفعل. وهو في حقيقته مقارب لقول الجهمية الخالصة. (٢)

стр. 622

والإمام السمعاني ﵀ ذكر بعض دلائل القدرية التي يعتمدون عليها، والتي هي على وفاق ـ حسب ظنونهم ـ مع أدلتهم العقلية، التي بها ألبسوا العبد لباس الخالقية لأفعاله، فأشار إليها السمعاني، ورد عليهم هذا المذهب الفاسد بكثير من الدلائل القرآنية التي تُثبت عموم خالقية الله تعالى ومشيئته. العجيب أن المعتزلة القدرية، احتجوا ببعض دلائل الجهمية، فالجهمية قالوا: الأفعال كلها كانت وتكون بخلق الله، ولا مشيئة للعبد فيها، والقدرية قالوا: أفعال العبد كلها كانت وتكون بخلق العبد، ولا مشيئة لله تعالى فيها، وإنما أمكنه الله تعالى من إحداث إرادته، بأن خلقه كذلك. وكلا الطائفتين قَصَّر في جانب، فالجهمية سلبت قدرة العبد، والقدرية المعتزلة سلبت قدرة الرب في هذه المسألة، وأهل السنة أثبتوا للرب كمال القدرة والمشيئة، وأثبتوا للعبد كذلك القدرة الحقيقية المؤثرة في مقدورها، ومشيئته واختياره، إلا أن مشيئته غير مستقلة، بل هي تحت مشيئة الله تعالى (١). وهناك عدة منطلقات، انطلق منها القوم في تبرير وجهاتهم، وتقرير عقائدهم، فيما يتعلق بهذا الباب: ١ ـ الجهمية الجبرية: الذين ينفون الحكمة والتعليل في إفعال الله تعالى، قادهم هذا الاعتقاد إلى الجبر، وهو سلب العباد مشيئتهم، وأنهم غير قادرين على أفعالهم، وإنما تُنسب إليهم مجازاً، والفاعل هو الله تعالى، وإذا قيل مثلاً: كيف يكلف الله، ويعذب من جبرهم على الأعمال أو المعاصي، قالوا: إن الله يفعل ما يشاء، وأفعاله لا تعلل بالحكمة والمصلحة.

стр. 623

والمعتزلة حين أثبتوا لأفعال الله حكمة منفصلة عن الله، لا ترجع إليه، حصروها في المخلوق، ثم زعموا أن هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد خالقين لأفعالهم؛ بناء على أصلهم، القول بالعدل، فمتى قيل: بأن الله هو خالق أفعالهم، أثر على هذه الأصل الذي اخترعوه، وهذا بدوره أدى بهم إلى أن أوجبوا على الله تعالى فعل الأصلح، وهي كذلك حلقة من سلسلة حلقات أدت بهم إلى القول: بأن الله لا يخلق أفعال العباد؛ لأنه لو خلقها ثم عاقبهم، لكان ظالماً لهم، وهذا لا يجوز. ٢ ـ وكذا حين نفي الجهمية أن تكون للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، قالوا بالجبر، وحين قال الأشاعرة بنفي قدرة العبد قبل الفعل، وأثبتوا القدرة مع الفعل، ونسبوها إلى الله تعالى، وسموها كسباً، قاربوا الجهمية، وحين جعلت المعتزلة الاستطاعة قبل الفعل، وجعلوها للعبد، حيث يقدر على الترك والفعل مطلقاً، قالوا: هو الفاعل لفعله حقيقة، والله لا يخلق فعله. ٣ ـ ولما اختلفوا في التحسين والتقبيح، هل هما عقليان أم شرعيان، نشأ عنه القول بالجبر والقدر، بل نشأت عنه مسألة أخرى، اختلفوا في تعريفها وهي مسألة الظلم، وكيف يتنزه الرب تعالى عنه. (١) والذي يهمنا في هذا المقام، كيف عالج السمعاني هذه القضية، ورد على المنكرين؟! أولاً: قرر السمعاني هذه المسألة بناء على المنهج السلفي، وهو أن الله تعالى له الخلق المطلق العام الشامل، وهذا يشمل أفعال الإنسان، واستدل على ذلك بدلائل القرآن الكريم، ومنها: ١ ـ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ووجه الدلالة من الآية: يقول السمعاني:" هذا دليل على القدرية؛ حيث أحالوا الاقتتال على المشيئة " (٢)، والقدرية ينكرون أن تكون لله تعالى مشيئة في فعل العبد.

стр. 624

وكذلك مما أوقع القدرية والجبرية في الخطأ في هذه المسألة، هو عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية المرادفة للمشيئة، وبين الإرادة الشرعية المستلزمة لمحبته ورضاه، ولذا من فرَّق بين النوعين أدرك المسألة. فالقدرية المعتزلة لم يفرقوا بين الإرادة والرضا فجعلوهما من باب واحد، فقالوا: كل ما أمر الله تعالى به تشريعاً، فقد أراده، بمعنى أحبه وشاءه، إذن: كل مالم يأمر به، فليس من خلقه؛ لأنه لايحبها ولا يرضاها، كالكفر والذنوب والمعاصي، فكيف نقول: إنه خلق أفعال العباد، وفيها الكفر والذنوب والمعاصي. والجبرية لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والرضا، فقالوا: كل ماخلقه الله فقد أحبه ورضيه. وأهل السنة فرقوا بين الأمرين، " فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية، فتكون هي المشيئة، وإلى إرادة دينية، فتكون هي المحبة " (١)، ولذا يقول ابن القيم: " والذي يكشف هذه الغمة، ويبصر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة، إنما هو التفريق بين مافرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحداً، ولا هما متلازمين " (٢). وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام السمعاني، فإنه فرق بين الإرادة وبين الرضا، وقال: إن المعاصي بإرادة الله تعالى، وليست برضاه ومحبته، وقال: هو الأولى، والأقرب بمذهب السلف (٣). ومع هذا التفريق يتضح المقام، فلا يكون لقول القدرية المعتزلة وجهاً؛ إذا احترزوا من نسبة القبائح إلى الله تعالى؛ زعماً منهم تنزيه الخالق، فسلبوه صفة كمال، ولا وجه لقول الجبرية؛ إذ احترزوا من نسبة العجز إليه، فجعلوه مريداً لكل شيء مخلوق محباً له، ولو كان مبغوضاً في ذاته، كالكفر، والمعاصي، والذنوب. ٢ ـ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧]، يقول السمعاني:" وهذا دليل على القدرية " (٤)، فأحال على المشيئة التي ينكرها القدرية.

стр. 625

٣ ـ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، يقول السمعاني: " وفي هذا دليل على القدرية " (١)، ووجه الدلالة ما ذكره السمعاني في الآية التالية: ٤ ـ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨]، يقول السمعاني: " وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب ". (٢) ٥ ـ وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، يقول السمعاني: " وفي الآية رد على القدرية، وهو ظاهر ". (٣) ٦ ـ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، يقول السمعاني: " في الآية رد على القدرية، فإنه تعالى أخبر أنه لم يشأ إيمان جميع الناس، وعندهم أنه شاء إيمان جميع الناس " (٤)، ولكن ذنوبهم ومعاصيهم تنسب إليهم؛ لأنهم خلقوها على زعمهم، فالآية رد ظاهر عليهم.

стр. 626

٧ ـ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٤]، يقول السمعاني: " وفي الآية رد على القدرية " (١)، حيث نسبوا الغواية إليه، والغواية هنا بمعنى الإضلال عند أكثر المفسرين، فهو خالق الإنسان وعمله. وسبق أن القدرية المعتزلة حين قالوا بالتقبيح والتحسين العقليين، فقالوا: إن الله لا يفعل القبيح، بل أفعاله كلها حسنة، قادهم هذا إلى نفي خلق أفعال العباد؛ لأنه منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح، فلو خلقها لكان فاعلاً للقبيح، لأنهم شبهوا الله تعالى بخلقه، فسموا مشبهة الأفعال. ٨ ـ وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١]، يقول السمعاني: " في الآية رد على القدرية صريحاً " (٢)، إذ هو خالق أعمالهم، فنسب التغيير إليه. ٩ ـ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧]، يقول السمعاني: " ومعناه: ويهدي إليه من يشاء بالإنابة، وفي الآية رد على القدرية ". (٣) ١٠ ـ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحِجر:١٢]، قال الحسن: كذلك نسلك الشرك في قلوب المجرمين، ونسلك: أي ندخل، وقال مجاهد: نسلك التكذيب، وهو رد على القدرية صريحاً ". (٤)

стр. 627

١١ ـ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩]، يقول السمعاني: " قيل معناه: وعلى الله بيان الهدى من الضلالة، وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين وهذا بحكم الوعد. وقوله " وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " ظاهر المعنى، وفيه رد على القدرية ". (١) ١٢ ـ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، يقول السمعاني: " والآية صريحة في الرد على القدرية " (٢)، فهذه الآيات الثلاث الأخيرة، فيها نسبة الهداية والإضلال إلى فعل الله تعالى، " وحقيقة المعنى: إني لا أُسأل عما أفعل من الإضلال الهداية ". (٣) ١٣ ـ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء:٤٦]، يقول السمعاني:"وفي الآية رد على القدرية صريحاً " (٤)؛لأن الله تعالى هو الذي جعل ذلك وخلقه. ١٤ ـ وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول السمعاني:" وقوله " وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ " أي: على ما حكم له في علمه السابق، وهو رد على القدرية، وقد أولوا هذا وقالوا: معنى قوله " وَأَضَلَّهُ اللَّهُ " أي: وجده ضالاً، أو سماه ضالاً، وهو تأويل باطل؛ لأن العرب لا تقول: فعل فلان كذا، إذا وجده كذلك ". (٥)

стр. 628

١٥ ـ وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، يقول السمعاني: "يعني: لا يُسأل عما يحكم على خلقه، والخلق يُسألون عن أفعالهم وأعمالهم ... وفي الآية رد على القدرية، وقطع شبهتهم بالكلية ". (١) وقد استدل بها السلف على ذلك: " روى أبو الأسود الدؤلي عن عمران بن حُصين قال له: أرأيت ما يسعى فيه الناس ويكدحون، أهو أمر قُضي عليهم، أو شيء يستأنفونه؟ فقلت: لا، بل أمر قُضي عليهم، قال: أفلا يكون ظلماً؟ قلت: سبحان الله " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "، فقال لي: أصبت يا أبا الأسود، وقد أجزت عقلك ". (٢) ١٦ ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، يقول السمعاني:" وفيه دليل على من يُنكر القدر " (٣)، فنسب الإضلال والتطهير إليه سبحانه. ١٧ ـ وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، يقول السمعاني: " وفي الآية دليل واضح على أهل القدر " (٤)؛ لأنه جعل إيمانهم بمشيئته. فهذه الدلائل القرآنية وغيرها الدامغة لمذهب أهل القدر، تدل دلالة واضحة، على اهتمام السلف ببيان العقائد الصحيحة، والرد على أهل البدع، والكشف عن عقائدهم الفاسدة، ولا أدلَّ على ذلك، من التصانيف الخاصة والعامة في هذه المسألة. فالإمام السمعاني ممن ساهم في إيضاح عقائد السلف في هذا الباب، ثم نُبيِّن جهوده في رد شبهاتهم التي تمسكوا بها، وجعلوها ستاراً على ضلالاتهم.

стр. 629

ثانياً: بعد أن بيَّن السمعاني المنهج الحق في هذه المسألة، وقرر عقيدة السلف فيها بالأدلة، شرع في بيان ما احتجوا به، ونقضه، وبيان تهافته، وأن هذه الدلائل حق في نفسها، تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، ومن تلك الأدلة، ما يلي: ١ ـ احتجت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٣٥]، وقد بيَّن السمعاني وجه احتجاجهم بها فقال: " ووجه احتجاجهم: أن المشركين قالوا: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ "، ثم إن الله تعالى قال في آخر الآية: " كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ "؛ رداً وإنكاراً عليهم، فدل على أن الله تعالى لا يشاء الكفر، وأنهم فعلوا ما فعلوا بغير مشيئة الله " (١)، ثم رد السمعاني عليهم هذه الشبهة، فقال: " والجواب عنه: ذكر الزجاج وغيره، أنهم قالوا هذا القول على طريق الاستهزاء، لا على طريق التحقيق، ولو قالوا على طريق التحقيق، لكان قولهم موافقاً لقول المؤمنين.

стр. 630

وهذا مثل قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]، فإنهم قالوا هذا على طريق الاستهزاء، لا على طريق التحقيق، وكذلك قوله تعالى في سورة يس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧]، وهذا إنما قالوه على طريق الاستهزاء؛ لأنه في نفسه قول حق، يوافق قول المؤمنين، كذلك هاهنا قالوا ما قالوا على طريق الاستهزاء، فلهذا أنكر الله تعالى عليهم، ورد قولهم، والدليل على أن المراد من هذا ما ذُكر من بعد وسنبين " (١)، وبيانه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، يقول السمعاني: " معناه: فمنهم من هداه الله للإيمان، ومنهم من وجبت عليه الضلالة، وتركه في الكفر بالقضاء السابق، فهذه الآية تُبيِّن أن من آمن بمشيئة الله، وأن من كفر، كفر بمشيئة الله ". (٢)

стр. 631

٢ ـ وتعلقت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٠]، وبيَّن السمعاني وجه تعلقهم بالآية، فقال: " وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: " لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ " ثم عقبه بالإنكار والتهديد، فقال: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " إي: يكذبون، وعندكم أن الأمر على ماقالوا " (١). ثم رد السمعاني عليهم هذا التعلق من وجهين، فقال: " والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله تعالى: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ " أي: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون، يعني: في هذا القول، وقد تم الكلام على هذا عند قوله: " لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ "، والإنكار غير راجع إليهم، ويجوز أن يحكي من الكفار ما هو حق، مثل قوله: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ "، وهذا القول حق وصدق. والوجة الثاني: أن معنى قوله: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ "، أي: ما لهم في هذا القول من عذر، وقوله " إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ "، أي: يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا الكلام، حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء، والزجاج، وغيرهما ". (٢)

стр. 632

٣ ـ تمسك القدرية بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، يقول السمعاني: " واعلم أن ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلاً؛ فإن الآية فيما يصيب الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، إذ لو كان المراد ما توهموا، لقال: ما أصبت من حسنة فمن الله وما أصبت من سيئة، فلما قال: ما أصابك من حسنة، وما أصابك من سيئة، دَلَّ أنه أراد: ما يصيب العباد من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبدالوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ: " وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك "، وكذا حُكي عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو معروف عن ابن عباس، وهو يُؤيد قولنا: إن المراد: بذنب نفسك "، أي في معنى قوله: " وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " أي: ما أصابك من سيئة من الله، فذنب نفسك، عقوبة لك. (١)

стр. 633

٤ ـ واستدل القدرية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وقد بيَّن السمعاني وجه استدلالهم، فقال: " استدل أهل القدر بهذه الآية، فإنهم لما قالوا: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا " كذبهم الله تعالى، ورد قولهم، فقال: " كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " " (١)، ورد عليهم السمعاني استدلالهم بقوله: " قيل: معنى الآية: أنهم كانوا يقولون الحق، إلا أنهم كانوا يعدون ذلك عذراً لهم، ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، فالرد عليهم كان في هذا، بدليل قوله تعالى بعده ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]، أي: الحجة بالأمر والنهي باقيه له عليهم، وإن شاء أن يشركوا " فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " ولو لم يحمل على هذا، لكان هذا مناقضة للأول. وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك، كما قال في الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، وكأن قوله " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا " أي: هو الرب أمرنا بالشرك، فالرد في هذا، لا في حصول الشرك بمشيئته، فإنه حق وصدق، وبه يقول أهل السنة ". (٢) ٥ ـ ومن العجيب من ذكره السمعاني، أن القدرية صحفوا قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى قوله: (أصيب به من أساء) من الإساءة، قال السمعاني: " وليس بشيء". (٣)

стр. 634

ونُشير أخيراً إلى تحكم وتناقض القدرية المعتزلة في تعاملهم مع النصوص، فهم لم يمتنعوا من إعمال العموم المستفاد من كلمة (كل) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]، المفيد عموم علمه ولكنهم امتنعوا من إعماله في النصوص المفيدة عموم خلقه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر:٦٢]، مع أن صيغة العموم في الموضعين واحدة، ولذا ألزمهم الإمام الأشعري بالعموم فيما اختلفوا فيه، قياساً على ما اتفقوا عليه. (١) ومشكلة المتكلمين عموماً، ما يقعدونه من قواعد، ينتج عنها تأويل النصوص عما أراد الله تعالى، ولذا فإن من القواعد التي وضعها المتكلمون؛ ليمايزوا على أساسها بين ما هو نص في مضمونه العقدي، وبين ما هو ظاهر يجب تأويله، فالمتكلمون يرون أن كل آية يقول الدليل العقلي على استحالة القول بمعناه المتبادر منه، لا تعتبر نصاً في ذلك المعنى، بل هي من قبيل الظواهر في الدلالة عليه. فالمعتزلة في هذا الباب، ينفون القدر، لاعتقادهم أن ذلك يتعارض مع العدل الإلهي، فيعتبرون الآيات المثبتة للقدر من قبيل الظواهر القابلة للتأويل، وغفلوا أن في مثل هذا نقص في ربوبية الله تعالى. (٢)

стр. 635

المبحث الثالث: مسائل في القدر: أشار السمعاني إلى جملة من المسائل المتعلقة بالقدر، تحتاج إلى بيان، وإيضاح موقفه منها. المطلب الأول: هل كان الحسن البصري قدرياً ؟! نقل السمعاني بعض الروايات التي فيها إتهام للحسن، بأنه ينكر القدر، فقال: " وفي بعض التفاسير: أن رجلاً أتى الحسن البصري، وقال: إني طلقت امرأتي ثلاثاً، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: كذلك كان قضاء الله؟ فقال الحسن: كذبت، ما قضى الله، أي: ما أمر الله، وكان الحسن فصيحاً، فلم يفهم الناس قوله، فذكروا أنه ينكر القدر. وفي بعض الروايات أنه قيل له: إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون: كذا قضاء الله، فقال الحسن: كذب أعداء الله، ومعناه ما بيَّنا. وقيل: إنه أنكر جعلهم ذلك علة قتلهم. ذكر ابن قتيبة في المعارف ". (١) ولكنه في مقام آخر، ينقل عن الحسن إثباته للقدر، بل التشديد على من أنكره، يقول السمعاني: " وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلاً، وصلى حتى يصير كوتد، وذبح ظلماً بين الركن والمقام، ثم كان مكذباً بقدر الله، لأدخله الله النار، ويُقال له: ذق مس سقر ". (٢)
следующие страницы →