٢ ـ وتعلقت القدرية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٠]، وبيَّن السمعاني وجه تعلقهم بالآية، فقال: " وقالوا: حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: " لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ " ثم عقبه بالإنكار والتهديد، فقال: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " إي: يكذبون، وعندكم أن الأمر على ماقالوا " (١). ثم رد السمعاني عليهم هذا التعلق من وجهين، فقال: " والجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى قوله تعالى: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ " أي: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون، يعني: في هذا القول، وقد تم الكلام على هذا عند قوله: " لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ "، والإنكار غير راجع إليهم، ويجوز أن يحكي من الكفار ما هو حق، مثل قوله: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ "، وهذا القول حق وصدق.
والوجة الثاني: أن معنى قوله: " مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ "، أي: ما لهم في هذا القول من عذر، وقوله " إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ "، أي: يطلبون ما لا يكون من طلب العذر بهذا الكلام، حكاه النحاس، والأول ذكره الفراء، والزجاج، وغيرهما ". (٢)
стр. 632
٣ ـ تمسك القدرية بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، يقول السمعاني: " واعلم أن ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلاً؛ فإن الآية فيما يصيب الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، إذ لو كان المراد ما توهموا، لقال: ما أصبت من حسنة فمن الله وما أصبت من سيئة، فلما قال: ما أصابك من حسنة، وما أصابك من سيئة، دَلَّ أنه أراد: ما يصيب العباد من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبدالوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ: " وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك "، وكذا حُكي عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو معروف عن ابن عباس، وهو يُؤيد قولنا: إن المراد: بذنب نفسك "، أي في معنى قوله: " وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " أي: ما أصابك من سيئة من الله، فذنب نفسك، عقوبة لك. (١)
стр. 633
٤ ـ واستدل القدرية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وقد بيَّن السمعاني وجه استدلالهم، فقال: " استدل أهل القدر بهذه الآية، فإنهم لما قالوا: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا " كذبهم الله تعالى، ورد قولهم، فقال: " كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " " (١)، ورد عليهم السمعاني استدلالهم بقوله: " قيل: معنى الآية: أنهم كانوا يقولون الحق، إلا أنهم كانوا يعدون ذلك عذراً لهم، ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، فالرد عليهم كان في هذا، بدليل قوله تعالى بعده ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]، أي: الحجة بالأمر والنهي باقيه له عليهم، وإن شاء أن يشركوا " فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " ولو لم يحمل على هذا، لكان هذا مناقضة للأول. وقيل: إنهم كانوا يقولون: إن الله أمرنا بالشرك، كما قال في الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، وكأن قوله " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا " أي: هو الرب أمرنا بالشرك، فالرد في هذا، لا في حصول الشرك بمشيئته، فإنه حق وصدق، وبه يقول أهل السنة ". (٢)
٥ ـ ومن العجيب من ذكره السمعاني، أن القدرية صحفوا قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٦]، إلى قوله: (أصيب به من أساء) من الإساءة، قال السمعاني: " وليس بشيء". (٣)
стр. 634
ونُشير أخيراً إلى تحكم وتناقض القدرية المعتزلة في تعاملهم مع النصوص، فهم لم يمتنعوا من إعمال العموم المستفاد من كلمة (كل) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]، المفيد عموم علمه ولكنهم امتنعوا من إعماله في النصوص المفيدة عموم خلقه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر:٦٢]، مع أن صيغة العموم في الموضعين واحدة، ولذا ألزمهم الإمام الأشعري بالعموم فيما اختلفوا فيه، قياساً على ما اتفقوا عليه. (١)
ومشكلة المتكلمين عموماً، ما يقعدونه من قواعد، ينتج عنها تأويل النصوص عما أراد الله تعالى، ولذا فإن من القواعد التي وضعها المتكلمون؛ ليمايزوا على أساسها بين ما هو نص في مضمونه العقدي، وبين ما هو ظاهر يجب تأويله، فالمتكلمون يرون أن كل آية يقول الدليل العقلي على استحالة القول بمعناه المتبادر منه، لا تعتبر نصاً في ذلك المعنى، بل هي من قبيل الظواهر في الدلالة عليه. فالمعتزلة في هذا الباب، ينفون القدر، لاعتقادهم أن ذلك يتعارض مع العدل الإلهي، فيعتبرون الآيات المثبتة للقدر من قبيل الظواهر القابلة للتأويل، وغفلوا أن في مثل هذا نقص في ربوبية الله تعالى. (٢)
стр. 635
المبحث الثالث: مسائل في القدر:
أشار السمعاني إلى جملة من المسائل المتعلقة بالقدر، تحتاج إلى بيان، وإيضاح موقفه منها.
المطلب الأول: هل كان الحسن البصري قدرياً ؟!
نقل السمعاني بعض الروايات التي فيها إتهام للحسن، بأنه ينكر القدر، فقال: " وفي بعض التفاسير: أن رجلاً أتى الحسن البصري، وقال: إني طلقت امرأتي ثلاثاً، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: كذلك كان قضاء الله؟ فقال الحسن: كذبت، ما قضى الله، أي: ما أمر الله، وكان الحسن فصيحاً، فلم يفهم الناس قوله، فذكروا أنه ينكر القدر. وفي بعض الروايات أنه قيل له: إن بني أمية يقتلون الناس، ويقولون: كذا قضاء الله، فقال الحسن: كذب أعداء الله، ومعناه ما بيَّنا. وقيل: إنه أنكر جعلهم ذلك علة قتلهم. ذكر ابن قتيبة في المعارف ". (١)
ولكنه في مقام آخر، ينقل عن الحسن إثباته للقدر، بل التشديد على من أنكره، يقول السمعاني: " وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لو صام إنسان حتى يصير كالحبل هزلاً، وصلى حتى يصير كوتد، وذبح ظلماً بين الركن والمقام، ثم كان مكذباً بقدر الله، لأدخله الله النار، ويُقال له: ذق مس سقر ". (٢)
стр. 636
وهذا الذي ذكره السمعاني آخراً، من إثبات الحسن للقدر، هو الصحيح المثبت المعروف عند أهل العلم، والسبب الذي لأجله أتهم الحسن وغيره بالقدر، هو ماقاله الإمام أحمد حين قيل له: كان ابن أبي ذئب قدرياً، فقال: الناس كل من شدد عليهم المعاصي، قالوا هذا قدري، ولذا قال ابن تيمية: " ولهذا اتهم بمذهب القدر غير واحد، ولم يكونوا قدرية " ثم قال: " وقد قيل: إنه بهذا السبب، نُسب إلى الحسن القدر؛ لكونه كان شديد الإنكار للمعاصي عليهم، ناهياً عنها " (١)، ولما نقل الذهبي بعض هذه الأقوال في الحسن، قال:" قلت: وقد مَرَّ إثبات الحسن للأقدار من غير وجه عنه، سوى حكاية أيوب عنه، فلعلها هفوة منه، رجع عنها، ولله الحمد " (٢)، قال حماد بن سلمة: عن حميد، سمعت الحسن يقول: خلق الله الشيطان، وخلق الخير، وخلق الشر، فقال رجل: قاتلهم الله، يكذبون على هذا الشيخ. وقال أبوسعيد بن الأعرابي: كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء، فيتكلم في الخصوص، حتى نسبته القدرية إلى الجبر، وتكلم في الاكتساب، حتى نسبته السنة إلى القدر، كل ذلك لافتتانه، وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو برئ من القدر، ومن كل بدعة (٣). ويقول أيوب السختياني: " أدركت الحسن ـ والله ـ وما يقوله، يعنى القدر " (٤)، وقال الأوزاعي:" لم يبلغنا أن أحداً من التابعين تكلم في القدر، إلا الحسن ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل ". (٥)
ولذا فقد تولى الدفاع عن الحسن، أئمة الإسلام، فعقدوا في مصنفاتهم ما يرد هذه الشبهة:
стр. 637
ـ يقول ابن بطة العكبري عن القدرية: " وربما قيل لبعضهم: من إمامك فيما تنتحله من هذا المذهب الرجس النجس، فيدعي أن إمامه في ذلك: الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀ فيضيف إلى قبيح كفره وزندقته، أن يرمي إماماً من أئمة المسلمين، وسيداً من سادتهم، وعالماً من علمائهم بالكفر، ويفتري عليه بالبهتان، ويرميه بالإثم والعدوان؛ ليحسن بذلك بدعته عند من قد خصمه وأخزاه، وأنا أذكر كلام الحسن في القدر، ورده على القدرية، ما يسخن الله به عيونهم، ويظهر للسامعين قبيح كذبهم ـ إن شاء الله تعالى ـ ". (١)
ـ ويقول أبو الحسين العمراني: " استدل القدري بدامغه، بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين وغيرهم، مثل عمر بن عبدالعزيز، والحسن البصري، والشعبي، ومالك بن دينار، وقتادة، وغيرهم، مما لا ينكر فضلهم أحد، وهم براء مما أضافه إليهم، ولو طولب بسند الخبر من ذلك، لم يقدر عليه إلا بالتخرص ". (٢)
وكذا قال الشهرستاني، فيما نُسب إلى الحسن في الكلام في القدر، فقال:" ورأيت رسالة تُنسب إلى الحسن البصري، كتبها إلى عبدالملك بن مرون، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب، ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف، في أن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم ". (٣)
وقال الآجري بعد أن ساق روايات عن الحسن تثبت قوله بالقدر: " بطلت دعوى القدرية على الحسن، إذ زعموا أنه إمامهم، يموهون على الناس، ويكذبون على الحسن، لقد ضلوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً ". (٤)
стр. 638
المطلب الثاني: هل يجب على الله شيء ؟!
قَعَّد السمعاني قاعدة قرآنية، مفادها: أن كل موطن في القرآن ورد فيه كلمه (عَسَى) فهي واجبة من الله، نقلها عن الحسن البصري، ومجاهد (١)، ولكن حين أوجب الله تعالى شيئاً على نفسه الشريفة المقدسة، فليست هي بإيجاب أحد، وإنما هي محض فضل من الله تعالى على خلقه، بحكم الوعد (٢)، وإن كان قد ذكر في كتابه القواطع (٣): أنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد، قلت: يُمكن أن يكون قاصدًا الوجوب العقلي عند المعتزلة؛ لأنه استدل بحديث مُعاذ، وفيه:" وحق الْعباد على الله إِذا فعلوا ذَلِك أَن يدخلهم الْجنَّة، وَلَا يعذبهم"، عند تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) [النساء:٣٦]، والذي يدل على أن هناك حقا أوجبه الله تعالى على نفسه المقدسة فضلا منه وكرما، ولم يُوجبه عليه أحد.
وهذه المسألة محل نزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وهي مترتبة على مسألة التقبيح والتحسين العقليين، هل العقل يقبح ويحسن أم لا؟!
فلما ذهبت المعتزلة إلى أن العقل هو الحاكم، فإنه يقضي بقبح بعض الأفعال على الله تعالى، ووجوب بعضها عليه، وبناء عليه: اشتهر عنهم القول بوجوب فعل الأصلح. فهؤلاء رأوا أن الله تعالى أوجب على نفسه أموراً لعبده، فظنوا أن العبد أوجبها عليه بأعماله، وأن أعماله كانت سبباً لهذا الإيجاب.
في حين ذهبت الأشاعرة إلى نفي الوجوب على الله تعالى، فقالت: إن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقاً، فقالت: لا يجب على الله شيء البتة، فأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه المقدسة. فأخطؤوا في إطلاقهم نفي الوجوب على الله، ولذا لم ينزهوه تعالى عن فعل شيء؛ بناء على معنى التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا: الوجوب لا يتصور في حقه تعالى؛ لأنه المالك المتصرف، وهو لا يُسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يُسأل لكمال حكمته.
стр. 639
وأهل السنة والهدى، قالوا: لا يستوجب العبد على الله تعالى بسعيه نجاة ولا فلاحاً، ولا يدخل أحداً عملُه الجنة أبداً، ولا ينجيه من النار. والله تعالى بفضله وكرمه، ومحض جوده وإحسانه، أكد إحسانه وبره، بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقاً بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب، وهو بعسى ولعل. فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق، ولا يضيع لديه سعي، كما قيل: (ما للعباد عليه حق واجب ... ** ... كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... ** ... فبفضله، وهو الكريم الواسع) (١)
وهذا القدر متفق عليه بين العلماء، يقول ابن تيميه: " وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق ". (٢)
المطلب الثالث: معنى اللطف الإلهي، وهل يتناهى أم لا ؟!
مسألة اللطف الإلهي هي من المسائل التي نازع فيها المعتزلة، بناء على قولهم في خلق أفعال العباد، ووجوب فعل الأصلح، ولذا قالوا في معنى الهداية والإضلال، إن الهداية، هي التوفيق واللطف، والإضلال: التخلية ومنع الألطاف (٣)، ومعنى اللطف عندهم: هو الفعل الذي يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعد عن المعصية، كبعثة الأنبياء (٤)، وهم لا يذهبون إلى أن الله يخلق الهداية بناء على مذهبهم، وكذا ما يرد من لفظ الجعل يجعلونه من هذا القبيل، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فإنهم يقولون: المراد من هذا الجعل، فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة، اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، وردَّ عليهم الرازي هذا التأويل. (٥)
стр. 640
إذن الهداية المضافة إلى الله تعالى عند المعتزلة لا تدل على خلق الله لها، وإنما العبد يخلقها لنفسه، ومتى أُطلق هذا اللفظ وأُضيف إلى الله، فإنه مؤول على زعمهم، بطلف الله الحامل للعبد على أن يخلق هداه. (١)
ثم ذهب جمهور المعتزلة إلى أن الله تعالى ليس عنده شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس، كافرهم ومؤمنهم، ولا عنده هدي أهدى مما قد هدى به الكافر والمؤمن هذا مستوياً، وأنه ليس يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بالكفار والمؤمنين، ثم اختلف هؤلاء، فقال جمهورهم: إنه تعالى قادر على أمثال ما فعل من الصلاح بلا نهاية، وقال الأقل منهم: هذا باطل؛ لأنه لا يجوز أن يترك الله تعالى شيئاً يقدر عليه من الصلاح. من أجل فعله لصلاح ما، وحجتهم: أنه لو كان عنده أصلح أو أفضل مما فعل بالناس، ومنعهم إياه، لكان بخيلاً، ظالماً لهم (٢)، تعالى الله عما يقولون، وذهب ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، وبشر بن المعتمر، ومن وافقهم وهم قليل منهم، إلى أن عند الله ألطافاً كثيرة لا نهاية لها، لو أعطاها الكفار لآمنوا إيماناً اختيارياً، يستحقون به الثواب بالجنة (٣). وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري مقالاتهم في حقيقة اللطف (٤)، والذي يهمنا هنا: أن مسألة اللطف من الله تعالى، هي من الأمور الثابتة، لكن ليس على سبيل الإيجاب على الله تعالى، كما ترى المعتزلة، بل اللطف من الله تعالى بمحض تفضله، ومَنِّه على العبد بالتوفيق والإعانة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وأن ألطاف الله تعالى لا تتناهى، والتوفيق من الله تعالى: هو التسهيل والتيسير والمعونة (٥)
стр. 641
وهذا ما يقرره الإمام السمعاني ﵀، فقال: " ومذهب أهل السنة، أن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى "، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] (١)، بمعنى طلب مزيد من الهداية، ويكون بمعنى سؤال التثبيت (٢). وقرَّر أن الهداية والإضلال من الله تعالى، فالهدى والإضلال من فعله تعالى وقدره، الاهتداء والضلال من فعل العبد وكسبه (٣).
стр. 642
واستدل السمعاني عليه بدلالات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥]، يقول السمعاني: " وفيه بيان أن الهداية من الله تعالى ومن كلامه، وهو مذهب أهل السنة " (١)، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٨]، يقول السمعاني: " وهذا دليل على القدرية، حيث نسب الهداية والضلالة إلى فعله من غير سبب " (٢)، ويقول تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦]، يقول السمعاني: " والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل" (٣)، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٣]، يقول السمعاني: " وحقيقة المعنى: أني لا أُسأل عما أفعل من الإضلال والهداية، وأنتم تُسألون عما تعملون من الخير والشر" (٤)، ولكن إنما نُسب إليهم الضلالة، كما في قوله تعالى ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم:٣٠]؛ لأنهم سبب في الضلال (٥). وقد ذكر الإمام ابن تيمية، أن الرافضة أخذوا هذا الأصل من المعتزلة، إذ ليس هو من أصول شيوخهم القدماء. (٦)
المطلب الرابع: هل الاستطاعة تكون قبل الفعل أو معه ؟!
هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خِلاف بين الطوائف، بناء على خلافهم في باب القدر: فالجهمية الجبرية، قالوا: بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله، وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له.
والمعتزلة القدرية، أثبتوا استطاعة قبل الفعل، وأنه لا توجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به، والأشاعرة الذين قالوا بنظرية الكسب، قالوا: بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله.
стр. 643
وأما جمهور أهل السنة، فيثبتون للعبد استطاعة هي مناط الأمر والنهي، وهذه الاستطاعة قد تكون قبل الفعل، ولا يجب أن تكون معه. ومنشأ النزاع جاء من الإجمال الحاصل في لفظ الاستطاعة، فأهل السنة يُفصِّلون في الاستطاعة والقدرة:
١ ـ فهناك قدرة تكون قبل الفعل، وهي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهي مصححة للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهي تصلح للمطيع والعاصي، فتكون قبل الفعل، وقد تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها، وإما بتجدد أمثالها.
٢ ـ استطاعة يجب معها وجود الفعل، وهي القوة التي ترد من الله تعالى على العبد، فهذه تكون مقارنة للفعل موجبة له، فهذه القدرة التي ترد من الله على العبد، متى فعل بها الخير أُثيب، ومتى فعل بها الشر عُوقب. (١)
والإمام السمعاني قَرَّر هذه المسألة، على وفق ما جاء عن أهل السنة والجماعة، فقال: " نحن بحمد الله، نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز ". (٢) وقال ذلك حين أورد تساؤلاً في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]: " فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة، والاستعانة تكون قبل الفعل؟! فأجاب: أن هذا إنما يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل، وهو يرد هنا على المعتزلة، ثم أجاب بما ذكرناه، وهو أن الاستعانة والتوفيق مع الفعل سواء قرنه به أم أخره جاز، خلافاً لما قرره الأشاعرة، بأن الاستطاعة مع الفعل، لا يجوز أن تتقدمه، ولا أن تتأخر عنه، وهنا يظهر أن السمعاني أراد أن يرد في كلامه السابق على القدرية القائلين: بأن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، ولا يوجد للفعل قدرة تخصه عند القيام به.
стр. 644
مع أن السمعاني قرر في أكثر من موضع، شرط الاستطاعة التي تكون قبل الفعل، وعليها مدار التكليف، كما في قوله تعالى عن وجوب الحج: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران ٩٧، قال بعد أن حكى كلام العلماء في معنى الاستطاعة: والأصح أن الاستطاعة: هي القدرة على ما يوصله إلى الحج، فمنها: الزاد والراحلة، ومنها: أمن الطريق، ونفقة الأهل، ونحو ذلك (١)، وقد جعل وجود هذه الاستطاعة شرطا في الوجوب على المكلف (٢)، أضف إلى أنه جعل الاستطاعة وصفا للعبد، خلافا للأشاعرة الذين لا يجعلون الاستطاعة مع الفعل وصفا للعبد، وإنما هي كسب لا حقيقة له عند التحقيق، فقال: وأما الاستطاعة تكون للعبد (٣).
المطلب الخامس: معنى الختم والطبع:
جاء في الآيات الكريمات ذكر الختم والطبع، قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، وغيرها من الآيات. وقد فسَّر السمعاني لفظ الختم بالطبع، والطبع بالختم، ففسَّر كل واحد منهما بالآخر (٤)، ثم قال: "وحقيقة الختم: الاستيثاق من الشيء؛ كيلا يدخله ما هو خارج منه، ولا يخرج عنه ما هو داخل فيه، ومنه الختم على الباب" (٥). قال: "ويُقال الطبائع نكت سوداء تقع على القلب، يعرف بها المَلَك المنافق من المؤمن". (٦)
стр. 645
وفسَّر السمعاني الختم والطبع تفسيراً رد به على المخالفين، فالمعتزلة لما كان قولهم في القدر: أن الإنسان مستقل بخلق أفعاله، طردوا هذا المذهب في هذه المسألة وغيرها، فقالوا: إن الله تعالى لا يختم ولا يطبع على قلب أحد من عباده، ولما أرادوا تفسير معناه صرفوه عن ظاهره المراد، إلى ما يوافق عقائدهم الفاسدة، فقالوا معنى الختم: جعل علامة على قلوبهم، تعرفهم الملائكة بها، ولذا قال السمعاني بعد ذكره تأويلهم: " وهذا تأويل أهل الاعتزال، نبرأ إلى الله منه " (١)، وهؤلاء كما يقول ابن القيم: " عظموا الله من جهة، وأخلوا بتعظيمه من جهة، فعظموه بتنزيهه عن الظلم، وخلاف الحكمة، وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد، وكمال القدرة، ونفوذ المشيئة ". (٢)
وأما الأشاعرة فوافقوا أهل السنة في خلق الختم والطبع، وفارقوهم من جهة أن هذه أفعال تكون مبتدأة بلا سبب، ولعل هذا نشأ من إخلالهم بمفهوم الحكمة والتعليل (٣). أما أهل السنة والجماعة، فيقولون: جعل الله تعالى ذلك عقوبة لهم، وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه. (٤)
стр. 646
ولذلك فسَّر السمعاني الختم والطبع، حاكياً فيه قول أهل السنة، مقرراً إياه، فقال: "والثاني وهو قول أهل السنة: أي: ختم على قلبهم بالختم؛ لما سبق من علمه الأزلي فيهم" (١)، وقال: " والطبع على القلب، هو الختم عليه حتى لا يدخله الحق " (٢)، ومن الآيات التي فسَّرها السمعاني في هذه المسألة، وهي شواهد للمذهب الحق، قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول السمعاني: " وختم على سمعه " أي: ختم على سمعه، فجعله لا يسمع الحق، وقوله: " وقلبه "، أي: وختم على قلبه، فجعله لا يقبل الحق " (٣)، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦]، يقول السمعاني: " أي: ختم الله على قلوبهم، ولم يهدهم لقبول قول رسوله " (٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣]، يقول السمعاني: " أي: ختم على قلوبهم، فلا يدخلها الإيمان وقبول الحق ". (٥)
المطلب السادس: هل المعدوم شيء ؟!
المعدوم هو المنتفي الذي ليس بشيء، فالمعدوم لا وجود له، فهو نفي محض (٦)، وهذا مذهب الأشاعرة، وبه قال أبو الهذيل العلاف، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، في حين ذهب بقية المعتزلة إلى أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذا قول فيه تناقض؛ لأن الوجود والثبوت مضاد للعدم، فكيف يكون المعدوم شيء ثابت في العدم؟
стр. 647
وإنما غلط هؤلاء، حين لم يفرقوا بين علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب، وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى، فهم يفرقون بين الوجود العلمي، والوجود العيني، فالوجود العلمي لا وجود له في الخارج، وإنما هو معلوم ذهناً، وعلى هذا الاعتبار يصح قولنا: إن المعدوم شيء في العلم والذهن، أما الثبوت العيني، فهو الشيء الموجود في الخارج، فبهذا الاعتبار، يصح قولنا: إن المعدوم ليس بشيء في الخارج (١)، يقول الإمام ابن تيمية: " وبينا أن المعدوم شيئ أيضاً في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به ". (٢)
وقد ذكر العمراني في رده على المعتزلة، أن هذا القول، هو من أصولهم الفاسدة التي خالفوا بها الكتاب، وإجماع المسلمين (٣). والإمام السمعاني ﵀ رد على المعتزلة قولهم، حين أورد في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، إشكالاً مفاده: " فإن قيل: قد قلتم بأن المعدوم ليس بشيء، وقد جعل الله ها هنا المعدوم شيئاً، حيث قال:" إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ "، معناه: أردنا تكوينه. فالجواب:
стр. 648
أن الأشياء التي قدر الله كونها، هي في علم الله كالكائنة القائمة، فاستقام قوله " إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ ". وقيل: إن هذا على طريق المجاز، ومعناه: إنما يكون شيئاً إذا أردنا تكوينه " (١)، وقد أشار السمعاني في القواطع إلى أن المعدوم ليس بشيء عند أهل السنة (٢)
وهذه المسألة أثارت مسألة أخرى كانت مثار نزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وهي: ما يتعلق بخطاب المعدوم، هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟، ويعود منشأ هذا الخلاف أصالة، إلى مسألة الكلام النفسي عند الأشاعرة، ومعارضة المعتزلة لهم، في سجالات طويلة (٣)، كان أهل السنة المتبعون في غِنى عنها، حين تبعوا المأثور، وساروا على منهج السلف المسطور.
المطلب السابع: المحو والإثبات:
مدار هذه المسألة قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فهل المحو والإثبات شامل للسعادة والشقاوة، والحياة والموت أم لا؟!
ذكر السمعاني خلاف السلف في هذه المسألة:
ـ فالمحكي عن ابن عباس ﵄ برواية سعيد بن جبير أنه قال: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ " إلا السعادة والشقاوة، والحياة والموت، قال السمعاني: وقد ورد خبر يُؤيد قول ابن عباس في أنه لا يُمحى الشقاوة والسعادة، والأجل والرزق، روى حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا وضعت النطفة في الرحم، ومضى عليها خمس وأربعون ليلة، قال الملك: يا رب، أذكر أم أنثى، فيقضي الله، ويكتب الملك، فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، فيقول: يا رب ما الأجل، وما الزرق؟ فيقضي الله تعالى، ويكتب الملك، ثم لا يُزاد فيه، ولا يُنقص ". (٤)
стр. 649
ـ والمحكي عن عمر وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: يمحو الشقاوة والسعادة أيضاً، ويمحو الأجل والرزق، ويُثبت ما يشاء، وكان عمر يقول: اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحه، واكتبني ما تشاء سعيداً، فإنك قلت: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ".
ـ وحَكى السمعاني عن الحسن قوله: " يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ "، أي: يمحو من حضر أجله، ويُثبت ما يشاء من لم يحضر أجله.
ـ وقيل: إن المراد منه: أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم، فيمحو الله منها ما يشاء، وهو ما لا ثواب عليه ولا عقاب، ويُبثت ما يشاء، وهو الذي يستحق عليه الثواب والعقاب.
стр. 650
والراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، المستند إلى السنة النبوية المطهرة، وهو أن ما في سابق علم الله تعالى مما هو في اللوح المحفوظ، لا يقع فيه التبديل، وإنما يقع المحو والإثبات مما في أيدي الملائكة، ففي كتب الملائكة يزيد العمر وينقص، وكذلك الرزق بحسب الأسباب، فإن الملائكة يكتبون له رزقاً وأجلاً، فإذا وصل رحمه زيد له في الرزق والأجل، وإلا فإنه ينقص منهما (١). ولذا فسَّر السمعاني قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]، فقال: ومعنى الآية ها هنا عند أهل السنة: فمنهم شقي سبقت له الشقاوة، ومنهم سعيد سبقت له السعادة " (٢)، ونقل عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]: يقضي كل أمر محكم، إلا السعادة والشقاوة، فإنهما لا يبدلان ولا يُغيران، وعن بعضهم: إلا الموت والحياة أيضاً (٣). وحمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]، أما قبل حضور الأجل فيجوز الزيادة والنقص، وأما على تقدير أجلين، فيكتب أن عمر فلان مائة سنة إن إطاعني، وخمسون أو ستون إن عصاني، قال السمعاني: وهذا جائز. (٤)
المطلب الثامن: هل المقتول ميت بأجله أم لا ؟!
الذي عليه أهل السنة، أن المقتول ميت بأجله، حكاه السمعاني في تفسيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة ". (٥)
стр. 651
يقول ابن أبي العز: " فالمقتول ميت بأجله، فعَلِم الله تعالى وقدَّر وقضى، أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة " (١)، ويقول السفاريني: " والحق عند أهل الحق، أن المقتول ميت في الوقت الذي قدره الله تعالى له، وعلم أنه يموت فيه " (٢)، ويقول ابن المنير: " وأما أهل السنة فمعتقدهم أن كل ميت بأجله يموت " (٣)، لأنه إذا علم الله أنه يموت غداً بأجله، يستحيل أن يقتل اليوم لا بأجله؛ لأنه يؤدي إلى تعجيز الله تعالى عن إحياء عبده إلى الغد، وأنه محال ". (٤)
إذن: فالذي عليه أهل السنة ومن تبعهم، أن المقتول ميت بأجله، وموته بفعل الله تعالى، خلافاً للمعتزلة، الذين يقولون: بل تولد موته من فعل القاتل، وأنه لو لم يُقتل، لعاش إلى أمد وهو أجله، فالقاتل عندهم غَيَّر بالتقديم الأجل الذي قَدَّره الله تعالى له (٥)، ولهم أقوال أخرى في المسألة (٦). ويرد عليهم بقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾ [المؤمنون:٤٣]، يقول الرازي: " قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله؛ إذ لو قُتل قبل أجله، لكان قد تقدم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص ". (٧)
стр. 652
المطلب التاسع: حكم إيلام الأطفال دون ذنب ؟!
أشار السمعاني إلى أنه يجوز عند أهل السنة، أن يوجد الله تعالى الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه، وكذلك على جميع الحيوانات (١). وهذه المسألة كما هو معلوم، لها ارتباط بمسألة الحكمة والتعليل، وبمعنى العدل والظلم. فالأشاعرة جوزوا أن يدخل الله تعالى الطائع النار، والكافر الجنة، بناء على أن الله لا يظلم، وفسروا الظلم بأنه التصرف في الملك، والله له أن يتصرف في ملكه ما يشاء، مضافاً إليه نفيهم للحكمة والتعليل، فيفعل لا لحكمة، فهم لم يفرقوا بين مخلوق ومخلوق، ثم أجازوا تعذيب الحيوان بلا ذنب، ولا يلزم عليه ثواباً، ولذلك أنكرت ذلك المعتزلة؛ لأنه قبيح، وقالوا: لا يكون الإيلام من الله، ولا يحسن منه أن يضر الحيوان، إلا بجرم سابق، أو عِوض لاحق، ورد عليهم السمعاني، حين قال: " يجوز عند أهل السنة أن يوجد الله تعالى الألم إلى ما يشاء من عباده بغير ذنب سبق منه"، ولكنه لما كان يثبت الحكمة، لم يحصر حكمته في الثواب والعِوض، فإن لله تعالى فيما يخلقه من أذى الحيوان، حكم عظيمة، وحَصْرُها فيما ذكره المعتزلة، فيه قياس لله تعالى على الواحد من الناس، وتمثيل لحكمة الله وعدله، بحكمة الواحد من الناس وعدله.
والخلاصة: أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة أحداً إلا بذنب، وما يجريه في الدنيا من أنواع الآلام، فهي جائزة لكنها لا تخرج عن مقتضى الحكمة الإلهية، أدركناها أم لم ندركها. (٢)
لكن إن قيل: ما وجه الآية في قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) الشورى ٣٠؛ لأنه قد نرى من تصيبه المصيبة بغير ذنب سبق منه؟ وأجاب السمعاني عن هذا التساؤل من ثلاثة أوجه:
١ - هي الحدود تقام على العاصي، ولا تقام إلا على العاصين، قال: وهو قول حسن.
٢ - يراد بها المعاقبة فيما كسبت أيديكم، فعلى هذا يجوز أن يصيب الإنسان مصيبة من غير ذنب ولا كسب، إذا لم يرد بها المعاقبة.
стр. 653
٣ - أن الآية على العموم، ولا يصيب أحد بلاء ولا شدة إلا بذنب سبق منه، أو تنبيه لئلا يعمل ذنبا، أو ليعتبر به ذو ذنب (١)
المطلب العاشر: مسألة التحسين والتقبيح العقليين:
هي من المسائل التي جرى فيها نقاش طويل بين العلماء، وعادة ما يشير إليها الأصوليون في مبحث الحاكم، في باب الأحكام الشرعية، وهم متفقون على أن الحاكم هو الله تعالى، وإنما الخلاف فيما يُعرف به حكم الله تعالى؟ وهل العقل يدرك حسن الأشياء والأفعال وقبحها قبل ورود الشرائع أم لا؟ وهل الحسن والقبح في هذه الأشياء ذاتيان، أم ليسا بذاتيين، بل صارا حسنين أو قبيحين بإضافة الشرع لهما صفتا الحسن والقبح؟
اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط:
الطرف الأول: ذهب إلى أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأنهما ذاتيان، ويمكن للعقل أن يدرك حكم الله تعالى في أفعال المكلفين من غير وساطة الرسل. وذهب إلى هذا القول المعتزلة؛ فهم يرون أن الحسن والقبح ذاتيان؛ لأن الحسن من الأفعال: ما رآه العقل حسنا، لما فيه من حسن ونفع، والقبيح: ما رآه العقل قبيحا، لما فيه من الضرر، ورتبوا عليه الثواب والعقاب، ولو لم يرد به الشرع.
والطرف الآخر: ذهب إلى أن العقل لا يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن الحسن والقبح في الأفعال ليسا ذاتيين، ولا يمكن للعقل أن يدرك حكم الله تعالى في أفعال المكلفين إلا بواسطة الرسل. وذهب إلى هذا القول الأشاعرة؛ وهم بهذا يرون أن الحسن والقبح ليسا عقليين، وأن الأفعال قبل ورود الشرائع لا حكم لها؛ بناء على أن الحسن: ما ورد الشرع بالثناء عليه، والقبيح: ما ورد الشرع بذمه، ومن الطبيعي ألا يرتبوا الثواب والعقاب على الأفعال إلا بعد ورود الشرائع.
والطرف الوسط: من جمع بين القولين، وأخذ الصحيح من الطرفين، فكل طرف ممن سبق، غلا في جهة وأحسن في أخرى، فأخذ أصحاب هذا القول، بالقول الحسن من كلا الطرفين، وبيانه كالآتي:
стр. 654
أن العقل يدرك حسن وقبح بعض الأفعال، فيدرك قبح الظلم، وهتك الأعراض، ويدرك حسن العدل وكمال الأخلاق. ويؤيد ذلك الفطرة السليمة، فالعقل والفِطر السليمة تدركان قبح وحسن الأفعال قبل ورود الشرع؛ وذلك أن القبح والحسن في الأشياء ذاتيان. وهم بهذا يوافقون المعتزلة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة ترتب الثواب والعقاب على ما يدرك العقل حسنه أو قبحه قبل ورود الشرع.
وأن العقل حين يدرك حسن وقبح الأفعال، فإنه لا يرتب عليها حكما إلا بعد ورود الشرع، وهم بهذا يوافقون الأشاعرة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة إنكارهم أن تكون الأفعال حسنة أو قبيحة بذاتها قبل ورود الشرع، وهذا القول قال به الماتريدية، وهو القول الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة.
وبعد هذا العرض الموجز لهذه المسألة، نبرز رأي الإمام السمعاني فيها، ومع من يميل؟
فالسمعاني قرر رأيه في هذه المسألة، متماشيا مع تقرير المذهب الأشعري، مع أنه بعيد كل البعد عن المنهج الأشعري في التقعيد والتأصيل، لكن لما كان مناكفا في هذه المسألة للمعتزلة في قولهم: إن العقل يدرك قبح وحسن الأفعال ويرتب عليها العقاب والثواب، ذهب إلى مخالفة قولهم على التمام؛ بأن العقل ليس له حظ من التقبيح والتحسين إلا ما ورد به الشرع، ومن أقواله في هذه المسألة:
-قوله عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء ١٥:هذا دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل؛ فإن الله نص أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث رسولا (١).
-وقوله في كتابه الانتصار: اعلم أن مذهب أهل السنة، أن العقل لا يوجب شيئا على أحد، ولا يرفع شيئا عنه، ولا حظ له في تحليل ولا تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع، ما وجب على أحد شيء، ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب (٢).
стр. 655
-وحكى في كتابه القواطع الخلاف في المسألة، ورجح أن العقل بذاته ليس دليلا على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا حظره ولا إباحته، ولا يُعرف حسن الشيء وقبحه، ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك، وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء، فيدرك به ما حسن وقبح، وأبيح وحرم، بعد أن يثبت ذلك بالسمع، ثم قال عن هذا القول: وهو الصحيح، وإياه نختار، ونزعم أنه شعار أهل السنة (١).
وبهذا يظهر أن رأي السمعاني في هذه المسألة موافقا لما ذهبت إليه الأشعرية، والصحيح ما أشرنا إليه من الجمع بين القولين: من أن العقل والفطرة يدركان قبح الأفعال وحسنها قبل ورود الشرع، لكن لا يجعلونه أساسا للتكليف الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
إلا أن موافقة رأي السمعاني للأشاعرة في هذه المسألة، لا يدل على التزامه بكل ما التزمته الأشاعرة من لوازم هذا القول؛ فقد نفت الأشاعرة الحكمة والتعليل عن أفعال الله تعالى، وحسن الأمر والنهي عندهم في التشريعات لا يُدرك إلا بالشرع فقط، وعليه: فلا فرق عندهم بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه، إلا أن هذا أمر الله تعالى وهذا نهيه؛ لأنه لا حكمة له كما يزعمون، فلو أمر الله تعالى بالزنا على مذهبهم لكان حسنا، وهذا جائز عندهم، والتزموا لذلك جواز تعذيب الطائعين وإثابة العاصين، وأنه يجوز عليه الأمر بعبادة الأصنام، وأن ذلك يكون حسنا؛ لأن مرجع التحسين إلى الشرع.
стр. 656
بخلاف ما يذهب إليه الإمام السمعاني؛ فهو مُثبت للحكمة والتعليل، وكلامه في هذا مستفيض، وقد ذكرت جملة منه في صفة الحكمة لله تعالى، في مبحث أسماء الله تعالى وصفاته. ومن ذلك أيضا قوله في تفسير قوله تعالى: (لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا) النساء:١١، يقول:" أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنهم من يظن أن الآباء تنفع فتكون الأبناء أنفع، ومنهم من يظن أن الأبناء أنفع، فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع لكم؛ وقد دبرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه، واتبعوه." (١)، وقال في تفسير قوله تعالى: (إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام) الأعراف:٥٤،:" فإن قيل: وما الحكمة في خلقها في ستة أيام، وكان قادرا على خلقها في طرفة عين؟ قيل: لأن خلقها على التأني أدل على الحكمة، فخلقها على التأني ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره" (٢).
وقرّر السمعاني أن الله تعالى لا يُعاقب من يُعاقب إلا عن استحقاق بالعدل (٣)، لا كما يقول الأشاعرة من تجويز تعذيب العاصين، فقال: " ويقال: معنى قوله: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ أي: لا يعاقب أحدا من غير جرم " (٤)، وقال:" وقوله: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ أي: لا أنقص ثواب المحسنين، ولا أزيد في مجازاة المسيئين." (٥)، فأفعاله تعالى قائمة على العدل والحكمة، يقول السمعاني: " وقوله: ﴿يدبر الأمر﴾ التدبير من الله تعالى فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة" (٦)، ويقول: "وقوله: ﴿إنه علي حكيم﴾ أي: متعال مما يصفونه (المشركون)، حكيم في جميع ما يفعله" (٧).
стр. 657
الفصل السابع: متممات العقيدة
المبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر
المطلب الأول: تعريف الإيمان، وأنواعه ومسائله
المطلب الثاني: تعريف الكفر، وأنواعه، وأقسامه
المبحث الثاني: الكبائر
المطلب الأول: تعريف الكبائر
المطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة؟
المطلب الثالث: هل للقاتل توبة؟!
المبحث الثالث: الديانات، وفضل الإسلام، وأمة الإسلام
المطلب الأول: التعريف بالديانات
المطلب الثاني: فضل الإسلام
المطلب الثالث: فضل أمة الإسلام
المبحث الرابع: الصحابة، فضلهم ومنزلتهم ومكانتهم
المطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة
المطلب الثاني: فضائل الصحابة ﵃
المطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة ﵃
المطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة ﵃
المطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة ﵃ -
стр. 658
الفصل السابع: متممات العقيدة:
المبحث الأول: مسائل الإيمان والكفر:
عالج السمعاني في هذا المبحث، مسألة من أهم المسائل التي جرى فيها النزاع بين أهل القبلة، وانتصر فيها لمذهب السلف، مذهب أهل السنة والجماعة، ورد على المخالفين في هذا الباب:
- فقرر أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، خلافا:
- للوعيدية من الخوارج والمعتزلة: الذين قالوا: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، لكنهم جعلوا العمل شرطا فيه، يزول الإيمان بزواله دون تفصيل في نوع العمل، وأهل السنة والجماعة على أن الإيمان شعب متعددة، منها ما يزول الإيمان بزوالها، ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها، وهم رأوا كذلك أن الإيمان كلٌ لا يتبعض، بخلاف أهل السنة والجماعة، فإنهم يرون أن الإيمان يتبعض ويتجزأ، وقد يجتمع في المرء إيمان وكفر، وإسلام ونفاق، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية.
- وخلافا لذلك للمرجئة بجميع طوائفها، من:
أ - المرجئة المحضة وهم الجهمية: الذين يرون أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى.
ب - والأشاعرة: الذين يرون أن الإيمان هو تصديق القلب فقط.
ت - والكرامية: الذين يرون أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.
ث - والماتريدية: الذين يرون أن الإيمان هو تصديق القلب، وأما إقرار اللسان فهو ركن زائد فيه ليس بأصلي، يسقط بالإكراه ونحوه.
ج - ومرجئة الفقهاء: الذين يرون أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان.
стр. 659
- وقرر أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مضمن للرد على الطوائف المخالفة في هذا الباب:
- فقالت الجهمية والخوارجوالمعتزلة وبعض الأشاعرة والماتريدية: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
- وقال بعض الأشاعرة: إن الإيمان يزيد ولا ينقص.
- وأشار إلى مسألة الكفر وتقسيماته وأنواعه.
- وذكر ضابط الكبيرة، وعرج على مسألة حكم مرتكب الكبيرة، وقرر فيها مذهب السلف، ورد فيها على المخالف.
- وأشار إلى الديانات، وفضل الإسلام وأمة الإسلام.
- وختم بالحديث عن الصحابة والمسائل المتعلقة بهم.
حقا، فقد كان الإمام السمعاني نصرا لهذه الأمة، وسيفا مصلتا رقاب أهل البدع، وشوكة في حلوقهم.
المطلب الأول: تعريف الإيمان:
المسألة الأولى: تعريف الإيمان في اللغة:
أ ـ في اللغة: يقول السمعاني: " الإيمان، وهو التصديق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، أي: بمصدق لنا. وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسُمِّي المؤمن مؤمناً؛ لأنه يُؤمن نفسه من عذاب الله ". (١)
إذن الإيمان في اللغة: هو التصديق الذي معه أمن (٢)، ويقول ابن منظور: " الإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنى التصديق، ضده التكذيب، يُقال: آمن به قوم، وكذب به قوم ". (٣)
ومن معانيه اللغوية كذلك: الإقرار، يقول الإمام ابن تيمية: " ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق " (٤). فالإيمان لغة، متضمن لمعنى التصديق، والأمن، والإقرار، فهو تصديق وزيادة، متضمن للإقرار، والإذعان، والتسليم. وللإمام ابن تيمية توجيه، ورد مطوَّل لمن جعل لفظ الإيمان مرادفاً للتصديق. (٥)
стр. 660
المسألة الثانية: تعريف الإيمان في الشرع:
ب ـ في الشرع: هو تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
وهذا القدر من الإيمان متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وقد استفاضت نقولات الأئمة في هذا الباب، في حكاية إجماعات السلف، يقول ابن كثير: " فالإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقاداً، وقولاً، وعملاً. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وغير واحد إجماعاً، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ". (١)
وقال ابن عبدالبر: " أجمع أهل الفقه والحديث، على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان ". (٢)
وقال الآجري: " اعلموا ـ رحمنا الله وإياكم ـ أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل الجوارح " (٣)، والإيمان شامل لعمل القلب وقوله، وقول اللسان وعمل الجوارح، يقول ابن تيمية: "وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب، وعمل القلب، ثم قول اللسان، وعمل الجوارح ". (٤)
стр. 661
وقد عَرَّف السمعاني الإيمان في الشريعة، بما عرفه به السلف، فقال:" والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان " (١)، وقال:" الإيمان يجمع ثلاثة أشياء: النية، والقول، والعمل " (٢). ثم رد السمعاني ﵀ على من أخرج شيئاً من هذه الأركان عن الإيمان فقال عن الاعتقاد: " قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، " وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان، ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان " (٣)، والاعتقاد تصديق القلب، وهو قوله، وأما أعماله فكثيرة، يقول السمعاني: " وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، والرجل هو المنيب، لكنه أضاف إلى القلب؛ لأن الأكثر من أعمال الإيمان، يعمله المؤمن بقلبه " (٤)، وقال في تفسير قوله تعالى:" ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]، يعني: بالقلب مع اللسان ". (٥)
وقال ﵀ راداً على المرجئة، الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]: " أي: صلاتكم، فجعل الصلاة إيماناً، وهذا دليل على المرجئة، حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان، وإنما سموا مرجئة؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. وحُكي أن أبا يوسف، شهد عند شريك بن عبدالله القاضي، فرد شهادته، قيل له: أترد شهادة يعقوب؟ فقال: كيف أقبل شهادة من يقول: إن الصلاة ليست من الإيمان ". (٦)
стр. 662
وما حكاه السمعاني عن القاضي أبي يوسف، بصيغة التمريض، توحي بتضعيفه لها، والاستئناس بها على أصل المسألة، لكن أبا يوسف على خِلاف ما ذُكر، فقد روى ابن حبان في الثقات، عن قتيبة بن سعيد، قال سمعت أبا يوسف يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (١)
وأورد السمعاني سؤالاً مفاده: " إن قيل: هذا أَوَّل قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٨٥]، على أن الإيمان قول فرد؟ قيل: قد ذكر في الآية الأولى ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، فذكر المعرفة في تلك الآية، والقول في هذه الآية، ومجموعهما إيمان ". (٢)
فهذا هو معنى الإيمان وحقيقته في الشرع، وهو الذي اتفق عليه السلف، قال عبدالرزاق: سمعت مالكاً، والأوزاعي، وابن جريج، والثوري، ومعمراً، يقولون: الإيمان قول، وعلم، يزيد، وينقص (٣). وقال يحيى بن سعيد القطان: كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد، وينقص (٤). ويقول البخاري: كتبت عن ألفٍ وثمانين رجلاً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (٥)
стр. 663
فالإمام السمعاني في تقريره للإيمان، موافق لقول السلف، بأنه قول وعمل، وبأنه يزيد وينقص، قال ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، أي: يقيناً وتصديقاً، وذلك أنه كلما نزلت آية فآمنوا به، ازدادوا إيماناً وتصديقاً، وهذا دليل لأهل السنة، على أن الإيمان يزيد وينقص " (١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥]، يقول السمعاني: " أي: أدى الفرائض، قال الحسن: من أدَّى الفرائض، فقد استكمل الإيمان ومن لم يُؤد الفرائض، فلم يستكمل الإيمان ". (٢)
المسألة الثالثة: هل الإيمان هو الإسلام، أم بينهما اختلاف ؟
أشار السمعاني إلى وجود خلاف بين السلف في هذه المسألة على قولين:
الأول: ليس بينهما فرق، فهما واحد، واستدل أصحاب هذا القول، بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، قال السمعاني: " فيه دليل لمن قال: إن الإسلام والإيمان واحد " (٣). وذهب إلى هذا القول جماعات من أهل العلم، منهم: البخاري (٤)، ومحمد بن نصر (٥)، وابن حزم (٦)، وابن عبدالبر (٧).
والثاني: أن بينهما فرقاً: فقيل: الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل، وهذا مروي عن الزهري.
стр. 664
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (١)، ويقول السمعاني: " وفي خبر جبريل ـ صلوات الله عليه ـ حيث جاء يسأل عن الإِسلام والإيمان، وفرَّق الرسول ﷺ بينهما، فجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو التصديق الباطن " (٢)، وثبت أيضاً أن النبي ﷺ أعطى قوماً، ولم يعط رجلاً، فقال سعد بن أبي وقاص: إنك أعطيت فلاناً وفلاناً، ولم تعط فلاناً وهو مؤمن؟ فقال: (أو مسلم). (٣)
وجَوَّز السمعاني القولين، إلا أنه قال: " وأكثر الأخبار دالة على التفريق، فيجوز أن نفرق على ما قلنا، وعلى ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يُقال: هما واحد، فيكون الإسلام بمعنى الإيمان، والإيمان بمعنى الإسلام، وهو المتعارف بين المسلمين، أن يفهم من أحدهما، ما يفهم من الآخر ". (٤)
стр. 665
والتفريق بينهما وارد عن السلف، يقول ابن رجب: " وقد نقل التفريق بينهما عن كثير من السلف، منهم: قتادة، داود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خثيمة، ويحيى بن معين، وغيرهم، على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما، وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن " (١)، ورجح ابن رجب التفصيل جمعاً بين الأحاديث، فقال: " إذا أُفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حيئذ، وإن قُرن بين الاسمين، كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: إن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، والإسلام هو استلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين" (٢)، وشبَّه الإمام ابن تيمية الإيمان والإسلام، بالروح والبدن، فقال: " فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح، ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حياً إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمَّى أحدهما، هو مسمَّى الآخر " (٣). وخلاصة القول في الإيمان:
أ ـ الذي قرره السمعاني: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وقد فرَّق أبو الفرج الشيرازي بين أقوال الناس في الإيمان، فقال في جزئه في امتحان السني من البدعي: " يُسأل عن الإيمان ماهو؟ فإن قال: الإيمان قول، وعمل، ونية، وموافقة السنة، فهو سني، وإن قال: اعتقاد بالقلب، فهو أشعري، وإن قال: قول بلا عمل، فهو مرجئ ". (٤)
стр. 666
ب ـ أن الإيمان يزيد وينقص، وعلى هذا قول النصوص الشرعية، وعليه كلام السلف، يقول عمر، بعد أن يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه،: قم بنا نزدد إيماناً (١). وخالف في ذلك المرجئة الجهمية، فقالوا: الإيمان لايزيد ولا ينقص (٢)، وهم بذلك خالفوا النصوص، وأئمة الدين والسنة. وأما المنقول عن الإمام مالك، عن أكثر أصحابه هو قوله: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض، والرواية الأخرى، أنه قال بالزيادة، وتوقف عن النقصان. (٣)
وقد خرَّج العلماء قوله بالتوقف عن النقصان بأوجه (٤):
١ ـ فقيل: إن لفظ الزيادة ورد في النصوص، دون لفظ النقصان، فلم يقل به.
٢ ـ وقيل: توقف مالك عن القول بالنقصان، لئلا يكون شكاً مخرجاً عن اسم الإيمان، فقد نقصان التصديق، فإنه إذا نقص صار شكاً. والصحيح أن التصديق يزيد وينقص.
٣ ـ وقيل: قصد بهذا، مخالفة الخوارج والوعيدية، الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون بها عن الإيمان.
٤ ـ وقيل: ربما كان القول قديماً، ثم رجع عنه.
٥ ـ وقيل: إنه وهم من ناقليه، فيكون فُهم من كلام من قاله، ففهم عنه أنه يقول بالزيادة دون النقصان. فهذه احتمالات واردة، ولذا المعوَّل عليه ما رواه عنه الأكثر من أصحابه.
стр. 667
ولما كان الإيمان كذلك، لم يجز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، يعني: إيماناً لا شك فيه، يقول السمعاني: " وفيه دليل لأهل السنة، على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً؛ لأن الله تعالى، إنما وصف بذلك قوماً مخصوصين، على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف ". (١)
المطلب الثاني: تعريف الكفر:
المسألة الأولى: تعريف الكفر في اللغة:
أ ـ في اللغة: يقول السمعاني: " فالكفر مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر والتغطية، ومنه يُقال لليل كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسُمِّي الزارع كافراً؛ لأنه يستر الحب بالتراب، ويُسمى الكافر كافراً؛ لأنه يستر نعم الله تعالى بكفره، ويصير في غطاء من دلائل الإسلام وبراهينه ". (٢)
ولا يخرج ما ذكره السمعاني في معنى الكفر في اللغة، عما ذكره علماء اللغة في هذا المقام، يقول الجوهري: " الكفر ضد الإيمان، وقد كفر بالله كفراً، وجمع الكافر، كفار، وكفرة، وجمع الكافرة، الكوافر، والكفر أيضاً جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقد كفره كفوراً وكفراناً. والكفر بالفتح التغطية ... والكَفْر أيضاً القرية، والكفر أيضاً القبر .. ، والكفر أيضاً ظلمة الليل وسواده، ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله عليه ... والكافر الزارع؛ لأنه يُغطي البذر بالتراب ". (٣)
والله تعالى سمى الكفر ظلمات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: " يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سُمي الكفر ظلمات؛ لأنه طريق الكفر مشتبه ملتبس " (٤)، وقال: " وسُمي الكفر ظلمة؛ لأنه يتحير في الظلمة ". (٥)
стр. 668
وقد يُطلق الفسق ويراد به الكفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٥٣]، يقول السمعاني: " والفسق ها هنا هو الكفر". (١)
وقد قيل: أصل كل كفر الكسل، ولذلك عَبَّر الله جل وعلا بالكسل حين ذكر صلاة المنافقين، فقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]، أي: متثاقلين، قال السمعاني: " فإن قيل: كيف ذكر الكسل في الصلاة، ولا صلاة أصلاً؟ قلنا: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل، والإيمان منشط، ويُقال: أصل كل كفر الكسل ". (٢)
والكفر ناشئ عن الاستكبار، لذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ [الأعراف:٣٦]، قال السمعاني: " إنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب، وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبراً " (٣)، ولما كان كذلك، كان كل كافر بالله تعالى خاسراً، كما قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥]، وكل كافر بالله تعالى ذليل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، أي: الأقلين، وكل كافر ذليل، وكل مؤمن عزيز. (٤)
وأول من سن الكفر إبليس، يقول السدي: ما من كافر يدخل النار، إلا وهو يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر. (٥)
стр. 669
المسألة الثانية: تعريف الكفر في الشرع:
ب ـ في الشرع: قالوا في تعريف الكفر في الشرع: هو عدم الإيمان (١)، ولذا فهما متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر (٢). وقيل: الكفر تغطية ما حقه الإظهار، وأعظم الكفر: جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة (٣). وقال السيوطي: " الكفر تغطية الحق بالباطل ". (٤)
وقد قسم السمعاني الكفر إلى أربعة أقسام فقال: وقيل: الكفر على أربعة أنحاء:
١ ـ كفر إنكار: وهو ألا يعرف الله تعالى أصلاً، أو لا يعترف به.
٢ ـ كفر جحد: وهو أن يعرف الله تعالى، ولكن يجحده، ككفر إبليس.
٣ ـ كفر عناد: وهو أن يعرف الله تعالى بقلبه، ويعترف بلسانه، ولكن لا يتدين به، ولا يتخذه ديناً، ككفر أبي طالب، فإنه عرف الله ورسوله بقلبه، وأقر بلسانه.
٤ ـ كفر نفاق: أن يعترف باللسان، ولا يعتقد بالقلب. قال السمعاني: " فهذه أنواع الكفر، فمن لقي الله تعالى بنوع منها لم يعف ". (٥)
стр. 670
والسمعاني يُقسِّم الكفر إلى نوعين: كفر بالله مخرج عن الملة، وهو ما أشار إليه سابقاً، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفران النعمة، وقد حَمَل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، على كفران النعمة بترك الطاعة، قال: وهذا ما عليه أكثر أهل التفسير، وهو الأصح من حمله على الكفر بالله تعالى (١)، ويدل عليه أيضاً تفريقه بين الرياء والنفاق، فقال: " واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض " (٢)، فإن كان ما ذكره الإمام السمعاني صحيحاً، فكيف وجَّه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠]، والذين في قلوبهم مرض، أي: نفاق، فكيف أخبر عن المؤمنين في ابتداء الآية، ثم قال: " رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " وهم المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمناً؟! أجاب عنه السمعاني بقوله: " والجواب عنه: أن في الآية حذفاً، ومعناه: " فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ "، فرح المؤمنون واستأنسوا بها، و" رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ " أي: شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظراً شديداً، شبه الشاخص بصره عند الموت، وإنما أصابهم مثل هذا؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا، خافوا ظهور النفاق " (٣)، إذن: فالنفاق كفر القلب، وزواله بالإخلاص. (٤)