١ ـ أن الله تعالى هدى هذه الأمة، حين اختلفت بقية الأمم، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣]، قال زيد بن أسلم: اختلفوا في القبلة، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم: كذاب، وقال بعضهم: ابن الله، فهدانا الله لكونه نبياً عبداً، واختلفوا في إبراهيم، فادعاه كل فرقة، فهدانا الله لكونه حنيفاً مسلماً، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، فاليوم لنا ـ يعني الجمعة ـ، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى " (١). وقال مجاهد: كان الله تعالى أمرهم بالجمعة، فأبوا، وطلبوا السبت، فشدد عليهم فيه، وكذلك النصارى أمروا بالجمعة فأبوا، وطلبوا الأحد، وأعطى الله الجمعة لهذه الأمة، فقبلوا، وبورك لهم فيها. (٢)
стр. 702
٢ ـ أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطاً عدولاً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: " يعني: كما اخترنا الأنبياء، واخترنا بني إسرائيل من الخلق، فكذلك اخترناكم من الأمم، " أُمَّةً وَسَطًا " أي: عدلاً خياراً، وفي الخبر أن النبي ﷺ قال: " إنكم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأعدلها " (١)، وقد ورد في الخبر عنه ﵊ أنه قال: " خير الدين النمط الأوسط " (٢)، يعني: الذي ليس فيه غلو ولا تقصير، وذلك دين الإسلام؛ لأن النصارى قد غلوا في دينهم، واليهود قصروا، وأما المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط ". (٣)
٣ ـ فضيلة كلمة الاسترجاع لهذه الأمة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، قال سعيد بن جبير: كلمة الاسترجاع لم تعط لأحد من الأمم، سوى هذه الأمة. ألا ترى أن يعقوب ـ صلوات الله عليه ـ لما أُبتلي بفراق يوسف، قال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤]، ولم يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ومعناه: إنا لله ملكاً وعبودية، وإنا إليه راجعون في القيامة، وإنما قُيِّد بهذا؛ لأن الأمر في القيامة يخلص لله تعالى. (٤)
٤ ـ فضيلة الاستغفار لهذه الأمة، يقول السمعاني: " واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين من قبلنا، كان الواحد منهم إذا أذنب ذنباً، يظهر على بابه أن اقطع من نفسك عضو كذا، وكان لا بُدَّ له منه، وقد أخرج الله تعالى هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار؛ كرامة لهم، وتيسيراً عليهم ". (٥)
стр. 703
٥ ـ أنها أمة مرحومة، قال تعالى في دعوة موسى ربه جل وعز: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، يقول السمعاني: " وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة، وذلك أن موسى ـ صلوات الله عليه ـ سأل أن يكتب الرحمة له ولأمته، فكتبها لأمة محمد ﷺ ". (١)
٦ ـ أن الله تعالى أحل لهذه الأمة الغنائم، وسمَّاها الله تعالى أنفالاً، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، والنفل في اللغة: الزيادة، ومنه صلاة النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة، فسميت الغنائم أنفالاً؛ لأنها زيادة كرامة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص". (٢)
٧ ـ أن الله تعالى اختص هذه الأمة بالسبع المثاني، وهي سورة الفاتحة، يقول مجاهد: إنما سميت مثاني؛ لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحى بها إليهم، ولم يُعطها أحداً من الأمم. (٣)
٨ ـ أن الله تعالى نادى أمة محمد ﵊، فقال: " يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني "، فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦]، وهو مروي عن أبي هريرة ﵁، يقول السمعاني: " وفي القصة: أن موسى لما سمع هذا من الله تعالى قال: يارب، إنما جئت لوفادة أمة محمد ﷺ ". (٤)
стр. 704
٩ ـ أن هذه الأمة مصطفاة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، يقول السمعاني: " الأكثرون على أن المراد من قوله: " الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا " هذه الأمة ". (١)
١٠ ـ أنه هذه الأمة نصيبها في الآخرة، أنهم نصف أهل الجنة، قال النبي ﷺ : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني " (٢)، وفي بعض الأخبار:" أن أهل الجنة مائة وعشرون صنفاً، ثمانون من هذه الأمة " (٣)(٤)
١١ ـ أنه هذه الأمة تزكي شهود الأنبياء بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، يقول السمعاني: " وفيه قول آخر: أنه بمعنى التزكية، يشهد الرسل بالنبوة من سائر الأمم، وذلك أن مؤمني سائر الأمم شهدوا للرسل بالنبوة، وتبليغ الرسالة، فهذه الأمة تزكي أولئك الشهود " (٥)، وكذلك هذه الأمة تشهد للرسل بالبلاغ، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: " وذلك يوم القيامة، حين يسألة الأمم عن إبلاغ الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة، فيسأل الرسل، فيقولون: بلغنا، فيقال لهم: ومن يشهد لكم؟! فيأتون بهذه الأمة، فيشهدون لهم بالبلاغ ". (٦)
١٢ ـ أن الله تعالى خفف عن هذه الأمة، في أحكامها وتشريعاتها، ومن ذلك قوله تعالى في حكم القصاص: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني في بيان وجه التخفيف: " ومعناه: أن الدية كانت في شرع النصارى حتماً، والقصاص في شرع اليهود حتماً، وخيرت هذه الأمة بين القصاص والدية، فذلك التخفيف ". (٧)
стр. 705
١٣ ـ أنهم خير أمة في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، قال السمعاني: " أراد به: كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ، وقيل: أراد به: صرتم خير أمة إذا آمنتم ". (١)
١٤ ـ ونقل السمعاني عن كعب الأحبار في فضيلة هذه الأمة قوله: " أُعطيت هذه الأمة ثلاثاً، لم يُعط أحد من الأمم: قال الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة، أنت شاهد على أمتك، وقال لهذه الأمة: أنتم الشهداء على الأمم، وقال تعالى لكل نبي: ما عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال لكل نبي: ادع استجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ". (٢)
إذن: فهذه الأمة المحمدية، خصائصها، ومزاياها، كثيرة جداً، امتن الله تعالى بها عليها، ورفع من شأنها، وأعلى مقامها، وأعطاها ما لم يُعط من الأمم غيرها؛ تكرمة لبنيها ﵊، وزيادة في شرفه، قال القسطلاني: " وتفصيل فضلها وخصائصها، يستدعي سفراً، بل أسفاراً، وذلك فضل الله يؤتيه الله من يشاء، والله ذو الفضل العظيم". (٣)
стр. 706
المبحث الرابع: الصحابة، فضلهم، ومنزلتهم، ومكانتهم:
أفاض القرآن وتواترت السنة في ذكر فضائل الصحابة، وبيان منزلتهم ومكانتهم، وهذا لا ينكره إلا جاحد حاقد على الصحابة ﵃، وإلا فكيف تتوارد هذه النصوص وتستفيض في بيان هذه الفضائل، ويترجم لها الأئمة في مصنفاتهم، ويسندون الأحاديث في ذكر مناقبهم، ثم تأتي شرذمة قليلة ينالون منهم، يتعلقون بواهيات النصوص ومتشابهات الألفاظ. ولذا انبرى الإمام السمعاني كغيره من أئمة الإسلام، للدفاع عن الصحابة، والذوذ عن أعراضهم، وبيان فضائهم وميزاتهم التي حظوا بها، والرد على مخالفيهم، فلا يجد مناسبة قريبة أو بعيدة لهذا البيان إلا ذكره وأظهره وبينه، ومن ذلك:
стр. 707
-ما يتعلق بزعم الرافضة، أن النبي ﷺ قد نص على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ على رؤوس الأشهاد، وذلك حين تكلم عن قسمي التواتر، فقال: والقسم الثاني: ما يرجع إلى معناه دون عينه ... فهو الخبر عن جود حاتم، وشجاعة علي وأمثاله، وحلم الأحنف وذويه، ثم قال: واعلم أن مثل هذا الطريق، رد على الرافضة، ما زعموا من نص الرسول على إمامة علي، فإنهم زعموا أن النبي نص عليه على رؤوس الأشهاد، ومشهد من جميع أصحابه، ونص لهم عليه، وقال: هو الإمام من بعدي، ثم إنهم جميعا كتموه، وهذا محال من الكلام، ولا يتصور من ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير، اختلاف طباعهم، وتباين أهوائهم، وتردد الدواعي منهم، إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا النص الجلي (١).
-وكذلك ما ذكره في رد رواية الرافضة والخوارج الذين كفروا الصحابة وفسقوهم، فقال: وأما الفسق من حيث الاعتقاد، مثل أهل الأهواء، فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين: منهم من كفر الصحابة وفسقهم، مثل الخوارج والرافضة، فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول (٢).
وقد برز اهتمام السمعاني بموضوع الصحابة من عدة جهات:
١ - تحقيق مسمى الصحبة.
٢ - الإشادة بفضائل الصحابة، والتأكيد على حقوق آل البيت.
٣ - التأكيد على التوائم بين الصحابة وآل البيت.
٤ - بيان حكم سب الصحابة وتنقصهم.
٥ - بيان الموقف الشرعي تجاه الفتنة التي جرت بين الصحابة.
وظهر من تتبع كلام السمعاني، المنهج الوسط في التعامل مع القضايا التي وردت في الصحابة، فكان وسطا بين الجفاة والغالين، وسدا منيعا تجاه المغرضين المخالفين، ويظهر هذا جليا في غيرته على الصحابة في رده على من حكى تجهيل بعض الصحابة، فقال: وهذا الذي قاله جرأة عظيمة (٣).
وقد أكد السمعاني على جملة من المسائل المهمة المتعلقة بالصحابة ﵃، منها:
стр. 708
-التأكيد على عدالة الصحابة، ووجوب قبول رواياتهم، فقال: اعلم أن الصحابة عدول، وروايتهم يجب قبولها من غير تخصيص (١)، وقال ردا على من تفوه على الصحابة بما يسوء، وقدح في عدالتهم: عدالة جميع الصحابة ثبتت قطعا، فلا يزول عنها إلا بدليل قطعي (٢)، وقال: وجميع الصحابة قد عدلهم الله في آي كثيرة من كتابه (٣)، وقال: وجميع الصحابة عدول، وليس لنا الاجتهاد في تعديلهم وقد عدلهم الله (٤).
-أن الصحابة هم أهل العلم والفقه والديانة الذين يُرجع إليهم في الفقه والفتوى والعلم؛ لأنهم هم أهل النظر والاجتهاد، وفي هذا يقول السمعاني: من تدبر اختلاف الصحابة في المسائل واحتجاجهم في ذلك، عرف أنهم كانوا يرون القياس والاجتهاد في الفروع (٥).
- أن اختلاف الصحابة كان اختلافا راقيا، لا يوجب تبديعا ولا تفسيقا ولا تكفيرا؛ لأن مبناه الاجتهاد في معرفة مدلولات النصوص، بعيدا عن أهواء النفس وشهواتها، وفي هذا يقول السمعاني: فكل مسألة حدثت في الإسلام، فخاض فيها الناس فتفرقوا واختلفوا، فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضا ولا تفرقا، وبقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يحل النظر فيها والأخذ بقول من تلك الأقوال، لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا، كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء الألفة والمودة (٦).
-أنه ينوه كثيرا بإجماعات الصحابة، ويبين أثرها في تخصيص بعض النصوص، كما في إشارته لإجماع الصحابة في قبول خبر الواحد والعمل به، وكما جعل من دلائل النسخ إجماع الصحابة (٧).
стр. 709
المطلب الأول: حقيقة مسمى الصحبة:
الصحبة فضل، ومنَّة، وإنعام من الله، فمن حَظِي بها، حَظي بخيري الدنيا والآخرة، يقول ابن العربي: " وفائدة صحبته في الدنيا: الفتح، وفي الآخرة: النجاة من النار ". (١)
والذي عليه جمهور السلف والخلف: أن الصحابي هو من رأى رسول الله ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، وإن لم تطل صحبته، وإن لم يرو عنه شيئاً. (٢)
стр. 710
والإمام السمعاني ذكر في كتابه القواطع، أن مسمى الصحبة عند الأصوليين، ومن حيث اللغة والظاهر، أنه يقع على من طالت صحبته، وكثرت مجالسته للنبي ﷺ . ثم ذكر مسمَّى الصحبة عند أهل الحديث، وهو أنهم يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثاً، أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ ، فأعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة، ورجح هذا القول، ولذا قال: " فكل من روى عنه، أو رآه فهو قرنه الذي بُعث فيه، إلا أنه مع هذا لا بُدَّ من رؤية أو رواية للإجماع " (١). وهذا القول ذهب إليه جماهير الأمة سلفاً وخلفاً، وممن نص على الإكتفاء لثبوت الصحبة بمجرد الرؤية ولو لحظة، ولو لم يقع معها مجالسة، أو مماشاة، ولا مكالمة، لشرف النبي ﷺ ، مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، قال مالك: من صحب رسول الله ﷺ سنة، أو شهراً، أو يوماً، أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك (٢)، وقال علي بن المديني: من صحب النبي ﷺ ، أو رآه ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبي ﷺ ، وقال البخاري: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه (٣). وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك. (٤)
стр. 711
المطلب الثاني: فضائل الصحابة ﵃ ـ:
أجمع العلماء على أن خير القرون، قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأجمعوا على أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة، الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ضوان الله عليهم. (١)
والإمام السمعاني ذكر فضائل الصحابة ﵃، وذكر طبقاتهم، وأطنب في ذكر فضائلهم، وبيان خصائصهم. وقد قسم السمعاني فضائلهم إلى قسمين: فضائل عامة لجميع الصحابة، وفضائل خاصة لبعضهم، ثم أشار إلى التفاضل بينهم، وبيانه فيما يلي:
ا ـ الفضائل العامة للصحابة ﵃:
أ ـ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧]، قال السمعاني: " وحكى أبو الحسين بن فارس، عن بعض التابعين، أنه أراد بالنجوم هاهنا: الصحابة، يهتدى بهم في ظلمات الشرك، وهذا مثل قوله: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم " (٢)(٣).
ب ـ وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وهذه الآية وما فيها من ضرب المثل بالنبي ﷺ وأصحابه، وذكر صفتهم هي في جميع أصحاب النبي ﷺ من غير تعيين (٤). ومن أوجه الثناء فيها، قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، قال السمعاني: " قال الزجاج: هو تخليص للجنس، وليس المراد بعضهم؛ لأنهم كلهم مؤمنون، ولهم المغفرة، والأجر العظيم ". (٥)
стр. 712
ج ـ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، يقول السمعاني: " هذه الآية في السابقين الأولين، وفيهم أقوال: أحدها: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، والقول الرابع: السابقون الأولون من المهاجرين: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، والسابقون الأولون من الأنصار: هم الذين بايعوا مع رسول الله ليلة العقبة. وأما قوله " وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ " فيه قولان: أحدهما: أنهم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين منهم، والقول الثاني: أنهم المؤمنون إلى قيام الساعة " (١). واستدل بهذه الآية محمد كعب القرظي، على أن الصحابة كلهم في الجنة، قال السمعاني: " وعن أبي صخر حميد بن زياد، قال: أتيت محمد بن كعب القرظي، فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله ﷺ في الجنة، مسيئهم ومحسنهم، فقلت له: من أين تقول هذا؟ فقال: اقرأ قوله تعالى:" وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ " إلى أن قال: " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ "، ثم قال: شرط للتابعين شريطة، وهو قوله: " اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ " ومعناه: أنهم اتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: وكأني لم أقرأ هذا الآية قط " (٢)، وإلى هذا ذهب الإمام ابن حزم، أن الصحابة كلهم في الجنة. (٣)
стр. 713
د ـ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤]، يقول السمعاني: " لا مرية ولا ريب في إيمانهم ". (١)
وذكر السمعاني أن الصحابة ﵁ طبقتان: المهاجرون والأنصار، وعَرَّف بهم فقال: المهاجرون: هم الذين هاجروا من أوطانهم، وقدموا المدينة مع رسول الله ﷺ (٢). وقال: " المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم من أهل الهجرة الأولى، وهم الذي هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين، وهما الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة ". (٣)
وأما الأنصار: فهم أهل المدينة، الذين أنزلوا رسول الله ﷺ والمهاجرين في دورهم. (٤)
стр. 714
والله تعالى ذكر كلتا الطائفتين، فقال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، يقول السمعاني: " أي: الصادقون عقداً، وقولاً، وفعلاً " (١)، ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، وهؤلاء أجمع أهل التفسير على أن المراد بهم الأنصار، وقد أثنى الله عليهم بالإيمان والسماحة، والإيثار، وسخاء النفس، " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " أي السعداء الفائزون. (٢)
٢ ـ فضائل آل بيت النبي ﷺ :
محبة آل بيت النبي ﷺ واجبة، يقول الإمام ابن تيمية: " محبتهم عندنا فرض يُؤجر عليه ". وقال: " ومن أبغضهم فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ". (٣)
стр. 715
وقال السيوطي في أحكام القرآن، في الاستنباط من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]،:" وجوب محبة قرابته ﷺ فمحبته أولى" (١). وقد ذكر السمعاني في تفسير هذه الآية خمسة أقوال، واستظهر منها، ما كان مشهوراً عند السلف، فقال: " أظهرها وأشهرها، أن معناه: لا أسألكم إلا أن تودوني لقرابتي منكم، وقيل: تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، بالاستجابة لي إلى ما أدعوكم إليه، وتكفوا عني أذاكم، وهذا قول ابن عباس، أورده البخاري عنه في الصحيح، على لفظ معلوم مقبول، وهو قول طاووس، ومجاهد، وقتادة، وعامة المفسرين.
قال قتادة: كانت قريش تصل الأرحام، فطلب منهم النبي ﷺ أن يصلوا القرابة التي بينه وبينهم، وألا يقطعوها. وعن ابن عباس، قال: ما من بطن من بطون قريش، إلا ولرسول الله ﷺ فيهم قرابة، فسألهم أن يصلوها ". (٢)
وقد ذكر السمعاني خلاف العلماء في حقيقة مسمى آل البيت، وما الذي يشمله على أقوال:
أولاً: أنهم ذووا قرابة النبي ﷺ ، واختلفوا في تعيينهم إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم بنو هاشم خاصة، وهو قول مجاهد.
الثاني: أنهم جميع قريش، وهو مروي عن ابن عباس.
стр. 716
الثالث: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا قول الشافعي. قال السمعاني: " وقد دَلَّ عليه الخبر المروي بطريق جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ : " قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، فمشيت أنا وعثمان إلى رسول الله ﷺ ، وقلنا: يا رسول الله، إنا لا ننكر فضيلة بني هاشم؛ لمكانك الذي وضعك الله فيهم، ولكننا وإخواننا بني المطلب في القرابة منك سواء، وقد أعطيتهم وحرمتنا، فقال: إنا وبني المطلب شيء واحد ـ وشبك بين أصابعه ـ وإنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام ". (١)
ثانياً: أن آل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه من أمته، وقد استدل له السمعاني بقول تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩]، فقال: " وآل فرعون: أتباعه الذين اقتدوا به وبفعله، وكذلك آل النبي ﷺ أتباعه". (٢)
ثالثاً: أن آل بيت النبي ﷺ هم أصحاب الكساء، وهم علي، وفاطمة، والحسن، والحسين. (٣)
رابعاً: أن آل بيت النبي ﷺ هن نساؤه ﵅، وهو مروي عن ابن عباس، وقاله عكرمة وجماعة.
ورجح السمعاني أن آل بيته يشمل، نساؤه، وأصحاب الكساء، قال السمعاني في المخاطب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]،: " أن الآية عامة في الكل، وهذا أحسن الأقاويل، فآله قد دخلوا في الآية، ونساؤه قد دخلن في الآية.
стр. 717
واستدل من قال: إن نساءه قد دخلن في الآية، أنه قال: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ "،وأهل بيت الرسول هن نساؤه؛ ولأنه تقدم ذكر نسائه، والأحسن ما بينا من التعميم " (١)، واستدل السمعاني أيضاً بقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣]، وزعمت الشيعة في قوله تعالى: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ " أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها ". (٢)
وقد ذكر السمعاني فضائل آل بيت النبي ﷺ وحقوقهم، وبيانه فيما يلي:
١ ـ علي بن أبي طالب ﵁: أشار السمعاني إلى فضائله من جهات متعددة , وهي:
أ ـ ثناء النبي ﷺ عليه، فقال ﵊:" من كنت مولاه فعلي مولاه " (٣)، وفسره السمعاني بقوله: " يعني: من كنت ولياً له، أعينه، وأنصره، فعلي يُعينه وينصره في الدين ". (٤)
ويُقال: إن الخبر ورد على سبب، وهو أن علياً قال لأسامة ﵄ أنت مولاي، فقال أسامة: لست مولاك، إنما أنا مولى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " من كنت مولاه فعلي مولاه "، أي من توليته أنا، فعلي مولاه، من موالاة المحبة والنصرة. (٥)
ب ـ أنه من المؤمنين، الذين لهم حق المودة، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]،: نزلت الآية في المؤمنين، فقيل له: إن قوماً يقولون: إن الآية نزلت في علي بن أبي طالب، فقال أبو جعفر: علي من المؤمنين. (٦)
стр. 718
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]: إن الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁، والمراد منه: مودة أهل الإيمان له. (١)
ج ـ ذكره ثناء ابن عيينة على علي بن أبي طالب، قال ابن عيينة: من تزوج بأربع نسوة، أو تسرى بمماليك، فلا خلل في زهده في الدنيا، فإن علياً ﵁ قُتل عن أربع عقائل، وتسع عشرة سَريَّة، وكان أزهد الصحابة. (٢)
٢ ـ وذكر السمعاني فاطمة بنت رسول الله ﷺ بأنها تُسمى الزهراء البتول، أي: المنقطعة عن أقرانها في الفضل. (٣)
٣ ـ حرمة أزواج النبي ﷺ وخصائصهن، وذكر السمعاني ذلك من عدة أوجه:
أ ـ من جهة الأمومة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، قال السمعاني: " أي: في الحرمة الخاصة، دون النظر إليهن، والدخول عليهن ". (٤)
وأشار السمعاني في هذا المقام إلى مسألتين لطيفتين:
الأولى: في حكم المرأة التي فارقها النبي ﷺ قبل الوفاة، هل هي محرمة أم لا؟
ـ فقيل: إنما محرمة، وقيل: ليست محرمة، وقيل: إن كان دخل بها فهي محرمة، وإن لم يكن دخل بها، فليست بمحرمة.
والثانية: هل أمهات المؤمنين أيضاً يكن أمهات للمؤمنات أم لا؟! فقيل: إنهن أمهات المؤمنات، كما أنهن أمهات المؤمنين، وقيل: إنهن أمهات الرجال دون النساء، وهو مروي عن عائشة.
ثم قال السمعاني: " وأما إخوة أزواج النبي ﷺ ، فليسوا بأخوال المؤمنين، وكذلك أخوات أزواج النبي ﷺ لسن خالات المؤمنين، وقد روى أنه كانت عند الزبير، أسماء بنت أبي بكر، فقالت الصحابة: عند الزبير أخت أم المؤمنين، ولم يقولوا: عنده خالة المؤمنين ". (٥)
стр. 719
ب ـ حرمة نكاحهن بعد النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، لم؟ حفظاً لحرمة النبي ﷺ ؛ ولأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه (١)، وقيل: لأنهن أزواجه في الجنة (٢)، قال ابن كثير: " ولهذا أجمع العلماء قاطبة، على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه، أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين " (٣)، ولذا قال تعالى: " إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا " أي: ذنباً عظيماً. (٤)
ج ـ أن جميعهن محسنات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]، يقول السمعاني: " والمحسنات هن اللاتي اخترن الله ورسوله، والدار الآخرة، وجميع نساء النبي ﷺ قد اخترن ذلك، فجميعهن محسنات ". (٥)
стр. 720
د ـ أنهن أشرف نساء العالم، ذكره السمعاني عن أبي بكر الفارسي، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، قال السمعاني: " وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن، بهذه الآية على أنهن أشرف نساء العالم " (١)، قال السمعاني: وإنما استحقت مثلي عذاب غيرها؛ لشرف حالها بصحبة النبي ﷺ ، علماً أن معنى الآية إما أن يُحمل على معنى المباعدة التامة، كما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ﴾ [الزُّمَر:٦٥]، وهذا لا يدل على أنه قد أتى بشرك أو يأتي، وإما أن يُحمل على معنى النشوز، وسوء الخلق. (٢)
وقد ذكر السمعاني بعض فضائل عائشة ﵂ فقال: " واعلم أن عائشة ﵂ كانت تفتخر بأشياء منها: أن جبريل ﵇ أتى بصورتها في سَرَقَة من حرير، أي: قطعة، وقال: هذه زوجتك، وذلك بعد وفاة خديجة، ويُقال: أتى بصورتها في كفه، ومنها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بعذراء إلا بها، ومنها: أن النبي ﷺ قُبض ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، ومنها: أنه نزل براءتها من السماء، ومنها: أنها بنت خليفة رسول الله، وأنها صديقة. وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ ، المبرأة من السماء ". (٣)
стр. 721
وذكر جملة من فضائل زينب بنت جحش ﵂، فقال: " وقد ثبت في الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على سائر زوجات النبي ﷺ ويقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات " (١)، وقد ثبت برواية أنس: " أن النبي ﷺ ما أولم على أحد من نسائه، ما أولم على زينب بنت جحش، أشبع الناس من الخبر واللحم " (٢). ومن فضائل زينب: " أن النبي ﷺ قال لنسائه عند الوفاة: " أسرعكن بي لحوقاً، أطولكن يداً " (٣)، فكانت زينب أول من توفيت من أزواج النبي ﷺ بعده، وكانت أمرأة صناعاً، تكثر الصدقة بكسب يدها، فعرفوا أن معنى طول اليد، هو كثرة الصدقة، وهي أيضا أول من اتخذ عليها النعش ". (٤)
ولما كان أمرهن كذلك، ذكر الله تعالى أن من رماهن بالسوء، فعليهم اللعنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، يقول السمعاني: " والغافلة عن الفاحشة، أن لا يقع في قلبها فعل الفاحشة، وكانت عائشة ﵂ هكذا، وقوله: " لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " رُوي عن خصيف قال: قلت لمجاهد: من قذف مؤمنة لعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال: ذاك لعائشة. ويُقال: هذا في جميع أزواج النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ ". (٥)
стр. 722
أما ما يتعلق بقذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه، فإنه كفر، حكى العلماء الإجماع، أن من قذفها بما برأها الله منه فهو كافر (١). وذهب جماهير العلماء، أن قذف إحدى أمهات المؤمنين، هو كقذف عائشة، قال ابن تيمية: " والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين، فهو كقذف عائشة؛ لأن هذا عار، وغضاضة على رسول الله ﷺ وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن ". (٢)
٣ ـ فضائل الصحابة على وجه الخصوص:
أورد السمعاني جملة من فضائل لبعض أصحاب النبي ﷺ ، وممن ذكرهم وأشار إليهم:
أ ـ أبو بكر الصديق ﵁: وتظهر فضائله من الوجوه التالية:
١ ـ محبة الله تعالى له، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، قال علي، والحسن: نزل هذا في أبي بكر وأصحابه، وكان الحسن يحلف على هذا. (٣)
٢ ـ تسميته بالصديق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزُّمَر:٣٣]، في أحد الأقوال في تفسير الآية: أن الذي جاء بالصدق، نبينا محمد ﷺ ، والذي صدق به أبو بكر ﵁. (٤)
يقول السمعاني: " والصِّديق: كثير الصدق، وهو للمبالغة، ومن سُمي أبو بكر الصديق ﵁ صديقاً، وقيل: سُمي صديقاً؛ لأنه قيل له: إن صاحبك يقول: أُسري بي إلى السماء، فقال: إن هو قال ذلك فقد صدق ". (٥)
٣ ـ الآيات التي ذكرها المفسرون أنها نزلت في فضائل الصديق كثيرة، منها:
стр. 723
ـ قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٥٢]، يقول السمعاني: " وفي بعض التفاسير: أن هذه الآية نزلت في أبي أبي بكر الصديق ﵁ ". (١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، يقول السمعاني: " وعن الزبير، أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وهذا محكي عن عطاء بن أبي رباح. قال الضحاك: شرب أبو بكر لبناً، ثم سأل عنه، وكان من غير وجهه، فاستقاه، فأنزل الله هذه الآية ". (٢)
ـ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل:٥ - ٧]، يقول السمعاني: " ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ ". (٣)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل:١٧ - ١٨]، يقول السمعاني: " وهو وارد في أبي بكر الصديق على قول أكثر المفسرين ". (٤)
стр. 724
٤ ـ أن أبا بكر خليفة رسول الله ﷺ ؛ لأنه قام بالأمر بعده، وإلا فعند أهل العلم، أن الرسول ﷺ توفي، ولم يستخلف أحداً (١). وهذه مسألة خلاف عند أهل السنة: هل خلافة الصديق ﵁ كانت بالنص أو بالاختيار؟ يقول ابن أبي العز: " فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث، إلى أنها تثبت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال: بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث، والمعتزلة، والأشعرية، إلى أنها تثبت بالاختيار " (٢)، وبعد أن ذكر الإمام ابن تيمية الخلاف قال: " فقد تبيَّن أن كثيراً من السلف والخلف، قالوا فيها بالنص الجلي أو الخفي " (٣)، وهو بهذا يريد الرد على الرافضي، في زعمه: أن أهل السنة يقولون: إن النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ لم ينص على إمامة أحد، وأنه مات من غير وصية. والراجح، ما ذهب إليه السمعاني، بأن الأمر كان بالاختيار، على وجود قرائن تدل على تقديم أبي بكر، قال السمعاني: " ومن هذا قول عمر ﵁ حين حضرته الوفاة، وقيل له: استخلف، فقال: إن لم استخلف، فلم يستخلف رسول الله ﷺ ، وإن استخلف فقد استخلف أبو بكر، وهذا قول ثابت عن عمر ". (٤)
٥ ـ أن الله تعالى نَصَّ على صحبته للرسول ﵊ قال تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠]، يقول السمعاني: " أي: لأبي بكر ﵁ باتفاق أهل العلم. وعن الحسن بن الفضل البجلي أنه قال: من قال: " إن أبا بكر ليس بصاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر، يكون مبتدعاً، ولا يكون كافراً ". (٥)
ب ـ بعض الآيات التي تدل على فضائل بعض الصحابة:
стр. 725
ـ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر:٩]، قيل: نزلت في عثمان بن عفان، وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر، وقيل في ابن مسعود وسلمان وعمار، وقيل: وأبو ذر وصهيب. (١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، قال سعيد بن المسيب: نزلت الآية في صهيب بن سنان. (٢)
ـ وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]، قيل المراد به: عمر، وقيل: عمار، وقيل: حمزة. (٣)
والآيات في هذا المقام كثيرة، وهذا فيه دلالة على اهتمام السمعاني، وعنايته الفائقة، بهذا الأصل المهم، وهو معرفة فضائل الصحابة، وبيان حقوقهم علينا، وهو بذا سائر على منهج السلف القائم على التعظيم والإجلال، لهؤلاء الثلة النقية، الطاهرة الزكية، الذي مُقام أحدهم مع النبي ﷺ ساعة، خير من عمل غيرهم أربعين سنة، كما قال ابن عباس (٤)، بل قال ابن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فإن مقام أحدهم، خير من عمل أحدكم عمره كله، وعن ميمون بن مهران قال: قال لي عبدالله بن عباس: يا ميمون لا تسب السلف، وادخل الجنة بسلام. (٥)
стр. 726
المطلب الثالث: حكم تنقص الصحابة ﵃ ـ:
أجمع العلماء على أن قرن الصحابة من خير القرون، ثم أجمعوا على هجران من انتقصهم، أو أبغضهم، أو نالهم بما يُكره، وعلى معاداته وإبعاده، وأجمعوا على أنه لا يسبهم أو واحداً منهم، ولا يطعن عليهم إلا فاسق. (١)
وقد قرر السمعاني ﵀ هذه المسألة، وبيَّن حرمة أعراض الصحابة، ووجوب الذب عن أعراضهم، ووجوب حفظ اللسان عنهم. ومما نقله السمعاني في هذا الباب:
ـ قال مالك بن أنس: السفلة: هو الذي يسب أصحاب النبي ﷺ . (٢)
ـ وقال المغيرة بن مقسم الضبي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. (٣)
ـ وقال ابن عباس: ليس لمن يقع في الصحابة ويذكرهم بالسوء في الفيء نصيب. (٤)
واستدل السمعاني على حرمة سب الصحابة بقول النبي ﷺ : " لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " (٥)، يقول السمعاني: " ورُوي أن رجلاً جاء إلى مالك بن أنس، فجعل يقع في جماعة من الصحابة، مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، فقال له: أنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟، قال: لا، قال: أنت من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ قال: لا، فقال: أشهد أنك لست من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان " (٦)، ويقول: " وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير، وترك ذكرهم بالسوء، من علامات المؤمنين ". (٧)
ولذا كان يقول الإمام أحمد: إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام. (٨)
стр. 727
المطلب الرابع: الموقف من الفتنة التي جرت بين الصحابة ﵃ ـ:
الواجب الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، الكف عن ذكر الصحابة ﵃ إلا بخير ما يُذكرون به. وأجمعوا أنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويُلتمس لأفعالهم أفضل المخارج، وأن يُنظر بهم أحسن الظن، وأجمل المذاهب. وأجمعوا أن ما كان بينهم من الأمور الدنيوية لا يُسقط حقوقهم، وأجمعوا كلهم على القول بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]. (١)
والذي قرَّره الإمام السمعاني في هذا الباب، موافق لمنهج السلف، وسائر على كل ما أجمعوا عليه، ومما ذكره في هذا المقام:
ـ قال السمعاني: " وحُكي عن بعض العلماء، أنه سُئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية، وطلحة والزبير وعائشة ـ رضوان الله عليهم ـ فقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤١]، وهذا جواب حسن في مثل هذا السؤال ". (٢)
فالواجب الأول تجاه الفتنة التي جرت بين الصحابة، ذكرهم بالجميل، ووكل أمرهم إلى الله تعالى، وإحسان القول فيهم.
стр. 728
وقد أشار السمعاني إلى بعض من اعتزل الفريقين في القتال الذي جرى بين الصحابة، فذكر ممن اعتزلها: أسامة بن زيد، يقول: " وكان أسامة من علية الصحابة، وعاش إلى زمن علي ﵁ فدعاه علي إلى المقاتلة معه في الحروب، فقال لعلي: أنت أعز عليَّ من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد لقاتلت معك ـ ولكني منذ سمعت رسول الله ﷺ قال لي: كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفاً يُميِّز المسلم من الكافر حتى أقاتل، فتركه علي. وكان ممن اعتزل الفريقين هو، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر ﵃ أجمعين " (١). وكذلك ممن اعتزل القتال عمران بن حصين، ومحمد بن مسلمة، يقول ابن تيمية: " وأكثر ممن بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين ". (٢)
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن ترك القتال كان هو الأولى، وهو خير الطائفتين، مع كون علي ﵁ خليفة المسلمين، وهو أقرب إلى الحق من معاوية ﵃، وأن القتال قتال فتنة (٣)، وقال: " وهذا هو قول أحمد، وأكثر أهل الحديث، وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان " (٤)، ومما أَيَّدَ به شيخ الإسلام قوله ما يلي: (٥)
أ ـ الأحاديث التي وردت في النهي عن القتال في الفتن.
ب ـ أن الواجب كان الإصلاح بين الطائفتين، كما أمر الله تعالى، فلما لم يُعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية.
стр. 729
ج ـ قول النبي ﷺ للحسن ﵁: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (١)، يقول ابن تيمية: " فلما أثنى النبي ﷺ على الحسن بالإصلاح، وترك القتال، دَلَّ على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين، كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأموراً به " (٢). يقول السمعاني: وفيه إشارة إلى الصلح الذي وقع بين أهل العراق، وأهل الشام، حين بايع الحسن معاوية، وسلم إليه الأمر. (٣)
وقد ذكر السمعاني عن الزبير حين رأى ما رأى يوم الجمل قوله: ما علمت أن هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، نزلت فينا أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى كان هذا اليوم. (٤)
ـ ولذا كان المعروف عن الفريقين، سلامة قلوبهم لبعض، قال السمعاني: " ومن المعروف عن علي ﵁ أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير، من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحِجر:٤٧]. (٥)
стр. 730
والواجب الثاني تجاه الصحابة ﵃، الإمساك عن ذكر المساوئ، قال النبي ﷺ : " إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكر القدر فأمسكوا " (١)، يقول السمعاني: " والمراد به: الإمساك عن ذكر المساوئ، لا عن ذكر المحاسن " (٢)، وروي أن عمر بن عبدالعزيز سُئل عما جرى بين الصحابة من القتال وسفك الدماء، فقال: تلك دماء طهر الله يدي عنها، فلا أُحب أن أغمس لساني فيها (٣). وهذا هو منهج السلف الذي ساروا عليه، في التعامل فيما جرى بين الصحابة ﵃:
ـ قال حماد بن زيد: تذاكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ كي تأتلف عليهم قلوب الناس، ولا تذاكروا مساوئهم، فتحرشوا الناس عليهم. (٤)
ـ وقال أبو الليث السمرقندي: ينبغي للعاقل أن يُحسن القول في الصحابة، ولا يذكر أحداً منهم بسوء؛ ليسلم له دينه.
ـ وروي عن إبراهيم النخعي، أنه سُئل عن القتال الذي وقع بين الصحابة، فقال: تلك دماء قد سلمت منها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتنا. (٥)
ورحم الله بشراً الحافي حين قال: أرجو أن أقدم على محمد ﷺ ولا أُخزى في أصحابه غداً. (٦)
ومن هنا قال السمعاني: فالأولى في هذا حفظ اللسان، وتسليم أمرهم إلى الله تعالى (٧)
стр. 731
المطلب الخامس: التفاضل بين الصحابة، وإثبات خلافة الأئمة الأربعة الراشدين:
تطرق السمعاني ﵀ لهاتين المسألتين، وكان فيهما موافقاً لمنهج السلف؛ فقد نُقل الإجماع على التفاضل بين الصحابة، فأجمعوا على أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشرة، وخير العشرة، الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ـ رضوان الله عليهم ـ، وأجمعوا أن إمامتهم كانت عن رضى من جماعتهم، وأن الله تعالى ألف قلوبهم على ذلك، لما أراده من استخلافهم جميعاً. (١)
وقد ذكر السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة) طبقات الصحابة، فقال:
فأعلاهم رتبة العشرة الذين شهد النبي ﷺ لهم بالجنة، والطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، والطبقة الثالثة: طائفة هاجروا إلى الحبشة، وهي الهجرة الأولى، والطبقة الرابعة: هم الذي بايعوا النبي ﷺ عند العقبة، وهؤلاء كانوا من الأنصار، والطبقة الخامسة: هم أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار، وقيل: بل كلهم من الأنصار، والطبقة السادسة: المهاجرون الأولون، والطبقة السابعة: أهل بدر، والطبقة الثامنة: المهاجرون بين بدر والحديبية، والطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان بالحديبية، والطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية والفتح، والطبقة الحادية عشر: قوم أسلموا يوم الفتح، والطبقة الثانية عشر: صبيان رأوا مدة النبي ﷺ ، وأطفال حملوا إليه. (٢)
وقد ذكر السمعاني علة التفاضل بين الصحابة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فقال: " أي: لا يستوي من أنفق وقاتل قبل فتح مكة، ومن أنفق وقاتل بعد فتح مكة؛ وإنما لم يستويا؛ لأن أصحاب النبي ﷺ نالهم من التعب، والمشقة، والمكروه، والشدة، قبل الفتح، مالم ينلهم بعده ". (٣)
стр. 732
وما يتعلق بأمر الخلافة فإن المستقر عند أهل السنة والجماعة، أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فأبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهذا ما تواتر فيه النقل عن الأئمة. (١)
وقال السمعاني عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]: " واستدل أهل العلم بهذه الآية، على صحة خِلافة الخلفاء الراشدين، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ومن المشهور المعروف برواية حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، أن النبي ﷺ قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " (٢)(٣).
وقال في موطن آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦]: " أصح الأقاويل: أنهم بنو حنيفة، أولو بأس شديد، حيث قاتلوا المسلمين مع مسليمة الكذاب. والقول الثاني: هو هوازن وثقيف، والقول الثالث: أنهم فارس، وكان الحرب معهم أشد حرب على المسلمين، في زمان عمر ﵁. وفي القول الأول، وفي هذا القول، دليل على خلافة أبي بكر وعمر؛ لأنهما دعوا المسلمين إلى قتال مسيلمة، وقتال فارس "، ثم قال: " وأصح الأقاويل هو القول الأول ". (٤)
стр. 733
الخاتمة:
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده على ما مَنَّ به، ويَسَّر، وأعان، فله الحمد في الآخرة والأولى، وأسأله الإتمام بالقبول.
بعد هذه الجولة الماتعة، والروضة الغنَّاء الرائعة، التي سطرتها أنامل الإمام العالم العامل السمعاني، تأكدت من صحة ما قيل في الثناء عليه، من جهة علمه، وفضله، ومنزلته، ومكانته، ومن جهة دفاعه عن الكتاب والسنة، ومدافعة الباطل بكل ما أوتي من قوة. ولا شك أن العصمة ليست إلا لمن عصم الله، ولما كانت كذلك، فلا يدل وقوع الغلط، أو الخطأ في مسألة أو مسائل، على سقوط الثقة، أو قلة العلم والتحقيق، فهذا شأن العلماء، ولكن الشأن كل الشأن، ما حواه محيطه المعرفي، وضبطه العلمي، من العلوم والمعارف التي لا تُعد ولا تُحصى. فأخطاء هؤلاء العلماء، إن وُجدت، فهي مغمورة في بحار حسناتهم، مع ما فيها من الدلالة على بشريتهم.
فالإمام السمعاني في منهجه العام، موافق لما عليه السلف، وإن كانت هناك بعض أفراد المسائل التي قد يَعثُر فيها الجواد المُسرع، ويتلعثم فيها البليغ الفصيح المتفنن المتقن، وكما قيل: (وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه)، كمسألة التحسين والتقبيح العقليين، حيث قال: " ولا حظ له ـ أي العقل ـ في تحليل ولا تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع ما وجب على أحد شيء ... " (١)، والصحيح في هذه المسألة، " هو إثبات الحسن والقبح العقليين. كما هو رأي أهل السنة من السلف، لكن لا يثبتونه كما يُثبته نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، بل يقولون: إن حُسن الأفعال وقبحها ثابت بالعقل، ولكن الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع، فلا يعذب من خالف قضايا العقول، حتى يبعث إليهم رسول ". (٢) وتشتمل الخاتمة على أهم النتائج والتوصيات:
أولا: تتلخص نتائج البحث في الآتي:
١ ـ الركن الأول: (الإيمان بالله تعالى): وذكر تحته ما يلي:
(١) توحيد الربوبية: وذكر تحته ما يلي:
стр. 734
أ ـ فطرية المعرفة الإلهية، وأنها معرفة فطرية، غريزية، جبلية، مع وجوبها بالشرع، وإمكانها بالعقل.
ب ـ أنه أثبت وجود الله تعالى بطريقتين: ١ ـ دليل الفطرة والميثاق. ٢ ـ دليل النظر والتأمل في الآيات:
وهذه الأخيرة سلك في إثباتها طريقين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس.
ج ـ إثبات إقرار المشركين بربوبية الله تعالى، ولكنه لم يدخلهم في الإسلام.
د ـ أن من مقتضى الربوبية خضوع كل ما في الكون لله جل وعلا.
(٢) توحيد الألوهية: وأشار إلى مايلي:
أ ـ أن هذا التوحيد هو مدار دعوة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ.
ب ـ بيان خطأ من فسَّر التوحيد بالقدرة على الاختراع.
ج ـ أن هذا التوحيد هو إخلاص العبادة لله وحده دونما سواه.
د ـ شمولية الطاعة والعبادة، فلها تعلق بالقلب، واللسان، والجوارح.
هـ ـ أن دلائل استحقاق الألوهية لله تعالى كثيرة متضافرة.
و ـ أن الله تعالى أرسل الرسل حين ناقضوا هذا النوع من التوحيد، بالشرك وهو أكبر نواقضه.
ز ـ بيان ما يضاد التوحيد ويناقضه، في صوره، وأشكاله.
ح ـ بيان فضائل التوحيد، وشرائط قبوله.
(٣) توحيد الأسماء والصفات: وذكر السمعاني جملة من المسائل:
أ ـ إثباته للصفات الإلهية على منهج السلف القائم على الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل.
ب ـ رجح السمعاني في تقريراته في مسألة الاسم والمسمى، أن الاسم هو المسمى، وذكرنا أنه قول لأهل السنة، وأن الراجح: أن الاسم للمسمى.
ج ـ تتبع السمعاني لأسماء الله جل وعلا، وبيان معانيها، وما دلت عليه.
د ـ الرد على المخالفين في باب الصفات.
٢ ـ الركن الثاني: الإيمان بالملائكة:
أ ـ أنهم عوالم غيبية مخلوقة من نور، يجب الإيمان بهم.
ب ـ الإيمان بما ذكر الله جل وعلا من صفاتهم، وأعمالهم.
ج ـ رجح السمعاني تفضيل البشر على الملائكة، وذلك أن عوام المؤمنين الأتقياء، أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين، أفضل من خواص الملائكة.
د ـ أن الملائكة يجوز عليهم الموت كغيرهم من المخلوقات.
هـ ـ أن الجن والشياطين عوالم غيبية، يجب الإيمان بها.
و ـ الإيمان بما ورد من أعمالهم، وأحوالهم، وصفاتهم.
стр. 735
ز ـ دخول مؤمني الجن الجنة.
٣ ـ الركن الثالث: الإيمان بالكتب:
أ ـ وجوب الإيمان بكل كتب الله تعالى.
ب ـ أن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم، والمهيمن على جميع الكتب السابقة.
ج ـ أن القرآن منزل غير مخلوق، وهي عقيدة السلف التي نصرها السمعاني، ورد على المخالف.
د ـ تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض.
٤ ـ الركن الرابع: الإيمان بالرسل ﵈: وقَرَّر السمعاني فيه ما يلي:
أ ـ وجوب الإيمان بالرسل ﵈، وأن الكفر بواحد منهم، كفر بهم جميعاً.
ب ـ التفريق بين مصطلح الرسول والنبي.
ج ـ الإيمان بمن وردت أسماؤهم في القرآن الكريم، وسنة النبي ﵊.
د ـ الإيمان بخصائص الأنبياء، وما امتازوا به عن غيرهم من البشر.
هـ ـ عصمة الأنبياء من الوقوع في الشرك والكفر والكبائر.
و ـ جواز وقوع الصغائر على الأنبياء، ولكن لا يقرون عليها.
ز ـ إثبات معجزات الأنبياء ﵇.
٥ ـ الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر:
أ ـ وجوب الإيمان باليوم الآخر، وكفر من أنكره وجحده.
ب ـ الإيمان بكل أحوال وتفاصيل الآخرة، المذكورة في نصوص الوحيين.
ج ـ أن أشراط الساعة تسبق قيامها.
د ـ الإيمان بالدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، وغيرها من علامات الساعة الكبرى.
هـ ـ إثبات البعث للأرواح والأجساد.
و ـ إثبات الحوض، الميزان، والصراط، والشفاعة، وتطاير الصحف، والحساب، والجنة والنار.
٦ ـ الركن السادس: الإيمان بالقضاء والقدر:
أ ـ وجوب الإيمان بالقدر، خيره وشره من الله تعالى.
ب ـ أن الإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب: (الإيمان بعموم علم الله تعالى، وعموم مشيئته، وخلقه وكتابته للمقادير في اللوح المحفوظ).
ج ـ إثبات أن الهداية والإضلال من الله تعالى.
د ـ أن الله تعالى لم يوجب عليه أحد شيء، وإنما أوجب ما أوجب على نفسه، تفضلاً منه تعالى وتكرماً، بحكم الوعد الإلهي.
هـ ـ أن ألطاف الله جل وعلا لا تتناهى.
стр. 736
و ـ أن للعبد قدرة واستطاعة قبل الفعل، هي مناط الأمر والنهي، ولا تجب أن تكون معه، وله قدرة واستطاعة يجب معها وجود الفعل، سواء قرن به أو تأخر عنه.
ز ـ أن المحو والإثبات لا يقع في اللوح المحفوظ، وإنما يقع فيما يكون بأيدي الملائكة.
ح ـ أن المقتول ميِّت بأجله.
ط ـ إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى.
٧ ـ متممات العقيدة:
(١) مسائل الكفر والإيمان:
أ ـ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
ب ـ التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام علانية، والإيمان في القلب.
ج ـ أن الكفر أنواع.
د ـ الكبيرة: كل جريمة أوعد الله تعالى عليها بالنار، أو أوجب فيها حداً.
هـ ـ أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، ولا يُخلد في النار، بل هو تحت المشيئة الإلهية.
و ـ أن القاتل له توبة.
(٢) الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام:
أ ـ أن الإسلام هو الدين الحق، الذي لا يقبل الله سواه.
ب ـ أن الإسلام يطلق ويُراد به: الخضوع والانقياد، ويُطلق ويُراد به الإسلام الخاص، الذي جاء به النبي ﷺ .
ج ـ أن الإسلام دين الرحمة، والوسطية، والفطرة.
د ـ خيرية أمة محمد ﷺ على جميع الأمم.
(٣) الصحابة ﵃:
أ ـ الإيمان بما ورد في فضائلهم.
ب ـ وجوب إشاعة محاسنهم، والذب عن أعراضهم.
ج ـ حرمة تنقصهم، الوقوع في أعراضهم.
د ـ إثبات التفاضل بين الصحابة ﵃.
هـ ـ صحة خلافة الأئمة الأربعة المهديين، وأن ترتيبهم في الفضل، كترتيبهم في الخلافة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.
стр. 737
التوصيات:
إن دراسة آراء علماء أهل السنة، وبيان مدى مواءمتها لآراء جماعتهم، يكشف عن مدى الاتفاق بينهم، مع اختلاف العصور، وتباعد الدور.
ومن مزايا دراسة آراء علماء أهل السنة، تكثير سوادهم، وبيان دلائلهم وطرق حجاجهم، والاستفادة منها في مجالات العلوم المختلفة. فمعرفة تأصيلاتهم للمسائل، وفنون مناظراتهم، ودقة استخراجهم للأحكام، واستنباطهم لها، باب مهم يصب في تربية النشء من طلاب العلم على مناهجهم وطرائقهم.
ولذا فإني أُوصي الباحثين وطلاب العلم في الجهات التعليمية؛ كالجامعات ونحوها، في ختام هذا البحث:
١ ـ بالاعتناء بآراء السلف، وعلماء أهل السنة في مسائل العقيدة أصالة، وفي أبواب وفنون العلم الأخرى تبعاً، ومعرفة مدى ملاءمتها لآراء جماعتهم.
٢ ـ نشر طرائق السلف في العلم، والتأصيل، والتدوين.
٣ ـ أن الآراء العقائدية مبثوثة في كتب التفسير خاصة، فهي بحاجة ماسة لدراسةٍ، وبيانٍ، وتمحيص، لتُنقى كتب التفسير مما داخلها، أو على أقل تقدير، يُشار إلى ما وقع فيها من مخالفات عقدية.
стр. 738
وختاماً ..
هذا جهد المقل، استغرقت فيه وسعي وطاقتي، للوصول إلى هذه النتائج. أسأل الله ﵎، أن يُكلل هذه الجهود بالتوفيق والنجاح، وأن يكتب لنا الخير والفلاح
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.