← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ب ـ أن الإيمان يزيد وينقص، وعلى هذا قول النصوص الشرعية، وعليه كلام السلف، يقول عمر، بعد أن يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه،: قم بنا نزدد إيماناً (١). وخالف في ذلك المرجئة الجهمية، فقالوا: الإيمان لايزيد ولا ينقص (٢)، وهم بذلك خالفوا النصوص، وأئمة الدين والسنة. وأما المنقول عن الإمام مالك، عن أكثر أصحابه هو قوله: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض، والرواية الأخرى، أنه قال بالزيادة، وتوقف عن النقصان. (٣) وقد خرَّج العلماء قوله بالتوقف عن النقصان بأوجه (٤): ١ ـ فقيل: إن لفظ الزيادة ورد في النصوص، دون لفظ النقصان، فلم يقل به. ٢ ـ وقيل: توقف مالك عن القول بالنقصان، لئلا يكون شكاً مخرجاً عن اسم الإيمان، فقد نقصان التصديق، فإنه إذا نقص صار شكاً. والصحيح أن التصديق يزيد وينقص. ٣ ـ وقيل: قصد بهذا، مخالفة الخوارج والوعيدية، الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون بها عن الإيمان. ٤ ـ وقيل: ربما كان القول قديماً، ثم رجع عنه. ٥ ـ وقيل: إنه وهم من ناقليه، فيكون فُهم من كلام من قاله، ففهم عنه أنه يقول بالزيادة دون النقصان. فهذه احتمالات واردة، ولذا المعوَّل عليه ما رواه عنه الأكثر من أصحابه.

стр. 667

ولما كان الإيمان كذلك، لم يجز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، يعني: إيماناً لا شك فيه، يقول السمعاني: " وفيه دليل لأهل السنة، على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً؛ لأن الله تعالى، إنما وصف بذلك قوماً مخصوصين، على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف ". (١) المطلب الثاني: تعريف الكفر: المسألة الأولى: تعريف الكفر في اللغة: أ ـ في اللغة: يقول السمعاني: " فالكفر مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر والتغطية، ومنه يُقال لليل كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته، وسُمِّي الزارع كافراً؛ لأنه يستر الحب بالتراب، ويُسمى الكافر كافراً؛ لأنه يستر نعم الله تعالى بكفره، ويصير في غطاء من دلائل الإسلام وبراهينه ". (٢) ولا يخرج ما ذكره السمعاني في معنى الكفر في اللغة، عما ذكره علماء اللغة في هذا المقام، يقول الجوهري: " الكفر ضد الإيمان، وقد كفر بالله كفراً، وجمع الكافر، كفار، وكفرة، وجمع الكافرة، الكوافر، والكفر أيضاً جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقد كفره كفوراً وكفراناً. والكفر بالفتح التغطية ... والكَفْر أيضاً القرية، والكفر أيضاً القبر .. ، والكفر أيضاً ظلمة الليل وسواده، ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله عليه ... والكافر الزارع؛ لأنه يُغطي البذر بالتراب ". (٣) والله تعالى سمى الكفر ظلمات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: " يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سُمي الكفر ظلمات؛ لأنه طريق الكفر مشتبه ملتبس " (٤)، وقال: " وسُمي الكفر ظلمة؛ لأنه يتحير في الظلمة ". (٥)

стр. 668

وقد يُطلق الفسق ويراد به الكفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٥٣]، يقول السمعاني: " والفسق ها هنا هو الكفر". (١) وقد قيل: أصل كل كفر الكسل، ولذلك عَبَّر الله جل وعلا بالكسل حين ذكر صلاة المنافقين، فقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]، أي: متثاقلين، قال السمعاني: " فإن قيل: كيف ذكر الكسل في الصلاة، ولا صلاة أصلاً؟ قلنا: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل، والإيمان منشط، ويُقال: أصل كل كفر الكسل ". (٢) والكفر ناشئ عن الاستكبار، لذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ [الأعراف:٣٦]، قال السمعاني: " إنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب، وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبراً " (٣)، ولما كان كذلك، كان كل كافر بالله تعالى خاسراً، كما قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥]، وكل كافر بالله تعالى ذليل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، أي: الأقلين، وكل كافر ذليل، وكل مؤمن عزيز. (٤) وأول من سن الكفر إبليس، يقول السدي: ما من كافر يدخل النار، إلا وهو يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر. (٥)

стр. 669

المسألة الثانية: تعريف الكفر في الشرع: ب ـ في الشرع: قالوا في تعريف الكفر في الشرع: هو عدم الإيمان (١)، ولذا فهما متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر (٢). وقيل: الكفر تغطية ما حقه الإظهار، وأعظم الكفر: جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة (٣). وقال السيوطي: " الكفر تغطية الحق بالباطل ". (٤) وقد قسم السمعاني الكفر إلى أربعة أقسام فقال: وقيل: الكفر على أربعة أنحاء: ١ ـ كفر إنكار: وهو ألا يعرف الله تعالى أصلاً، أو لا يعترف به. ٢ ـ كفر جحد: وهو أن يعرف الله تعالى، ولكن يجحده، ككفر إبليس. ٣ ـ كفر عناد: وهو أن يعرف الله تعالى بقلبه، ويعترف بلسانه، ولكن لا يتدين به، ولا يتخذه ديناً، ككفر أبي طالب، فإنه عرف الله ورسوله بقلبه، وأقر بلسانه. ٤ ـ كفر نفاق: أن يعترف باللسان، ولا يعتقد بالقلب. قال السمعاني: " فهذه أنواع الكفر، فمن لقي الله تعالى بنوع منها لم يعف ". (٥)

стр. 670

والسمعاني يُقسِّم الكفر إلى نوعين: كفر بالله مخرج عن الملة، وهو ما أشار إليه سابقاً، وكفر لا يخرج من الملة، وهو كفران النعمة، وقد حَمَل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، على كفران النعمة بترك الطاعة، قال: وهذا ما عليه أكثر أهل التفسير، وهو الأصح من حمله على الكفر بالله تعالى (١)، ويدل عليه أيضاً تفريقه بين الرياء والنفاق، فقال: " واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض " (٢)، فإن كان ما ذكره الإمام السمعاني صحيحاً، فكيف وجَّه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠]، والذين في قلوبهم مرض، أي: نفاق، فكيف أخبر عن المؤمنين في ابتداء الآية، ثم قال: " رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " وهم المنافقون، والمنافق لا يكون مؤمناً؟! أجاب عنه السمعاني بقوله: " والجواب عنه: أن في الآية حذفاً، ومعناه: " فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ "، فرح المؤمنون واستأنسوا بها، و" رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ " أي: شخصوا بأبصارهم نحوك، ونظروا نظراً شديداً، شبه الشاخص بصره عند الموت، وإنما أصابهم مثل هذا؛ لأنهم إن قاتلوا خافوا الهلاك، وإن لم يقاتلوا، خافوا ظهور النفاق " (٣)، إذن: فالنفاق كفر القلب، وزواله بالإخلاص. (٤)

стр. 671

المسألة الثالثة: ما يدخل تحت مسمى الكفر، مما أشار إليه السمعاني: أ ـ سب النبي ﷺ ، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٧٤]، يقول السمعاني: " واختلف في كلمة الكفر، قال بعضهم: كلمة الكفر هي سب محمد ﷺ ". (١) ب ـ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، يقول السمعاني: " فإن قال قائل: " قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " وهم لم يكونوا مؤمنين؟ الجواب عنه: أن معناه أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان " (٢). أما الاستهزاء بالناس فهو منهي عنه وهو من الكبائر، يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠]،: " وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس كبيرة، وهو موعود عليه ". (٣) ج ـ كراهة ما أنزل الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، يقول السمعاني: " أي: كرهوا نبوة محمد ﷺ ، وما أنزله الله من القرآن ". (٤) د ـ استحلال الحرام، وتحريم الحلال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، يقول السمعاني: " يعني: باستحلال الميتة، قال الزجاج: في هذا دليل على أن استحلال الحرام، وتحريم الحلال، يوجب الكفر ". (٥)

стр. 672

هـ ـ موالاة الكفار: قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، يقول السمعاني:: " الركون: هو المحبة، والمودة، والميل بالقلب. وعن أبي العالية الرياحي قال: " هو الرضا بأعمالهم، وعن السُّدي قال: هو المداهنة معهم، وعن عكرمة قال: هو طاعتهم " (١)، ولذلك أمر الله بالتبري من المشركين، وترك موالاتهم، قال تعالى في شأن إبراهيم ﵇: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَئُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، يقول السمعاني: " والمعنى في الكل: أنه أمرهم بأن تأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين، وترك الموالاة معهم " (٢)، وأكد الله تعالى النهي فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣]، قال السمعاني عن الآية: " وتأكيد النهي عن موالاة الكفار " (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والواجب موالاة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة:٥٥]، يقول السمعاني: " هذا راجع إلى قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، لما منعهم من موالاة اليهود والنصارى، دعاهم إلى موالاة الله ورسوله " (٤).

стр. 673

ولكن السمعاني يُشير في هذا المقام، إلى أن هذا الحكم يختلف باختلاف الأحوال، فقد تتقدم الموالاة القلبية، أو الرضا والركون للكفار، ويكون معهم نوع من موالاة غير مخرجة من الملة، كما كان من حاطب بن أبي بلتعة ﵁، ولذا يقول السمعاني مقرراً هذه القضية: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، في الآية دليل على أن حاطب لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك". (١) فالموالاة المطلقة العامة للكفار، كفر صريح، والموالاة الخاصة، لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة، خطر عظيم، لكن لا تخرج من الملة. (٢) وقد أورد السمعاني في تفسيره لقصة يوسف ﵇ سؤالاً مفاده:" فإن قيل: هل يجوز أن يتولى المسلم من يد كافر عملاً؟ قلنا قد قالوا: إنه إذا علم أن الكافر يخليه والعمل بالحق، يجوز له أن يتولى " (٣)، وهذا الذي ذهب إليه السمعاني، هو محل نزاع كبير بين العلماء، والجمهور على إباحة العمل للرجل الفاضل، لدى السلطان الكافر، بشروط ذكروها، ولكن ما يُهمنا في مسار بحثنا العقدي، أن هذا العمل متى كان ملجئاً للشخص، أو غير ملجئٍ لكن توفرت فيه شروط الجواز في العمل تحت سلطان كافر؛ لتحقيق مصلحة راجحة للإسلام وأهله، يجب ألا يكون فيه أي نوع موالاة، إلا ما يقتضيه العمل من المخالطة والمجاملة ونحوها. (٤)

стр. 674

و ـ السحر: ذهب السمعاني إلى مذهب أهل السنة في حقيقة السحر، فقال: " والسحر يتحقق وجوده على مذهب أهل السنة، ويُؤثر، ولكن العمل به كفر " (١)، ولكن ذكر العلماء أن السحر أنواع، فمنه ما يصل لدرجة الكفر، ومنه ما هو معصية وكبيرة، قال النووي: " قد يكون السحر كفراً، وقد لا يكون كفراً، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا ". (٢) ز ـ الشك والظن في الإيمان، واستدل السمعاني بدليلين من القرآن: ١ ـ قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]، يقول السمعاني: " أي في شك مرتابين، وفي الآية دليل على أن الشاك كافر، بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت هذه الآية على أن الشاك كافر، وهو في النار ". (٣)

стр. 675

٢ ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، يقول السمعاني: " فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن " (١)، وقال عن هذه الآية أيضاً: " وهذا دليل على أن الله تعالى يُعذب الكفار بالظن الباطل " (٢). وأشار إلى هذه المعاني الزجاج، فقال: " فإن قال قائل: كيف يعذبون وهم ظانون، وهل يجوز أن يعذب من كفر وهو ظان، ومن لم يكفر وهو على يقين؟ فالجواب في هذا: إن الله جل ثناؤه، قد ذكر أنه يعذب على الظن، وذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، والحجة في هذا، أنهم عُذبوا على هذا الظن؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وتركوا التماس البصيرة من حيث يجب، واقتصروا على الظن والجهل " (٣)، وقال: " وقد قال قوم من الضلال: إن الشاكين لا شيء عليهم، وهذا كفر ونقض للقرآن " (٤)، وإنما قيل لهم هذا؛ لأنهم جحدوا البعث. (٥)

стр. 676

المبحث الثاني: الكبائر: المطلب الأول: تعريف الكبائر: عَرَّف السمعاني الكبيرة فقال: " كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار. وقال أبو صالح: الكبيرة كل ما أوجب الحد، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ". (١) وقال الجرجاني: " الكبيرة: هي ما كان حراماً محضاً، شرعت عليه عقوبة محضة، بنص قاطع في الدنيا والآخرة " (٢)، وقال المناوي: " الكبيرة: كل معصية تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، أو كل ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب والسنة، أو ما فيه حد أو غير ذلك ". (٣)

стр. 677

وهنا يُشار إلى أمرين: ١ ـ أن ضبط الكبيرة من جهة حَدِّها أو عَدِّها، فيه اختلاف كبير جداً. ٢ ـ أن بعض العلماء ضبطها من جهة حدِّها، وهؤلاء تنازعوا، وما ذكرناه سابقاً في تعريف الكبيرة، هو جزء من هذا الخلاف، ومنه: أ ـ ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: الكبائر: كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. ورُوي نحو هذا عن الحسن البصري. (١) ب ـ وقال أبو حامد الغزالي: والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها، من غير استشعار خوف، وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والتجرئ عليها اعتياداً، فما أُشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة. واعترض عليه العلائي فقال: " ... وليس كذلك اتفاقاً، وإن كان ضابطاً لما عدا المنصوص عليه، فهو قريب ". (٢) وبعض العلماء عرف الكبيرة بالعّدِّ بدل الحَدِّ، وهؤلاء تنازعوا كذلك في عَدِّها، فقيل: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وهذا مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضاً أنه قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. (٣) وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر هي ما ذكره الله تعالى، في أول سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١] (٤)، وقيل: هي سبع، وهو مروي عن علي بن أبي طالب: وقيل: أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: عشر، وقيل سبع عشرة. (٥)

стр. 678

وذهب الواحدي صاحب التفسير، إلى أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن عباده؛ ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة، ونحو ذلك. (١) والأقرب في التعريف ـ والعلم عند الله ـ ما وافق فيه السمعاني ابن عباس ﵄ في أنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. واختاره جمع من المحققين، كابن تيمية، وابن حجر. (٢) والإمام السمعاني وافق جماهير السلف في انقسام المعصية، إلى صغيرة وكبيرة، وقد نَصَّ على ذلك في أكثر من موضع في تفسيره: ـ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، فيها قولان: الأول: أن (مِنْ) صلة، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فعلى هذا يكون شاملاً للصغائر والكبائر، والثاني: أن (مِنْ) على التحقيق، والتكفير بالصدقات، يكون من الصغائر، فأما الكبائر، فإنما تكفرها التوبة. ثم قال: " والأول أقرب إلى أهل السنة ". (٣) ـ وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران:١٤٧]،: " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا " أي: الصغائر، " وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا " أي: الكبائر ". (٤) ـ وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى:٣٧]،: "ويُقال: كل ما أوعد الله عليه في النار، فهو من الكبائر، وأما إضافة الكبائر إلى الإثم، فيقال: إنما أضافها إليه؛ لأن في الإثم كبيرًا وصغيراً ". (٥)

стр. 679

وهذا القول هو مذهب الجماهير، قال النووي: " وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس ﵄ وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب، والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها " (١)، وقال ابن القيم: " وقد دل القرآن، والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن الذنوب كبائر وصغائر ". (٢) ونُقل عن بعضهم: أن المعاصي قسم واحد، كلها كبائر، قال ابن عباس: كل شيء نهى الله تعالى عنه، فهو كبيرة، وهو قول أبي إسحاق الاسفرائيني، والباقلاني، والجويني، وابن فورك. واحتجوا: بأن كل مخالفة، فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة. وقالوا: إنما يُقال لبعضها صغيرة، بالنسبة إلى ما هو أكبر منها، كما يُقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة، بالنسبة إلى الزنا، وكلها كبائر، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء:٣١]، إن تجتنبوا الكفر، كفرت عنكم سيئاتكم التي هي دون الكفر. (٣) ويُشار هنا إلى مسألتين ذكرهما السمعاني: ١ - فقد ذكر أن تكفير الصغائر معلق بالمشيئة، ردا على من قال: إنه باجتناب الكبائر تقع الصغائر مكفرة، فقال: ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة، فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر (٤).

стр. 680

٢ - رجح أن التكفير بالصدقات الوارد في قوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم) البقرة ٢٧١، أن (من) صلة، والتقدير: يكفر عنكم سيئاتكم، فيكون التكفير شاملا للصغائر والكبائر، وحكى قولا آخر: أن (من) على التحقيق، وأن التكفير بالصدقات لا يكون إلا لصغائر، وأما الكبائر فإنما تكفرها التوبة، ثم قال: والأول أقرب إلى أهل السنة، وقد قال النبي ﷺ : (صدقة السر تطفئ غضب الرب) (١). المطلب الثاني: حكم مرتكب الكبيرة: " أجمع الجميع من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين الدارجين من المسلمين، أن المؤمن مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، غير كافر بها " (٢). بل إن السمعاني يرحمه الله، نقل إجماع أهل الإسلام على خروج الموحدين المذنبين من النار، فقال: " أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم، على رواية الأحاديث في صفات الله، وفي مسائل القدر، وإخراج الموحدين المذنبين من النار " (٣)، وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا على أن الله تعالى، يُخرج من النار، من في قلبه شيء من الإيمان ". (٤) وقد ساهم السمعاني ﵀ في تقرير هذه المسألة على منهج أهل الحق، مدللاً عليه، وراداً على المخالفين فيه. وبيان رأيه من وجوه: ١ ـ أن أهل الكبائر تحت المشيئة الإلهية، وقد حكى البغوي اتفاق أهل السنة على ذلك، فقال: " اتفق أهل السنة، على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر، إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئاً منها، فمات قبل التوبة لا يُخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته ". (٥) واستدل السمعاني على هذه المسألة بعدة أدلة منها:

стр. 681

ـ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، يقول السمعاني: " قوله تعالى " نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " إن شئت، فالمشيئة مضمرة فيه ... ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة، فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر ". (١) ـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، قال ابن عمر: كنا نطلق القول فيمن ارتكب الكبائر، بالخلود في النار، حتى نزلت هذه الآية فتوقفنا. والمراد: يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك (٢). يقول الإمام الطبري: " وقد أبانت هذه الآية، أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركاً بالله ". (٣) ـ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٤٠]، " قال ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء الكبيرة، وقال غيره: يعذب من يشاء، من مات مصراً، ويغفر لمن يشاء، من مات تائباً ". (٤) ٢ ـ أن صاحب الكبيرة لا يكفر، وقد سقنا الإجماع على هذه المسألة، وقد استدل لها السمعاني بأدلة من نصوص الوحيين، منها: ـ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، يقول السمعاني: " الأولى أن يُقال: إن الآية نزلت في الكفار؛ لأن عليه أكثر أهل التفسير.

стр. 682

وعن قتادة أنه قال: منهم الخوارج الذين يستحلون الدماء والأموال، قال: وأما أهل الكبائر فليس منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر. وكذلك العمال الظلمة؛ لأنهم يظلمون، ويعلمون أنها ليست بحلال لهم ". (١) ـ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني: " وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به ". (٢) ـ واستدل بقوله ﵊: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (٣)، ثم قال السمعاني: " والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة " (٤)، ولو كان أهل الكبائر كفاراً، لما حلت لهم الشفاعة. ٣ ـ أن السمعاني رد شبه الطوائف المنحرفة في هذه المسألة، وهي حكم مرتكب الكبيرة؟! بعد أن قَرَّر السمعاني منهج أهل السنة في حكم مرتكب الكبيرة، وأنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأنه إن مات عليها فهو تحت المشيئة الإلهية، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، شرع يرد على المخالفين، وهم: الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة. أولاً نبيِّن آراءهم في هذه المسألة:

стр. 683

أ ـ مذهب غلاة المرجئة: أن منهم من يقول: من " قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحرَّم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله، دخل الجنة إذا مات، وإن زنى وإن سرق، وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة، والزكاة، والصيام، إذا كان مقراً بها، يسوف التوبة، لم يضر وقوعه على الكبائر، وتركه الفرائض، وركوبه الفواحش " (١)، فهم يرون أن مرتكب الكبيرة، مؤمن كامل الإيمان، ولا يفرقون بين مرتكب الكبيرة، وبين المؤمن الكامل الذي أدى الطاعات، وتجنب المحرمات. ب ـ مذهب الخوارج: " يزعمون أن كل من أذنب ذنباً من أمة محمد ﷺ ، فهو كافر، ويكون في النار مخلداً ". (٢) ج ـ مذهب المعتزلة: أن مرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا: أنه في منزلة بين منزلتين، وله اسم بين الاسمين، فلا يكون اسمه اسم كافر، ولا اسم مؤمن، وإنما يُسمى فاسقاً، وكذا لا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن. وقالوا: إن خرج من الدنيا قبل أن يتوب، يكون خالداً مخلداً في النار، مع جملة الكفار. (٣) ثانياً: بيان جهد السمعاني في رد آرائهم ومعتقداتهم الفاسدة: ١ ـ تعلق المعتزلة ببعض الآيات لتأكيد معتقدهم الفاسد، منها:

стр. 684

أ ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، يقول السمعاني: " واعلم أن لا متعلق في هذه الآية، لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر من المسلمين؛ لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية، فالآية نزلت في قاتل كافر كما بينا، وقيل: إنه فيمن يقتل مستحلاً، والأولى أن نقول فيه، ما قاله أبو صالح: إن معنى قوله " فجزاؤه جهنم خالداً فيها " إن جازى، وبه نقول: إن الله تعالى إن جازاه ذلك خالداً، فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازى، وقد وعد ألا يجازي، ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد. وحكى عن قريش بن أنس ﵀ أنه قال: كنت في مجلس عمرو بن عبيد، فقال: لو قال الله لي يوم القيامة: لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار؟ فأقول له: أنت الذي قلت: " فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا "، قال قريش: وكنت أصغر القوم، فقلت له: أرأيت لو قال الله لك: ألست قلت " وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ " فمن أين علمت أني لم أشأ مغفرة القاتل؟ فسكت ولم يستطع الجواب، وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى عمرو بن العلاء ﵀ وقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس الله تعالى قد قال: " وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا "، فأنا على هذا؛ لأنه لا يخلف وعده، فقال أبو عمرو: ومن العجمة أُتيت يا أبا عثمان؛ إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفاً وذماً، وإنما ذلك في الخلف في الوعد ... فالله يجوز أن يخلف في الوعيد، وإنما لا يخلف الميعاد ". (١)

стр. 685

ب ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦]، يقول السمعاني: "واستدلت المعتزلة بإطلاق قوله " وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ " في وعيد الأبد، ولا حجة لهم فيه؛ لأن معنى الآية " وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ " إلا أن تدركه الرحمة، بدليل سائر الآي المقيدة ". (١) ج ـ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، يقول السمعاني: " واستدل أهل الاعتزال بهذه الآية، في القول بالمنزلة بين المنزلتين، وأن الفاسق لا يكون مؤمناً، والدليل عليهم ظاهر، وأما الفاسق ها هنا بمعنى الكافر. وقال بعضهم: سماه فاسقاً على موافقة قول علي ﵁، وقيل: إن الآية على العموم ". (٢) د ـ وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحُجُرات:١١]، يقول السمعاني: "استدل بهذا من قال: إن الفاسق لا يكون مؤمناً، قال: لأنه لو كان الفاسق مؤمناً، لم يستقم قوله " بَعْدَ الْإِيمَانِ " والجواب: أن المراد منه، النهي عن قوله: يا فاسق، يا منافق، وكأنه قال: بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله، وقال: إن " بَعْدَ " ها هنا بمعنى مع، ومعناه: بئس اسم الفسوق مع الإيمان ". (٣) ٢ ـ وتعلق الخوارج ببعض الآيات الكريمة، لترويج مذهبهم، والاستدلال عليه، ومنها:

стр. 686

أ ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، يقول السمعاني: " واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم، وللآية تأويلان: أحدهما معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً وجحداً، فأولئك هم الكافرون، والثاني معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله، دون المسلم ". (١) ب ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، يقول السمعاني: " استدل من منع القياس في الحوادث بهذه الآية، قال: الحكم إلى الله، لا إلى رأي الرجال، وكذلك كان الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، وأنكروا الحكمين، وهذا الاستدلال فاسد؛ لأن عندنا من قال بالقياس والاجتهاد، فهو رجوع إلى الله في حكمه، فإن أصول القياسات هي الكتاب والسنة ". (٢)

стр. 687

ب ـ وقد رد السمعاني على المرجئة والخوارج، وألزمهم بالحق، وبيَّن فساد مذهبهم، بقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل:١٥ - ١٦]، يقول: " وفي الآية سؤال للمرجئة والخوارج، فإن الله تعالى قال: " لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى " أي: لا يقاسي حرها، ولا يدخلها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى، فدلَّ أن المؤمن وإن ارتكب الكبائر لا يدخل النار، هذا للمرجئة، وأما الخوراج قالوا: قد وافقتمونا أن صحاب الكبيرة يدخل النار، فدل أنه كفر بارتكاب الكبيرة، والتحق لمن كذب وتولى، والجواب من وجوه: أحدها: أن معناه: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فالأشقى هم أصحاب الكبائر، والذي كذب وتولى هم الكفار. والوجه الثاني: ان للكفار دركات، والمراد من الآية دركة بعينها لا يدخلها إلا الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] دلت الآية أنه مخصوص للمنافقين، وهذا جواب معروف، والوجه الثالث: أن المعنى: لا يصلاها، لا يدخلها خالداً فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وصاحب الكبيرة وإن دخلها لا يخلد فيها ". (١)

стр. 688

المطلب الثالث: هل للقاتل توبة ؟! بحث السمعاني ﵀ هذه المسألة، وذكر فيها قولين لأهل العلم: الأول: أن لقاتل المؤمن عمداً توبة، والثاني: أنه ليست له توبة. ثم رجح القول الأول لاعتبارات وأدلة فقال: " والأصح، والذي عليه الأكثر، وهو مذهب أهل السنة، أن لقاتل المؤمن عمداً توبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه:٨٢]، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦]؛ ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى " (١). ثم وجه ما ورد عن بعض السلف كابن عباس، وسفيان بن عيينة، بأن القاتل لا توبة له، بأنه محمول على التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، فقال: "وأما الذي رُوي عن ابن عباس، فعلى سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، وهو مثل ما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل، يقال له: لا توبة لك؛ منعاً له عن القتل، وإن قتل يُقال له: لك توبة، حتى يتوب. وروي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس وسأله؛ هل لقاتل المؤمن توبة؟ قال: لا، فجاءه آخر وسأله عن ذلك، فقال: نعم، له توبة، فقيل له في ذلك، فقال: إن الأول لم يكن قتل، فمنعته عن القتل، وإن الثاني قتل، فأرشدته إلى التوبة ". (٢) وهذا القول هو القول الراجح، وهو قول جمهور العلماء، أن للقاتل عمداً توبة، واستدل له السمعاني كذلك بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩]، يقول السمعاني: " واستدل أهل السنة بهذه الآية، على أن توبة القاتل عمداً مقبولة، فإن الله تعالى، ذكر عزم القتل منهم، وذكر التوبة، ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل؛ دلَّ أنها مقبولة ". (٣)

стр. 689

واستدل له كذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، يقول السمعاني: " فالتوبة من الكل مقبولة ... وظاهر هذه الآية، وهو قوله " إِلَّا مَنْ تَابَ "، يدل على هذا؛ لأنه قد سبق قتل النفس ". (١) وذكر السمعاني كذلك، خلاف العلماء في حكم قبول توبة من ارتد ثم آمن ثم ارتد؟ فذكر عن علي ﵁: أنه لا تقبل توبته، فإنه إذا آمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، فلو أراد أن يؤمن لا يُقبل منه، ويقتل؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٣٧]. ثم قال: " وأكثر أهل العلم على أنه: تقبل توبته، ويحتمل أن تكون الآية في المنافقين، وقوم من أهل الكتاب، كانوا يؤمنون باللسان، ثم يرجعون إلى الكفر، ثم يأتون فيؤمنون، ثم يرجعون إلى الكفر ". (٢) وأشار كذلك إلى قطع يد السارق، هل هي توبة له، أو جزاء على الجناية؟ فذكر القولين، ثم قال: " والصحيح: أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة:٣٨]، فلا بُدَّ من التوبة بعده، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل ". (٣) وفي ختام هذا الفصل: نُشير إلى أن تحذير السمعاني عن البدع وأهلها، ظهر جلياً في كلامه، ويظهر هذا من جهات: ١ ـ إشارته إلى أن أهل البدع هم أهل التفرق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، نقل عن مجاهد قوله: هم أهل الأهواء والبدع. (٤)

стр. 690

٢ ـ أنه لايجوز الجلوس في مجلس يُخاض فيه ببدعة، فإن تركوا الخوض فيه، خاضوا في حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم. (١) ٣ ـ أنه فسَّر العدوان في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، بالبدعة (٢)، وهذا يدل على خطرها. ٤ ـ ونقل عن سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢]، أنه قال: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة (٣). ولذلك المبتدع ليست له عتبة. (٤) وكل من نظر في كتابه: الانتصار لأصحاب الحديث، علم يقينا جهد السمعاني وجهاده في دفع البدع وإبطالها، والرد على أهلها.

стр. 691

المبحث الثالث: الديانات، وفضيلة الإسلام، وأمة الإسلام: المطلب الأول: التعريف بالديانات: المسألة الأول: التعريف بالإسلام: الإسلام هو الدين الحق، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:١٠٨]، يقول السمعاني: " الحق ها هنا: هو ما ينجو به الإنسان، وضده الباطل، وهو الذي يهلك به الإنسان، وقيل: معناه الإسلام " (١)، والإسلام هو محض فضل الله جل وعلا ورحمته، فقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨]: بالإسلام، فقيل: فضل الله الإسلام، وقال بعضهم: ورحمته الإسلام (٢)، وهو أحب الإديان إلى الله تعالى، قال زيد بن أسلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، على دين عظيم، وهو الدين الذي رضيه الله تعالى لهذه الأمة، وهو أحب الأديان إلى الله تعالى (٣). والإسلام هو الملة الحنيفية، ولذا لما قال اليهود: كونوا يهوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥]، والحنيف هو المسلم، وأصله الميل، وهو المائل القدم، والمسلم مائل من سائر الأديان، إلى ملة الإسلام (٤). وهو من أعظم النعم، قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، قال عطاء: أراد به نعمة الإسلام (٥). وقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، قال ابن عباس: النعمة الظاهرة الإسلام وحسن الخلق، والنعمة الباطنة هي ما يستر من العيوب. (٦) والإسلام يُطلق بمعنيين:

стр. 692

١ ـ الإطلاق العام للفظ الإسلام، ويُراد به الانقياد، والخضوع، والاستسلام، يقول السمعاني في معنى الإسلام العام: " والإسلام: هو الانقياد والاستسلام، وقد يكون مجرد الاستسلام من غير العقيدة، فرقاً بينه وبين الإيمان " (١)، وقال:" والإسلام يعني الاستسلام لأمر الله تعالى " (٢)، وحمل عليه ما جاء من الآيات بلفظ الإسلام، في الأمم السابقة، قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، يقول السمعاني: " مستسلمين، خاضعين، منقادين " (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، يعني: استسلم وأخلص عبادتك لله. (٤) ٢ ـ الإطلاق الخاص للفظ الإسلام، ويُراد به " الإتيان بالشهادتين، مع سائر الأركان الخمسة " (٥)، فالمسلم على هذا الإطلاق: " هو الذي يكون على جميع ما أتى به محمد رسول الله ﷺ ". (٦) المسألة الثانية: التعريف باليهودية والنصرانية: أ ـ اليهودية: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، يقول السمعاني: " هود جمع هائد، وهو مثل حائل وحول. وقيل: كان أصله كونوا يهوداً، فحذفت الياء، فصار هوداً. وقيل: هود مصدرها يهود هوداً، فهو مصدر بمعنى الجمع، كما يُقال: نوم صَوْم، وقوم فطر " (٧). ويقول السمعاني في سبب تسميتهم يهوداً: " لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، أي: ملنا إليك. وقيل: لأنهم من أولاد يهودا بن يعقوب ". (٨)

стр. 693

ب ـ النصرانية: يقول السمعاني: " والنصارى قوم يعرفون، وإنما سموا نصارى؛ لأنهم نزلوا قرية تسمى ناصرة، وقيل: لقول عيسى: من أنصاري إلى الله، قالوا: نحن أنصار الله". (١) والنصارى هم من تسمى بهذا القول، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:١٤]، يقول الحسن البصري: في هذا دليل على أنهم نصارى بتسميتهم، لا بتسمية الله تعالى، أما المسلمون فالله يقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]، يعني في التوراة والإنجيل والقرآن. (٢) واختلف في الصائبين، هل هم قوم من اليهود والنصارى أم لا؟! فقيل: هم من اليهود والنصارى، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل هم قوم يقرؤون الزبور، ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة، قاله قتادة. (٣) وذكر السمعاني ﵀ عدة أمور تتعلق بهاتين الديانتين: ١ ـ أن الله تعالى سماهما أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٢٣]، يقول السمعاني مورداً تساؤلاً مفاده: " فإن قال قائل: كيف يُسمِّي اليهود والنصارى، أهل الكتاب، وهو اسم مدح، وهم يستحقون الذم؟! قيل: قال ذلك لإلزام الحجة، وقيل: سماهم بذلك على زعمهم أنهم أهل الكتاب ". (٤)

стр. 694

٢ ـ أنهم كفار مالم يؤمنوا بالنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:١٤٩]، يعني: اليهود والنصارى (١)، فوصفهم الله تعالى بالكفر. وقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٣٧]، يقول السمعاني:" وقيل: هو في جميع أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، وآمنوا بكتابهم، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بمحمد ﷺ ". (٢) ٣ ـ أنهم أهل اختلاف وفرقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران:١٠٥]، يعني اليهود والنصارى (٣)، وقال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]، يقول السمعاني: " وفي الآية أقوال، أظهر الأقاويل: أن المراد منهم: اليهود والنصارى" (٤)، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن التفرق في دينه وكتابه، فقال: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، " أي: كما تفرقت اليهود والنصارى، أي: آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض". (٥)

стр. 695

٤ ـ أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:٦٤]، يقول السمعاني: " قيل بين فرق اليهود، وقيل: بين اليهود والنصارى "، ثم أشار السمعاني إلى بقاء هاتين الديانتين إلى قريب قيام الساعة، فقال: " وقوله " إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "، دليل على أن اليهودية والنصرانية تبقى إلى قريب من قيام الساعة ". (١) ٥ ـ العجيب أن النبي ﷺ لما دعا كفار مكة إلى التوحيد، استكبروا وعاندوا، ثم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص:٧]، وهي النصرانية، فهي آخر الملل، مع أنهم لم يكونوا موحدين، فإنهم كانوا يقولون: إن الله ثالث ثلاثة (٢). وهذا يدل على تجذر الضلال والاستكبار في قلوبهم. ومع ذلك فإن النصارى ألين عداوة للمسلمين من اليهود، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢]، يقول السمعاني: " وقيل: هو في كل النصارى، ومعناه: أنهم ألين عداوة من اليهود ". (٣)

стр. 696

المطلب الثاني: فضل الإسلام: الإسلام الذي جاء به النبي محمد ﷺ من ربه، هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لنفسه، فقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ولذلك أمر الله تعالى بالدخول فيه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، أي: ادخلوا جميعاً، وقيل: ادخلوا في الإسلام وشرائعه كافة، وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه، كافين عن المجاوزة إلى غيره، ولذا حين أراد قوم من اليهود أسلموا أن يجمعوا بين الإسلام واليهودية، نهاهم الله عن ذلك، فنزلت هذه الآية، والمعنى: كونوا للإسلام خاصة، ولا تجمعوا بينه وبين اليهودية (١). فهو الدين الذي لا يقبل الله تعالى سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، يقول السمعاني:" وحق لمن يبتغي غير الإسلام، أن يصبح غداً من الخاسرين" (٢). وقد أتم الله تعالى الدين، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، أي: الشرائع والأحكام؛ لأنها نزلت بعد استقرار الشرائع والأحكام. (٣) وقد أبان الإمام السمعاني فضل الإسلام، وجماله، وكماله، وذلك من خلال النقاط التالية: ١ ـ أن الإسلام دين الفطرة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]، يقول السمعاني:" فالخلق يولدون على العهد الذي أُخذ عليهم يوم الميثاق، وهو فطرة الله ". (٤) ٢ ـ أن الإسلام دين الرحمة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى:٨]، يقول السمعاني: " أي: يُدخل من يشاء في الإسلام " (٥)، ومثله قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح:٢٥].

стр. 697

٣ ـ أن جزاء من أسلم الحسنى وزيادة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، يقول السمعاني: " الإحسان ها هنا: الإسلام، والإحسان: هو قول لا إله إلا الله " (١)، ولما كان كذلك أمر الله باتباعه، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ونهى عن اتباع ما عداه من الملل، فقال:" فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ " بمعنى: سائر الملل سوى ملة الإسلام. (٢) ٤ ـ سماه الله تعالى نوراً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، يقول السمعاني: " يعني: من الكفر إلى الإسلام، وإنما سمى الكفر ظلمات؛ لأن طريق الكفر مشتبه ملتبس، وإنما سمى الإسلام نوراً؛ لأنه طريق بَيِّن واضح " (٣)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]، يقول السمعاني معنى النور: " قيل: هو الإسلام، وسمي نوراً؛ لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور". (٤) ٥ ـ وأن الإسلام هو الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦]، يعني: الإسلام (٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:١٦١]، يقول السمعاني: " هو دين الإسلام، أي: ديناً مستقيماً " (٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤]، يقول السمعاني: " أي: إلى طريق قويم، وهو الإسلام ". (٧)

стр. 698

٦ ـ أن دين الإسلام هو الدين الحق، والمهيمن على كل الأديان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:٤٢]، أي: الإسلام باليهودية والنصرانية (١)، وقال تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة:١١٩]، " والمراد بالحق: القرآن، وقيل: شريعة الإسلام ". (٢) ٧ ـ أن شرائع الإسلام مبنية على نفي الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، واختلف العلماء في الحرج المنفي في الشريعة على أقوال: ـ فقيل: أن الحرج المنفي هو الضيق، ومعنى الآية: أنه لا ضيق في الدين، بحيث لا خلاص عنه، فمعناه: أن المذنب وإن وقع في ضيق من المعصية، فقد جعل الله له خلاصاً بالتوبة، وكذلك إذا حنث في يمينه، جعل الله له الخلاص بالكفارة. ـ وقيل: إن معنى الآية: أن الله تعالى لم يكلف نفساً فوق وسعها. ـ وقيل: إن المراد من الآية: أنه إذا كان مريضاً، فلم يقدر على الصلاة قائماً، صلى قاعداً، فإن لم يقدر على الصلاة قاعداً صلى بالإيماء، ويفطر إذا شق عليه الصوم، بسفر، أو مرض، أو هرم، وكذلك سائر وجوه الرخص (٣). وقد جاء الإسلام بنفي الحرج في كل ما ذُكر، وقد أكد القرآن الكريم على هذا المعنى في مواطن كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون:٦٢]، يقول السمعاني: " ويُقال: لم نكلف المريض الصلاة قائماً، ولا الفقير الزكاة والحج، ولا المسافر الصوم، وأشباه هذا ". (٤)

стр. 699

٨ ـ أن الإسلام قائم في تشريعاته وتعبداته على الإخلاص، وهو التوحيد، وقيل: هو تصفية النية في طاعة الله تعالى " (١). قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر:٣]، يقول السمعاني: " أي: الدين الذي ليس فيه شرك هو لله، أي: واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد يوجد دين، ولا توحيد، ولا إخلاص منه " (٢)، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، أي: مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً. (٣) ٩ ـ أن دين الإسلام هو الدين الظاهر على كل الأديان، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، وذكر السمعاني في الإظهار قولان: الأول: أن هذا عند نزول عيسى ﵇، لا يبقى في الأرض أحد إلا أسلم، والثاني: أن المقصود الإظهار بالحجة، فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة " (٤). وقال في موطن آخر: " أي على جميع الأديان، شرقاً وغرباً، ومصداق هذه الآية على الكمال، إنما يكون عند نزول عيسى ابن مريم، حيث لا يبقى إلا دين الإسلام " (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، يقول السمعاني: " أي: ليُظهرن دينهم على جميع الأديان، قال أهل العلم: يعني: فارس، والروم، ومن أشبههم ". (٦)

стр. 700

ولما كان دين الإسلام بهذه المثابة، وجب على المرء أن يتمسك به، ويثبت عليه، ويسأل الله الإعانة على ذلك، ثم يحمد ربه على أن جعله من أهل الإسلام، ولقد أثنى الله تعالى على المؤمنين، أنهم يحمدون الله على الإسلام، قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢]، يقول السمعاني في تفسير معنى الحامدين في الآية: " والقول الثاني: أنهم الذي يحمدون الله على الإسلام ". (١) المطلب الثالث: فضل أمة الإسلام: شَرُفت هذه الأمة بشرف بنيها ﵊، " وإنما حازت قصب السبق إلى الخيرات، بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله، ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه، ما لا يقوم الكثير من أعمال غيرهم مقامه ". (٢) والدلائل على فضل هذه الأمة، وعلوها، وشرفها، كثيرة، " يقول الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر، يكون ثواب أمته أقل. قال السُبكي: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم ". (٣) وقد تتبع السمعاني فضائل هذه الأمة، وما لها من المكانة بين سائر الأمم، ومما ذكره في الفضائل:

стр. 701

١ ـ أن الله تعالى هدى هذه الأمة، حين اختلفت بقية الأمم، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣]، قال زيد بن أسلم: اختلفوا في القبلة، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم: كذاب، وقال بعضهم: ابن الله، فهدانا الله لكونه نبياً عبداً، واختلفوا في إبراهيم، فادعاه كل فرقة، فهدانا الله لكونه حنيفاً مسلماً، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، فاليوم لنا ـ يعني الجمعة ـ، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى " (١). وقال مجاهد: كان الله تعالى أمرهم بالجمعة، فأبوا، وطلبوا السبت، فشدد عليهم فيه، وكذلك النصارى أمروا بالجمعة فأبوا، وطلبوا الأحد، وأعطى الله الجمعة لهذه الأمة، فقبلوا، وبورك لهم فيها. (٢)

стр. 702

٢ ـ أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطاً عدولاً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: " يعني: كما اخترنا الأنبياء، واخترنا بني إسرائيل من الخلق، فكذلك اخترناكم من الأمم، " أُمَّةً وَسَطًا " أي: عدلاً خياراً، وفي الخبر أن النبي ﷺ قال: " إنكم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأعدلها " (١)، وقد ورد في الخبر عنه ﵊ أنه قال: " خير الدين النمط الأوسط " (٢)، يعني: الذي ليس فيه غلو ولا تقصير، وذلك دين الإسلام؛ لأن النصارى قد غلوا في دينهم، واليهود قصروا، وأما المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط ". (٣) ٣ ـ فضيلة كلمة الاسترجاع لهذه الأمة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، قال سعيد بن جبير: كلمة الاسترجاع لم تعط لأحد من الأمم، سوى هذه الأمة. ألا ترى أن يعقوب ـ صلوات الله عليه ـ لما أُبتلي بفراق يوسف، قال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤]، ولم يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ ومعناه: إنا لله ملكاً وعبودية، وإنا إليه راجعون في القيامة، وإنما قُيِّد بهذا؛ لأن الأمر في القيامة يخلص لله تعالى. (٤) ٤ ـ فضيلة الاستغفار لهذه الأمة، يقول السمعاني: " واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين من قبلنا، كان الواحد منهم إذا أذنب ذنباً، يظهر على بابه أن اقطع من نفسك عضو كذا، وكان لا بُدَّ له منه، وقد أخرج الله تعالى هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار؛ كرامة لهم، وتيسيراً عليهم ". (٥)

стр. 703

٥ ـ أنها أمة مرحومة، قال تعالى في دعوة موسى ربه جل وعز: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، يقول السمعاني: " وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة، وذلك أن موسى ـ صلوات الله عليه ـ سأل أن يكتب الرحمة له ولأمته، فكتبها لأمة محمد ﷺ ". (١) ٦ ـ أن الله تعالى أحل لهذه الأمة الغنائم، وسمَّاها الله تعالى أنفالاً، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، والنفل في اللغة: الزيادة، ومنه صلاة النافلة؛ لأنها زيادة على الفريضة، فسميت الغنائم أنفالاً؛ لأنها زيادة كرامة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص". (٢) ٧ ـ أن الله تعالى اختص هذه الأمة بالسبع المثاني، وهي سورة الفاتحة، يقول مجاهد: إنما سميت مثاني؛ لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحى بها إليهم، ولم يُعطها أحداً من الأمم. (٣) ٨ ـ أن الله تعالى نادى أمة محمد ﵊، فقال: " يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني "، فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦]، وهو مروي عن أبي هريرة ﵁، يقول السمعاني: " وفي القصة: أن موسى لما سمع هذا من الله تعالى قال: يارب، إنما جئت لوفادة أمة محمد ﷺ ". (٤)

стр. 704

٩ ـ أن هذه الأمة مصطفاة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، يقول السمعاني: " الأكثرون على أن المراد من قوله: " الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا " هذه الأمة ". (١) ١٠ ـ أنه هذه الأمة نصيبها في الآخرة، أنهم نصف أهل الجنة، قال النبي ﷺ : " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني " (٢)، وفي بعض الأخبار:" أن أهل الجنة مائة وعشرون صنفاً، ثمانون من هذه الأمة " (٣) (٤) ١١ ـ أنه هذه الأمة تزكي شهود الأنبياء بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، يقول السمعاني: " وفيه قول آخر: أنه بمعنى التزكية، يشهد الرسل بالنبوة من سائر الأمم، وذلك أن مؤمني سائر الأمم شهدوا للرسل بالنبوة، وتبليغ الرسالة، فهذه الأمة تزكي أولئك الشهود " (٥)، وكذلك هذه الأمة تشهد للرسل بالبلاغ، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، يقول السمعاني: " وذلك يوم القيامة، حين يسألة الأمم عن إبلاغ الرسل، فينكرون تبليغهم الرسالة، فيسأل الرسل، فيقولون: بلغنا، فيقال لهم: ومن يشهد لكم؟! فيأتون بهذه الأمة، فيشهدون لهم بالبلاغ ". (٦) ١٢ ـ أن الله تعالى خفف عن هذه الأمة، في أحكامها وتشريعاتها، ومن ذلك قوله تعالى في حكم القصاص: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول السمعاني في بيان وجه التخفيف: " ومعناه: أن الدية كانت في شرع النصارى حتماً، والقصاص في شرع اليهود حتماً، وخيرت هذه الأمة بين القصاص والدية، فذلك التخفيف ". (٧)

стр. 705

١٣ ـ أنهم خير أمة في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، قال السمعاني: " أراد به: كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ، وقيل: أراد به: صرتم خير أمة إذا آمنتم ". (١) ١٤ ـ ونقل السمعاني عن كعب الأحبار في فضيلة هذه الأمة قوله: " أُعطيت هذه الأمة ثلاثاً، لم يُعط أحد من الأمم: قال الله تعالى لكل نبي من الأنبياء السالفة، أنت شاهد على أمتك، وقال لهذه الأمة: أنتم الشهداء على الأمم، وقال تعالى لكل نبي: ما عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال لكل نبي: ادع استجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ". (٢) إذن: فهذه الأمة المحمدية، خصائصها، ومزاياها، كثيرة جداً، امتن الله تعالى بها عليها، ورفع من شأنها، وأعلى مقامها، وأعطاها ما لم يُعط من الأمم غيرها؛ تكرمة لبنيها ﵊، وزيادة في شرفه، قال القسطلاني: " وتفصيل فضلها وخصائصها، يستدعي سفراً، بل أسفاراً، وذلك فضل الله يؤتيه الله من يشاء، والله ذو الفضل العظيم". (٣)
следующие страницы →