← Адаб

Адаб · id 5372

حلية المحاضرة

ابن المظفر الحاتمي

Полный текст (156 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجزء الأول في صناعة الشعر وأنواعه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم قال أبو علي، محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي رحمه الله تعالى، ورضي عنه، بمنه وكرمه وفضله في صناعة الشعر وأنواعه المقدمة ١- أما بعد حمد الله ، والصلاة على رسوله وآله، فإن أشرف الكلام ما سهل سبيله، وقرب مأخذه، وبعد مرامه، واعتدلت أقسامه، ورقت حواشيه، وأرهفت هواديه وتواليه، وفتق المشكل، وطبق المفصل، واستعبد الأسماع، وأصاب الغرض، وانتظم المقصد، وانتهزت فيه الفرصة، وأخذ بأقطار البلاغة، واكتفى بالوحي والإشارة، واسترجعت به القلوب النافرة بعد النفار، وثنيت إليه أعنة الأسماع والأبصار، وكنت بأوائله مكتفياً، وبأواخره مستغنياً، فإذا كان اللفظ فصيحاً، والمعنى صريحاً، واللسان بالبيان مطرداً، والصواب مجيداً، والآلة مسعدة، والبديهة مسعفة، والألفاظ متناسجة، غير مفتقرة إلى تأويل، والمعاني والحجج عند الحاجة ماثلة، والأسماع قابلة، والقلوب نحو الكلام منعطفة، والأفهام للمخاطب على قدر فهمه واقعاً، والذهن مجتمعاً، والبصيرة قادحة، والقائل موجزاً في موضع الإيجاز، مطيلاً إذا حسنت الإطالة، وافقا عند الكفاية، وكان اللبس مأموناً، وشمائل القول حلوة، والقدرة على التصرف عاضدة والطبع الذي هو دعامة المنطق متدفقاً، والفصول ملتحمة، والفضول مجذوذة، والفصول مقسومة، وموارد الكلام عذبة، ومصادره رحبة، خارجة عن الشركة، سليمة من تكلف الصنعة، فتلك هي البلاغة، وهناك انتظام شمل الإبانة، وقد قال بعضهم: "إن زهيراً وضع فضول الكلام" بقوله طويل: وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه أباء أبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلى وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل" ٢- قال أبو علي: وقد تصفحت صحف البلاغة، واستقريت أساليب البيان والفصاحة، فوجدت العرب أرباب الكلام، وملاك رق المعاني والألفاظ، إيجازاً في حال الحاجة إلى الإيجاز، وإطالة وتوسعاً عند الحاجة إلى الإطالة والإسهاب واتساعاً لما انفردت به لغتهم دون اللغات من أصناف البديع، كالتجنيس، والتطبيق، والاستعارة، والإشارة، وكالوحي، والتشبيه، والاستثناء، والمظافرة، والتبليغ، والترديد، والتصدير، والتسهيم، والتقسيم، والتتميم، والتسميط، والتبيين، والترصيع، والتلميح، والتلويح، والتوشيح، والموازنة، والمقابلة، والاستطراد والمماثلة، والتكافؤ، والمبالغة والالتفات، والمساواة، والإيهام، وأبدع حشو، والإغراق، وأحسن ابتداء، وألطف بيت، والقوافي المتمكنة، وأحكم بيت على ثلاثة أمثال، وأحكم بيت على مثلين، وأبدع أمثال الإعجاز، وشوارد الأمثال، وغير ذلك من أفانين البديع، التي كشفت مطلوبها، وأشرت إلى محاسن الصنعة فيها، في كتابي الموسوم "بالحالي والعاطل- في صنعة الشعر" وهو مما يستشف هناك جواهره، فتشف أساريرها، وترعى تلاعه، فترق أزاهيرها. وأشير في كتابي هذا إلى بعض إشارة يقضيها هذا التصنيف بحول الله وقوته. ٣- ووجدت البلاغة منقسمة قسمين: منظوماً، ومنثوراً، وأولى هذين القسمين بالمزية -والقدم للمتقدم- المنظوم، فإنه أبدع مطالع، وأنصع مقاطع، وأطول عناناً، وأفصح لساناً، وأنور أنجماً، وأنفذ أسهماً، وأشرد مثلاً، وأسير لفظاً ومعنى، ألا ترى إلى قول المسيب بن علس كامل: فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع وقول الأعشى طويل: وإن عتاق العيس سوف يزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق به تنقض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أطراف الحبال وتطلق يقول: إذا رحلوا وحطوا تمثلوا بهذه القصيدة. ٤- قال أبو علي: والمنظوم أرشق في الأسماع، وأعلق بالطباع، وأبقى مياسم، وأذكى مناسم، وأخلد عمراً، وأجمع لأفانين البديع التي قدمت ذكرها شملاً، ألا ترى إلى قول الخنساء متقارب: وقافية مثل حد السنا ... ن تبقى، ويذهب من قالها نطقت ابن عمرو فسهلتها ... ولم ينطق الناس أمثالها وكما قال بشار طويل: ومثلك قد سيرته بقصيدة ... فسار، ولم يبرح عراص المنازل

стр. 2

رميت بها وغرباً فأصبحت به ... الأرض ملأى من مقيم وراحل وقال ابن حازم وافر: فأبعثهن أربعة وخمساً ... بألفاظ مثقفة عذاب وكن إذا وسمت بهن قوماً ... كأطواق الحمائم في الرقاب وهن وإن أقمت مسافرات ... تهادها الرواة مع الركاب ٥- قال أبو علي: والمنظوم أهز لعطف الكريم، وأجمع لشتات محاسنه، كما أنه أفل لغرب اللئيم، وأبدى بصفحة مطاعته، وكذلك قال تأبط شراً طويل: وإني لمهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوراك هذا إذا كان لفظه حر الطينة، ومعناه سليماً من اللبس والشركة، وكان كما قال موسى بن جابر الحنفي طويل: من الواضحات الغر يخرج وحده ... ويلوي عليه رأسه كل شاعر وكما قال جرير طويل: وعاو عوى من غير شيء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدما خروج بأفواه الرواة كأنها ... قرى هندواني إذا هز صماً وكما قال عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الأصم-وهو الذي كان يهاجي الفرزدق بسيط: ألق قذى الشعر عنه حين أقرضه ... فما بشعري من عيب ولا ذام كأنما اصطفى شعري وأغرفه ... من لج بحر غزير زاخر طام منه غرائب أمثال مشهرة ... ملمومة زانها وصفي وإحكامي ٦- قال أبو علي: فإذا كان غير معتدل النظم، ولا متناسب القسمة، ولا مقبول العبارة، وكانت معانيه بعيدة، وألفاظه شريدة، كما قال الشاعر طويل: وبعض قريض القوم أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ فسيلم المنثور-وإن عطل من حلي البيان، وتعرى من حلل الإحسان أعذب شرباً، وأكرم عرفاً، ألا ترى إلى قول عروة بن أذينة كامل: فاسق العدو بكأسه واعلم له ... بالغيب إن كان قبل سقاكها واجز الكرامة من ترى أن لونه ... يوماً بذلت كرامة لجزاكها فهذا من التركيب الوحشي المضطرب، والنسخ المختلف، وقوله في البيت "واعلم له بالغيب" مستهجن، مشترك الصنعة، متباين البنية، و"له" رديئة الموقع، بشعة المستمع، والبيت الثاني، تقديره أن يقول: فاجر الكرامة من ترى أن لو بذلت يوماً كرامة، لجزاكها، وانظر إلى قول الآخر خفيف: لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عرف نفس ذهول فتأمل هذا المصراع الأخير من هذا البيت، فإنك تجد بعض ألفاظه تتبرأ من بعض، فالسبب الذي: ثقل معه هذا البيت على اللسان، تقارب حروف الحلق في قوله: "وانثنت نحو عرف نفس ذهول" لأنهم لا يكادون يجمعونها إلا بحواجز لتنافرها، وقد اتفق ذلك لجماعة من حذاق الشعراء، وصناع الكلام، فانظر إلى تفاوت ما بين هذا النظم، وبين قول أبي حية النميري الطويل: رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية أرام الناس رميم رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم أن لا يزال يهيم فلو كنت أسطيع الرماء رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم ٧- قال أبو علي: وهذا كلام، ليس فيه فضل عن معناه، والمنثور مطلق من عقال القوافي، فإذا صفا جوهره، وطاب عنصره، ولطفت استعارته ورشقت عبارته، كاد يساوي المنظوم، لولا ما انفرد به المنظوم من فضيلة الوزن والقافية، وغيرهما مما عينت وأعين عليه، فمن بديع الاستعارة في المنثور، قول بعض الأعراب: "خرجت في ليلة حندس قد ألفت على الأرض أكارها فمحت صور الأبدان، فما كدنا نتعارف إلا بالأذان فهذا بارع من الاستعارة في وصف ظلمة الليل، إلا أنك إذا ماثلته بالمنظوم في معناه، وجدت التفاوت بين الإحسان والإساءة، والزيادة والنقيصة، فيما سأقرأ، ظاهراً. ٨- قال أبو علي: أنشدنا محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى عن أبي نصر عن الأصمعي لأبي محكان العدوي طويل: وليل يقول الناس عن ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها كأن لنا منه بيوتاً حصينة ... مسوح أعاليها وساج كسورها الساج: الطيلسان، والكسور: جمع كسر، وهو جانب البيت. وقول الحماني العلوي ألطف في معناه، وأليق في مسراه حيث يقول بسيط: كأنما الطرف يرمي في جوانبه ... عن العمى وكأن النجم قنديل

стр. 3

على أنه ربما اتفق -في النادر الذي لا يقع يمثله حكم -للبليغ في صناعة النثر، معنى انتظمه الشعر، فتكون لمنثوره لوطة بالقلب، وتعلق بالنفس، ليس لمنظومه، كما قال بعض المتقدمين في وصف جارية: "كاد الغزال يكونها، لولا الشذى، ونشوز قرنه" فنثر هذا، بعض البلغاء فقال: "كاد الغزالي يكونها، لولا ما تم منها ونقص منه" ولعمري إن هذه، ألفاظ رطبة عذبة، لكن القضية تقع على ما يوجه الأكثر، وبالمنظوم سبقت العرب إلى وصف الطلول والآثار، والبكاء على معالم الديار، وتأبين ما تعفى من مراسمها بالرياح، والأمطار، ووصف ما محته الأيام من محاسن صورها، وطوته بالبلى من أردية مغانيها، وأحالته من أعيان معانيها، وما اختلقته العهاد من جديد معاهدها، وأبقته الأنواء من أواريها وأوتادها، ولعبت به الحوادث من ملاعبها، وأبدعته من وصف بالي من آياتها بالبهجة والنضرة والتضوع بنسيم الأحبة، واستضحاك رسومها بعد خلوها من ساكنها كما قال الأخطل: الطويل: لا سماء محتل بناظرة البشر ... قديم ولما يعفه سالف الدهر يكاد من العرفان يضحك رسمه ... فكم من ليال للديار ومن شهر وقال آخر منسرح: شطت بهم عنك لية قذف ... غادرت الشعب غير ملتئم واستودعت نشرها الديار فما ... تزداد إلا طيباً على القدم ٩- قال أبو علي: وأحسب أن أول من أشار إلى هذا المعنى، أبو صخر الهذلي في قوله الطويل: لليلي بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بدار البين آياتها سطر كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر فأخذ أبو نواس هذا المعنى فقال وأحسن طويل: لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أذوت وحسن رسوم تجافى البلى عنهن حتى كأنما ... لبسن على القواء ثوب نعيم إلى غير ذلك مما تصرفت فيه، من مذاهب الكلام، في ذم الشيب، ومدح الشباب، وتشوق الأحباب، وتقييد المآثر والأنساب، والحنين إلى الأوطان، والتفجع على الجيران، ونعيق الغربان، والتشوف بالنيران، وضرب الأمثال، والفخر بمعالي الأفعال، ومقارعة الأبطال، وذكر الوقائع والحروب والأيام، والتمدح بقرى الضيفان، ومنازلة الفرسان، وطعن الكماة واقتناص الأقران، وبذل المال، وحماية الجار، والتخرق في العطاء، والإيثار بالبلغ، والجود بالنفس عند اللقاء، ووصف الإبل في فري الغلاة، وهتك جلابيب الظلماء، وامتطاء مطا البيداء، ونعتها بالضمور، والنحول، وغئور العيون، وجزع المجاهل، وطيء المناهل، ونعت الخيل في خلقها بالعتق الكرم، وفي خلقها بمعرفة الوحي والإشارة، وتشبيهها بالسباع في سعة جلودها ووثبها، وبالنعام بطول قوائمها، وسعة فرها، وبالحمار في تلاحك خلقه، وشدة خلقته، وبالظباء في أطر عراقيبها، وبالعقبان والطير في انقضاضها، وتمثيل سرعتها بوشك الفراق، وجري السيل، وتضرم الحريق، وإنبات الدلو، وتدهدي الحجر، وغليان المرجل، وهزيز الريح، وذكر المياه العذبة، والآجنة، وممادح الملوك وأهاجيها، وتأبين الأموات ومرائيها، ومدح الجود والتحلي به، وذم البخل والإشفاء منه، والتشبيب والغزل، ومحادثة النساء، وذكر الوفاء لهن، والإقامة على عهودهن، ووصف خلقهن وأخلاقهن، وآبائهن وانقيادهن، وذكر الوفاء بهن، وحسن الوصف، ودقة المعنى، وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق القلب وترجيع الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار. (١) مثال ذلك: وقلت أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم وعطف المساءة على العذال: لا تلمن وأنت زينتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان وتبخيل المنازل واختصار الخبر: ألم تسأل الأطلال والمتربعا ... ببطن حليات دوارس بلقعا يبخلن أو يخبرن بالعلم بعدما ... فكأن فؤاداً كان قدماً مفجعاً وأيسر النوم: نام صبحي وبات نومي أسيراً

стр. 4

وإغذاذ السير، وتحير ماء الشباب، وإعلان الحب وإمراره، وإنكاح النوم وإغلاق الرهن، وإهدار القتل، وإدراك الثأر، ومعاتبة الآلاف، ووميض البروق وشيم ضيائها، واعتلاج الفكر، وهيج الذكر، ووصف الخصب، والجدب، والسحاب والغيث، والروض والكلأ، ونعوت الوحش والقفر، وذكر الغنى والفقر، والهداية والقيافة والعيافة، والعي والبلاغة، وما لهوا به من الطرد والقنص، والمأكل والمشرب، ووصفهما، وتشبيهات الخمر لوناً، وطعماً، ونشراً والتمدح بالسبق إلى شربها وإباء قبول العذل فيها وغير ذلك مما لو ذهبت إلى تعديد مذاهبه، وإيضاح مآربه، ونهج معالمه، وإضحاك مباسمة، والأخبار عن توسعها فيه، وتناولها البعيد من غاياته في القريب من أوجهها وإشاراتها إليه، لجريت طلق الجموح في مضمار لا ينتهي إلى غاية إلا مع الكد والإطالة، واستخدام طول المدة. ١٠قال أبو علي: وقد رأيت أن أفترع كتاباً أشرع فيه لمحاسن الشعر شريعة ترد القرائح مائها، وترود مساقط أندائها، وتشيم بروق أنوائها، وتستهدي بنجوم سمائها، واقصره على فقره النادرة، وغرر معانيه المتنافرة، ولمعه البارعة، وكواكبه الصادعة، وأقسامه المختارة، وهي ثلاثة: مثل شرود، وتشبيه رائع، واستعارة واقعة، وأودعه من ذلك ما وقع إجماع نقاد الكلام، والعلماء بسرائر الشعر، على أنه أشعر ما قيل في معناه من كل نوع، تتناوله المحاضرة، وتتهادى جواهره المذاكرة، وتتعاط بلاغته الألسنة، ويكون لعطل اللفظ حلياً، وللاختيار رونقاً، وللأسماع علقاً ولشمل الاختصار جامعاً، وافتتح القول فيه ببندٍ من فنون البديع، ولمع من الاستعارات اللطفية، والمجازات التي توسعت العرب فيها، إذ كان من عادتها الاختصار والحذف والإيجاز والإيماء والاكتفاء باللمحة الدالة، والإشارة إلى المقصد، والاستغناء بالقليل عن الكثير إذا كانوا محتاجين إلى ذلك، لارتجال الخطيب في الحروب، والكلام عند البديهة في المقامات، لإطفاء جمرة الحرب، وإصلاح ذات البين، فجعلوا موضع كلامهم على التوسع والمجاز، ومعنى المجاز، طريق القول ومأخذه، والمجاز: مصدر جزت مجازاً، كما تقول: قمت مقاماً قال الأصمعي: "كلام العرب إنما هو مثال شبيه بالوحي، لا سيما الشعر، لأنه موضع اضطرار، إذ كان على روي واحد، ووزن لابد من إقامته، وكانت حروف بعضه أقل من حروف بعض عدداً وأثقل وزناً، فإذا لم يستقم للشاعر أن يضع الحرف موضعه لاختلاف الوزن، وضع مكانه ما يدل عليه، مما يسلم به بناؤه الذي ذهب إليه كقول مزرد طويل: فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر فجعل للإنسان حافراً، ولا حافر له". ١١ قال أبو علي، فهذه مخيلة من القول، إن استطار بارقها، اقتبس سناه، أو صدق قولها غمر ضياه فأثرى بقلوب الأدباء ثراه وكان خليقاً أن يغادر بكل قرارة غديراً، ويخلف بكل ربوة روضاً منيراً. ومن الله استمد معونته وتوفيقه. الفصل الأول من محاسن الشعر أحسن ما ورد من بديع الاستعارة ١٢قال أبو علي الحاتمي: أخبرني أبو جعفر محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: حدثني أبو الفضل العباس بن محمد بن حمدون قال: حدثني أبو الحسن علي بن يحيى المنجم عن إسحاق الموصلي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: كانت يدي في يد الفرزدق وأنشدته قول ذي الرمة طويل: أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر قال: فقال لي: أأرشدك، أم أدعك؟ قلت: بل أرشدني! فقال: "إن العود لا يذوي أو يجف الثرى وإنما الشعر "حتى ذوي العود والثرى" قال أبو عمرو: ولا أعلم قولاً أحسن من قوله "وساق الثريا في ملاءته الفجر، فصير للفجر ملاءة، ولا ملاءة له وإنما استعار هذه اللفظة، وهو من عجيب الاستعارات. ١٣أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: اجتمعت أنا، وجماعة من فرسان الشعر عند ابن المعتز، وكان يتحقق بعلم البديع تحققاً ينصر دعواه في لسان مذاكرته، فلم يبق مسلك من مسالك الشعر، إلا وسلكنا من شعبنا من شعابه، وأوردنا أحسن ما قيل في معناه، إلى أن قال أبو العباس: ما أحسن استعارة للعرب اشتمل عليها بيت من الشعر؟ قال الأسدي: قول السيد كامل: وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها

стр. 5

فجعل للشمال يداً وزماماً، قال أبو العباس: هذا حسن، وغير أحسن منه وقد أخذه من قوله ثعلبة بن صعير المازني كامل: فتذكرا ثقلاً رثيداً بعدما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر قال: وقول ذي الرمة أعجب إليّ منه وإن تأخر زمانه طويل: ألا طرقت ميي هيوماً بذكرها ... وأيدي الثريا جنح للمغارب فقال بعضهم: بل قول لبيد كامل: ولقد حميت الحي تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها فقال أبو العباس: هذا حسن ولكن يعدل عنه إلى قول لبيد فقال آخر: قول الهذلي كامل: ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها قال أبو العباس: هذا بديع، وأبدع منه في استعارة لطيفة، لفظ (الاستيداع) في قول الحصين بن الحمام المري لأنه جمع الاستعارة والمقابلة في قوله الطويل: نطاردهم نستودع البيض هامهم ... ويستودعونا السمهري المقوما فقال بعضنا: بل قول ذي الرمة الطويل: أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... ولف الثريا في ملاءته الفجر فقال أبو العباس: هذا لعمري نهاية الخيرة، وذو الرمة أبدع الناس استعارة، إلا أن الصواب، "حتى ذوي العود والثرى "بواو النسق، لأن العود لا يذوي ما دام في الثرى قال محمد بن يحيى الصولي: فكأنه نبهني على ذي الرمة، فقلت: بل قوله الطويل: ولما رأيت الليلَ، والشمس حية ... حياة الذي يقضي حشاشة نازع فقال أبو العباس: اقتدحت زندك يا أبا بكر فأورى! هذا بارع جداً. ولكن سبقه إلى هذه الاستعارة جرير، وبيته أحسن بقوله بسيط: تحيي الروامس ربعها فتجده ... بعد البلى، وتميته الأمطار قال أبو العباس: هذا بيت جمع الاستعارة، والمطابقة، لأنه جاء فيه بالإحياء والإماتة، والبلى والجدة، ولكن ذو الرمة قد استوفى ذكر الإحياء والإماتة في موضع آخر وأحسن في قوله الطويل: ونشوان من طول النعاس كأنه ... بحبلين من مشطونة يترجح إذا مات فوق الرجل أحييت روحه ... بذكراك، والعيس المراسيل جنح قال أبو بكر: فما أحد انصرف من ذلك المجلس، إلا وقد غمره من بحر أبي العباس، في علم الشعر، وحسن تصرفه فيه، والكلام عليه، ما غاض معينه، ولم ينهض إلا بعد ما زودنا من بره، وملاطفته، نهاية ما اتسعت به حاله. أحسن ما ورد في الوحي والإشارة ١٤أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: كان ابن الأعرابي يتعجب من قول ارطأة بن سهية الطويل: فقلت لها يا أم بيضاء إنه ... هريق شبابي واستشن أديمي قال أبو علي: ولا أعلم استعارة أبدع من هذه. ١٥ قال أحمد بن يحيى: وأنا أقول: إنه من بارع الاستعارة قول الآخر يصف ناقته كامل: فوضعت رحلي فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرجل ١٦ قال أبو علي: وأبدع بيت قيل في الاستعارة، قول الآخر يصف سحائب طويل: إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها ... بكين بها حتى يعيش هشيم لأنه جمع لطيف الاستعارة، وحسن الطباق في قريب من العبارة. ١٧ أخبرنا أبو علي، قال: أخبرني علي بن هرون، قال: أخبرني أبي هارن بن علي عن حماد بن إسحاق، وتشير إلى أنها من محاسنة، فما هي: قال: قول الشاعر بسيط: أوردته وصدور العيس مسنفة ... والليل بالكوكب الدري منحور وقول الآخر وافر: جعلنا السيف بين بين الجيد منه ... وبين سواد لحييه عذار ثم قال: ألا ترى إلى قوله "أوردته وصدور العيس مسنفة" وقد أشار إلى الفجر إشارة ظريفة بغير لفظه!؟ قال: ثم قال لي: هذا هو الوحي. ومثاله قول جاهلي. جعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق قال: فقوله "جعلت يدي وشاحاً له" إشارة بديعة بغير لفظ الاعتناق، وهي دالة عليه. ١٨ قال أبو علي: وحكي عن عيسى بن عبد العزيز الطاهري، قال: جمعني وقدامة الكاتب مجلس، ولم أر أفرس منه في بيت شعر، فسألته عن الإشارة فقال: "هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، باللمحة الدالة" فقلت: أذكر أحسن ما يحضرك في ذلك؟ فقال: لم يأت أحد بمثل قول زهير وافر: فإني لو لقيتك فاتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء قال وقول امرئ القيس طويل:

стр. 6

على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان قال: وقال لي قائل: ما اشتملت عليه، لفظة "أفانين" مما، لو عد لكان كثيراً، وما اقترن بها من جميع أصناف الجودة طوعاً، عن غير طلب، ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والوني، وهما، أكبر معائب الخيل التي يرتبطها الفرسان للمنازل. أبدع أبيات المطابقة ١٩ قال أبو علي: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين القرشي، قال: قلت لأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش- وكان أعلم من شاهدته، بالشعر-: أجد قوماً يخالفون في الطباق، فطائفة تزعم - والأكثر-: بأنه ذكر الشيء وضده، فيجمعهما اللفظ فهماً، لا المعنى، وطائفة تخالف ذلك فتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد كقول زياد الأعجم أبدع أبيات المطابقة ١٩ قال أبو علي: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين القرشي، قال: قلت لأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش- وكان أعلم من شاهدته، بالشعر-: أجد قوماً يخالفون في الطباق، فطائفة تزعم -والأكثر-: بأنه ذكر الشيء وضده، فيجمعهما اللفظ فهماً، لا المعنى، وطائفة تخالف ذلك فتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد كقول زياد الأعجم طويل: ونبئهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام فقوله "كاهل" للقبيلة، وقوله "كاهل" للعضو عندهم، هو المطابقة، قال فقال الأخفش: من هذا الذي يقول هذا؟ قلت: قدامة، وغيره، فأما قدامة فقد أنشد بسيط: وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس -هوجل: واسعة السير- فقال: هذا يا بني هو التنجيس، ومن زعم أنه طباق، فقد ادعى خلافاً على الخليل والأصمعي فقيل: أفكانا يعرفان هذا! فقال: سبحان الله!! وهل غيرهما في علم الشعر، وتمييز خبيثه من طيبه!؟. قلت: فأنشدني أحسن طباق للعرب، قال: قول عبد الله بن الزبير الأسدي وافراً: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سموداً فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا وقول طفيل الغنوي يصف فرساً بسيط: بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول ٢٠- قال أبو الفرج علي بن الحسين القرشي -وهو الناقل عن الأخفش-: وأنا أقول إن أحسن بيت في الطباق قول الشاعر بسيط: للسود في السود آثار تركن بها ... لمعاً من البيض يثني أعين البيض ٢١- قال أبو علي: ومن بديع الطباق قول عمرو بن كلثوم وافر: فإنا نورد الرايات بيضاً ... ونصدرهن حمراً قد روينا قال أبو علي: فطابق بين الإيراد والإصدار، والبياض الحمرة، ولو اتفق لعمرو بن كلثوم تقابل الري بالظماء، لكان أبرع بيت قالته العرب في الطباق. ٢٢- قال أبو علي: وقد أخذ هذا أبو الشيص فاستوفى المعنى فقال طويل: فأوردها بيضاً ظماء صدورها ... واصدرها بالري ألوانها حمر ٢٣- قال أبو علي: وأخبرنا عبيد الله بن أحمد بن دريد، عن أبي حاتم، قال سألت الأصمعي عن صنعة الشعر، فذكر في بعض قوله: المطابقة، وقال: أصلها وضع الرجل موضع اليد، وأنشد متقارب: وخيل يطابق بالدراعين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا قال: فقلت: أنشدني أحسن بيتٍ قالته العرب في الطباق، فقال قول زهير بن أبي سلمى بسيط: ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقراه صدقا وقول الفرزدق كامل: يستيقظون إلى نهاق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار وإنما أخذه من قول ثمامة بن المحير الذهلي بسيط: قوم تنام عن الأوتار أعينهم ... ولا تنام نوكاهم عن السرق. قال: فقال الأصمعي: لا أعرف طباقاً أحسن من هذين. أحسن ما قيل في المجانسة وهي اتفاق اللفظ واختلاف المعنى ٢٤ قال أبو علي: أخبرني علي بن هارون المنجم، قال: سألت أن أحسن ما ورد من ذلك للعرب، قول ذي الرمة طويل: كأن البري والعاج عيجت متونها ... على عشر نهى به السيل أبطح ٢٥ قال الحاتمي: وأنا أقول: من بديع التجنيس قول جرير وافر: كأنك لم تسر ببلاد نعم ... ولم تنظر بناظرة الخياما وقول الآخر طويل: وما زال معقولاً عقال عن الندى ... وما زال محبوساً عن الخير حابس

стр. 7

ومن هذا أخذ أبو تمام قوله طويل: وإن بين حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالاته معاقلة وأحسن ما ورد لمحدث قول عبد الله بن طاهر طويل: وإني للثغر المخيف لكالئي ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف وأحسن من هذا كله قول أبي تمام طويل: عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الخصب ........ أحسن ما قيل في التقسيم ٢٦ قال أبو علي: أخبرنا يحيى بن علي بن هارون ...... أحسن من قول نصيب طويل: فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري ومثله قول بشار طويل: بضرب يضوق الموت من ذاق طعمه ... ويدرك من نجي الفرار مثالبه فراح فريق في الإسار، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه ٢٧ قال أبو علي: ......... ٢٨ وقال علي بن هرون: وأنا أقول: إن أحسن ما قيل في ذلك قول عنترة كامل: إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... اشدد وإن يلفوا بضنك انزل ٢٩ وقال أبو علي: وأنا أقول، لا أعرف أحسن تقسيماً من قول الأسعر الجعفي في وصف فرس بسيط: أما إذا استقبلته فكأنه ... باز يكفكف أن يطير وقد رأى أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموص الوقع عارية النسا أما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا إني رأيت الخيل عزاً ظاهراً ... تنجي من الغُمى ويكشفن الدجى ٣٠وشبيه هذا، قول امرئ القيس متقارب: واركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر أن أقبلت قلت: دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر وإن أدبرت قلت أثفية ... ملمة ليس فيها أثر وإن أعرضت قلت: سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسيطر ٣١وقد اقتفى هذا التقسيم رجل من عبد القيس وأحسن لأنه استوعب الأقسام في صفة الفيل ، في إقباله وإدباره، واستعراضه، وزاد قسماً رابعاً في حال وصفه فقال كامل: وعلى قدام حملت شكة حازم ... في الروع ليس فؤاده بمثقل أما إذا ما أقبلت فمطارة ... كالجذع شذبة نفي المنجل أما إذا ما أدبرت فنعامة ... تنفي سنابكها ملاب الجندل أما إذا ما استعرضت فقبيلة ... ضخم مكان حزامها والمركل وإذا وضعت وضعت جوز دؤاده ... وإذا ملكت علاءها لم تفثل وكأن خيرني المزاد مؤكداً ... يعلى به كفل شديد الموصل فاعتامها بصري لعلمي أنها ... عدوى ثقيل في الرعيل الأول ٣٢ وقال عبيد بن الأبرص سالكاً هذا المذهب في التقسيم كامل: أما إذا استقبلتها فكأنها ... ذبلت من الهندي غير ينوس أما إذا ما أدبرت فكأنها ... قارورة صفراء ذات ملوس وإذا اقتنصنا لا يجب خضابها ... وكأن بركتها مداك عروس ٣٣ وقد سلك أنيف بن جبلة الضبي سبيل هؤلاء في التقسم، واصفاً الفرس في ثلاث حالاته ، فقال وأحسن كامل: ولقد شهدت الخيل يحمي شكتي ... عند كسرحان القصية قرهب أما إذا استقبلته فكأنه ... في العين جذع من أراك مشذب وإذا اعترضت به استوت أفناؤه ... فكأنه مستديراً متصوب ٣٤ قال أبو علي: أخبرني محمد بن يحيى عن أبي العيناء قال: "أجمع العلماء بالشعر أن أحسن تقسيم قيل قول عمر بن أبي ربيعة طويل: نهيم إلى نعم، فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا الحب مقصر ولا قرب نعم ... إن دنت لك نافع ولا نأيها يسلي، ولا أنت صابر ٣٥ قلت إن أحداً بعده سرق هذا التقسيم منه، إلا الحاكي، حيث يقول طويل: وكذبت طرفي عنك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع ولم أسكن الأرض التي تسكنينها ... لئلا يقولوا: صابر ليس يجزع فلا كمدي يفنى ولا لك رقة ... ولا عنك إقصاراً، ولا فيك مطمع لقيت أموراً فيك لم ألق مثلها ... وأعظم منها، منك ما أتوقع ٣٦ قال أبو علي: وأخبرني عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد، قال: لم أسمع أحسن من تقسيم بشر بن اردريج طويل: فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون واظهر

стр. 8

لقد كان فيها للأمانة موضع ... وللقلب مرتاد وللعين ممنظر وللحاتم الصديان ريُّ بريقها ... وللمرح الذيال طيب ومسكر أحسن ما ورد في المقابلة ٣٧ قال أبو علي: أخبرني علي بن الحسين القرشي قال: سألت قدامة في المقابلة فقال: "هو أن يضع الشاعر المعاني، يعتمد التوفيق بين بعضها وبعض، والمخالفة، فيأتي مع المخالف بما يخالف، وفي الموافق بما يوافق، على الصحة، ويشترط شرطاً، ويعدد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه، وفيما يخالفه بأضداد ذلك. قال: فقلت: أنشدني أحسن ما قيل في ذلك، فقال: "لا أعرف أحسن من قول الشاعر طويل: فيا عجباً كيف اتفقنا فناصح ... وفي، ومطوي على الغل غادر فجعل بإزاء "ناصح"، "مطوي" على الغل، وبإزاء "وفي" "غادر". قال: وقول الطرماح بن حكيم الطائي وافر: أسرناهم، وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا فما صبروا لبأس بعد حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثواباً فجعل بإزاء: أن سقوا دماءهم التراب، وقاتلوهم، أن يصبروا، وإزاء: أن أنعموا عليهم، أن يثيبوا، قال: فهذه المقابلة. ٣٨ قال أبو علي: سألت علي بن هرون عن المقابلة، فقال: كان يحيى بن علي بن نجم يقول: "وأحسن ما قيل في المقابلة، قول عمرو بن كلثوم وافر: ورثنا المجد عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا وقول النابغة الجعدي طويل: فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا أحسن ما قيل في التسهيم ٣٩ قال أبو علي: قلت لعلي بن هرون المنجم: ما رأيت أعلم بصناعة الشعر منك في التسهيم فقال: وهذا لقب اخترعناه نحن. قلت: وما كيفته؟ فأجابني بجواب لم يبرزه في عبارة يحكيها عن غيره: "إن صفة الشعر المسهم، أن يسبق المستمع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، منذ الشطر الأول قبل أن يخرج إلى الشطر الأخير، ومن قبل أن يسمعه، "قال: "وأحسن ما قيل في ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب ترثي أخاها عمراً متقارب: وأقسمت يا عمرو لو نبهاك ... إذ نبها منك داء عضالاً إذن نبها ليث عريسة ... مفتياً مفيداً نفوساً ومالاً وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكي الكلالا فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا ٤٠ قال أبو علي: فالنظر إلى ديباجة هذا الكلام ما أصفاها، وإلى تقسيماته ما أوفاها وانظر إلى قولها "مفيداً" ووصفها إياه بالشمس في النهار، والهلال في الليل، تجد المطمع الممتنع، القريب البعيد. أحسن ما قيل في التتميم ٤١ قال أبو علي: وهو أن يذكر الشاعر معنىً، فلا يغادر شيئاً يتم به، ويتكامل الاشتقاق معه، فيه، إلا أتى به، فأحسن ما قيل في ذلك قول طرفة بسيط: فسقى ديارك ... غير مفسدها صوب الربيع، وديمة تهمي فقد تم الإحسان في المعنى الذي ذهب إليه، بقوله "غير مفسدها". ولا أعلم أحداً تقدمه في الاحتراس لدار عند استسقائه لها، من إفسادها وتعفيتها، ألا ترى أنهم على ذي الرمة قوله طويل: ألا يا سلمى يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر فالغيب لاحق به في ذلك، من أجل أن في دعائه للدار بانهلال القطر عليها، تعفية لرسومها، ومحواً لآياتها. ٤٢ ومما يتلو هذا البيت في الإحسان، قول نافع بن خليفة الغنوي طويل: رجال إذا لم يضمن الحق منهم ... ويعطوه عاثوا بالسيوف القواضب فإن المعنى، تم بقوله ويعطوه، وإلا كان ناقصاً. أحسن ما قيل في الترديد ٤٣ هو تعليق الشاعر لفظة في البيت، متعلقة بمعنى، ثم يرددها فيه بعينها، ويعلقها بمعنى آخر في البيت نفسه ويرد هذا للمحدثين، لكنني سأورد أحسن ما في معناه لمتقدم. ٤٤ قال أبو علي: وجدت أن أبا حية النميري، سبق إلى الإحسان جميع من تقدمه من الشعراء في قوله طويل: ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا

стр. 9

صر بالمصراع الأول، فأحسن الابتداء، وردَّد في المصراع الثاني، فأحسن الترديد، وكذلك قوله "إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة" ومثله: ٤٥أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، قال أخبرني علي بن مهدي الكسوري عن حبيب: لا أعلم أحداً أحسن في صناعة الترديد من زهير في قوله بسيط: من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً ٤٦ قال أبو علي: وقد أحسن الخليع الباهلي في ترديده بقوله طويل: لقد ملأت عيني بغر محاسن ... ملأن فؤادي لوعة وهموماً وأحسن أبو نواس في قوله بسيط: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء ولعلي بن جبلة -على تأخر زمانه- في قوله يصف فرساً كامل: مضطرب يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب إذاً تظنينا به صدقنا ... وإن تظني فوته العير كذب لا يبلغ الجهد به راكبه ... وتبلغ الريح به حيث أحب أبدع ما قيل في التتبيع ٤٧-قال أبو علي: هو أن يريد الشاعر معنى، فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظ تابع له، فإذا دل التابع، أبان عن المتبوع، وأحسن ما قيل في ذلك، وأبدعه، قول عمر بن أبي ربيعة طويل: بعيدة مهوى القرطي، إمالنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم إنما ذهب إلى وصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى بدل على طول الجيد، وهو قوله: "بعيدة مهوى القرطي". ٤٨ قال أبو علي: وأبدع من هذا في التتبيع قول امرئ القيس طويل: ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنطلق عن تفضل قال أبو علي: إنما أراد أن يذكر ترفه هذه المرأة، وأن لها من يكفيها. فأتى باللفظ التابع لذلك. أبدع ما قيل في التبليغ ٩- وقد سماه قوم: الإيغال ٤٩ قال أبو علي: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تماماً، قبل انتهائه إلى القافية، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها، فتزيد البيت نصاعة، والمعنى بلغاً إلى الغاية القصوى في الجودة، وأبدع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس طويل: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأوحلنا الجزع الذي لم يثقب فقد تم الوصف قبل القافيه، وذلك أن "عيون الوحش" إذا ماتت وتغيرت هيئتها، أشبهت الجذع، ثم أتى بالقافية، ثم أكد المعنى البعيد في التأكيد، لأن تشبيه عيون الوحش بالجذع الذي لم يثقب، أوقع في التشبيه، وزعم الأصمعي، أنه إذا كان كذلك، كان أصفى له وأحسن. وقول امرئ القيس أيضاً طويل: إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثاب فقد تم الوصف بالتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها، زاد المعنىبراعة، ونصاعة، وذلك لأن "الأثأب" شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد. ٥٠قال أبو علي: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن المبرد عن التوزي قال: قلت للأصمعي من أشعر الناس؟ قال: "من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه حسناً، ويأتي إلى المعنى الكبير فيجعله بلفظه خسيساً. أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها، أفاد بها معنى "قال: قلت: نحو من؟ قال نحو الأعشى إذ يقول- بسيط: كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل فقد تم المعنى بقوله "وأوهى قرنه" فلما احتاج إلى القافية، قال: "الوعل". قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه، فلا يضيره، قال، قلت: ثم نحو من؟ أيضاً؟ قال: نحو قول ذي الرمة، حيث يقول طويل" قف الفيس في أطلال فاسأل ... ربوعاً كأخلاق الرداء ... فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فزاد شيئاً فقال: "المسلسل" وقوله طويل. أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان ... فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فزاد شيئاً أيضاً فقال: "المفصل". أبدع ما قيل في الالتفات وقد سماه قوم الاعتراض ٥١ قال أبو علي: هو أن يكون الشاعر أخذ في معنى فيعدل عنه إلى غيره، قبل أن يتم الأول، ثم يعود إلي فيتمه، فيكون فيما عدل إليه مبالغة في الأول، وزيادة في حسنه. ٥٢ واختلفوا في أحسن ما قيل في هذا النوع، فقال: قوم: قول النابغة وافر:

стр. 10

ألا زعمت بنو سعد بأني ... ألا كذبت كبير السن فاني فقوله "ألا كذبت" اعتراض بين أول الكلام وآخره، وفيه مبالغة فيما أراده. وقالوا بل قول كثير وافر: لو أن الباخلين ... وأنت منهم رأوك تعلموا منك المطالا فقوله "وأنت منهم" اعتراض في الكلام، وزيادة حسنة فيه، قبل أن يتم ما ابتدأ به وأحسن من ذلك قول جرير طويل: فظلوا بيوم ... دع أخاك بمثله على مشرع يروى ولما يصرد ٥٣ قال أبو علي: وهذا مثل قول الأخطل: فإني إن أفتك يفتك مني ... فلا تسبق به علق نفيس فقول فلا تسبق اعتراض لطيف مرض. ٥٤أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال أخبرنا يحيى بن علي عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي،: قال لي الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: وما هي؟ فأنشدني وافر: أنس، إذ تودعني سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام ألا تراه مقبلاً شعره، ثم التفت إلى البشام، فدعا له!؟ أحسن ما قيل في التصدير ٥٥ قال أبو علي: هو أن يبدأ الشاعر بكلمة في البيت: في أوله أو في عجزه، أو في النصف منه، ثم يردها في النصف الأخير فإذا نظم الشعر على هذه الصنعة تهيأ استخراج قوافيه، قبل أن يطرق أسماع مستمعيه، وقال: هو الشعر الجيد، وأحسن ما قيل في ذلك قول عامر بن الطفيل طويل: وكنت سناماً في فزارة تامكاً ... وفي كل حين ذروة وسنام ٥٦ وقال آخرون: بل قول جرير طويل: سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل ٥٧ وقال آخرون: بل قول الآخر طويل: سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع ٥٨ وقال أبو علي: وأنا أقول: بل قول ابن أحمر طويل: تغمرت منها بعدما بعد الصبا ... ولم يرو من ذي حاجة من تغمرا حسن ما قيل في الاستثناء ٥٩ قال أبو علي: وأحسب أن أول من بدأ به، النابغة. فأحسن كل الإحسان في قوله طويل: ولا غيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب فان هذا تأكيد للمدح بما يشبه الذم، فمن أحسن ما ورد في هذا النوع الربيع بن ضبيع الفزاري طويل: فنيت ولا يفنى صنيعي ومنطقي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فان ٦٠ وقال الآخرون: بل قول الآخر طويل: فلا تبعدن إلا من السوء إنني ... إليك وإن شطت بك الدار نازع ٦١ وقيل بل قول العكلي كامل: في كفه معطية منوع ... موثقة صابرة جزوع ٦٢ وقال آخرون بل قول الآخر في وصف مروق السهم: "حتى نجا من جوفه وما جا"وفي معناه لآخر "غادر داء ومجا صحيحاً". ٦٣ وقال أبو علي: وأنا أستحسن قول أبي هفان طويل: فإن تسألني عنا فإنا حلى العلا ... بني عامر، والأرض ذات المناكب ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضربنا، والبأس من كل جانب وأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أباً واحداً أغناهم بالمناقب وتروي لغيره ... أنه أحسن استثناء في هذا الباب، وتعمد التقدم على الذبياني وهو قول النابغة الجعدي طويل: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا فقوله "غير أنه جواد" في البيت الأول، وقوله في الثاني "على أن فيه ما يسوء الأعاديا" أبرع الاستثناء وألطفه. أبدع ما قيل في الاستطراد ٦٤ قال أبو علي: هذا باب أعجب به المحدثون جداً، وتخيلوا أنهم لم يسبقوا إليه، وليس الأمر كذلك. ٦٥ أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني علي بن محمد الأنباري، قال: سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام قطعة يهجو عثمان بن إدريس السامي بسيط: وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريان فلو تراه مشيحاً والحصى زيم ... بين السنابك من مثنى ووحدان أيقنت ... إن لم تثبت أن حافره من صخر تدمر أو من وجه عثمان

стр. 11

قال، ثم قال: ما هذا الشعر؟ فقلت: لا أدري! فقال: هذا هو المستطرد، -أو قال الاستطراد- قال: قلت: فما معنى ذلك؟ قال يريد وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان. ٦٦ قال محمد بن يحيى: فاحتذى هذا البحتري، فقال في قصيدة يمدح بها محمد بن علي القمي، ويصف فيها الفرس كامل: وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل كالهيكل الجني، إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل ملك العيون فإن بدا أعطيته ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوماً خلائق حمدويه الأحول ٦٧ قال أبو علي: حمدويه هذا، كان عدواً للمدوح . فاستطرد به في شعره، وهو من أصحاب البحتري، وقيل له إنه مستعاب بهذا البيت، قال: ولم!؟ قالوا: "لأنك سرقته من أبي تمام"، فقال: "أعاب على أخذي من أبي تمام؟! والله ما قلت شعراً قط إلا بعد أن أخطرت شعره بفكري" قال: "فأسقط البيت من بعد فليس يكاد يوجد في أكثر النسخ". ٦٨ قال أبو علي: وأبو تمام إنما أخذ هذا الاستطراد من قول الفرزدق طويل: كأن.. الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرفت أفواه بكر بن وائل فقد تعاور هذا المعنى طائفة من الشعراء قديماً، وحديثاً، وأول من ذكره السموأل وكل آخر تبع له، في قوله طويل: وإنا أناس ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول ٦٩ ومن بديع هذا الباب قول الآخر طويل: خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره، إن الكريم معين ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته في حاجة سد بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين ٧٠ وأتى جرير بهذا فحثا في وجوه السابقين إلى هذا المعنى، فضلاً عمن تلاهم، فإنه استطرد باثنين في بيت واحد، وهجا فيه واحداً فقال بسيط: لما وضعت على الفرزدق ميسمى ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل ٧١ قال أبو علي: ويعترض في هذا خبر أنا ذاكره: حكى أصحابنا: أن حماد عجرد لما هجا بشارا فقال طويل: نسبت لبرد وأنت لغيره ... فهبك لبرد.. أمك من برد وذكر راوية بشار، إنه لما سمع هذا البيت، بكى، وقال ماله لعنه الله! كنت أحوم حول هذا المعنى لأفخر به فلا يطردني، إلى أن سبقني إليه. وليس له، وإنما أراد قول جرير: "لما وضعت على الفرزدق ميسمى" وذكر البيت. ٧٢ قال أبو علي: هذا عندي خبره، فيستحيل مثله عن بشار، إذ لا يشبه من بيت جرير شيئاً البته، وإنما أخذه من قول الأول: أساير.. بنكر.. حقاً بيننا ... ولا عن..... ٧٣ قال أبو علي وقد يقع من هذا الاستطراد ما يخرج به من ثم إلى مدح كقول زهير بسيط: إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم ٧٤ أو يستطرد من مدح إلى ذم كقول بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق طويل: عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى، فقالت: قم فجئني بكوكب فقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يشتهي من لحم عنقاء مغرب سلي كل أمر يستقيم طلابه ... ولا تذهبي يا بدر بي كل مذهب فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته ما نال ذلك مطلبي فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب أحسن ما قيل في التشبيه ٧٥ قال أبو علي: أجمع أهل العلم بالشعر كأبي عمرو بن العلاء، والأصمعي، وغيرهما ، بأن أحسن التشبيه ما يقابل به مشبهان بمشبهين، فإن أحداً لم يقل في ذلك أحسن من قول امرئ القيس طويل: كان قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي شبه القلوب رطبة، بالعناب، ويابسة، بالحشف البالي، وإنما خص القلوب لأنها أطيبها، فإذا صادت الطير جاءت بقلوبها إلى أفراخها، قال الأصمعي: "إذا كانت الطير تزق منها، فهو أسرع لطيرانها"، وزعم بعض أصحابنا: أن الجارح لا يأكل شيئاً من قلوب الطير، وإنما خص القلوب لبقائها في وكر العقاب، تلك التي ذكرها.

стр. 12

٧٦ قال أبو علي: وأخبرني الصولي عن أبي العيناء قال: قال بشار: "مازلت منذ سمعت قول امرئ القيس (كأن قلوب الطير رطباً) وأنا أراود نفسي أن أقابل مشبهين بمشبهين فلا أستطيع ذلك، إلى أن قلت طويل: كأن مثال النفع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه فشبهت النقع بالليل، والسيوف بالكواكب قال بشار: ولا بأس أيضاً بشيء قلته في هذا المعنى، فأوردته في أقرب لفظ، بسيط: من كل مشتهر في كف مشتهر ... كأن غرته والسيف نجمان قال: "فشبهت غرة الفضل والسيف بنجمين". ٧٧ فقال أبو علي: فانبعث مسلم فقال لهم بسيط: في جحفل تشرق الأرض الفضاء به ... كالليل أنجمه القضبان والأسل فأخذه منصور الثمري فقال بسيط: ليل من النقع لا شمس ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبة الشرع فقال العتابي بسيط: تهمي سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفاً كواكبه البيض المباتير ٧٨ قال أبو علي: وقد استكثر الشعراء من التشبيه ومهروا فيه وفي أفانينه، ولم يخل شاعر قديم منه. ٧٩ والآن، أذكر لمعاً من محاسنه التي وقع الإجماع على أنها أبدع ما قيل فيه، تتعلق بالحفظ، وتتصل بالمحاضرة بإذن الله ومشيئته. ٨٠ قال أبو علي: أخبرني أبو عبد الله الحكيمي قال: أخبرني أحمد ابن يحيى قال: حدثنا الزبير عن الأصمعي، قال: استدعاني الرشيد في بعض الليالي وقد تصرمت قطعة من الليل. فراعني رسله، ولم أفتأ أن مثلت بحضرته، فإذا في المجلس يحيى بن خالد، وجعفر، والفضل، فلما لحظني الرشيد استدعاني، فدنوت، فتبين ما بنفسي من الوجل فقال لي "ليفرخ روعك فما أردناك إلا لما يراد له مثلك" فمكثت هينئة إلى أن أبت إلى نفسي، بعد أن كادت تطير شعاعاً، فقال: "إني نازعت هؤلاء القوم- وأشار إلى يحيى، وجعفر، والفضل -في أشعر بيت قالته العرب في التشبيه، ولم يقع إجماعنا على بيت نركن إليه دون غيره. فأردناك لفصل هذه القضية، واجتناء ثمرة الصواب فيها "فقلت: "يا أمير المؤمنين، إن التعيين على بيت واحدٍ، في نوعٍ، قد توسعت العرب فيه، والقصر عليه صعب ولكن أحسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس، قال في ماذا؟ قلت: في قوله طويل: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي "وقوله" طويل: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب "وقوله" متقارب: ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد "وقوله" طويل: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال قال: فالتفت إلى يحيى، فقال: "هذه واحدة -وقد نص على أن أمرأ القيس أبرع الناس تشبيهاً -قال يحيى: "هني لك يا أمير المؤمنين. "قال: ثم قال لي الرشيد: فما أبرع تشبيهاته عندك؟ قلت: قوله يصف فرساً" متقارب: كأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب إذا بز عنه جلال له ... يقول سليب ولم يسلب قال: فقال الرشيد: "هذا أحسن، وأحسن منه قوله طويل: فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طوراً وترتقي ٨١ قال: فقال جعفر: "يا أمير المؤمنين! ما هذا هو الحكيم . " قال: فقال الرشيد: "وكيف!؟ " قال: "يذكر أمير المؤمنين، ما كان اختياره وقع عليه ، ونذكر ما اخترناه، ويكون الحكم واقعاً من بعد، "قال: فقال الرشيد: "أفرض! "، "قال الأصمعي" فاستحسنتها منه، يقال افرض الرؤوس: إذا قارب الصواب، "قال: ثم قال الرشيد: "بل تبدأ يا يحيى، "فقال يحيى: "أشعر الناس تشبيهاً للنابغة في قوله كامل: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود وفي قوله طويل: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتآى عنك واسع وفي قوله بسيط: من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصيقل الرد ٨٢ قال الأصمعي: "قلت أما تشبيهه مرض الطرف فحسن إلا أنه قد هجنه بذكر العلة ، وتشبيهه المحب بالعليل، والأحسن قول عدي بن الرقاع العاملي كامل: وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم

стр. 13

وأما تشبيهه الإدراك بالليل، فقد ساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له قسيم، حتى يأتي بمعنى ينفرد به، ولو شاء قائل أن يقول إن قول البحتري في هذا أحسن، لوجد مساغاً إلى ذلك، حين يقول طويل: فلو كنت بالعنقاء أو بأسومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني أما قوله "طاوي المصير، كسيف الصيقل الفرد" فالطرماح أحق بهذا المعنى لأنه أخذه فجرده وزاد عليه وقال كامل: يبدو، وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله "وتضمره" وتشبيه اثنين باثنين، بقوله: "يبدو ويخفى، ويسل ويغمد" جمع حسن التقسيم، وصحة المقابلة". ٨٣ قال الأصمعي: "فاستبشر الرشيد، وبرقت أسارير وجهه، حتى خلت برقاً يومض منها ، وقال يحيني: فضلناك ورب الكعبة -واستقبح يحيى، فكأن الرماد ذر على وجهه- فقال الفضل: لا تعجل يا أمير المؤمنين حتى أمر ما قلته أيضاً على سمعه، فقال: "قل! ". ٨٤ فقال الفضل: "أحسن الناس تشبيهاً طرفة في قوله طويل: يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التراب المقابل باليد وفي قوله طويل: لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد وفي قوله طويل: ووجه كأن الشمس ألقت قناعها ... عليه، نقي اللون لم يتخدد ٨٥ قال: "فقلت هذا حسن، وغيره أحسن منه وقد شاركه في هذا المعنى جماعة من الشعراء قبل وبعد، فطرفة صاحب واحدة لا يقطع بقوله في سواها وإنما يعد من أصحاب الواحدة". ٨٦ قال: "ومن أصحاب الواحدة؟ "قلت: "الحارث بن حلزة في قوله خفيف: اذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء والأسعر الجعفي في قصيدته التي أولها: خل دار قلبك من سليمى ما ... شفى ولقد عيب عليها فيما مضى والأفوه الأودي في قوله رمل: إن ترى رأسي فيه نزع ... وشواتي خلة فيها دوار وعلقمة بن عبدة في قوله طويل: طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حين مشيب وسويد بن أبي كاهل في قوله رمل: بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها ما اتسع وعمرو بن كلثوم في قوله وافر: أمن ريحانة السميع ... يورقني وأصحابي هجوع فاستخف الرشيد الأريحية وقال: "ادنه، فإنك جحيش وحدك" فزاد في عيني نبلاً. ٨٧ فقال جعفر متمثلاً: "ليت قليلاً يلحق الهيجا حمل" يعرض بأنه قد يجوز أن يدرك هو ، بما يحاوله، فقال الرشيد: "فاتتك والله السوابق، وجئت سكيتاً ذا روائد أربعاً" -قال- "ورأيت الحمية في وجهه" فقال جعفر: "على شريطة حلمك يا أمير المؤمنين" قال: "أتراه يسع غيرك، ويضيق عنك!؟ "فقال جعفر: "لست أنص على شاعر واحد أنه صاحب أحسن بيت واحد تشبيهاً، ولكن قول امرئ القيس طويل: كأن غلامي إذا علا ظهر متنه ... على ظهر باز في السماء محلق وقول عدي بن الرقاع كامل: يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة، هما نسجاها تطوي إذا وردا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها وقول النابغة طويل: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ٨٨ قال الأصمعي: "هذا كله حسن بارع، وغيره أحسن منه . وإنما يجب أن يقال التعيين على ما يفترعه" قائله، فلم يتعرض له، أو تعرض له شاعر بعده، فوقع دونه، فأما قول امرئ القيس "على ظهر باز في السماء محلق" فمن قول أبي دؤاد. متقارب: إذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم باز إليه الجناحا وأما قول عدي بن الرقاع "يتعاوران من الغبار ملاءة" فمن قول الخنساء كامل: جاري أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الخضر وأول من أطلق هذا المعنى، شاعر جاهلي قديم من بني عقيل، فقال طويل: ألا يا ديار الحي بالبردان ... عفت حجج بعدي لهن ثمان فلم يبق منها غير نوي مهدم ... وغير أثاف كالركي رهان وأثار هلب أزرق اللون دابر ... عفته الريح والأنواء كل مكان قفار مرورات يحاربها القطا ... ويضحي بها الجأيان يعتركان يثيران من نسج الغبار عليهما ... فميصين: أسمالاً ويرتديان

стр. 14

وقد شارك عدياً أبو النجم، وأورده في أخصر لفظ، فقال يصف عيراً وأتانا وما أثاراه من الغبار بعدوهما رجز: ألقى تحيت القاع من غبارها ... سرباله، وانتاع في سربالها وأما قول النابغة: "فإنك شمس إلخ" فقد تقدمه فيه شاعر قديم من شعراء كنده، يمدح عمرو بن عند، وهو أحق به من النابغة، إذ كان أبا عذرها، فقال طويل: تكاد تميد الأرض بالناس أن رأوا ... لعمرو بن عند غضبة وهو عاتب هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب ٨٩ قال الأصمعي: فكأني والله ألقمت جعفراً حجراً، فاهتز الرشيد فوق سريره سروراً ، وكان يطير عنه عجباً وطرباً، وقال: "لله درك يا أصمعي! اسمع الآن ما كان وقع اختياري عليه "فقلت: ليقل أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقه" فقال: "عينت على ثلاثة أشعار، أقسم بالله أني أملك قصب السبق بأحدها، "فقال يحيى: "بعض على همتك، فأبى الله إلا أن يكون الفضل كله لك" ثم قال الرشيد: "أتعرف يا أصمعي تشبيهاً أفخم وأعظم، في أحقر مشبه وأصغره، وأندر شيء في أحسن معرض، من قول عنترة، الذي لم يسبقه إليه سابق، ولا نازعه منازع، ولا طمع في مجاراته فيه طامع، حين شبه ذباب الروض العازب في قوله كامل: وخلا الذباب بها يغني وحده ... غرداً كفعل الشارب المترنم هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم ثم يا أصمعي، هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، وشبهت بالريح العقيم التي لا تنتج ثمرة، ولا تلقح شجرة فقلت: "كذلك هو يا أمير المؤمنين! وعزك آليت ما سمعت أحداً قط وصف شعراً أحسن من هذه الصفة، ولا استطاع بلوغ هذه الغاية" فقال: "مهلاً لا تعجل، أترعف أحسن من قول الحطيئة يصف بغام ناقته؟ أو تعلم أحداً قبله، أو بعده، شبه تشبيهه فيه حيث يقول طويل: ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لعاباً كبيت العنكبوت المودح" فقلت: "لا، والله! ما علمت أحداً تقدمه، ولا أشار إلى هذا التشبيه قبله، أو بعده" قال: "أتعرف أوقع أو أبدع من تشبيه الشماخبنعامة سقط ريشها وبقي أثره؟ بسيط: كأنما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل فقلت: "لا، والله" ٩٠ فالتفت إلى يحيى، فقال: "أوجب؟ " قال: "وجب! " قال: "أفنزيدك؟ "قال: "وأي، هو خيركم فزدني منه، يا أمير المؤمنين قال: "وقول النابغة الجعدي طويل: رمى ضرع ناب فاستهل بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم ثم التفت إلى الفضل، فقال: "أوجب؟ " قال: وجب! " قال: "أزيدك؟ " قال: "ذاك إلى أمير المؤمنين" قال: "قول الأعرابي طويل: بها ضرب أذناب العطايا كأنها ... ملاعب ولدان تحط وتمصع ثم التفت إلى جعفر فقال: "أوجب" قال: "وجب" قال: "أزيدك!؟ قال: "لأمير المؤمنين علو الرأي" قال: "قول عدي بن الرقاع كامل: تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها ٩١ فقلت: "يا أمير المؤمنين، هذا بيت حسد عليه عدياً، جرير! "فقال: "وكيف ذاك ! " قلت: "زعم أبو عمرو بن العلاء: أن جريراً قال: لما ابتدأ عدي نشد: كامل: عرف الديار توهماً فاعتادها ... من بعد ما شمل البلى أبلادها "قلت في نفسي، قد ركب والله مركباً صعباً، سيبدع فيه "فما زال يتخلص من حسن إلى أحسن إلى أن قال: تزجى أغن كأن إبرة روقه "قال فرحمته، وظننت أن عادته تقصر به، فلما قال: "قلم أصاب من الدواة مدادها" حالت الرحمة حسداً". ٩٢ قال: "لله درك يا أصمعي، "ثم أطرق، ورفع رأسه، وقال: "أتراك تغنيني عن عقلي بانحطاطك في شعبي؟! "فقلت: "كلا، يا أمير المؤمنين، إنك لتجل عن الحرش! " فقال: "انظر حسناً" قلت: "قد نظرت، قال: "فالسبق عنه؟ " قلت: "لأمير المؤمنين" قال: "فقد أسهمت لك فيه العشر، والعشر كثير! ثم رمى بطرفه إلى يحيى، فقال: "المال الساعة، وأوكى لك" قال: "فما كان ساعة، حتى نضدت البدر بين يديه، إلى أن كادت تحول بيني وبينه، ورأيت ضوء الصبح قد غلب على ضوء الشمع، فأشار إلى خادم على رأسه (كم؟) فقال: (ثلاث آلاف درهم) ، فقال: (دونك فاحتمل ثلاثين بدرة وانصرف بها إلى منزلك) ونهض عن مجلسه، وأمر الخدم بمعاونتي على تعجل حملها، فحمل كل خادم بدرة، لا يكاد يستقل بحملها.

стр. 15

وكانت أسعد ليلة ابتسم فيها الصباح عن أحد بالغنى. ٩٣ قال أبو علي: وأخبرنا محمد بن عبد الواحد، عن أحمد بن يحيى، عن أبي نصر، عن الأصمعي قال: اجمع أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر، ويونس -وهؤلاء أهل العلم بالشعر- أن التشبيهات العقم، التي انفرد بها أصحابها، ولم يشركهم فيها غيرهم ممن تقدم، ولا ممن تأخر أبيات معدوات: أحدها-قول عنترة في تشبيه حنك الغراب بالجلمين كامل: ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع ثانيها- وقول عدي بن الرقاع في تشبيه قرن الظبي كامل: تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها ثالثها- وقول الراعي يصف ناقصاً، جعد الرأس، دنس الثياب كامل: فكأن فروة رأسه من شعره ... رعيت فأنبت جانباها فلفلاً رابعاً وقول بشر بن أبي خازم بن عمرو الأسدي إذ حفر أصله الثور بأظلافه بالأعنة طويل: يثير ويبدى عن عروق كأنها ... أعنة خراز تخط وتبشر شبه عروق الأرطي بحمرة الأعنة، أي كأنها أعنة خراز بين جديد وبالٍ. خامسها وقول الطرماح في وصف النعام بسيط: مجتاب شملة برجد لسراته ... قدراً، وأسلم ما سواه البرجد سادسها وقول ذي الرمة في تشبيه الليل، ولم يقل أحد قبله، ولا بعده، في هذا المعنى مثله إلا إنهم قد شبهوا الليل بالطيلسان في خضرته وأمواج البحر وغير ذلك -طويل: وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد أحم علافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهري، وأروع ما جد سابعها وقول مضرس بن ربعي في صفه نعامة بسيط: صفراء عارية الأكارع، رأسها ... مثل المدق، وأنفها كالمبرد ٩٤ قال الأصمعي: ومن هذه التشبيهات التي سبق إليها قائلوها، وقصر عنها طالبوها، بل لم يتعرض لها متعرض من الشعراء، قول النابغة في تشبيه النسور طويل: تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرئب ولقد أحسنت أخت ذي الكلب في قولها بسيط: تمشي النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهن الجلابيب قال: وقول عبد الله بن الزبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة بالجوزة طويل: تقلب للإصغاء رأساً كأنها ... يتيمة جوز اعترتها المكاسر. قال أبو علي: الزبير: البئر المطوية بالحجارة، والزبير الداهية، والزبير: الكتاب المكتوب، أخذ من المزبر وهو القلم وقوله أيضاً طويل: جرى.. الحيات فيها كأنها ... مصانع.. لأن ارحل مرت نطفة بين البراتي كأنها ... سقط من الجوانح.. مقبل لأصهب صيفي مشته خطيم ... إذا حضرت تسديه حبة فلفل تقلب رأساً كال ... وو أنا ... نورد قطاة غلست ورد منهل ٩٥ قال أبو العباس، وأنا أقول: قول ذي الرمة في تشبيه الرمل بأوراك العذارى -وهذا من احتيال الشعراء-طويل: ورمل كأوراك العذاراى قطعته ... إذا لبسته المظلمات الحنادس وقول رجل من باهلة يشبه بغي رجل ذكره وافر: وبغيك يا ابن جزء في تماد ... كسيل الأكم يبتدر الوهادا وقول امرئ القيس طويل: كأن عروساً يوم جلوة أهلها ... عليها شنوف الدر هضبة أسلاف وأخذه أبو ذؤيب فقال في صفة عقبة بسيط: كأنها كاعب حسناء زينها ... حلي وأترفها طعم وإصلاح ٩٦ وقال أبو علي: أخبرني محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرني ابن ابي حية عن الجاحظ قال: "لا نعلم في الأرض شاعراً تقدم في تشبيه مصيب تام، في معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في معنى بديع مخترع، إلا وكل من جاء من الشعراء بعده، أو معه، إن هو لم يغر على لفظه فيسرق بعضه، أو يدعيه بأسره، فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكاً له فيه، أو كالمعنى الذي يتنازعه الشعراء بينهم، فتختلف ألفاظهم، وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحد منهم أحق بذلك المعنى من صاحبه، ولعله أن يجحد أن يكون سمع بذلك المعنى قط، وقال خطر على بالي من غير سماع، كما خطر على بال الأول، هذا، إذا قر بما به، إلا ما كان من قول عنترة في وصف الذباب، فإنه وصف فأجاد.

стр. 16

فتحامى معناه جميع الشعراء، فلم يعرض له أحد منهم، ولقد عرض له بعض المحدثين، ممن كان يحسن القول، فبلغ من استكراهه لذلك المعنى، ومن اضطراره فيه إلى أن صار فيه دليلاً على سوء طبعه، مهجناً ما تقدم من إحسانه" قال: "وذلك قول عنترة كامل: وخلا الذبا ببها يغني وحده ... غردا كفعل الشارب المترنم وذكر البيتين. ٩٧ قال أبو علي: أخبرني أبي، قال أخبرني أبو عمرو بن سعيد الكاتب، قال أخبرني أحمد بن يحيى عن السيري عن ابن عائشة قال: "لا أعلم أحداً شبه رجلاً بريح عادٍ، إلا السيد الحميري، فإنه ابتدع من هذا المعنى ما لم يتقدمه أحد إليه، ولا تعرض له بعده معترض، فقال في علي بن أبي طالب ﵁ بسيط: لكن أبو حسن والله أيده ... قد كان عند اللقا للطعن معتاداً إذا رأى معشراً حرباً أنامهم ... إنامة الريح في أبياتهم عاداً. ٩٨ قال أبو علي، وأنا أقول: إن من أحسن التشبيهات قول حميد بن ثور الهلالي طويل: أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائباً فيها يهب ويهجع دجا الليل واستن استناناً رفيفه ... كما استن في الغاب الحريق المشعشع سرى كاحتساء الطير والليل ضارب ... بأرواقه والصبح قد كان يسطع وقول الشماخ وافر: لليلى بالعنيزة ضوء نار ... تلوح كأنها الشعرى العبور إذا ما قلت أخمدها زهاها ... سواد الليل والريح الدبور وقول امرئ القيس طويل: جمعت ردينياً كأن سنانه ... سنا لهب لم يستعر بدخان الفصل الثاني أبدع حشو انتظمه بيت أورد لإقامة وزنه ٩٩- قال أبو علي: وهذا باب لطيف جداً، لا يتيقظ له إلا من كان متوقد القريحة متباصر الآلة؛ طباً بمجاري الكلام؛ عارفاً بأسرار الشعر؛ متصرفاً في معرفة أفانينه، ولا أعلم أحد أحسن فيه إحسان طرفة في قوله بسيط: فسقى ديارك غير مفسدها ... صواب الربيع وديمة تهمي لأنه احترس للدار من تعفية آثارها؛ ومحو رسومها؛ بقوله "غير مفسدها" وسلم من التعلق على بيت ذي الرمة طويل: ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر فإن جماعة من أصحابنا؛ تتبعوا قوله "لا زال منهلاً بجرعائك" قالوا وإذا كان الأمر كذلك؛ طمس معالمها؛ وعفى رسومها، ولعمري إن في ذلك بعض التعلق؛ ولكنه -الباين- قد احترس من هذا الاعتراض؛ احتراساً قدمه في صدر البيت في قوله "اسلمي على البلى" فدعا لها بالسلامة على تعاقب الأحوال؛ وتصرفها؛ التي توجب بلى الدار؛ واندرس الآثار؛ ثم استسقى لها بأن قال "ولا زال منهلاً بجرعائك القطر" فتعلق المعنى الثاني بالأول؛ ودخل تحت الدعاء لها بالسلامة، وإنما ذهب في الدعاء لها بقوله: "ولا زال منهلاً بجرعائك القطر" إلى قول القائل "ما زلت آتيك" يريد أكثر من إتيانك؛ لا أنه أراد أن إتيانه لا ينقطع عنه، إلا أنه لا يقع تعاقب فيه، ألا ترى إلى قول كثير وافر: وما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي ويحويني لك الحاوون حتى ... أجابت حية تحت اللضاب فقوله "وما زالت رقاك" غير دال على أنها دائمة الاتصال، غير منقطعة الانفصال، وإنما يذهب بهذه الكلمة مثل هذا الموضع وإضرابه إلى ما ذكر آنفاً دون غيره، من الملازمة، والمخالفة التي لا ينقطع بها انقطاع. ١٠٠-ومثل هذا في براعة الحشو، قول الأخطل بسيط: وأقسم المجد -حقاً- لا يحالفهم حتى يحالف بطن الراحة الشعر فقوله "حقاًط حشو أفاد أحسن معنى، ووقع أحسن موقع. ١٠١- ومن بارع هذا المعنى قول امرئ القيس طويل: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب فلو قال: كأن عيون الوحش الجزع الذي لم يثقب، واستقام الوزن بذلك، لكان التشبيه تاماً واقعاً، فلما لم يقم الوزن، أورد في المعنى زيادة بارعة، رائعة، لأن قوله "حول خبائنا وأرحلنا" إخبار عن كثرته، وتمدح منه بأنه مرزوق في صيده. ١٠٢- وقال الفرزدق طويل: وقد خفت حتى لو أرى الموت مقبلاً ... ليأخذوني، والموت يكره زائره لكان من الحجاج أهون روعة ... إذا هو أغفى وهو سام نواظره

стр. 17

فانظر إلى لطفه في قوله "إذا هو أغفى" ليكون أشد مبالغة في الوصف، إذ شبهة عند إغفائه، فما ظنك به ناظراً، أو متأملاً؟! ثم نزهة عن الإغضاء. فقال: "وهو سام نواظره" وهذه مواضع لطيفة، لا يطالعها إلا من شف جوهره، وساعدته قريحته. ١٠٣- قال أبو علي: ومن بديع هذا الباب قول عبد الله بن المعتز -على تأخر زمانه- طويل: وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل صبينا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فانظر إلى قوله "ظالمين" ما أعجبها، وأحسن موقعها، لأن قوله "ظالمين" ناف عنها هجنة الإبطاء، وفخر بأن ضربها كان من غير إحواج منها إليه البتة. وأحسبه نظر إلى قول أعرابي متقدم طويل: وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقي من معاهدها ذكر وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر إن عادتك الصبر ١٠٤- فشتان بين هذا وبين قول أوس بن حجر طويل: وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضاً في العمومة مخولاً فذكره للمال، مع قوله "مقل" حشو لا فائدة فيه. ١٠٥- وقد عيب على أبي العيال الهذلي قوله مجزوء الكامل: ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب فذكر الرأس، مع ذكر الصداع، فضل، لو طرحه لاستغنى عن إيراده. ١٠٦- وأقبح من هذين البيتينقول الأعشى كامل: فرميت غفلة قلبه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها فتكرير ذكر القلب، لا فائدة فيه، وهجن البيت بقوله "وطالحها" أقبح تهجين، وقد احتج قوم "طحالها"، لأنه أراد: أصبت مقتلها، إذا كان الطحال مقتلاً. ١٠٧ ودون ذلك قول ديك الجن كامل: فتنفست في البيت إذ مزجت ... بالماء، واستلت سنا اللهب كتنفس الريحان ما زجه ... من ورد جور ناضر الشعب فقوله "بالماء" مع ذكره "مزجت" لا فائدة فيه، لأنه مستغن بقوله "مزجت" عن ذكر الماء، وإنما اعتمد فيه على قول أبي نواس كامل: سلبوا قناع الطين عن رمق ... حيي الحياة مشارف الحتف فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف أبدع بيت قيل في الإغراق وبعضهم يسميه الغلو ١٠٨ قال أبو علي: وجدت العلماء بالشعر يعيبون على أبيات الإغراق، ويختلفون في استهجانها واستحسانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرون أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضلة له، ويقولون: إن أحسن الشعر أكذبه، وإن العلو إنما يراد بله المبالغة، قالوا: وإذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج به عن الموجود، ويدخل في باب المعدوم، فإنما يراد به المثل، وبلوغ الغاية في النعت. واحتجوا بقول النابغة -وقد سئل من أشعر الناس؟ فقال-: "من استجيد كذبه، وأضحك رديه" وقد طعن قوم على هذا المذهب، لمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة. ١٠٩ وأنا ذاكر من أعيان أبيات الإغراق، وما يتعلق بالمذاكرة، إذ كان كتابي هذا مقصوراً على ما جانبها، وناسبها. ١١٠ فمن الأبيات المشار إليها في الإغراق، قول قيس بن الخطيميصف طعنة طويل: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها ملكت بها كفى فانهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها -أنهرت: وسعت- ١١١قال أبو علي: وقول عنترة في مثل ذلك من وصف طعنة كامل: برحبة الفرعين يهدي جرسها ... بالليل معتس السباع الضرم ١١٢ ومن الإغراق، قول النمر بن تولبيصف سيفاً بسيط: ابقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف قديم أثرد باد تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي ١١٣ وفي قول النابغة في هذا المعنى إغراق، إلا أنه أسفر مطلعاً وأسهل مشرعاً طويل: نقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب ١١٤ قال آخر في وصف ضربة، وأغرق سريع) ضربته في الملتقى ضربة ... فبان عن منكبه الكاهل فصار ما بينهما رهوة ... يمشي بها الرامح والنابل قال أبو علي: النبال: الذي يعمل النبل، والنابل: الذي يحمل النبل، وكذلك سياف وسايف، ورماح ورامح، وما جرى مجراه.

стр. 18

١١٥ ومن الإغراق قول النابعة يصف حوم الطير حول العسكر توقعاً للقتل طويل: جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب فجعل الطير توقن بأنه غالب. ١١٦ وقد تقدمه الأفوه الأودي إلى هذا المعنى بقوله رمل: وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار ١١٧ قال أبو علي: ولكن من أين للأفوه الأودي، ابتداء النابغة: بما يحسن عند السامع ، عما ينقاد له القول، قبل استمامه؟ هو طويل: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب فقدَّم في هذا البيت معنى ما تحلق الطير من أجله، ثم أوضحه بقوله طويل: يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاربات بالدماء الدوارب تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا وضعوا الخطي فوق الكواثب ١١٨ فتبعه حميد بن ثور الهلالي فقال طويل: إذا ما غزا يوماً رأيت غيابة ... من الطير يرقبن الذي هو صانع فهم بأمر ثم أزمع غيره ... وإن ضاق أمر مرة فهو واسع (١١٩) فتلاهم أبو نواس فقال وأحسن مديد: تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره قال أبو علي: وحكى عمر الوراق، قال: "رأيت أبا نواس ينشد: وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمي شبا ظفره تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره فقلت له ما تركت للنابغة شيئاً؟ فقال: "اسكت؟ فلئن كان سبق إليه، لما انصاعت الأتباع له". ١٢٠ قال أبو علي: وأحمد من هذا مذهباً، وأسلم تركيباً، قول أبي تمام -على تأخر زمانه- طويل: تسربل سربالاً من الصبر وارتدى ... عليه بعضب في الكريهة فاصل وقد ظللت أعقاب رايته ضحى ... بعقبان طير في السماء نواهل أقامت مع الرايات حتى كأنها ... مع الجيش إلا أنها لم تقاتل ١٢١ومن هذا قول الراجز، يصف فرساً له، وهو أول من نطق به راجز: جاء كلمع البرق جاش ناظره ... يسبح أعلاه ويطفو آخره فما تمس الأرض منه حافره ١٢٢ واعتمد خلف الأحمر على هذا المعنى فقال يصف ثوراً وحشياً، إلا أنه أتى فكاد يخرج بها عن حبل المحال كامل: فكأنما جهدت اليته ... ألا تمس الأرض أربعه ١٢٣ وقال أبو نواس رجز: ما إن يقعن الأرض إلى فرطاً ... كأنما يعجلن شيئاً لقطاً ١٢٤ قال أبو علي: ومن بعيد الإغراق قول مهلهل وافر: فلولا الريح اسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور إذ كان بين حجر وبين موضع الوقعة التي ذكرها مسافة بعيدة جداً. ١٢٥ ومن بعيد الأغواق، قول الآخر في صفة الناقة: ويمنعها من أن تطير زمامها ١٢٦ قال أبو علي: وأحمد منه، ما أنشدناه محمد بن عبد الواحد أحمد بن يحيى لأبي هفان رجز: تسمع للريح إذا ما سارا ... بين سواريه رحاً دواراً لو أنه طار بعيرا طارا ١٢٧ وفي مثله قول معاوية بن مرداس، يصف فرساً بسيط: يكاد في شأوه لولا اسكته ... لو طار ذو حافر من سرعة طارا ١٢٨ ونحوه قول سلمة بن عوف في فرس عامر بن الطفيل طويل: فلو أنها تجري على الأرض أدركت ... ولكنما يطلبن تمثال طائر ١٢٩ ويجري معه قول ابن مقبل طويل: كأن يديه والغلام يجله ... جناحان من سواذق حين شمرا -السواذنيق: الصقر، والشاهين، أيضاً، والأجدل: والصقر، والمضر: حي النسر. ١٣٠ وبيت امرئ القيس أحسن وأشبه وأحسبه أول من طرق هذا المعنى، بقوله طويل: كأن غلامي إذا علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق ١٣١ ومثل ذلك قول سلمان بن ربيعة بن زبان متقارب: وليلة أفنيت ريعانها ... بعجلزة جمزي المدخر جموح لجري إذا عوفيت ... وإن نوزفت برزت بالخصر سبوح إذا اعتزمت في العنا ... ن مروح معلمة كالحجر فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت، ولكنه لم يطر فما سوذنيق على مرفأ ... خفيف الفؤاد حديد النظر رأى أن ينافسها بالعرا ... فبادر ولجات الخمر

стр. 19

بأسرع منها ولا مفزع=يقمصه رخصه بالوتر - قال أبو علي: الريعان، أول كل شيء والعجلزة: الصلبة، تجمع على عجالز، وقوله: "نوزفت" من نزيف البئر، و"اعتزمت": أعطت أقصى ما عندها، والسوذنيق: الشاهين، وقالوا: الصقر والأجدل: الصقر. والخمر: ما واراك من شجر أو غيره، وسميت الخمر خمراً من ذلك، لأنها تواري العقل، والمفزع: السهم العريض. ١٣٢ ومن هذا النوع قول الراجز: يا رب مهر مزعوق ... مقيل أو مغبوق من لين الدهم الروق ... متى شتى كالذعلوق أسرع من طرف الموق ... وطائر وذي فوق وكل شيء مخلوق -المزعوق: النشيط، والذعلوق: الغصن، مقيل: شرب القايلة، وهو نصف النهار. ١٣٣ وقد أحسن بعض المحدثين بقوله في صفة سرعة فرس رجز: يكاد أن تسبقه أفياؤه ... كأنما قدامه وراؤه ١٣٤ ومن الإغراق في اللمس، قول أبي صخر الهذلي طويل: تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر ١٣٥ ومن التسليم لدخول "لو" فيه، قول زهير بسيط: لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا فأخذه أبو دلامه فقال بسيط: لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس ١٣٦ قال أبو علي: ووجدتهم يستحسنون قول قيس بن الذريح طويل: فلو أن ليلى العامرية سلمت ... عليّ ودوني تربة وصفائح أسلمت تسليم البشاشة أو زفا ... إليها صدى من جانب القبر صادح ١٣٧ وهذان البيتان ينظران إلى قول الأعشى سريع: لو اسندت ميتاً إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجباً للميت الناشر ١٣٨ وقد صرح أبو النجم بسرقته فقال رجز: لو أسندت ميتاً إليها لنشر ... أو مسحت عن عين أعمى لنظر ١٣٩ قال أبوعلي: أنشدني أبو عبد الله الحكيمي قال: أنشدني أحمد بن يحيى قال: ولا أعرف في الإغراق أبعد منها لجرير وافراً: فلو وضعت بني نمير=على خبث الحديد إذن لذابا -وصفهم بكثرة الفسق، يقول: يكادون يذيبون خبث الحديد من شدته وتلهبه. إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا ١٤٠ وأخذ هذا المعنى -وهو معنى البيت الأخير- أبو نواس . ونقله من القبيل إلى رجل واحد، فقال وأحسن سريع: وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ١٤١ ومن الإغراق البعيد قول أبي العجل القيني طويل: أضاءت لهم أحسابهم وحلومهم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ١٤٢ وقو أبي وجزة السعدي وافر: ألا عللاني فالتعلل أروح ... وينطق ما شاء اللسان المصرح بإجانة لو كان يكرع بازل ... من البخت فيها ظل بالسيف يسبح أَحْسَنُ اِبْتِدَاءٍ ابْتَدَأَ بِهِ شاعرٌ قصيدتَه ١٤٣ قال أبو علي: أخبرنا محمد بن عبد الواحد قال: أخبرنا أحمد بن يحيى، عن أبي نصر ، عن الأصمعي، قال: "لامرئ القيس بيت لم يسبقه إليه أحد، ولا ابتدأ بمثله شاعر، وقف فيه واستوقف، وبَكَى واستبكى، وذكر الأحبة والمنازل، وَوَصَفَ الدّمَنَ فقال: طويل: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... يسقط اللِّوى بيْن الدَّخول فحوملِ ١٤٤ أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، عن محمد بن يزيد قال أخبرنا أبو العالية عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: "الابتداءات البارعة التي تقدم أصحابُها فيها خمسة: أولها: قول النابغة طويل: كِلِيني لهمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصبٍ ... وليل أقاسيه بَطِيء الكواكبِ وقوله أيضاً بسيط: يا دار ميَّة بالعلياء فالسَّنَد ... أَقْوَتْ وطال علَيْها سالفُ ألأَبَدِ ثانيها: وقول علقمة بن عبدة طويل: طَحَا بِكَ قلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ... بُعَيْدَ الشباب عصْرَ حينَ مشيب وقوله بسيط: هَلْ ما عَلِمْتَ وما استُودعْتَ مكتومُ ... أم حَبْلُها إِذ نأتك اليَومَ مَصْرُومُ ثالثها وقول امرئ القيس طويل: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... يسقط اللوى بين الدخول فحومل ولم يَسْبِقْه أَحَدٌ إليه.

стр. 20

١٤٥ قال أبو علي: أخبرنا محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى عن الأثرم عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاءِ قال: "أَحْسَنُ ابتداء في الجاهلية قَوْلُ امريءِ القيس طويل: أَلاَ عِمْ صَبَاحاً أَيُّها الطَّلَلُ البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي وقوله "قفا نبك" إلىآخر البيت، لأنَّهُ وقف واستوقف، وبَكَى واسْتَبْكَى، وذكر الأحِبَّة والمنازل، وَوَصَفَ الدّمَنَ" "وفي الإسلام، القُطَامِيُّ في قوله بسيط: إِنَّا مُحيُّوكَ فاسلَم أيُّها الطلل ... وإن بَلِيتَ وإن أعيابك الطِّيلُ" "ومن المُحْدَثين، بشار في قوله طويل: أَبَى طَلَلٌ بالجَزْع أن يتكلَّمَا ... وماذا عليه لَوْ أجاب مُتَيَّماً ١٤٦ قال أبو علي: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، عن محمد بن يزيد قال: أخبرنا سعيد بن هارون الأشنانداني، عن التَّوزِي، قال: سمعت الأصمعي يقول: "لم يبتدئ أحد من الشعراء بأحسن ما ابتدأ به أَوْسُ بن حَجَر منسرح: أَيْتُها النفسُ اجْمِلِي جَزَعَاً ... إِنَّ الَّذِي تحذَرين قَدْ وَقَعَا إِنَّ الَّذي جمع الشجاعة والنَّجْد ... ةَ والحزْمَ والنَّدَى جُمَعَا الألمعي الذي يَظُنُّ بك الظَّنَّ ... كَأَنْ قَدْ رأى وَقَدْ سَمِعَا لأنه افتتح المرثية بلفظٍ نطق به على المذهبِ الذي ذهبَ إليه منها في القصيدة، فأَشْعَرَكَ بِمُرادِه، في أوَّل بيتٍ، وهذا نهايةُ وصفِ الشِّعْر، والشاعر". ١٤٧ قال: "وقول أبي ذُؤَيْب، لأنه ابتدأ كَلامه في أوله، بما دلَّ عَلَى آخر غَرضهِ فَقال كامل: أَمِنَ المَنُون وريبها تَتَوجَّعُ ... والدَّهرُ ليْس بِمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ ٢- وإنِّي لأعْجَبُ كيف لَمْ يَقُلْ الناسُ إنَّ أشعر بيت قالتهُ العربُ كامل: والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتَها ... وإِذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ ١٤٨ قال أبو علي: أخبرني محمد بن عبد الواحد، عن أبي ذكروان عن التوزي قال: سمعتُ أبا عمرو بن العلاء يقول: "أحسن المراثي ابتداءً وتبعاً قول أوس" وذكر الثلاثة أبيات. ١٤٩ قال أبو علي: أخبرني أبو عبد اله الحكيمي قال أخبرني أحمد بن يحيى عن عبد الرحمن عن عمه قال: "اخبثُ النَّس أوائلَ شِعْرٍ، النابغةُ الذبياني، والفرذدق. وأجْوَدُهُم أوائلَ شعرٍ، قيسُ بن الخيطم وجريرُ وأنشد لقيس طويل: أَتَعْرِفُ رسماً كاطِّراد المذاهب ... لِعمرةَ وحْشاً غيرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ قال: "وقوله -ولا أعرف في الطَّيْفِ مثلَه كامل: أَنَّي سَرَيتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَروبِ ... وتُقَرَّبُ الأحلامُ غيرَ قَريب مَا َتْمَنِعي يقْظَي فَقَدْ تُوُتِيْنَهُ ... في النوم غير مُصَرَّدٍ، مَحْسُوبِ -قال أبو علي: قوله "ما تمني يقظي" مأخوذ من قول الأعشى، أو قول الأعشى مأخوذ منه كامل: يَجْحَدْون ديني بالنهار واقتضى ... ديني إذا وَقَذَ النُّعاسُ الرُّقَّدا والأعْشَى اعتمد فيه على قول عمرو بن قميئة متقارب: نَأَتْكَ أمَامَةُ إلاَّ سؤالا ... وإِلا خيالاً يُوافِي خيالا يوافي مع الليل ميعادها ... ويأتي مَعَ الصُّبْح إلا زيادلاً ١٥٠ قال الأصمعي: "وقد أحسن الأعشى في البتدائه طويل: كَفَى بالذي تُولِيَنُه لو تَجَنَّبَا ... شفاءً لِسقْمٍ بعد ما عاد أشيبا" ١٥١ قال أبو علي: ومن بديع ابتداءات المحْدَثين قول أبي نواس منسرح: أعطَتْك ريحانها العُقَارُ ... وحان من لَيْلنا انْسِفَارُ وقوله طويل: لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أذوت وحسن رسوم تُجَافي البِلَى حتى كأنما ... لبِسْنَ على الاِقواء ثوْبَ نعيم وقوله طويل: أَلاَ لاَ أَرَى مِثْلي امتَرى اليَومُ في رسَمٍ ... تَوََّمُهُ عينِي ويلفظُهُ وَهْمِي وقوله طويل: أَتَتْ صُوَرُ الأشياءِ بيني وبَيْنَهُ ... فَظَنِّي كَلاَ ظَنِّي، وعِلمي كلا عِلْمِي ١٥٢ والسابقُ إلى هذا المعنى امْرُؤُ القيس بقوله متقارب: لِمَنْ طَلَلٌ "داثِر" آيُهُ ... اضَرَّ بِهِ سَالِفُ الأَحْرُسِ تنكره العينُ مِنْ جادث ... ويَعْرِفُه شغف الأنْفُسِ

стр. 21

١٥٣ وقد اتَّبَع امرأ القيس طُرَيْحُ بنُ إسماعيل الثَّقفي فقال كامل: تَستَخبرُ الدِّمَنض القِفَارَ وَلضمْ يَكُنْ ... لِتَرُدَّ مُخْبرةً على مستخْبِرِ فظَلَلْتَ تحكُمُ بين قلبٍ عارفٍ ... مَغْنَى أحِبَّتِهِ، وطَرفٍ مُنْكِرِ ١٥٤ وأحسن أبو نواس في ابتدائه حيث يقول كامل: صفة الطلول بلاغةُ القُدْمِ ... فاجعَلْ صفاتِك لابْنَةِ الكَرْمِ لا تَخْدَعنَّ عن التي جعلَتْ ... سُقْم الصحيح وصِحَّةَ السقْمِ والبيت الثاني من ذهين البيتين أَخَذَهُ من قول الأعشى متقارب: وَكَأسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ ... وأخرى تَأَوَّلْتُ مِنْهابِها ١٥٥ كقول أبي نواس بسيط: سَاعٍ بكأسٍ إلى ناسٍ على طَرَبٍ ... كِلاَهُما عَجَبٌ في منظَرٍ عَجَبِ قامت تُرِينِي وَأمْر الليل مجتمعٌ ... صُبْحاً تولَّد بين الماءِ والعِنبِ كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فَواقِعهَا ... حَصباءُ دُرٍ عَلَى أَرْض من الذَّهَبِ قال أوب علي: وأكثر ابتداءاته واتباعها مقصورة. ١٥٦ ولا أعلم أحداً من المحُحدَثين بعد أبي نواس، تناضر إحسانه في ابتدائاته مثل أبي تمام. فإنه أحسن كل الإحسان في قوله كامل: بِأربْعُ لَوْ رَبَعُوا عَلَى ابْنِ هُمُوم ... مُسْتَسْلِمٍ لِجَوى الفراق سَقِيمِ وقوله بسيط: يَا بُعْدَ غَايَةِ دَمْع العين إنْ بعدُوا ... هي الصَّبابةُ طولَ الدَّهْرِ والسهد وقوله طويل: قِفُوا جَدِّدوا من عهدكم بالمعاهِدِ ... وإِنْ هِيَ لم تَسْمَعُ لنشدَانِ ناشِد ويُروى "وَإِنْ لَمْ تُصِخْ سَمْعاً لِنِشْدانِ ناشد". ٣- ومن بديع ابتداءاته بسيط: السَّيْفُ أصدَقُ أنْباءً منَ الكتب ... في حَدِّه الحَدُّ بين الجدِّ واللَّعِبِ ٤- وإن كان قد أخذ المصراع الأول من قوله: مَحَا السَّيفُ ما قال ابنُ دَارَةَ أَجْمَعَا" ١٥٧ ومن الإراق قوله خفيف: أيُّها البَرْقُ بِتْ بأعْلَى البُراق ... وأغدُ فيها بِوَابِلٍ غَيْدَاقِ وتَعَلَّمْ بأَنَّهُ، مالأَنْوَا ... ئِكَ، إِنْ لَمْ تُرَوِّها مِنْ خَلاَقِ مِنْ طالما التقت أدْمُعُ المزْ ... نِ عليها وأدْمُع العُشَّاقِ فَقَدْ أَحْسَنَ في الثلاثة الأبيات، إحساناً لا يختلُّ على نقاد الكلام ، وجَهَابِذَةِ الألفاظِ. ١٥٨ وما أحسن فيه كل الإحسان، حتى لو شئت أن أقول إنه يجري وأوس بن حجر في مضمار واحد، قوله مبتدئاً مرثية طويل: اصم بك الناعي وإن كان اسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا -فلا أعلم نظيراً لقول أوس بن حجر: "أيتها النفس أجملي جزعاً" إلا هذا. ١٥٩ ومن ابتداءات البحتري، التي وفق فيها قوله كامل: عارضتنا أصلاً فقلنا: الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب وقوله وافر: أناة أيها الفلك المدار ... انهباً ما تقسم أم جبار وقوم يزعمون أنه أحسن في قوله طويل: ضمان على عينيكم إني لا أسلو ... وإن فؤادي من جوى بك لا يخلو. ١٦٠ قال ألو علي: أخبرني أبو عمرو قال أخبرنا أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله القمي قال: سمعت ابن الأعرابيغير مرة يقول: "ما ظننت أن أحداً في زماننا يحسن أن يبتديء فيقول كما قال إسحاق الموصلي خفيف: هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل ولا كما قال أبو نواس كامل: صفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم تصف الطلول على السمكاع بها ... أفذوا العيان كأنت في العلم وإذا نعت الشيء متبعاً ... لم يخل من زلل ومن وهم قال: "ولم يقل في معنى هذه الأيات أحدٌ مثلها". ١٦١ قال أبو علي: أما أبيات أبي نواس هذه، فلا يستطيع أحد مماثلتها في معناها بشيء من أشعار المتقدمين، ولا المتأخرين ابتداعاً للمعنى، وإحساناً في الصفة، ودقة في النسج، وأما بيت إسحاق الموصلي، فعذب المشرب، متوقد الكوكب، لولا أن قول أبي نواس، كدر صفوه، وكذب نوءه، وهو كامل: رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكاً عليك طويل يا ناظراً ما أقلعت لحظاتها ... حتى تشخص بينهن قتيل

стр. 22

١٦٢ قال أبو علي: أخبرني أبو عبد الله محمد بن أحمد البزاز، قال حدثني إبراهيم بن موسى مولى بني هاشم عن عبد الله بن عمرو قال أخبرني أبي عن مسافر القرفساني، قال: "ورد على العتابي -وهو بحلب- عشرة من الكتاب من أهل قنسرين، فرأوا في يده رقعة ينظر فيها، فقال: (أنظرتم إلى الرقعة التي كانت في يدي؟ قالوا: نعم قال: لقد سلك صاحبها وادياً ما سلكه غيره، فلله دره" وكانت فيها أبيات أبي نواس وهي كامل: رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكاً عليك طويل وبعدها كامل: أحللت قلبي من هواك محلة ... ما حلها المشروب والمأكول ألطف بيت تخلص به شاعر من وصف إلى مدح أو ذم ١٦٣ قال أبو علي: من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه، أن يكون ممتزجاً بما بعده من مدح، أو ذم، أو غيرهما غير منفصل منه. فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر، أو باينه في صحة التركيب، غادر بالجسم عاهة، تتخون محاسنه، وتعفى معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء، وأرباب الصناعة من المحدثين، محترسين من مثل هذه الحال، احتراساً يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان، حتى يقع الاتصال، ويؤمن الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها، وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء -كقول مسلم بن الوليد، وهو من بارع التخلص طويل: أجدك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر نصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر وقول بكر بن النطاح متقارب: ودوية خلقت للسراب ... فأمواجه بيها ترزخر كأن حنيفة تحميهم ... فأليتهم خشن أوزر وهذا مذهب اختص به المحدثون، لتوقد خواطرهم، ولطف أفكارهم، واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم، فكأنه مذهب سهلوا حزنه، ونهجوا رسمه، وأما الفحول الأوائل، ومن تلاهم من المخضرمين، والإسلاميين، فمذهبهم المتعالم فيه: "عد عن كذا، إلى كذا" وقصارى كل رجل منهم، وصف ناقته بالعتق، والكرم، والنجابة، والنجاء، وأنه امتطاها وادرع عليها جلباب ليل، وتجاوز بها ﴿بها جوف﴾ نتوفة إلى الممدوح. وهذه الطريق المهيع، والمحجة اللهجم وربما اتفق لأحدهم معنى لطيف تخلص به إلى غرضه ولم يتعمده إلا أن طبعه السليم ساقه إليه، وصرفه المستقيم أضاء له مناره وأوقد له باليفاع ناره في ال شعر،. ١٦٤ فمن أحسن تخلص تخلص به شاعر إلى معتمده قول النابغة الذبياني طويل: فاسبل منيعبرة فرددتها ... على النحر، منها مستهل ودامع على حين عاتبت تالمشيب على الصبا ... وقلت: ألما أصح والشيب وازع وقد حال منهم دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغينه الأصابع وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس والوضاجع فهذا كلام متناسج تقتضي أوائله أواخره، ولا يتميز منه شيء، عن شيء، ثم اعترض ذلك من وصف حاله، عند علمه بوعيده، وتشبيهه نفسه بالسليم من ذكر الحية، ووصفها بسوء سمها، وتناذره الرقية إياها، ما أبدع فيه كل الإبداع، فقال: فبت كأني عاورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع يسهد من نوح العشاء سليمها ... بحلي النساء في يديه قعاقع تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طوراً وطوراً تراجع ثم عاد عاطفاً كلامه على ما تقدم من تخلصه فقال: وأخبرت ... خير الناس أنك لمتني وتلك التي تستك منها أمسك مخافة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك راح ١٦٥ فلو توصل إلى ذلك بعض صناع المحدثين الحذاق والذين واصلوا تفتيش المعاني ، وفتحوا أبواب البديع، واجتنبوا ثمرة الآداب، وفحوا زهر الكلام، لكان معجزاً عيباً فكيف بجهل بدوي، إنما يغترف من قليب قلبه، ويستمد عفو هاجشه. ١٦٦- ومن التخلص اللطيف إلى الخروج، قول حسان بن ثابت كامل: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام ويروى "والرماح تنوشهم". فهذا تخلص إلى الهجاء لطيف، ومثله قل أبي الشمقمق متقارب:

стр. 23

وأحببت من أجلها الباخلي ... ن، حتى رمقت ابن سلم سعيدا إذا سيل عرفاً كسا وجهه ... ثياباً من اللوم صفراً وسوداً ١٦٧- ومن التخلص البديع إلى المدح قول الآخر طويل: دعون الهوى ثم ارتمين قلوينا ... بأسهم أعداء وهن صديق فلا وصل والحجاج بيني وبينهم ... وأوزر مغبر العجاج عميق ومن يأمن الحجاج أما عقابه ... فمر مغبر عقده فوثيق ١٦٨ قال أبو علي: أخبرنا محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى عن عمر بن شبة عن أبي عبيدة قال: "أحسن تخلص للعرب تخلصت به من بكاء طلل، ووصف إبل وتحمل أظعان، وتصدع جيران، بغير (دع ذا، وعد عما ترى) . واذكر كذا من صدر إلى عجز، لا يتعداه، شاعر إلى سواه، ولا يعلقه بما عداه: - قول زهير بسيط: إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاوته هرم - وقول الأعشى يمدح الأسود مخاطباً ابنته خفيف: لا تشتكي إلىَّ وانتجعي الأسود أهل الندى وأهل الفعال - وقوله خفيف: فعلى مثلها أزور بني قي ... س إذا شط بالحبيب الفراق - وقوله كامل: نحو ابن سلمى حارث قطعت ... عرض النجاد مطيتي تضع ورث السيادة عن أوائله ... فأتم أحسن ما هم صنعوا - وقول حاتم الطائي بسيط: إن كنت كارهة معيشتنا ... هاتا فحلي في بني بدر - وقول ذي الرمة، يمدح هلال بن أحوز طويل: حنت إلى نعم الدهنا فقلت لها ... أمي هلالاً على التوفيق والرشد ١٦٩- قال ابو علي: ومن أحسن ما قيل في مخاطبة الناقة قول الفرذدق وافر: على من تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي متى تردي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوام ١٧٠ وينظر إلى هذا البيت قول لأبي نواس طويل: وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام قربننا من خير من وطيء الرثى ... فلها علينا حرمة وذمام ١٧١ أخبرني علي بن هرون قال: سألت أبي، عن أحسن تخلص، تخلص به شاعر إلى مدح أو هجو . فقال: "هذا يا بني مذهب انفرد به المحدثون، وقل ما يتفق الإحسان فيه لمتقدم، فأما ما وجدت أهلنا مجتمعين على أنه، لم يتوصل أحد بمثله إلى مدح، فقول محمد بن وهيب كامل: ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلني ألابريق والقدح حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح ١٧٢- " وقال علي بن الجهم بسيط: وليلة كحلت بالنفس مقلتها ... ألقت قاع الدجى في كل أخدود قد كاد تغرقني أمواج ظلمتها ... لولا اقتباس سنا وجه ابن داود فقوله: (كحلت بالنفس مقلتها) مأخوذ من قول ذي الرمة: (والليل قد صبغ الحصى بمداد) . ١٧٣ وقد أخذ هذا أبو نواس فقال وافر: أبن لي كيف صرت إلى نديمي ... وجفن الليل مكتحل بقار ١٧٤ "وأخذ أبو تمام هذا المعنى فقال طويل: إليك قطعنا جنح ليل كأنما ... اكتحلت كل العيون بإثمد" ١٧٥ "وقد أخذ لفظ الأعرابي المتقدم، أبو نواس فقال رجز: قد اغتدى والليل كالمداد ... والصبح ينفيه عن البلاد ففي المشيب حالك السواد" ١٧٦ وإنما نظر في هذا المعنى إلى قول أعرابي بسيط: أقول والنجم قد مالت أواخره ... إلى المغيب: تبين نظرة حار المحه من سنا برق رأى بصري ... أم وجه نعم بدائلي أم سنا نار بل وجه نعم بداء والليل معتكر ... فلاح من بين حجاب وأستار ١٧٧ قال: "ومن لطف التخلص، وإن لم يقصد شاعر مدحاً، ولا ذماً، قول البحتري بسيط: بين الشقيقة فاللوى فالأجرع ... من حسبن على الرياح الأربع فكأنما ضمنت معالمها الذي ... ضمنته أحشاء المحب الموجع" ١٧٨ قال ثم قال: "وبل قول محمد بن وهيب أولى به. فإنه أحسن في تخلصه من وصف الديار ، إلى وصف شوقه، فقال- وأتبعه البحتري بما قدمنا ذكره -كامل: طللان طال عليهما الأبد ... دثرا فلا علم ولا قصد لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد" ١٧٩ قال أبو الحسن علي بن هرون، وأنا أقول: "إن البحتري أحسن كل الإحسان في قوله البيت كامل:

стр. 24

لا أجعل الأعوام حادثة ... تخبر عن عيسى بن إبراهيم لي بعد - وقد أحسن وهب الهمذاني في قوله خفيف: واطلب الريف يا نديمي والر ... ريف من الأرض حيث إسماعيل - وأحسن البحتري في قوله كامل: سقيت رباك بكل نوء جاعل ... من وبله حقاً لها معلوماً ولو أنني أعطيت منهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما ١٨٠ قال أبو علي: أخبرني عبد الله بن جعفر بن درستويه، قال: (قال لي البحتري -وقد اجتمعنا على سلوة عند أبي العباس المبرد، وسلكنا مسلكاً من المذاكرة- "أشعرت أني سبقت النس كلهم إلى قولي طويل: شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد قال: "فاستحسن ذلك المبرد استحساناً اعترف فيه وقال: (ما سمعت بمثل هذه الألفاظ الرطبة، ولا بمثل هذه العبارة العذبة، لأحد تقدمك، ولا تأخر عنك) ". فاعترته أريحية جر بها رداء العجب. ١٨١ قال أبو محمد "فكأني أعجبني ما يعجب الناس من المراجعة في القول، فقلت: يا أبا عبادة إنك لم تسبق إلى هذا المعنى، بل سبقك إليه سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله كامل: عذب الفراق لنا غداة وداعنا ... ثم اجترعناه كسم ناقع فكأنما أثر الدموع بخدها ... طل سقيط فوق ورد يافع -وشركك فيه أبو العباس الناشيء لما أنشد هذا قال متقارب: بكت للفراق فقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار كأن الدموع على خذها ... بقية طل على جلنار -وما أساء علي بن العباس الرومي بقوله -بل زاد في إحسانه عليك- منسرح: لو كنت يوم الفراق حاضرنا ... وهن يطفئن لوعة الوج لم تر إلا دموع باكية ... تهجع من مقلة على خد كأن تلك الدموع قطر ندى يقطر من نرجس على ورد وسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معاً بقوله كامل: من كل زاهر ترقرق بالندى ... فكأنها عين إليك تحدر تبدو، ويحجبها الجحيم كأنها ... عذراء تبدو مرة وتخطر خلق أطل من الربيع كأنه ... وجه الإمام وهديه المتنشر في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الربيع الغض مرج تزهر ينسى الربيع وما يروض فعله ... أبداً على طول اليالي يذكر قال: "فشق ذلك عليه، وحل حبوته ونهض، فكان آخر عهدي بمؤانسته، وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح في حالي عنده". ١٨٢ قال أبو علي وجمعني ورجلاً من مشايخ البصرة -ومن يومأ إلى مجلسه بالشعر- مجلس بعض الرؤساء، وكان خبر ذلك الشيخ، سبق إلي في عصبيته لبحتري، وتفضيله إياه، على أبي تمام، ووجدت صاحب المجلس، يؤثر سماع كلامنا في هذا المعنى، فأنشأت قولاً، أنحيت فيه على البحتري إنحاء، أسرفت فيه، واقتدحت زناد الشيخ به، فتكلم، وتكلمت. وخضنا في أفانين من التفضيل، والمماثلة، فعلوته في جميعها علواً شهده من حضر المجلس. وكانوا جلة الوقت، وأعيان أهل الأدب بالبصرة. ١٨٣ فاضطر إلى أن قال: "ما يحسن أبو تمام يبتدئ، ولا يخرج ولا يختم، فلو لم يكن للبحتري من فضل عليه، إلا حسن ابتداءاته، ولطف خروجه، وبراعة انتهائه، لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التي تزداد على التكرار حظوة وجدة؟! " ثم أقبل علي وقال: "فأيت يذهب عن ابتداءاته؟ كامل: عاضننا أصلاً فقلنا: الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب -وأني لأبي تمام بمثل خروجه حيث يقول طويل: أدارهم الأولى بدارة جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبواكره وجاءك يحكي يوسف بن محمد ... فروتك رياه وجادك ماطره -وقد كرر هذا، وزاد فيه بقوله بسيط: تنصب البرق مختالاً فقلت له ... لوجدت جود بني يزداد لم تزد -ومن هذا هذا الذي ألطف مخرجاً؟ من وصف روض، إلى مدح! فقال أحسن من قوله؟! طويل: كأن سناها بالعشي لصاحبها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد -الناس كلهم طويل: أتتك القوافي نازعات قواصداً ... يسير ضاحي وشيها وينمنم ومشرقة في النظم غراً يزيدها ... بهاء وحسناً أنها لك تنظم -وقوله في هذا المعنى طويلي: ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما

стр. 25

ثناء كأن الروض فيه منورا ... ضحى وكأن الوشى فيه مسهماً -ولقد تقدم البحتري الناس كلهم طويل: ولو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر ١٨٤ قال أبو علي: وكنت ساكتاً، إلى أن استتم كأمه، فكأنه جماعة أعجبهم ذلك، عصبية علي، لا على أبي تمام، فإني كنت كالشجاع معترضاً في لهواتهم. وأسر كل واحد منهم إلى صاحبه سراً يومئ إليه باستيلاء الرجل عليَّ. فلما استتم كلامه، وبرقت له بارقة طمع في تسليمي له ابتدأت فقلت: ١٨٥ لست ممن يقعقع له بالحصى ولا يقرع له بالعصى! لا إله إلا الله!! أستنت الفصال ، حتى القرعي؟! يا سبحان الله! هل هذه المعاني إلا عون مفترعة قد تقدم أبو تمام إلى سبك نضارها؟!! وافتضاض أبكارها!؟ وجرى البحتري على وتيرته، في انتزاع أقفلها واتباعها!! -فأما قوله: "عارضننا أصلاً فقلنا الربرب" فمن قول أبي الجويرة العبدي كامل: سلمن نحوي مودعين بمقلة ... فكأنما نظرت إلينا الربرب وقرأن نحوي مودعين تحية ... كادت تكلمنا وإن لم تعرب -وأما قوله في وصف الغيث للدار طويل: وجاءك يحكي يوسف بن محمد ... فروتك رياه وجادك ماطره -وقوله في هذا المعنى: "لوجدت جود بني يزداد لم تزد" فمن قول أبي تمام كامل: ولنؤيها في القلب نوي شفه ... وله بظاعنها وبالمتخلف وكأنما استسقى لهن محمد ... فرسومهن من الحيا في زخرف -ومن قوله الذي تقدم فيه كل أحد، لفظاً رشيقاً ومعنى بديعاً خفيف: ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب أيها الغيث حي أهلاً بمغدا ... ك، وعند السرى وحيث تؤوب لأبي جعفر خلائق تحكي ... هن قد يشبه النجيب النجيب أنت فينا في ذا الزمان غريب ... وهو فينا في كل وقت غريب -وقوله طويل: كأن سناها بالعشي لصاحبها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد فإنما نظر فيه إلى قول دعبل متقارب: وميثاء خضراء زريبة ... بها النور يلمع من كل فن ضحوكا إذا لاعبتها الرياح ... تأود كالشارب المرجحن فشبه صحبى نوارها ... بيربوع كسرى ووشى اليمن فقلت: بعدتم، ولكنني ... أشبهه بجناب الحسن فتى لا يرى المال إلا العطا ... ولا الكنز إلا اعتقاد المنن -وأما قوله في صفة القوافي: "يسير ضاحي وشيها وينمنم" وقوله في "وكأن الوشي فيها مسهماً" فمن قول أبي تمام كامل: دانوا بها عقد النسيب ونمنموا ... من وشيه نسقاً لها وقصيداً -ومن قوله الذي أبدع فيه طويل: ووالله لا أنفك أهدي شواردا ... إليك، يحملن الثناء المنخلا تخال به برداً عليك محبباً ... وتحسبه دراً عليك مفصلا ألذ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوتاً وأيسر محملا أخف على روح وأثقل قيمة ... وأقصر في شجع الجليل وأطولا ويزهى به قوم ولم يمدحوا به ... إذا مثل الرواي به أو تمثلا -وقول البحتري: "هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجماً" مأخوذ من قول أبي تمام، ومقصر فيه كل التقصير، عن استيفاء إحسانه حين يقول طويل: اصخ تستمع در القوافي ما لها ... كواكب إلا أنهن سعود ولا يمكن الأخلاق منها فإنما ... يلذ لباس البرد وهو جديد ١٨٦ قال أبو علي: فقلت له، هذا حال صاحبك، فيما عددته من محاسنه التي هتكت فيها ستر عواره، ونشرت مطاوي أسراره. حتى استوضحت الجماعة أن إحسانه فيها عارية مرتجعة، ووديعة منتزعة. ١٨٧ فاسمع ما قاله أبو تمام في نحو أبياتك -التي أوجبت الفضل في أساليبها لصاحبك - حين قال مبتدئاً كامل: لا أنت، أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمناً عذاب الورد فهي بحار -وقوله كامل: رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغذا الثرى في حليه يتكسر -وقوله كامل: أرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى فزرود وهل يستطيع أحد يبتدئ بمثل ابتدائه كامل: طلل الجميع لقد عفوت حميداً ... وكفى على زرء بذاك شهيدا دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمناً لدى أرامها وحقودا -أو مثل قوله مبتدئاً كامل:

стр. 26

يا دار در عليك إرهام الندى ... واهتز روضك في الثرى فترأدا وكسيت من خلع الحيا مستأسدا ... أنفاً يغادر روضه مستأسدا أو مثل قوله: سرت تستجير الدمع خوف ندى غد ... وعاد قتاداً عندها كل مرقد فأذرى لها الاشفاق دمعاً موردا ... من الدم يجري فوق خد مورد -وقد أحسن حين ابتدأ فقال وافر: نوار في صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار يكذب حاسد فنأت قلوب ... أطاعت واشياً ونأت ديار -وقوله كامل: ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس فعل عينك أن تجود بمائها ... والدمع منه مغزل ومواس -وقوله خفيف: ما عهدنا كذا نحيب المشوق ... كيف آفة المعشوق -وقوله كامل: دمن الم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الألمام ومن اقتضاباته العجيبة قوله طويل: لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض القول منك وتفضلا -ومن قوله أيضاً مقتضياً كامل: ألحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار ومما تقدم فيه كل أحد، في حسن التخلص إلى المدح قوله بسيط: إساءة الحادثات استبطي نفقاً ... فقد أظنك إحسان بن حسان -وقوله طويل: إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطه ما بيني وبين النوائب -وقوله بسيط: لم يجتمع قط في مصر ولا طرف ... محمد بن أبي مروان والنوب -وقوله، المنقطع ونه كل أحد في هذا المعنى كاملي: إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرف الأحراس فالأرض، معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس القوم ظل الله اسكن دينه ... فيهم وهم جبل الملوك الراسي -وقوله أيضاً كامل: عامي وعام العيس بين وديقة ... مسجورة وتنوفة صهيود حتى أغادر كل يوم بالفلا ... للطير عيداً من بنات العيد هيهات منها روضة محمودة ... حتى تحل بأحمد المحمود بمعرس العرب الذي وجدت به ... أمن المروع وعصرة المنجود -ومن أبدع ابتداءاته قوله كامل: أسقى طلولهم أجش هزيم ... وعددت عليهم نضرة ونعيم جادت معاهدهم عهاد سحابة ... ما عهدها عند الديار ذميم ثم تخلص إلى المدح فقال -وأحسن كل الإحسان: لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم ثم عاد إلى المدح فقال: لمحمد بن الهيثم بن شبانة ... مجد إلى جنب السماك مقيم ملك إذا نسب الندى من ملتقى ... طرفيه، فهو له أخ وحميم -وأبو تمام الذي وصف القوافي، بما لا يستطيع أحد وصفها بمثله فقال طويل: فإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك، فاعلم أنني غير حامد بسياحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد محببة ما إن تزال ترى لها ... إلى كل أفق وافداً غير وافد -وهو الذي قال أيضاً كامل: جاءتك من نظم اللسان قصيدة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون إنسية وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون ينبوعها خضل، وحلي قريضها ... حلي الهدى ونسيجها موضوم أما المعاني فهي أبكار إذا ... نضت، ولكن القوافي عون -وقال أيضاً وأبدع في وصفها كامل: لم تلق حلية منطق إلا وقد ... سبقت سوابقها إليك جيادي أبقين في أعناق مجدك جواهراً ... أبقى من الأطواق في الأجياد فهل يستطيع أحد أن ينسب هذا، إلى شيء من السرق والاحتذاء؟ وهل يستطيع مماثلته بشيء من أشعار البحتري؟ وأشعار المحدثين في عصره أو قبله، فعيي عن الجواب، قصوراً عن الحجة، واحجم إحجام عاجز عن المساجلة وحكمت لي الجماعة عليه بالفلج والغلبة ولم ينصرف من المجلس حتى اعترف بتقديم أبي تمام على جميع المحدثين، في صنعة البديع، واختراع المعاني. وكان يوماً مشهوداً. ١٨٨ ومن بديع الخروج قول علي بن الجهم طويل: وسائرة ترتاد أرضاً تجودها ... شغلت بها عيناً قليلاً هجودها أتتنا بها ريح الصبا فكأنها ... فتاة تزجيها عجوز تقودها

стр. 27

فما برحت بغداد حتى تفجرت ... بأودية ما تستفيق مدودها فلما قضت حق العراق وأهله ... أتاها من الريح الشمال بريدها فمرت تفوت الطرف سعياً كأنها ... جود عبيد الله ولت بنودها يريد انصراف عبيد الله بن يحيى بن خاقان عن (الجعفري) إلى (سر من رأى) عند قتل المتوكل. ١٨٩ وقد أخذ هذا التشبيه معكوساً أبو العتاهية فقال وافر: ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب وهذا من حذق الشاعر، ولطفه. ١٩٠ ومن مليح التخلص قول ديك الجن خفيف: وغرير يقضي بحكمين: في الرا ... ح بعدل، وفي الهوى بمحال للنقا، وردفه، والخطوط ما ح ... مل ليناً، وجيده للغزال فعلت مقلتاه بالصب ما تفعل ... جدوى يديك بالأموال ١٩١ وقول الآخر: أيام غصن الشباب يهتز كال ... أسمر في راحة ابن حماد أبدع ما قيل في القوافي المتمكنة ١٩٢ قال أبو علي: من حكم الشاعر -إذا اعتمد بناء قصيدة- أن يتخير من القوافي أسهلها لفظاً، وأوضحها معنى، وينفي الجافي عنها، ويميز القلق منها، ويسوق البيت إلى القافية لطفاً، حتى يكون لفقه وطبقه. فإنه إذا اعتمد ذلك، وقعت القافية مستقرة غير قلقة ولا نافرة. حتى لو أراد مريد أن يبدلها بغيرها، لم يستطع ذلك. ١- فمن أحسن القوافي المستقرة قول زهير "طويل: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم فقوله "عم" واقعة موقعاً لطيفاً. ٢- وقوله طويل: وخرق كأن الطير في منزلاته ... على جيف الحسرى مجالس تنتحي وقع موقعاً شريفاً. ٣- وقوله طويل: وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا ... على صبر أمر ما يمر وما يحلو الصير: صير الباب، والصير: الطرف، والصير: الصحناة، فقوله "يحلو" واقعة أحسن موقع، وأبدعه. ١٩٣ قال أو علي: أخبرني علي بن سلمان قال: سمعت محمد بن يزيد يقول: "ما أعرف قافية أحسن موقعاً من قول الحطيئة وافر: هم القوم الذين إذا ألمت ... ممن الأيام مظلمة أضاؤوا فلقوله "اضاؤوا" من "مظلمة" موقع حسن جداً. ١٩٤ وقول الصمة القشيري طويل: ألا يا غرابي بيتها لا تصدعا ... وطيرا جميعاً بالهوى، أوقعا معاً فقوله "أوقعا معاً" وقع وقعاً حسناً، لم يتفق مثله لأحد، إلا متمم حيث يقول طويل: فلما تفرقنا كأن ومالكاً ... لكول اجتماع لم نبت ليلة معاً وقول الأعشى لأمتقارب: وكأن شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها فقوله "منها بها" لطيفة الموقع جداً. ١٩٥ أخبرني عبد الله بن جعفر بن درستويه عن محمد بن يزيد عن المازني، عن الأصمعي ، عن أبي عمرو بن العلاء قال "القوافي المتمكنة التي وفق أصحابها لها، خمس: ١- أحدها: قول الأعشى كامل: وإذا تكون كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الذائدون نزالها كنت المقدم غير لا بس جنة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها وعلمت أن النفس تلقى حتفها ... ما كان خالقها المليك قضى لها قال أبو عمرو: أردت قوله "قضى لها"، لحسن موقعها، لا يستطيع أحد مماثلته. ٢- والثانية: قول قيس بن الخطيم طويل: خليلي، لا والله، لا أملك الذي ... قضى الله في ليلي ولا ما قضى ليا ١٩ قال محمد بن يزيد: "ومثل قوله (ليا) في هذا الموضوع، وحسن موقعها قول الآخر طويل: ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأقصى حضرموت اهتدى ليا وقال عبد يغوث طويل: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا ٣- ١٩٧ قال أبو عمر: "والقافية الثالثة، قول الفرودق طويل: وإن تهج آل الزبرقان فإنما ... هجوتم طوال الشم من هضب يذبل وقد ينبح الكلب النجوم ودونه ... فراسخ تغضي الطرف للمتأمل أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... عظام المخازي من عطية تنجلي قال أبو عمر: أردت قوله "تنجلي" فإنها متمكنة جداً. ٤- والقافية الرابعة: قول أبي كبير الهذلي كامل: ومعابلاً صلع الظبات كأنها ... جمر بمسكهة تشب لمصطلي قال: أردت قوله "مصطلي" فإنها لطيفة جداً.

стр. 28

٥- قال أبو عمرو: والقافية الخامسة: قول ذي الرمة وافر: أراح فريق جيرتك الجمالا ... كأنهم يريدون احتمالا فكدت أموت من جزع عليهم ... ولم أر ثوي الأظعان بالا قال: فلقوله "بالا" موقع حسن لا يستطيع أحد مماثلته". ١٩٨ قال أبو علي: أحسن القوافي عندي تمكناً وألطفها موقعاً قول امرئ القيس طويل: بعثنا ربيئاً قبل ذلك مخملاً ... كئب الغضا يمشي الضراء ويتقي فقوله "يتقي" مستقرة في أحسن مستقر. ١٩٩ وقول الحطيئة بسيط: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقوله "الكاسي" واقعة موقعاً عجيباً. ٢٠٠ قال أبو علي: وقد اتبع هذا البيت الأعشى فقال طويل: أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم ٢٠١ وقول النابغة كامل: كالأقحوان غداة غب سمائة ... جفت أعاليه وأسفله ندى زعم الهمام ولم أذقه بأنه ... يشفي برياريقه العطش الصدى ويروى "بطيب لثاتها". فقوله "ندى" و"العطش الصدى" واقعتان أحسن المواقع وأعجبه. أحكم بيت اشتمل على ثلاثة أمثال سائرة ٢٠٢ قال أبو علي: أكثر ما يتفق مثل في شعر مطبوع، أو لفظ مصنوع، لبعد مرامه، وفوت مطلبه. وقد قال زهير فأحسن طويل: وفي الحلم إذهان وفي العفو دربة ... وفي الصدق منجاة من الشر فأصدق فهذه، ثلاثة أمثال بارعة، كل مثل منها سائر، "قائم بنفسه، ولم يتكامل البيت، ثم كمله فقال":"من الشر فأصدق". فزاد المعنى تماماً؟ ٢٠٣ ومثل ذلك قول النابغة كامل: الرفق يمن والأناة سعادة ... فتأن في رفق تلاق نجاحاً فهذه ثلاثة أمثال، كل منها مكتف بنفسه، وغير مفتقر إلى صاحبه، فلم يتكامل نظم البيت ثم تممه، فزاد فيه زيادة أحسن فيها كل الإحسان بقوله "تلاق نجاحاً". ٢٠٤ وقول صالح بن عبد القدوس خفيف: كل آت لا بد آت وذو الجهل ... معنى، والغم والهم فضل ففي هذا البيت ثلاثة أمثال. ٢٠٥ وقال عامر بن صعصعة الفقسعي بسيط: "العلم يجلو العمى" -فهذا مثل- "والجهل مهلكة" -فهذا مثل، ثم قال: "واللاعب الرفل الأذيال مكذوب". ٢٠٦ وتلا ذلك، بيت يشتمل على مثلين، فأوردته في هذا الباب لأني لم أحب إفراده عنه . ولن يفوتك حظ أنت نائله ... يهدي وما حم أن يلقاك مجلوب وفي هذا البيت مثلان، وفي الذي تقدمه، ثلاثة أمثال بارعة، بعيدة ٢٠٧ ويتلوه قوله: وكل ذي غاية يجري إلى أجل ... والخير والشر في الألواح مكتوب فسبيل هذا، في الاشتمال على مثلين، سبيل ما تقدمه. أحكم بيت اشتمل على مثلين ٢٠٨ أخبركم أبو علي قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد قال، أخبرنا أحمد بن يحيى عن عمر بن شيبة قال: "قيل للفزدق: (أي بيت قالته العرب أحكم؟) قال: (ما اشتمل على مثلين، يستغنى في التمثيل بكل واحد منهما، على حدته عن صاحبه) قال: ثم أنشد قول امرئ القيس كامل: الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرجل ٢٠٩ أخبركم أبو علي قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد عن أحمد ابن يحيى قال: "قيل لحماد الرواية: (بأي شيء فضل النابغة؟) فقال: (إن النابغة إن تمثلت ببيت من شعره، اكتفيت به، مثل قوله طويل: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب وإن تمثلت بنصف بيت من شعره، اكتفيت به، وهو "ليس وراء الله للمرء مذهب" بل وإن تمثلت بربع بيت من شعره، اكتفيت، وهو قوله "أي الرجال المهذب") . ٢١٠ أخبركم أبو علي قال: أخبرنا أو الحسن بن أبي غشان البصري عن الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام عن شبيب بن شبة قال: سمعت مسلم بن قتيبة يقول: "من الشعر أبيات، يستغنى في المثل بأعجازها عن صدورها، وبصدورها عن أعجازها، مثل قول النابغة طويل: ولست بمستبق أخا لا تمله ... على شعث أي الرجال المهذب؟ فهذا مثل سائر، فلك أن تقول: "ولست بمستبق أخاً لا تلمه" فيكون مثلاً سائراً". ١- "وقول الحطيئة بسيط: من يفعل الخبر لا يعدم جوازيه ... فيه مثل سائر، ثم قال: لا يذهب العرف بين الله والناس". ٢١١ قال أو علي: مثل قول النابغة، قول الآخر كامل:

стр. 29

وحذرت من أمر فمر بجانب- فهذا مثل سائر، ثم يتمثل فيقول: لم ألقه، ولقيت ما لم أحذر. ٢١٢ ومثله قول بشار طويل: وما قارع الأقوام مثل مشيع ... أريب، ولا جلى العمى مثل عالم فلك أن تتمثل فتقول "وما قارع الأقوام مثل مشيع" وأن تزيد فتقول "أريب" وأن تتمثل بباقيه فتقول "ولا جلي العمى مثل عالم". ٢١٣ ومثله قول بشار أيضاً كامل: تأتي المقيم ... وما سعى حاجاته عدد الحصى ويخيب سعي الطالب فإن شئت أن تتمثل فتقول "تأتي القميم، وما سعى حاجاته" وتسكت، وإن شئت أن تتمثل فتقول "وتأتي المقيم وما سعى، حاجاته عدد الحصى" وتسكت، وتتمثل بباقيه، فتقول "يخيب سعي الطالب". ٢١٤ وقال علباء، -رجل من بني أسد- كامل: والعيش منقطع وإن أحببته فهذا مثل موجز، ثم قال: والموت مورده الهيوب النافر. ٢١٥ ومثله قول النظار الفقعسي كامل: قد تخفر المغتر غرته فهذا مثل قديم في نصف هذا البيت، ثم قال: وتزل بالمتثبت النعل. فأتى بمثل آخر. ٢١٦ ونظير هذا، قول الحكيم بن الحجاج بن ثعلبة وافر: وقد يدنوا الصغير إلى هداه ... ويدبر بعد وفرته الكبير ٢١٧قال أبو علي: أخبرنا عبيد الله بن أحمد قال أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: "تزعموا أنه ليس في الشعر بيت أوله مثل، وآخره مثل، إلا ثلاثة أبيات، وهي: ١- قول الحطيئة بسيط: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس ٢- وقول امرئ القيس وافر: وافلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب ٢١٨ قال أو علي: قوله "صفر الوطاب": قتل، فخلت وطابه من اللبن الذي كان يسقيه الأضياف -وهو أول من نظق بهذا المعنى. وفي قوله "صفر الوطاب" معنى آخر حسن، وهو أنه قتل بخلاء جسمه عند موته من روحه كما يخلو الوطب من اللبن. ٢١٩ فأخذه الأعشى فقال خفيف: رب رفد هرقته ذلك اليو ... م، وأسرى من معشر اقتال ٢٢٠ وأخذه الآخر، فقال بسيط: جفتنه بإزاء الحوض قد كفئت ... بثني صفين يعلو فوقها القتر يقول: قتل، فكفت، أي قلبت. وكانت من قبل سعيدة لإطعام الضيفان. ٢٢١ أخبرهم أبو علي: قال أخبرني أبي قال أخبرني أبو عمرو بن سعيد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى عن ابن سلام قال: "ليس من بيت إلا وفيه مطعن إلا قول الحطيئة من يفعل الخير لا يعدم جوازيه" وذكر البيت وقول طرفة طويل: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأحبار من لم تزود ومنه ومن لا يتق الشتم يشتم ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم وقول امرئ القيس "الله أنجح ما طلبت له" وذكر البيت. ٢٢ قال أبو علي: وأن أذكر من أبيات الشعر الذي يتمثل بصدورها وأعجازها ما يوضح سقوط قول الأصمعي، الذي تقدم ذكره. ١- فمن ذلك قول امرئ القيس طويل: فإنك لم يفخر عليك ضعيف فهذا مثل سائر. ثم قال: ولم يغلبك مثل مغلب فأتى به بمثل سائر. ٢- وقول زهير طويل: ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره، فهذا مثل مكتف بنفسه ثم قال: ومن يغترب يحسب عدواً صديقه فأتي بمثل آخر، وفي هذه القصيدة يقول: ومن يغترب يحسب عدواً صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم وفي صدر هذا البيت وعجزه، مثلان سائران. ٣- وقول المتلمس الضبيعي طويل: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما في كل مصرع من هذا البيت مثل مكتف بنفسه وكذلك قوله أيضاً وافر: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد ٤- وقول عبيد بن الأبرص مخلع البسيط: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب وقد أخذ هذا المعنى، الأعشى فقال: "ومن يكثر التساؤل لا بد محرم". ٥- وقول لبيد طويل: ألا كل شيء ... ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محال زائل ٦- وقول الحطيئة طويل: متى تقد بالباطل الحق بابه ... فإن قدت بالحق الرواسي تنقد ٧- وقول زهير طويل:

стр. 30

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ففي كل بيت من هذه الأبيات مثلان سائران، إن تمثل بكل منهما، لم يفتقر إلى صاحبه. ٨- وكذلك قول ابن مفرغ الحميري مجزوء الكامل: العبد يقرع بالعصا ثم قال- والحر تكفيه الملامة ٩- فأخذ هذا بشار فقال رجز: الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للمحلف مثل الرد ١٠- وقول عبد الله بن جعفر بن معاوية بن جعفر طويل: فعين الرضل عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا ٢٢٣ أخبرهم أبو علي قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال أخبرنا أبو العيناء قال أخبرني أبو العالي قال: "اجتمع عند بلال بن أبي بردة، أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، وعبد الله بن أبي إسحاق النحوي فقال: (أنشدوني أبياتاً تكتفي أنصافها بأنفسها) . ١- فأنشد أبو عمرو، لأبي ذؤيب كامل: أمن المنون وريبها تتوجع وسكت ثم قال: والدهر ليس بمعتب من يجزع. ٢- وأنشد عيسى بن عمر للنمر بن تولب طويل: يود الفتى طول السلامة والبقا ثم سكت ثم قال: فكيف ترى طول السلامة يفعل ٣- وأنشد ابن أبي إسحاق لحميد بن ثور الهلالي طويل: أرى بصري قد رابني بعد صحة ثم سكت، ثم قال: وحسبك داء أن تصح وتسلما ٢٢٤ قال أبو علي: ومن الأبيات التي يتمثل بصدورها وأعجازها قول القطامي بسيط: قد يدرك المتأني بعض حاجاته -فهذا مثل سائر، ثم قال: وقد يكون مع المستعجل الزلل. وقوله بسيط: والناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي، ولام المخطئ الهبل ٢٢٥ أنشدهم أبو علي قال: أنشدنا أبو عمرو القطربلي قال: أنشدني أحمد بن يحيى من هذا النوع بسيط: عليك بالقصد فيما أنت فاعل ... إن التخلق يأتي دونه الخلق ٢٢٦ أخبرنا محمد بن يحيى قال: قال رجل لأبي العباس المبرد "ليس في التأني أحسن من قول القطامي" بسيط: قد يدرك المتأني بعض حاجاته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل قال المبرد: "أخذه من قول عدي بن زيد" سريع: قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص قال أبو علي: وفي كل بيت من هذين البيتين مثلان، كل واحد منهما مكتف بنفسه. ٢٢٧ ومما يشتمل على مثلين، قول عمرو بن براقة الهمذاني بسيط: فما هداك إلى أرض كعالمها ثم قال- ولا أعانك في عزم كعزام ١- وقول عبد الله بن همام السلولي طويل: وساع مع السلطان ليس بناصح ثم قال- ومحترس من مثله وهو حارس ٢- وقول الآخر مجزوء البسيط: والصدق أنفع ما حضرت به ثم قال- ولربما نفع الفتى كذبه ٣- وقول جمانة الجعفي طويل: ومستعجل والمكث أدنى لرشده ثم قال- ولم يدر في استعجاله ما يبادر قال أبو علي: وهذا البيت ينظر إلى قول عدي بن زيد المتقدم. ٤- وقول مغلس بن لقيط طويل: فإنك لا تعطي امرءاً غير حظه ... ولا تمنع الشق الذي الغيث ماطره ٥- وقول ابن هرمة مخلع البسيط: لم تهنأ العاشقين ما وعدت ثم قال- وكان خير الهبات أهناها ٢٢٨ شئا الفرزدق: من أشعر الناس؟ فقال: بشر بن أبي حازم الطبعي في قوله وافر: ثوى في ملحد لا بد منه ... كفى بالموت نأياً واغترابا وسئل جرير، فقال: بشر في قوله: رهين بلى وكل فتى سبيلي ... فشقي وانتحبي انتحابا فأجمعا جميعاً على بشر، قال أبو علي: ففي كل بيت من هذين البيتين، مثلان، يتمثل بكل واحد منهما على حدته، وكأن صدروهما مكفوفة من أعجازهما. فإذا اعتبرت ذلك، وجدته قد وضح طريقه. ٢٢٩ وقول صالح بن عبد القدوس خفيف: قد يلام البرئ من غير ذنب ثم قال- وقصي من المريب الذنوب ١- وقول بشار طويل: وما الناس إلا حافظ ومضيع ثم قال- وما لاعيش إلا ما تطيب عواقبه ٢- وقوله أيضاً كامل: خفض على عقب الزمان العاقب ثم قال- ليس النجاح مع الحريص الدائب ٣- وقوله أيضاً لبسيط: اليوم خمر، ويبدو في غد خبر ثم قال- والدهر من بين إنعام وإيناس ٤- وقوله أيضاً طويل:

стр. 31

يقوت الغني قوماً يخفون للغنى ثم قال- ويلقى رباحاً آخرون قعود ٥- وقوله أيضاً خفيف: حارد الضغن إلى غرته ثم قال- وأين الشريك في المراينا ٦- وقوله أيضاً بسيط: المال زين وفي الأولاد مكرمة ثم قال- والسقم ينسيك ذكر المال والولد ٧- وقوله أيضاً خفيف: خير إخوانك المشارك في المر ثم قال- وأين الشريك في المرأينا ٨- وقول صالح بن عبد القدوس طويل: وإن عناء أن تفهم جاهلاً -ثم قال- ويحسب جهلاً أنه منك أفهم ٩- وقول أبي بكر العرزومي طويل: يفر جبان القوم عن أمر نفسه ثم قال- ويحمي شجلع القوم من لا يناسبه ١٠- وقوله طويل: ويرزق معروف الجواد عدوه ثم قال- ويحوم معروف البخيل أقاربه أبدع أمثال الأعجاز ٢٣٠ قال أبو علي: أخبرنا عبيد الله بن أحمد أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد عنعبد الرحمن عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: "اجتمع ثلاثة من الرواة فقالوا: (أي بيت أشعر وأحكم وأوجز؟) . فقال الأول: قول حميد بن ثور الهلالي: وحسبك داء أن تصح وتسلما. وقال الثاني: قول الهذلي: نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي. وقال الثالث: قول أبي قيس بن الأسلت: كل امرئ في أمره ساع". ٢٣١ وأخبرني محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي عن حماد الراوية قال: "أوجز الأمثال قول النابغة: ولا قرار على زار من الأسد. وقوله: إذاً فلا رفعت سوطي إلى يدي وليس وراء الله للمرء مذهب". ٢٣٢ قال أبو علي: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي عن أبي العيناء عن الأصمعي قال: "سمعت خلفاً الأحمر يقول (احكم مثل سيرته العرب قول النابغة: وذلك من تلقاء مثلك رائع ١- وقول أنس بن مدرك الخثعمي: لأمر ما يسود من يسود ٢- وقول أبي خراش: نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي ٣- وقول عروة بن الورد: ومبلغ نفس عذرها مثل منجح ٤- وقول جرير: رأيت المرء يسلب ما استعارا ٢٣٣ حدثنا عبد الله بن جعفر قال أخبرنا محمد بن يزيد المبرد قال: "من أحكم البيوت مما يتمثل بأعجازها، فيستغني بها عن صدورها: ١- مثل قول الطائية: وكيف بتركي يا بن أم الطبائعا ٢- وقول الآخر: وكل امرئ جار على ما تعودا ٣- وقول الآخر: إن الندى حيث ترى الصغاطا ٤- ومثله: والمشرب العذب كثير الزحام ٥- وقول عنترة -وهو مما سبق إليه-: والكفر مخبثة لنفس المنعم ٦- وقول جرير: ليت التشكي كان بالعواد ٦- وقول مالك بن الريب: وكل بلاد أوطنت كبلادي ٨- وقول النابغة: لمبلغك الواشي أغش وأكذب ٩- وقوله: ولكن ما وراءك يا عصام ١٠- وقول أبي ذؤيب: وإذا ترد إلى قليل تقنع ١١- وقول الآخر: إن التخلق يأتي دونه الخلق ١٢- وقول الآخر: وكل امرئ ... إلا أحاديثه فان ١٣- وقول دريد بن الصمة: يضع الهناء مواضع النقب -قال أبو علي: هذا من أحسن الأمثال وأبرعها، وقد در ذلك على إحسان صاحبها، لأن أشعر الشعراء، من قصد إلى المعنى الصغير فأورده في اللفظ الكبير، وذلك أن دريداً رأى الخنساء، تهني بعيراً لها فقال بسيط: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... كاليوم هانئ أينق جرب تبذلاً تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب ١٤- قال المبرد: وقول البلوى: إن بني عمك فيهم رماح ١٥- وقول الحطيئة: ولو ترى طارداً للمرء كالياس ١٦- وقول الأخطل: والقول ينفذ ملا تنفذ الإبر -وإنما أخذ هذا من قول طرفة بن العبد طويل: رأيت القوافي يتلجن مولجاً ... تضايق عنها أن تولجها الإبر ١٧- وقول الآخر: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصارا وقول الآخر: سقط العشاء به على سرحان ١٩- وقول عبدة بن الطبيب: والعيش شح وإشفاق وتأميل وقول عمر بن أبي ربيعة: إنما العاجز من لا يستبد ٢١- وقوله أيضاً: حسن في كل عين من تود ٢٢- وقوله أيضاً:

стр. 32

وقديماً كان في الناس الحسد ٢٣- وقول نصيب: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ٢٤- وقول زهير: وكانوا قديماً من مناياهم القتل ٢٥- وقوله أيضاً: على آثار من ذهب الفعاء ٢٦- وقوله: ولا محالة أن يشتاق من عشقا ٢٧- وقول امرئ القيس: وكل غريب للغريب نسيب ٢٨- وقول الآخر: وتعلم قوسي حين أنزع من ترمي ٢٩- وقول ابن الدمينة على ذاك قرب الدار خير من البعد ٢٣٤ قال أبو علي: ومن الأعجاز السائرة في الأمثال قول الشاعر: إن الشفيق بسوء ظن مولع أخذه من قول آخر، إلا أنه أحسن فيه وتقدم على المتقدم طويل: وإن ابن عم المرء من ساء ظنه ... ولما يسر والليل خضر جوانبه هذا منظوم من قولهم: "ابن عمك من ساء ظنه شفقة عليك". ١- قول عويف: عند الشدائد تذهب الأحقاد ٢- وقول الآخر: ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد ٣- وقول الأعشى: وللفضل أولى في المسير والحق ٤- وقول امرئ القيس: وجرح اللسان كجرح اليد ٥- وقول الأعشى: ومن يكثر التسآل لا بد يحرم ٦- وقول مسافر بن أبي عمرو: وأنت على الأدنى صرود مجدد -الصرود: حلمة الثدي، والمجدد: لا لين فيه. ٧- وقول عبيد الأبرص: وفي حياتي ما زودتني زادي ٨- وقول حسان بن ثابت: ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي ٩- وقول ذي الأصبع العدواني: سيلقى الشامتون كما لقينا ١٠- وقوله أيضاً: يد تشج وأخرى منك تأسوني ١١- وقول توبة بن مضرس السعدي: ويلعب ريب الدهر بالحازم الجلد ١٢- وقول طرفة: حنانيك بعض الشعر أهون من بعض ١٣- وقد أخذه أبو خراش الهذلي فقال طويل: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض ١٤- وقول أبي أثيلة أني قتلت وأنت الحازم البطل ١٥- وقول عنترة: إني امرؤ سأموت إن لم أقتل ١٦- وقول الأفوه الأودي: ولا عماد إذا لم ترس أوتاد ١٧- وقول ابن الزبعري: وسواء قبر مثر أو مقل ١٨- وهذا البيت ينظر إلى قول طرفة طويل: أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد ١٩- وقول ابن الزبعرى أيضاً: وإذا زالت بك الدار فزل ٢٠- ومثله: وإذا نبا بك منزل متحول ٢١- ومثله: وفي الأرض عن دار القلى فتحول ٢٢- وقول بشار بن برد: والدر يقطعه جفاء الحالب ٢٣- وقول إياس بن القائف: وترمي النوى بالمقترين المراميا ٢٤- وقول عروة بن الورد: ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه ٢٥- وقول الحارث بن حلزة: فبئس مستودع العلم القراطسي ٢٦- وقول الاضبط بن قريع: من قر عيناً بعشه نفعه ٢٧- وقول أبي دؤاد الإيادي: لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقاً ٢٨- وقول أبي رمح الخزاعي: وخيلك كالمرعاة في الجبل الوعر ٢٩- وقوله أيضاً: ولا حق بالبغضاء والنظر الشزر ٣٠- ومثله قول رجل من ثقيف: تخبرك العيون عن القلوب ٣١- ومثله قول بشار بن برد: شبا الحرب خير من قبول السلام ٣٢- وقول الفرزدق: وقد يملأ القطر الإناء فيفعم ٣٣- وقول زيادة بن العبدي: أبى منبت العيدان أن يتغيرا ٣٤- وهو مأخوذ من قول زهير بن أبي سلمى طويل: وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل ٣٥- وقول بشار: وما كل حين يتبع القلب صاحبه ٣٦- وقوله: على فتكة فالفتك صعب مراكبه ٣٧- وقول الحطيئة: ويقني الحياء المرء والروح شاجره ٣٨- وقول طرفة: إذا ذل مولى المرء فهو ذليل ٣٨- وقول صريع: والناس سوال وبخال ٣٩- وقوله: وما علمت ما أحدثته المقادر ٤٠- وقوله: فعين الصبا فيها مراد ومنظر ٤١- وقوله: قليل قذاة العين غير قليل ٤٢- وقول الأعشى: إذا أنت لم تبرا من الداء فاسقم -يقول: إذا لم تصح مودتك في نفس صديقك، فيصورك بصورة مدخول النية. فكن له كذلك، فإنه لا ينفعك نصحك له. ٤٣- وقول المتلمس:

стр. 33

وكيف توقى ظهر ما أنت راكبه ٤٤- وقول بشار: وللفقر خير من سؤال بخيل ٤٥- وقوله: ولا تبلغ العليا بغير المكارم ٤٦- وقوله: وليس إلى أهل السماء سبيل ٤٧- وقوله: ولك قريب لا ينال بعيد ٤٨- وقوله: إذا هم لم يذكر رضى من تغضبا ٤٩- وقوله: وللخير بين الصالحين طريق ٥٠- وقوله: لا يبتني المجد إلا كل محسود ٥١- وقوله: ليس في منع غير ذي الحق بخل ٥٢- وقوله: ينام وما نامت بليل عقاربه ٥٣- وقول الآخر: ليس بين الميت والحي ود ٥٤- وقول صالح بن عبد القدوس: قد تنلجي الغمرات وهي شدائد ٥٥- وقوله: وإن ضاق رزق مرة فهو وواسع ٥٦- وقول لبيد: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر ٥٧- وقوله: ومن الرزء صغير وجلل ٥٨- وقول الآخر: قد ذل من ليس له ناصر ٥٩- وقول الحارث بن وعلة: والشيء تحقره وقد ينمي ٦٠- وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: وما على الحر إلا الحلف مجتهداً ٦١- وقول ابن أم صاحب: لبئست الختان، الجهل والجبن ٦٢- وقول الأعشى: والدهر يعقب صالحاً بفساد ٦٣- وقول القطامي: وقد يهون على المستنجح العمل ٦٤- وقول الآخر: لكل أناس من تغيرهم جبر ٦٥- وقول أبي حفص الشطرنجي: لو صح منك الهوى أرشدت الجمل ٦٦- وقول الآخر: بل قد يرجى الشيء وهو بعيد ٦٧- وقول قنعب بن أم صاحب: وكنت منهم على الأمر الذي زكنوا ٦٨- وقول الآخر: وما كل من أوليته نعمة شكر ٦٩- وقول الآخر: وعند جهينة الخبر اليقين ٧٠- وقول الآخر: وما كل من أوليته نعمة يقضي ٧١٠- وقول الرقاشي: وصاحب الذنب المكروه يصطبر ٧٢- وقول الآخر: والموت حتم في رقاب العباد ٧٣- وقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود ٧٤- وقول امرئ القيس: وبالأشقين ما كان العقاب ٧٥- وقول بشار: وهل يبكي من الطرب الجليد ٧٦- وقول البعيث: وهل يحفظ الأسرار إلا أمينها ٧٧- وقول أحيحة بن الجلاح: إن الكريم على الإخوان ذو المال ٧٨- وقول خالد بن عمرو: وظن السوء عيب للكرام ٧٩- وقول المسيب بن ثعلبة: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا ٨٠- وقول مغلس بن لقيط: وينجيك من عار الذنوب اجتنابها ٨١- وقول أبي تمام: البين أكثر من شوقي وأحزاني ٨٢- وقول الآخر: مراد لعمري ما أردت قريب ٨٣- وقول ربيعة بن عبيد: إن الرزية مثل قتل ذؤاب ٨٤- وقول أبي سماك: وليس لصداع في فؤادي شاعب ٨٥- وقول سالم بن عبد الله الأسدي: ويبقى الود ما بقي العتاب ٨٦- وقول حضرمي بن عامر الأسدي: ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد ٨٧- وقول معروف بن الكميت: وكل فتى للنائبات بمرصد ٨٨- وقوله: إن الليالي للفتيان تنقلب ٨٩- وقول اآخر: وليس لرحل حطه الله حامل ٩٠- وقول الآخر: والنجح يتلف بين العجز والضجر ٩١- وقول علي ﵁: فلا وربك ما فازوا وما ظفروا ٩٢- وقول نصيح بن منظور: وإن غداً للناظرين قريب وقول أبي تمام: ولكن خير الخير عندي المعجل ٩٤- وقول أشجع: وما أخر الحزم رأي قدم الحذرا ٩٥- وقول ابن أبي عيينة: والصبر من كل أمر فائت خلف ٩٦- وقول أبي الأسود الدؤلي: وما كل مؤت نصحه بلبيب ٩٧- وقول الآخر: فبينما العسر إذ دارت مياسير ٩٨- وقول النابغة: وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع ٩٩- وقوله: سبق الجواد إذا استولى على الأمد ١٠٠- وقول الآخر: ذهب القضاء بحيلة الأقوام ١٠١- وقول الآخر: وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ١٠٢- وقول ابن الأحنف: من عالج الشوق لا يستبعد الدارا ١٠٣- وقول مسلم: فإن بليت فإن الشيب يسليني ١٠٤- وقول رجل من همدان: وذو الحلم معني وآخر جاهله ١٠٥- وقول ابن الزبعرى: وعدلنا ميل بدر فاعتدل ١٠٦- وقول الآخر: ولكل نافرة نافرة

стр. 34

١٠٧- وقول أبي بكر العرزمي: ولكل جنب مصرع ١٠٨- وقول الآخر: لكل عادات إثارة ١٠٩- وقول النظار الفقعسي: ولكل فرع ثابت أصل ١١٠- وقول الآخر: ما له عد من نفره ١١١- وقول قيس: ألا كل أمر حم لا بد واقع ١١٢- وقول الآخر: فأول راضي سنة من يسيرها ١١٣- وقول عبيد بن الأبرص: والشيب شين لمن يشيب ١١٤- وقول الآخر: ألا ليت بين الحي لم يجر طائره شوارد الأمثال ٢٣٥ أشرد مثل قيل في اصطناع المعروف قول الحطيئة بسيط: من يصنع الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس أخبرهم أبو علي قال: أخبرني أبي، عن أبي عرمو بن سعيد القطربلي قال: "ليس من بيت إلا وفيه لطاعن، مطعن، إلا قول الحطيئة -من يصنع الخير لا يعدم جوازيه" وذكر البيت. ١- وقول طرفة طويل: ستبدي لك الأيام ما كنت جالهاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ٢- وقول عيد بن زيد طويل: عن المرء لا تسال، وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي ٣- قال أبو علي: أخبرني محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى عن عمر بن شبة عن أبي نعيم وأبي حماد قال: حدثنا سفيان، عن ليث عن طاوس عن ابن عباس فقال: "إنها لكلمة نبي -ويأتيك بالأخبار من لم تزود". ٤- قال أبو علي: وأخبرني محمد بن يحيى عن أبي الحسن الأسدي عن الرياشي عن الأصمعي قال: "ما رأيت شعراً قد أشبه بالسنة من قول عيد بن زيد -عن المرء لا تسأل واسأل عن قرينه" وذكر البيت. ٢٣٦- قال أبو علي: ومن شوارد الأمثال في الحض على اصطناع المعروف، قول عبيد الأبرص بسيط: الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد ١- واشرد مثل قيل في الوصاة ببر الحي قبل وفاته قوله أيضاً بسيط: أبلغ أبا كرب عني وأخوته ... قولاً سيذهب غوراً بعد أنجاد لألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي ٢٣٧ وأشرد بيت قيل في وعظ أبناء الدنيا قول علقمة بن عبدة بسيط: وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عزيزهم بأثافي الدهر موجوم وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بد مهزوم ٢٣٨ وأشرد مثل قيل في وصف أحوال النساء قول علقمة أيضاً طويل: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب إذا شاب راس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب ١- قال أبو علي: هذا مأخوذ من قول امرئ القيس طويل: أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا ٢- وقول الأعشى في هذا المعنى كامل: وأرى الغواني لا يواصلن امرءاً ... فقد الشباب، وقد يصلن الأمردا ٣- فأخذ هذا المعنى أبو تمام فقال كامل: أحلى الرجال من النساء موقعاً ... من كان أشبههم بهن خدود ٢٣٩ وأشرد مثل قيل في قسم الأرزاق قول علقمة بسيط: ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم يقول: من كان مرزوقاً الغنم، ينعم الناس، ومن كان محروماً، لم ينل شيئاً. ٢٤٠ وأشرد مثل قيل في وصف أحوال الناس في حالة الغنى والفقر قول أوس بن حجر طويل: وإني رأيت الناس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التنقلا بني أم ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبداً سيد الأمر حجفلا وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضاً في العمومة مخولا ٢٤١ قال أبو علي: ومثله قول الأسعر الجعفي كامل: إخوان صدق لو رأوك بغبطة ... وإذا افتقرت إليهم فهم العدا ١- وأول من نطق بهذا المعنى مرقش في قوله طويل: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ٢- وأخذ هذا المعنى القطامي فقال بسيط: ولاناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطيء الهبل وهذا البيت أشهر وأسير وأخص. ٣- وينظر إلى هذا المعنى قول زيد بن عمرو بن نفيل خفيف: ويكآن من يكن له نشب يح ... بب ومن يقتر يعش عيش صر ويجنب سر الندي ولكن ... أخا المال محضر كل سر

стр. 35

٢٤٢ وأشرد مثل فيل في وصف الإخوان قول أوس بن حجر طويل: وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يسؤوك إن ولى، ويرضيك مقبلا ولكن أخوك النأي إن كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا قال أبو علي: أراد النائي، وهو البعيد، فأقام المصدر مقامه. ١- فأخذ هذا إبراهيم بن العباس الصولي فأحسن بقوله وافر: ولكن الجواد أبا هشام ... كريم الصد مأمون المغيب بطيء عنك ما استغنيت عنه ... وطلاع إليك مع الخطوب ٢- وكرر هذا المعنى فقال رمل: أسد ضار إلا استخبرته ... وأب بر إذا ما قدرا يعلم الأبعد إن أثرى ولا ... يعلم الأدنى إذا ما افتقرا ٣- والبيت الثاني من هذين البيتين، أخذه من قول المتنخل الهذلي متقارب: أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه إذا سدته سدت مطوعة ... ومهما وكلت إليه كفاه ٢٤٣ قال أبو علي: وأشرد مثل قيل في انتظار الفرج قول قيس ابن الخطيم وافر: وكل شديد نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاء فقل للمتقي عرض المنايا ... توق ينفعك الرقاء ١- أخذ هذا المعنى من قول زهير طويل: ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم ٢٤٤ وأشرد مثل قيل في تغطي عيوب المحبوب عند محبه طويل: فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا ١- أخذ هذا أبو العتاهية فقال منسرح: والمرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر عن بعض ما به أبصر ٢- قال أبو علي: وفصل الخطاب في هذا، قول رسول الله: "حبك الشيء يعمي ويصم". ٢٤٥ وأشرد مثل قيل في الغقدام، قول قيس بن الخطيم طويل: وإني في الحرب الضروس موكل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها متى يأت هذا الموت لا تبق حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها ٢٤٦ أخبرهم أبو علي، عن محمد بن يحيى الصولي عن أبي العيناء عن محمد بن سعيد قال أخبرنا هشام بن محمد الشائب الكلبي أن عبد الملك بن مروان قال يوماً لجلسائه: "من أشجع الناس؟ " فقال قائل: عمرو بن الأطنابة، حيث يقول وافر: وقولي كلما جشأت، وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي ١- وقال آخر: بل قول عمرو بن معدي كرب يقول طويل: وجاشت إلى النفس أول مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت ٢- وقال آخر: بل قول عامر بن الطفيل حيث يقول طويل: أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلي مراحاً إنني غير مدبر ٣- وقال آخر -بل قول عنترة حيث يقول بسيط: إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها، ولكني تضايق مقدمي فقال عبد الملك: بل أشجع الناس العباس بن مرداس السلمي في قوله وافر: أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها ٥- وقول قيس بن الخطيم في قوله طويل: وإني لى الحرب العوان موكل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها ٦- والمزني حيث يقول وافر: دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردوا فقد طاب الورود ٢٤٧ وأرد مثل قيل في وصف مضاء اللسان قول حسان بن ثابت طويل: لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغ ما لا يبلغ السيف، مذودي ١- وقد أخذ هذا، آخر فقال: وللسيف أشوى وقعة من لسانيا ٢٤٨ وأشرد مثل قيل في ضياع فضل العديم الفاضل، واستتار فضل الغي الجاهل قول حسان بن ثابت خفيف: رب علم أضاعه عدم الما ... ل، وجهل غطى عليه النعيم ١- قال أبو علي: أخبرنا عيسى بن عبد العزيز عن أحمد بن زكرياء الحرنبل قال: "بينما حسان في أطمه -وذلك في الجاهلية- إنه قام في جوف الليل، فصاح بالخزرج، فجاؤوه وقد فزعوا، وقالوا: "ما لك يا ابن القريعة؟ " قال: "بيت قلته، فخفت أن أموت قبل أن أصبح، فيذهب ضيعة، خذوه عني." قالوا: "وما قلت؟ " قال: قلت: رب علم أضاعه عدم الما ... ل، وجهل غطى عليه النعيم ٢٤٩ واشرد مثل قيل في الحض على طلب الغنى قول كعب بن سعد الغوي بسيط: اعص العواذل وأرم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خبباً حتى تمول مالاً أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا

стр. 36

وكان أبو عبيدة يسمي هذين البيتين "درتي الغواص" لأن الدرة إذا أصابها الغواص لم يصب مثلها، حتى ينفق في طلبها أضعاف ثمن التي أصاب، وهذان البيتان قتلا خلقاً كثيراً، كان أحدهم ينقض رأسه يتمثل بهما، ثم يخرج -زعم- يطلب أن يتمول، فيقتل ألف قبل أن يتمول واحد. ٢٥٠ قال أبو علي: وأشرد مثل قيل في رياضة النفس، وملها على القناعة بالبلغة قول أبي ذؤيب الهذلي كامل: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع قال أخبرنا أبو علي عن محمد بن يحيى عن أبي العيناء، قال: سمعت الأصمعي يقول: "إني لأعجب كيف لم يقل إن أشعر بيت قالته العرب (والنفس راغبة إذا رغبتها) وذكر البيت. ٢٥١ قال أبو علي: واشرد بيت قيل في اختيار قرناء الصدق، وماثلة مذهب كل واحد منهم بمذهب قرينه، قول عدي بن زيد طويل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي أخبرنا أبو علي أخبرهم أبو الحسن العروضي عن محمد بن أحمد الأسدي عن الحسن بن عليل العنزي قال حذثني عقبة بن قبيصة بن السؤاي قال حدثني علي بن عبد الحميد الشيباني قال أخبرنا مندل عن الحن البصري قال: قال رسول الله: "كلمة ابن ألقيت على لسان شاعر- فإن القرين بالمقارن مقتد". ٢٥٢ قال أبو علي: وأشرد مثل قيل في العتذار من الفرار قول الحارث بن هشام كامل: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل، ولا يضرر عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طعماً لهم بلقاء يوم مفسد وروي خلف الحمر "رصداً لهم" وأنكر "طعماً". ٢٥٣ أخرهم أبو علي قال أخبرنا ابن أبي غسان عن الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام قال: أخبرنا أبان عن عثمان البجلي قال: لما طلب عبد الرحمن محمد بن الأشعث إلى كابل هربا من الحجاج. قال له ملكها: "طلبت أمراً عظيماً، وفررت منه مرة ها هنا، ومرة ها هنا" قال، فقال له "أيها الملك أما سمعت قول شاعرنا؟ " قال: وما قال؟ فأنشد قول الحارث بن هشام المتقدم وفسره له، فقال: "يا معشر العرب حسنتم كل شيء، حتى حسنتم الفرار". ٢٥٤ وقال خلف الأحمر: بل قول مسرة بن أبي وهب المخزومي أشرد في هذا المعنى طويل: لعمرك ما وليت ظهري محمداً ... وأصحابه جنباً ولا خيفة القتل ولكنني قلبت أمري فلم أجد ... لسيفي غنى أني ضربت ولا نبلي وقفت فلما خفت ضيعة موقفي ... رجعت لعود كالهزير أبي الشبل ٢٥٥ قال أبو علي واشرد مثل قيل في التعزي عن الحظ الفائت قول البعيث المجاشعي: طويل: فلا تكثرن في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النوازع أخبرنا أبو علي، أخبرنا عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد قال قال العتبي: كنا عند خلف الأحمر، ومعه الأصمعي، فجعل يتلهف على أشياء فاتته، فقال خلف: "ما أحسن ما أدبا به البعيث لو قبلنا منه" وأنشدهم البيت. ٢٥٦ أخبرهم أبو علي عن عبيد الله بن أحمد النحوي عن محمد بن الحسن عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: "أما بعد، فإني أكتب إليك في أمر أنا أعلم به منك، وأبلغ قولاً، ولكنني أريد أن أبلو ما عندك، فلا ترين يا ابن أم قتيبة أني أحتاج إليك فأسألك، لفضل ما عندك، فلا تحدثين نفسك بذلك، فتعجب بها. أخبرني عن ثلاثة أبيات، وهي أمثال قد حفظها الناس، من قائلوها؟ فأما البيت الأول فهو سريع: لا تسكع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج والقائل طويل: كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها، ولم ترقع بذلك مرقعا والقائل وافر: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوز إلى ما تستطيع وأخبرني عن أشعر شعرائنا اليوم، وأخبرني عن أشعر شعراء الجاهلية، والإسلام. وإياك يا ابن أم قتيبة أن تدليك العصبية في الأهوية، فإني ناظر "أين يقع كتابي من قولي، ثم عاره على أهل العلم إن شاء الله".

стр. 37

٢٥٧ فكتب إليه قتيبة: "أما بعد، فإني أتاني كتاب الأمير يسألني عن أمر هو أعلم به مني، وإن قبله من أهل الشام، وأهل العراق من هو أحسن نظراً مني، وهل أنا إلا غلام شاب، في أودية الأمير؟ فأما تسكع الشول بأغبارها فللحرث بن حلزة، وأما قول "إذا لم تستطع شيئاً فدعه" فلعمرو بن معدي كرب، وأما قول "كمرضعة أولاد أخرى" فلجدل الطعان الكناني، ووأما أشعر شعراء الجاهلية، والإسلام، فامرؤ القيس، وأكثرهم مثلاً طرفة بن العبد، وأما أشعر شعرائنا اليوم، فأفخرهم الفرزدق، وأهجاهم جرير، وأنعتهم الأخطل، فهذا الذي بلغه علمي، والأمير أصوب قولاً، وأبلغ علماً وأفضل رأياَ". ٢٥٨ قال أبو علي: وأشرد مثل في صلة البعيد، وقطع القريب قول مسافر بن أبي عمرو ، وقيل هو لزاد الراكب طويل: تمد إلى الأقصى ما أنت فسد ... تودد الأقصى الذي تتودد ٢٥٩ وأشرد مثل قيل في إخوان الصدق قوله أيضاً طويل: أخوك الذي إن تجن يوماً عظيمة ... بيت ساهراً، والمستزيفون رقد المستزيفون: الذين لا يخلصون المودة. ١- ومثله طويل: أخوك الذي إن أحرضتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لسرك واجماً وليس أخوك الذي ... إن تشغبت عليك أمور ظل يلحاك لائماً ٢٦٠ وأشرد مثل قيل في الرجل يؤتى من قبل ناصره، قول عدي ابن زيد رمل: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري ٢٦١ وأشرد مثل قيل في إدراك المبطئ حظه، وفوت الساعي له إياه قوله سريع: قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص١ ١- وينظر إلى هذا المعنى قول القطامي بسيط: قد يدرك المتأني بعض حاجاته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل٢ ٢٦٢ وأشرد مثل قيل في تمني الإنسان، أن يكون من الجمادات قول ابن مقبل بسيط: ما أنعم العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم٣ ٢٦٣ وفي ميميته مثل سائر، وشارد، في شدة التوقي، وأنه لا يدفع مقدوراً بسيط: لا يحرز المرء أنحاء البلاد ولا ... تبنى له في السماوات السلالسم ٢٦٤ وقالت الخرنق٤ في خران أخيها طويل: أقلب عيني في الفوارس لا أرى ... خراناً وعيني كالجماد من القطر ٢٦٥ وينظر إلى البيت الأول قول بشار بسيط: قومي اغتقيني فما صيغ الفتى حجراً ... لكن رهينة أجداث وأورماس٥ ٢٦٦ وأشرد مثل قيل في التحذير من المنون قول طرفة طويل: لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخي وثناياه باليد٦ -يقول: إن الإنسان في قبضة الموت كالفرس يكون في الطول، وهو الحبل، يرخى له صاحبه فيرعى، وإذا أراده جذبه٧ إليه- ٢٦٧ وأشرد مثل قيل في التفجع على الشباب قول حميد بن ثور الهلالي طويل: ليالي أبصار الغوانب وسمعها ... إلي، وإذ ريحي لهن جنوب وإذ شعري صناف ولوني مذهب ... وإذ لي في البابهن نصيب فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة: سنتوب٨ ١- وقيل بل قول محمد بن حازم بسيط: لا تكذبن فما الدينا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل٩ ٢- وقيل بل قول منصور النمري بسيط: ما كنت أوفى شبابي كنه غرته ... حتى انقضى، فإذا الدنيا له تبع١٠ ٢٦٨ وأشرد مثل قيل في تباين حالتي الميت، والحي، قول متمم بن نويرة طويل: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا فلما تفرقنا، كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً١١ ٢٦٩ وأشرد مثل قيل في الاعتذار للمتراخي عن طلب الثأر، قول الأجدع الهمذاني طويل: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت، ولكن الرماح أجرت١٢ ٢٧٠ وأشرد مثل قيل في الوصاة بحفظ اللسان قول امرئ القيس الكندي طويل: إذ المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بحزان١٣ ١- وينظر إلى هذا المعنى قول طرفة طويل: وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل١٤ الحصاة: العقل. والحصاة: الجبن. وحصاة القلب: حبته. ٢٧١ وأشرد مثل قيل في التفجع على فقد الإخوان قول امرئ القيس طويل:

стр. 38

إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخراً١٥ ٢٧٢ وأشرد مثل قيل في الملل من طول العمر قول زهير طويل: سئمت تكاليف الحياة من يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم١٦ ١- ينظر إلأى هذا المعنى قول لبيد كامل: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الخلق: كيف لبيد؟ ١٧ ٢- وكرر هذا المعنى فقال رمل: فمتى أهلك فلا أحفل به ... بجلي الآن من العيش بجل من حياة قد سئمت طولها ... وجدير طول عيش أن يمل١٨ ٢٧٣ وأشرد مثل ما قيل في التبرء من علم ما لم يقع قول زهير طويل: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم١٩ ٢٧٤ وأشرد مثل قيل في الوصاة بخشونة الجانب قوله طويل: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم٢٠ ١- وينظر إلى هذا قول القطامي وافر: تراهم يغمزون من استركوا ... ويجتبنون من صدق المصاعا٢١ ٢- ويجوز أن يكون أخذه من قول النابغة الذبياني بسيط: تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقى مربض المستنفر الحامي٢٢ ٢٧٥ وأشرد مثل قيل في إكرام النفس، والترفع عن الدناءة قوله طويل: ومن يغترب يحسب عدواً صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم٢٣ ١- وينظر إلى هذا المعنى قول الآخر طويل: وإني لمكرم لمكرم نفسه ... وأبتذل المرء الذي لا يصونها متى ماتهن نفسي على من أوده ... أهنه، ولا يكرم علي مهينها ٢٧٦ واشرد مثل فيل في شبه الناس بآبائهم -إن مجداً فمجداً، وإن لوماً فلوماً- قول زهير طويل: وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل٢٤ ٢٧٧ وأشرد مثل قيل في ترك الإلحاج بالعتب قول النابغة كامل: واستبق ودك للصديق ولا تكن ... قتباً يعض بغارب ملحاحاً٢٥ ٢- قال أبو علي: أنشدنا محمد بن عبد الواحد عنأحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي مجزوء الكامل: عنف العتاب ملحة ... فتوق من عنف العتاب واستبق خلة من تلو ... م، فذاك أدنى للإياب وأصفح عن الأمر الذي ... إعلانه هتك الحجاب ٢٧٨ وأشرد مثل قيل في التحذير من فعل السوء خوفاً من العاقبة عليه قول عمرو بن كلثوم وافر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا٢٦ قال المبرد: يريد فنعاقبهم، فأخرجه بلفظ فعلهم، ومثله قول الله جل وعز: (ومكروا ومكر الله) ٢٧ ومثله (إنما نحن مستهزئون، والله يستهزئ بهم) ٢٨. ١- ومثل هذا قول الشاعر وافر: وخيل قد لفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع٢٩ والتحية لا تكون بالضرب وهذه مكافأة خرجت بلفظ الذنب، ليتطابق الكلام، إذ كان مثله من فعل الضرب. ٢- قال أبو علي: مثل هذا قول الشاعر طويل: أخاف زياداً أن يكون ثوابه ... أداهم سوداً أو محدرجة سمراً -يريد يالأداهم: القيود، وبالمحدرجة: السياط، فجعلها ثواباً أخرجها بلفظ الجزاء- ٣- وقال آخر بسيط: بشر سعيد بن منصور بقافية ... مثل القلادة في جيد ابن منصور فجعل هجاءه بشرى له. ٢٧٩ وأشرد مثل قيل في تلأسي قول الخنساء وافر: فلولا كثرة الباكلين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي٣٠ ٢٨٠ وأشرد مثل قيل في تذكر المصائب قول متمم بن نويرة طويل: وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لميت ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني، فهذا كله قبر مالك٣١ ٢٨١ وأشرد مثل قيل في تفاضل المصائب قول هشام أخي ذي الرمة طويل: تعزبت عن أفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين بالدمع مترع ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع٣٢ ٢٨٢ واشرد مثل قيل في العدول عما لا يستطاع قول الأعشى طويل: إذا حاجة ولتلك لا تستطيعها ... أدر طرفاً عن غيرها حين تسبق٣٣

стр. 39

١- وأول من نظق بهذا المعنى امرؤ القيس، فأتى به في أحسن لفظ فقال: "وخير ما رمت فاسأل". ومن هذا، أخذ عمرو بن معدي كرب قوله وافر: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع٣٤ ٢٨٣ وأشرد مثل٣٥ قيل في وضع الشيء في موضعه، وإقراره في مقره، قول الأعشى منسرح: والشعر قلدته سلامة ذا فا ... ئش، والشيء حيث ما جعلا والشعر يستنزل الكريم كما ... استنزل رعد السحابة السبلا ٢٨٤ أخبرهم أبو علي عن أبي عبد الله الحكيمي عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال: لما أنشد الأعشى سلامة ذا فائش، مرتجلاً قصيدته التي أولها نسرح: إن محلاً وإن مرتحلاً ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل، وولى الملامة الرجلا والشعر قلدته سلامة ذا فا ... ئش، والشيء حيثما جعلا والشعر يستنزل الكريم كما ... استنزل رعد السحابة السبلا٣٦ فقال سلامة ذو فائش: "لعمري إن الشيء حيث ما جعل". وأمر له بإهاب مملوء عنبراً، فأتى به المدينة، فباعه بثلاث مائة ناقة حمر الحدق. ٢٨٥ وأشرد مثل٣٧ قيل في شماتة الشامت بنوب الدهر قول عدي ابن زيد خفيف: أيها الشامت المعير بالد ... هر، أأنت المفرد الموفور!؟ من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير٣٨ ١- وينظر إلى هذا المعنى قول الأعشى -إلا أنه فخر بالمنية فأحسن- فقال طويل: فما ميتة إن متها عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها٣٩ ٢٨٦ وأشرد مثل قيل في نصراف النفس عن الشيء نزاهة قول حسان بن ثابت طويل: إذا انصرفت نفسي عن الشيء مرة ... فلست إليه آخر الدهر مقبلا٤٠ ١- وقال آخر طويل: إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تعد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل٤١ ٢٨٧ وأشرد مثل قيل في انقياد الحق إلى قائده، وإبطال الباطل عن رائده قول قيس بن الخطيم طويل: متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... وإن قدت بالحق الرواسي تنقد٤٢ ٢٨٨ وأشرد مثل قيل في ميل٤٣ الجانب للصديق، وخشونته للعدو، قوله أيضاً طويل: أعز على الباغي ويغلظ جانبي ... وذو الود أحلولي له وألين٤٤ ٢٨٩ واشرد مثل قيل فياصطلاء الحرب كرهاً قوله طويل: إذا لم يكن عن غاية الحرب مدفع ... فأهلاً بها إذ لم تزل في المراحب٤٥ ١٩٠ وأشرد مثل قيل في اليأس من أوبه الغائب قول بشر بن أبي خازم وافر: تسائل عن أبيها كل ركب ... ولم تعلم بأن السهم صابا فرجي الخبر وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا٤٦ ٢٩١ وأشرد مثل قيل في بيع ما يضن به عند الحاجة إليه قول الأول طويل: وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين٤٧ ٢٩٢ وأشرد مثل قيل في التربص قول قواص بن عتبة الأودي -وخطب بنت عم له كان يهواها ، فلم يزوجها، وزوجت من غيره- طويل: تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوماً أو يموت حميمها٤٨ يعني ابن عمها الشخص٤٩ الذي زوجها. ٢٩٣ وأشرد مثل قيل في استمداد الأعوان قول الآخر كامل: تقد المواقد ما حششت بها ... فإذا حششت بواحد لم يثقب ٢٩٤ وأشرد مثل قيل في الفتك قول جرير طويل: فلا تقربن أمر الصريمة بامرئ ... إذا رام أمراً عوقته عواذله فما التفك ما آمرت فيه ولا الذي ... تخبر من لا قيت أنك فاعله٥٠ ٢٩٥ وأشرد مثل قيل في قساوة القلب قول مهلهل بن ربيعة التغلبي بسيط: وقيل هو للمخبل٥١: يبكي علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكباداً من الإبل٥٢ ٢٩٦ وأشرد مثل قيل في طلب التوفيق من الله تعالى ذكره، قول عيد بن زيد طويل: أعاذل ما أدنى الرشاد من الفتى ... وأبعده منه إذا لم يسدد٥٣ ٢٩٧ وأشرد مثل قيل في ظلم الأقربين قوله طويل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند٥٤ ٢٩٨ وأشرد مثل قيل في الحض على الإعراض عن هجر القول قول أوس بن حجر طويل: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل٥٥ ٢٩٩٥٦ وأشرد مثل قيل في البغي قول المتلمس طويل:

стр. 40

١ ... أحاريث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى لا يمس دم دما٥٧ -حكى ذلك أبو عبيدة، وزعم أنه أشرد مثل قيل في البغي- ٣٠٠ وأشرد مثل فيل في الفخر بالأمهات قوله أيضاً: ٢ ... يعيرني أمي رجال، ولن ترى أخا كرم، إلا بأن يتكرما ٣ ... وهل لي أم غيرها إن تركتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنا٥٨ ٣٠١ وأشرد مثل قيل في اعتداد بني العم، والكف عن مقابلتهم٥٩ على فعلهم، قوله أيضاً: ٤ ... وما كنت مثل قاطع كفه بكف له أخرى، فأصبح أجذما ٥ ... يداه أصابت هذه حتف هذه فلم تجد الأخرى عليها تقدما ٦ ... فلما استقاد الكف بالكف لم يجد له دركاً في أن يبين فأحجما ٧ ... فأطرق إطراق الشجاع، ولو يرى مساغاً لنابيه الشجاع لصمما٦٠ -قال أبو عبيدة: يريد أنه فيما صنع به أخواله بمنزلة من قطع إحدى يديه بالأخرى، فلو هجاهم وكافأهم، كان بمنزلة من قطع يده بيده، فيبقى أجذم، عنهم، قال أبو علي: والبيت الأخير يضرب مثلاً للرجل يقصر، إلى أن تمكنه فرصة. ٣٠٢ قال أبو عبيدة: "ولم يسمع لأحد بمثل هذه الأبيات حكمة وأمثالاً، من أولها إلى آخرها، وفيها من الأمثال السائرة ما يضرب مثلاً للحكيم يذكر عند نسيانه": ٨ ... لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما٦١ "وفيها من شارد الأمثال": إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي ... فلا بد يوماً من قوى أن تجدما٦٢ ٣٠٣ وأشرد مثل قيل في تنقل الأحوال، ووشك زوالها، قول لبيد منسرح: كل بني حرة مصيرهم ... قل، وإن كثروا من العدد إن يغبطوا، يهبطوا وإن أمروا ... يوماً يصيروا للثكل والنكد٦٣ ٣٠٤ وأشرد مثل قيل في عود الإنسان إلى طبيعته، إن تخلق بغير خلقة قول ذي الأصبع العدواني بسيط: كل ارمئ راجع يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين٦٤ ١- وقيل بل قول الآخر طويل: ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه ... يدعه، ويغلبه على النفس جنحها٦٥ ٣٠٥ وأشرد مثل قيل في فرقة الأحباب قول المهول طويل: وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب٦٦ ٣٠٦ وأشرد مثل قيل في لهج الرجل ذي العيب، بعيب غيره، قرل رجل من ثقيف وافر: وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال، ذوو العيوب٦٧ ١- وقيل بل قول الآخر طويل: يروم أذى الأحرار كل ملام ... وينظق بالعوراء من كان أعورا٦٨ ٣٠٧ وأشرد مثل قيل في بث القبح ونشره، وطي الجميل وستره قول الآخر بسيط: إن يسمعوا الخير يخفوه، وغن سمعوا ... شراً أذيع، وإن لم يسمعوا كذبوا٦٩ ١- وكأن هذا من قول ابن أم صاحب بسيط: صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا٧٠ ٣٠٨ وأشرد مثل قيل في قطع سبل المعروف بكفره قول عنترة كامل: نبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم٧١ ٣٠٩ وأشرد مثل قيل في إباء الظلم ولين الكنف عند المياسرة قوله أيضاً كامل: أثني علي بما علمت فإنني ... سمح مخالفتي إذا لم أظلم إذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم٧٢ ٣١٠ قال أبو علي: قوله: "أثني علي بما علمت" من قول امرئ القيس كامل: وشمائلي ما قد علمت وما ... نبحث كلابك طارقاً مثلي٧٣ ٣١١ وقد أتى عنترة بهذا اللفظ بعينه في موضع آخر من القصيدة فقال كامل: إذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي٧٤ ٣١٢ وأشرد مثل قيل في الوعظ بالأيام قول عدي بن زيد طويل: كفى واعظاً للمرء أيام دهره ... تروح له بالموعظات وتغتدي٧٥ ٣١٣ وأشرد مثل قيل في الحض على المجازاة عن الخير والشر قوله طويل: إذا أنت لم تنفع بودك أهلها ... ولم تنك بالبؤسى عدوك فابعد٧٦ ١- وأخذ هذبب الآخر فقال طويل: إذا أنا لم أجز المودة أهلها ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما٧٧ ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما٧٨
следующие страницы →