Полный текст (363 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شعر
أبي تمام
قال أبو الفرج: هو حبيب بن أوس الطائي ومنشؤه منبح بقرية منها يقال لها: جاسم. شاعر مطبوع لطيف الفطنة دقيق لمعاني غواص على ما يستصعب منها ويعسر متناوله على غيره والسليم من شعره لا يتعلق به أحد. ومن الناس من يتعصب له ويفضله على جميع الشعراء من سالف وخالف، وقوم يعتمدون الرديء من شعره فينشرونه ويطوون محاسنه. وليست إساءة من أساء في القليل وأحسن في الكثير مسقطة إحسان، والتوسط في كل شيء أجمل والحق أحق أن يتبع وقد فضل أبا تمام من الرؤساء والكبراء والشعراء من لا يشق الطاعنون عليه غباره، ولا يدكون وإن وجدوا آثاره. وروي أن محمد بن الزيات كان يقول: أشعر الناس طراً الذي قول يعني أبا تمام:
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنتَ لي ماءَ وجهي أو حقنتَ دمي
وسئل إبراهيم بن العباس من أشعر أهل زماننا؟ فقال: الذي يقول يعني أبا تمام:
مطر أبوكَ أبو أهلة وائلِ ... ملأ البسيطة عدةً وعديدا
نَسَبٌ كلأنَّ ليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا
قال أبو الفرج: قدم عمارة بن عقيل بغداد فاجتمع الناس إليه فكتبوا شعره وشعر أبيه وعرضوا عليه الأشعار فقال بعضهم ها هنا شاعر يزعم أنه أشعر الناس طراً فقال: أنشدوني من قوله فأنشدوه:
غدت تستجيرُ الدمعَ خوف نوى غدِ ... وعادَ قتاداً عندها كلُّ مرقدِ
وأنقذها من غمرة الموتٍ أنه ... صُدودُ فراقٍ لا صُدود تعمد
فأجرى لها الإشفاقُ دمعاً مورداً ... من الدم يجري فوق خدٍّ مورد
هي البدر يكفيها تودُّد وجهها ... إلى كلّ من لاقت وإن لم تودَّد
ثم قطع الإنشاد فقال عمارة زدنا من هذا فوصل إنشاده فقال:
ولكنّني لم أحو وفراً مَجمعاً ... ففزتُ به إلاّ بشملِ مبدد
ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذُّ به إلا بنومِ مُشرَّد
فقال عمارة لله دره لقد تقدم في هذا من سبقه إليه على كثرة القول فيه حتى حبب الاغتراب هيه فأنشده:
وطولُ مُقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجتيهِ فاغتربْ تتجدد
فإني رأيت الشمسَ زيدت محبةً ... إلى الناس إن ليست عليهم بسرمد
فقال عمارة كمل والله لئن كان الشعر بجودة اللفظ وحسن المعاني واطراد المراد واتساق الكلام فإن صاحبكم هذا أشعر الناس. وكان علي بن الجهم يصف أبا تمام ويفضله فقال له رجل والله لو كان أبو تمام أخاك ما زدت على مدحك هذا فقال إن لم يكن أخاً بالنسب فإنه أخ بالأدب والمودة أما سمعت ما خاطبني به حيث يقول:
إن يُكِد مطرّفُ الإخاء فإننا ... تَغدو ونَسري في إخاءٍ تالد
أو يختلف ماءُ الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدّرَ من غمام واحد
أو يفترقْ نسبٌ يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناهُ مقامَ الوالد
وكان محمد بن حازم يفضل أبا تمام ويقدمه ويقول لو لم يقل إلا مرثيته التي أولها:
أصمّد بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجودِ بعدكَ بلقعا
وقوله:
لو يقدرونَ مشوا على وجناتهم ... وجباههم فضلاً عن الأقدام
لكفاه، وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كان عمارة بن عقيل عندنا يوماً فسمع مؤدباً كان لولد أخي يرويهم قصيدة أبي تمام:
الحقُّ أبلج والسيوفُ عَوار ... فحذارِ من أسد العرين حذارِ
فلما بلغ قوله:
سود اللباس كأنما نسجت لهم ... أيدي السموم مدارعاً من قارِ
بكروا وأسروا في متون ضوامرٍ ... قيدَت لهم من مربط النجّار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبداً على سَفرٍ من الإسفار
فقال عمارة لله دره ما يعتمد معنى إلا أصاب أحسنه كأنه موقوف عليه. قال إبراهيم بن العباس ما تكلمت في مكاتبتي إلا على ما جاش به صدري إلا أني قد استحسنت قول أبي تمام:
إذا مارقٌ بالغدرِ حاول غدرةً ... فذاك حريٌّ أن تئيم حلائله
فإن باشر الإصحارَ فالبيض، والقنا ... قراه وأحواضُ المنايا مناهله
وإن يبنِ حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عُقالاتُه لا معاقله
وإلا فاعلمهُ بأنك ساخطٌ ... ودعه فإنَّ الخوف لا شك قاتله
стр. 2
فأخذت هذا المعنى في بعض رسائلي فقلت ما كان يجرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم يعتقلهم. ثم قال: إن أبا تمام اخترم بخاطره ولا نزح ركي فكره حتى انقطع رشأ عمره. قال يزيد المهلبي: ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهماً في حياة أبي تمام بالشعر فلما مات اقتسم الشعراء ما كان يأخذه. لما قدم أبو تمام خراسان اجتمع الشعراء إليه وسألوه أن ينشدهم فقال قد وعدني الأمير أن أنشده غداً وستسمعونني فلما دخل على عبد إله بن طاهر أنشده:
أهنَّ عوادي يوسفٍ وصواحبه ... فعزماً ما أدْركَ السؤلَ طالبه
فلما بلغ إلى قوله:
وقلقل نأيٌ من خراسان جأشها ... فقلتُ اطمئنّي أنضرُ الروض عازبه
وركب كأطرافِ الأسنةِ عرسوا ... على مثلها والليلُ تسطو غياهبه
لأمرٍ عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
فصاح الشعراء بالأمير أبي العباس ما يستحق هذا الشاعر غير الأمير حفظه الله وقال شاعر منهم يعرف بالرياحي لي عند الأمير أعزه الله جائزة وعدني بها وقد جعلتها لهذا جزاء عن قوله للأمير، فقال بل نضعها لك ونقوم له بما يجب علينا لما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئاً فوجدا عليه عبد الله وقال يترفع عن بري ويتهاون بما أكرمته به فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك فقال أبو تمام:
لم يبقَ للصيفِ لا رسمٌ ولا طللُ ... ولا قشيبٌ فيسكتسى ولا سمل
عدل من الدمع أن يُبكى المصيف كما ... يُبكى الشبابُ ويُبكى اللهو الغزل
يمنى الزمان طوت معروفها وغدت ... يسراه وهي لنا من بعده بدل
فدخل أبو العميثل شاعر آل طاهر على عبد الله فقال: أيها الأمير أتتهاون بمثل أبي وتجفوه فوالله لو يكن له من النباهة في قدرة والإحسان في شعره والشائع من ذكره لكان الخوف من شره والتوقي لذمه يوجب على مثلك رعايته ومراقبته فكيف له وينزوعه إليك من الوطن وفراقه السكن وقد قصدك عاقداً بك أمله معملاً إليك ركابه متعباً فيك فكره وجسمه وفي ذلف ما يلزمك قضاء حقه حتى ينصرف راضياً ولو لم يأت بفائدة ولا سمع فيك منه ما سمع إلا قوله:
يقول في قومسَ صحبي وقد أخذتْ ... منا السُّرى وخطي المهَرية القودِ
أمطلعَ الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلتُ كلاّ ولكنْ مطلعَ الجودِ
لكفى فقال عبد الله نبهت فأحسنت وشفع فلطفت وعاتبت فأوجعت ولك ولأبي تمام العتبى، وأمر له بألف دينار وما يحمله من الظهر وخلع عليه خلعة تامة وزاد في إكرامه قال جابر الكوخي حضرت أبا دلف وعنده أبو تمام وقد أنشده قصيدته:
على مثلها من أربع وملاعبِ ... أذيلت مصوناتُ الدموع السواكب
فلما بلغ قوله:
إذا افتخرت يوماً تميمٌ بقوسها ... وزادتْ على ما وطدت من مناقب
فأنتم بذي قارٍ أمالت سيوفكم ... عروشَ الذين استرهنوا قوس حاجب
محاسن من مجدٍ متى تقرنوا بها ... محاسنَ أقوام تكن كالمعايب
فقال أبو دلف: يا معشر ربيعة ما مدحتم بمثل هذا الشعر قط فما عندكم لقائله فبادروه بمطارفهم يرمون بها عليه فقال أبو دلف قد قبلها منكم وأعاركم لبسها وسأنوب عنكم في ثوابه. تمم القصيدة يا أبا تمام فأتمها فأمر له بخمسين ألف درهم وقال والله ما هي بإزاء استحقاقك وقدرك فاعذرنا فشكره وقام يقبل يده فحلف أن لا يفعل ثم قال أنشدني قولك في ابن حميد فأنشده:
وما ماتَ من ماتَ مضربُ سيفه ... من الضربِ واعتلّت عليه القنا السمرُ
وقد كانَ فوت الموت سهلاً فرده ... إليه الحفاظُ المرُّ والخلق الوعر
ونفسٌ تعافُ العار حتى كأنه ... هو الكفرُ يومَ الروع أو دونه الكفر
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجله ... وقال لها من تحتِ أخمصك الحشر
غدا غدوةً والحمدُ نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
كلأنَّ بني نبهان يوم مصابه ... نجومُ سماء خرّ من بينها البدر
يُعزونَ عن ثاوٍ تعزَّى به العلى ... ويبكي ليه البأسُ والجُودُ والشعر
стр. 3
فلما أنشده إياها قال والله لوددت أنها في. قال بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم دونه فقال إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر. قدم أبو تمام مادحاً للحسن بن رجاء فاستنشده قصيدته اللامية التي مدحه بها فلما انتهى إلى قوله:
أنا ذو عرفتِ فإن عرتكِ جهالةٌ ... فأنا المقيمُ قيامةَ العذال
عطفت ملامتها على ابنِ ملمةٍ ... كالسيف جأب الصبر شخت الآل
عادت له أيامه مسودة ... حتى توهم أنَّهنَّ ليالي
قال الحسن والله ما تسود عليك بعد اليوم فلما قال:
لا تنكري عطلَ الكريم من الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي
وتنظري خبب الركاب ينصها ... محيي القريض إلى مميت المال
قام الحسن على رجليه وقال والله لا تتمها إلا وأنا قائم فقام أبو تمام لقيامه وقال:
قد قلت وهي تنال من عرض الفلا ... بملاطسِ بالوخد غير أوال
أحوامل الأثقال إنك في غدٍ ... بفناء أحمل منك للأثقال
لما وردنا ساحة الحسن انقضى ... عنا تعجرف دولة الإمحال
أحيى الرجاء لنا برغم نوائبٍ ... كثرت بهنَّ مصارع الآمال
أغلى عذارى الشعر أن مهورها ... عند الكرام وإن رخصن غوالي
ترد الظنون بنا على تصديقها ... ويحكم الآمال في الأموال
أضحى سمي أبيك فيك مصدقاً ... بأجل فائدة وأيمن فال
ورأيتني فسألت نفسك سيبها ... لي ثم جدت وما انتظرت سؤالي
كالغيث ليس له ... أريد نواله
أو لم يرد
بدٌّ من التّهطال
فتعانقا وجلسا فقال له الحسن ما أحسن ما جلوت به هذه العروس فقال والله لو كانت من الحور العين لكان قيامك لها أوفى مهورها. كان دعبل عند الحسن بن رجاء يضع من أبي تمام فقال له قائل يا أبا علي اسمع مني ما قاله فإن أنت رضيته فذاك وإلا وافقتك على ما تذمه منه وأعوذ بالله فيك من ألا ترضاه ثم أنشده:
أما إنه لولا الخليط المودع ... ومغنى عفا منه مصيفٌ ومربع
فلما بلغ إلى قوله:
هو السيل إن واجهته انقدت طوعهُ ... وتقتاده من جانبيه فيتبع
ولم أر نفعاً عند من ليس ضائراً ... ولم أر ضراً عند من ليس ينفع
معاد الورى بعد الممات وسيبه ... معادٌ لنا قبل الممات ومرجع
فقال دعبل لم ندفع فضل هذا الرجل ولكنكم ترفعونه فوق قدره وتقدمونه على من تقدمه وتنسبون إليه ما قد سرقه فقال له إحسانه صيرك له عائباً وعليه عاتباً.
أنشد أبو تمام أبا الحسن محمد بن الهيثم بالجبل قوله فيه:
أسقى ديارهم أجشُّ هزيمُ ... وغدت عليهم نظرة ونعيم
فلما فرغ أمر له بألف دينار وخلع عليه خلعة حسنة فلما كان من الغد كتب إليه أبو تمام:
قد كسانا من كسوة الصيف خِرْقٌ ... مكتسٍ من مكارم ومساع
حلةً سابريةً ورداء ... كسحا القيض أو رداء الشجاع
كالسراب الرقراق في النعت إلا ... أنه ليس مثله في الخداع
قصبياً تسترجف الريح متني ... هـ بأمرٍ من الهبوب مطاع
رجفاناً كأنه الدهرَ من ... هـ كبد الضب أو حشى المرتاع
يطرد اليوم ذا الهجير ولو شب ... هـ في حره بيوم الوداع
حلةً من أغر أروع رحب ... الصدر رحب الفؤاد حب الذراع
سوف أكسوك ما يعفى عليها ... من ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون وهذا ... حسنُهُ في القلوب والأسماع
فقال محمد بن الهيثم ومن لا يعطي هذا ملكه والله لا يبقى في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام فأمر له بكل ثوب كان يملكه له في ذلك الوقت جاء دعبل إلى الحسن بن وهب في حاجة بعد وفاة أبي تمام فقال له رجل في المجلس يا أبا علي أنت الذي تطعن على من يقول:
شهدتُ لقد أقوت مغانيكم بُعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
وأنجدتمُ من بعد إتهام داركم ... فيا دمع انجدني على ساكني نجد
فصاح دعبل: أحسن والله وجعل يردد (انجدني على ساكني نجد) ثم قال ﵀ لو كان ترك شيئاً م شعره لقلت أنه أشعر الناس. قال الواثق لابن أبي دؤاد بلغني أنك أعطيت أبا تمام الطائي في قصيدة مدحك بها ألف دينار قال لم أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ولكني أعطيته خمسمائة دينار للذي قاله للمعتصم:
стр. 4
فاشدد بهارون الخلافة إنه ... سكنٌ لوحشتها ودار قرار
فتبسم وقال إنه لحقيق بذلك. وتمام الأبيات:
بفتى بني عباس والقمر الذي ... حفّته أنجم يعربٍ ونزار
كرم الخؤولة والعمومة مجّه ... سلفاً قريشٍ فيه والأنصار
هو نوءٌ يُمنٍ فيهمُ وسعادةٍ ... وسراجُ ليلٍ فيهمُ ونهار
فاقمع شياطين النفاق بمهتد ... ترضى الرية هديهُ والباري
ليسير في الآفاق سيرة رأفةٍ ... ويسوسها بسكينة ووقار
فالصين منظومٌ بأندلسٍ إلى ... حيطان رومية فملك ذمار
وقد علمت بأن ذلك معصمٌ ... ما كنت تتركه بغير سوار
فالأرض دارٌ أقفرت ما لمي كن ... من هاشم ربٌّ لتلك الدار
سورُ القرآن الغر فيكم أنزلت ... ولكم تصاغ محاسن الأشعار
وذكر أنه لما مدح محمد بن الزيات بقصيدته التي أولها:
ديمة سمحة القياد سكوبُ ... مستغيثٌ بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة العظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
قال له ابن الزيات: يا أبا تمام إنك لتحلي شعرك بجواهر لفظك ودرر معانيك ما يزيد حسناً على بهي الجواهر في أجياد الكواعب وما ندخر لك شيئاً من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة، وكان بحضرته فيلسوف فقال: إن هذا الفتى يموت شاباً فقيل له من أين حكمت عليه بذلك فقال رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده، وهو لم يتخط الأربعين سنة جملة.
وقد أحببت أن أنقل من مختار قصائده لأنها من فائق الشعر ومما يرتاح لسماعه أهل الأدب والمروءة فمن ذلك قصيدته التي مدح بها الحسن ابن سهل وهي:
أبدت أسى إن رأتني مُخلِسُ القصب ... وآل ما كان من عجبٍ إلى عجب
ستٌ وعشرون تدعوني فأتبعها ... إلى المشيب ولم تظلم ولم تُجب
يومي من الدهر مثل الدهر مشتهرٌ ... عزماً وحزماً وساعي منه كالحقب
فأصغري أن شيباً لاح بي حدثاً ... واكبري إنني في المهد لم أشب
فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
رأت تغيُّرَه فاهتاج هائجها ... وقال لاعجُها للعبرة: انسكبي
لا يطردُ الهمَّ إلا الهمُّ من رجلٍ ... مقلقل لبنات القفرة النجب
ماضِ إذا الهمم التفّت رأيت له ... بوخدهنّ استطالات على النوب
لا تنكري منه تخديداً تخللهُ ... فالسيف لا يزدرى إن كان ذا شطب
ستصبح العيس بي والليل عند فتى ... كثير ذكر الرضى في ساعة الغضب
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني وعاوده ظني ولم يخب
كالغيث إن جئته وافاك رِيقُهُ ... وإن ترحلت عنه لجّ في الطلب
خلائق الحسن استوفي البقاء فقد ... أصبحت قرة عين المجد والحسب
كأنما هو من أخلاقه أبداً ... وإن ثوى وحده في جحفل لجب
صيغت له شيمةٌ غراءُ من ذهبٍ ... لكنها أهلك الأشياء للذهب
لما رأى أدباً في غير ذي كرمٍ ... قد ضاع أو كرماً في غير ذي أدب
سما إلى السورةِ العلياء فاجتمعا ... في فعله كاجتماع النور والعشب
بلوتُ منه وأيامي مذمّمةٌ ... مودة وُجِدت أحلى من الشنب
من غير ما سببٍ ماضٍ كفا سبباً ... للحر أن يعتفي حراً بلا سبب
وله يمدحه:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا ... وكنت بإسعاف الحبيب حبائباً
سنغرب تجديداً لعهدك في البكا ... فما كنت في الأيام غير غرائبا
ومعترك للشوق أهدى به الهوى ... إلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا
كواعب زادت في ليال قصيرة ... تخيّلن لي من حسنهن كواعبا
سلبت غطاء الحسن عن حر أوجهٍ ... تظلُّ للبِّ السالبيها سوالبا
وجوه لو أن الأرض فيها كواكب ... توقد للساري لكانت كواكبا
سلي هل عمرت القفر وهو سباسبٌ ... وغادرتُ ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرت حتى قد نسيت المغاربا
خطوبٌ إذا لاقيتهنّ رددنني ... جريحاً كأني قد لقيت كتائبا
ومن من لم يسلِم للنوائب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا
стр. 5
وقد يكهم السيفُ المسمى منية ... وقد يرجع السهم المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف رامياً ... وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا
وملآن من ضغن كوه توقلي ... إلى الهمة القعسا سناماً وغاربا
شهدت جسيمات العلا وهو غائبٌ ... ولو كان أيضاً شاهداً كان غائبا
إلى الحسن اقتدنا ركائب صيرت ... لها الحزن من أرض الفلاة ركائبا
نبذت إليه همتي فكأنما ... كدرت بها نجماً على الأرض ثاقبا
وكنت امرءاً ألقى الزمان مسالماً ... فآليت لا ألقاه إلا محاربا
لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد ... معيباً ولا خلقاً من الناس عائباً
إذا شئت أن تحصي فواضل كفته ... فكن كاتباً أو فاخذ لك كاتبا
عطايا هي الأنواء إلا علامة ... دعت تلك أنواءً وهذي مواهبا
فأقسم لو أفرطت في الوصف عامداً ... لأكذب في مدحيه لم أكُ كاذباً
ثوى ماله نهب المعالي فأوجبت ... عليه زكاة الجود ما ليس واجبا
وتحسن في عينيه إن جئت زائراً ... وتزداد حسناً كلما جئت طالبا
خدين العلا أبقى له البذلُ والنهى ... عواقب من عرفٍ كفتهُ العواقبا
يطول استشارات التجارب رأيه ... إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجارب
برئت من الآمال وهي كثيرة ... لديك وإن جاءتك حدباً لواغبا
وهل كنتُ إلا مذنباً يوم أنتحي ... سواك بآمالي فجئتك تائبا
وقال يمدح عياش بن لهيعة الحضرمي:
تقي جمحاتي لستُ طوعَ مؤنبي ... وليس جنبي إن عذلت بمصحبي
فلم توقدي سخطاً على متنصلٍ ... زلم تنزلي عتباً بساحة معتب
رضيت الهوى والشوق خدناً وصاحباً ... فإن كنت لم ترض بذلك فاغضبي
تصرف حالات الفراق مصرفي ... على صعب حالات الأسى ومقلبي
ولي بدنٌ يأوي إذا الحب ضافه ... إلى كبدِ حرّى وقلب معذب
وحوطيةٍ شمسيةٍ رشية ... مهفهفةِ الأعلى رداحِ المحقب
تصدعُ شملَ القلب من كل وجهة ... وتشعبه بالبث من كل مشعب
بمختبل ساج من الطرف أحورٍ ... ومقتبلٍ صافٍ من الثغر أشنب
من المعطيات الحسن والمؤتياته ... مجلببة أو عاطلاً لم تجلبب
لو أن امرأ القيس بن حجر بدت له ... لما قال مرَّا بي على أم جندب
فتلك شقوري لا ارتيادك بالأذى ... محلي إلا تبكري تتأوَّبي
أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي ... أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي
هما أظلما حاليّ ثمة أجليا ... ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب
شجى في حلوق الحادثات مشرقٌ ... به عزمهُ في الترهات مغرب
رأيت لعياش خلائق لم تكن ... لتكمل إلا في اللباب المهذب
له كرمٌ لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤٌ برق خلّب
أخو أزماتٍ يذله بذل محسن ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب
إذا أمّه العارفون ألفوا حياضه ... ملاءاً وألفوا روضه غير مجدب
إذا قال أهلاً مرحباً نبعت لهم ... مياه الندى من تحت أهل ومرحب
يهولك أن تلقاه صدراً لمحفل ... ونحراً لأعداء وقلباً لموكب
مصادٌ تلاقت لوَّذاً بريوده ... قبائل حيي حضرموت ويعرب
بأروع مضاء على كل أروع ... وأغلب مقدام على كل أغلب
كلوذِهم فيما مضى بجدوده ... بذي العرف والأحماد قَيْلٍ ومرحب
ذوون قيولٌ لم تزل كل حلبة ... تمزق منهم عن أغرَّ محبِّب
همامٌ كنصلِ السيف كيف هززته ... وجدت المنايا منه في كلّ مضرب
تركت حُطاماً منكبَ الدهر إذ نوى ... زحاميَ لمّا أن جعلتك منكبي
وما ضيق أقطار البلادِ أضافني ... إليك ولكنْ مذهبي فيك مذهبي
وأنتَ بمصرٍ غايتي وقرابتي ... بها وبنو أبيكَ فيها بنو أبي
ولا غر وأن وطأتَ أكناف مرتعي ... لمهمل أخ فاضي ورَفَّهت مشربي
فقومتَ لي ما اعوجَ من قصد همتي ... وبيَّضتَ لي ما اسودَّ من وجه مطلبي
وهاك ثياب المدح فاجرر ذيولها ... عليك وهذا مركبُ الحمد فاركب
وقال يمدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني
لقد أخذت من دارِ ماويةَ الحقْبُ ... أنحلُ المغاني للبلى هي أم نهبُ؟
стр. 6
وعهدي بها إذ ناقضُ العهد بدرُها ... مراحُ الهوى فيها ومرحه الخصب
مؤزرة من صنعةِ الوبل والندى ... بوشي ولا وشي وعصب ولا عصبُ
تردد في آرامها الحسنُ فاغتدت ... قرارةً من يُصبي ونجعةً من يصبو
سوا كنُ في برٍّ كما سكنَ الدمى ... نوافرُ من سوء كما نفرَ السرب
كواعبُ أتراب لغيداءَ أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب
لها منظرٌ قيدُ النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خُفارته الحبُ
تظل سراة القوم مثنى وموحداً ... نشاوى بعينها كأنهمُ شرب
إلى خالدٍ راحت بنا أرحبية ... مرافقها من عن كراكرها نِكُب
جرى النَّجَدُ الأحوى عليها فأصبحتْ ... من السير ورُقاً وهي في نجدها صُهب
إلى ملكٍ لولا سجالُ نواله ... لما كان للمعروفِ نقي ولا شخب
من البيضِ محجوبٌ عن السوء والخنا ... ولا تحجبُ الأنواء من كفه الحجب
مصون المعالي لا يزيد أذاله ... ولا مزيدٌ ولا شريكٌ ولا الصُلب
وأشباه بُكر المجد بكرُ بن وائل ... وقاسطُ عدنانٍ وأنجبه هِنبُ
مضوا وهمُ أوتاد نجد وأرضها ... يرونَ عظاماً كلما عظم الخطب
وما كان بين الهضب فرق وبينهم ... سوى أنهم زالوا ولم يزل الهضب
لهم نسب كالفجر ما فيه مسلك ... خفي ولا واد عنود ولا شعب
هو الإضحيان الطلق رفَّت فروعه ... فطاب الثرى من تحته وزكى التراب
إلى أن قال:
فما دب إلا في بيوتهم الندى ... ولم ترب في إلا في جحورهم الحرب
أولاك بنو الأحساب لولا فعالهم ... درجن فلم يوجد لمكرمة عقب
لهم يوم ذي قار مضى وهو مفردٌ ... وحيد من الأشباه ليس له صحب
به علمت صهب الأعاجم أنه ... به أعربت عن ذات أنفسها العرب
هو المشهد الفصل الذي ما نجابه ... لكسرى لا سنام ولا صلب
إلى أن قال:
رددت أديم الغزو أملس بعدما ... غدا ولياليه وأيامه جرب
بكل فتى ضرب يعرض للقنا ... محياً محلَّى حليه الطعن والضرب
ومنها:
بجودك تبيض الخطوب إذا دجت ... وترجع عن ألوانها الحجج الشهب
هو المركب المدني إلى كل سؤدد ... وعلياء إلا أنه المركب الصعب
إذا سبب أمسى كهاماً لدى امرئٍ ... أجاب رجائي عندك السبب العضب
وسيارة في الأرض ليس بنازحٍ ... على وخدها حزن سحيق ولا سهب
تذرُّ ذرور الشمس في كل بلدة ... وتمسي جَموحاً ما يُرد لها غرب
عَذارى قواف كنت غير مدافع ... أبا عذرها لا ظلم منك ولا غصب
إذا أنشدت في القوم ظلت كأنها ... مسرة كبر أو تداخلها عجب
مفصلةٌ باللؤلؤ المنتقى لها ... من الشعر إلا أنه اللؤلؤ الرطب
وقال يمدح أبا دلف لقاسم بن عيسى العجلي، وهي من عيون القصائد
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع الواكب
أقول لقرُحان من البين لم يضف ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب
أَعني أفرِّق شمل دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب
فما صار في ذا اليوم عذلك كله ... عدوي حتى صار جهلك صاحبي
وما بك إركابي من الرشد مركباً ... ألا إنما حاولت رشد الركائب
فكلني إلى شوقي وسريرِ الهوى ... إلى حرقاتي بالدموع السوارب
أميدان لهوي من أتاح لك البلى ... فأصبحت ميدان الصبا والجنائب
أصابتك أبكار الخطوب فشتت ... هواي بأبكار اظباء الكواعب
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كفُّ قاطب
فقد أكلوا منها الغوارب بالسُّرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب
يصرف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه همُّ عذيق مغارب
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آيب
كأن به ضغناً على كل جانب ... من الأرض او شوقاً إلى كل جانب
إذا العيس لاقت بي أبادلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب
هنالك تلقى المجد حيث تقطعت ... تمائمه والجود مرخي الذوائب
تكاد عطاياه يجنُّ جنونها ... إذا لم يعوذها بنغمة طالب
стр. 7
إذا حركته هزة المجد غيَّرت ... عطاياه أسماء الأماني الكواذب
تكاد مغانيه تهشُّ عراصُها ... فتركب من شوق إلى كل راكب
إذا ما غدا أغدى كريمة ماله ... هدياً ولو زفت لألأم خاطب
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من منور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب
إذا ألجمت يوماً لُجيمٌ وحولها ... بنو الحصن نجل المحصنات النجائب
فإن المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم في الروع دون الأقارب
جحافل لا يتركن ذا جبريةٍ ... سليماً ولا يحرُبن من لن يحارب
يمدون من أيدٍ عواص عواصم ... تصولُ بأسياف قواض قواضب
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب
إذا افتخرت يوماً تميمٌ بقوسها ... وزادت على ما وطدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
محاسن من مجد متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالمعايب
معالٍ تمادت في العلو كأنما ... تحاول ثأراً عند بعض الكواكب
وقد علم الافشين وهو الذي به ... يُصان رداء الملك عن كل جاذب
بأنك لما استخدل النصر واكتسى ... أهابيّ تسقى في وجوه التجارب
تجللته بالرأي حتى أريتهُ ... به ملء عينيه مكان العواقب
بأرشق إذ سالت عليهم غمامةٌ ... جرت بالعوالي والعتاق الشوازب
سللت لهم سيفين رأياً ومنصلاً ... وكلٌ كنجم في الدجنَّة ثاقب
وكنت متى تهزز لخطبٍ تغشِهِ ... ضرائب أمضى من رقاق المضارب
فذكرك في قلب الخليفة بعدها ... خليفتك المقفى بأعلى المراتب
فإن تنس يذكر أو يقل فيك حاسدٌ ... يغُل قوله أَو تنأ دارٌ صاقب
فأنت لديه حاضرٌ غيرُ حاضرٍ ... بذكرٍ وعنه غائب غير غائب
فلو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوبُ العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
اقول لأصحابي هو القاسم الذي ... به شرح الجود التباس المذاهب
وإني لأرجو عاجلاً أن تردني ... مواهبُهُ بجراً تُرجَّى مواهبي
وقال يمدح عمر بن طوق التغلبي
أحسن بأيام العقيق وأطيب ... والعيش في أظلالهنَّ المعجب
ومصيفهنَّ المستظلّ بظله ... سرب المها وربيعهنَّ الصيِّب
أُصُل كبرد العصب نيط إلى ضحى ... عبقٍ بريحان الرياض مطيب
وظلالهنَّ المشرقات بخرَّدٍ ... بيض كواعب غامضاتٍ الأكعب
وأغنَّ من دُعج الظباء مريبٍ ... بدلنَّ منه أغنَّ غير مربب
لله ليلتنا وكانت ليلة ... ذخرت لنا بين اللوى فالعُليب
مالت وقد أَعلقت كفّي كفَّها ... حلاً وما كل الحلال بطيب
فنعمتُ في شمس إذا حُجبت بدت ... من نورها فكأنها لم تحجب
وإذا دنت خلت الظباء ولدنها ... ربعيّة واسترُضعت في الربرب
إنسيَّةٌ إن حصلت أنسابها ... جنية الأبوين ما لم تنسب
قد قلت للزباء لمّا أصبحت ... في حدّ نابٍ للزمان ومخلب
لمدينة عجماء قد أمسى البلى ... فيها خطيباً باللسان المعرب
فكأنما سكن الفناء عراصها ... أوصال فيها الدهر صولة مغضب
لكن بنو طوقٍ وطوقٌ قبلهم ... شادوا المعالي بالثناء الأغلب
فستخرب الدنيا وأبنية العلى ... وقبابها جددٌ بهم لم تخرب
رفعت بأيام الطعان وأَغشيت ... رقراق الونٍ بالسماحة مذهب
يا طالباً مسعاتهم لتنالها ... هيهات منك غبار ذاك الموكب
أنت المعنَّى بالغواني تبتغي ... أقصى مودتها برأس أشيب
وطئ الخطوب وكفَّ من غلوانها ... عُمرُ بن طوقٍ نجم أهل المغرب
ملتف أعراق الوشيج إذا انتمى ... يوم الفخار ثريُّ تربِ المنصب
في معدنِ الشرف الذي من حليه ... سبكت مكارم تغلب ابنة تغلب
قد قلت في غسق الدجى لعصابةٍ ... طلبت أبا حفص: مناخ الأركب
الكوكب الجشميُّ نصب عيونكم ... فاستوضحوا بضياء ذاك الكزكب
стр. 8
يُعطي عطاء المحسن الخضل الندى ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب
ومرحبٌ بالزائنين وبشره ... يغنيك عن اهلٍ لديه ومرحب
يغدو مؤمله إذا ما حطّ في ... أكنافه رحل المكل الملغب
سلس اللبانة والرجاء ببابه ... كَثبَ المنى ممتد ظل المطلب
الجد شيمتُهُ وفيه فكاهةٌ ... سمحٌ ولا جدٌ لمن لم يلعب
شرسٌ ويتبع ذاك لينُ خليفةٍ ... لا خير في الصهباء ما لم تقطب
صلبٌ إذا اعوجَّ الومان ولم يكن ... ليلين صلب الخطب من لم يصلب
الودُّ للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأَوطان دون الأقرب
وكذاك عتاب بن سعد أصبحوا ... وهمُ زمام زماننا المتقلب
هم رهطُ من أمسى بعيداً رهطه ... وبنو أبي رجُلٍ بغير بني أب
ومنافسٌ عُمرَ بن طوق ماله ... من ضغنه غير الحصى والأثلب
تعب الخلائق والنوال ولم يكن ... بالمستريح العرض من لم يتعب
بشحوبه في المجد أشرق وجهه ... لا يستنير فعال من لم يشحب
بحر يطمّ على العفاة وإن تهج ... ريح السؤال بموجه يغلولب
والشولُ ما حُلبت تدفق رِسلها ... وتجفُ درتَّها إِذا لم تحلب
يا عقب طوق أيّ عقب عشيرةٍ ... وأنتم ورَبةَ معقب لم يعقب
قيدت من عمر بن طوق همَّتي ... بالحوَّل الثبت الجنان القلّب
نفق المديحُ ببابه فكسوته ... عقداً من الياقوت غير مثقب
أولى المديح بأن يكون مهذباً ... ما كان منه في أغر مهذب
غربت خلائقهُ فأغرب شاعرٌ ... فيه فأحسن مُغربٌ في مُغرب
لما كرمت نطقت فيك بمنطق ... حقٍّ فلم آثم ولم اتحوَّب
ومتى مدحتُ سواكَ متى يضق ... عني له صدق المقالة أكذب
وقال يمدح أبا العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب
أهنَّ عوادي يوسف وصواحِبُه ... فعزماً فقدماً أدرك السؤل طالبه
إذا المرء لم تستخلص الحزم نفسُهُ ... فذروته للحادثات وغاربه
أعاذلتني ما أَخشن الليل مركباً ... وأخشنُ منه في الملمات راكبه
ذريني وأهوال الزمان اُقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه
ألم تعلمي أنَّ الزماع على السرى ... أخو النجح عند الحادثات وصاحبه
دعيني على أخلاقي الصُّم التي ... هي الوفر أو سربٌ ترنُّ نوادبه
فإن الحسام الهنداوي إِنما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه
وقلقل نأيي من خراسان جأشها ... فقلت اطمئني انضر الروض عازبه
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدورُهُ ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
على كل موار الملاط تهدمت ... عريكتُه العلياء وانضمَّ حالبه
رعته الفيافي بعد ما كان حقبةً ... رعاها وماء الروض ينهلُّ ساكبه
فأضحى الفلا قد جدَّ في بري نحضِهِ ... وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه
فكم جزع وادٍ جبَّ ذروة غارب ... وبالأَمس كانت أتمكته مذانبه
إليك جزعنا مغرب الملك كلّما ... وسطنا ملاً صلَّت عليك سباسبه
فلو أنَّ سيراً رمنهُ فاستطعنه ... لصاحبنا شوقاً إليك مغاربه
إلى ملك لم يلق كلكل بأسه ... على ملك إلا وللذل جانبه
إلى سالب الجبار بيضة ملكهِ ... وآمله غادٍ عليه فسالبه
وأي مرام عنه يعدو نياطه ... غداً وتكلُّ الناعجات أخاشيه
وقد قرب المرمي البعيد زجاؤه ... وسهَّلت الأرض العزاز كتائبه
إذا أنت وجهت الركاب لقصده ... تبينت طعم الماء ذو أَنت شاربه
جديرٌ بأن يستحي الله بادياً ... به ثمَّ يستحي الندى ويراقبه
سما للعلا من جانبيه كليهما ... سموَّ عباب الماء جاشت غواربه
فنوَّل حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حتى لم يجد من يحاربه
وذو يقظاتٍ مستمرٍ مريرها ... إذا الخطبُ لاقاه اضمحلت نوائبه
وأين بوجه الحزم عنه وإنما ... مرائي الأمور المشكلات تجاربهُ
أرى الناس منهاج الندى بعدما عفت ... مهايعه المثلى ومحَّت لواحبه
ففي كل نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه
стр. 9
لتحدث له الأَيام شكر خناعة ... تطيب صضبا نجد به وجنائبه
فوالله لو لم يلبس الدهر فعله ... لأفسدت الماء القراح معائبه
فقد بثَّ عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه
يقولون عن الليث ليث خفيةٍ ... نواجذبه مطروزة ومخالبه
وما الليث كلُّ الليث إلا ابن عثرةٍ ... يعيش فواق ناقة وهو راهبه
ويوم أمام الموت دحض وقفته ... ولو خرَّ فيه الدينُ لا نهل كائبه
جلوت به وجه الخليفة والقنا ... قد اتسعت بين الضلوع مذاهبه
شفيت صداه والصفيح من الطلى ... رواءٌ نواحيه عذاب مشاربه
ليالي لم يقعد بسيفك أن يرى ... هو الموت إلا أن عفوك غالبه
فلو انطلقت حربٌ لقالت محقةً ... ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه
ليعلم أنّ الغر من آل مصعب ... غداةَ الوغى وأقاربه
كواكب مجد يعلم الليل أنها ... إذا نجمت باءت بصغر كواكبه
ويا أيها الساعي ليدركَ شأوه ... تزحزحْ قصياً أسوأ الظن كاذبه
فحسبكَ من نيل المراتب أن ترى ... عليماً بأن ليست تنال مراتبه
إذا ما ارؤ ألقى بربعك رحله ... فقد طالبته بالنجاحِ مطالبه
وقال يمدح أمير المؤمنين المعتصم بالله أبا اسحاق محمد بن هارون الرشيد ويذكر فتح عمورية
السيف أصدق أنباءً من الكتبِ ... في حده الحدُّ بين الجد واللعب
بيضُ الصفائح لا سودُ الصحائف في ... متونهنَّ جلاءُ الشك والريب
والعلمُ في شهب الأرماح لامعةً ... بين الخمسين لا في السبعة الشهب
أين الراويةُ بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصاً وأَحاديثاً ملفقةً ... ليستْ بنبع إذا عدَّتْ ولا غرب
عجائباً زعموا الأيام مجفلةً ... عنهنَّ في صفر الأصفار أو رجب
وخوفوا الناسَ من دهياءَ مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
وصيروا الأبرج العليا مرتبةً ... ما كان منقلباً أو غير منقلب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلةٌ ... ما دار في فلك منها وفي قطب
لو بينت قطٌ أمراً قبل موقعه ... لم يخف ما حلّ بالأوثان والصلب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظمٌ من الشعر أو نثر من الخطب
فتحٌ تفتَّح أبوابُ السماءِ له ... وتبرز الأَرض في أثوابها القشب
يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... عنك لمنى حُفلاً معسولة الحلب
أبقيت جدَّ بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صيب
أمُّ لهم لو رجوا أن تفتدى جعلوا ... فداءها كلَّ أم برة وأب
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدوداً عن أبي كرب
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شايت نواصي الليالي وهي لم تشب
بكرٌ فما افترعتها كفُّ حادثة ... ولا ترقَّت إليها همة النوب
حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب
أتتهمُ الكربة السوداء سادرةً ... منها وكان اسمها فراجة الكرب
جرى لها الفألُ نحساً يومَ أنقرة ... إذ غوردت وحشة الساحات والرحب
لمَّا رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الحرابُ لها أعلى من الجرب
كم بين حيطانها من فارسٍ بطلٍ ... قاني الذوائبِ من آبي دم سرب
بسنةِ السيف والخطي من دمهِ ... لا سنةِ الدين والإسلام مختضب
لقد تركتَ أمير المؤمنين بها ... للنار يوماً ذليلَ الصخر والخشب
غادرت فيها بهيم الليل وهو يضحي ... يقله بها صبحٌ من اللهب
حتى كأنَّ جلابيبَ الدجى رغبت ... عن لونها أو كأنَّ الشمس لم تغب
ضوءٌ من النار والظلماءُ عاكفة ... وظلمةٌ من دخان في ضحى شحب
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أفلت ... والشمسُ واجبةٌ في ذا ولم تجب
تصرحَ الدهر تصريح الغمام لها ... عن يومِ هيجاءَ منها طاهرٍ جُنُب
لم تطلع الشمسُ فيه يوم ذاك على ... بانٍ بأهلٍ ولم تغرب على عَزَب
ماربعُ ميَّة معموراً يطيف به ... غيلانُ أبهى ربى من ربعها الخرب
ولا الخدود وقد أدمينَ من خجل ... أشهى إلى ناظرها خدها التراب
стр. 10
سماجةٌ غنيت منا العيونُ بها ... عن كلّ حسنٍ بدا أو منظرٍ عجب
وحسنُ منقلبٍ تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته عن سوء منقلب
لم يعلم الكفرُ كمُ من أعصر كمنت ... له المنية بين السمرِ والقضب
تدبيرُ معتصم بالله منتقمٍ ... لله مرتقبٍ في الله مرتهب
ومطعمَ النصرِ لم تكهم أسنته ... يوماً ولا حجبت عن روح محتجب
لم يغزُ قوماً ولم ينهض إلى بلد ... إلاّ تقدمه جيشٌ من الرعب
لو لم يقد جحفلاً يومَ الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب
رمى بك الله برجيها فهدمها ... ولو رمى بك غيرُ الله لم تصب
من بعدِ ما أشبَّوها واثقينَ بها ... والله مفتاحُ باب المعقل الأشب
وقال ذو أمرهم لا مرتعٌ صددٌ ... للسارحينَ وليس الورد من كثب
أمانياً سلبتهم نجحَ هاجسها ... ظبي السيوف وأطرافُ القنا السلب
إن الحِمامين من بيضٍ ومن سمرٍ ... دلوا الحياتينِ من ماءٍ ومن عشب
لبيتَ صوتاً زبطرياً هرقتَ له ... كأسَ الكرى ورضابَ الخرَّدِ العرب
عداكَ حرَُ الثغورِ المستضامة عن ... برد الثغورِ وعن سلسالها الخصب
أجبته معلناً بالسيفِ منصلتاً ... ولو أجبتَ بغير السيف لم تجب
حتى تركتَ عمود الشرك منقعراً ... ولم تعرّج على الأوتاد والطنب
لّما رأى الحربَ رأي العين توفلسٌ ... والحربُ مشتقة المعنى من الحرب
غدا يصرّفٌ الأموال جريتها ... فعزَّهُ البحرُ والتيار ذو العبب
هيهات زعزعت الأرض الوقور به ... عن غزو محتسبٍ لا غزو مكتسب
لم ينفقِ الذهب المربي بكثرتهِ ... على الحصى وبه فقرٌ إلى الذهب
إنَّ الأسود أسودِ الغاب همتها ... يومَ الكريهة في المسلوب لا السلب
ولَّى وقد ألجمَ الخطيُّ منطقه ... بسكته تحتها الاحشاءُ في صخب
أحسى قرابينهُ صرفُ الردى ومضى ... يحثُّ أنجى مطاياه من الهرب
موكلاً بيفاعِ الأرض يُشرِفه ... من خفة الخوفِ لا من خفة الطرب
إن يعدُ من حرها عدوَ الظليم فقد ... أوسعتَ جاحمها من كثرة الحطب
تسعونَ ألفاً كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضوج التين والعنب
يا ربَّ حوباءَ لما اجتُث دابرهم ... طابت ولو ضخمت بالمسك لم تطب
ومغضبٍ رجعت بيض السيوف بهِ ... حيَّ الرضى من دارهم ميت الغضب
والحربُ قائمة في مأزقٍ لججٍ ... تجثو الرجالُ به صغراً على الركب
كم نيل تحتَ سناها من سنى قمرٍ ... وتحتَ عارضها من عارض شنب
كم كان في قطع أسباب الرقاب بها ... إلى المخدرةِ العذراء من سبب
بيضٌ إذا انتضبت من حجبها رجعت ... أحقَّ بالبيضِ أبداناً من الحجب
خليفةَ الله جازى الله سعيك عن ... جرثومةِ الدين والإسلام والحسب
بصرتّ بالراحة الكبرى فلم ترها ... تُنال إلا على جسرٍ من التعب
إن كان بين صروفِ الدهر من رحم ... موصولةٍ أو ذمامٍ غير منقضب
فبين أيامك اللاتي نُصرت بها ... وبين أيامِ بدر أقرب النسب
أبقيت بني الأصفرِ الممراضِ كاسمِهِم ... صفرَ الوجوهِ وجلّت أوجه العرب
وقال يمدح محمد بن عبد الملك الزيات
ديمةٌ سمحةُ القيادِ سكوبُ ... مستغيثٌ بها الثرى المكروب
لو سعت بقعةٌ لإعظام نعمى ... لسعى نحوَها المكانُ الجديب
لذَّ شؤبوبها وطابَ فلو تس ... طيع قامت فعانقتها القلوب
فهي ماءٌ يجري وماءٌ يليه ... وعزالٍ تّنشا وأخرى تذوب
كشفَ الروضُ رأسه واستسرَّ ... المحل منها كما استسرَّ المريب
أيها الغيثُ حيّ أهلاً بمغدا ... ك وعند السرى وحين تؤوب
لأبي جعفر خلائق تحكيهنَّ ... قد يشبه النجيب النجيب
أنت فينا في ذا الأوان غريب ... وهوفينا في كلِّ وقت غريب
ضاحكٌ في نوائب الدهر طلقٌ ... وملوكٌ يبكون حين تنوب
فإذا الخطب طالَ نالَ الندى ... والبذل منه مالا تنالُ الخطوب
خُلُقُ مشرقٌ ورأي حسامٌ ... ووادٌ عذب وريح جنوب
كلّ يوم له وكل أوانِ ... خُلُقٌ ضاحك ومال كئيب
стр. 11
إن تقاربه أو تباعده ما لم ... تأتِ فحشاءَ فهو منك قريب
ما التقى وفره ونائلهُ مُذ ... كان إلاّ وفرهُ المغلوب
فهو مُدنٍ للجود وهو بغيضٌ ... وهو مقصٍ للمال وهو حبيب
يأخذُ المعتفين قسراً ولو كفَّ ... دعاهم إليه وادٍ خصيب
غير أنّ الرامي المسددَ يحتا ... طُ مع العلم أنه سيصيب
وقال يمدح حبيش بن المعافى
نُسائلها أيَّ المواطن حلتِ ... وأيَّ بلاد أوطنتها وأيَّتِ
وماذا عليها لو أشارت فودعت ... إلينا بأطراف البنان وأومت
وما كان إلاَّ أن تولت بها النوى ... فولى عزاءُ القلب لما تولت
فأما عيون العاشقين فأسخنت ... وأما عيون الكاشحين فقرت
ولما دعاني البينُ وليتُ إذ دعا ... ولمَّا دعاها طاوعته ولبث
ولم أرَ مثلي كان أوفى بعهدها ... ولا مثلها لم ترعَ عهدي وذمتي
مشوقٌ رمته أسهم البين فانتشى ... صريعاً لها لمَّا رمته فأصمت
ولو أنها غير النوى فوَّقت له ... بأسهمها لم تصمِ فيه وأشوت
كأنّ عليه الدمع ضربة لازبٍ ... إذا ما حمام الأيك غنت
لئن ظمئت أجفانُ عين إلى البكا ... لقد شربت عيني دماً فتروَّت
عليها سلامُ الله أنّى استقلت ... وأنَّى استقرت دارها واطمأنت
ومجهولةِ الأعلام طامسةِ الصُّوى ... إذا اعتسفها العيسُ بالركب ضلَّت
إذا ما تنادى الركب في فلواتها ... أجابت نداء الركب منها فأصدت
تعسفتُها والليلُ مُلقٍ جرانه ... وجوزاؤه في الأفق لما استقلت
بمفعمة الأنساعِ موجدة القرا ... أمون السرى تنجو إذا العيسُ كلَّت
طموح بأثناءِ الزمام كأنما ... تخالُ بها من عدوها طيفَ جنة
إلى حيث يلقي الجود سهلا منالهُ ... وخيرا مرئٍ شدت إليه وحطت
إلى خير من ساس البرية عدله ... ووطَّد أعلام الهدى فاستقلت
حبيشٌ حبيشٌ بن المعافى الذي به ... أُمِرَّت حبال الدين حتى استمرت
ولولا أبو الليث الهمام لأخلفت ... من الدين أسباب الهدى وارثت
أقر عمود الدين في مستقره ... وقد نهلت منه الليالي وعلّت
ونادى المعالي فاستجابت نداءه ... ولو غيرُهُ نادى المعالي لصُمَّت
ونيطت بحقويه الأمور فأصبحت ... بظلِ جناحيه الأمور استظلت
وأحيا سبيل العدل بعد دثوره ... وأنهج سبلَ الجود حين تعفَّت
ويلوي بأحداثِ الزمان انتقامه ... إذا ما خطوبُ الدهر بالناس ألوت
ويجزيك بالحسنى إذا كنتَ محسِناً ... ويغتفرُ العظمى إذا النعلُ زُلت
يلَّم اختلالَ المعتفين نواله ... إذا ماملماتُ الزمان ألَّمتِ
إذا ظلماتِ الرأي أسدل ثوبها ... تطلعَ فيها فجره فتجلت
همام وريُّ الزند مستحصدُ القوى ... إذا ما الأمور المشكلات أظلَّت
به انكشفت عنا الغيابة وانفرت ... جلابيبُ جور عَمَّنا واضمحلت
أغرُ ربيط الجأشِ ماضٍ جنانه ... إذا ما القلوب الماضيات ارجحنَّت
نهوضٌ بثقل العبء مضطلعٌ به ... وإن عظمت فيه الخطوب وجلت
تطوعُ له الأيام خوف انتقامهِ ... إذا امتنعت من غيره وتأبت
له كلَّ يوم شملُ مجدٍ مؤلفٍ ... وشملُ ندى بين العفاة مشتت
أبا الليث لولا أنت لانصرم الندى ... وأدركتِ الأحداث ما قد تمنت
أخاف فؤاد الدهر بطُشكَ فانطوت ... على رُعُبٍ أحشاؤه وأجنت
حللت من العزِ المنيف محَلةً ... أقامت بفوديها العلي وأبنَّت
لِيَهنئ تنوجاً أنهم خيرُ أسرة ... إذا أحصيت أولى البيوت وعدت
وأنك منهم في اللباب الذي له ... تطاطأتِ الأحياءُ صُغراً وذلت
بني لتنوخّ الله مجداً مؤيداً ... تَزِلَّ عليه وطأة المتبت
إذا ما حلومُ الناسِ حلمك وازنت ... رجحت بأحلام الرجال وخفت
إذا ما يدُ الأيام مدت بنائها ... إليك بخطبٍ لم تنلك وشُلَّت
وإن أزمات الدهر حَلَّت بمعشر ... أرقت دماءَ المحل فيها فطلَّت
إذا ما امتطينا العيسَ نحوك لم نخف ... عثاراً ولم نخشَ اللتيا ولا اللتي
وقال يمدح مالك بن طوق
стр. 12
أقول لمرتادِ الندى عندَ مالكِ ... تعوذ بجدوى مالكٍ وصلاته
فتىً جعلَ المعروفَ من دون عرضه ... سريعاً إلى المُمتاح قبل عِداتهِ
ولو قَصَّرت أمواله عن سماحِهِ ... لقاسم من يرجوه شطرَ حياته
ولو لم يجد في قسمةِ العمر حيلةً ... وجاز له الأعطاءُ من حسناته
لجاد بها من غيرِ كفرٍ بربه ... وواساهمُ من صومِهِ وصلاته
وقال أيضاً يمدحه
قف بالطلولِ الدارساتِ عُلاثا ... أضحت حبالُ قطينهنَّ رثاثا
قسمَ الزمانُ ربوعها بين الصَّبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
فتأبدت من كلّ مخطفةِ الحشا ... غيداءَ تُكسى يارقاً ورعاثا
كالظبية الأدماء صافت فارتعت ... زهرَ العرارِ الغضِ والجثجاثا
حتى إذا ضربَ الخريفُ رواقه ... سافت بريرَ أراكةٍ وكباثا
سيافةُ اللحظات يغدو طرفها ... بالسحرِ في عقَدِ النهى نفاثاً
زالت بعينيكَ الحمولُ كأنها ... نخلٌ مواقر من نخيل جواثا
يومَ الثلاثا لا أزال لبينهم ... كدرَ الفوآدِ لكل يوم ثُلاثا
إن الهموم الطارقات موهناً ... منعت جفونك أن تذوق حثاثا
ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرىً ... إلا مداخلة الفقار دلاثا
شجعاء جرتها الذميل تلوكه ... أصلاًإذا راح المطلي غراثا
أَجداً إذا وقفت المهارى أرقلت ... رقلاً كتحريق الغضاحثحاثا
طلبت فتى جُشيمَ بن بكر مالكا ... ضرغامها وهزبرها الدِلهَاثا
ملك إذا استسقيت مزنَ بنائه ... قتل الصدى وإذا استغيث أغاثا
قد جربته تغلبُ ابنة وائلٍ ... لا خاتراً غدراً ولا نكَّاثا
مثل السبيكة ليس عن أعراضها ... بالغيب لا ندُساً ولا بحاثا
طرح القذى عنه وشذَّب سيفهُ ... عن عصيها الخُرَّابَ والخباثا
ضاحي المحيَّا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا
هم مزقوا عنهم سبائب حلمِهِ ... وإذا أبو الاشبال أُحرِج عاثا
لولا القرابة جاسهم بوقائع ... تنسي الكُلابَ ومَلهماً وبُعاثا
بالخيل فوق متوتهنَّ فوارسٌ ... مثلُ الصقورِ إذا لقينَ بُغاثا
لكن قراكم صفحةُ من لم يزل ... وأبوه فيكم رحمةً وغياثا
عفَّ الإزار تنال جارةُ بيتهِ ... أرفادهُ وتُجنبُ الأرفاثا
عمرو بن كلثوم بن مالكٍ الذي ... تركَ العلى لبني أبيه تراثا
ردعوا الزمان وهم كهولٌ جلَّةٌ ... وَسَطوا على أحداثهِ أحداثا
ألقى عليه نجارهُ فأتى بهِ ... يقظان لا روعاً ولا ملتاثا
تركوا مواعده إذا وَعدُ امرىءٍ ... أمسى كأحلام الكرى أضعاثا
وترى تَسحَّبَنا عليه كأننا ... جئناه نطلبُ عنده ميراثا
كم مسهب بك لو عدتك قِلاصه ... تبغي سواكَ لأوعشت إيعاثا
يامالك ابن المالكين أرى الذي ... كنا نؤمل من إيابك راثا
لولا اعتمادك كنتُ في مندوحةٍ ... عن برقعيدَ وأرضِ باعِيناثا
والكامخيَّة لم تكن لي موطناَ ... ومقابر اللذاتِ من فبراثا
لم آتها من أيّض وجهٍ جئتها ... إلاّ حسبتُ بيوتها أجداثا
بلدُ الفلاحةِ لو أتاها جرولٌ ... أعني الحطيئة لاغتدى حرَّاثا
تصدا بها الأفهامُ بعد صقالها ... وتردُ ذكرات العقولِ إناثا
أرضٌ خلعتُ اللهوَ خلعي خاتمي ... فيها وطلَّقت السرورَ ثلاثا
وقال يمدح خالد بن يزيد السيباني
طلَ الجميع لقد عفوتَ حميدا ... وكفى على رُزئي بذاكَ شهيدا
دِمَنٌ كأنّ البين أصبح طالباً ... دِمَناً لدى آرامها وحقودا
قربتَ نازحة القلوب من الجوى ... وتركتَ شأوَ الدمع فيكَ بعيدا
خضلاً إذا العبراتُ لم تبرح لها ... وطناً سرى قلقَ المحلّ طريدا
أمواقف الفتيان تطوي لم تزر ... شوقاً ولم تندب لهنَّ صعيدا
أذكرتنا الملكَ المضللَ في الهوى ... والأعشيينِ وجرولاً ولبيدا
حلُّوا بها عقدَ النسيب ونمنموا ... من وشيها رجزاً بها وقصيدا
راحت غواني الحي عنكَ غوانياً ... يلبسنَ نأياً تارةَ وصدودا
стр. 13
من كلّ سابغةِ الشباب إذا بدت ... تركت عميدَ القريتين عميدا
أزرينَ بالمردِ الغطارف بدَّناً ... غيداً ألفنهمُ غطارف غيدا
أحلى الرجالِ من النساءِ مواقفاً ... من كان أشبههم بهنَّ خدودا
فاطلب هدواً في التقلقلِ واستثر ... بالعيسِ من تحت السهادِ هجودا
من كلّ معطية على علل السُّرى ... وخداً يبيتُ النومُ منه شريدا
تخدي بمنصلتِ يظلّ إذا ونى ... ضرباؤه حِلساً لها وقتودا
جعل الدجى جملاً وودع راضياً ... بالهونِ يتخذُ القعود قعودا
طلبت ربيع ربيعةَ المهمي لها ... فتفيأت ظلاً لها ممدودا
بكريَّها علويها صعبيها ال ... حصنيَّ شيبانيها الصّنديدا
ذُهليها مُريّها مطرّيها ... يُمنى يديها خالدَ بنَ يزيدا
نسبٌ كأنّ عليه من شمس الصحىِِ ... نوراً ومن فلقِ الصباح عمودا
عُريانُ لا يكبو دليلٌ من عَمى ... فيه ولا يبغي عليه شهودا
شرفٌ على أولى الزمانِ وإنما ... خَلَقُ المناسب ما يكونُ جديدا
لو لم تكن من نبعةٍ نجدّيةٍ ... عُلوّية لظننتُ عودكَ عودكَ عودا
مَطرٌ أبوك أبو أهلةِ وائلٍ ... ملأ البسيطةَ عُدَّة وعديدا
أكفاءهُ تلدُ الرجالُ وإنما ... ولدَ الحتوف أساوداً وأسودا
رُبداً وماسدةً على أكتادها ... لِبَدٌ تخالُ فليلهنَّ لبودا
ورثوا الأَّبوة والحظزوظ فأصبحوا ... جمعوا جدوداً في العلى وجدودا
وقر النفوسِ إذا الكواكب قَعضبٍ ... أردين عفريتَ الوغى المرّيدا
زُهر إذا طلعت على حجب الكلى ... نحست وإن غابت تكون سعودا
ما إن ترى إلاَّ رئيساً مقصداً ... تحت العجاج وعاملا مقصودا
فزعوا إلى الحلق المضاعب وارتدوا ... فيها حديداً في الشؤون حديدا
ومشوا أمام أبي يزيدَ وحولهُ ... مشياً يهدَّ الرسيات وئيدا
يغشونَ أسغحهم مذانبَ طعنةٍ ... سفحاً وأشنعَ ضربة أُخدودا
ما إن ترى الأحساب بيضاً وُضَّحاً ... إلاّ بحيث ترى المنايا سواد
لبس الشجاعة إنها كانت له ... قِدماً نشوقاً في الصَّبا ولدودا
بأساً قبيلياً وبأس تكرم ... جَمَّ وبأسَ قريحةِ مولودا
وإذا رأيتَ أبا زيدٍ في ندى ... ووغىً ومبدي غارةٍ وميعدا
يُقري مرجيه مُشاشةَ مالهِ ... وشبا الأسنة ثُغرةً ووريدا
أيقنت أن من السماحِ شجاعةً ... تُدعي وأنَّ من الشجاعة جودا
وإذا سرحت الطرف نحو قبابِهِ ... لم تلق إلاَّ نعمةً وحسودا
ومكارماً عُتُق النجارِ تليدة ... إن كان هضبُ عمايتينِ تليدا
ومتى حللت به أنالكَ جهده ... ووجدتَ بعد الجهد فيه مزيدا
متوقدٌّ منه الومان وربَّما ... كان الزمان بآخرين بليدا
أبقى يزيدُ ومزيدٌ وأبوهما ... وأبوه ركنكَ في الفخار شديدا
سَفلوا يرونَ الذكرَ عقباً صالحاً ... ومضَوا يعدون الثناءَ خلودا
إنّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل الجمان إذا أصاب فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفتهُ ... بالشعرِ صار قلائدا وعقودا
في كلّ معتركٍ وكل مقامةٍ ... يأخذن منه ذِمةً وعهودا
وإذا القصائدُ لم تكن حُفراءها ... لم ترضَ منها مشهداً مشهودا
من أجل ذلك كانت العربُ الألى ... يدعون هذا سؤدداً محدودا
وتندُّ عندهم العلى إلاَّ عُلى ... جُعلت لها مِررُ القصيد قيودا
وقال يمدحه
يقولُ أناسٌ في حُبيناء أبصروا ... عِمارة رحلي من طريفٍ وتالدِ
أصادفت كنزاً أم صبحتَ بغارةٍ ... ذوي غرةٍ حاميهمُ غير شاهد
فقلتُ لهم: لا ذا ولا ذاك ديدني ... ولكنني أقبلت من عند خالد
جذبتُ نداه غدوة السبت جذبةً ... فخرَّ صريعاً بين أيدي القصائد
فأبتُ بنعمى منه بيضاء لدنةٍ ... كثيرة قرحٍ في قلوب الحواسد
هي الناهد الريّا إذا نعمة امرئٍ ... سواه غدت ممسوحةً غير ناهد
فَرَعتُ عِقاب الأرض والشعر مادحاً ... له فارتقى بي في عقاب المحامد
فألبسني من أمهات تِلادهِ ... وألبستُهُ من أمهات قلائدي
стр. 14
وقال يمدح حفص بن عمر الأزدي
عفت أربعُ الحلاّت للأربع الملد ... لكل هضيم الكشح مجدولة القدِ
لِسلمى سلامانٍ وعمرةِ عامرٍ ... وهند بني هندٍ وسعدى بني سعدِ
ديارٌ هراقت كلَّ عينٍ شحيحةٍ ... واوطنت الأحزان كلَّ حشاً جلد
فعوجا صدور الأرحبي وأسهلا ... بذاك الكثيب السهل والعلم الفرد
ولا تسألاني عن هوى قد طعمتما ... جوته فليس آلوجدُ إلاَّ من الوجد
حططتُ إلى الأرض الجديدي أرحلي ... بمهريةٍ تنباعُ في السير أو تخدي
تؤم شهاب الأزد حفصاً فإنهم ... بنو الحرب لا ينبوا ثراهم ولا يكدي
ومن شك أن الجود والبأس فيهمُ ... كمن شك في أنَّ الفصاصة في نجد
أنختُ إلى ساحاتهم وجنابهم ... ركابي فأضحى في ديارهمُ وفدي
إلى سيفهم حفص ومازال يُنتضى ... لهم مثلُ ذاك السيف من ذلك الغمد
فلم أغش باباً أنكرتني كلابُهُ ... ولم أتشبث بالوسيلة من بُعد
فأصبحتُ لاذل السؤال أصابني ... ولا قدحت في خاطري روعة الرد
يرى الوعد أخزى العار إن هو لم تكن ... مواهبهُ تأتي مقدَّمة الوعد
فلو كان مايعطيه غيثاً لأمطرت ... سحائبه من غير برقٍ ولا رعد
دَرّيةُ خيلٍ لا تزال لدى الوغى ... له مخلبٌ وردٌ من الأسد الورد
من القومُ جعدٌ أبيضُ الوجه والندى ... وليس بنانٌ يحتدى منه بالجعد
فأبتُ وفد مجت خرسانُ داءها ... وقد نغلت أطرافها نغل الجلد
وأوباشها خزرٌ إلى العرب الألى ... لكيما يكون الحرُ من خولِ العبد
ليالي بات العزُ في غير بيتهِ ... وعُظّمِ وغدُ القوم في زمن وغد
وما قصدوا إذ يسحبون على الثرى ... برودهمُ إلاّ إلى وارث البرد
وراموا دمَ الإسلام لامن جهالةٍ ... ولا خطأٍ بل حاولوه على غمد
فمجوا به سماً زعافا ولو نأت ... سيوفك عنهم كان أحلى من الشهد
ضمت إلى قحطان عدنان كلها ... ولم يجدوا إذا ذاك من ذاك من بد
فاضحت بك الأحياء أجمع ألفة ... وأحكم في الهيجاء نظماً من العقد
وكنت هناك الأحنف الطب في بني ... تميم بن مر والمهلب في الأزد
وكنت أبا غسان مالك وائل ... عشية دانى حلقة الحلف بالعقد
ولما أماتت أنجم العرب الدجى ... سرت وهي أتباع لكوكبك السعدي
وهل أسد العريس إلا الذي له ... فضيلته في حيث مجتمع الأسد
فهم منك في جيش قريب قدومه ... عليهم وهم من يمن رأيك في جند
ووقرت يا فوخ الجبان على الردى ... وزدت غداة الروع في نجدة النجد
رأيت حروب الناس هزلاً وإن علا ... سناها وتلك الحرب معتدة الجد
ولا فئة إلا القنا ونأيتم ... فما لكم إلا الأسنة من زرد
ولا مدد إلا السيوف لوامعاً ... ولا معقل غير المسومة الجرد
فيا طيب مجناها وبارد وقعها ... على الكبد الحرى وزاد على البرد
ورفعت طرفاً كان لولاك خاشعاً ... وأوردت ذزد العز في أول الورد
فتى برجت هماته وفعاله ... به فهو في جهد وما هو في جهد
متت إليه بالقرابة بيننا ... وبالرحم الدنيا فاغنت عن الود
رأى سالف القربى وشابك آله ... أحق بان يرعاه في سالف العهد
فيا حسن ذاك البر إذا أنا حاضر ... ويا طيب ذاك القول والذكر من بعدي
وما كنت ذا فقر إلى صلب ماله ... وما كان حفص بالفقير إلى حمدي
ولكن شكري قلادة سؤدد ... فصاغ لها سلكاً بهيا من الرفد
فما فاتني ما عنده من حبائه=ولا فاته من فاخر الشعر ما عندي
وكم من كريم قلبه ... بذاك الثناء الغض في طرق المجد
وقال يمدح المعتصم وفيها من بديع الوصف والتشبيه المرقص المطرب
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
نزلت مقدمة المصيف حميدة ... ويد الشتاء جديدة لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاء بكفه ... قاسى المصيف هشائماً لا تثمر
كم ليلة آسى البلاد بنفسه ... فيها ويوم وبله مثعنجر
مطر يذوب الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يقطر
стр. 15
غيثان فالأنوار غيث ظاهر ... لك وجهه والصحو غيث مضمر
وندى إذا ادهنت به لمم الثرى ... خلت السحاب أتاه وهو معذر
أربيعنا في تسع عشرة حجة ... حقاً لهنك للربيع الأزهر
ما كانت الأيام تسلب بهجة ... لو أن حسن الروض كان يعمر
أو لا ترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت وحسن الأرض حين تغير
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد شابه ... زهر الربى فكأنما هو مقمر
دنيا معاش للورى حتى إذا ... حل الربيع فإنما هي منظر
أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نوراً تكاد له القلوب تنور
من كلَّ زاهرةٍ ترقرقُ بالندى ... فكأنها عينٌ إليك تحدر
تبدو ويحجبها الجميم كانها ... عذراء تبدو تارةً وتخفر
حتى غدت وهداتها ونجادُها ... فئتين في حلل الربيع تبتخر
مصّفرة محمرةً فكأنها ... عُصبٌ تيمن في الوغى وتمضَّر
من فاقعٍ غض النبات كأنه ... در يشقق قبل ثم يزعفر
أو ساطعٍ من حمرةٍ فكأن ما ... يدنو إليه من الهواء معصفر
صبغُ الذي لولا بدائع لطفه ... ماعاد أصفر بعد إذ هو أخضر
خُلُقٌ أطلَّ من الربيع كأنه ... خُلق الإمام وهدية المتنشر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغضّ سرجٌ تزهر
تُنسى الرياض، وما يروّض فعله ... أبداً على مر الليالي يُذكر
إن الخليفة حين يُظلمُ حادثٌ ... عين الهدى وله الخلاقة محجر
كثرت به حركاتها ولقد تُرى ... في فترةٍ وكأنّها تتفكر
مازلت أعلم أن عقدة أمرها ... في كفّه مذ خلّيت تتحير
بالثامن المستخلف اتسق الهدى ... حتّى تخير رشده المتحير
سكنَ الزمان فلا يدٌ مذمومة ... للحادثات ولا سَوَامٌ تذعر
نظم البلاد فأصبحت وكأنها ... عِقدٌ كأنّ العدل فيه جوهر
لم يبق مبدىً موحشٌ إلاّ ارتوى ... من ذكره فكأنما هو محتضرُ
ملكٌ يضلُّ الفكر في أيامه ... ويقلُّ في نفحاته ما يكثر
فلَيَعسُرنَّ على الليالي بعدها ... أن يبتلى بصروفهنَّ المعسر
وقال يمدح أحمد بن المعتصم وهي من غرر القصائد وفائق الشعر
ما في وقوفكّ ساعةً من باسِ ... نقضي ذمام الأربعِ الأدراس
فلعلّ عينك أن تعين بمائها ... والدمعُ منه خاذلٌ ومواس
لا يُسعدُ المشتاق وسنانُ الهوى ... يبسُ المدامع باردُ الأنفاس
إنّ المنازل ساورتها فُرقةٌ ... أخلت من الآرام كلَّ كِناس
من كلّ ضاحكةِ الترائب أرهفت ... إرهاف خُوط البانة الميّاس
بدرٌ أطاعت فيك بادرة النوى ... ولعاً وشمسٌ أولَعت بشماس
بِكرٌ إذا ابتسمت أراك وميضها ... نور الأقاح برملةٍ ميعاس
وإذا مشت تركت بقلبك ضعفَ ما ... بحليّها من كثرةِ الوسواس
قالت وقد حمَّ الفراق فكأسه ... قد خولط الساقي به والحاسي
لا تنسين تلك العهود فإنما ... سُمّيت إنساناً لأنك ناس
إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرفِ الاحراس
فالأرض معروف السماء قرىً لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس
القومُ ظلُّ الله أسكن دينهُ ... فيهم وهم جبل الملوك الراسي
في كلّ جوهرة فرندٌ مشرقٌ ... وهم الفرند لهؤلاء الناس
هدأت على تأميل أحمد همتي ... وأطاف تقليدي به وقياسي
بالمجتبي والمصطفى والمشتري ... للحمد والحالي به والكاسي
والحمد بُردُ جمالٍ اختالت بهِ ... غررُ الفعال وليس برد لباس
وكأن بينها رضاع الثدي من ... فرط التصافي أو رضاع الكاس
فرعٌ نما من هاشمٍ في تربةٍ ... كان الكفيء لها من الاغراس
لا تهجرُ الانواء منبتها ولا ... قلبُ الثرى القاسي عليها قاسِ
نور العراةِ نوره ونسيمهُ ... نشرُ الخزامى في اخضرار الآس
أبليت هذا المجد ابعد غايةٍ ... فيه وأكرمَ شيمةٍ ونحاس
إقدامُ عمرو من سماحة حاتم ... في حلن أحنف في ذكاء إياس
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس
стр. 16
فالله قد ضربَ الأقلَّ لنوره ... مثلاً من المشكاةِ والنبراس
إن تحو خصلَ المجد في أنف الصّبا ... يا ابن الخلائف يا أبا العباس
فلربّ نارٍِ منكمُ قد انتجحت ... بالليل من قبسٍ من الأقباس
ولربّ كفلٍ في الحروب تركتهُ ... لصعابها حِلساً من الاحلاس
أمددته في العُدم والعدم الجوى ... بالجود والجودُ الطبيب الآسي
آنسته بالدهر حتّى أنه ... ليَظُنُّهُ عُرساً من الأعراس
غلب السرور على همومي بالذي ... أظهرت من برّي ومن إيناسي
أملٌ من الآمال أحكم فتله ... فكأنه مرسٌ من الامراس
عدلَ المشيبُ على الشباب ولم يكن ... من كبرةٍ لكنه من ياس
أثرُ المطالب في الفؤآد وإنّما ... أثرُ السنين ووسمها في الراس
فالآن حين غرستُ في كرم الثرى ... تلك المنى وبنيتُ فوقَ أساس
وقال يرثي محمد بن حميد الطوسي وهي من غرر المراثي
كذا فاليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الامرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ
توفيت الآمال بعدَ محمدٍ ... واصبح في شغل عن السفر السفرُ
وما كان إلاّ مالَ من قلَّ ماله ... وذخراً لمن أمسى وايس له ذخر
وما كان يدري مجّتدي جود كفه ... إذا ما استهلت أنه خلق العسر
ألا في سبيل الله من عُطّلت له ... فجاج سبيل الله وانثغر الثغر
فتىً كلّما فاضت عيونُ قبيلةٍ ... دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر
فتىً دهره شطرانِ فيما ينوبه ... ففي بأسهِ شطرٌ وفي جوده شطرٌ
فتىً مات بين الطعنِ والضربِ ميتةً ... تقوم مقام النصر إن فاته النصر
وما مات حتى مات مضربُ سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
وقد كان فوتُ الموت سهلا فرده ... إليه الحفاظُ المرُّ والخُلُق الوعر
ونفسٌ تعافُ العار حتّى كأنما ... هو الكفر يوم الورع أودونه الكفر
فأثبت في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها من تحتِ أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسجُ ردائه ... فلم ينصرف إلاّ وأكفانه الأجر
تردَّى ثيابَ الموت حمراً فما دجا ... لها الليلُ إلاّ وهي من سندسٍ خضر
كأن بني نبهان يومَ وفاتهِ ... نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدر
يُعزون عن ثاوٍ تعزى به العلى ... ويبكي عليه البأس والجودُ والشعر
وانى لهم صبرٌ عليه وقد مضى ... إلى الموت حتَّى استشهد اهو والصبر
فتىً كان عذب الروح لا من غضاضةٍ ... ولكنَّ كبراً أن يقال به كِبر
فتىً سلبتهُ الخيلُ وهو حِمىً لها ... وبزته نار الحربِ وهو لها جمر
وقد كانت البيض المآثير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بُتر
أمن بعدِ طيّ الحادثات محمداً ... يكونُ لأثواب الندى أبداً نشر
إذا شجرات العرفِ جذت أصولها ... ففي أيّ فرع يوجدُ الورق النضر
لئن أبغض الدهرُ الخؤونُ لفقده ... لعهدي به ممّن يُحب له الدهر
لئن غدرت في الورع أيامهُ به ... فما زالت الايامُ شيمتها الغدر
لئن لبست فيه المصيبةَ طيءٌّ ... فما عريت منها تميمٌ ولا بكر
كذلك ما ننفكَّ نندب هالكاً ... يشاركنا في فقده البدر والحضر
سقى الغيثُ غيثاً وارتِ الأرضُ شخصه ... وإن لم يكن فيه سحابٌ ولا قطر
وكيف احتمالي للغيوث صنيعةً ... بإسقائها قبراً وفي لحده البحر
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبق روضةٌ ... غداةَ ثوى إلاّ اشتهت أنها قبر
ثَوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمرُ صرفَ الدهر نائله الغمر
عليكَ سلام الله وقفاً فإنني ... رأيتُ الكريم الحرَّ ليس له عمر
وقال يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف
أما أنه لولا الخليطُ المودّع ... وربع خلا منه مصيف ومَربعُ
لرُدت على اعقابها أريحية ... من الشوقِ واديها من الدمع مترع
لحقنا بأخرهم وقد حوَّم الهوى ... قلوباً عهدنا طيرها وهي وُقّع
فرُدت علينا الشمس والليلُ راغمٌ ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنّة وانطوى ... لبهجتها ثوبُ السماءِ المجزَّع
стр. 17
فوالله ما أدري أأحلام نائمٍ ... ألمت بنا أم كانَ في الركب يوشع
وعهدي بها تُحيي وتُميته ... وتشعبُ أعشارَ الفؤاد وتصدع
واقرعُ بالعتبى حُميّا عتابها ... وقد تستقيد الراح حين تُشعشع
وتقفو لي الجدوى وإنّما ... يروقك بيتُ الشعر حين يُصرع
ألم ترى آرامَ الظباء كأنما ... رأت بي سيدَ الرملِ والصبح أدرع
لئن جزعَ الوحشيُّ منها لرؤيتي ... لإنسيها من شيب رأسي أجزع
غدا الهمُّ مخنطا بفوديَّ خطةً ... طريق الردى منها إلى النفس مهيع
هو الزورُ يجفى والمعاشر يحتوى ... وذو الإلف يُقلى والجديدُ يرقّع
له منظرٌ في العين أبيضُ ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسودُ أسفح
ونحن نرجّيه على الكره والرضى ... وانف الفتى من وجهه وهو أجدع
لقد ساسنا هذا الزمانُ سياسةً ... سُدىً لم يسسها قبل عبدٌ مجدَّع
تروحُ علينا كلّ يوم وتغتدي ... خطوبٌ كان الدهر منهنَّ يصرع
حلت نطفٌ منه لنكسٍ وذو الحجا ... يُداف له سمٌّ من العيش منقع
لقد آسف الأعداء مجدُ ابن يوسف ... وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مُولع
أخذتُ بحبلٍ منه لمّا لويته ... على مِررِ الأيام ظلت تقطع
هو السيلُ إن واجهته انقدت طوعه ... وتقتادهُ من جانبيه فيتبع
ولم أرى نفعاً عند من ليس ضائراً ... ولم أر ضراً عند من ليس ينفع
يقول فيُسمع ويمضي فيسرعُ ... ويضربُ في ذات الإله فيوجع
مُمرُّ له من نفسه بعضُ نفسه ... وسائرها للحمد والأجر أجمع
رأى البخل من كلٍّ فظيعاً فعافه ... على أنّه منه أمرُّ وأفظع
وكلُّ كسوفٍ في الدراري شنعة ... ولكنّه في الشمسِ والبدر أشنع
معادُ الورى بعد الممات وسيبُه ... معادٌ لنا قبل الممات ومرجع
له تالدٌ قد وقَّر الجودجُ هامّه ... فقرّت وكانت لا تزال تروع
إذا كانت النعمى سلوباً من امرئٍ ... غدت من خليجي كفهِ وهي مُتبع
وإن عثرت سودُ الليالي وبيضُها ... بوحدته ألفيتهُ وهو مجمعِ
وإن حفرت أموالُ قومٍ أكفَهم ... من النبل والجدوى فكفّاه مقطع
يومٍ يظلُ العز يحفظ وسطه ... بسمرٍ العوالي والنفوس تضيعُ
مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنهُ من وابل الدمِ مربع
عبوسٍ كسا أبطالهُ كل قونس ... ترى الموت فيه وهو أقرع انزع
وأسمر محمرَّ العوالي يؤمه ... سنانٌ بحبات القلوب ممنع
من اللائي يشربن النقيع من الكُلى ... غريضاً ويروى عندهنّ فينقع
شققت إلى جباره حومةَ الوغى ... وقنَّعتهُ بالسيف وهو مقنع
أظلتك آمالي وفي البطش قوةٌ ... وفي السهم تسديدٌ وفي القوس منزع
وإن الغنى لي ولو لحظت مطالبي ... من الشعر إلا في مديحك أطوع
وإنك لوز أهزلت في المحلِ لم تضع ... ولم ترعَ إن أهزلت والروض ممرع
رأيتُ رجائي فيك وحدك همة ... ولكّنه في سائر الناس مطمع
وكم عاثرٍ منا أخذت بضبعِهِ ... فأضحى له في قلةِ المجد مطلع
فصار اسمه في النابئات مدافعاً ... وكانَ اسمه من قبلُ وهو مدَّفع
وما السيف إلاّ زبرةٌ لو تركته ... على الحالةِ الأولى لما كان يقطع
فدونكها لولا ليانٌ نسيبها ... لظلَّت صِلابُ الصخر منها تصدع
لها أخواتٌ قبلها قد سمعتها ... وإن لم ترُغ بي مدني فستسمع
وقال في الفخر
أنا ابنُ الدين استرضع الجودُ فيهمُ ... وسُمّيَ فيهم وهو كهلٌ ويافع
نجوم طواليعٌ جبالٌ فوارعٌ ... غيوثٌ هواميعٌ سيولٌ دوافع
مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرةِ ما أو صوابهنّ شرائع
فأيّ يدٍ في المحل مدت ولم تكن ... لها راحةٌ من جودهم واصابيع
همُ استدعوا المعروف محفوظَ مالنا ... فضاعَ وما ضاعت لدينا الودائع
بها ليلُ لو عانيت فيض أكفهم ... لأيقنت أنّ الرزق في الأرض واسع
إذا خفقت في الأرض أرواح جودهم ... حداها النَّدى واستنشقها المطامع
رياحٌ كريح العنبرِ الغضّ في الندى ... ولكنها يوم اللقاء زعازع
стр. 18
هي السمُّ ما تنفك في كلّ بلدة ... تسيلُ به أرماحهم وهو ناقع
أصارت لهم أرض العدو قطائعاً ... نفوسٌ لحدّ المرهفات قطائع
بكلّ فتىً ما شاب من هول وقعة ... ولكنّه قد شِبنَ منه الوقائع
إذا ما أغار وأفاحتوا مالَ معشرٍ ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
فتعطي الذي تعطيهمُ الخيل والقنا ... أكفٌّ لإرث المكرماتِ موانع
وقال يمدح أبا الحسن موسى بن عبد الملك
قِرى دارهم مني الدموعُ السوافكُ ... وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالكُ
وإن بكرت في ظعنهم وحدوجهم ... زيانبُ من أحبابنا وعواتك
سقت ربعهم لا بل سقت منتواهم ... منم الأرض أخلاف السحاب الحواشك
والبسهم عصب الربيع ووشيهُ ... ويمنته نبتُ الثرى المتلاحك
إذا غازل تالروض الغزالة نشّرت ... زرابيَّ في اكنافه ودرانكِ
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنَّه ... أتت حقيبةٌ حرسٌ له وهو حائك
ألكني إلى حيَّ الاراقم إنّه ... من الطائرِ الأحشاء تُهدي المآلك
كُلو الصبر غضاً واشربوه فأنكم ... أثرتم بعير الظلم والظلمُ بارك
أتاكم سلسل الغاب في صدر سيفه ... سنىً لدجى الإظلام والظلمُ هاتك
إذا سِيلَ سَدُّ العذر من صلب ماله ... وإن همَّ لم تُسدد عليه المسالك
ركوبٌ لإثباج المهالك عالمٌ ... بأن المعالي دونهنَّ المهالك
ألحَّ وما حكمتم وللقدر التقى ... غريمان في الهيجا مُلحٌ وماحك
هو الحارث الناعي بُحيراً وإن يُدَن ... له فهو إشفاقاً زهيرٌ ومالك
رقاحيَّ حربٍ طالما انقلبت له ... قساطلُ يومِ الورع وهي سبائك
ومستنبطٌ في كلّ يوم من الوغى ... قليباً رشاءاها القنا والسنابك
مطلٌ على الروح المنيع كأنّه ... لصرف المنايا من النفوس مُشارك
فما تتركُ الايام من هو آخذٌ ... ولا تأخذُ الأيامُ من هو تارك
عفوٌ إذا لم يثلمِ العفو عزمه ... وذو تُدرأٍ بالفاتك الخرقِ فاتك
ربيب ملوك ارضعته ثُديَّها ... وسِمعٌ تربته الرجال الصعاليك
ولو لم يُكفكف خليه عركتكم ... بأثقالها عرك الأديمِ المعارك
ولولا تقاهُ عاد بيضاً مُفلقاً ... بأُدحيّهِ بيضُ الخدودِ التّرائك
ولاصطُفيت شولٌ فظلت شوارداً ... قرومٌ عِشارٌ مالهنَّ مبارك
إذاً للبستم عار دهرٍ كأنما ... لياليه من بين الليالي عوارك
ولا ستُلبت فرشٌ من الأمن تحتكم ... هي المثلُ في لينٍ بها والأرائك
ولكن أبى أن يُستباح بكفهِ ... سنامكم من قومكم وهو تامك
وأن تصبحوا تحت الأظلّ وأنتم ... غواربُ حَيَّي تغلبٍ والحوارك
فتنجذم الأسبابُ وهي مُغامرةٌ ... وتنقطع الأرحامُ وهي شوابك
فلا تكفُرُنَّ الصامتيّ محمداً ... أيادي شفعاً سيبها متدارك
أهبَّ لكم ريح الصفاء جنائباً ... رُخاءً وكانت وهي نكبٌ سواهك
فردَّ القنا ظمآنَ عنكم وأغمدت ... على حرّها بيض السيوف البواتك
فآبت على سعد السعود برحله ... عتاق المذاكي والقالصُ الرواتك
غدا وكأنّ اليوم من حسن وجهه ... وقد لاح بين البيض والبيض ضاحك
حياتكَ للدنيا حياةٌ ظليلةٌ ... وفقدكَ للدنيا فناءٌ مُواشِك
متى يأتك المقدارُ لا تُدعَ هالكاً ... ولكن زمانٌ غالَ مِثلك هالك
وقال يمدح المعتصم بالله
فحواك عينٌ على نجواك يا مذلُ ... حتام لا يتقضى قولُك الخَطِلُ
وإنّ أسمج من تشكو إليه هوىً ... من كان أحسن شيء عنده العذلُ
ما أقبلت أوجه اللذات سافرة ... مذ ادبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت أن لا ترى صبراً لمصطبرٍ ... فانظر على أيِّ حال أصبح الطلل
كأنما جادَ مغناه فغيره ... دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في موقف البينِ لاستهلالنا زَجَلُ
من حرقة أطلقتها عبرةٌ أسرت ... قلباً ومن غَزل من نحره عذلَ
وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرٌ ... عينٌ طوتهنَّ في أحشائها الكلل
стр. 19
فرغن للشجو حتَّى ظلّ كلُّ شج ... حران في بعضه عن بعضه شغُل
طُلَّت دماءٌ هريقت عندهنَّ كما ... طلت دماءُ هدايا مكة الهمل
هانت على كلّ شيء فهو يفكها ... حتى المنازل والاحداج والإبل
يخزي رُكامَ النقا ما في مآزرها ... ويفضح الكحلَ في أجفانها الكحل
تكاد تنتقلُ الارواح لو تُركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل
بالقائم الثامن المستخلف اعتدلت ... قواعدُ الملك ممتداً لها الطّولُ
بيمن معتصمٍ بالله لا أودٌ ... بالدين مذ ضم قطريه ولا خلل
يهني الرعية أنَّ الله مقتدراً ... أعطاهم بأبي إسحاق ما سألوا
لو كان في عاجلٍ من آجل بدلٌ ... لكان في وعدهِ من رفدهِ بدل
تغايرَ الشعر فيه إذ سهرتُ له ... حتى ظننتُ قوافيه ستقتتل
لولا قبولي نصح العزم مرتجلاً ... لراكضاني إليه الرحلُ والجملُ
له رياضُ ندىً لم يُكبِ زهرتها ... خُلفٌ ولم تتبختر بينها العلل
مدى العفاةِ فلم تحلل به قدمٌ ... إلاّ ترحّل عنها العثر والزلل
ما إن يبالي إذا حلّى خلائقه ... بجوده أيَّ قُطريه حوى العطل
كأنّ أمواله والبذلُ يمحقها ... نهبٌ تقسمه التبذير أو نَفل
شرست بل لنتَ بل قانيت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهلُ والجبل
صلى الإله على العباسِ وانبجست ... على ثرىً حَلَّهُ الوكاّفة الهطل
ذاك الذي كان لو أنّ الأنامَ له ... نسلٌ لما راضهم جبن ولا بخل
أبو النجوم الذي ما ضرَّ ثاقبها ... أن لم يكن برجه ثورٌ ولا حمل
من كلّ مشتهرٍ في كل معتركٍ ... لم يُعرف المشتري فيه ولا زُحل
يحميه لألاؤه أو لوذعيَّته ... من أن يّذال بمن أو ممن الرجل
ومشهدٍ بين حكم الذلّ منقطعٍ ... صاليه أو بجبال الموتِ متصل
ضنكٍ إذا خرست أبطاله نطقت ... فيه الصوارمُ والخطَّية الذبل
٣لا يطمعُ المرء أن يجتاب غمرتهُ=بالقول ما لم يكن جسراً له العمل
جلّيت والموت مبدِ حرَّ صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
أبحتَ أو عَارهُ بالضرب وهو حِمى ... للموتِ ينبت فيه الكربُ والوهلُ
آل النبي إذا ما ظلمة طرقت ... كانوا لها سُرُجا أنتم لها شعل
قومٌ إذا وعدوا أو واعدوا غمروا ... صِدقاً مذانبُ ما قالوا بما فعلوا
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسونَ من الدنيا إذا قتلوا
أسدُ العرينِ إذا ما الموتُ صبَّحها ... أو صبَّحته ولكن غابها الأسل
تناول اغوثَ أيدي الموت قادرةً ... إذا تناول سيفاً منهم بطل
ليسقمِ الدهر أو تصحح مودته ... فاليوم أولَ يومٍ صح لي أمل
أدنيتُ رحلي لإلى مدنٍ مكارمه ... إليَّ مهتبلاً ما جئت اهتبل
إلى ثمال بني الدنيا الذي حليت ... بحلي معروفه الأمنية العطل
يحميه حزمٌ لحزم البخل مهتضم ... جوداً وعرض لعرض المال مبتذل
فكرٌ إذا راضاه راض الأمور به ... رأيٌ تفنن فيه الريث والعجل
قد جاء من وصفك التفسيرُ معتذراً ... بالعجز إن لم يغثني الله والجَملُ
لقد لبستَ أمير المؤمنين بها ... حلياً نظاماه بيتٌ سار أو مثل
غريبةٌ تؤنس الآدابَ وحشتها ... فما تحلَّ على قوم فترتحل
وقال يمدح أبا المتسهل محمد بن شقيق الطائي
تحَمّل عنه الصبرُ يوم تحملوا ... وعادت صباه في الصبا وهي شمأل
بيومٍ كطول الدهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا مقلتي وهي تهمل
تولّوا فولت لوعتي تحشد الاسى ... عليَّ وجاءت مقلتي وهي تهمل
ألا بكرت معذورةً حين تعذل ... تعرفني ملعيش ما لست أجهل
أأتبعُ ضنكَ الأمر والأمر مدبرٌ ... وأدفعُ في صدر الغنى وهو مقبل
محمدُ يا ابن المستهل تهللت ... عليكَ سماءٌ من ثنائي تهطل
فكم مشهدٍ أشهدته الجودَ فانقضي ... ومجدكَ يُستحيي ومالكَ يَقتل
بلوناك اما كعبُ عرضك في العلى ... فعالٍ ولكن جَدُّ مالك أسفل
تحملت ما لو حُمّلَ الدهر شطره ... لفكرّ الدهر أيَّ عبئيه أثقلَ
стр. 20
أبوكَ شقيقٌ لم يزل وهو للندى ... شقيقٌ وللملهوف ذخرٌ ومعقل
أفاد من العليا كنوزاً لو أنها ... صوامتُ مالٍ ما درى أين تجُعل
فحسبُ امرئٍ أنتَ امرؤٌ آخرٌ له ... وحسبكَ فخراً أنه لك أول
فهل للقريضِ الغضِ أو من يصوغه ... على احدٍ إلاّ عليك معوَّل
ليهنَّ امرؤٌ يثني عليك فإنه ... يقول وإن أربى ولا يتقوَّل
سَهُلن عليك المكرمات فوصفها ... علينا إذا ما استجمعت فيك أسهل
رأيتك للسفر المطَّرد غايةً ... يؤمونها حتَّى كأنك منهل
سألتك ألاّ تسأل الله حاجة ... سوى عفوه مادمت تُرجى وتُسأل
وإياك لا إياي أمدحُ مثلما ... عليك يقيناً لا عليَّ المعول
ولا ترينَ ان العلى لك عندما ... تقولي ولكنَّ العلى حين تفعل
ولا شك انّ الخير منك سجية ... ولكنَّ خير الخيرِ عندي المعجل
وقال يمدح محمد بن حسان الضبي
أزعمتَ أنَّ الربع ليس يُتيَّمُ ... والدمعَ في دمنٍ عفت لا يسجمُ
ولقد أراكَ من الكواعب كاسياً ... فاليوم انت من الكواعب محرمُ
يا موسم اللذاتِ غالتك النوى ... بعدي فربعك للصبابةِ موسم
لحظت بشاشتكَ الحوادث لحظةً ... مازلتُ ألعمُ أنَّها لاتسلم
أين التي كانت إذا شاءت جرى ... من مقلتي دمعٌ يُعصفره دمُ
بيضاء تسري في الظلام فيكتسي ... نُوراً وتسربُ في الضياء فيظلم
يستعذبُ الرعديد فيها حتفهُ ... فتراه وهو المستميتُ المعلم
مقسومة في الحسن بل هي غايةٌ ... فالحينُ فيها والجمالُ مقسَّم
مظلومة للورد أطلق طرفها ... في الخلق فهو معَ المنون محكم
مَذلت فلم تكتم جفاءك (تَكتَمُ) ... إنّ الذي يمقُ الملول لمغرم
أن كان وصلك آضَ وهو محرمٌ ... منك الغداة فما السلَّ محرم
عزمٌ يفلُ الجيش وهو عرمومٌ ... ويردُ ظفر الشوق وهو مقلم
وفتى إذا ظلم الزمان فما يُرى ... إلاّ إلى عزماتهِ يتظلم
لولا ابنُ حسانَ المرجى لم يكن ... بالرَّقَةِ البيضاء لي مُتَلوَّم
شافهت أسباب الغنى بمحمدٍ ... حتّى ظننت بأنها تتكلم
قد تُيَّمت منه القوافي بامرئٍ ... مازال بالمعروف وهومتيم
يحلو ويعزبُ إن زمانٌ ناله ... بغنىً وتلتاثُ الخطوبُ فيكرم
تلقاه إن طرق الزمان بمغرمٍ ... شرهاً إليه كأنما هو مغرم
لا يحسب الإقلالَ عدماً بل يرى ... أنَّ المقلَّ من المروءة معدم
مازال وهو إذا الرجالُ تواضخوا ... عندَ التقدَّم حيثُ كان يُقدَّم
يحتل من سعدِ بنِ ضبةَ في ذُرى ... عادّيةٍ قد كللّتها الانجم
قومٌ يَمُجُّ دماً على أرماحهم ... يوم الوغى المستبسل المستلئم
يعلون حتى مايشكّ عدُوهم ... أنّ المنايا الحمرَ حيٌّ منهم
لو كان في الدنيا قبيلٌ آخرٌ ... بإزائهم ما كان فيها مُصِرِم
ولأنت أوضحُ فيهم من غرةٍ ... شدَخَت ولا سيما حواها أدهم
تجري على آثارهم في مسلكٍ ... ما إن له إلاّ المكارم معلم
لم ينأ عني مطلبٌ ومحمدٌ ... عونٌ عليه أو إليه مسُلَّم
لم يذعر الأيام عنك كمرتدٍ ... بالعقل يفهمُ عن أخيه ويَفهمُ
ممن إذا ما الشعرُ صافحَ سمعه ... يوماً رأيت ضميره يتبسم
وقال يمدح أحمد بن أبي داود
ألم يأنِ ان تُروى الظماءُ الحوائمُ ... وان ينظمَ الشملَ المبدّد ناظمُ
لئن أرقأ الدمع الغيور وقد جرى ... لقد رويت منه خدودٌ نواعمّ
كما كاد يُنسى عهدُ ظمياء باللوى ... ولكن أملّته عليهِ الحمائم
بعثن الهوى في قلبِ من ليس هائماً ... فقلّ في فؤآدٍ رُعنَهُ وهو هائم
لها نغمٌ ليست دموعاً فإن علت ... مضت حيث لا تمضي الدموعُ السواجم
أما وأبيها لو رأتني لأيقنت ... بطول جوىً تنقدُّ منه الحيازم
رأت قسماتٍ قد تقسَّم نضرها ... سُرى الليل والإسآد فهي سواهم
وتلويح أجسام تصدَّعُ تحتها ... قلوبٌ رياحُ الشوقِ فيها سمائم
ينال الفتى من عيشه وهو جاهلٌ ... ويُكدي الفتى في دهره وهو عالم
стр. 21
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هَلكنَ إذاً من جهلهنَّ البهائم
جزى الله كفاً ملؤها من سعادةٍ ... سعت في هلاكِ المال والمال تائم
فلم يجتمع شرقٌ وغرب لقاصدٍ ... ولا المجد في كفّ امرئٍ والدراهم
ولم أر كالمعروف تُدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم
ولا كالعلى مالم يُرَ الشعر بينها ... فكالأرضِ غفلاً ليس فيها معالم
وما هو إلا القول يسري فيغتدي ... له غررٌ في اوجهٍ ومواسم
يرى حكمةً ما فيه وهو فكاهةٌ ... ويقضي بما يقضي به وهو ظالم
إلى أحمدَ المحمود أمّت بنا السرى ... نواعب في عرض الفلا ورواسم
جوائفُ يظلمنَ إذا عدا ... وسيجَ أبيه وهو للبرق شائم
نجائب قد كانت نعائم مرة ... من المر أو أُماتهن نعائم
إلى سالم الأخلاق من كل غائب ... وليس له مالٌ على الجود سالم
جديرٌ بأن لا يصبح المال عنده ... جديراً بأن يبقى وفي الأرض غارم
وليس ببانٍ للعلى خُلُق امرئٍ ... وأن جلَّ إلا وهو للمال هادم
له من إيادٍ قمةُ المجدِ حيث ما ... سمت ولها منه البنا والدعائم
أناسٌ إذا راحوا إلي الروح لم ترح ... مسَّلمةً أسيافهم والقوائم
بنو كلَّ مشبوح الذراع إذا القنا ... ثنت أذرع الأبطال وهي معاصم
إذا سيفهُ أضحى على الهام حاكماً ... غدا العفو منهُ وهو في السيف حاكم
أخذتَ بأعضاد العُريب وقد خوت ... عيونٌ كليلاتٌ وذلّت جماجم
فأضحوا لو استطاعوا لفرطِ محبةٍ ... لقد عُلِّقت خوفاً عليك التمائم
ولو علم الشيخان أُدٌ ويعربٌ ... لَسُرَّت إذاً تلك العظام الرمائم
تلاقى بك الحيان في كل محفلٍ ... جليل وعاشت في ذراك العماعم
فما بال وجهِ الشعر أسودَ قاتماً ... وانفُ العلى من عُطلة الشعر راغم
تداركه أن المكرمات أصابعٌ ... وإنّ حُلى الأشعار فيها خواتم
إذا انت لم تحفظهُ لم يكُ بدعةً ... ولا عجباً إن ضيعته الأعاجم
فقد هزَّ عطفيهِ القريضُ توقعاً ... لعدلك مُذ صارت إليك المظالم
ولولا خِلال سنّها الشعرُ ماردي ... بغاةُ العلى من أين تُؤتى المكارم
وقال يمدح محمد بن الحسن الضبي
ما اليوم أول توديعي ولا الثاني ... البينُ أكثر من شوقي واحزاني
دعِ الفراق فأنّ الدهر ساعده ... فصار أملك من روحي بجثماني
خليفةُ الخضر من يربع على وطنٍ ... في بلدةٍ فظهور العيس أوطاني
بالشام اهلي وبغدادُ الهوى وأنا ... بالرّقتّين وبالفُسطاط إخواني
وما أظنُّ النوى ترضى بما صنعت ... حتى تشافه بي أقصى خراسان
خلَّفت بالأفق الغربيَّ لي سكناً ... قد كانَ عيشي به حُلواً بحلوان
غصنٌ من البان مهتزٌ على قمرٍ ... يهتزُّ مثل اهتزاز الغصن في البان
أفنيت من بعده فيض الدموع كما ... أفنيت في هجره صبري وسلواني
وليسَ يعرف طيب الوصل صاحبُهُ ... حتى يصاب بنأيٍ أو بهجران
إساءةَ الحادثات استبطني نفقاً ... فقد أظبَّكِ إحسانُ ابنِ حَسَّان
أمسكتُ منه بود شدَّ لي عُقداً ... كأنما الدهر في كفي بها عان
إذا نوى الدهر أن يودي بتالِدهِ ... لم يستعن غير كفّيه بأعوان
لو أنَّ اجماعنا في وصف سؤدده ... في الدّين لم يختلف في الأمة إثنان
وقال يمدح أمير المؤمنين الواثق بالله
بأبي المنازِلُ إنَّها لشجونُ ... وعلى العجومة إنها لتبينُ
فاعقل بنضو الدار نضوك يَقتَسِم ... فرطَ الصبابة مسعدٌ وحزينُ
لا تمنعنّي وقفةً أشفي بها ... داء الفراق فإنها ماعون
واسق الأثافي من شؤونك ريَّها ... إن الضنين بدمعه لَضنين
والنؤي أهميدَ شطره فكأنه ... تحت الحوادث صاحبٌ مقرون
حزنٌ غداة الحزنِ هاج غليله ... في أبرق الحنان منك حنين
سمة الصبابه عبرةٌ أو زفرةٌ ... متكفلٌ بهما حشاً وشؤونا
لولا التفجع لادَّعى هضبُ الحمى ... وصفا المشقّر أنّهُ محزون
стр. 22
سيروا ذوي الحاجات ينجع سعيكم ... غيثُ سحاب الجود منه هتوت
فالحادثات بوبله مصفودةٌ ... والمحلُ في شُؤبوبه مسجون
حملو اثقل الهمِّ واستنأى بهم ... سفرٌ يهدُّ المتن وهو متين
حتى إذا ألقوه عن اكتافهم ... العزم وهو على النجاح ضمين
وجدوا جناب الملك اخضر فاجتلوا ... هارون فيه كأنه هارون
ألفوا أمير المؤمنين وجدَّه ... خضلُ الغمام وظلُّه مسكون
فغدوا وقد وثقوا برأفةِ واثق ... بالله طائره لهم ميمون
قرَّت به تلك العيون وأشرقت ... تلك الخدودُ وإنهنَّ لجون
ملكوا خطام العيش بالملك الذي ... أخلاقهُ للمكرماتِ حصون
ملكٌ إذا خاض المسامع ذكرهُ ... خفَّ الرجاء إليه وهو ركين
ليثٌ إذا خفق اللواء رايته ... يعلو قرا الهيجاء وهي زَبونُ
جعل الخلافة فيه ربُّ قوله ... سبحانه للشيء كون فيكون
ولقد رأيناها له بقلوبنا ... وظهورُ خطبٍ دونها وبطون
ولذاك قيل من الظنون جليَّة ... صِدقٌ وفي بعض القلوب عيون
ولقد علمنا مذ ترعرع أنه ... لأمين رب العالمين أمين
يا ابن الخلائف إنَّ بُردك ملؤه ... كرمٌ يذوبُ المزنُ منه ولين
نورٌ من الماضي عليكَ كأنه ... نورٌ عليه من النبيّ مُبين
يسمو بك السفاح والمنصورُ ... والمهديُّ والمعصوم والمأمون
من يعشُ ضوءَ الأك يعلم أنهم ... ملأٌ لدى ملأ السماء مكين
فرسانُ مملكةٍ وأسدُ خلافةٍ ... ظلُّ الهدى غابٌ لهم وعرين
قومٌ غدا الميراثُ مضروباً لهم ... سُورٌ عليه من القرآن حصينُ
فيهم سكينة ربهم وكتابهُ ... وإمامته واسمه المحزون
وادٍ من السلطان مُحمىً لم يكن ... ليضمَّ فيه الملك إلاّ الدين
في دولةٍ بيضاءَ هارونيةٍ ... متكنفاها النصرُ والتمكين
قد أصبح الإسلام في سلطانها ... والهندُ بعض ثغورها والصين
يفدي امينَ الله كلَّ منافق ... شَآنه بين الضلوع كمين
ممن يداهُ يُسريانِ ولم تزل ... فينا وكلتا راحتيكَ يمين
تدعى بطاعتك الوحوش فترعوي ... والأسدُ في عريّسها فَتَدين
ما فوق مجدك مُرتقى مجدٍ ولا ... كلُّ افتخار دونَ فخرك دون
جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سِمطانِ فيها اللؤلؤ المنون
حُذيت حذاء الحضرميّة أرهفت ... وأجابها التحصيرُ والتلسين
إنسيَّة وحشيّةٌ كثُرت بها ... حركاتُ أهل الأرض وهي سكون
ينبوعها خضلٌ وحليُ قريضها ... خليُ الهدى ونسيجها موضون
أمّا المعاني فهي إبكارٌ إذا ... نُصَّت ولكنَّ القوافي عون
ولقد علمنا مذ ترعرع أنه ... لأمين رب العالمين أمين
يا ابن الخلائف إنَّ بُردك ملؤه ... كرمٌ يذوبُ المزنُ منه ولين
نورٌ من الماضي عليكَ كأنه ... نورٌ عليه من النبيّ مُبين
يسمو بك السفاح والمنصورُ ... والمهديُّ والمعصوم والمأمون
من يعشُ ضوءَ الأك يعلم أنهم ... ملأٌ لدى ملأ السماء مكين
فرسانُ مملكةٍ وأسدُ خلافةٍ ... ظلُّ الهدى غابٌ لهم وعرين
قومٌ غدا الميراثُ مضروباً لهم ... سُورٌ عليه من القرآن حصينُ
فيهم سكينة ربهم وكتابهُ ... وإمامته واسمه المحزون
وادٍ من السلطان مُحمىً لم يكن ... ليضمَّ فيه الملك إلاّ الدين
في دولةٍ بيضاءَ هارونيةٍ ... متكنفاها النصرُ والتمكين
قد أصبح الإسلام في سلطانها ... والهندُ بعض ثغورها والصين
يفدي امينَ الله كلَّ منافق ... شَآنه بين الضلوع كمين
ممن يداهُ يُسريانِ ولم تزل ... فينا وكلتا راحتيكَ يمين
تدعى بطاعتك الوحوش فترعوي ... والأسدُ في عريّسها فَتَدين
ما فوق مجدك مُرتقى مجدٍ ولا ... كلُّ افتخار دونَ فخرك دون
جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سِمطانِ فيها اللؤلؤ المنون
حُذيت حذاء الحضرميّة أرهفت ... وأجابها التحصيرُ والتلسين
إنسيَّة وحشيّةٌ كثُرت بها ... حركاتُ أهل الأرض وهي سكون
стр. 23
ينبوعها خضلٌ وحليُ قريضها ... خليُ الهدى ونسيجها موضون
أمّا المعاني فهي إبكارٌ إذا ... نُصَّت ولكنَّ القوافي عون
أحذاكها صنعُ الضمير يمدَّه ... جفرٌ إذا نضب الكلام معينُ
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن ... يأتيك وهو ب شعر ه مفتون
يرمي بهمّتهِ إليك وهمَّه ... أملٌ له أبداً إليك حُرون
فمُناه في حيث الأماني رُتَّعٌ ... ورجاؤه حيث الرجاء كنين
ولعلَّ ما يرجوه مما لم يكن ... بكَ عاجلاً أو آجلاً سيكون
أقول لقد جاوزت القدر وأخللت بما اشترطت من الاختصار، وأكثرت من شعر الزجل لأني كلما نقلت قصيدة ونظرت التي بعدها فإذا هي مثلها أو أجود منها حتى تمادى بي استحسان شعره إلى الإكثار منه، فلله دره من شاعر! ما أعذب مقاله وأوسع مجاله وارق معانيه واثبت مبانيه.
شعر
أبي عُبادة البحتري
قال البكري
هو الوليد بن عبيد بن يحيى من بني بحر بن عتود بن عنبس بن سلامان بن نفيل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهي طيء، شاعر مقدم لا يعدل به أحد يفضل على حبيب والناس في تفضيلهما على اختلاف.
قال أبو الفرج
كان البحتري شاعراً فصيحاً حسن المذهب، نقي الكلام، ختم به شعراء المحدثين وله تصرف في ضروب الشعر سوى الهجاء فإن بضاعته فيها نزرة. قال عبد الله بن الحسن: سألت المبرد عن أبي تمام والبحتري أيهما أشعر فقال: لأبي تمام استخراجات لطيفة ومعان ظريفة وجيدة أجود من شعر البحتري ومن تقدمه من المحدثين وشعر البحتري أحسن استواء من شعره لأن البحتري يقول القصيدة كلها فتكون سليمة من طعن طاعن وأبو تمام يقول البيت النادر والبارد وهذا المعنى كان أعجب إلى الأصمعي وما أشبهه إلا بغائص يخرج الدرة والمخشلبة وهي زجاجة توضع مكان الدرة ثم قال: لأبي تمام والبحتري من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجد فيه مثله وللبحتري بيتان لو وضعا في شعر زهير لجازا فيه وهما:
فما سفه السفيه وإن تعدى ... بأنجع فيك من حلم الحليم
متى أحفظت ذا كرمِِتخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم
وذكر المبرد شعراً له وقدمهعلى نظرائه وهو قوله
وإذا ذكرت محاسن ابني صاعد=؟ أدت إليك مخائل ابني مخلد كالفرقدين إذا تأمل ناظرُ=لم يعل موضع فرقدٍ عن فرقد
وقوله
من شاكرُ عني الخليفة للذي ... أولاه من فضل ومن إحسان
حتى لقد أفضلت من إفضاله ... ورأيت نهج الجود حيث
أملأت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي وأفقرني كما أغناني
وله في الفتح بن خاقان وقد نزل إلى الأسد فقتله
حملت عليه السيف لا عطفك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا
فأحجم لماّ لم يجد فيك مطعماً ... وصمّم لما لم يجد عنك مهربا
وقوله
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنّها الأيام تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبلُُ ... وبحرُ عداني فيضه وهو مفعمُ
وبدر ٌ أضاء الأرض شرقاًومغرباً ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
ااشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم
وله في انتقاض صلح بين عشيرته
إذا ما الجرح رمّ على فسادٍ ... تبين فيه تفريط الطبيب
وللسهم الشديد أشد حباً ... إلى الرامي من السهم المصيب
ومن جيد شعره
ولما التقينا واللوى موعدُ لنا ... تبين رائي الدر حسناً ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
стр. 24
والبحتري مكثر جداً. وديوان شعره مختلف بالزيادة والنقص لأن شعره لا ينضبط لكثرته. قال البحتري: كنت أنظم الشعر في حداثتي وكنت أرجع فيه إلى الطبع ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضابه حتى قصدت أبا تمام وانقطعت فيه إليه وتكلفت في تعريفه عليه فكان أول ما قال لي يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم واعلم أن العادات جرت في الأوقات أن يقصدها الإنسان لتأليف الشيء وحفظه ومن ذلك وقت السحر لأن النفس تكون قد أخذت بحقها من الراحة وقسطها من النوم فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقاً والمعنى رشيقاً وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح شيد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرف مقاومه ونفض المعاني واحذر المحتمل منها وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الهجينة وكن وكأنك خياط تقطع الثياب على مقادير الأجسام وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل شعراً إلا فارغ القلب واجعل شهوتك إلى قول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة تجمع النفس. وجملة الحال أن تعتبر نفسك بما سبق من شعر الماضيين فما استحسنت العلماء فاقصده وما تركوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله تعالى فاعملت نفسي فيما قال فوقفت على السياسة.
قال يمدح أمير المؤمنين على الله ويهنيه بعيد الفطير
أُخفي هوىً لك في الضلوع وأظهر ... وأُلام من كمدٍ عليك وأعذرُ
وأراك على النوى من لم يخن ... عهد الهوى وهجرت من لا يهجر
وطلبتُ منك مودةً لم أعطها ... إن المعنى طالب لا يظفر
هل دينُ علوة َ يستطاع فيقتضى ... أو ظلم علوة يستفيق فيقصر
بيضاءُ يعطيكَ القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحور
تمشي فتحكم في القلوب بدلّها ... وتميس في ظل الشباب وتخطرُ
وتميل من لين الصبي فيقيمها ... قد يؤنّثُ تارةً ويذكر
إني وإن جانب بعض بطالتي ... وتوهّم الواشون أني مقصٍر
ليشوقني حسن العيون المجتلى ... ويروقني ورد الخدود الأحمر
الله مكّن للخليفة جعفرِ ... ملكاً يحسّنه الخليفةُ جعفر
نعمى من الله اصطفاه بفضلها ... والله يرزق من يشاء ويقدر
فاسلم أمير المؤمنين ولا تزل ... تُعطى الزيادةَ في البقاء وتشكر
عمت فواضلُك البرية فالتقي ... فيها المقلّ على الغنى والمكثر
بالبر صمتَ وأنت أول صائم ... وبسنة الله الرضيّه تفطر
فانعم علينا بيوم عيناً إنه ... يومٌ أغر من الزمان مشهّر
أظهرت عزّ الملك فيه بجحفلٍ ... لجبٍ يحاط الدينُ فيه ويُنصر
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عدداً يسير بها العديدُ الأكثر
فالخيل تصهل والفوارسُ تدّعي ... والبيضُ تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعةٌ تميل بثقلها ... والجو معتكرُ الجوانب أغبر
والشمس ماتعةٌ توقّد بالضحى ... طوراً ويطفئها العجاجُ الأكدر
حتى طلعت بضوءِ وجهك فانجلى ... ذلك الدجى وانجاب ذاك العثير
وافتنّ فيك الناظرون فاصبغٌ ... يوما إليك بها وعينٌ تنظر
يجدونَ رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعمِ الله التي لا تكفر
ذكروا بطلعتك النبيّ فهللوا ... لمّا طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيتَ ألى المصلّي لابساً ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مِشية خاضعٍ متواضعٍ ... لله لا يزهى ولا يتكبر
فلو أن مشتاقاً تكلفَ فوق ما ... في وسعِه لمشى إليك المنبر
أبديتَ من فضلِ الخطاب بحكمة ... تُنبي عن الحق المبين وتخبر
ووقفت في برد النبيّ مذكراً ... بالله تنذرُ تارةً وتبشر
ومواعظ شفتِ الصدور من الذي ... يعتادها وشفاؤها متعذر
حتى لقد علَم الجهولُ وأخلصت ... نفسُ المروّى واهتدى المتحير
صلّوا وراءك آخذين بعصمةٍ ... من ربهم وبذمةٍ لا تخفر
فاسلم بمغفرة الإله فلم يزل ... يَهبُ الذنوبَ لمن يشاء ويغفر
الله أعطاك المحبة في الورى ... وحباك بالفضل الذي لا ينكر
ولأنت أملأُ للعيون لديهم ... وأجلٌُّ قدراً في الصدور وأكبر
стр. 25
وقال يمدحه ويذكر وفد الروم
قل للسحاب إذا حدتهُ الشمألُ ... وسرى بلبلٍ ركبةُ المتحمّلُ
عرّج على حلبٍ فحي محلةً ... مأنوسة فيها لِعلوة منزل
لغريرةٍ أدنو وتبعدُ في الهوى ... وأجودُ بالودِ المصون وتبخل
وعليلة الألحاظ ناعمة الصبا ... غَري الوشاة بها ولّج العذل
لا تكذبنّ فأنت ألطفُ في الحشا ... عهداً واحسن في الضمير وأجمل
لو شئت عدت إلى التناصب في الهوى ... وبذلتِ من مكنونه ما أبذل
أحنو إليك وفي فؤادي لوعةٌ ... وأصدُّ عنك ووجهُ ودي مقبل
وإذا هممتُ بوصل غيرك ردّني ... وَلهٌ إليك شافعٌ لك أول
وأعزُّ ثم أذلُّ ذلة عاشقٍ ... والحبُ فيه تعزَّزٌ وتذلّلٌ
إنّ الرعية لم تزل في سيرة ... عُمريَّةٍ مذ ساسها المتوكل
الله آثر بالخلافة جعفراً ... ورآه ناصرها الذي لا يخذل
هي أفضل الرتب التي جعلت له ... دون البرية وهو منها أفضل
ملكٌ إذا عاذ المسيء بعفوه ... غفر الإساءة قادراً لا يعجل
وعفا كما صفح السحابُ ورعدهُ ... قصفٌ وبارقهُ حريقٌ مُشعلُ
يتقبل العباس عمَّ محمدٍ ... ووصيَّه فيما يقول ويفعل
شرفٌ خصصت به ومجدٌ باذجٌ ... متمكن فوق المجوم مؤثلٌ
لا يعد منك المسلمون فإنهم ... في ظلّ ملكك أدركوا ما أمَّلوا
حَصَّنت بيضتهم وحطت حريمهم ... وحملت من أعبائهم ما استثقلوا
فاديت بالأسرى وقد غلقوا فلا ... منٌّ يُنال ولا فداءٌ يقبل
ورأيت وفد الروم بعد عنادهم ... عرفوا فضائلك التي لا تجهل
لحظوك اول لحظة فاستصغروا ... من كان يعظم فيهم ويبجل
أحضرتهم حججاً لو اجتلبت بها ... عصمُ الجبالِ لأقبلت تتنزل
ورأوك وضاح الجبين كما يُرى ... قمرُ السماءِ السعد ليلة يكمل
نظروا إليك فقدسوا ولو أنّهم ... نطقوا الفصيح لكبروا أو هللوا
حضروا السماط فكلّما راموا القرى ... مالت بأيديهم عقولٌ ذهل
تهوي اكفهم إلى أفواههم ... فتحيد عن قصدِ السبيل وتعدل
متحيرون فباهتٌ متعجبٌ ... ممّا رأى او ناظرٌ متأمل
ويود قومهمُ الألى بعثوا بهم ... لو ضمهم بالأمس ذاك المحفل
قد نافس الغيب الحضورُ على الذي ... شهدوا وقد حسدَ الرسولَ المرسل
عجّلت رفدهم وافضلُ نائلٍ ... حُبي الوفودُ به الهنيء المعجل
فالله أسألُ أن تعمرَّ صالحاً ... فدوام عمرك خيرُ شيءٍ يُسألُ
وقال يمدحه
أنافعي عند ليلى فرطُ حُبيها ... ولوعةٌ لي أبديها وأخفيها
أم لا تقاربُ ليلى من يقاربها ... ولا تداني بوصل من يدانيها
بيضاء أوقد خدّيها الصِبا وسقى ... أجفانها من مُدام الراح ساقيها
في حمرةِ الورد شكلٌ من تايّبها ... وللقضيبِ نصيبٌ من تثنيها
قد عُلّمَت أنني لم أرضَ كاشحها ... فيها ولم أستمع من قول واشيها
ويومَ جدَّ بنا عنها الرحيل على ... صبابةٍ وحدا الأظعان حاديها
قامت تودعني عجلا وقد حدرت ... سوابقٌ من تؤام الدمع تُجريها
واستنكرت ظعني عنها فقلتُ لها ... إلى الخليفة أمضي العيس ممضيها
إلى إمامٍ له ما كان من شرفٍ ... يُعدُّ في سالف الدنيا وباقيها
خليفة الله ما للحمد مُنصرفٌ ... إلاّ إلى نعمٍ أصبحت توليها
فلا فضيلة إلا أنت لابسها ... ولا رعيَّة إلا أنت راعيها
مِلك كملك سليمان الذي خضعت ... له البريّةُ قاصيها ودانيها
وزلفةٍ لك عند الله تُظهرها ... لنا ببرهان ما تأتي وتبديها؟
لما تأبد محل الأرض واحتبست ... غرُّ السحائب حتى ما نرجيها
وقمت مستسقياً للمسلمين جرت ... غرُّ الغمام وحلّت من عزاليها
فلا غمامة إلا أنهلّ وابلها ... ولا قرارة إلا سال واديها
وطاعة الوحش إذا جاءتك من خرقٍ ... أحوى وادمانةٍ كُحلٍ مآقيها
كالكاعب الرود يخفي من ترائبها ... روعُ العبير ويبدو في تراقيها
ألفانِ وافت على قدرٍ مسارعةً ... إلى قبول الذي حاولته فيها
стр. 26
إن سرت سارت وإن وقفتها وقفت ... صوراً إليك بالحاظٍ تواليها
يُرعن منك إلى وجهٍ يرين له ... جلالةً يكثر التسبيح رائيها
حتى قطعت بها القاطولَ وافترقت ... بالخير في عرصةٍ فسحٍ نواحيها
فنهرُ نيرك وردٌ من مواردها ... وساحةُ التَّل مغنىً من مغانيها
لولا الذي عرفتهُ فيكَ يومئذ ... لما أطاعك وسطَ البيد عاصيها
فضلان حُزتهما دونَ الملوك ولم ... تُظهر بنيلهما كِبراً ولا تيها
وقال يمدح الفتح بن خاقان ويصف دخوله عليه وسلامه عليه
هَبِ الدارَ ردَّت رجع ما أنت قائلهُ ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله
أفي ذاك برءٌ من جوىً ألهب الحشا ... توقدهُ واستغزر الدمع جائلهُ
هو الدمع موقوف على كل دمنة ... تعرج فيه أو خليط تزايله
ترادفهم خفض النعيم ولينهُ ... وجادهمُ طلُّ الربيع ووابله
وإن لم يكن في عاجل الدهر منهم ... نوالٌ وغيثٌ من زمانك آجله
مضى العامُ بالهِجران منهم بالنوى ... فهل مقبلٌ بالوصلِ والقربِ قابلُه
أرجّم في ليلى الظنون وأرتجي ... أواخر حبّ أخلفتني أوابله
وليلةَ هو منَّا على العيس أرسلت ... بطيفِ خيال يُشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزالٍ بتُّ وهناُ أغازله
وكم من يد لليل عندي حميدةٍ ... وللصبح من خطبٍ تذم غوائله
وقد قلتُ للمعلي إلى المجد طرفه ... دع المجد فالفتح بن خاقان شاغلهُ
سنان أمير المؤمنين وسيفه ... وسيب أمير المؤمنين ونائله
تشبُّ به للناكثينَ حروبه ... ويدنو به للخابطين نوافله
أطلَّ بنعماه فمن ذا يطاوله ... وعمَّ بجدواه فمن ذا يساجله
ضمنت عن الساعين أن يلحقوا به ... إذا ذُكرت آلاؤه وفواضله
أيبلغه بالبذل قومٌ وقد سمعوا ... فما بلغوا بعض الذي هو باذله
رمى كلب الاعداء عن حدِّ نجدةٍ ... بها قطعت تحت العجاج مناصله
وما السيف إلاّ بزُّ غاد لزينةٍ ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
يُداني بمعروفٍ هو الغيث في الثرى ... توالي نداه واستنارت خمائله
أمنت به الدهر الذي كنت أتقي ... ونلتُ به القدر الذي كنت آمله
ولمَّا حضرنا سدَّة الأذن أخرّت ... رجالٌ عن الباب الذي انا داخله
فأفضيتُ من قربٍ ذي مهابة ... أقابل بدر الافق حين أقابله
إلى مسرفٍ في الجود لو أنَّ حاتماً ... لديه لأمسى حاتمٌ وهو عاذله
بدا لي محمود السجية شمّرت ... سرابيله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرمحُ الردينيّ ثقفت ... أنابيبه للطعن واهتزّ حامله
وكالبدرِ وافته لتّمٍ سعوده ... فتمَّ سناه واستهلت منازله
فسلمت فاعتاقت جناني هيبةٌ ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلمّا تأملتُ الطلاقة وانثنى ... إليَّ ببشرٍ آنستني مخايله
دنوتُ فقبلت الندى من يد امرئٍ ... جميلٌ محياه سِباطٍ أنامله
وقال يمدحه
ألمت وهل ألمامها لك نافعٌ ... وزارت خيالاً والعيون هواجعُ
بنفسي من تنأى ويدنو أدكارها ... ويبذل عنها طيفها وتمانع
خليليَّ أبلاني هوى متلوّن ... له شيمة تأبى واخرى تطاوع
وحرض شوقي خاطر الريح إذا سرى ... وبرقٌ بدا من جانبٍ والغرب لامع
وما ذاك أن الشوق يدنو بنازحٍ ... ولا أنني في وصل علوة طامع
خلا أن شوقاً ما يغبُّ ولوعةً ... إذا اضطرمت فاضت عليها المدامع
علاقة حبٍّ كنت أكتم بثّها ... إلى أن أذاعتها الدموع الهوامع
إذا العينُ راحت وهي عين على الجوى ... فليس بسرٍ ما تسرُّ الأضالع
فلا تحسبا أني نزعت ولم أكن ... لأنزع عن ألفٍ إليه أنازع
وإن شفاه النفس لو تستطيعه ... حبيب موات أو سباب مراجع
ثني أملي واجتازه عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
جناب من الفتح بن خاقان ممرعٌ ... وفضلٌ من الفتح بن خاقان شائعُ
أغرَّ لنا من جوده وسماحهِ ... ظهيرٌ عليه ما يخيبُ وشافع
стр. 27
ولمّا جرى للمجد والقومُ خلفه ... تغوَّل أقصى جهدهم وهو وادع
وهل يتكافا الناس شتى خلالهم ... وما تتكافا في اليدين الأصابع
يّبجَّلُ إجلالاً ويكبر هيبةً ... أصيلُ الحجا فيه تقي وتواضع
إذا ارتدَّ صمتا فالرؤوس نواكسٌ ... وإن قال فالأعناق صورٌ خواضع
وتسود من لبس السلاح وحمله ... سرابيلُ وضَّاح به المسك رادع
منيفٌ على هام الرجال إذا مشى ... أطال الخطى بادي البسالةِ رائع
وأغلبُ ما تنفك من يقظاته ... ربايا على أعدائه وطلائع
جنانٌ على ما جرّتِ الحرب جامع ... وصدرٌ لما يأتي به الدهر واسع
يدٌ لأمير المؤمنين وعدةٌ ... إذا التاث خطبٌ أو تغلب خالع
مغامرُ حربٍ ماتزال جياده ... مطلّحةً منها حسيرٌ وظالع
جديرٌ بأن تنشق عن ضوء وجهه ... ضبابةُ نقعٍ تحتها الموتُ ناقع
وأن يهزم الصف الكثيف بطعنةٍ ... لها عاملٌ في إثرها متتابع
تذود الدنايا عنه نفسٌ أبيةٌ ... وعزمٌ كحد الهند وانّي قاطع
بعيدُ مقيل السرِ لا يدرك التي ... يحاولها منه اللبيبُ المخادع
ولا يعلمُ الاعداء من فرطِ عزمه ... متى هو مصبوب عليهم فواقع
خلائقُ ما تنفكُّ توقف حاسداً ... له نفسٌ في إثرها متراجع
ولن ينقل الحسادُ مجدك بعدما ... تمكَّن رضوى واطمأنَّ متالع
أأكفرك النعماء عندي وقد نمت ... عليَّ نموَّ الفجر والفخر ساطع
وأنت الذي أعززتني بعد ذلتي ... فلا القول مخفوض ولا الطرف خاشع
وأغنيتني عن معشرٍ كنتُ برهةً ... أكافحهم عن نيلهم وأقارع
فلستُ أبالي جاد بالعرف بازلٌ ... على راغبٍ أو ضنَّ بالخير مانع
وأقصرت من حمد الرجال وذمهم ... وفيهم وصولٌ للإخاء وقاطع
أرى الشكر من بعض الرجال أمانةً ... تفاضلُ والمعروف فيهم ودائع
ولم أر مثلي أتبع الحمدَ أهله ... وجاز أخا النعمى بما هو صانع
قصائد ما تنفك فيها غرائب ... تألق في إضعافها وبدائع
مكرمةُ الانساب فيها وسائلٌ ... إلى غير من يحبي بها وذرائع
تنالُ منال الليل في كلّ وجهةٍ ... وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع
إذا ذهبت شرقاً أو غرباً فأمنعت ... تبينتُ من تركو لديه الصنائع
وقال يمدحه
بنا أنت من مجفّوةٍ لم تُعتَّبِ ... ومعذورةٍ في هجرها لم تؤنَّب
ونازحةٍ والدار منها قريبةٌ ... وما قربُ ثاوٍ في التراب مغيَّبِ
قضت عقبُ الأيام فينا بفرقةٍ ... متى ما تغالب بالتجلد تغلب
فإن أبك لا أشفِ الغليل وإن أدع ... أدع لوعةً في الصدر ذات تلهب
ألا لا تذكّرني الحمى إن ذكره ... جوىً باطنٌ للمستهامِ المعذب
إتت دون ذاك الدهر أيامُ جُرهُم ... وطارت بذاك العيش عنقاء مغرب
ويا لائمي في عبرةٍ قد سفحتها ... لبينٍ وأخرى قبلها لتجنب
تحاول منّي شيمةً غير شيمتي ... وتطلبُ عندي مذهباً غير مذهبي
وما كبدي بالمستطيعة للأسى ... فأسلو ولا قلبي كثير التقلّب
ولمّا تزايلنا من الجزع وانتأى ... مشرَّق ركبٍ مصعد عن مغرّب
تبينت أن لا دار من بعد عالجٍ ... تسّرُّ وأن لا خلةً بعد زينب
لعلَّ وجيف الركب في غلسِ الدجى ... وطيَّ المطايا سبسباً بعد سبسب
يُبلغني الفتح بن خاقان إنَّه ... نهايهُ آمالي وغايةُ مطلبي
فتى لا يرى أكرومةً لمزنّدٍ ... إذا ما بدت أكرومة لم يُعقَّب
ومستشرفٍ بين السماطين مشرق ... علىأعين الرائين يعلو فيرتبي
يغضّون فضل الطرف من حيث ما بدا ... لهم عن مهيب في الصدور محبب
إذا عرضوا في جدّهِ نفرت بهم ... بسالة مشبوح الذراعين أغلب
غدا وهو طودٌ للخلافةِ ماثلٌ ... وحدُ الحسام للخليفة مُقضب
نفى البغي واستدعى السلامة وانتهى ... إلى شرفِ الفعل الكريمِ المهذبِ
إذا انسابَ في تدبير أمرٍ ترافدت ... له فكرٌ ينجحنَ في كبّ مطلب
خفيُّ مَدَبّ الكيد تثني أناتُه ... تَسرُّع طيشِ الجاهل المتوثب
стр. 28
ويبدي الرضى في خالةِ السخط للعدى ... وقورٌ متى يقدح بزنديه يُثقب
فماذا يخر الخائبين وقد رأوا ... ضرائب ذاك المشرفيّ المجرب
غرائبُ أخلاقٍ هي الروض جادهُ ... مُلِثُّ العزالي ذو ربابٍ وهيدب
فكم أعجبت من ناظرٍ متأمل ... وكم حيّرت من سامع متعجب
وقد زادها إفراط حُسنِ جوارها ... طوالعَ في داجٍ من الليل غيهب
وحسنُ دواري الكواكب أن تُرى ... طوالع في داجٍ من الليل غيهب
أرى جمعكم يا أهل حمص مجمّعاً ... بعقبِ افتراقٍ منكمُ وتشعب
وكنتم شعاعاً من طريدٍ مسرد ... وثاوٍ ردٍ أو خائف مترقب
ومن نفرٍ فوق الجذوع كأنهم ... إذا الشمس لاحتهم حرابي تَنضُبِ
تلافاكم الفتح بن خاقان بعدما ... تدهدهتم من حالق متصوب
بعارفةٍ أهدت أماناً لخائفٍ ... وغوثاً للملهوفٍ وعوناً لمذنب
عنت طيئاً جمعاً وثنّت بمذحجٍ ... خصوصاً وعمت في الكلاع وَيَحصب
رددت الردى عن اهل حمص وقد بدا ... لهم جانب الومِ العبوس العصبصب
ولو لم تدافع دونها لتفرقت ... أيادي سباعنها سبا ابنة يشجُب
رفدتهم عند السرير وقد بدا ... لهم ما بدا من سخط اسوان مغضب
فكانت يداً بيضاء مثل اليد التي ... نعشت بها عمروبن غُنمِ بن تغلب
فلم تر عيني نعمتين استحقتا ... ثناءهما في ابني مَعدِّ ويعرب
إن العربُ انقادت إليك قلوبها ... فقد جئت إحساناً إلى كلّ معرب
ولم تعمد حاضراً دون غائب ... ولم تتجانف عن بعيد لأقرب
شكرتك عن قومي وقومك إنّني ... لسانُهما في كلّ شرق ومغرب
وما أنا إلاّ عبدُ نعمتك التي ... نُسبتُ إليها دون أهلي ومنصبي
ومولى أيادٍ منك بيضٍ متى أقل ... بآلائها في مشهد لم أكذّب
وآليتُ لا أنسى بلوغك بي العلى ... على كره شتى من شهود وغيَّب
ودفعي بك الاعداء عني وإنما ... دفعت بركنٍ من ثر روى ومنكب
وقال يمدحه
حلفتُ لها بالله يومَ التفرِّق ... وبالوجدِ من قلبي بها المتعلّق
وبالعهد ما البذل القليل بضائع ... لديَّ ولا العهد القديم بمخلِق
وأبثثتها شكوى أبانت عن الجوى ... ودمعاً متى يشهد ببث يُصدَّق
وإني لأخشاها عليَّ إذا نأت ... واخشى عليها الكاشحين واتقي
وإني وان ضنت عليَّ بودها ... لأرتاح منها للخيال المؤرق
يعزُّ على الواشين لو يعلمونها ... ليالٍ لنا تزداد فيها ونلتقي
فكم غلَّة لشوق أطفأتُ حرَّها ... بطيفٍ متى يطرق دجى الليل يطرق
أضمُّ عليه جفن عيني تعلّقاً ... به عند إجلاء النعاسِ المرنّق
أجدَّك ما وصلُ الغواني بمطمعٍ ... ولا القلبُ من رِقِّ الغواني بمعتق
وددتُ بياض السيف يومَ لقيتني ... مكان بياض الشّيب لاح بمفرقي
وصدّ الغواني عند إيماض لمّتي ... وقصَّرن عن لبيك ساعة منطقي
إذا شئت أن لا تعذل الدهر عاشقاً ... على كمدٍ من لوعةِ الحبِّ فاعشقِ
وكنت متى ابعد عن الخلّ اكتئب ... له ومتى أظعن عن الدار أشتق
تلفتُّ من عليا دمشق ودوننا ... للبنانَ هضبٌ كالغمام المعلق
إلى الحيرةِ البيضاء فالكرخ بعدما ... ذممتُ مقامي بين بُصرى وجلّق
إلى معقلي ععزّي وداري إقامتي ... وقصد التفاني بالهوى وتشوقي
مقاصيرُ ملكٍ أقبلت بوجوهها ... إلى منظرٍ من عرض دجلة مونق
كأنّ الرياض الحوّ يكسين حولها ... أفانين من أفواف وشي مفلق
إذا الريحُ هزت نورهنَّ تضوعت ... روائحه من فار مسكٍ مفتق
كأنّ القباب البيضَ والشمس طلقةٌ ... تُضاحكها أنصاف بيضٍ مفلَّق
ومن شرفاتٍ من السماءِ كأنّها ... قوائم بيضٍ من حمام محلق
رباعٌ من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنىً لعديمٍ أو فكاكاُ لمرهق
فلا العائذ اللاجي إليها بمسلمٍ ... ولا الطالبُ الممتاحُ منها بمخفق
يحلُّ بها خرقٌ كأنّ عطاءه ... تَلاحُقُ سيلِ الدّيمة المتبعق
تَدَفَّقُ كفٍّ بالسماحة ثرَّةٍ ... وإسفار وجهٍ بالطلاقة مشرق
стр. 29
توالت اياديه على الناس فاكتفى ... بها كلّ حيّ ٍ من شآم ومعرق
فكم حقنت في تغلب الغلب من دمٍ ... مباحٍ وادنت من شتيت مُفرق
وكم نفَّست في حمص من متأسفٍ ... غدا الموت منه آخذاً بالمخنق
وكم قطعت عرضَ الارنُد إليهم ... كتائبُ تُزجى فيلقاً بعد فيلق
به استأنفوا بردَ الحياة واسندوا ... إلى ظلِّ فينان من العيش مورق
فشكراً بني كهلان للمنعم الذي ... أتاحَ لكم رأي الغمام الموفّق
ثنى عنكم وحف الخلافة بعدما ... أضاءت بقروق العارض المتألّقِ
وقد شهرت بيض السيوف واعرضت ... صدور المذاكي من كُميت وأبلق
هنالك لو لم يفتلتكم حُمِلتُمُ ... على مثلٍ صدرِ اللهذميّ المذلق
فلا تكفُرُنَّ الفتح آلاء منعم ... نجوتم بها من لاحجِ القطر ضيق
وعودوا له بالشكر منكم يَعدُ لكم ... بسيبِ جواد بالّلهى متدفق
له خلقٌ في الجودِ لا يستطيعه ... رجالٌ يرومون العلى بالتخلق
إذا جهلوا من أين تختصرُ العلى ... درى كيف يسمو في ذراها ويرتقي
أطلّ على الأعداء من كلّ وجهة ... وشارفهم من كلّ غرب ومشرق
ببيضٍ متى تشهر على القوم يغلبوا ... وخيلٍ متى تركض إلى النصر تسبق
أُعين بنو العباس منه بصارمٍ ... جُرازُ وعزمٍ كالشهاب المحرق
وصدرٍ امين الغيب يهدي إليهمُ ... نصيحةَ حرّان الجوانح مشفق
وحولهم من نصره ودفاعِهِ ... تكهَّفُ طودٍ بالخلافة محدق
رأيتك من يطلب محلك ينصرف ... ذميماً ومن يطلب بسعيك يلحق
لك الفضل والنعمى عليّ مبينةٌ ... وماليَ إلا ودَّ صدري ومنطقي
وقال يرثي بني حميد بن غانم الطوسي
أقّصرَ حُميدٍ لا عزاءَ لمغرمِ ... ولا قصر عن دمعٍ وإن كان من دمِ
أفي كلّ عامٍ لا تزال مُروَّعاً ... بفذَّ نعيٍّ تارةً أو بتوأم
مضى أهلك الأخيارُ إلاّ أقلهم ... وبادوا كما بادت أوائل جرهم
فصرتَ كعشٍ خلفتهُ فراخهُ ... بعلياء فرع الاثلةِ المتهشم
أحبُّ بنكوك المكرمات فقُرقت ... جماعتهم في كلّ دهياء صيلم
تدانت مناياهم بهم وتباعدت ... مضاجعهم من تُربك المتنسم
فكلٌّ له قبرٌ غريبٌ ببلدةٍ ... فَمِن منجدٍ نائي الضريح ومُتهم
قبورٌ بأطراف الثغور كأنما ... مواقعها منها مواقع أنجم
بشاهقة البذّينِ قبرُ محمدٍ ... بعيدٌ من الباكين في كلّ مأتم
تشبقُ عليه الريحُ كلَّ عشيةٍ ... جيوب الغمام بين بكرٍ وأيّم
وقبران في أعلى النَّباج سقتهما ... بروقُ سيوف الغوث غيثاً من الدم
أقبرا أبي نصرٍ وقحطبةٍ هما ... بحيثُ هما أم يذبلٍ ويرمرم
وبالموصل الزوراء مَلحَدُ أحمد ... وبين ربى القاطول مصرعُ أصرم
وكم طلبتهم من سوابق عَبرةٍ ... متى ماتنهنه بالملامة تسجم
نوادبُ في أقصى خُرسان جاوبت ... نوائحَ في بغدادَ بُحِّ الترنم
لهنّ عليهم حَسنَّة بعد أنَّةٍ ... ووجدٍ كدُفّاع الحريق المضرم
أبا غانمٍ أردى بنيك اعتقادهم ... بأنّض الردى في الحربِ اكبرُ مغنم
مضوا يستلذون المنايا حفيظةً ... وحفظاً لذاك السؤدد المتقدم
وما ظعنوا إلاّ برمح موصلٍ ... ولا ضربوا إلا بسيفٍ مثلَّم
ولمَّا رأوا بعض الحياة مذلةً ... عليهم وعزَّ الموت غير محرم
أبوا ان يذوقوا العيشَ والذمُ واقعٌ ... عليه وماتوا ميتةً لم تذمم
وكلهم أفضى إليه حمامُهُ ... أميراً على تدبير جيش عرمرم
تولّى الردى منهم بهبّة صارمٍ ... ومجَّة ثعبانٍ وعدوة ضيغم
حتوفٌ اصابتها الحتوف وأسهمٌ ... من الموت كر الموتُ فيها بأسهم
ترى البيض لم تعرفهمُ حين واجهت ... وجوههمُ في المأزقِ المتهجم
ولم تتذكر ريّها بأكفهم ... إذا أوردوها تحت اغبر أقتم
بلى غير أن السيف أغدرُ صاحبٍ ... وأكفرُ من نالته نعمة منعم
بنفسي نفوسٌ لم تكن حملةُ العدى ... أشدَّ عليها من وقوف التكرم
ولو أنصفت نبهانُ ماطلبت بها ... سوى المجد إنّ المجد خطة مغرم
стр. 30
دعاها الردى بعد الردى فتتابعت ... تتابعَ منبتِّ الفريد المنظم
سلامٌ على تلك الخلائق إنها ... مسلمةٌ من كلّ عار ومأتم
مساعٍ عظامٌ ليس يبلى جديدها ... وإن بليت منهم رمائمُ أعظم
ولا عجباً للأسدِ إن ظفرت بها ... كلابُ الأعادي من فصيح وأعجم
فحَربَةُ وحشيّ سقت حمزة الردى ... وموتُ عليّ من حسام ابن مُلجمِ
أبا مسلمٍ لا زلت من مودع لنا ... من المزن مسكوب الحيا ومسلم
مدامعُ باكٍ من بني الغيث والهٍ ... أُعاركها أم ضاحكٍ متبسم
لئن لم تمت نهب السيوف ولم تُقم ... بواكيك أطراف الوشيج المقوم
لبا لرَّكضِ من آل المنية مُعلماً ... إلى كلّ قرمٍ بالمنية معلم
وحملك ثقلَ الدرع يحَمى حديدها ... على حرّ جسمٍ بالحديد مهدم
وما جدثٌ فيه ابتسامك للندى ... إذا أظلمت أجداثُ قومٍ بمظلم
شعر المتنبي
قال أبو الفرج
هو احمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكندي الصوفي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور.
وهو من اهل الكوفة. وقدم الشام في صباه وجال في أقطارها واشتغل بفنون الادب ومهر فيها.
وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها، ولا يسأل عن شيء إلا استشهد به بكلام العرب من النظم والنثر.
وأما شعره فهو في النهاية من الجودة فمن ذلك ما روى له الشيخ تاج الدين الكندي ﵀ بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما بالإسناد الصحيح وهما:
أبعيمِ مفتقرٍ إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني مِن حالق
لستَ الملوم أنا الملومُ لأنني ... أنزلت آمالي بغيرِ الخالق
ولمّا كان بمصر مرض وكان له صديق يغشاه في علته فلما أبلّ انقطع عنه فكتب إليهوصلتني وصلك الله معتلاً، وقطعتني موبلاً، فإن رأيت ان لا تحبب العلة إليّ ولا تكدر الصحة عليّ فعلت إن شاء الله تعالى قال أحمد بن محمد النامي الشاعر المشهور أود أن كون سبقت المتنبي إلى بيتين قالهما وهما
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي من غشاءٍ من نبال
فصرتُ إذا أصابتني نبالٌ ... تكسرتِ النصالُ على النصال
والبيت الثالث
في جحفلٍ سترَ العيون غبارهُ ... فكأنما يبصرونَ بالآذانِ
واعتنى العلماء بديوانه وشرحوه بشروح عدة ما بين مطولات ومختصرات ولم يفعل هذا بديوان غيره، وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الأخشيدية فأسره وتفرق أصحابه فحبسه، ثم رجع عن ادجعاء النبوة وتاب وحسن مذهبه. وقيل إنه قال أنا أول من تنبأ بالشعر. ثم التحق بسيف الدولة ابن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلاث مئة ومدح كافوراً الأخشيدي (وانوجور) ابن الأخشيدي. وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق. ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلاث مئة ووجه خلفه كافور رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق به. وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه وعوتب فيه فقال يا قوم من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم. قال أبو الفتح بن جني النحوي كنت قرأت ديوان أبي الطيب المتنبي عليه فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها
أغالبُ فيك الشوك والشوقُ أغلبُ ... وأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ
حتى بلغت إلى قوله:
ألا ليت هل أقولُ قصيدة ... فلا أشتكي فيها ولا أتعتبُ
وبي ما يذود الشعرَ عني أقله ... ولكن قلبي يا ابنة القوم قلّبُ
فقلت له: يعز علي كيف يكون هذا الشعر في غير سيف الدولة. فقال: حذرناه وأنذرناه فما، ألست القائل فيه: أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك=ولا تعطينّ الناس ما أنا قائلُ
стр. 31
فهو الذي أعطاني كافور بسوء تدبيره وقلة تمييزه. ثم إن قصد بلاد فارس ومدح عضد الدولة بن بويه الدامي فأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصداً بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمانٍ خلون منه عرض له فاتك بن أبي الجهل الاسدي في عدة من أصحابه وكان مع المتنبي أيضاً جماعة من اصحابه فقاتلهم فقتل المتنبي وابنه محسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية في موضع يقال له: الصافية.
ذكر ابن رشيق في كتاب " العمدة " في باب منافع الشعر ومضاره أن المتنبي لما فر حين رأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث عنك بالفرار وانت القائل:
الخيلُ والليل والبيداء تعرفني ... والسيفُ والرمح والقرطاس والقلم
فَكرَّ راجعاً حتى قتل. وكان سبب قتله هذا البيت وذلك سنة اربع وخمسين وثلاث مئة. ومولده سنة ثلاث وثلاث مئة بالكوفة في محلة كندة فنسب إليها وليس هو من كندة التي هي القبيلة، بل هو جعفي القبيلة، وهو جعفر بني سعد العشيرة من مذحج، وإنما قيل له سعد العشيرة لأنه كان يركب فيما قيل في ثلاث مئة من ولده وولد ولده فإذا سئل قال: هؤلاء عشيرتي مخافة العين عليهم. ويحكى ان المعتمد بن عبادة اللخمي صاحب قرطبة والشبيلية أنشد يوماً في مجلسه بيت المتنبي:
إذا ظفرت منكَ العيون بنظرةٍ ... أثابَ لها معيي المطيّ ورازمهُ
فجعل يردده استحساناً له وفي مجلسه ابن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالاً:
لئن جادَ شعرُ ابن الحسين فإنما ... تجيدُ العطايا واللهي تفتح اللَّها
تنبأ عجباً بالقريضِ ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألّها
وذكر الأفليلي: أن المتنبي أنشد سيف الدولة قصيدته التي أولها:
لكلِّ امرئٍ من دهره ما تعودا ... وعادةُ سيف الدولة الطعنُ بالعدى
وانشده إياها وهو قاعد فقال بعض الحاضرين يريدون أن يكيدوا أبا الطيب: لو أنشدها قائماً لأسمع فإن أكثر الناس لا يسمعون. فقال أبو الطيب أما سمعتم أولها (لكل امرئ من دهره ما تعودا) وهذا من مستحسن الأجوبة. وبالجملة فسمو نفسه وعلو همته وأخباره وما جرياته كثير والاختصار أولى نقلت هذه الترجمة من " وفيات الأعيان " لابن خلكان باختصار، قال يمدح سيف الدولة:
فديناكَ من ربعٍ وإن زدتنا كَربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤاداً لِعِرفانِ الرسوم ولا لُبَّا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلّم به ركبا
ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت ... على عينيه حتى يرى صدقها كذبا
وكيف التذاذي بالآصائل والضحى ... إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا
ذكرتُ به وصلاً كأن لم أفز به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطعه وثبا
وفتانةُ العينين قتالةَ الهوى ... إذا نفحت شيخاً روائحها شبا
لها بثرُ الدر الذي قُلدت به ... ولم أر بدراً قبلها قُلّد الشهبا
فيا شوقُ ما أبقى ويالي من النوى ... ويا دمع ما اجرى ويا قلبُ ما أصبى
لقد لعب البينُ المشتُّ بها وبي ... فزودني في السير ما زوَّد الضبا
ومن تكن الاسد الضواري جدوده ... يكن ليلةً صبحاً ومطعمه غصبا
ولستُ أبالي بعد إدراكي العلى ... أكانَ تراثاً ما تناولت أم كسبا
فربَّ غلامِ علَّم المجد نفسهُ ... كتعليم سيف الدولةِ الطعن والضربا
إذا الدولة استكفت به في ملمةٍ ... كفاها فكان السيف والكف والقلبا
تُهاب سيوف الهند وهي حدائدٌ ... فكيف إذا كانت نزاريَّة عَربا
ويرهب ناب الليث والليث وحده ... فكيف إذا كانت الليوث له صحبا
ويُخشى عبابُ البحر وهو مكانهُ ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبَّا
عليمٌ بأسرار الديانات واللَّغى ... له خطرات تفضحُ الناسَ والكتبا
فبورِكتَ من غيثٍ كأنَّ جلودنا ... به تَنبتُ الديباج والوشيَ والعّصبا
ومن واهبٍ جَزلاً ومن زاجر هلاَ ... ومن هاتكٍ درعاً ومن نثر قُضبا
هنيئاً لأهل الثغر رأيك فيهم ... وأنك حزب الله صرت لهم حزبا
وأنك رعت الدهرَ فيها وربيه ... فأن شكَّ فليحدث بساحتها خطبا
فيوماً بخيلٍ تطرد الروم عنهُمُ ... ويوماً بجودٍ يطرد الفقر والجدبا
стр. 32
سراياك تترى والدَّمُستُق هاربٌ ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى
أتى مرعشاً يستقربُ البعد مقبلاً ... وأدبر إذ أقبلت يستبعدُ القربا
كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويَقفُلُ من كانت غنيمته رُعبا
وهل ردَّ عنه باللقان وقوفهُ ... صدور العوالي والمطَّهمة القُبَّا
مضى بعدما التفَّ الرماحان ساعةً ... كما يتلقى الهدبُ في الرقدة الهدبا
ولكنّه ولىّ وللطعن سورةٌ ... إذا ذكرتها نفسُهُ لمسَ الجنبا
وخلّى العذارى والبطاريق والقرى ... وشعث النصارى والقرابينَ والصُلبا
أرى كلّنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصاً عليها مُستهاماً بها صّبا
فحبُ الجبان النفس أورثه البقا ... وحبُ الشجاع الحربَ اورثه الحربا
ويختلفُ الرزقان والفعلُ واحدٌ ... إلى أن يُرى إحسان هذا لذا ذنبا
فأضحت كأنَّ السور من فوق بدئه ... إلى الأرض قد شقَّ الكواكب والتربا
تصدُّ الرياح الهوج عنه مخافةً ... وتفزع فيها الطيرُ أن تلقط الحبا
وتَردي الجياد الجردُ فوق جبالها ... كما ندفَ الصِنَّيرُ في طرقها العُطبا
كفى عجباً أن يعجب الناسُ أنه ... بنى مرعشاً تبَّاً لآرائهم تبا
وما الفرق بين الأنام وبينه ... إذا حذرَ المحذور واستصعب الصعبا
لأمر أعدّته الخلافة للعدى ... وسمَّته دونَ العالم الصارم العطبا
ولمخ تفترق عنه الأسنة رحمةً ... ولم تترك الشامَ الاعادي له حّبا
ولكن نفاها عنه غير كريمةٍ ... كريمُ الثنا ما سبَّ قطُّ ولا سبا
وجيشٌ يثنّي كل طود كأنه ... خريق رياحٍ واجهت غُصناً رطباً
كأن نجوم الليل خافت مغُاره ... فمدت عليها من عجاجتهِ حجباً
فمن كان يُرضي اللؤمَ والكفرُ ملكُهُ ... فهذا الذي يُرضي المكارمَ والربَّا
وقال يمدح كافوراً سنة ست وأربعين وثلاث مئة
مَنِ الجآذرُ في زيّ الاعاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل شكاً في معارفها ... فمن بلاكَ بتسهيدٍ وتعذيب
لا تجزني بضنىً بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوب
سوائرٌ ربّما سارت هوادجها ... منيعةً بين مطعونٍ ومضروب
وربما وخدت أيدي المطيّ بها ... على نجيع من الفرسان مصبوب
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍ ... أدهى وقد رقدوا من زروة الذيب
أزورهم وظلام الليل يشفعُ لي ... وانثني وبياض الصبح يُغري بي
قد وافقوا الوحش في سكني مراتعها ... وخالفوها بتقويضٍ وتطنيب
جيرانها وهُمُ شرُّ الجوارِ لها ... وصحبها وهم شر الاصاحيب
قؤادُ كلّ محبٍّ في بيوتهم ... ومالُ كلّ أخيذ المال محروب
ما اوجهُ الحضر المستحسناتُ به ... كأوجه البدويات الرعابيب
حسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ ... وفي البداوة حسنُ غير مجلوب
أين المعينُ من الآرام ناظرةً ... وغير ناظرةٍ في الحسنِ والطيب
أفدي ظباءَ فلاوةٍ ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزنا من الحمّام ماثلة ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب
ومن هوى كل من ليست مموّهة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعةٍ ... قد يوجد الحلم في الشبان والشبيب
ترعرع الملك الاستاذ مكتهلاً ... قبل اكتهال أديباً قبل تاديب
مجرّباً فهماً من قبل تجربةٍ ... مهذباً كرماً من غير تهذيب
حتى أصاب من الدنيا نهايتها ... وهّمه في ابتداءاتٍ وتشبيب
يدبر الملك من مصرٍ إلى عدن ... إلى العراق فأرض الروم فالنوب
ولا تجاوزها شمسٌ إذا أشرقت ... إلا ومنه لها إذن بتغريب
إذا أتتها الرياح النكب من بلدٍ ... فما تهبُّ بها إلا بترتيب
يصرّف الامر فيها طين خاتمه ... ولو تطلّس منه كلُّ مكتوب
يحطُّ كلّ طويل الرمح حامله ... من سرج كلّطويل الباع يعبوب
كأن كل ّسؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يغقوب
стр. 33
إذا غزت أعاديه بمسألةٍ ... فقد غزته بجيش غير مغلوب
أو حاربته فما تنجو بتقدمةٍ ... ممّا أراد ولا تنجو بتجبيب
أضرت شجاعته أقصى كتائبه ... على الحمام فما موتٌ بمرهوب
قالو هجرت إليه الغيث قلتُ لهم ... إلى غيوث يديه والشآبيب
إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولايمنّعلى آثار موهوب
ولا يروع بمقدور به أحداً ... ولا يفزّع موفورا ًبمنكوب
بلى يروع بذي جيش يجدّله ... ذا مثله في أحم النقع غريب
وجدت أنفع مالٍ كنت أذخره ... ما في السوابق من جريٍ وتقريب
لمّا رأين صروف الدهر تغدر بي ... وفين لي ووفت صمُّ الأنابيب
فتن المهالك حتّى قال قائلها ... ماذا لقينا من الجرد السراجيب
تهوي بمنجردٍ ليست مذاهبه ... للبس ثوب ومأكولٍ ومشروب
يرى النجوم بعيني من يحاولها ... كأنها سلبٌ في عين مسلوب
حتى وصلت إلى نفس محجبة ... تلقى النفوس بفضلٍ غير محجوب
في جسم أروع صافي العقل تضحكه ... خلائق الناس غضحاك الأعاجيب
فالحمد قبل له والحمد بعد لها ... وللقنا ولإدلاجي وتأويبي
وكيف أكفر يا كافور نعمتها ... وقد بلغنك بي يا كلّمطلوبي
يا أيها الملك الغاني بتسميةٍ ... في الشرق والغرب عن وصفٍ وتلقيب
أنت الحبيب ولكنّي ألوذبه ... من أن أكون محباً غير محبوب
وقال يمدح كافوراً أيضاً
أغالب فيك الشوقَ والشوقُ أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضاً تنائي أو حبيباً تقرب
ولله سيري ما أقل تئية ... عشية شرقي الحدالى وغرب
عشية أحفى الناس بي من حفونه ... وأهدي الطريقين الذي أتجنب
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
وقاك ردى الأعداء تسري اليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب
ويوم كليل العاشقين كمنته ... أرقب فيه الشمس أيان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة في جسمه عن إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب
وأصرع أي وحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وان كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
لحا الله ذي الدنيا مناخاً لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا أشتكي فيها ولا أتعتب
وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وان لم أشأ تملي علي فأكتب
إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه ... ويمم كافور فما يتغرب
فتى يملأ الأفعال رأياً وحكمةً ... ونادرة أحيان يرضى ويغضب
إذا ضربت بالسيف في الحرب ... تبينت أن السيف بالكف يضرب
تزيد عطاياه على الغيث كثرة ... وتلبث أمواه السحاب فتنضب
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وتشرب
وهبت علة مقدار كفي زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب
يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وأبكي من أحب وأندب
أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... واين من المشتاق عنقاء مغرب
فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
يريد بك الحساد ما الله دافع ... وسمر العوالي والحديد المذرب
ودون الذي يبغون مالو تخلصوا ... إلى الموت منه عشت والطفل أشيب
إذا طلبوا جدواك أعطوا وحملوا ... وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبوا
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب
وأظلم أهل الظلم من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلب
стр. 34
وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعاً ... وليس له أم سواك ولا أب
وكنت له ليث العرين لشبله ... ومالك إلا الهند واني مخلب
لقيت القنا عنه بنفس كريمة ... إلى الموت في الهيجا من العار تهرب
وقد يترك النفس التي لا تهابه ... ويخترم النفس التي تتهيب
وما عدم اللقوك بأساً وشدةً ... ولكن من لاقوا أشد وأنجب
ثناهم وبرق البيض في البيض صادق ... عليهم وبرق البيض في البيض خلب
سللت سيوفاً علمت كل خاطب ... على كل عود كيف يدعو ويخطب
ويغنيك عما ينسب الناس انه ... إليك تناهى المكرمات وتنسب
واي قبيل يستحقك قدره ... معد بن عدنان فداك ويعرب
وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
وتعذلني فيك القوافي وهمتي ... كأني بمدح قبل مدحك مذنب
ولكنه طال الطريق ولم أزل ... أفتش عن هذا الكلام وينهب
فشرق حتى ليس للشرق مشرق ... وغرب حتى ليس للغرب مغرب
إذا قلته لم يمتنع من وصوله ... جدار معلى أو خباء مطنب
وقال يمدحه:
منى كن أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب
ليالي عند البيض فوادي فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندي عاب
وكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعو بما أشكوه حين أجاب
جلا اللون عن لون هدى كل مسك ... كما انجاب عن ضوء النهار ضباب
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أن ما في الوجه منه حراب
لها ظفر أن كل ظفر أعده ... وناب إذا لم يبق في الفم ناب
يغير مني الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
واني لنجم تهتدي بي صحبتي ... إذا حال من دون النجوم سحاب
غني عن الأوطان لا يستفزني ... إلى بلد سافرت إليه إياب
وعن ذملان العيسى ما سمحت به ... وأن ففي أكوارهن عقاب
وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب
وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب
وللخود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب
وما العشق إلا غرة وطماعة ... يعرض قلب نفسه فيصاب
وغيرب فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة ... فليس لنا إلا بهن لعاب
نصرفها للطعن فوق حوادر ... قد انقصفت فيهن منه كعاب
أعز مكاني في الدنى سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
وبحر أبي المسك الخضم الذي له ... على كل بحر زخرة وعباب
تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثنى عليه يعاب
وغالبه الأعداء حتى عنوا له ... كما غالبت بيض السيوف رقاب
وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلة إذا لم تصن إلا الحديد ثياب
وأوسع ما تلقاه صدراً وخلفه ... رماء وطعن والأمام ضراب
وأنفذ ما تلقاه حكماً إذا قضى ... قضاء ملوك الأرض منه غضاب
يقود إليه طاعة الناس فضله ... ولو لم يقدها نائل وعقاب
أيا سيداً في جسمه ضيغم ... وكم أسد أرواحهن كلاب
ويا آخذاً من دهره حق نفسه ... ومثلك يعطى حقه ويهاب
لنا عند هذا الدهر حق يلطه ... وقد قل إعتاب وطال عتاب
وقد تحدث الأيام عندك شيمة ... وتنعمر الأوقات وهي يباب
ولا ملك إلا أنت والملك فضلة ... كأنك سيف فيه وهو قراب
أرى لي بقربي منك عيناً قريرةً ... وان كان قرباً بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب
أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
وما لانا الباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوىً يبغى عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوماً خالفوني فشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا
جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وانك ليث والملوك ذئاب
وانك لو قويست صحف قارئ ... ذئاباً فلم يخطئ فقال ذباب
стр. 35
وان مديح الناس حق وباطل ... ومدحك حق ليس فيه كذاب
إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت مهاجراً ... له كل يوم بلدة وصحاب
ولكنك الدنيا إلي حبيبةً ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب
وقال يمدح المغيث بن علي بن بشر العجلي:
دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا ... لأهله وشفى أنى ولا كربا
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول ولا رد الذي ذهبا
سقيته عبرات ظنها مطراً ... سوائلاً من جفون ظنها سحبا
دار الملم لها طيف تهدني ... ليلاً فما صدقت عيني ولا كذبا
أنأيته فدنا أدنيته فنأى ... جمشته فنبا قبلته فأبى
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتاً من القلب لم تمدد له طنبا
مطلومة القد في تشبيه غصناً ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوباً إذا طلبا
كأنها الشمس يعيي كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا
مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسب
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح من ... أعطى وأبلغ من أملى ومن كتبا
لو حل خاطره في مقعد لمشى ... أو جاهل لصحا أو أخرس خطبا
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
بياض وجه يريك الشمس حالكة ... ودر لفظ يريك الدر مخشلبا
وسيف عزم ترد السيف هيبترطب الغرار من التأمور مختضبا
عمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا
توقه فإذا ما شئت تبلوه ... فكن معاديه أو كن له نشبا
تحلو مذاقته حتى إذا غضبا ... حالت فلو قطرت في الماء ما شربا
وتغبط الأرض منها حيث حل بها ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
ولا يرد بفيه كف سائله ... عن نفس ويرد الجحفل اللجبا
وكلما لقي الدينار صاحبه ... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
مال كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل هذا مجتد نعبا
بحر عجائبه لم تبق في سمر ... ولا عجائب بحر بعدها عجبا
لا يقنع ابن علي نيل منزلة ... يشكو محاولها التقصير والتعبا
هز اللواء بنو عجل به فغدا ... رأساً لهم وغدا كل لهم ذنبا
التاركين من الأشياء أهونها ... والراكبين من الأشياء ما صعبا
مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
أن المنية لو لاقتهم وقفت ... خرقاء تتهم الإقدام والهربا
مراتب صعدت والفكر يتبعها ... فجاز وهو على آثارها الشهبا
محامد نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت منه ولا نضبا
مكارم لك فت العالمين بها ... من يستطيع لأمر فائت طلبا
لما أقمت بانطاكية اختلفت ... الي بالخبر الركبان في حلبا
فسرت نحوك لا ألوي على أحد ... أحث راحلتي الفقر والأدبا
إذاقني زمني بلوى شرقت بها ... لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
وان عمرت جعلت الحرب والدة ... والسمهري أخاً والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقى الموت مبتسماً ... حتى كأن له في قتله أربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفه ... من سرجه مرحاً بالعز أو طربا
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
وقال يمدح علي بن منصور الحاجب:
الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
المنعبات عيوننا وعقولنا ... وجناتهن الناهيات الناهبا
الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلال غرائبا
حاولن تفديتي فخفن مراقباً ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا
وبسمن عن برد خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يا حبذا المتحملون وحبذا ... واد لثمت به الغزالة كاعبا
كيف الرجاء من الخطوب تخلصا ... من بعد ما أنشبن في مخالبا
أوحدنني ووجدن حزناً زاحداً ... متناهياً فجعلنه لي صاحبا
стр. 36
ونصبنني غرض الرماة تصيبني ... محن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقياً مطرت علي مصائبا
وحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا
حال متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان الي منها تائبا
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دماً وعرفاً ساكباً
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
كرماً فلو حدثته عن نفسه ... بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
سل عن شجاعته وزره مسالماً ... وحذار ثم حذار منه محاربا
فالموت تعرف بالصفات طباعه ... لم تلق خلقاً ذاق موتاً آئبا
أن تلقه لا تلق إلا جحفلاً ... أو قسطلاً أو طاعناً أو ضاربا
أو هارباً أو راغباً أو طالباً ... أو راهباً أو هالكاً أو نادبا
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها ... فوق السهول عواسلاً وقواضبا
وإذا نظرت الى السهول رأيتها ... تحت الجبال فوارساً وجنائبا
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجاً تبسم أو قذالاً شائبا
فكأنما كسي النهار بها دجى ... ليل وأطلعت الرماح كواكبا
قد عسكرت معها الرزايا عسكراً ... وتكتبت فيها الرجال كتائبا
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا
ودعوه من فرط السخاء مبذراً ... ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
هذا الذي أفنى النضار مواهباً ... وعداه قتلاً والزمان تجاربا
ومخيب العذال مما أملوا ... منه وليس يرد كفاً خائبا
هذا الذي أبصرت منه حاضراً ... مثل الذي أبصرت منه غائباً
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جوهراً ... جواداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
أمهجن الكرماء والمرزي بهم ... وتروك كل كريم قوم عاتبا
شادوا مناقبهم وشدت مناقبا ... وجدت مناقبهم بهن مثالبا
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا ... أنا لنخبر من يديك عجائبا
تدبير ذي حنك يفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا
وعطاء مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن يلاقي طالبا
خذ من ثناي عليك ما أستطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
وقال يمدح ابا أيوب:
سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها
أفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراً رأيت أرق من عبراتها
يستاق عيسهم أنيني خلفها ... تتوهم الزفرات زجر حداته
وكأنها شجر بدت لكنها ... شجر جنيت المر من ثمراتها
لا سرت من ابل لو أن فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها
وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسرتها
اني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سرابيلاتها
وترى المروة والفتوة والأبوة ... في كل مليحة ضراتها
هن الثلاث المانعاتي لذتي ... في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من؟ أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها
فكأنها نتيجت قياماً تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
أن الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
تلك النفوس الغالبات على العلى ... والمجد يغلبها على شهواتها
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي ابي أيوب خير نباتها
ليس التعجب من مواهب ماله ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجباً له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
لو مر يركض في سطور كتابة ... أحصى بحافر مهره ميماتها
стр. 37
يضع السنان بحيث شاء مجاولا ... حتى من الإذان في أخراتها
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها
رعد الفوارس منك في أبدانها ... أجرى من العلان في قنواتها
لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
إلى آخرها: وقال يمدح سيف الدولة:
عواذل ذات الخال في حواسد ... وان ضجيع الخود مني لماجد
يرد يداً عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشا ... محب لها في قربه متباعد
إذا كنت تخشى العرفي كل خلوة ... فلم تتصباك الحسان الخرائد؟
ألح علي السقم حتى ألفته ... ومل طبيبي جانبي والعوائد
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجي الجياد معاهد
وما تنكر االدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيه الولائد
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونهه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
تثنى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود
وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد
خليلي اني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا أن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد
له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد
ولما رأيت لناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد
أحقهم بالسيف من ضرب الطلى ... وبالامن من هانت عليه الشدائد
وأشقى بلاد الله ما الروم أهلها ... بهذا وما فيها لمجدك جاحد
شننت بها الغارات حتى تركتها ... وجفن الذي خلف الفرنجة ساهد
مخضبة والقوم صرعى كأنهم ... وان لم يكونوا ساجدين مساجد
تنكسهم والسابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرماح المكايد
وتضربهم هبراً وقد سكنوا الكدى ... كما سكنت بطن التراب الأساود
وتضحي الحصون المشمخرات في الذرى ... وخيلك في أعناقهن فلائد
عصفن بهم يوم القان زسقتهم ... بهنزيط حتى ابيض بالسبي آمد
وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى ... وذاق اردى أهلاهما والجلامد
وغلس في الوادي بهن مشيع ... مبارك ما تحت اللثامين عابد
فتى يشتهي طول البلاد ووقته ... تضيق به أوقاته والمقاصد
أخو غزوات ما تغب سيوفه ... رقابهم إلا وسيحان جامد
فلم يبق إلا من حماها من الظبى ... لمى شفتيها واثدي النواهد
ستبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكد
وان دماً أجريته بك فاخر ... وان فؤاداً رعته لك حامد
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حيته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
فأنت حسام الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد
وانت ابو الهيجا بن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
أولئك نياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد
أحبك يا شمس الزمان وبدره ... وان لامني فيك السهى والفراقد
وذاك لأن الفضل عنك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد
فإن قليل الحب بالعقل صال ... وان كثير الحب بالجهل فاسد
وقال يمدح سيف الدولة ويهنئه بعيد الأضحى:
لكل امرئ من دهره ما تعودوا ... وعادة سيف الدولة الطعن في العدى
وان يكذب الإرجاف عنه بضده ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
ورب مريد ضره ضر نفسه ... وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
стр. 38
ومستكبر لم يعرف الله ساعة ... رأى الدجر واحذره إذا كان مزبداً
فإني رأيت البحر يعثر بالفتى ... وهذا الذي يأتي الفتى متعمدا
تظل ملوك الأرض خاشعةً له ... تفارقه هلكي وتلقاه سجدا
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحي التبسم والجدا
ذكي تظنه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا
وصول إلى المستصعبات بخيله ... ولو كان قرن الشمس ماءً لأوردا
لذلك سمى ابن الدمستق يومه ... مماتاً وسماه الدمستق مولدا
سريت إلى جيحان من أرض آمد ... ثلاثاً لقد أدناك ركض وأبعدا
فولى وأعطاك ابنه وجيوشه ... جميعاً ولم يعط الجميع ليحمدا
عرضت له دون الحياة وطرفه ... وأبصر سيف الله منك مجردا
وما طلبت زرق ال؟ أسنة غيره ... ولكن قسطنطين كان له الفدا
فأصح يجتاب المسوح مخافة ... وقد كان يجتاب الدلاص المسردا
ويمشي به العكاز في الدير تائباً ... وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه ... جريحاً وخلى جفنه النقع أرمدا
فإن كان ينجني من علي ترهب ... ترهبت الأملاك مثنى وموحدا
وكل امرئ في الشرق والغرب بعده ... يعد له ثوباً من الشعر اسودا
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيدا
ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلم مخروقاً وتعطى وعيدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
فواعجباً من دائل أنت سيفه ... أما يتوقى شفرتي ما تقلدا
ومن ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهندا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليد
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وان أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
ولكن تفوق الناس رأياً وحكمة ... كما فقتهم حالاً ونفساً ومحتدى
يدق على الأفكار ما أنت فتعل ... فيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدا
أزل حسد الحساد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
إذا شد زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
وما أنا إلا سمهري حملته ... فزين معروضاً وراع مسددا
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمراً ... وغنى به من لا يغني مغردا
أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
تركت السرى خلفي لمن قل ماله
وأنعلت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
إذا سأل الإنسان أيامه الغنى ... وكنت على بعد جعلنك موعدا
وقال يمدح كافوراً ولم يلقه بعدها:
أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده
يباعدن حباً يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وضده
ابى خلق الدنيا حبيباً تديمه ... فما طلبي منها حبيباً ترده
وأسرع مفعول فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضده
رعى الله عيساً فارقتنا وفوقها ... مهاً كلها يولى بجفنيه خده
بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده
إذا سارت الاحداج فوق نباته ... تفوح مسك الغانيات ورنده
وحال كإحداهن رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطريق وبعده
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
فلا ينحلل بالمجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده
стр. 39
ولكن قلباً بين جنبي ماله ... مدىً ينتهي بي في مراد أحده
يرى جسمه يكسى شفوفاً تربه ... فيختار أن يكسى دروعاً تهده
يكلفني التهجير في كل مهمه ... عليقي مراعيه وزادي ربده
وأمضى سلاح قلد المرء نفسه ... رجاء ابي المسك الكريم وقصده
هما ناصرا من خانه كل ناصر ... وأسرة من لم يكثر النسل جده
أنا اليوم من غلمانه في عشيرة ... لنا والد منه يفديه ولده
فمن ماله مال الكبير ونفسه ... ومن ماله در الصغير ومهده
نجر القنا الخطي حول قبابه ... وتردي بناقب الرباط وجرده
ونمتحن النشاب في كل وابل ... دوي القيس الفارسية رعده
فإلا تكن مصر الشرى أوعرينه ... فإن الذي فيها من الناس أسده
سبائك كافور وعقيانه الذي ... بصم القنا لا بالأصابع نقده
جلاها حواليه العدو وغيره ... وجر بها هزل الطراد وجده
ابو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ... ولكنه يفنى بعذرك حقده
فيا أيها المنصور بالجد سعيه ... ويا أيها المنصور بالسعي جده
تولى الصبا عني وأخلفت طيبه ... وما ضرني لما رأيتك فقده
لقد شب في هذا الزمان كهوله ... لديك وشابت عند غيرك مرده
ألا ليت يوم السير يخبر حره ... فتسأله والليل يخبر برده
وليتك ترعاني وحيران معرض ... فتعلم أني من حسامك حده
وأني إذا باشرت أمراً أريده ... تدانت أقاضيه ولان أشده
وما زال أهل الدهر يشتبهون لي ... إليك فلما لحت لي لاح فرده
يقال إذا أبصرت جيشاً وربه ... أمامك ملك رب ذا الجيش عبده
وألقى الفم الضحاك أعلم انه ... قريب بذي الكف المفداة عهده
فزارك مني من إليك اشتياقه ... وفي الناس إلا فيك وحدك زهده
يخلف من لم يأت دارك غاية ... ويأت فيدري أن ذلك جهده
فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده
ووعدك فعل قبل وعد لإنه ... نظير فعال الصادق القول وعده
وكن في اصطناعي محسناً كمجرب ... يبن لك تقريب الجواد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده
وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وإنك للمشكور في كل حالة ... ولو لم يكن إلا البشاشة رفده
وكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظة طرف منك عندي نده
واني لفي بحر من الخير أصله ... عطاياك أرجو مدها وهي مده
وكل رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده
يجود به من يفضح الجود جوده ... ويحمده من يفضح الحمد حمده
فإنك ما مر النحوس بكوكب ... فقابلته إلا ووجهك سعده
وقال يمدح أبا عبيدة بن يحيى البحتري المنبجي:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفي برود وهو في كبدي جمر
إذا اغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وذيا الذي قبلته البرق أم ثغر؟
رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن نرى شمساً وما طلع الفجر
رأين التي للسحر من لحظاتها ... سيوف ظباها من دم ابداً حمر
تناهى سكون الحسن في حركاتها ... فليس لراء وجهها لم يمت عذر
إليك ابن يحيى بن الحسين تجاوزت ... بي البيد عنس لحمها والدم الشعر
نضحت بذكراكم حرارة قلبها ... فسارت وطول الأرض في عينها شبر
إلى ليث حرب يلحم الليث سيفه ... وبحر ندى في جوده يغرق البحر
فتىً كل يوم يحتوي صلب ماله ... رماح المعالي لا الردينية السمر
تباعد ما بين السحاب وبينه ... فنائلها قطر ونائله غمر
ولو تنزل الدنيا على حكم كفه ... لأصبحت الدنيا وأكثرها نزر
أراه صغيراً قدرها عظم قدره ... فما لعظيم قدره عنده قدر
متى ما يشر نحو السماء بوجهه ... تخر له الشعرى وينخسف البدر
يرى القمر الأرضي والملك الذي ... له الملك بعد الله والمجد والذكر
كثير سهاد العين من غير علة ... يؤرقه فيما يشرفه الفكر
له منن تفني الثناء كأنما ... به؟ أقسمت أن لا يؤدي لها الشكر
стр. 40
أبا أحمد ما الفخر إلا لأهله ... وما لامرئ لم يمس من بحتر فخر
هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يغني بهم حضر ويحدو بهم سفر
بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر؟
وقال يمدح القاضي أبا الفرج أحمد بن الحسين:
لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا. ما لوحشية شنف
نفور عرتها نفرة فتجاذبت ... سوالفها والحلي والمرط والردف
وخيل منها مرطها فكأنما ... تثنى لنا خوط ولا حظنا خشف
زيادة شيب وهي نقص زيادتي ... وقوة عشق وهي من قوتي ضعف
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثياباً غيرها الشعر الوحف
وقابلني رمانتا غصن بانة ... يميل به بدر ويمسكه حقف
أكيداً لنايابين واصلت وصلنا ... فلا دارنا تدن ولا عيشنا يصفو
أردد في الهوى كالسم في الشهد كامناً ... لذذت به جهلاً وفي اللذة الحتف
فأفنى وما أفنته نفسي كأنما ... ابو الفرج القاضي له دونها كهف
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت الألفاظ من لفظه حرف
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
وان فقد الإعطاء حنت يمينه ... إليه حنين الإلف فارقه الإلف
أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف
جواد سمت في الخير والشر كفه ... سمواً يود الدهر أن اسمه كف
وأضحى وبين الناس في كل سيد ... من الناس إلا في سيادته خلف
يفدونه حتى كأن دماءهم لجاري هواه في عروقهم تقفو
وقوفين في وقفين شكر ونائل ... فنائله وقف وشكرهم وقف
ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكثف الكثف
وما حارت الأوهام في عظم شأنه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف
ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف
تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
أمات رياح اللؤم وهي عواصف ... ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعاً ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
ولا ساعياً في قلة المجد مدركاً ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
ولم نر شيئاً يحمل العبء حمله ... ويستصغر الدنيا ويحمله طرف
ولا جلس البحر المحيط لقاصد ... ومن تحته فرش ومن فوقه سقف
فواعجبا مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته ... يمر له صنف ويأتي له صنف
وتفتر منه عن خصال كأنها ... ثنايا حبيب لا يمل لها رشف
قصدتك والراجون قصدي إليهم ... كثير ولكن ليس كالذنب الأنف
ولا الفضة البيضاء والتبر واحداً ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف
ولست بدون يرتجى الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
ولا واحداً في ذا الورى في جماعة ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وذنبي تقصيري وما جئت مادحاً ... بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
وقال عند مسير سيف الدولة لنصرة أخيه ناصر الدولة لما قصد الموصل:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل
وما تقر سيوف في ممالكها ... حتى تقلقل دهراً قبل في القلل
مثل الأمير بغى أمراً فقر به ... طول الرماح وأيدي الخيل والابل
وعزمة بعثتها همة، زحل ... من تحتها بمكان الترب من زحل
على الفرات أعاصير وفي حلب ... توحش لملقى النصر مقتبل
تتلو أسنته الكتب التي نفذت ... ويجعل الخيل أبدالاً من الرسل
يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزر ... وما أعدوا فما يلقى سوى نفل
صان الخليفة بالأبطال مهجته ... صيانة الذكر الهندي بالخلل
ألفاعل الفعل لم يفعل لشدته ... والقائل القول لم يترك ولم يقل
والباعث الجيش قد غالت عجاجته ... ضوء النهار فصار الظهر كالطفل
следующие страницы →