Полный текст (363 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ونصبنني غرض الرماة تصيبني ... محن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقياً مطرت علي مصائبا
وحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا
حال متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان الي منها تائبا
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دماً وعرفاً ساكباً
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
كرماً فلو حدثته عن نفسه ... بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
سل عن شجاعته وزره مسالماً ... وحذار ثم حذار منه محاربا
فالموت تعرف بالصفات طباعه ... لم تلق خلقاً ذاق موتاً آئبا
أن تلقه لا تلق إلا جحفلاً ... أو قسطلاً أو طاعناً أو ضاربا
أو هارباً أو راغباً أو طالباً ... أو راهباً أو هالكاً أو نادبا
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها ... فوق السهول عواسلاً وقواضبا
وإذا نظرت الى السهول رأيتها ... تحت الجبال فوارساً وجنائبا
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجاً تبسم أو قذالاً شائبا
فكأنما كسي النهار بها دجى ... ليل وأطلعت الرماح كواكبا
قد عسكرت معها الرزايا عسكراً ... وتكتبت فيها الرجال كتائبا
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا
ودعوه من فرط السخاء مبذراً ... ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
هذا الذي أفنى النضار مواهباً ... وعداه قتلاً والزمان تجاربا
ومخيب العذال مما أملوا ... منه وليس يرد كفاً خائبا
هذا الذي أبصرت منه حاضراً ... مثل الذي أبصرت منه غائباً
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جوهراً ... جواداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
أمهجن الكرماء والمرزي بهم ... وتروك كل كريم قوم عاتبا
شادوا مناقبهم وشدت مناقبا ... وجدت مناقبهم بهن مثالبا
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا ... أنا لنخبر من يديك عجائبا
تدبير ذي حنك يفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا
وعطاء مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن يلاقي طالبا
خذ من ثناي عليك ما أستطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
وقال يمدح ابا أيوب:
سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها
أفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراً رأيت أرق من عبراتها
يستاق عيسهم أنيني خلفها ... تتوهم الزفرات زجر حداته
وكأنها شجر بدت لكنها ... شجر جنيت المر من ثمراتها
لا سرت من ابل لو أن فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها
وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسرتها
اني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سرابيلاتها
وترى المروة والفتوة والأبوة ... في كل مليحة ضراتها
هن الثلاث المانعاتي لذتي ... في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من؟ أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها
فكأنها نتيجت قياماً تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
أن الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
تلك النفوس الغالبات على العلى ... والمجد يغلبها على شهواتها
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي ابي أيوب خير نباتها
ليس التعجب من مواهب ماله ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجباً له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
لو مر يركض في سطور كتابة ... أحصى بحافر مهره ميماتها
стр. 37
يضع السنان بحيث شاء مجاولا ... حتى من الإذان في أخراتها
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها
رعد الفوارس منك في أبدانها ... أجرى من العلان في قنواتها
لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
إلى آخرها: وقال يمدح سيف الدولة:
عواذل ذات الخال في حواسد ... وان ضجيع الخود مني لماجد
يرد يداً عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشا ... محب لها في قربه متباعد
إذا كنت تخشى العرفي كل خلوة ... فلم تتصباك الحسان الخرائد؟
ألح علي السقم حتى ألفته ... ومل طبيبي جانبي والعوائد
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجي الجياد معاهد
وما تنكر االدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيه الولائد
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونهه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
تثنى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود
وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد
خليلي اني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا أن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد
له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد
ولما رأيت لناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد
أحقهم بالسيف من ضرب الطلى ... وبالامن من هانت عليه الشدائد
وأشقى بلاد الله ما الروم أهلها ... بهذا وما فيها لمجدك جاحد
شننت بها الغارات حتى تركتها ... وجفن الذي خلف الفرنجة ساهد
مخضبة والقوم صرعى كأنهم ... وان لم يكونوا ساجدين مساجد
تنكسهم والسابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرماح المكايد
وتضربهم هبراً وقد سكنوا الكدى ... كما سكنت بطن التراب الأساود
وتضحي الحصون المشمخرات في الذرى ... وخيلك في أعناقهن فلائد
عصفن بهم يوم القان زسقتهم ... بهنزيط حتى ابيض بالسبي آمد
وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى ... وذاق اردى أهلاهما والجلامد
وغلس في الوادي بهن مشيع ... مبارك ما تحت اللثامين عابد
فتى يشتهي طول البلاد ووقته ... تضيق به أوقاته والمقاصد
أخو غزوات ما تغب سيوفه ... رقابهم إلا وسيحان جامد
فلم يبق إلا من حماها من الظبى ... لمى شفتيها واثدي النواهد
ستبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكد
وان دماً أجريته بك فاخر ... وان فؤاداً رعته لك حامد
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حيته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
فأنت حسام الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد
وانت ابو الهيجا بن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
أولئك نياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد
أحبك يا شمس الزمان وبدره ... وان لامني فيك السهى والفراقد
وذاك لأن الفضل عنك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد
فإن قليل الحب بالعقل صال ... وان كثير الحب بالجهل فاسد
وقال يمدح سيف الدولة ويهنئه بعيد الأضحى:
لكل امرئ من دهره ما تعودوا ... وعادة سيف الدولة الطعن في العدى
وان يكذب الإرجاف عنه بضده ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
ورب مريد ضره ضر نفسه ... وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
стр. 38
ومستكبر لم يعرف الله ساعة ... رأى الدجر واحذره إذا كان مزبداً
فإني رأيت البحر يعثر بالفتى ... وهذا الذي يأتي الفتى متعمدا
تظل ملوك الأرض خاشعةً له ... تفارقه هلكي وتلقاه سجدا
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحي التبسم والجدا
ذكي تظنه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا
وصول إلى المستصعبات بخيله ... ولو كان قرن الشمس ماءً لأوردا
لذلك سمى ابن الدمستق يومه ... مماتاً وسماه الدمستق مولدا
سريت إلى جيحان من أرض آمد ... ثلاثاً لقد أدناك ركض وأبعدا
فولى وأعطاك ابنه وجيوشه ... جميعاً ولم يعط الجميع ليحمدا
عرضت له دون الحياة وطرفه ... وأبصر سيف الله منك مجردا
وما طلبت زرق ال؟ أسنة غيره ... ولكن قسطنطين كان له الفدا
فأصح يجتاب المسوح مخافة ... وقد كان يجتاب الدلاص المسردا
ويمشي به العكاز في الدير تائباً ... وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه ... جريحاً وخلى جفنه النقع أرمدا
فإن كان ينجني من علي ترهب ... ترهبت الأملاك مثنى وموحدا
وكل امرئ في الشرق والغرب بعده ... يعد له ثوباً من الشعر اسودا
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيدا
ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلم مخروقاً وتعطى وعيدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
فواعجباً من دائل أنت سيفه ... أما يتوقى شفرتي ما تقلدا
ومن ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهندا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليد
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وان أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
ولكن تفوق الناس رأياً وحكمة ... كما فقتهم حالاً ونفساً ومحتدى
يدق على الأفكار ما أنت فتعل ... فيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدا
أزل حسد الحساد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
إذا شد زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
وما أنا إلا سمهري حملته ... فزين معروضاً وراع مسددا
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمراً ... وغنى به من لا يغني مغردا
أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
تركت السرى خلفي لمن قل ماله
وأنعلت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
إذا سأل الإنسان أيامه الغنى ... وكنت على بعد جعلنك موعدا
وقال يمدح كافوراً ولم يلقه بعدها:
أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده
يباعدن حباً يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وضده
ابى خلق الدنيا حبيباً تديمه ... فما طلبي منها حبيباً ترده
وأسرع مفعول فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضده
رعى الله عيساً فارقتنا وفوقها ... مهاً كلها يولى بجفنيه خده
بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده
إذا سارت الاحداج فوق نباته ... تفوح مسك الغانيات ورنده
وحال كإحداهن رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطريق وبعده
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
فلا ينحلل بالمجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده
стр. 39
ولكن قلباً بين جنبي ماله ... مدىً ينتهي بي في مراد أحده
يرى جسمه يكسى شفوفاً تربه ... فيختار أن يكسى دروعاً تهده
يكلفني التهجير في كل مهمه ... عليقي مراعيه وزادي ربده
وأمضى سلاح قلد المرء نفسه ... رجاء ابي المسك الكريم وقصده
هما ناصرا من خانه كل ناصر ... وأسرة من لم يكثر النسل جده
أنا اليوم من غلمانه في عشيرة ... لنا والد منه يفديه ولده
فمن ماله مال الكبير ونفسه ... ومن ماله در الصغير ومهده
نجر القنا الخطي حول قبابه ... وتردي بناقب الرباط وجرده
ونمتحن النشاب في كل وابل ... دوي القيس الفارسية رعده
فإلا تكن مصر الشرى أوعرينه ... فإن الذي فيها من الناس أسده
سبائك كافور وعقيانه الذي ... بصم القنا لا بالأصابع نقده
جلاها حواليه العدو وغيره ... وجر بها هزل الطراد وجده
ابو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ... ولكنه يفنى بعذرك حقده
فيا أيها المنصور بالجد سعيه ... ويا أيها المنصور بالسعي جده
تولى الصبا عني وأخلفت طيبه ... وما ضرني لما رأيتك فقده
لقد شب في هذا الزمان كهوله ... لديك وشابت عند غيرك مرده
ألا ليت يوم السير يخبر حره ... فتسأله والليل يخبر برده
وليتك ترعاني وحيران معرض ... فتعلم أني من حسامك حده
وأني إذا باشرت أمراً أريده ... تدانت أقاضيه ولان أشده
وما زال أهل الدهر يشتبهون لي ... إليك فلما لحت لي لاح فرده
يقال إذا أبصرت جيشاً وربه ... أمامك ملك رب ذا الجيش عبده
وألقى الفم الضحاك أعلم انه ... قريب بذي الكف المفداة عهده
فزارك مني من إليك اشتياقه ... وفي الناس إلا فيك وحدك زهده
يخلف من لم يأت دارك غاية ... ويأت فيدري أن ذلك جهده
فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده
ووعدك فعل قبل وعد لإنه ... نظير فعال الصادق القول وعده
وكن في اصطناعي محسناً كمجرب ... يبن لك تقريب الجواد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده
وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وإنك للمشكور في كل حالة ... ولو لم يكن إلا البشاشة رفده
وكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظة طرف منك عندي نده
واني لفي بحر من الخير أصله ... عطاياك أرجو مدها وهي مده
وكل رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده
يجود به من يفضح الجود جوده ... ويحمده من يفضح الحمد حمده
فإنك ما مر النحوس بكوكب ... فقابلته إلا ووجهك سعده
وقال يمدح أبا عبيدة بن يحيى البحتري المنبجي:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفي برود وهو في كبدي جمر
إذا اغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وذيا الذي قبلته البرق أم ثغر؟
رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن نرى شمساً وما طلع الفجر
رأين التي للسحر من لحظاتها ... سيوف ظباها من دم ابداً حمر
تناهى سكون الحسن في حركاتها ... فليس لراء وجهها لم يمت عذر
إليك ابن يحيى بن الحسين تجاوزت ... بي البيد عنس لحمها والدم الشعر
نضحت بذكراكم حرارة قلبها ... فسارت وطول الأرض في عينها شبر
إلى ليث حرب يلحم الليث سيفه ... وبحر ندى في جوده يغرق البحر
فتىً كل يوم يحتوي صلب ماله ... رماح المعالي لا الردينية السمر
تباعد ما بين السحاب وبينه ... فنائلها قطر ونائله غمر
ولو تنزل الدنيا على حكم كفه ... لأصبحت الدنيا وأكثرها نزر
أراه صغيراً قدرها عظم قدره ... فما لعظيم قدره عنده قدر
متى ما يشر نحو السماء بوجهه ... تخر له الشعرى وينخسف البدر
يرى القمر الأرضي والملك الذي ... له الملك بعد الله والمجد والذكر
كثير سهاد العين من غير علة ... يؤرقه فيما يشرفه الفكر
له منن تفني الثناء كأنما ... به؟ أقسمت أن لا يؤدي لها الشكر
стр. 40
أبا أحمد ما الفخر إلا لأهله ... وما لامرئ لم يمس من بحتر فخر
هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يغني بهم حضر ويحدو بهم سفر
بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر؟
وقال يمدح القاضي أبا الفرج أحمد بن الحسين:
لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا. ما لوحشية شنف
نفور عرتها نفرة فتجاذبت ... سوالفها والحلي والمرط والردف
وخيل منها مرطها فكأنما ... تثنى لنا خوط ولا حظنا خشف
زيادة شيب وهي نقص زيادتي ... وقوة عشق وهي من قوتي ضعف
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثياباً غيرها الشعر الوحف
وقابلني رمانتا غصن بانة ... يميل به بدر ويمسكه حقف
أكيداً لنايابين واصلت وصلنا ... فلا دارنا تدن ولا عيشنا يصفو
أردد في الهوى كالسم في الشهد كامناً ... لذذت به جهلاً وفي اللذة الحتف
فأفنى وما أفنته نفسي كأنما ... ابو الفرج القاضي له دونها كهف
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت الألفاظ من لفظه حرف
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
وان فقد الإعطاء حنت يمينه ... إليه حنين الإلف فارقه الإلف
أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف
جواد سمت في الخير والشر كفه ... سمواً يود الدهر أن اسمه كف
وأضحى وبين الناس في كل سيد ... من الناس إلا في سيادته خلف
يفدونه حتى كأن دماءهم لجاري هواه في عروقهم تقفو
وقوفين في وقفين شكر ونائل ... فنائله وقف وشكرهم وقف
ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكثف الكثف
وما حارت الأوهام في عظم شأنه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف
ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف
تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
أمات رياح اللؤم وهي عواصف ... ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعاً ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
ولا ساعياً في قلة المجد مدركاً ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
ولم نر شيئاً يحمل العبء حمله ... ويستصغر الدنيا ويحمله طرف
ولا جلس البحر المحيط لقاصد ... ومن تحته فرش ومن فوقه سقف
فواعجبا مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته ... يمر له صنف ويأتي له صنف
وتفتر منه عن خصال كأنها ... ثنايا حبيب لا يمل لها رشف
قصدتك والراجون قصدي إليهم ... كثير ولكن ليس كالذنب الأنف
ولا الفضة البيضاء والتبر واحداً ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف
ولست بدون يرتجى الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
ولا واحداً في ذا الورى في جماعة ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وذنبي تقصيري وما جئت مادحاً ... بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
وقال عند مسير سيف الدولة لنصرة أخيه ناصر الدولة لما قصد الموصل:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل
وما تقر سيوف في ممالكها ... حتى تقلقل دهراً قبل في القلل
مثل الأمير بغى أمراً فقر به ... طول الرماح وأيدي الخيل والابل
وعزمة بعثتها همة، زحل ... من تحتها بمكان الترب من زحل
على الفرات أعاصير وفي حلب ... توحش لملقى النصر مقتبل
تتلو أسنته الكتب التي نفذت ... ويجعل الخيل أبدالاً من الرسل
يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزر ... وما أعدوا فما يلقى سوى نفل
صان الخليفة بالأبطال مهجته ... صيانة الذكر الهندي بالخلل
ألفاعل الفعل لم يفعل لشدته ... والقائل القول لم يترك ولم يقل
والباعث الجيش قد غالت عجاجته ... ضوء النهار فصار الظهر كالطفل
стр. 41
الجو أضيق ما لاقاه ساطعها ... ومقلة الشمس فيه أحير المقل
ينال أبعد منها وهي ناظرة ... فما تقابله إلا على وجل
قد عرض السيف دون النازلات به ... وظاهر الحزم بين النفس والغيل
ووكل الظن بالأسرار فانكشفت ... له ضمائر أهل السهل والجبل
هو الشجاع يعد البخل من جبن ... وهو الجواد يعد الجبن من بخل
يعود من كل فتح غير مفتخر ... وقد أغذ إليه غير محتفل
ولا يجير عليه الدهر بغيته ... ولا تحصن درع مهجة البطل
إذا خلعت على عرض له حللا ... وجدتها منه في أبهى من الححل
بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل
لقد رأت كل عين منك مالئها ... وجردت خير سيف خيرة الدول
فما تكشفك الأعداء عن ملل ... الحروب ولا الآراء عن زلل
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم ... جمعهم أرضا بلا رجل
ما زال طرفك يجري في دمائهم ... مشى بك مشي الشارب الثمل
يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في جدل
إن السعادة فيما أنت فاعله ... وفقت مرتحلاً أو غير مرتحل
أجر الجياد على ما كنت مجريها ... وخذ بنفسك في أخلاقك الأول
ينظرن من مقل أدمى أحجتها ... قرع الفوارس بالعسالة الذبل
فلا هجمت بها إلا على ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل
وقال يمدح أبا محمد الحسين بن عبيد الله بن طغج بن جف:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم
ولكنني مما ذهلت متيم ... كسال وقلبي بائح مثل كاتم
وقفا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم
ودسنا بأخفاف المطايا ترابها ... فما زلت أستشفي بلثم المناسم
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم
ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم
فما لي وللدنيا طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
وأن ترد الماء الذي شطره دم ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
إذا صلت لم أترك مصالاً لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالاً لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
عن المقتني بذل التلاد تلاده ... ومجتنب البخل اجتناب المحارم
تمنى أعادية محل عفاته ... وتحسد كفية ثقال الغمائم
ولا يتلقى الحرب إلا بمجهة ... معظمة مذخورة للعظائم
وذي لجب لاذوا الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم
ويخفى عليك البرق والرعد فوقه ... من اللمع في حافاته والهماهم
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ... ضراباً يمشي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
حمته على الأعداء من كل جانب ... سيوف بني طغج بن جف القماقم
هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... منه كرهم في المكارم
وهم يحسنون العفو عن كل مذنب ... ويحتملون الغرم عن كل غارم
حييون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياء من شفار الصوارم
ولولا احتقار الأسد شبهتمهم بها ... ولكنها معدودة في البهائم
سرى النوم عني في سراي إلى الذي ... صنائعه تسري إلى كل نائم
إلى مطلق الأسرى ومحترم العدى ... ذوي الشكوى ورغم المراغم
كريم نفضت الناس لما بلغته ... كأنهم ما جف من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم
وفارقت شر الأرض أهلاً وتربة ... بها علوي جده غير هاشم
стр. 42
بلى الله حساد الأمير بحلمه ... وأجلسه منهم مكان العمائم
فإن لهم في سرعة الموت راحة ... وإن لهم منهم في العيش حز الغلاصم
كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاتلت من لم تقاوم
وقال يرثى أبا شجاع فاتك الأخشيدي الملقب بالمجنون:
الحزن يقلق والتجميل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع
يتنازعان دموع عين مسهد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافر ... والليل معي والكواكب ظلع
إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بينانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع؟
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبع
لم يرض قلب أبي شجاع مبلغ ... قبل الممات ولم يسعه موضع
كنا نظن دياره مملوءة ... ذهباً فمات وكل دار بلقع
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمع
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الكريم الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلاً ... من أن تقايسهم وقدرك أرفع
برد حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع
ما كان منك إلى خليل قباها ... ما يستراب به ولا ما يوجع
ولقد أراك وما تلم ملمة ... إلا نفاها عنك قلب أصمع
ويد يبدل كل يوم حلة ... أني رضيت بحلة لا تنزع
ما زلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم ما لا تخلع
ما زلت تدفع كل أمر فادح ... حتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لارماحك شرع ... فيما عراك ولا سيوفك قطع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثف ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعت به وخدك تقرع
وصلت إليك يد ساء عندها ال ... بازي الأشهيب والغراب الأبقع
من المحافل والجحافل والقرى؟ ... فقدت بفقدك نيراً لا يطلع
ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ... ضاعوا ومثلك لايكاد يضيع
قبحاً لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبح برقع
أيموت مثل ابي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع؟
أيد مقطعة حوالي رأسه ... وقفاً يصيح بها ألا من يصفح؟
أبقيت أكذب كاذب أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع
وتركت أنتن ريحة مذمومة ... وسلبت أطيب ريحة تتضوع
فاليوم قر لكل وحش نافر ... دمه وكان كأنه يتطلع
وتصالحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع
وعفا الطراد فلا سنان راعف ... فوق القناة ولا حسام يلمع
ولى وكل مخالم ومنادم ... بعد اللزوم مشيع ومودع
قد كان فيه لكل قوم ملجأ ... ولسيفه في كل قوم مرتع
أن حل في روم ففيها قيصر ... أو حل في عرب ففيها تبع
قد كان أسرع فارس في طعنة ... فرساً ولكن المنية أسرع
لا قلبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً ولا حملت جواداً أربع
أبيات متفرقة
أبيات أديبة ألحقتها بعد تمام هذا المجلد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان لما ذكر (جبل أروند) المطل على مدينة همذان، قال: وأهل همذان كثيراً ما يذكرونه في أحاديثهم وأسجاعهم وأشعارهم ويعدونه من أجل مفاخر بلدهم، وكثيراً ما يتشوقون إليه في الغربة وعلى سائر البلاد يفضلونه وفيه يقول عين القضاة عبد الله بن محمد الميانجي في رسالة كتبها إلى أهل همذان وهو محبوس:
ألا ليت شعري هل ترى العين مرةً ... ذرى قلتي أروند من همذان
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأرضعت من عقانها بلبان
وقال ياقوت: العقان بقية اللبن في الضرع. وقال شاعر من أهل همذان:
تذكرت من أروند طيب نسيمه ... فقلت لقلب بالفراق سليم
سقى الله أرونداً وروض شعابه ... ومن حله من ظاعن ومقيم
стр. 43
وأيامنا إذا نحن في الدار جيرة ... واذ دهرنا بالصل غير ذميم
قال: ويقال أن أكثر المياه في الجبال من أسفلها إلا أروند فإن ماءة من أعلاه ومنابعه في ذروته. قال بعض شعرائهم يفضله على بغداد ويتشوقه:
وقالت نساء الحي اين ابن أختنا ... إلا خبرونا عنه حييتم وفدا
رعاه ضمان الله هل في بلادكم ... أخو كرم يرعى لذي حسب عهده
فإن الذي خلفتموه بأرضكم ... فتىً ملأ الأحشاء هجرانه وجدا
أبغدادكم تنسيه أروند مربعاً ... ألا خاب من يشري ببغداد أروند
فدتهن نفسي لو سمعن بما أرى ... رمى كل جيد من تنهده عقدا
وقال محمد بن بشير الهمذاني يصف أروند:
سقياً لظلك يا أروند من جبل ... وان رميناك بالهجران والملل
هل يعلم الناس ما كلفتني حججاً ... من حب مائك إذا يشفي من العلل
لازلت تكسى من الأنواء أردية ... من ناضر أنق أو ناعم خضل
حتى تزور العذارى كل شارقة ... أفياء سفحك يستصبين ذا الغزل
وأنت في حلل والجو في حلل ... والبيض في حلل والروض في حلل
وقال محمد بن بشير أيضاً يصف أروند:
تزينت الدنيا وطابت جنانها ... وناح على أغصانها ورشانها
وأمرعت القيعان واخضر نبتها ... وقا على الوزن السواء زمانها
وجاءت جنود من قرى الهند لم تكن ... لتأتي إلا حين يأتي أوانها
مسودة دعج العيون كأنما ... لغات بنات الهند تحكي لسانها
لعمرك ما في الأرض شيء نلذه ... من العيش إلا فوقه همذانها
إذا استقبل الصيف الربيع وأعشبت ... شماريخ من أروند شم قنانها
وهاج عليهم بالعراق وأرضه ... هواجر يشوي أهلها لهبانها
سقتك ذرى أروند من سيح ذائب ... من الثلج أنهاراً عذاباً رعانها
ترى الماء مستناً على ظهر صخره ... ينابيع يزهي حسنها واستنانها
كأن بها شوباً من الجنة التي ... تفيض على سكانها حيوانها
فياساقي الكأس اسقينها مدامة ... على روضة يشفي المحب جنانها
مكللة بالنور تحكي مضاحكاً ... شقائقها في غاية الحسن بانها
كأن عروس الحي بين خلالها ... قلائد ياقوت زهاها اقترانها
تهاويل من حمر وصفر كأنها ... ثنايا العذارى ضااحكاً أقحوانها
قال طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري القاضي الشافعي ﵀: كتبت إلى ابي العلاء المعري حين ورد بغداد
وما ذات در لا يحل لحالب ... تناوله واللحم منها مجلل
لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن رام شرب الدر فهو مجلل
إذا طعنت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع مغفل
وخرفانها للأكل فيها كزازة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل
فاجابني وأملى على الرسول في الحال:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه نخلاً فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تمر وغض الكرم يجنى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يودك مقبل
فاجبته بقولي:
أثار ضميري من يعز نظيره ... من الناس طراً سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرارها ... وخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سر المعاني وجهرها ... ومعضلها باد لديه مفصل
ولما أثار الحب قاد منيعه ... أسيراً بأنواع البيان مكبل
وقربه من كل فهم بكشفه ... وأيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب نزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر فيها مطول
فأجاب مرتجلاص وأملى على الرسول:
إلا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على اهل الخلاف تسلل
فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل
стр. 44
فإن كنت بين الناس غير ممول ... فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلاً ... فأنت وهم مثل الحمائم أجدل
كأنك من في الشافعي مخاطب ... ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وانت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما ... فعلت وكفي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريا فصاحةً ... وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذرك في اني أجبتك واثقاً ... بفضلك والانسان يسهو ويذهل
وأخطأت في انفاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك عاطراً ... بها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلاً ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به تتجمل
ومن المراثي الجيدة أبيات ذكرها ابن خالكان في تاريخه (وفيات الاعيان) لابي اسحاق ابراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور رثى بها ابا الحسن علي بن محمد الطبري الملقب عماد الدين المعروف بالكيا الهرسي الفقيه الشافعي وهي:
هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ... ماللبرية من محتومها وزر
لو كان ينجي علو من بوائقها ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر
قل للجبان الذي أمسى على حذر ... من الحمام متى رد االردى الحذر
بكى على شمسه الإسلام إذا افلت ... بأدمع قل في تشبييها المطر
حبر عهدناه طلق الوجه مبتسماً ... والبشر أحسن ما يلقى به البشر
لئن طوته المنايا تحت أخمصها ... فعلمه الجم في الآفاق منشر
سقى ثراك عماد الدين كل ضحىً ... صوب الغمام ملث الودق منهمر
عند الورى من أسى أبقيته خبر ... فهل أتاك من استيحاشهم خبر
أحيا ابن ادريس درس أنت تورده ... في نظمه الأذهان والفكر
من فاز منه بتغليق فقد علقت ... يمينه بشهاب ليس ينكدر
كأنما مشكلات الفقه يوضحها ... جباه دهم لها من لفظه غرر
ولو عرفت له مثلاً دعوت له ... وقلت دهري إلى شرواه مفتقر
ومن جيد الثناء وفائق المديح ما قال ابو تمام في محمد بن حسان الضبي
بمحمد سار الزمان محمدافينا وأعتب بعد سوء فعاله
بمروق الأخلاق لو عاشرته ... لرأيت نجحك في جميع خصاله
من ودني بلسانه وفؤاده ... وأمالني بيمنه وشماله
أبداً نفيد غرائباً من ظرفه ... وراغائباً من جوده وفعاله
لك شاهد من قلبه بل حالف ... متبرع أن العلى من باله
وسألت عن أمري فسل عن أمردوني فحالي قطعة من حاله
لو كنت شاهد بذله لشهدت لي ... بوارثة أو شركة في ماله
وقوله في مالك بن طوق وأحسن:
أقول لمرتاد الندى عند مالك ... تعوذ بجدوى مالك وصلاته
فتىص جعل المعروف من دون عرضه ... سريعاً إلى الممتاح قبل داته
ولو قصرت أمواله عن سماحه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في قسمة العمر حيلةً ... وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربه ... وواساهم من صومه وصلاته
للحسن بن وهب الكاتب وهي من ظريف الشعر:
أبت مقلتاك لفرط الحزن ... عليك الرقاد وبرد الوسن
وحق لعينيك أن لا تناما ... وقلبك مختلس مرتهن
وبين الجوانح داء دفين ... لعمرك مستتر قد كمن
نجي الهموم وقرن الكلوم ... ووهي الحلوم وبعد الوطن
شديد النفار كثير العثار ... خليع العذار يجر الرسن
أفي كل يوم تطيل الوقوف ... تناجي الديار وتبكي الدمن
وتستخبر الدار عن أهلها ... وتذري الدموع على من ظعن
كأنك لم تر فيما مضى ... من الدهر ذا صبوة مفتتن
عذرتك أيام شرخ الشباب ... وفرعك نضير الغصن
فأما وقد زال ظل الشباب ... عنك وولى كأن لم يكن
وألبسك الشيب بعد الشباب ... قناع بياض كلون القطن
وصرت قذى في عيون الحسان ... يخنك عهداً وان لم تخن
ويصدفن عنك إذا رمتهن ... وكنت لهن زماناً سكن
стр. 45
شعر المعري
هو ابو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي، الشاعر المتفنن، وهو عربي النسب من قبيلة تنوخ بطن من قضاعة من بيت علم وقضاء، ولد بمعرة النعمان سنة ٣٦٣، وجدر في الثالثة من عمره، وكف بصره، وتعلم على ابيه وغيره من أىمة زمانه، وكان يحفظ ما يسمعه من مرة واحدة، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ونسك في آخر عمره، ولم يبرح منزله، وسمى نفسه رهين المحبين، العمى والمنزل، وبقي مكباً على التدريس والتأليف، ونظم الشعر، مقتنعاً بالقليل من الدنانير، يستغلها من عقار له مجتنباً آكل الحيوان، وما يخرج منه مكتفياً بالنبات والفاكهة والدبس، متعللاً بأنه فقير، وانه يرحم الحيوان، وعاش عزباً إلى أن مات سنة ٤٤٩ بالمعرة، وأمر أن يكتب على قبره:
هذا ما جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد
وله كثير من الشعر يناقض بعضه بعضاً في حقيقة العالم والشرائع والمعبود، وللناس في اعتقاده أقوال كثيرة، والظاهر انه شاك متحير، وهو أحكم الشعراء بعد المتنبي، ويفضل عليه في الغريب، والأخيلة الدقيقة، والطبيعيات والاجتماعيات، والأخلاق والقوانين، ونظام الحكومات، والفلسفة والشرائع والاديان، ولذلك يفضله الافرنج، هو في هذه الامور معدوم النظير، ومن شعره يمدح الفصيصي ويهنئه بعيد الأضحى: يا ساهر البرق أيقظ السمر=لعل بالجزع أعواناً على السهر وان بخلت على الأحياء كلهم=فاسق المواطر حياً من بني مطر ويا اسيرة حجليها أرى سفهاً=حمل الحلي لمن أعيى عن النظر ما سرت إلا وطيف منك يصحبني=سرى أمامي وتاويباً على أثري لو حط رحلي فوق النجم رافعه=وجدت ثم خيالاً منك منتظري يود أن ظلام الليل دام له=وزيد فيه سواد القلب والبصر لو اختصرتم من الاحسان زرتكم=والعذب يهجر للإفراط في الخصر أبعد حول تناجي الشوق ناجية=هلا ونحن على عشر من العشر؟ كم بات حولك من ريم وجلزية=يستجديانك حسن الدل والحور فما وهبت الذي يعرفن من خلق=لكن سمحت بما ينكرن من درر وما تركت بذات الضال عاطلة=من الظباء ولا عار من البقر قلدت كل مهاة عقد غانية=وفزت بالشكر في الآرام والعفر ورب ساحب وشي من جآذرها=وكان يرفل في ثوب من الوبر حسنت نظم كلام توصفين به=ومنزلاً بك معموراً من الخفر فالحسن يظهر في شيئين رونقة=بيت من الشعر أو بيت من الشعر اقول والوحش ترميني بأعينها=والطير تعجب مني كيف لم أطر ونظام الحكومات، والفلسفة والشرائع والأديان، ولذلك يفضله الافرنج، وهو في هذه الامور معدوم النظير، ومن شعره يمدح الفصيصي ويهنئه بعيد الأضحى: يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر=لعل بالجزع أعواناً على السهر وان بخلت على الاحياء كلهم=فاسق المواطر حياً من بني مطر
ويا أسيرة حجليها أرى سفهاً ... حمل الحلي لمن أعيى عن النظر
ما سرت إلا وطيف منك يصحبني ... سرىً أمامي وتأويباً على أثري
لو حط رحلي فوق النجم رافعه ... وجدت ثم خيالاص منك منتظري
يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر
لو أختصرتم من الاحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
أبعد حول تناجي الشوق ناجية ... هلا ونحن على عشر من العشر؟
كم بات حولك من ريم وجلزية ... يستجديك حسن الدل والحور
فما وهبت الذي يعرفن من خلق ... لكن سمحت بما ينكرن من درر
وما تركت بذات الضال عاطلةً ... من الظباء ولا عار من البقر
قلدت كل مهاة عقد غانية ... وفزت بالشكر في الآرام والعفر
ورب ساحب وشي من جآذرها ... وكان يرفل في ثوب من الوبر
حسنت نظم كلام توصفين به ... ومنزلاً بك معموراً من الخفر
فالحسن يظفر في شيئين رونقة ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
اقول والوحش ترميني بأعينها ... والطير تعجب مني كيف لم أطر
لمشمعلين كالسيفين تحتهما ... مثل القناتين من اين ومن ضمر
في بلدة مثل ظهر الظبي بت بها ... كأنني فوق روق الظبي من حذر
لا تطويا السر عني يوم نائية ... فان ذلك ذنب غير مغتفر
ياروع الله سوطي كم أروع به ... فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر
стр. 46
باهت بمهرة عدناناً فقلت لها ... لولا الفصيصي كان المجد في مضر
وقد تبين قدري أن معرفتي ... من تعلمين سترضيني عن القدر
القاتل المحل إذا تبدو السماء لنا ... كأنها من نجيع الجدب في أزر
وقاسم الجود في عال ومنخفض ... كقسمة الغيث بين النجم والشجر
زلو تقدم في عصر مضى نزلت ... في وصفه معجزات الآي والسور
يبين بالبشر عن احسان مصطنع ... كالسيف دل على التأثير بالاثر
فلا يغرنك بشر من سواه بدا ... ولو انار فكم نور بلا ثمر
يا ابن الالى غير زجر الخيل ما عرفوا ... إذا تعرف العرب زجر الشاء والعكر
والقائديها على الأضياف تتبعها ... إلافها والوف اللأم والبدر
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعذ الممات جمال الكتب واسير
وافقتهم في اختلاف من زمانكم ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
الموقدون بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
إذا همى القطر شبهتا عبيدهم ... تحت الغمائم للسارين بالقطر
من كل أزهر لم تأشر ضمائره ... للثم خد ولا تقبيل ذي أشر
لكن يقبل فوه سامعي فرس ... مقابل الخلق بين الشمس واقمر
كأن أذنيه أعطت قلبه خبراً ... عن السماء بما يلقى من الغير
يحس وطء الرزايا وهي نازلة ... فينهب الجري نفس الحادث المكر
من الجياد اللواتي كان عودها ... بنو افصيص لقاء الطعن بالثغر
تغني عن الورد أن سلو صوارمهم ... أمامها لاشتباه البيض بالغدر
اعاذ مجدك عبد الله خالقه ... من أعين الشهب لامن اعين البشر
فالعين يسلم منها ما رأت فنبت ... عنه وتلحق ما تهوى من الصور
فكم فريسة ضرغام ظفرت بها ... فحزتها وهي بين الناب والظفر
ماجت نمير فهاجت منك ذا لبد ... والليث أفتك أفعالاً من النمر
هموا فأموا فلما شارفوا وقفوا ... كوقفة العير بين الورد والصدر
وأضعف الرعب أيديهم فطعنهم ... بالسمهرية دون الوخز بالابر
تلقي الغواني حفيظ الدر من جزع ... عنها وتلقي الرجال السرد من خور
فكم دلاً على بطحاء ساقطة ... وكم جمان مع الحصباء منتثر
دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر
فهن اقلامك اللاتي إذا كتبت ... مجداً أتت بمداد من دم هدر
وكل ابيض هندي به شطب ... مثل التكسر في جار بمنحدر
تغايرت فيه أرواح تموت به ... من الضراغم والفراسان والجزر
رض المنايا على أن الدماء به ... وان تخالفن ابدال من الزهر
ما كنت أحسب جفناً قبل مسكنه ... في الجفن يطوي على نار ولا نهر
ولا ظننت صغار النمل يمكنها ... مشي على اللج أو سعي على السعر
قالت عداتك ليس المجد مكتسباً ... مقالة الهجن ليس السبق بالحضر
رأوك بالعين فاستغوتهم ظنن ... ولم يروك بفكر صادق الخبر
والنجم تستصغر الابصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
يا غيث فهم ذوي الافهام أن سدرت ... إبلي فمرآك يشفيها من السدر
والمرء ما لم تفد نفعاً اقامته ... غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر
فزانها الله أن لاقتك زينته ... بنات أعوج بالأحجال والغرر
افنى قواها قليل السير تدمنه ... والغمر يفنيه طول الغرف بالغمر
حتى سطرنا بها البيداء عن عرض ... وكل وجناء مثل النون في السطر
علوتم فتواضعتم على ثقة ... ولما تواضع أقوام على عرر
والكبر والحمد ضدان اتفاقهما ... مثل اتفاق فتاء السن والكبر
يجني تزايد هذا من تناقض ذا ... والليل أن طال غال اليوم بالقصر
خف الورى واقرتكم حلومكم ... والجمر تعدم فيه خفة الشرر
وانت من لو رأى الإنسان طلعته ... في النوم لم يمس من خطب على خطر
وعبد غيرك مضرور بخدمته ... كالغمد يبليه صون الصارم الذكر
لولا قدومك قبل النحر أخره ... إلى قدومك اهل النفع والضرر
سافرت عنا فظل الناس كلهم ... يراقبون اياب العيد من سفر
стр. 47
لو غبت شهرك موصولا بتابعه ... وابت لا نتقل الاضحى إلى صفر
فما يزيد على ايامنا الاخر ... بالآل والحال والعلياء والعمر
وله أيضاً:
إليك تناهى كل فخر وسؤدد ... فأبل الليلي والانام وجدد
لجدك كان المجد ثم حويته ... ولابنك يبنى منه أشرف مقعد
ثلاثة أيام هي الدهر كله ... وما هن غير اليوم والامس والغد
وما البدر إلا واحد غير انه ... يغيب ويأتي بالضياء المجدد
فلا تحسب الأقمار خلقاً كثيرة ... فجملتها من نير متردد
وللحسن الحسنى وان جاد غيره ... فذلك جود ليس بالمتعمد
له الجوهر الساري يؤمم شخصه ... يجوب إليه محتداً بعد محتد
ولو كتموا أنسابهم لعزتهم ... وجوه وفعل شاهد كل مشهد
وقد يجتدى فضل الغمام وإنما ... من البحر فيما يزعم الناس يجتدي
ويهدي الدليل القوم والليل مظلم ... ولكنه بالنجم يهدي ويهتدي
فيا أحلنم السادات من غير ذلة ... ويا أجود الاجواد من غير موعد
وطئت صروف الدهر وطأة ثائر ... فأتلفت منها أنفساً لم تصفد
وعلمته منك التأني فانثنى ... إذا رام أمراً رامه بتأيد
وأثقلته من أنعم وعوارف ... فسار بها سير البطيء المقيد
ودانت لك الأيام بالرغم وانضوت ... إليك الليالي فارم من شئت تقصد
بسبع اماء من زغاوة زوجت ... من الروم في نعماك سبعة أعبد
ولولاك لم تسلم أفامية الردى ... وقد أبصرت من مثلها مصرع الردي
فأنقذت منها معقلاً هضباته ... تلفع من نسيج السحاب وترتدي
وحيداً بثغر المسلمين كأنه ... بفيه مبقى من نواجذ أدرد
بأخضر مثل البحر ليس اخضراره ... من الماء لكن من حديد مسرد
كأن الانوق الخرس فوق غباره ... طوالع شيب في مفارق أسود
وليس قشيب الهند إلا كناية ... من القضيب في كف الهدان المعرد
متى أنا في ركب يؤمنون منزلاً ... توحد من شخص الشريف باوحد
على شدقميات كأن حداتها ... إذا عرس الركبان شراب مرقد
تلاحظ اعلام الفلا بنواظر ... كحلن من الليل التمام باثمد
فقد اذهبت اخفافها الأرض والوجى ... ماً وتردى فضلة كل مزبد
يخلن سماماً في السماء إذا بدت ... لهن على اين سماوة مورد
تظن به ذوب اللجين إذا بدت ... له الشمس اجرت فوقه ذوب عسجد
تبينت النجوم الزهر في حجراته ... شوارع مثل الؤلؤ المتبدد
فأطمعن في اشباحهن سواقطاً ... على الماء حتى كدن يلقطن باليد
فمدت إلى مثل السماء رقابها ... وعبت قليلا بين نسر وفرقد
وذكرن من نيل الشريف موارداً ... فما نلن منه غير شرب مصرد
ولاحت لها نار يشب وقودها ... لأضيافه في كل غور وفدفد
بخرق يطيل الجنح فيها سجوده ... وللارض زي الراهب المتعبد
ولو نشدت نعشا هناك بناته ... لماتت ولم تسمع له صوت منشد
وتكتم فيه العاصفات نفوسها ... فلو عصفت بالنبت لم يتأود
فمرت إذا غنى الرديف وقد ونت ... بذكراه زفت كالنعام المطرد
يحازرن وطء البيد حتى كأنما ... يطأن برأس الأرض هامة اصيد
وينفرن في الظلماء عن كل جدول ... نفار جبان عن حسام مجرد
تطاول عهد الواردين بمائه ... وعطل حتى صار كالصارم الصدي
إلى بردى حتى تظل كأنها ... إذا كرعت فيه لواثم مبرد
أرى المجد سيفاً والقريض نجاده ... ولولا نجاد بابكار الثناء المخلد
وأعرض من دون اللقاء قبائل ... يعلون خرصان الوشيج المقصد
غواة إذا النكباء حفت بيوتهم ... أقاموا لها الفرسان في كل مرصد
يطيعون أمراً من غوي كأنه ... على الدهر سلطان يجور ويعتدي
إذا نفرت من رغد عيش سوامه ... سعى نحوه بالمشرفي المهند
وقد علمت هذي البسيطة أنها ... تراثك فلتشرف بذاك وتزدد
وان شئت فازعم أن من فوق ظهرها ... عبيدك واستشهد الهك يشهد
وذكرك يذكي الشوق في كل خاطر ... ولو انه في قلب صماء جامد
وله أيضاً:
стр. 48
غاني اللوى من شخصك اليوم أطلال ... وفي النوم مغنى من خيالك محلال
معانيك شتى والعبارة واحد ... فطرفك قتال وزندك مغتال
وأبغضت فيك النخل والنخل يانغ ... واعجبني من حبك الطلع والضال
فأذهل اني بالعراق على شفا ... رزي الاماني لا أنيس ولا مال
مقل من الأهلين يسر واسرة ... كفى حزناً بين مشت وإقلال
طويت الصباطي السجل وزارني ... زمان له بالشيب حكم واسجال
إذا جن ليلي جن لبي وزائد ... خفوق فؤادي كلما خفق الآل
وماء بلادي كان أنجع مشرباً ... ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال
حروف سرى جاءت لمعنى أردته ... برتني اسماء لهن وأفعال
يحازرن من لدغ الازمة لا اهتدى ... مخبرها أن الازمة أصلال
في وطني أن فاتني بك سائغ ... من العيش فلينعم للساكنك البال
فان استطع في الحشر آتك زائراً ... وهيهات لي يم القيامة اشغال
وكم ماجد في سيف دجلة لم أشم ... له بارقاً والمرء كالمزن هطال
من الغر تراك الهواجر معرض ... عن الجهل قذاف الجواهر مفضال
سيطلبني رزقي الذي لو طلبته ... لما زاد والدنيا حظوظ وإقبال
إذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تكري وان كذب الخال
واهوى لجراك السماوة والقطا ... ولو أن صنفيه وشاة وعذال
حملت من الشامين أطيب جرعة ... وانزرها والقوم بالقفر ضلال
يلوذ بأقطار الزجاجة بعدما ... اريقت لما اهديت في الكثر أمثال
فسقياً لكأس من فم مثل خاتم ... من الدر لم يهمم بتقبيله خال
صحبت كرانا والركاب سفائن ... كعادك فينا والركائب اجمال
أعمت الينا أم فعال ابن مريم ... فعلت وهل يعطى النبوة مكسال
كأن الخرامى جمعت لك حلة ... عليك بها في اللون والطيب سربال
عجبت وقد جزت الصراة رفلة ... وما خضلت مما تسربلت أذيال
متى ينزل الحي الكلابي بالساً ... يحييك عني ظاعنون وقفال
تحية ود ما الفرات وماؤه ... باعذب منها وهو ازرق سلسال
وان زعموا أن الهجير استشفهم ... إليها فمنها في المزايد اسمال
أتعلم ذات القرط والشنف أنني ... يشفني بالزأر أغلب رئبال
فيا دارها أن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
إذا نحن أهللنا بنؤيك ساءنا ... فهلا بوجه المالكية اهلال
تصاحب في البيداء ذئباً وذابلاً ... كلا صاحبيها في التنوفة عسال
إذا أعرب الرعيان عنها سولمها ... أريح عليها الليل هيق وذيال
تسييء ينا يقظى فاما إذا سرت ... رقاداً فاحسان الينا واجمال
بكت فكأن العقد نادى فريدهلم لعقد الحلف قلب وخلخال
وهل يحزن الدمع الغريب دمعا ولؤلؤاً ... وولت اصيلا وهي كالشمس معطال
باشنب معطار الغزيزة مقسم ... لسائفه أن القسيمة متفال
فلا اخلف الدمع الذي الذي فاض شأنها ... دعاء لها بل أخلف النظم لآل
وغنت لنا من دار سابور قينة ... من الورق مطراب الأصائل ميهال
رأت زهراً غضا فهاجت بمزهر ... مثانيه احشاء لطفن وأوصال
فقلت تغني حيث شئت فانما ... غناؤك عندي يا حمامة إعوال
وتحسدك البيض الخوالي قلادةً ... بجيدك فيها من شذى المسك تمثال
ظلمن وبيت الله كم من قلادة ... توازرها سور لهن واحجال
بدت حية قصراً فقلت لصاحبي ... حياة وشر بئس ما فعل الفال
اتبصر ناراً أوقدت لخويلد ... ودون سناها للنجائب إرقال
واقتال حرب يفقد السلم فيهم ... على غيرهم أمضى القضاء واقتال
وعرض فلاة يحرم السيف وسطها ... إلا أن احرام الصوارم احلال
إذا قدحت فالمشرفي زنادها ... وان هي حشت فالعوامل اجذال
تمنيت أن الخمر حلت لنشوة ... تجهلني كيف اطمأنت بي الحال
وله أيضاً:
لعل نواها أن تريع شطونها ... وان تتجلى عن شموس دجونها
بنا من هوى سعدى البخيلة كاسمها ... إذا زايلته عين سعدى وسينها
إذا ما انحنا حرة فوق حرة ... بكى رحمة الوجناء منها وجينها
стр. 49
أرنت بها من خشية الموت رنةً ... فدل عليها الناعبات رنينها
يعز علينا أن يظل ابن دأية ... يفتش ما ضمت عليه شؤونها
رحلنا بها نبغي لها الخير مثلنا ... فما آب إلا كورها ووضينها
فقد حن سوطي في يدي من غرامها ... وحن اشتياقاً في حشاها جنينها
تعاطت نهى حتى إذا ما تعرضت ... لها هضبات الشام جن جنونها
ولما رمت أبصارها تطلب الحمى ... ولم تر تلك الأرض ساءت ظنونها
بذلنا لها محض اللجين كرامة ... فلم يرضها في الجنح إلا لجينها
ولما رأتنا نذكر الماء بيننا ... ولا ماء غارت من حذار عيونها
كأنها توقت وردنا ثمد عينها ... فضم إليها ناظريها جبينها
وقد حلفت أن تسأل الشمس حاجة ... وان سألتك اليسر برت يمينها
ملقى نواصي الخيل كل مرشة ... من الطعن لا يرجو البقاء طعينها
ومثكل فرسان الوغى كل نثرة ... يود خليج راكد لو يكونها
إذا ألقيت في الأرض وهي مفازاة ... إلى الماء خلت الأرض يجري معينها
وتبغي على القاع السوي تثبتاً ... فيمنعها من أن تثبت لينها
وما برحت في ساحة الحي يرتمي ... بها موجها حتى نهتها حزونها
غدير وشته الريح وشية صانع ... فلم يتغير حين دام سكونها
كان الدبى غرقى به غير أعين ... إذا رد فيها ناظر يستبينها
وما حيوان البر فيها بسالم ... إذا لم يغثه سيفها أو سفينها
وتصغي وترني كل خلق لعلها ... تنق ضفاديها ةيلعب نونها
فلو لم يضعها عنه للسلم فارس ... لخلد ما دامت عليه غصونها
ولو علمت نفس الفتى يوم حتفه ... ولاقته فيها لم تخنه منونها
أمون إذا أودعت نفسك حرزها ... ولاقيت حرباً لم يخنك أمينها
وله أيضاً:
إلا في سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل
اعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل
تعد ذنوبي عند قوم كثيرة ... ولا ذنب لي إلا العلى والفضائل
كأني إذا طلت الزمان وأهله ... رجعت وعندي للأنام طوائل
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم ... بإخفاء شمس ضوؤها متكامل
يهم الليل بعض ما أنا مضمر ... ويثقل رضوى دون ما أنا حامل
واني وان كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
وأغدو ولو أن الصباح صوارم ... وأسري ولو أن الظلام جحافل
واني جواد لم يحل لجامه ... وتصل يمان أغفلته الصياقل
فإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي ... على انني بين السماكين نازل
لدى موطن يشتاقه كل سيد ... ويقصر عن إدراكه المتناول
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً ... تجاهلت حتى ظن اني جاهل
فواعجباً كم يدعي الفضل ناقص ... ووا أفاً كم يظهر النقص فاضل
وكيف تنام الطير في وكناتها ... وقد نصبت للفرقدين الحبائل
ينافس يومي في أمسي تشرفاً ... وتحسد أسحاري علي الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل
فلو بان عنقي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصفت الطائي بالبخل مادر ... وعير قساً بالهفافة باقل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة ... وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهةً ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زران الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي أن دهرك هازل
تم الاختيار من شعر ابي العلاء المعري وأخباره ويليه بعض امقاطيع الجيدة لشعراء لم أظفر من شعرهم إلا بقليل فأحببت ذكره هنا.
شعر
قراوش بن المقلد
لله در الحادثات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الاحرار
ما كنت إلا زبرةً فطبعنني ... سيفاً وأطلق طرقهن غراري
وله أيضاً:
من كان يحمد أو يذم مورثا ... للمال من آبائه وجدوده
فانا امرؤ لله أشكر وحده ... شكراً كثيراً جالبا لمزيده
لي أشقر ملء العيون مغاور ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده
стр. 50
ومهند عضب إذا جردته ... خلت البروق تجول في تجريده
ومثقف لدن القناة كأنما ... أم المنايا ركبت في عوده
وبذا حويت المال إلا انني ... سلطت جود يدي على تبديده
وله أيضا:
وآلفة للطيب ليست تغبه ... منعمة الأطراف لينة اللمس
إذا ما دخان الند من جنبها علا ... على وجهها أبصرت غيماً على شمس
ويليه الاختيار من شعر ابن رشيق
شعر
ابن رشيق قال يتعذر إلى بعض أصحابه وقد اتهمه انه نال منه:
وقد كنت لا آتي إليك مخاتلا ... لديك ولا أثنى عليك تصنعا
ولكن رأيت المدح فيك فريضة ... علي إذا كان المديح تطوعا
ففهت بما لم يخف عنك مكانه ... من القول حتى ضاق مما توسعا
فلا تتخالجك الظنون فإنهما ... مآثم واترك ااصنائع موضعا
فلو غيرك الموسوم عندي بريبة ... لأعطيت فيه مدعي القوم ما ادعى
فوالله ما طولت باللوم فيكم ... لسانا ولا عرضت للذم مسمعا
ولكنني أكرمت نفسي أن تهن ... واجللتها عن أن تذل وتخضعا
فباينت لا أن العداوة باينت ... وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا
ةيليه الاختيار من شعر ابي الهياج مقاتل بن عطية
شعر
ابي الهياج قال يمدح الوزير مكرم بن علي الكرماني:
ورود ركايا الدمع تكفي الركائبا ... وشم تراب الربع يشفي الترائبا
إذا شمت من برق العقيق عقيقةً ... فلا تنتجع دون الجفون السحائبا
ومنها عند الخروج من المديح:
الي ماجد لم يقبل المجد وارثا ... ولكن سعى حتى حوى المجد كاسبا
تبسم ثغر الدهر عنه بصاحب ... إذالم يصحب سوى العزم صاحبا
تصيغ له الاسماع مادام قائلاً ... وتعنو له الأبصار مادام كاتباً
ولم أرى ليثاً خادراً مثل مكرم ... ينافس في العليا ويعطي الرغائبا
ولو لم يكن ليناً مع الجود لم يكن ... إذا صال بالاقلام صارت مخالبا
إذا زان قوماً بالمناقب واصف ... ذكرت له وصفاً يزين المناقبا
له الشيم الشم التي لو تجسمت ... لكانت لوجه الدهر عينا وحاجبا
ثنى نحو شمطاء الوزارة طرفه ... فصارت بادنى لحظة منه كاعبا
تناول أولاها وما مد ساعداً ... واحرز اخراها وما قام واثبا
شعر
يموت ابن المزرع الشيباني قال يوصي ابنه مهلهلا:
مهلهل قد حلبت شطور دهري ... وكافحني بها الزمن العنوت
وحاربت الرجال بكل فج ... فأذعن لي الحثالة والرتوب
فأوجع ما أجن عليه صدري ... كريم غته زمن غتوت
كفى حزناً بضيعة ذي قديم ... وأبناء العبيد لها التخوت
وقد أسهرت عيني بعد غمض ... مخافة أن تضيع إذا فنيت
وفي لطف المهيمن لي عزاء ... بمثلك أن فنيت وان بقيت
فسر في الأرض وابغ بها معلوماً ... ولا تقطعك جائحة ثبوت
وان بخل العليم عليك يوماً ... فذل له وديدنك السكوت
وقل بالعلم كان ابي جواداً ... يقال ومن أبوك فقل يموت
يقر لك الأباعد والأداني ... بفضل ليس يجحده البهوت
فائدة نحوية: قال ابو العلاء المعري: حدثني عبد السلام البصري، قال: كنت في مجلس ابي سعيد السيرافي وبعض أصحابه نقرأ عليه "إصلاح المنطق" لابن السكيت فمر ببيت حميد بن ثور وهو: ومطوية الأقراب أما نهارها=فنص وأما ليلها فذميل فقال ابو سعيد: ومطوية أصلها بالخفض، ثم التفت الينا وقال: هذه واورب، فقلت اطال الله بقاء القاضي أن قبلها ما يدل على الرفع فقال، وما هو؟ قلت:
أتاك بي الله لذي أنزل الهدى ... ونور وإسلام عليك دليل
ومطوية الأقراب البيت، فعاد فأصلحه بالرفع، وكان ابنه محمد حاضراً، فتغير وجهه، وقام والغضب يستطير في شمائله، وقصد دكأنه، وكان سماناً فباعه، واشتغل بعلم النحو إلى أن برع فيه، فعمل شرح إصلاح المنطق، وأجاد فيه إلى الغاية، ولقد رأيته، وهو مشتغل بشرحه، وبين يديه مائتا ديوان للعرب منها.
ويليه الاختيار من شعر السبط بن التعاويذي
شعر
البط ابن التعاويذي
حتام أرضي في هواك وتغضب ... والى متى تجني علي وتعتب؟
стр. 51
ما كان لي لولا ملالك زلة ... لما مللت زعمت أني مذنب
خذ في أفانين الصدود فان لي ... قلباً على العلات لا يتقلب
أتظنني اضمرت بعدك سلوة ... هيهات عطفك من سلوي أقرب
لي فيك نار جوانح لا تنطفي ... حزنا وماء مدامع لا تنضب
أنسيت أياماً لنا ولياليا ... للهو فيها والبطالة ملعب
أيام لا الواشي يعد ضلالةً ... ولهى عليك ولا العذول يؤنب
قد كنت تنصفني بالمودة راكباً ... في الحب من اخطاره ما اركب
واليوم أقنع أن يمر بمضجعي ... في النوم طيف خيالك المتأوب
ما خلت أن جديد أيام الصبا ... يبلى ولا ثوب الشبيبة يسلب
حتى انجلى ليل الغواية واهتدى ... ساري الدجى وانجاب ذاك الغيهب
قالت وريعت من بياض مفارقي ... ونحول جسمي بان منك الأطيب
أن تنقمي سقمي فحصرك ناحل ... أو تنكري شيبي فثغرك أشنب
وقال أيضاً يتوجع بصره، ويذكرجزع زوجته من ذلك:
وباكية لم تبك فقراً ولا رمى ... بجيرتها الأدنين نأي مطوح
رمتهايد الأقدار في ليث غابها ... بحادث خطب والحوادث تفدح
رأت جللاً لا الصبر يجمل بالفتى ... على مثله يوماً ولا الحزن يقبح
فلا غرو أن تبكي الدماء لكاسب ... لها كان يسعى في البلاد ويكدح
عزيز عليها أن تراني جاثماً ... ومالي في الأرض البسيطة مسرح
وان لا أقود العيس تنفخ في البرى ... وجرد المذاكي في الأعنة تمرح
أظل حبيساً في قرارة منزل ... رهين أسى أمسي عليه وأصبح
مقامي منه مظلم الجو قاتم ... ومسعاي ضنك وهو صحمان أفيح
أقاد به قود الجنيبة مسمحاً ... وما كنت لولا ما قضى الله أسمح
كأمي ميت لا ضريح لجنبه ... وما كل ميت لا أبا لك يضرح
وها أنا لا قلبي يراع لفائت ... فيأسى ولا يلهيه حظ فيفرج
فلله نصل فل مني غراره ... وعود شباب عاد وهو مصوح
وسقياً لأيام ركبت بها الهوى ... جموداً ومثلي في هوى الغي يجمح
وماضي صبا قضيت منه لبانة ... خلاساً وعين الدهر زرقاء تلمح
ليلي عندي للغواني مكانة ... فالحاظها ترنو إلي وتلمح
وليلى بها أضعاف ما بي من الهوى ... أعرض بالشكوى لها فتصرح
وله أيضاً يمدح يوسف بن أيوب صاحب الديار المصرية:
أهلا بطلعة غادة ... فضح الدجى بضيائها
سمح الزمان بوصلها ... فدنت على عدوائها
باتت تعاطيني المدا ... م وكنت من اكفائها
فسكرت من ألحاظها ... وغنيت عن صهبائها
بيضاء قتلي دأبها ... في نأيها ونوائها
فإذا دنت بجفونها ... وإذا نأت بجفائها
لا تلتقي أبداً موا ... عدها بيوم وفائها
الشمس من ضراتها ... والبدر من رقبائها
والصبح فوق لثامها ... والليل تحت ردائها
مضرية تنمى إذا ... نسبت إلى حمرائها
بانت وأطراف الرماح ... تجول حول خبائها
فالموت دون فراقها ... والموت دون لقائها
ولقد مررت بربعها ... بعد النوى وفنائها
والعين في الاطلال با ... كية على أطلالها
فوققت أنشد في مطا ... لعها بدر سمائها
وبكيت حتى كدت أع ... طف بانتي جرعائها
يا موحش اعين التي ... أنست بطول بكائها
غادرت بين جوانحي ... نفساً تموت بدائها
تشتاق عيني أن ترا ... ك وأنت في سودائها
واذ بخلت بنظرة ... سمحت بمجة مائها
فكأنها كف الخلي ... فة اسبلت بعطائها
وبعد هذا شرع في المديح وأجاد: ويليه الاختيار من شعر الظافر بن القائم المعروف بالحداد.
شعر
الظافر بن القائم (الحداد) فمن ذلك قوله وهو في غاية الرقة:
لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سح وابل دمعه ورذاذه
ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهي وتقطعت أفلاذه
لم يبق منه مع الغرام بقية ... إلا رسيس يحتويه جذاذه
من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبداً من الحدق المراض عياذه
لا تخدعنك بالفتور فإنه ... نظر يضر بقلبك استلذاذه
стр. 52
يا أيها الرشأ الذي من طرفه ... سهم إلى حب القلوب نفاذه
در يلوح بفيك من نظامه ... خمر يجول عليه من نباذه؟
وقناة ذاك القد كيف تقومت ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه؟
رفقاً بجسمك لا يذوب فإنني ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه
هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الامام فمن ترى استاذه
نالله ما علقت محاسنك امرءاً ... إلا وعز على الورى استنفاذه
اغريت حبك بالقلوب فأذعنت ... طوعاً وقد أودى بها استحوازه
مالي أتيت الحظ من أبوابه ... جهدي فدام نفوره ولواذه
إياك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله وغنيه شحاذه
ويليه الاختيار من شعر الحسن بن زيدان اليمني.
شعر
علي بن زيدان اليمني
قال يمدح الفائز بن الظافر صاحب مصر ووزيره الصالح بن رزيك:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمداً يقوم بما أولت من النعم
لا أجحد الحق عندي للركاب يد ... تمنت اللجم فيها رتبة الحطم
قربن بعد مزار العز من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفداً إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت اني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم
وللامامة أنوار مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوة آيات تنص لنا ... على الحقيقين من حكم ومن حكم
وللمكارم أعلام تعلمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلى ألسن تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم
وراية الشرف البذاخ ترفعها ... يد الرفيعين من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً ... فوز النجاة واجر البر في القسم
لقد حمى الدين والدنيا واهلهما ... إمامنا الفائز الفراج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصانعين السيف والقلم
وجوده شرف الأيام فافتخرت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم
قد ملكته العوالي رق مملكة ... تعير أنف الثريا عزة الشمم
أرى مقاماً عزيز الشأن أو همني ... في يقظتي إنها من جملة الحلم
يوم من العمر لم يخطر على أملي ... ولا ترقت إليه رغبة الهمم
ليت الكواكب تدنو لي فانظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
ترى الوزارة فيه وهي باذلة ... عند الخلافة نصحاً غير متهم
عواطف ووزير مد عدلهما ... ظلاً على مفرق الإسلام والامم
زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى يتعاطى هاطل الديم؟
ويليه الاختيار من شعر ابن عمار المهري الأندلسي.
شعر
ابن عمار المهري الأندلسي قال يمدح المعتمد بن عباد من قصيدة مطلعها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العيون عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا
ومن مديحها:
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الاكباد من قطر الندى ... وألذ للأجفان من سنة الكرى
قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلى إلا نار القرى
وقال أيضاً يمدحه من قصيدة مطلعها:
علي والا ما بكاء الغمائم ... في والا فيم نوح الحمائم
ومنها في وصف وطنه:
ذكرت بها عهد الصبا فكأنما ... قدحت بنار الشوق بين الحيازم
ليالي لا ألوي على رشد لائم ... عناني ولا أثنيه عن غي هائم
أنال سهادي من عيون نواعس ... واجني عذابي من غصون نواعم
وليل لنا بالسد بين معاطف ... من النهر ينساب انسياب بالنمائم
بحيث اتخذنا الروض صار يزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم
وبتنا ولا واش يحس كأنما ... حللنا محل السر من صدر كاتم
ومن مديحها:
ملوك مناخ العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم
هم البيت ما غير الظبي لبنائه ... بأس ولا غير القنا بدعائم؟
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهم ... طوال العوالي في طوال المعاصم
стр. 53
وايد أبت من أن تأوب ولم تفز ... حجز النواصي أو بحز الغلاصم
ندامى الوغى يجرون بالموت كاسها ... إذا رجعت أسيافهم بالجماجم
هناك القنا مجرورة عن حفائظ ... وثم الظبى مهزوزة عن عزائم
إذا ركبوا فانظره أول طاعن ... وان نزلوا فارصده آخر طاغم
وهي طويله أجاد فيها: وقال يهنئ المعتضد ببعض الفتوح وهو فتح قرمونة وكان القائد ابنه الظافر:
إلا للمعالي ما تعيد وما تبدي ... ولله ما تخفيه عنا وما تبدي
جنيت ثمار النصر طيبة الجنى ... ولا شجر غير المثقفة الملد
وقلدت أجياد الربى رائق الحلى ... ولا درر غير المهطمة الجرد
بكل فتى عاري الاشاجع لابس ... إلى غمرات المت محكمة السرد
نجوم سماء الحرب أن يدج ليلها ... يدور بهم افواجها فلك السعد
خميس به تردي بنيك بمرهف ... حكاك كما قد الشراك من الجلد
ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليث ولكن من براثنه الهندي
فتى ثقف بين الحمائل مقدم ... جنى الموت في كفيه أحلى من الشهد
سقيت به ديناً عفاتك مخصباً ... فأجناك من روض الندى زهر الحمد
وجندته نحو عفاتك محارباً ... فوافاك يقتاد الملوك من الجند
ورب ظلام سار فيه إلى العدى ... ولا نجم إلا ما تطلع من غمد
أطل على قرمونة متبلجاً ... مع الصبح حتى قيل كان على وعد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الندى ... ويابرد تلك في كبد المجد
لك الله أن كانت عداتك بعضها ... لبعض فكل منهم جميعاً إلى فرد
يهودا أو كانت بربراً فانقضى الظبى ... ونبهم منها بألسنة لد
أقول وقد نادى ابن اسحاق قومه ... لأرضك يرتاد المنية من بعد
لقد سلكت نهج السبيل إلى الردى ... ظباء دنت من غابة الاسد الورد
كأني بباديس قد حط رحله ... إلى الفرس الطاوي من الفرس النهد
إلى الفرس الجاري به طلق الردى ... سريعاً غنياً عن لجام وعن لبد
يحن إلى غرناطة فوق متنه ... كماحن مقصوص الجناح إلى الورد
وما الملك إلا حلية بك حسنها ... والا فما فضل السوار بلا زند
ولا عجب أن لم يدن لك مارق ... فليس جمال الشمس في الأعين الرمد
هنيأً ببكر في الفتوح نكحتها ... وما قبضت غير المنية من نقد
تحلت من السيف الخضيب بصفحة ... وقامت من الرمح الطويل على قد
ودونكها من نسج فكري حلة ... مطرزة العطفين بالشكر والحمد
ألذ من العذب القراح على الصدى ... وأطيب من وصل الهوى عقب الصد
وما هذه الأشعار إلا مجامر ... تضوع فيها للندى قطع الند
وكنت نثرت الفضل في وإنما ... نثرت سقيط الطل في ورق الود
وما أنا باغ من نداك بقدر ما ... يضاف لتأميلي ويعزى إلى ودي
فأقسم لو قسمت جودك بيننا ... على قدر التأميل فزت به وحدي
قنعت بما عندي من النعم التي ... يفسرها قولي قنعت بما عندي
وله يمدح المعتمد:
أفي كل يوم تحفة وتفقد ... بفضل نوال واهتبال يؤكد
تبرعت بالمعروف قبل سؤاله ... وعدت بما أوليت والعود احمد
أما وصنيع زارني بجماله ... حديث كما هب النسيم المغرد
لقد هز أعطاف القوافي وهزني ... إلى شكر احسان أغيب فيشهد
وان أنا لم أشكرك صادق نية ... تقوم عليها آية النصح تعضد
فلا صح لي دين ولا بر مذهب ... ولا كرمت نفسي ولا طاب مولد
ومر ابن عمار على ابن عيسى بن لبنون في بعض أسفاره وكان بينهما اتحاد ومودة أكيدة فلم يعج إلى فنائه فكتب إليه يعاتبه بقوله:
ختمت بعصرك عصر الأجاد ... وعنت لذكراك ألسن الوراد
وسبقت أملاك الزمان على مدى ... ضلوه حتى كنت أنت الهادي
وغدوت أكثرهم حسوداً في العلى ... أن الكريم طليبة الحساد
وبدا بفضلك نقص كل معاند ... تتبين الأشياء بالأضداد
وقفت بمغناك العيون فلاحظت ... أسد العرين به وبدر النادي
وأتتك وافدة الرجال فقابلت ... أمل الحريص ونجعة المرتاد
وصدرن قد حملن عنك عوارفاً ... أصبحن كالأطواق في الأجياد
стр. 54
فضل أرانا جود حاتم طيئ وفخار كعب في قبيل اياد
ايه ابا بكر أتظلم ساحتي ... ظلما وصبح العدل عندك باد
عجباً لوعدك كيف تمسكه يد ... موصولة الأفعال بالأوعاد
ولسيب جودك كيف لم تسمع به ... لصحيح ظنى أو صحيح ودادي
اني لمعتقد إخاءك موئلي ... وأرى ولاءك معقلي وسنادي
وأصول منك على الزمان بمنصل ... جعل الطلى بدلا من الأغماد
فسقى محلك دانيا أو نائيا ... صوب الغمام المستهل الغادي
ولئن رحلت لقد حللت بمنزل ... من نور عيني أو سواد فؤادي
فراجعه ابن عمار بقوله:
عطلت من حلي السروج جيادي ... وسلبت أعناق الرجال صعادي
وثنيت عزمي عن مسير هزني ... سعدي إليه وحثني اسعادي
وسلبت من ثوب المروءة والنهى ... نفسي فخلت عن بني عباد
أن لم أحلك من فؤادي منزلا ... ينبيك أنك مالك لقيادي
وأخص جانبك من ثنائي روضة ... غناء حالية بنور ودادي
حتى تبين أن عرسك قد دنا ... لجنى وزرعك قد اتى لحصاد
يا سيدي وانا الذي ناديته ... لرضى وقلبي منه خير مناد
أعطاك فضل الابتداء ولو جرى حكم لأنكر أن تكون البادي
لله در عقيلة برزتها ... من خدر فكرك في حلى الانشاد
فرعاء عاطرة الذوائب واللمى ... غيداء حالية الطلى والهادي
خلصت الي مع المساء فعارضت ... صلة الحبيب اتى بلا ميعاد
غض من النظم ابديع أفادني ... حظ الكرام وخطة الأمجاد
وشي سخت يدك الصناع برقمه ... فكسوتنيه مذهبا باياد
يعدي الصحيفة ناظري فبياضها ... ببياضه وسوادها بسوادي
أدى تحيتك الزكية طيبها ... كافور قرطاس ومسك مداد
ولقد تيقن لو أعانت قدرة ... حسن الجزاء بها وهز النادي
لكن عجزت فما استقل بنشأتي ... ماء الفرات ولا ثرى بغداد
عذراً ففيك لكل طالب حجة ... خصم ألد ووجه عذر باد
بك فاخر القلم القصير وطاول ... الرمح الطويل كتابة بطراد
ولك الفصاحة أو لسيقك كلما ... استمطيت متني منبر وجواد
ثنيت عليك حلى الوزارة مثلما ... حمل الحسام عليك ثني نجاد
وتتوجت منك القيادة بالذي ... ترك الرياسة مهنة القواد
انت الحلال الحلو رق طبيعة ... وصفا مزاجا كالسحاب الغادي
من معشر يتشرف اللاذوا بهم ... كتشرف الأيام بالاعياد
جلوا فحلوا في الأنام مكانة ... كماكنة الآلاف في الأعداد
أفديك من حر تعبد برهشكري وقل له الفدى والفادي
فلقد ظفرت من اقتتبالك بالمنى ... وبلغت أقصى غايتي ومرادي
وأرحت من تعبي بعهدك في ندى ... ظل فبت على وثير مهاد
وشددت منك يدي بعلق مظنة ... ونفضتها بزعانف انكاد
متعالين على الوفاء بعلة ... ضحك الطبيب لها مع العواد
جمحوا إلى ظلمي فسمت جماعهم ... ولقيت شدتهم بلين قياد
فاستبطنوا حقدا وبين جواني ... حطبع يسل سخائم الاحقاد
ولكم دعي في الاخاء أعرته ... جذب ابن سفيان بضبع زياد
حتى إذا رفض الوفاء رفضته ... واعتضت عنه بطيب الميلاد
لا ذنب لي في طرد سائمة الهوى ... منه على السرح الوبيل الصادي
أنا قد رضيتك فارفضني وأعدني ... أن كنت محتاجاً إلى الأعداء
اني لممن أن دعوت لنصرة ... يوماً بساطاً حجة وجلاد
ولئن بلغت إلى رضاي فربما ... الفيتني لرضاك بالمرصاد
وعلى تظاهرنا الضمان بقلة ... الأعداء ثم بكثرة الحساد
وزعمت تظلم ساحة ما بيننا ... ظلما وصبح العدل عندي باد
كلا فما ااتسويف من شيميي ولا ... لي الجميل بعادة من عادي
لابد من ذاك السفار وان عدت ... عنه الليالي انهن عوادي
سفر أن استبعدته فاستمطني ... حرصي أو اجعل من ثنائك زادي
خذها نتيجة منكر لودادها ... برم لها قال لها متفاد
حذر من الود المخل وإنما ... أهدي الزيوف إلى يد النقاد
تم الاختيار من شعر ابن عمار ويليه الاختيار من شعر ابن خفاجة الأندلسي.
شعر
ابن خفاجة الأندلسي
стр. 55
ذكره صاحب الذخيرة ثم قال ابو اسحاق ابراهيم ابن أبي الفتح ابن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر المشهور ولد سنة ٤٥٠ بالأندلس وتوفي بها سنة ٥٣٣ رحمه الله تعالى. قال يمدح أمير المسلمين، ويهنئه بتقليده اشبيلية:
ارأيك أمضى أم حسامك يقطع ... ومرآك أبهى أم حديثك يسمع؟
كل له في جانب الملك مسلك ... كريم ومن نفس الامارة موقع
لك الخير ما أهداك والسهم صائب ... يطيش وما أعداك والخيل تمزع
ولا غير أطراف الأسنة مقول ... يبين ولا غير الفرائض مسمع
وما الوشي حسنا غير بيض محاسن ... لبست على عطفي علاك وتخلع
ولا النجم نأياً غير ذروة معقل ... تذود العدى عن جانبيه وتمنع
تفوت رجاء المرتجين وعوده ... ويدنو به سعد الأمير فيطمع
أحطت به حصر الاحاطة مضعفاً ... تزلزل من أركأنه وتضعضع
وأمطرته غيثاً من الغيث واكفاً ... يظاهره وبل من النيبل يهمع
تضم جناح الجيبش حوليه ثم ومقلة ... جرت هذه تدمي وهاتيك تدمع
ولا بأس إلا من سيوفك تنتضى ... ولا سعد إلا من رماحك تشرع
وهل أنت إلا رحمة الله تنكفي ... عذاباً على أهل المعاصي فتقمع
فكم حرز عز قد غشيت ببطشه ... تصم العدى رجاتها حين تسمع
وغادرته من معقل وهو معقر ... لمعتقديه مصنعاً وهو مصرع
وغادرته فيه موعد السيف فاتك ... يهون عليه الجانب المتمنع
و؟ أهوى به طيب الحديث فنشره ... يخب به ركب الثناء ويوضع
إذا هز أعطاف المعالي حسبته ... يدير بها كأساً عليه تشعشع
وحسبك من فلج لأبيض واضح ... يعيد ويبدي في المعالي فيبدع
ويا رب جيش للعدو كأنه ... عباب خضم قد طمى يتدفع
عرضت له والليث دونك جرأفأجفل إجفال النعامة يجزع
ولقيته ريح المهابة بارحا ... فاقلع إقلاع الغمامة تقشع
وأدبر لا يلوي على متعذر ... حذار فتى يسري إليه فيسرع
وقد جال دمع القطر في مقلة الدجى ... ولفت نواصي الخيل نكباء زعوع
له من صدور الأعوجية والقنا ... شفيع إلى نيل الأماني مشفع
وظفره في ملتقى الخيل ساعد ... ألف وقلب بين جنبيه أصمع
وأبيض يتلو سورة الفتح ينتصى ... ويستقبل الفرق الكريم فيركع
ومنجرد ضخم الجزارة أوحد ... يطير به تحت العجاجة أربع
وحصداء تزري بالسنان حصينةً ... ووجه وقاح بالحديد مقنع
رتعت على حكم السماح بربعه ... ومربع أبناء السماحة مرتع
وعجت عليه عوجة الصب شاقه ... بريق ترأى آخر الليل يلمع
ولم أرد الأوشال أنقع غلةً ... ويمنى ابي أسحاق للبحر منبع
وهضبته أحمى جنابا لخائف ... وأبطحه أندى مراداً وأمرع
فمن مثل ابراهيم والصبح أبلج ... ومن مثل ابراهيم والحق أصدع؟
إمام تدانى رأفة وسما به ... إلى المجد بيت طاول النجم أروع
تجلى ومن بطحاء مكة حنة ... إليه وللبيت الحرام تطلع
ترى لقريش فيه برق مخيلة ... يلوح وعرق للخلافة ينزع
أما وأياد أنطقتني بحمده ... وقد طوقتني والحمامة تسجع
لئن هز من أرجاء حمص مسرة ... حديث بملقاه إليها يرجع
لقد ناب منا والخطوب ممضة ... وشيك نواه والحوادث ترجع
وفرقني صبري لذكرى فراقه ... وشافهني قبل الوداع تودع
وكنت جماد العين أجهل ما البكا ... فعلمني داعي النوى كيف تدمع
فاستودع الله الأمير ومهجة ... أشيعها فيمن هناك أشيع
وهنئهتها من دار ملك وهنئت ... به ملكاً والله يعطي ويمنع
وله أيضاً يمدحه:
قل لمسرى الريح من إضم ... وليالينا بذي سلم
طال ليلي في هوى قمر ... نام عن ليلي وم أنم
وأبي حياه من رشأ ... مستطاب اللثم والشيم
وتساوى ما بنظرته ... وبجسمي فيه من سقم
لا مسحت الجفن من سهر ... ووقيت اقلب من ألم
ولئن راودت من سنة ... لبما أرتاد من حلم
وخيال لو سرى لخبا ... ما بصدر الصب من مضرم
فسقى الله مضاجعنا ... بين طلح الجزع والسلم
стр. 56
وبكى باكي الغمام به ... بين منهل ومنسجم
فلكم شكوى هناك لنا ... ولكم نجوى بها وكم
والتثام بين معتنق ... واعتناق بين ملتثم
بكلام رق جانبه ... بين منثور ومنتظم
فتعاقدنا يداً بيد ... وتعاهدنا فماً لفم
وانتصفنا من مظالمنا ... وأخذنا أخذ محتكم
وانثنى يمثي بها غصن ... من جناه نور مبتسم
وقبلت الكأس من يده ... فاجتنينا الورد من عنم
وسواء در منطقه ... وحلاه حسن منتظم
صم سمعي فيه عن عذل ... وابن ستين أخو صمم
فأراني لا أرى صدداً ... عن ولوع والغرام عمي
أين ما أحرزت من أمل ... آل يطويني على ألم؟
هل لدي اليوم منه سوى ... طول قرع السن من ندم؟
كل ريان إلى ظمأ ... كل وجدان إلى عدم
أي شمل غير منصدع ... أي حبل غير منصرم؟
آه تحت الليل من أرق ... ووراء البرء من سقم
مال بي عيشة كرمت ... عمر أدنى إلى الهرم
عاث في خط العذار به ... شرد قد طار في فحم
وبياض العيس مقترن ... بسواد العذر واللمم
وكفاني مس فاقته ... أن يذيع الدهر مهتضمي
لا لعمر المجد والكرم ... ومضاء السيف والقلم
قسماً برب ويشفعه ... قسم أرعاه من قسم
لا ينال الدهر من جهتي ... وبابراهيم معتصمي
الامام المستقل به ... ركن بيت الفضل والكرم
والشهاب المستضاء به ... في دياجي الظلم والظلم
ملء نفسي الدهر من شرف ... قد رسا طودا على القدم
وسماح باسط يده ... باليد الطولى من النعم
من قريش في الصميم ومن ... فتية الهيجاء في القمم
حملت زهر الكلام له ... دولة قامت على قدم
نهضت في كل معضلة ... بوجود السعد في الخدم
واهتدت في كل مجهلة ... بأبي إسحاق من علم
ياله من فارس نجد ... لو نضى عن صارم خذم
وارتدى منه على غضب ... بحسام غير منثلم
نضيت يوماً به ظبتا ... مشرفي ليس بالقصم
كم مضى يفري وكم سفكت ... شفرتاه من عيط دم
والحسام المشرفي هنا ... رمزة تومي إلى الحشم
ورجال قادة نجب ... نزلوا عن رتبة البهم
وأحلوا من مراكزهم ... واستطارت خيلهم بهم
فتفرى الجيش عن ملك ... سافر عن وجه ملتئم
مقدم في الروع مجترئ ... ضارب بالسيف مقتحم
وبهم ما جر ذلك من ... كلم عار أو جنى كلم
لا تقدم غير مضطهد ... وقريع غير مهتضم
صابر في الله محتسب ... واثق بالله معتصم
في ضمان المشرفي به ... وقعة للعرب في العجم
فتكة في الروم قاصمة ... ظهر عز الروم والصنم
يجمع الضرب التؤام بها ... بين فل الروم والرمم
حق حمص أن تسر به ... أرضها من عالم علم
وغمام دون ريقه ... برق بشر غير متهم
ما ابتدى إلا رأيت به ... شيخ رأي في فتى كرم
ظل يندى وجهه خفراً ... وهو ذاكي شعلة الفهم
سخرت بالنجم همته ... وازدرت يمناه بالديم
أعصمت نفس امرئ علقت ... منه بالوثقى من العصم
واستجارت من مخيمه ... بفناء البيت والحرم
ومن قوله:
تخيرته من رهط أعوج سابحا ... أغر كريم الوالدين نجيبا
خفيفاً ولم يحلم بسوط كأنما ... يفوت عدواً أو يؤم حبيبا
سرى وانتمى برق بذي الاثل ليلة ... فبات بها هذا لذاك نسيبا
وحن إلى سفر فطار إلى السرى ... يخوض خليجاً أو يجوب نسيبا
يؤم بها أرضاً علي كريمة ... ومرتبعا فيها الي حبيبا
ورب نسيم مربي وهو عاطر ... رقيق الحواشي لا يحس دبيبا
وجدت به من ذلك الماء بلة ... ومن نور هاتيك الاباطح طيبا
فصافحت ريعان النسيم تشوقا ... إليها ولازمت القضيب رطيبا
وقد قلد النوار جيداً لربوة ... هناك ونحراً للفضاء رحيبا
وأفصحت الورقاء في كل تلعة ... نشيداً وقد رق النسيم نسيبا
وكان على عهد الشباب تغنيا ... يشوق أخا وجد فعاد نحيبا
стр. 57
دعا لغروب الدمع والدار غربة ... فلم أر ألا داعياً ومجيبا
وله أيضاً:
سقياً ليوم قد أنخت بسرحة ... ريا تلاعبها الشمال فتلعب
سكرى يغنيها الحمام فتنثني ... طربا ويسقيها الغمام فتشرب
يلهو فترفع الشبيبة راية ... فيه ويطلع للبهارة كوكب
والروض وجه ازهر والظل فر ... ع أسود والماء ثغر أشنب
في حيث أطربنا الحمام عشية ... فشدا يغنينا الحمام المطرب
واهتز عطف الغصن من طرب بنا ... وافتر عن ثغر الهلال المغرب
فكأنه والحسن مقترن به ... طوق على برد الغمامة مذهب
في فتية تسري فينصدع الدجى ... عنها وتنزل بالجديب فيخضب
كرموا فلا غيث السماحة مخلف ... يوماً ولا برق اللطافة خلب
من كل ازهر للنعيم بوجهه ... ماء يرقرقه الشباب فيسكب
وقال مجيباً عن شعور ورد عليه من بعض أصحابه:
أطرسك أم ثغر تبسم واضح ... ولفظك أم روض تنفس نافح؟
لواني لي الخيزرانة هزة ... وتهفو باعطاف الكرام المدائح
كلام يرف النور من جنباته ... وتندى به تحت الهجير الجوانح
تنل يوم الروع سمر القنا به ... وتطبع منه للجلاد الصفائح
يشف سواد النفس عنه كما سرى ... وراء الدجى برق تطلع لامح
واني لظمآن إليه علاقة ... وها أنا في بحر البلاغة سابح
بعثت به يندى كما جاد عارض ... ويطريني طوراً كما حن صادح
تلوح به في دهمة الحبر غرة ... ويركض في شوط الفصاحة سائح
فان أنا لم أشكرك والدار غربة ... فلا جادني غاد من المزن رائح
ولا استشرقت يوماً الي به الربى ... جلالاً ولا هشت الي الأباطح
ومن قوله:
ابى البرق إلا أن يحن فؤاد ... ويكحل اجفان المحب سهاد
فبت ولي من قانئ الدمع قهوة ... تدار ومن إحدى يدي وساد
تنوح لي الورقاء وهي خلية ... وينهل دمع المزن وهو جماد
وقد كان في خدي للدهم ملعب ... فقد صار فيه للوراد طراد
وليل كما مد الغراب جناحه ... وسال على وجه السجل مداد
به من وميض البرق والليل فحمة ... شرار ترامى والغمام زناد
سريت به أحييه لاحية السرى ... تموت ولا مت الصباح يعاد
يقلب مني العزم انسان مقلة ... لها الافق جفن النجم فيه سهاد
سحيق ولا غير الرياح ركائب ... هناك ولا غير الغمام مزاد
كأني وأحشاء البلاد تجنني ... سريرة حب والظلام فؤاد
أجوب جيوب البيد والصبح صارم ... له الليل غمد والمجر نجاد
وفي مصطلى اآفاق جمر كواكب ... علاها من الفجر المطل رماد
ولما تفرى من دجى الليل طلحب ... وأعرض من ماء الصباح ثماد
حننت وقد ناح الحمام صبابة ... وشق من الليل البهيم حداد
على حين شطت بالأحبة نية ... وحالت فياف بيننا وبلاد
عشية لا مثل الجواد ذخيرة ... ولا مثل رقراق الحديد عتاد
إذا زار خطب خفرتني ثلاثة ... سنان وعضب صارم وجواد
فبت ولا غير الحسام مضاجع ... ولا غير ظهر الاعوجي مهاد
معانق خل لا يخل وإنما ... مكان ذراعيه علي نجاد
وله يمدح ابا إسحاق ابراهيم من ملوك الأندلس وينهئه بالعيد:
سجعت وقد غنى الحمام فرجعا ... وما كنت لولا أن يغني لأسجعا
وأندب عهداً بالمشقر سالفاً ... وظل غمام للصبا قد تقشعا
ولم ادر ما ابكي أرسم شبيبة ... عفا أم مصيفاً من سليمى ومربعا
وأوجع توديع الاحبة فرقة ... شباب على رغم الاحبة ودعا
وما كان أشهى ذلك الليل مرقدا ... اندى محيا ذلك الصبح مطلعا
وأقصر ذاك العهد يوماً وليلة ... وأطيب ذاك العيش ظلاً ومكرعا
زمان تقضى غير عهد محاسن ... تسوم صفات القلب أن تتصدعا
ومن لي برد الريح من أبرق الحمى ... وريا الخزامى من اجارع لعلعا
وقد فات ذاك اعهد إلا تذكراً ... لواني على ظهر المطي توجعا
وكنت جليد القلب والشمل جامع ... فما انفض حتى فاض فارفض أدمعا
وبلت نجادي عبرة مستهلة ... اكفكفمنها بالبيان تصنعا
стр. 58
واني وعيني بالظلام كحيلة ... لآبي لجنبي أن يلائم مضجعا
وأكبر شأناص أن ارى الصبح أبيضا ... بعين ترى ربع الشبيبة بلقعا
كأني لم أذهب مع اللهو ليلة ... ولم أتعاط البابلي المشعشعا
ولم اتحامل بين ظل بسرحة ... سجع لغريد وماء باجرعا
ولم أرم آمالي بازرق صائب ... وأبيض بسام وأسمر أصلعا
وأبلق خوار العنان مطهم ... طويل الشوى والساق أقود أتلعا
جرى فجرى البرق اليماني لبده ... فابطأ عنه البرق عجزاً وأسرعا
كأن سحاباً أسحماً تحت لبده ... يضاحك عن بدر سرى فتصدعا
وحسب الاعادي منه أن يزجروا به ... مغيراً غراباً صبح الحي أبقعا
كأن على عطفيه من خلع مائجاً ... وأقبلت أم الرأل نكباء زعزعا
يؤلل من إذن فاذن تشوفاً ... إلى صرخة من هاتف أو تطلعا
كأن له من عامل الرمح هاديا ... منيفاً ومن ذلق الاسنة مسمعا
فسكنت منه بالتغني على السرى ... أمسح من اعطافه فتسمعا
ولما انتحى ذكر الأمير استخفه ... فخفض من لحن الصهيل ورفعا
حنينا إلى الملك الاغر مردداً ... وشجوا على المسرى القصي مرجعا
ففي حب ابراهيم أعرب صاهلاً ... وفي نصر ابراهيم كر تشيعا
مليلك تباهى الحمد وشياً مذهبا ... به وترأى المجد تاجا مرصعا
غشيت به أندى من المزن راحةً ... وأطيب من سقياه أن سجمامعا
قرب حديث عن علاه سمعته ... وما طائر البشرى باحسن مسمعا
فيا شائمي برقاً بتوضح موهناص ... وقعقع ارعاداً سحيراً فاطمعا
إذا كف من قطر يكما عارض الندى ... وراقكما برق البشاشة فارتعا
فان ابا اسحاق أخصب تلعة ... وأشهى ندى ظل وأعذب مكرعا
وحسبكما أن قد تأسى به الحيا ... فعاود من رحماه ما كان اقلعا
وعز الهدى منه بأمجد أوحد ... طويل نجاد السيف ابلج اروعا
أحل به العود السليب سماحة ... وأحرم مطرود الظبا لا تورعا
إذا دب أخفى من خيال مكيدة ... تصوب أسرى من شهاب واطلعا
وما السيف من كف الكمي مجرداً ... بأسطى وراء النقع منه واسطعا
دعا باسمه داعي الحفيظة والندى ... فلبى على شرخ الشباب واطعا
وهب كما هب الحسام شهامة ... وعب كما عب الخضم تبرعا
وجربه ذيل الخميس ابن غابة ... تردى غلاما بالعلى وتلفعا
وداس العدى ركضا وجرى إلى الوغى ... باطوع من يمناه فعلا وأطبعا
فلم يدر اياً منهما النصل منطقا ... فصيحاً وإفرنداً كريماً ومقطعا
وخفض من صيت الأبي وصوته ... وزلزال من ركن العصي وضعضعا
والقت إليه بالمقادة قادة ... تطامن من أعناقها ما ترفعا
وذلل من أخلاقه كل ريض ... وأصبح خوار الشكيمة طيعا
فمن مبلغ الأيام عني انني ... تبوأت منه حيث شئت تمتعا
وطرت ثناء واطلعت ثنيةً ... فاشرفت أبضاعاً وأشرفت موضعا
فهنيت عيداً قد تلقاك قادما ... ولم يك لولا أن طلعت ليطلعا
وحسبك
قد أظلك قادما ... فما هو إلا أن تقول فيسمعا
وحياك من فرع لأشرف دوحة ... نسيم كأرواح العذارى تضوعا
يلاعب من خوط الاراكة معطفاً ... ويمسح من مسرى الغمامة مدمعا
ومما تصرف فيه من الغزل إلى الرثاء قوله:
أفي ما تؤدي الريح عرف سلام ... ومما يشب البرق نار الغرام؟
وإلا فمإذا أرج الريح سحرةً ... وأذكى على الأحشاء لفح ضرام؟
أما وجمان من حديث علاقة ... يهز إليه الشيخ عطف غلام
تحلت به ما بين سلمى ومربع ... سوالف أيام سلفن كرام
لقد هزني في ريطة الشيب هزة ... أرتني ورائي في الشباب أمامي
فلولا دفاع الله عجت مع الهوى ... وجلت بواديه أجر خطامي
ورب ليال بالغميم أرقتها ... لمرضى جفون بالفرات نيام
يطول علي الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب ليل تمام
ولم أدر ما أشجى وأدعى إلى الهوى ... أخفقه برق أم غناء حمام؟
إذا ما استخفتني لها أريحية ... عثرت بذيلي لوعة وظلام
стр. 59
وخضحضت دون الحي احشاء ليلة ... يخفرني فيها وميض غمام
فقضيتها ما بين رشفة لوعة ... وأنه شكوى واعتناق غرام
وأحسن ما التفت عليه دجنة ... عناق حبيب عن عناق حسام
فليت نسيم الريح رقرق أدمعي ... خلال ديار باللوى وخيام
وعاج على أجراع وادبذي الغضى ... فصافح عني فرع كل بشام
مسحت له عن ناظري صبابة ... وأقلل بدمعي من قضاء ذمام
فيا عرف ريح عاج عن بطن لعلع ... يجر على الأنداء فضل زمام
بما بيننا بالحقف من رمل عالج ... وفي ملتقى الأرطى بسفح شمام
تلذذ بدار القصف عني ساعة ... وأبلغ نداماها أعم سلام
وقل لغمام ألحف الأرض ذيله ... فلف فجاجاً تحته باكام
أمالك من ظل يبرد مضجعي ... أماتلك من طل يبل أوامي؟
واي ندى أو برد ظل لمزنة ... على عقب أتراب رزئن كرام؟
وقفت وقوف الشك بين قبورهم ... أعظمها من أعظم ورجام
وأندب أشجى رنة من حمامة ... وأبكي وأقضي من ذمام رمام
قضوا بين واد للسماح ومشرع ... وغارب عز في العلى وسنام
ومنتصب كالرمح هزة عزة ... وفتكة بأس واستواء قوام
ومنصلت كالسيف نصرة صاحب ... وضحكة بشر واعتزاز مقام
ومنقل مستقبل كعبة العلى ... يصلي بأهليها صلاة زؤام
تهل له من عفة في طلاقة ... كأن ببرديه هلال صيام
وما ضره أن يستسر لعاتم ... إذا ما بدا في آخر بتمام
تم الاختيار من شعر ابن خفاجة الأندلسي ويليه الاختيار من شعر بديع الزمان الهمذاني
شعر
بديع الزمان الهمذاني قال طابع ديوانه محمد شكري المكي: هو الأستاذ فخر همذان بديع الزمان ابو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨ وقد أربى على ٤٠ سنة وله ديوان شعر هو (ديوان الأدب) يحق أن تفخر به العجم على العرب، يزري بعقود الجمان، وقلائد العقيان، فمنه قوله في أبي بكر الخوارزمي:
برق الربيع لنا برونق مائه ... فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالترب بين ممسك ومعنبر ... من نوره بل مائه وروائه
والماء بين مصندل ومكفر ... من حسن كدرته ولون صفائه
والطير مثل المحسنات صوادحا ... مثل المغني شادياً بغنائه
والورد ليس بممسك رياه بل ... يهدي لنا نفحاته من مائه
زمن الربيع جلبت أزكى متجر ... وجلوت للرائين خير جلائه
فكأنه هذا الرئيس إذا بدا ... في خلقه وصفائه ةعطائه
يعشو إليه المجتدي والمجتني ... والمجتوي هو هارب بذمائه
ما البحر في تزخاره والغيث في ... أمطاره والجود في أنوائه
بأجل منه مواهباً ورغائباً لازال هذا المجد حول فنائه
والسادة الباقون سادة عصره ... متمدحين بمدحه وثنائه
قال يمدح صاحب الجيش ابا علي.
علي أن لا أريح العيس والقتبا ... والبس البيد والظلماء واليلبا
وأترك الخود معسولا مقبلها ... وأهجر الكأس تغذو شربها طربا
حبي الفلا مجلسا والبوم مطربة ... والسير يسكرني من مسه تعبا
وطفلة كقضيب البان منعطفاً ... إذا مشت وهلال الشهر منتقبا
تظل تنثر من أجفانها درراً ... دوني وتنظم من أسنانها حببا
قالت وقد علقت ذيلي تودعني ... والوجد يخنقها بالدمع منسكبا
لا در در المعالي لا يزال لها ... برق يشوقك لا هواناً ولا كثبا
يا مشرعا للندى عذباً موارده ... بيناه مبتسم الأرجاء إذا نضبا
أطلعت لي قمراً سعداً مطالعه ... حتى إذا قلت يجلو ظلمتي غربا
كنت الشبيبة أبهى ما دجت درجت ... وكنت كالورد أزكى ما أتى ذهبا
أستودع الله عيناً تنتحي دفعاً ... حتى تؤوب وقلباً يرتمي لهبا
وظاعناً أخذت منه النوى وطراً ... من قبل أن اخذت منه المنى أرباً
فقلت ردي قناع الصبر إن لنا ... إليك أوبة مشتاقاً ومنقلبا
أبى المقام بدار الزل لي كرم ... وهمة تصل التوخيذ والخبب
وعزمة لا تزال الدهر ضاربة ... دون الأمير وفوق المشتري طنابا
يا سيد الأمراء أفخر فما ملك ... إلا تمناك مولى واشتهاك أبا
стр. 60
إذا دعك المعالي عرف هامتها ... لم ترض كسرى ولم من قبله ذنبا
اين الذين اعد المال من ملك ... يرى الذخيرة ما أعطى وما وهب
ما لسيف محتطم والسيل مرتكماً ... والبحر ملتطماً والبحر مقتربا
أمضىشباً منك أدهى منك صاعقا ... أجدى يميناً وادنى منك مطلبا
وكاديحيك صوب الغيث منسكباً ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهب
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذب
يا من يراه ملوك الأرض فوقهم ... كما يرون على أبراجها الشهب
لا تكذبن فخير القول أصدقه ... ولا تهابن في أمثالها العرب
فقما السمؤل عهداً والخليل قرىً ... ولا أبن سعدا ندا والشنفرة غلبا
من الأمير بمعشار إذا اقتسموا ... مأثر المجد فيما أسلفوا نهبا
ولا ابن حجر ولا الذبيان يعشرني ... والمازنيو والا القيسي منتدبا
هذا لركبته لهذا لرهبته ... لهذا لرغبته هذا إذا طرب
وقال يمدح ابراهيم بن احمد:
سقا الله نجد كلما ذكروا نجد ... وقل لنجد أن اهيم به وجدا
طربت وهاجتني شمال بليلة ... وجدت لمسراها على كبدي بردا
ويا حبذا نجد وبرد أصيله ... وعيشا تركناه بساحته رغدا
ليللي شمل بالأحبتي جامع ... واذ غصني الريان لا يسع الجلدا
لعمر ظباء بالعقيق أو أنس ... لقد صدنا مني بالوا اسداً وردا
ولولم يساقطنا حديثك إنما ... يشعشعنا بالخمر المعتق الشهدا
مناعت فؤادي أن يباح له حمى ... وصمت دموعي أن افض لها عقدا
وعزم إذا خيمت سافر وحده ... شققت به الليل عن منكب بردى
فطمت عليه العزم قبل رضاعه ... إليه واعلمت المسومة الجردا
ولا غرر إلا شممت له يداً ... ولا خطر إلا قدحت له زندا
ولا قفرة إلا وامسيت صلها ... ولا حضر إلا وظلت له وفدا
كحلت بهمي بهمي عين كل كريهة ... إليها تخطيت الأساود والأسدا
بهمة مستحل من المجد مره ... وعزمة مستد من الشرف البعدا
وطئت بها بص الملوك مبجلاً ... وما وصلت لي منهم رحم عهدا
وأصبحت للباب المحبب والجاً ... ويوسع غيري أن يمر به طردا
ولست بهياب إذا لم تطل يد ... موكلة والواخدات بنا وخدا
غدا الدهر مني حالية بمفاخر ... ورحت كنصل السيف يحملني فردا
وقد علم الأقوام أن شريعتي ... من المجد لم تسهل على أحد وردا
ولست فتى إن شمت برق سحابة ... لغير كريم أو سمعت لها رعدا
متى أتت الشيخ الجليل مطيتي ... فقدت يدي إن لم أقد لها جلدا؟
تزر ملكة يعطي الجزيل إذا صحى ... ويضرب هامات الملوك إذا شدا
يحكم إلا في محارمه الندى ... ويعمل إلا في مكارمه القصدا
ألم ترني قيدنت في طوس عزمتي ... ولولاه ما كانت على كبدي تندا
وكنت إمرء لا أرتضي المجد خادماً ... ذهاباً بنفسي فاتسمت له عبدا
قصدناك لا أن الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
فلا أملي أعيا ولا صارمي نبا ... ولا منزع أشوى ولا مطلبي أكدى
فلو كنت غيثاً لم يشم برق خلب ... ولو كنت بحراً لم يزد أبداً مدا
أملي فمي فخراً ووسع يديا ندا ... وحسب المنى منا وقدرا الجدا أجد؟
أعرني يدا تهمي دنانير في الندى ... كما تنثر الأغصان يوم الصبا وردا
أعرك ثنائاً لا تغب وفوده ... كما تنشر الأمطار فوق الربا بردا
وألبسك مدحاً لا يعاد فريده ... كما ينفخ الند الزكي إذا ندا
تعد المساعي غضا بعد يبسها ... وشيب المعاني بعد كبرتها مردا
هلمى العطايا فلها تفتح الهى ... وسح الندا يستنجز الخاطر الوعدا
جلبت إليك المدحمغلى بسومه ... أرغبة متاع بمدح أم زهدا
أشم مدحي كفاً بها تبتني العلا ... ولا تعدني رأيا به تعمر المجدا
فما العمر إلا ما اقتنى لك ذكره ... بمنشب ظفر ما بقيت لها سدا
وقال يمدح الشيخ أبا نصر بن ابي زيد:
يا شيخ أي رفاق السير مسبوق ... أانت أم أنا أم عزمي أم النوق؟
стр. 61
آثرتكن ولولا المجد أثرني ... كأس وكن وندمان ومعشوق
وفارسي كوجه الفيل مضطرباً ... ينحى عليه رشيق القد ممشوق
وفتيا كنجوم الليل مسعدا ... كلن إذا لاح سامي الطرف مرموق
في فاغم النور موشي جوانبه ... كأنه من خصال الشيخ مسروق
واهن لشوس القوافي كيف ابدلها ... وكل واحدة منهنا عيوق
لا لا أزفك إلا كفئ مكرمى ... ولا أبيعك حتى ينفق السوق
شمي يمينا وزير المشرقين غدا ... فإنه بنسيم النجم مخفوق
شمي يداً للمعالي فوق كل يد ... وتحت كل فم أنيابه روق
قالت أما دون بلخ للمنا غرض ... أدنى ودون وزير الشرق مخلوق؟
بلا بلاد وأقوام وأهل غنا ... بي عنهم وبهم عن همتي ضيق
كم رائع الجسم إلا انه طلل ... وهائل الصوت إلا أنه بوق
إن امراء في مقام الفخر يحرمني ... عطاء غيرك إني منك مرزوق
بما جمعت تفاريق الكمال غداً ... بين الملوك وبيني منك وفاروق
فإن مددت يدي يوماً فلا رجعت ... لغيركم أبداً ما حنت النوق
مجداً أروض على مكروهه خلقي ... إن الرياضة للأخلاق راووق
اقر السلام وزير الشرق في سحر ... نسميه بذكي المسك مفتوق
وأنت يا نومة الفجر ابتغي نفقاً ... إن القرار ولما ألقه موق
وانعم صباحاً وزير المشرقين لا ... يفتك في أمل عزم وتوفيق
فضل المزية إن المكرمات له ... مجموعة وهي في الدنيا تفاريق
ومطفل من بنات الزنج يخدمها ... من آلة طبعتها الهند ابريق
طاعت ليمناك واسطاعت رياضتها ... فشأنها الدهر ترقيع وتمزيق
إذا دجاليل خطب اطلعت شمعاً ... يجلو الدجى بدمي فيها تزاويق
شمع يداك له شمع حجاك له ... دمع سجيته جمع وتفريق
كأن يمناك بحر وهي زورقه ... أليس من آلة البحر الزواريق
ووابل صاعدته الريح لحت له ... والبحر فرغ له والدلو إنبيق
فارتد منك على أعقابه خجلا ... ولم تفض دمعه تلك الحماليق
وإينق كقسي نبع ليس لها ... إلا الحقائب حملا والصناديق
أخذنا منك مواثيق مغلظى ... إن الكرام سجاياهم مواثيق
وقال يمدح الأمير خلف بن احمد ... سماء الدجى ما هذه الحدق النجد
أصدر الدجى حال وجيت الضحى عطل
لك الله من عزم أجوب جيوبه ... كأني في أجفاني عين الدجى كحل
كأن الدجى نقع وفي الجو حومة ... كوكبها جند طوائرها رسل
كأن مطايانا سماء كأننا ... نجوم على اقتابها برجها الرحل
كأن القرى سكرى ولا سكر بالقرى ... كأن الربى سكلى وما بالربى سكل
كأن السرى ساق كأن الكرا طلا ... كأن لها شرب كأن المنا نقل
كأن الفلا ناد به الجن فتيى ... عليه الثرا فرش حشيته الرمل
كأن الربا كوم كأن هزالها ... لكثرة ما يغتالها الخف والنعل
كأن الذي تنفي الحوافر في الثرا ... خطوط مسامير النعال لها شكل
كأن جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن الثرى أكل
كأن بصدر العيس حقزاً على الثرى ... فمن يدها خبط ومن رجلها نكل
كأن ينابيع الثرى سدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة من مسيرنا ... لغور بها نهوي ونجد بها نعل
كأن على سير الثواني مسافة ... لمجهلة تمضي ومجهلة تتلو
كأن الدجى جفن كأن نجومه ... على ظهره حلي كأنا له نصل
كأن بني غبراء حين لقيتهم ... ذئاب كأني بين أنيابهم سخل
كأن أبانا أودع الملك الذي ... قصدناه كنزاً لم يسع رده مطل
كأن يدي في الطرس غواص لجة ... بها كلم در بها قيمتي تغلو
كأن فمي قوس لساني له يد ... مديحي له نزع بهي أملي نبل
كأن دواتي مطفل حبشيا ... بناني لها بعل ونفسي لها نسل
كأن بنيها عكس أبناء عصرنا ... فإن يرضعوا يبكوا وأن يفطموا يسلو
وإن ضربت أعناقهم عاش ميتهم ... فقتلتهم إن لا يعمهم القتل
كأن أهلمت فضل الذي بإسمه جرت ... فسارت وما غير الرؤوس لها رجل
كأن الأمير اختصها فأعتلت به معارج كل العاليات لها سفل
стр. 62
وإلا فما بال الملوك نراهم ... عبيد قناة لا تمر ولا تحلو
ألا عتبث جمل وبيني وبينها ... من البيد عز لو به علمتو جمل
أتعجب من شكواي دهري كأنني ... شكوت لم يشكه الناس قبل
يذكرني قرب العراق وديعتاً ... يد الله لا يسليه مال ولا أهل
حنته النوى عني وأضنته غيبتي ... وعهدي به كالليث جؤجؤه عبل
إذا ورد الحجاج لاقى رفاقهم ... بفوارتي دمع هما السجل والنجل
يسائلهم عن ابنه كيف حاله ... إلا ما انتهى لم لم يعد هل شغل
أضاقت به حال أطالت له يد ... أاخره نقص إقدامه فضل
أفيصوا عن الفرع الذي أنا اصله ... وما بل فرع ليس يحضره الأصل
يقولون وافى حضرة الملك الذي ... له الكنف المأمون والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبا ... وخير له قصر ودر له نزل
وفاضت عليه مطرة خالفية ... بها للغوادي عن ولايتها عزل
يزكرهم بالله إلا صدقتم ... لدي أجد ما تقولون أم هزل
فدناً لك من أبناء دهرك من غدا ... ولا قوله علم ولا فعله عدل
طوينا للقياك الملوك وإنما ... بمثلك عن أمثالهم مثلنا يسلو
ولما بلوناكم تلونا مديحكم ... فيا طيب ما نبلو ويا صدق ما نتلو
ويا ملك أدنى مناقبه العلا ... وأيسر ما فيه السماحة والبذل
هو البدر إلا أنه البحر زاخراً ... سوى أنه الدرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما ترى ... وإن نحن حدثنا بها دفع العقل
فقولا لوسام المكارم بإسمه ... ليهنئك إذا لم تبق مكرمة غفل
وجاريت أفراد الملوك إلى العلا ... فحقاً لقد أعجزتهم ولك الفضل
سما بك من عمر بن يعقوب محتد ... كذا الأصل مفخزوراًُ وكذا الأصل
تم الإختيار من شعر بديع الزمان الهمزاني ويليه الإختيار من شعر ابن النبيه
شعر
ابن النبيه وهو كمال الدين علي بن محمد بن النبيه قال يمدح الناصر احمد امير المؤمنين:
باكر صبوحك أهل العيش باكره ... فقد ترنم فوق الإيك طائره
والليل تجري دراري في مجرته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره
كوكب الصبح نجاب على يده ... مخلق تملئ الدنيا بشائره
فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب ... تنوب عن ثغر من تهوا جواهره
حمراء من وجنة الساقي لها شبه ... فهل جناها مع العنقود عاصره
ساق تكون من صبح ومن غسق ... فبيض خداه وسودت غدائره
سود سوالفه لعث مراشفه ... نعس نواظره خرس أساوره
مفلج الثغر معسول اللمى غنج ... مؤنس الجفن فحل اللحظ شاطره
مهفهف القد يندى جسمه ترفا ... مخصر الخصر عبل الردف وافره
تعلمت بانت الوادي شمائله ... وزورت سحرا عينيه جئازره
كأنه بسواد الصدغ مكتحل ... أو ركبت فوق صدغيه محاجره
خذ من زمانك ما أعطاك مغتنماً ... وأنت ناه لهذا الدهر أمره
فالعمر كالكأس تستحلي أوائله ... لكنه ربمى مرت أواخره
فليس يخذل في يوم الحساب فتى ... والناصر ابن رسول الله ناصره
إمام عدل لتقوى الله باطنه ... وللجلالة والإحسان ظاهره
تجسد المجد في أثناء بردته ... وتوجت به العالي منابره
راع بطرف حمى الإسلام ساهره ... ساط بسيف أباد الكفر شاهره
في صدره البحر أو في بطن راحته ... كلاهما يغمر السؤال زاخره
يقضي بتفضيله سادات عترته ... لو كان صادقه حياً وباقره
كل الكلام قصيراً عن مناقبه ... إلا إذا نظم القرآن شاعره
محجب في سجوف العز لو فرجت ... عن نور وجه يباهي الصبح باهره
نضاه سيفا على أعداء دولته ... ما كل سيف له تسنى خناصره
فضل إستفاء اتى من غير مسألأة ... يغني به عن أخ بر يوازره
تهن نعمة أمير المؤمنين ودم ... يا أيها الأشراف الميمون طائره
بحد سيفك أيات العصا نسخت ... إذا تفرعنت يوم الروع كافره
سل الكلى والطلى يا من يساجله ... فالرمح ناظمه والسيف ناثره
تنجست بدم القتلى صوارمه ... وطهرت بيد التقوى مأزره
стр. 63
جم النوال شديد البطش متئد ... كالدهر يرجى كما تخشى بوادره
إذا حبا أعنت الأيدي مواهبه ... وإن سطى سدت الدنيا عساكره
أين المفر لمن عاداه من يده ... والوحش والطير اتباع تسايره؟
يا جامعاً بالعطايا شمل عترته ... كالقطب لولاه ما صحت دوائره
أن جاد شعري فهذا الفضل علمني ... من غاص في البحر جاءته جواهره
وقال يمدح الملك العادل سيف الدين ابا بكر أخا الملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب:
لمن شجر قد أثقلتها ثمارها ... سفائن بر والسراب بحارها
حروف إذا استقريتها في انفرادها ... سطور إذا استولى عليها قطارها
حنايا إذا الساري السري ارتمى بها ... فهن سهام يستطير شرارها
توالت كموج البحر مزبدة البرى ... عليها قباب بالدموع احمرارها
وفي الكلة الحمراء بيضاء طفلة ... بزرق عيون السمر تحمي احورارها
أثار لها نقع الجياد سرادقا ... به دون ستر الخدر عنا استتارها
لها طلعة من شعرها وجبينها ... تعانق فيها ليلها ونهارها
لها من مهاة الرمل ومقلة ... وليس لها استيحاشها ونفارها
وما سكنت وادي العقيق ولا اللوى ... ولكن بعيني أو بقلبي دارها
إذا ما الثريا والهلال تقارنا ... أشكك هل ذا قرطها وسوارها
فأي قضيب جال فيه وشاحها ... واي كثيب ضاق عنه ازارها
وما كنت أدري قبل لؤلؤ ثغرها ... بأن نفيسات اللآلى صغارها
هي البدر إلا أن عندي محاقه ... هي الخمر إلا أن حظي خمارها
أيا كعبة من حالها حجر لها ... بعيد علينا حجها واعتمارها
فان بلغتها النفس يوما بشقها ... فقلبي لها هدي ودمعي جمارها
سقا الله مياً فارقين وقد سقى ... سجال سحاب لا يغب قطارها
وما لي أستسقي لها صيب الحيا ... وراحة سيف الدين تطمي بحارها؟
ففي بحر مال قد تطلع قصرها ... وفي بحر ماء يستقر قرارها
هو العادل الظلام للمال والعدى ... خزائنه قد أقفرت وديارها
كريم له نفس تجود بما حوت ... وأعجب شيء بعد ذاك اعتذارها
عليم بنور الله ينظر فلبه ... فلم يغن إسرار القلوب استتارها
حسام له حد يروع مضاؤه ... وصفحة صفح للذنوب اغتفارها
له راحة في السلم تجنى جنانها ... ويوم هياج الحرب توقد نارها
أنامله طوراً غصون نواضر ... وطوراً سيوف داميات شفارها
به دمر الله الفساد وأهله ... به ملة الإسلام عال مارها
وقال يمدحه ويذكر باء قلعة الطور:
تنقبت بالنور والنور ... واعتجرت لكن بديجور
ساحرة الطرف ولكنه ... من فترة في زي مسحور
شف بياض اللاذ عن جسمها ... كالخمر في باطن بلور
كأنما معصمها جدول ... صيغ له سد من النور
تبسم عن منظوم درفان ... تكلمت جاءت بمنثور
كأن في مقلتها ضيغماً ... ينظر من أجفان يعفور
كلها بدر تمام على ... غصن نقا أخضر ممطور
زارت ففككت عرى جبينها ... بالضم من رمان كافور
وبت أطفي بجنا ريقها ... حرقة صادي القلب مهجور
ياليلة الوصل استقري ويا ... سيرة سلطان االورى سيري
الملك العادل من أمه ... فقد رأى موسى على الطور
أن كان قددك قديماً فقد ... عمرته أحسن تعمير
كأنه تاج على مفرق ... إذا استدارت شرف السور
يزاحم النجم له منكب ... كالنجم في الرفعة والنور
كأنما أوقفته حارساً ... ينظر من وعك إلى صور
بنى سليمان بأعوانه ... وانت بالغر الجماهير
تصافح الأحجار أيد لها ... لا ترتضي لمس الدنانير
دانت لك الدنيا وسكأنها ... ما بين أمار ومأمور
هل يقدر الأعداء أن يمسحوا ... ما خط في لوح المقادير
يا مالكا تنسخ أيامه ... ما خط في أفك الأساطير
أسهره الذب عن الدين لا ... عشق ربيبات المقاصير
مؤيد الرايات والرأي في ... حالة تدبير وتدمير
أن جنحوا للسلم فاجنح لهما خدع الحرب بتقصير
كم لك في يافا وفي المرج من ... وقائع غر مشاهير
стр. 64
عشرون ألفا غير اتباعهم ... ما بين مقتول ومأسور
طهرت بيت القدس من رجسهم ... وكان مأوى للخنازير
يا ذاكر الله يا ناسيا ... للعرف مع كثرة تكرير
إلى محل الاجر والشكر يا ... أكرم مأجور ومشكور
وقال يمدح السلطان موسى الاشرف:
يستوجب النصر من صحت عزائمه ... ويقتني الشكر من عمت مكارمه
بالمال والنفس نال المجد طالبه ... أن العظيم لمن هانت عظائمه
في كل دور لهذا الدين منتظر ... يشيده بعد ما تخفى معالمه
فاليوم كل ًامامي لنا تبع ... بان شاه ار من المهدي قائمه
يا يوم دمياط ما أبقيت من شرف ... لمن تقدم إلا أنت هادمه
عذراء نادت على بعد فانقذها ... ملك غيور مصونات كرائمه
رأت بنو الأصفر الأعلام ... والنقع يرمدعين الشمس فاحمه
والجيش يلتف مرطاه على ملك ... كالليث تزأر حوليه ضراغمه
والجو يبكي سهاما كلما ضحكت ... عن كل برق يماني غمائمه
وكل طرف إذا طال الطراد به ... يطير من حدة لولا شكائمه
ودون دمياط بحر حال بينهم ... من الظبا ليس ينجو منه عائمه
ذلوا لملك أعان الله صاحبه ... موسى سليمانه والسيف خاتمه
وسالموها وردوا أهلها ومضوا ... والثغر من فرح يفتر باسمه
كأنهم أبصروا ما قد مضى زمناً ... كما يرى مزعج الاحلام نائمة
طهرت منبرها العالي ومئزرها ... من رجسها بعدما ساخت قوائمه
وقمت تكسر تمثال المسيح به ... برغم من هو باللهوت لائمه
قل للكمي وسرته سلامته ... هدا هو الموت فاحذر أن تلائمه
عادوا بحزن إلى أوطانهم ومضوا ... وكل بيت بقاهم فيه مأتمه
تبكي القوس على؟ أسرى ملوكهم ... وذاك أمر قضى بالعدل حاكمه
يا باذلا في سبيل اللله منهجته ... لله لا للذي جادت معالمه
لولاك زلزل دين المصطفى ووهى ... وأصبح البيت قد حلت محارمه
قضيت في الغرب مفروض الجهاد ولو ... فرغت للشوق ما قامت اعاجمه
أقول للحاسد المحزون ذا ملك ... والنجم والفلك الدوا خادمه
قولاً وعذراً فاني قد برى جسدي ... وكيف ينهض من قصت قوائمه
قالوا تأخرت والتأخير ينقصني ... من جود من عمت الدنيا مكارمه
لا أرهب الدهر أن يثني مودته ... لا أختشي قطع رزق وهو قاسمه
لا فارقت ألسن المداح دولته ... فاحسن الروض ما غنت حمائمه
قال يمدحه ويهنئه بالعيد:
قد بلغتك خطا المهرية الرسم ... دار الأحبة فاشكر نعمة النعم
لو كنت تنصف ما رغمت آنفها ... ولا خضبت الخطا من خفها بدم
يا برق عذراً فان الشوق كلفني ... أن الحبيب بمرآنا فلا تلم
من كل ملتفة الأعضاء مائلة ... الارداف ناعمة الأطراف كالعنم
كأنما الشعر يهواها إذا خطرت ... تمشي يقبل منها موضع القدم
كأنما الموت يسري في جوانبها ... وكل الرديني والصمصامة الخذم
سوشاحها معدم والحجل مقتدر ... كذاك تختلف الأرزاق بالقسم
كأنما هي من لين ومن ترف ... ماء تجسد للأبصار كالصنم
اياك در على لالاء لبتها ... وارجع إلى اليم والأصداف والظلم
ولا تقل انني من جنس مبسمها ... فأنت تؤخذ بالأدنى من القيم
عشق الغواني وعشق المجد مشتبه ... وإنما ألفرق بين الناس بالهمم
فغين هذا تراعي وصل غانية ... وعين موسى عن الإسلام لم تنم
الاشراف الملك الوهاب منذ أتى ... شم الأنوف بما فيها من النعم
نال العلى بيد بيضاء ما برحت ... ما فوق كل يد أو تحت كل فم
الله أكبر كم رزق وكم أجل ... قسمته تحت حد السيف والقلم
يا موقد النار للأضياف من كرن ... وموقد النار للأعداء من نقم
فكم لسلمك من نار علم ... وكم لحربك من نار على علم
السيف مثلك طلق الوجه مبتسم ... إذا اكفهرت وجوه الخيل والبهم
ما بين جو من الهيجاء مصطرم ... وبين بحر من الآذي ملتطم
هنالك البيض تفني الهام من شره ... والسمر تلدغ في الأكياد من قرم
стр. 65
بكر المعالي نفور قط ما نسبت ... إلا بببذل نوال أو بسفك دم
شرفت أيوب موسى مثل ما شرفت ... بالمصطفى نفس ابراهيم في اتلقدم
أعدت للدين والدنيا وساكنها ... عصر الشبيبة بعد الشيب والهرم
أنا الذي شملتني منك عاطفة ... فما أقول على ما فات واندمي
غرستني بيد ثراي بها ... فاقطف ثمار جنان الشكر من كلمي
واسعد بعيد رزقت الناس كلهم ... فيه ففزت باجر الناس كلهم
تم الاختيار من شعر ابن النبيه ويليه الاختيار من شعر مهيار الديلمي
شعر
مهيار الديلمي هو ابو الحسين مهيار بن مروزيه، الكاتب الفارسي الديلمي، الشاعر المشهور، كان مجوسياً فأسلم، وكان شاعراً، جزل القول، مقدماً على أهل وقته، وله ديوان شعر كبير، وهو رقيق الحاشية، طويل النفس في قصائده وذكره صاحب (دمية القصر) وأثنى عليه، وذكره ابن بسام في كتاب (الذخيرة) في محاسن أهل الجزيرة، وبالغ في الثناء عليه، وذكر من شعره، ومن نظمه المشهور قصيدته التي أولها:
سقى دارها بالرقمتين وحياها ... ملث يحيل الترب في الدار أمواها
وكيف بوصل الحبل من أم مالك ... وبين بلادينا زرود ولبناها
يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فيحظى ولكن من لعيني برؤياها
فلله ما أصفى وأكدر حبها ... وأبعدها مني الغداة وأدناها
إذا استوحشت عيني انست بان أرى ... نظائر تصبيني إليها وأشباهاً
وأعتنق الغصن الرطيب لقدها ... وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها
ويوم الكثيب استشرفت لي ظبية ... مولهة قد ضل بالقاع خشفاها
وبذلة خوف حبة قلبها ... فتزداد حسنا مقلتاها وليتاها
فما ارتاب طرفي فيك يا أم مالك ... على صحة التشبيه انك اياها
فان لم تكوني خدها وجبينها ... فإنك أنت الجيد أو أنت عيناها
أو أمة في حب دارعزيزة ... يشق على رجم المطامع مرماها
دعوه ونجداً إنها شأن قلبه ... فلو أن نجدا بلغة ما تعداها
وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها
وليل بذات الأثل قصر طوله ... سرى طيفها آها لذكرته آها
تخطت الي الهول مشياعلى الهوى ... وأخطاره لا يبعد الله ممشاها
وقد كان اسداف الدجى أن يضلها ... فما دلها إلا وميض ثناياها
وقال وكتب بها إلى الرئيس ابي الحسن الهماني في عيد النحر وهو ببغداد يهنئه:
استنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ... وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب
وأبتغي عندكم قلباً سمحت به ... وكيف يرجع شيء وهو موهوب
ما كنت أعرف ما مقدار وصلكم ... حتى هجرتم وبعض الهجر تأديب
أستودع الله في أبياتكم قمراً ... تراه بالشوق عيني وهو محجوب
أرضى واسخط أو اراضى تلونه ... وكل ما يفعل المحبوب محبوب
أما وواشيه مردود بلا ظفر ... وهل يجاب وبذل النفس مطلوب
لو كان ينصف ما قال انتظر صلة ... تأتي غداً وانتظار الشيء تعذيب
أو كان في الحب اسعاد ومنعطف ... منه كما فيه تعنيف وتأنيب
ياللواتي بغضن الشيب هو إلى ... خدد وهن من الألوان منسوب
تأبى لبياض وتأبى أن اسوده ... بصبغة وكلا اللونين غربيب
ما أنكرت أمس منه ناصلا يققاً ... ما تنكر اليوم منه وهو مخضوب
ليت الهوى صان قلبي عن مطامعه ... فلم يكن قط يستدينه مرغوب
اني لأسغب زهداً والثرى عمم ... نبتاً وأظما وغرب الغيث مسكوب
ولا أرق لحرص خاب صاحبه ... سعياً وأعلم أن الرزق مكتب
عقبى الطماعة في مال يمن به ... عصارة لا يغطي خبثها الطيب
طهر خلالك من خل تعاب به ... واسلم وحيداً فما في الناس مصحوب
اني بليت بمضطر رفيقهم ... والماء يملح وقتاً هو مشروب
كم يوعد الدهر آمالي ويخلفها ... أخاً أسر به والدهر عرقوب
اسعى لمثل سجايا في ابي حسن ... وهل يبلغني الجوزاء تقريب
فدى محمد المنسي نائله ... مراجع نيله المنزور محسوب
حال تحدثه الأحلام جاهلة ... لحاقه وأخو الأحلام مكذوب
стр. 66
أن قدم الحظ قوماً غالطاً بهم ... أو بينتهم عنايات وتقريب
فالسيف يخبر قطعاً وهو مدخر ... والطرف يكرم طبعا وهو مجنوب
حذار من حدث النعماء مؤتنف ... علاؤه بشفيع الوجه مجلوب
تسوؤه سائلا من اين سؤدده ... أن اللئيم بما قد ساد مسبوب
أأنت أنت وفي الدنيا ابو حسن ... صدقت أن لفي الدنيا أعاجيب
إذا رأيت ذيول السرح آمنة ... لم يحمها فلأمر يحلم الذيب
يا ملبسي الشيمة الغراء ضافية ... علي أن قلصت عني الجلابيب
علقت منك بعهد لا مواثقه ... تنسى ولا حبله بالغدر مقضوب
وأحمدتك اختباراتي وقد سبرت ... غور الرجال وكدتها التجاريب
فلتجزينك عني كل غادية ... لها من الكلم الفياض شؤبوب
إذا وسمت حياها باسمك انحدرت ... له الزبى وأطاعته المصاعيب
فاسلم لهن ولي ما طاف مستلم ... سبعاً وعلق بالاستار مكروب
ترجى ةتخشى فسيح الباب ممتنعاً ... أن الكريم لمرج ومرهوب
وقال وقد أوجب عليه بعض الرؤساء حقاً، وهو ابو الحسن أحمد بن عبد الله الكاتب، وذلك بقصده اياه في علة نالته عاده فيها عدة دفعات من غير أن يكون سبق إليه بمعرفة، ولا جرى بينهما لقاء إلا بالذكر والصفة من الأستاذ ابي الحسن المختار ابن عبد الله الذهبي، وواصل تفقده تبرعاً وابتداء ما يوجب الشكر، ويعرفه مثله في ذلك الوقت، وكتب بها إليه يشكره، وأنفذها في رجب سنة ٤١٢ اثنا عشر واربع مئة. قال.
هوىً لي وأهواء النفوس ضروب ... تجانب قوسي أن تهب جنوب
يدل عليها الريف اين مكانه ... ويخبرها بالمزن كيف تصوب
ونمشي على أرض الحمى ثم نلتقي ... فيبلغني منها الغداة هبوب
أماني بعيد لو رآها لسرها ... مكان الحيا من مقلتيه غروب
ودمع إذا غالطت عنه تشاهدت قوارف في خدي له وندوب
على أن ذكراً لا تزال سهامه ... ترى مقتلا من مهجتي فتصوب
إذا قيل مي لم يرعني بحلمه ... حياء ولم يحبس بكاي رقيب
أعير المنادي باسمها السمع كله ... على علمه اني بذاك مريب
وكم لي في ليل الحمى من إصاخة ... إلى خبر الاحلام وهو كذوب
توقر منها ثم تسفه أضلعي ... ويجمد فيها الدمع وهو يذوب
وما حب مي غير برد طويته ... على الكره طي الرث وهو قشيب
رأت شعرات غير البين لونها ... فأمست بما تطريه أمس تعيب
أساءك أن قالوا اخ لك شائب ... فأسوأ منه أن يقال خضيب
ومن عجب عس غصني طرحت حبائلي ... الي فهلا ذاك وهو رطيب
تظنينه من كبرة فرط ما انحنى ... كأن ليس في هذا الزمان خطوب
فعدي من قبل اكتهالي تكهل ... وغدرك من قبل المشيب مشيب
وما كان وجه يوقد الهم تحته ... لتنكر فيه شيبة وشحوب
لو أن دمي حلت صبيغة لونه ... مبيضة ما قلت ذاك عجيب
الم تعلمي أن الليلي جحافل ... وان مدارات الزمان حروب
وان النفوس العارفات بلية ... وحمل اسجايا العاليات لغوب
يسيغ الفتى ايامه وهو جاهل ... ويغتص بالساعات وهو لبيب
وبعض مودات الرجال عقارب ... لها تحت ظلماء العقوق دبيب
تواصوا على حب النفاق ودينهم ... بأن يتنافى مشهد ومغيب
فما أكثر الإخوان بل ما أقلهم ... على نائبات الدهر حين تنوب
وقبل ابن عبد الله ما خلت انه ... يرى في بني الدنيا الولود نجيب
إلا أن باني المجد يخلص طينه ... وكل الذي فوق التراب مشوب
سقى الله نفساً مذ رعت قلة العلى ... فكل مراعيها أعم خصيب
وحيا على رغم الغزالة غرة ... إذا طلعت لم تدج حين تغيب
وحصن صدراً قلب أحمد تحته ... يضيق ذراع وهو رحيب
من القوم بامون والجو عابس ... وراضون واليوم الأصم غضوب
رأوا بابنهم ليث الشرى وهو سارب ... لحاجته وابحر وهو وهوب
فتى سودته نفسه قبل خطة ... وشابت علاه وهو بعد ربيب
وقدمه أن يعلق الناس عقبه ... سماح مع الريح العصوف ذهوب
إذا ظن أمراً فاليقين وراءه ... ويصدق ظني تارة ويحوب
стр. 67
وخلق كريم لم يرضه مؤدب ... تمطق فوه الثدي وهو أديب
تحمل أعباء الرياسة ناهضاً ... بها قاعداً والحادثات وثوب
وصاحت به الجلى لسد فروجها ... فأقدم فيها والزمان هيوب
وكم أعجبته النائبات فردها ... رداداً وعاد النبع وهو صليب
هناك اتفاق الناس انك واحد ... إذا كان للبدر المنير ضريب
وأعجب ما في الجود انك سالب ... به كل ذي فضل وانت سليب
أأنسى لك النعمى التي تركت فمي ... يصعد يبغى شكرها ويصوب
ملكت فؤادي عند أول نظرة ... كما صاد عذريا أغن ربيب
وكنت أخاف ابابلي وسحره ... ولم أدر أن الواسطي خلوب
وغناك أقوام بوصف ماقبي ... فرنج نشوان وحن طروب
رفعت منار الفخر لي بزيارة ... وسمت بها مغناي وهو جديب
وكنت لداء جئتني منه عائداً ... شفاءً وبعض العائدين طبيب
وأنهلتني من خلقك العذب شربة ... حلت لي وما كل الدواء يطيب
ولما جلالي حسن وجهك بشره ... تبين في وجه الشقام قطوب
أجبت وقد ناديت غيرك شاكياً ... وذو المجد يدعى غيره فيجيب
فطنت لها أكرومة نام غفلة ... من الناس عنها مائق وأريب
ذهبت بها في الفضل ذكراً بصوته ... سبقت فلم يقدر عليك طلوب
لئن كان في قسم المكارم شطرها ... فللدين فيها والولاء نصيب
ستعلم أن الصنع ليس بضائع ... علي ولا الغرس الزكي يخيب
وتحمد مني ما سعيت لكسبه ... وما كل ساع في العلاء كسوب
ومهما يثبك الشعر ذكراً مخلداً ... عليها فان الله قبل يثيب
وتسمع في نادي الندى أي فقرة ... يقوم بها في الوافدين خطيب
متى امتدبي عمر وطالت مودة ... فربعك حسن من ثناي وطيب
ودونك مني ضيغم فاه فاغر ... متى مادنا من سرح عرضك ذيب
محاسن قوم وسمة في جباههم ... ولي حسنات سرهن غيوب
وما الحسن ما تثني به العين وحدها ... ولكن ما تثني عليه قلوب
لقد علقت دنياك مذ قيضتك لي ... وراح عليها الحلم وهو غريب
أظن زماني أن زجرت ظروفه ... سيرجع عما سادني ويتوب
تخاتلني الاخبار اخلب برقها ... بأنك يا بدر الكمال تغيب
فأمسك قبل البين أحشاء موجع ... لها بين أثناء الحذار وجيب
بأي فؤاد أحمل البعد والهوى ... جديد وذا وجدي وانت قريب
فلا تصدع الأيام شمل محاسن ... تسافر مصحوباً بها وتؤوب
ولا تعدم الدنيا بقاءك وحده ... فانك في هذا الزمان غريب
وقال يمدح سيد الوزراء مؤيد الملك ابا علي ارخجي ويشكر انعامه عليه:
إذا عم صحراء اغمير جدوبها ... كفى دار هند أن جفني يصوبها
وقفت بها والطرف مما توحشت ... طريد رباها والفؤاد جذيبها
وقد درست إلا نشايا عواصف ... من الريح لم يفطن لهن هبوبها
خليلي هذي دار أنسي وربما ... يبين بمشهور الأمر غيوبها
قفا نتطوع للوفاء بوقفة ... لعل المجازي بالفاء يثيبها
فلا دار إلا أدمع ووكيفها ... ولا هند إلا أضلع ووجيبها
وعير تماني زفرة خف وقدها ... ملياً وعيناً أمس جفت غروبها
فان تك نفسي أمس في سلوة جنت ... فقد رجع اليوم الهوى يستتيبها
وان يفن يوم البين جمة أدمعي ... فعند جفوني للديار نصيبها
تكلفني هند إذا التحت ظامئاً ... أماني لم تنهز لري ذنوبها
وأطلب أقصى ودها أن اناله ... غلاباً وقد أعيا الرجال غلوبها
بمنعطف الجزعين لمياء لو دعت ... (بمدين) رهباناً صبت وصليبها
تبسم عن بيض صوادع في الدجى ... رقاق ثناياها عذاب غروبها
إذا عادت المسواك كان تحية ... كأن الذي مس المساويك طيبها
وكم دون هند رضت من ظهر ليلة ... أشد من الاخطار فيها ركوبها
فنادمتها والخوف تروي عظامها ... المدام ويروى بالبكاء شريبها
إذا شربت كأساً سقتني بمثلها ... من الدمع حتى غاض دمعي وكوبها
حمى الله يالوادي وجوها كواسيا ... إذا اوجه لم يكس حسناً سليبها
بواد يود الحاضرون لو إنها ... مواقع ما ألقت عليه طنوبها
стр. 68
إذا وصف الحسن البياض تطلقت ... سواهم يفدي بالبياض شحوبها
ولله نفس من نهارها عذولها ... ومن صونها يوم اعذيب رقيبها
لكل محب يوم يظفر ريبة ... فسل خلواتي هل رأت ما يريبها؟
إذا اختلطت لذات حب بعاره ... فأنعمها عندي التي لا أصيبها
وساء الغواني اليوم اخلاق لمتي ... فهل كان مما سرهن قشيبها؟
سواء عليها كثها ونسليها ... وناصلها من عفتي وخضيبها
وتعجب أن خصت قوادم مفرقي ... وأكثر أفعال الزمان عجيبها
ومن لم تغيره الليالي بعده ... طوال سنيها غيرته خطوبها
إذا سل سيف الدهر والمرء خاسر ... فأهون ما يلقى الرؤوس مشيبها
يعدد أقوام ذنوب زمانهم ... فمن لي بأيام تعد ذنوبها؟
يقولون دار الناس ترطب أكفهم ... ومن ذا يداري صخرة أو يذيبها؟
وما أطمعتني أوجه بابتسامها ... فيؤيسني مما لديها قطوبها
وفي الأرض أوراق الغنى لوجذبتها ... لرف على أيدي النوال رطيبها
إذا إبلي أمست تماطل رعيها ... فهل ينفعني من بلاد خصيبها؟
عذيري من باغ يود لنفسه ... نزاهة أخلاقي ويمسي يعيبها
إذا قصرت عني خطاه أدب لي ... عقارب كيد غير جلدي نشيبها
ومن أملي في سيد الناس أن لي ... مطاعم يغني عن سواها كسوبها
إذا ما حمى مؤيد الملك حوزة ... من الصم لم يقدر عليها طلوبها
علي ضواف من سوالف طوله ... يجرر أذيال السحاب سحوبها
وعذراء عندي من نداه وثيب ... إذا جليت زان العقود تريبها
عارف تأتي هذه اثر هذه ... كما رفدت أعلى القناة كعوبها
إذا عدد المجد انبرين فوائتا ... عقود البنان أن يعد حسيبها
إلى أن قال:
وغير أن لا يرضيه اصلاح جسمه ... بدار إذا كان الفساد يشوبها
وقاها من الأطماع حتى لو انه ... جرى الدم فوق الأرض ماشم ذيبها
ومد عليها حامياً يد مشبل ... له عصبة بعد النذير وثوبها
يد كل ريح تمتري ماء مزنها ... فما ضرها أن لا تهب جنوبها
ارى شبهه الأيام عادت بصيرة ... ومذنبها قد جاء وهو منيبها
وذلت فأعطاها يد الصفح ماجد ... إذا سيل تراك الذحول وهوبها
لك الله راعي دولة ريع سرحهوراح أمام الطاردين عزيبها
نفضت وفاض ارأي حتى استقدتها ... وما كل آراء الرجال مصيبها
محملة من ثقل منك أوسقاً ... ينوء بها مركوبها وجنيبها
فعطفاً عليها الآن تصف حياضها ... وتبقل مراعيها وتدمل ندوبها
فما رأمت أبواءها عند مالك ... سواك ولا حنت لغيرك نيبها
وهي طويلة اختصرت منها على هذا القدر طلباً للاختصار؟ في آخرها ومن قوله يهنئ الأستاذ ابو طالب بعيد افطر: أنا اليوم مما تعهدين بعيد=تريدين مني والعلاء
طوى رسني عن قبضة الحب خالعاً ... قواه وقدماً كنت حيث يقود
هوىً وليالي اللهو بيض وهبتهه ... الهيها وأيام الكريهة سود
وهيف رقاق موضع الهيف فتنني ... وهن جسوم حارة وقدود
دعيني وخلقاً من سني استفدته ... عزيزاً فمعدود السنين مقيد
ولا تحسبيني صبغ لونين في الهوى ... أتوب فتبدو فرصة فأعود
ولا كامناً في الحي أنظر سربه ... على خدعة الأشراك كيف أصيد
وحص غرابي يا ابنة القوم أجدل ... بصير بأوكار الشباب صيود
أراك تريني ناقصاً ونقيصتي ... ليال وأيام علي تزيد
لكل جديد باعترافك لذة ... فمالك عفت الشيب وهو جديد
تأخرت بالصمصام وهو مصمم ... وخالفت رأي الرمح وهو سديد
متى نت الدنيا علي فأبصرت ... لساني فيها بالسؤال يجود
إذا كنت حراً فاجتنب شهواتها ... فإن بنيها للزمان عبيد
وبن في عيون الناس منهم مباعدا ... إذا اشتبهوا واسلم وانت وحيد
стр. 69
وقل بلسان الحظ أن خطيبه ... بليغ ومن أعيا عليه بليد
إذا شئت أن تلقى الأنام معظماً ... فلا تلقهم إلا وانت سعيد
ورب نجيب كابن أيوب واحد ... تراه مع الحالات حيث تريد
صديق وما يغني صديقك لم يطق ... ثقيلا ولم يقرب عليه بعيد
أعد سجايا الاكرمين وتنقضي ... وأم سجاياه الكرام ولود
إذا قمت أتلوهن قالت لي العلى ... أعد والحديث المستحب يعود
وصدق وصفي والمحب بمعرض ... من الريب آيات عليه شهود
يد في الندى ماء وقلب إذا التوت ... عليه حبال المشكلات حديد
ومخضوبة الأطراف لم تصب عاشقاً ... عميداً وكم أودى بهن عميد
قواطع أوصال البلاد سوائر ... وما ثار عن أخفافهن صعيد
إذا نار حرب أوقدت أو مكيدة=فهن لها أما احترقن وقود
وعلمه أن يصنع المجد منبت ... عريق وبيت في العلاء قعيد
وحامون بالرأي الجميع حماهم ... ووفرهم عند الحقوق شريد
مطاعيم أرواح الشتاء إذا طغت ... سواجر في أبياتهم وركود
سخا بهم أن السخاء شجاعة ... وشجعهم أن الشجاعة جود
وقيت من الحساد فيك فكل من ... يرى ودك الباقي علي حسود
يودون ما أصفيتني من مودة ... وما أصطفي من شكرها وأجيد
لبعضهم من بعضهم متخلص ... وتأبى غلول بينهم وحقود
وعذراء مما استنجب الفكر وارتضى ... معقلة في الخدر وهي شرود
نجوم سجاياك الصباح إذا سرت ... قلائد في أعناقها وعقود
إذا يوم عيد زفها قام ناصباً ... لتجهيز أخرى مثلها لك عيد
لها بعد ما يفنى الزمان وأهله ... بقاء على أحسابكم وخلود
وقال يمدح الأمير ابا الذواد المفرج بن علي بن مزيد أخي نور الدولة دبيس. وذكر ملاقاته للأسد، وظفره به، وأنفذها إليه في شهر ربيع الآخر سنة ٤١٠.
بعينيك يوم البين ومشهدي ... وذل مقامي في الخليط ومقعدي
وقول وقد صاحا بها يعجلونها ... نشدتكم في طارق لم يزود
اناخ بكم مستسقياً بعض ليلة ... ولم يدر أن الموت مكنها ضحى الغد
أتحمون عن عض الضراغم جاركم ... ويقتلني منكم غزال ولا يدي؟
وما زلت أبكي كيف حلت بحاجر ... قوى جلدي حتى تداعى تجلدي
وعنفي سعد على فرط ما رأى ... فقلت أتعنيف ولم تك مسعدي؟
وما ذاك إلا أن عجلت بنظرة ... قتلت بها نفسي ولم أتعمد
تحرش باحقاف اللوى عمر ساعة ... ولولا مكان الريب قلت لك ازدد
وقل صاحب لي ضل بالرمل قلبه ... لعلك أن يلقاك هاد فتهتدي
وسلم على ماء به برد غلتي ... وظل أراك كان للوصل موعدي
وقل لحمام البانتين مهنئاً ... تغن خليا من غرامي وغرد
أعندكم يا قاتلين بقية ... على مهجة أن لم تمت فكأن قد
ويا أهل نجد كيف بالغور بعدكم ... بقاء تهامي يهيم بمنجد؟
ملكتم عزيزاً رقه فتعطفوا ... على منكر للذل لم يتعود
أغدراً وفيكم ذمة عربية ... وبخلا ومنكم يستفاد ندى اليد؟
فليت وجوه الحي أعدت قلوبه ... ففجر لي ماء بها كل جلمد
وليتكم جيران عوف تلقنوا ... خلال الندى والجود من آل مزيد
من الضيقي الأعذار والواسعي القرى ... إذا ما جمادى قال لليلة ابردي
ولف على خيشومه الكلب مقعيا ... يرى المت إلا ما استغاث بموقد
وشديديه الحالب الضرع غامراً ... على مصفر قد مسه الجدب مثمد
وبات غلام الحي يسند ظهره ... من النضد الواهي إلى غير مسند
هنالك يأوي طارق الليل منهم ... إلى كل رطب مثمر النبت مزبد
كريم القرى والوجه ملء جنانه ... رحيب الرواق منعم العيش مرفد
قليل على الكوم الصفايا حنوه ... إذا السيف رداهن للساق واليد
كمثل ابي الذواد لا معلل ... إذا سئل الجدوى ولا بمنكد
فتى بيته للطارقين وسيفه ... لهام العدى والمال للمتزود
ويوماه أما لاكتساب عظيمة ... من المجد أو داعي صياح ملدد
وفى بشروط الملك وهو ابن مهده ... وسود في خيط التميم المعقد
وجاد على العلات والدهر أشهب ... باحمر من خير الرحال وأسود
стр. 70
ولم تحتسبه عن مساعي شيوخه ... سنوه التي حلته حلية أمرد
أناف بجديه وأسند ظهره ... إلى جبلين من عفيف ومزيد
له في ملوك الشرق واغرب منهم ... نجوم سماء منة ثريا وفرقد
أيا راكب الوجناء يخبط ليله ... على الرزق لم يقصد ضلالاً لمقصد
ترامت به الآفاق ينشد حظه ... فلم يعطه التوفيق صفحة مرشد
أنخها تفرج همها بمفرج ... وطلق شقاء العيش من بعد واسعد
ورد جمة الجود التي ما تكدرت ... بمن ورد ظل المنى المرق الندى
ونم في أمان أن يسوءك ظالم ... علت يده أو أن تراع بمعتد
حماك ابو الذواد مالك أمره ... على كل حام منهم ومذود
أخو الحرب أما مخمد يوم أوقدت ... واما شبوب نارها غير مخمد
له الخطوة الأولى إذا السيف قصرت ... به ظبتاه فهو يوصل باليد
إذا ابتدر الغارات كان سهامها ... له من قتيل أو اسير مصفد
خفيف أمام الخيل رسغ جواده ... إذا الخوف أقعى بالحصان المعرد
ولما كفى الأقران في الروع وارتوت ... صوارمه من حاسر ومسرد
تعرض للأسد الغضاب فلم يدع ... طريقاً لذي شبلين منها ومفرد
حماها الفريس أن تطيف بارضه ... وشردها عن غيلها كل مشرد
وهانت فصارت مضغة لسلاحه ... ممزقة في صعدة ومهند
ولما لقيت الأدرع الجهم واحداً ... جرى ملبد يشتد في إثر ملبد
نصبت له لم تستعن بمؤازر ... عليه ولم تنصر بكثرة مسعد
وقفت وقد طاش الرجال بموقف ... متى تتمثله الفرائص ترعد
فأوجرته نجلاء أبقت بجنبه ... فتوقا إذا ما رقعت لم تسدد
تحدر منها لبتاه وصدره ... على ساعد رخو وساق مقيد
فلم تغنه إذا حان وثبة غاشم ... ولم ينتقذه منك إقعاء مرصد
رأى الموت في كفيك رأي ضرورة ... فأورد منه نفسه شر مورد
وأحرزتها فخراً يخصك ذكره ... تناقله الأفواه في كل مشهد
جمعت الغريبين الشجاعة والندى ... وما كل مرد للكماة بمرفد
وقمت باحكام السياسة ناظما ... عراها فما فاتتك حلة سيد
أتاني من الأنباء انك مغرم ... بفضل مديحي عارف بتوحدي
حبيب إليك أن تزف عرئسي ... عليك تهادى بين شاد ومنشد
متى ما تجد لي عند غيرك غادة ... مخدرة تغبط عليها وتحسد
فقلت كريم هزه طيب أصله ... وواحد قوم شاقه مدح اوحد
وليس عجيباً مثلها عند مثله ... إذا هب يقظان لها بين رقد
فأرسلتها تلقي إليك عنانها ... وغيرك أعيته فلم تتقود
لها فارس من وصف مجدك دائس ... بأرساغها ما بين طود وفدفد
يرى كل شيء قانيا ورداؤه ... على عنق باق في الزمان مخلد
متى تجزها الحسنى بحق ابتدائها ... تزرك بعين تملأ السمع عود
فوفر على عجز البعول صداقها ... وعرس بها أم البنين وأولد
وصنها وأكرم نزلها أن بيتها ... كبيتك في أفق الفخار المشيد
وكن كعلي أو فكن لي كثابت ... وفاء وإعطاء وان شئت فازدد
وقال يمدح الاجل عميد الرؤساء ابا طالب محمد بن أيوب ويهنئه بالمهرجان سنة ٤١٨:
أمنهاعلى أن المزار بعيد ... خيال سرى والساهرون هجود؟
طوى بارقاً طي الشجاع وبارق ... خطار يفل القلب وهو حديد
يجوب الدجى الوحشي والبيد وحده ... فكيف وكسر البيت عندك بيد
نعم تحمل الاشواق والعيس ظلع ... ويمشي الهوى والناقلات قعود
وتتسع البلوى فيمضي مصمماً ... جبان عن البرق الخفوق يحيد
من المبلغي والصدق قصد حديثه ... وفي القول غادو نقله ورشيد
عن الرمل بالبيضاء هل هيل بعدنا ... وبان الغضا هل يستوي ويميد
وهل ظبيات بين جو ولعلع ... تمر على وادي الغضى وتعود
سوانح للرامين تصطاد مثلها ... وحوش الفلا وهي الرماة تصيد
ويوم النقا خالفن منا فعاذل ... خلي ومعذول الغرام عميد
سفكن دماً حراً وأهون هالك ... دم حكمت عين عليه وجيد
حملن الهوى مني على ضعف كاهل ... وهي تقول الحاملات جليد
تطلعت الاشراف عيني ريادة ... لقلبي سفاها والعيون ترود
стр. 71
وما علمت أن البدور برامة ... وجوه ولا أن الغصون قدود
وقالوا غداً ميقات فرقة بيننا ... فقلت لسعد انه لوعيد
غداً نعلن الشكوى فهل أنت واقف ... تسئل حادي الركب اين يريد؟
وهل تملك الابقاء أو تجحد الهوى ... ووجهك قاض والدموع شهود
وقد كنت أبكي والفراق دعابه ... دلال أداري عطفه وصدود
فما أنا من بين رجاء ايابه ... وعود تقضىدونه وعهود
هل السابق الغضبان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وخيد
رويداً بأخفاف المطي فانها ... تداس جباه تحتها وخدود
عذيري من الآمال أما ذراعها ... فرحب واما نيلها فزهيد
يرينك أن النجم حيث تحطه ... وان زمام الليث حيث تقود
ودون حصاة الرمل أن رمتها يد ... دفوع وسهم للزمان سديد
سقى الناس كأس الغدر ساق معدل ... متى يبد قبل السكر فهو معيد
فمستبرد يهنى بأول شربة ... ومستكثر يثنى له ويزيد
ونحى ابن أيوب فاصبح صاحياً ... وفاء عريق في الكرام تليد
فلو لم يبرز يوم كل فضيلة ... كفى انه يوم الحفاظ وحيد
حواني وأيام الزمان أراقم ... وهبهب عني والخطوب أسود
ولبى دعائي والصدى لا يجيبني ... بيقظته والسامعون رقود
وانهضي بالدهر حتى دفعته ... وجانبه وعر علي شديد
وقد قعدت بي نصرة اليد اختها ... وقلص عني الظل وهو مديد
تكفل لي بالعيش حتى رعيته ... على وخم الأيام وهو رغيد
وأطلق من ساقي حتى أناف بي ... على أربي والحادثات قيود
فما راعني من عقبي وهو واصل ... ولا ضرني من غاب وهو شهيد
من القوم مدلول على المجد واصل ... إذا ضل عن طريق العلاء بليد
عتيق نجار الوجه صرحت ... به عن صفاياها غطارف صيد
كرام تضيء المشكلات برأيهم ... وينظم شمل المجد وهو بديد
يسود فتاهم في خيوط تميمه ... ويشأى كهول الناس وهو وليد
إذا نزلوا بالارض غبراء جعدة ... أماه حصاً فيها وطاب صعيد
كأن نصوع الأرض حين تسحبت ... مآذر منهم فوقها وبرود
سخا بهم أن السخاء شجاعة ... وشجعهم أن الشجاعة جود
لهم بابنهم ما للسحابة اقلعت ... من الروض يوم الدجن وهو صخود
وما غاب من دار العلى شخص هالك ... مضى وبنوه الصالحون شهود
ابا طالب لا يخلف الفخر دوحة ... وانت لها فرع وبيتك عود
بغى الناس أدنى ما بلغت فطيرت ... رياحك عصفاً والبغاة ركود
وشال بك القدح المعلى وحطهم ... وليس لهاو بالطباع صعود
فلو كلمتك الشمس قالت لحقت بي ... علاء واشراقاً فأين تريد؟
اقر لك الاعداء بالفضل عنوة ... ومعترف من لم يسعه جحود
وكيف يماري في الصباح معاند ... وقد فلق الخضراء منه عمود
تسمع من الحساد وصفك واغتبط ... فاعجب فضل ما رواه حسود
وان نكلوا شيئاً فان فصاحتي ... وراءك كنز في الكلام عتيد
وبين يدي نعماك مني حمية ... لها مدد من نفسها وجنود
إذا رامحت حرباً رأيت كملتها=تلاوذ من أطرافها وتحيد اذود بها عن سرح عرضك كلما=تقطع فيه للفريسة سيد
إذا نشطت من عقلة الفكر أرسلت ... بها طلقات وثبهن شرود
مطايا لابكار الكلام إذا مشى ... على حسك السعدان منه رديد
نطقت بها الإعجاز والمؤمنون لي ... على دينها بين الجنان خلد
ويحسدني قوم عليها وحظها ... شقي وحظ المقرفات سعيد
تمنوا على اخصابهم جدب عيشها ... وانهم خصوا بها وافيدوا
ولم أحسب البلوى عليها مزاحم ... ولا أن ضنك العيش فيه حسود
لها الحسب الحر الصريح إذا طغت ... عليها إماء غيرها وعبيد
يزورك منها والنساء فوارك ... كواعب تصفيك المودة غيد
لهن جديد من نوالك كلما ... اتى طالعاً يوم بهن جديد
ففي كل يوم مهرجان مقلد ... بهن ونيروز لديك وعيد
стр. 72
هذا آخر ما اردت نقله من المطولات، ولو ظفرت بديوانه كاملاً لنقلت منه أكثر من ذلك، ولكني لم أظفر من ديوانه إلا بالمجلد الأول، فلله دره من شاعر ما أثبت مبانيه، وأجل معانيه، وفيما نقلت من شعر ه دليل على تقدمه. قال صاحب (دمية اقصر) في حقه: هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر، وكان تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده بيت يتحكم عليه بلو وليت، وهي مصبوبة في قوالب اقلوب، وبمثلها يعتذر الزمان المذنب من الذنوب، وذكر له عدة مقاطيع فمنها القصيدة المتقدمة الهائية ومنها يقول:
أن التي علقت قلبك حبها ... راحت بقلب منك غير علوق
عقدت ضمان وفائها في خصرها ... فوهى كلا العقدين غير وثيق
ومنها:
بكر العارض يحدوه النعامى ... فسقاك الله يا دار أماما
وبجزعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى واقر على قلبي السلاما
وترحل فتحدث عجباً ... أن قلباً سار عن جسم أقاما
قل لجيران الغضا آها على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
نصل العام ولا ننساكم ... وقصارى الوجد أن نسلخ عاما
حملوا ريح الصبا من نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وخزاما
وابعثوا اشباحكم لي في الكرى ... أن أذنتم لجفوني أن تناما
ومن قوله:
أرقت فهل لهاجعة بسلع ... على الارقين أفئدة ترق
نشدتك بالمودة يا ابن ودي ... فإنك بي من ابن أبي أحق
اسل بالجزع دمعك أن عيني ... إذا استبررتها
دمعاً تعق
وان شق البكاء على المعافى ... فلم أسألك إلا ما يشق
وله في القناعة وقد أحسن:
يلحى على البخل الشحيح بماله ... أفلا تكون بماء وجهك أبخلا
أكرم يديك عن السؤال فانما ... قذر الحياة أقل من أن تسألا
ولقد أضم الي فضل قناعتي ... وأبيت مشتملاً بها متزملا
وأري الغدو على الخصاصة شارة ... تصف الغنى فتخالني متمولاً
وإذا امرؤ افنى الليلي حسرة ... وأمانياص أفنيتهن توكلا
ومن بديع مدائحه من جملة قصيدة:
وإذا رأوك بأن تفرقت أرواحهم ... فكأنما عرفتك قبل الأعين
وإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن
وله من جملة قصيدة أبيات تتضمن العتب وهي:
إذا صور الإشفاق لي كيف أنتم ... وكيف إذا ما عن ذكري صبرتم
تنفست عن عتب فؤادي مفصح ... به ولساني للحفاظ يحمحم
وفي في ماء من بقايا ودادكم ... كثيراً به من ماء وجهي أرقتم
أرقت وما ضناً عليه وبينه ... وبين انسكاب ريثما اتكلم
قال جامعه ويعجبني بيت له من قصيدة قوله:
منىً انتم من ظاعنين وخلفوا ... قلوباً ابت أن تعرف الصبر عنهم
تم الاختيار من شعر مهيار الديلمي ويليه الاختيار من شعر ابن هاني الأندلسي.
شعر
ابن هاني هو ابو القاسم وابو الحسن محمد بن هاني الأزدي المهلبي من ولد يزيد بن حاتم بن المهلب الأزدي، وقيل: انه ولد أخيه روح بن حاتم، ولد بمدينة اشبيلية، ونشأ بها، واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر ومهر فيه، وكان حافظاً لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب اشبيلية، وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ متهماص بمذهب الفلاسفة، واتصل بالمعز ابي تميم معد ابن المنصور العبيدي، وبالغ في اكرامه، ثم توجه امعز إلى الديار المصرية، وخرج في أثره، فلما وصل إلى برقة، ووجد مقتولاً في بعض طرقها، ولم يعرف سبب قتله وذلك سنة اثنتين وستين وثلاث مائة وعمره ست وثلاثون، ولما بلغ المعز قتله تأسف عليه كثيراً، وقال: هذا رجل كنا نرجو أن نفاخر به أهل المشرق، فلم يقدر لنا ذلك. وله في المعز المذكور غرر مدائح، ونخب أشعار، وله ديوان شعر أجاد فيه كل الإجادة، لولا ما فيه من الغلو في المدح، والافراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين، وليس في المغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا من متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين.
قال يمدح المعز وهي من القصائد الطنانة، وهي أول ما أنشده بالقيروان واجازه عليها جائزة جليلة:
هل من أعقة عالج يبرين ... أم منهما بقر الحدوج العين
стр. 73
ولمن ليال ما ذممنا عهدها ... مذكن إلا انهن شجون
المشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون
بيض وما ضحك الصباح وإنها ... بالمسك من طرر الحسان لجون
أدمى لها المرجان صفحة خده ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون
أعدى الحمام تأوهي من بعدما ... فكأنه فيما سجعن رنين
بانوا سراعاً للهوادج زفرة ... مما رأين وللعطي حنين
فكأننا صبغوا الضحى بقبابهم ... أن عصفرت فيها الخدود جفون
مإذا على حلل الشقيق لو إنها ... عن لابسيها في الخدود تبين
لأعطشن الروض بعدهم ولا ... يرونه لي دمع عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظر ... واخوانهم إني إذا لخؤون
لا الجو جو مشرق ولو اكتسى ... زهراً ولا الماء المعين معين
لا يبعدن إذا العبير له ثرى ... والبان دوح والشموس قطين
أيام فيه العبقري مفوف ... والسابري مضاعف موضون
والزاعبية شرع والمشرفية ... لمع والمقربات صفون
والعهد من ظمياء إذا لا قومها ... خزر ولا الحرب الزبون زبون
عهدي بذاك الجو وهو أسنة ... وكناس ذاك الخشف وهو عرين
هل يدنيني منه أجرد سابح ... مرح وجائله النسوع أمون
ومهند فيه الفرند كأنه ... زمر له خلف الغرار كمين
عضب المضارب مقفر من أعين ... لكنه من أنفس مسكون
قد كان رشح حديده أجلاوما ... صاغت مضاربه الرقاق قيون
وكأنما يلقى الضريبة دونه ... بأس المز أاسمه المخزون
هذا معد والخلائق كلها ... هذا المعز متوجاً والدين
إلى أن قال:
ملك كما حدثت عنه رأفه ... فالخمر ماء والشراسة لين
ووراء حق ابن الرسول ضراغم ... أسد وشهباء السلاح منون
والطالبان المشرفية والقنا ... والمدركان النصر والتمكين
وصواهل لا الهضب يوم مغارها ... هضب ولا البيد الحزون حزون
جنب الحمام وما لهن قوادم ... وعلا البربود وما لهن وكون
فلهن من ورق اللجين توجس ... ولهن من مقل الظباء شفون
فكأنها تحت الغبار كواكب ... وكأنها تحت الحديد دجون
عرفت بساعة سبقها لا أنها ... علقت بها يوم الرهان عيون
وأجل علم البرق فيها أنها ... مرت بجانحتيه وهي ظنون
في الغيث شبه من نداك كأنما ... مسحت على الأنواء منك يمين
أما الغنى فهو الذي أوليتنا ... فكأن جودك بالخلود رهين
تطأ الجياد بنا البدور كأنها ... تحت السنابك مرمر مسنون
فالفيء لا متنقل والحوض لا ... متكدر والمن لا ممنون
انظر إلى الدنيا باشفاق فقد ... ارخصت هذا العلق وهو ثمين
لو يستطيع البحر لاستعدى على ... جدوى يديك وانه لقمين
أمدده أو فاصفح له عن نيله ... فلقد تخوف أن يقال ضنين
وقد اختصرت آخر هذه القصيدة وإن كانت من جيد شعره لأنه تجاوز فيها الحد في حق أهل البيت ﵃ وقال قولاً ينافي مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الإمامة.
وقال يمدح جعفر بن علبون:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورغتم ... بيض الخدر بكل ليث مخدر
أبتي العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
كل الملوك من السروج سواقط ... إلا المملك فوق ظهر الأشقر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزراً إلى لحظ السنان الأخزر
شعث النواصي حسرة إذانها ... قب الأياطل داميات الأنسر
تنبو سنا بيكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خد العزيز الأصغر
جيش تقدمه الليوث وفوقه ... كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
وكأنما سلب القشاعم ريشها ... مما يشق من العجاج الأكدر
وكأنما اشتملت قناه ببارق ... متألق أو عارض مثعنجر
تمتد ألسنة الصواعق فوقه ... عن ظلتي مزن عليه كنهور
стр. 74
ويقوده الليث الغضنفر ... معلماً
في كل شنن اللبدتين غضنفر
نحر القبول من الدبور وسار في ... جيش الهرقل وعزمة الإسكندر
في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر
أنسو بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقري البيد جنة عبقر
يغشون بالبيد القفار وإنما ... تلد البنتى في اليباب المقفر
فراوية الصنديد تخبر عنهم واسامة الصديق أصدق مخبر
قد جاورو أجم الضواري حولهم ... فإذا هم رأروا بها لم تزأر
ومشوا على قطع النفوس كأنما ... تمشي سنابك خيلهم في مرمر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر
فحياضهم من كل مهجة خالع ... وخيامهم من كل لبدة قود
من كل أهرت كالح ذي لبدة ... أو كل أبيض واضح ذي مغفر
حي من الأعراب إلا أنهم ... يردون ماء الأمن غير نكدر
راحو إلى أم الرئال عشية ... وغدوا إلى ظبي الكثيب الأعفر
طردوا الأوابد في الفوافد طردهم ... للأعوجية في مجال العثير
ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم ... في زيهم يوم الخميس المصحر
أنا لتجمعنا وهذا الحي من ... بكر أزمة سالف لم تخفر
أحلافنا فكأننا من نسبة ... ولداتنا فكأننا من عنصر
اللابين من الجلاد الهب ما=أغناهمخ عن لأمة وسنور
لي منهم سيف إذا جردته ... يوماً ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجج فتكة ... البراض يوم هجائن ابن المنذر
صعب إذا نوب الزمان تصعب ... متنمر للحادث المننمر
فإذا عفا لم تلق غير مملك ... وإذا سطا لم تلق غير مظفر
وكفاك من حب السماحة إنها ... منه بموضع مقلة من محجر
فغمامة من رحمة وعراصه ... من جنسه ويمينه من كوثر
وقال يمدح القائد جوهراً، ويذكر توديعه عند خروجه من القيروان إلى مصر، ويصف مصر، ويذكر خروجه للتشييع وذلك سنة ٢٥٨.
رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع
غداة كأن الأفق سد بمثله ... فعاد غروب الشمس حيث تطلع
فلم أدر إذا سامت كيف أشيع ... ولم أدر إذا شيعت كيف أودع
وكيف نخوض الجيش والجيش لجة ... وإني بمن قاد الجيوش لمولع
وأين ومالي بين ذا الجمع مسلك ... ولا لجوادي جفن ولا بات يهجع
نصيحته للملك سدت مذاهبي ... فما بين قيد الرمح والرمح إصبع
فقد ضرعت حتى الرواسي لما رأت ... فكيف قاوب الإنس والإنس أضرع
فلا عسكر من قبل عسكر جوهر ... تخب المطايا فيه عشراً وتوضع
تسير الجبال الجادمات لسيره ... وتسجد من أدنى الحفيف وتركع
إذا حل في أرض بناها مدائناً ... وإن سارعن أرض ثوت وهي بلقع
سموت له بعد الرحيل وفاتني ... فأقسمت ألا لا يلائم مضجع
فلما تداركت السرادق في الدجى ... عشوت إليه والمشاعل ترفع
فيت ويات الجيش جما سميره ... يؤرقني والجن في البيد هجع
فتخزن جيب المزن والمزن دالح ... وتوقد موج اليهم واليم أصقع
وهمهم رعد آخر الليل قاصف ... ولاحت مع الفجر البوارق تلمع
وأوحت إلينا الوحش ما الله صانع ... بنا وبكم من هول ما نتسمع
ولم تعلم الطير الحوائم فوقنا ... إلى أين نستذري ولا أين نفزع
إلى أن تبدى سيف دوله هاشم ... على وجهه نور من الله يسطع
كأن ظلال الخافقات أمامه ... غمائم نصر الله لا تتقشع
كأن السيوف المصلتات إذا طمت ... على البحر بحر زاجر الموج مترع
كأن أنابيب الصعاد أراقم ... تلفظ في أنابيبها السم مترع
كأن العتاق الجرد بجنونه له ... ضباء ثنت اجيادها فهي تتلع
كأن الكماة الصيد لما تفشمرت ... حواليه أسد الفيل لا تتكعكع
كأن حماة الرحل تحت ركابه ... سيول نداة أقبلت تتدفع
كأن سراع النجب تنشر يمنه ... على البيد آل في الضحى يترفع
стр. 75
كأن صعاب البخت إذا ذللت له ... أسارى ملوك عضها القيد ضرع
كأن خلاخيل المطايا إذا غدت ... تجاوب أصداء الفلا تترجع
تهيج وسواس البرين صبابة ... عليها فتعزى بالحنين وترلع
لقد جل من يقتاد ذا الخلق كله ... وكل له من قائم السيف أطوع
تحف به القواد والأمر أمره ... ويقدمه رأي الخلافة أجمع
ويسحب اذيال الخلافة رادعاً ... به المسلك من نشر الهدى يتضوع
له حلل الإكرام خص بفضلها ... نسائج بالبتبر المشهر تلمع
برود أمير المؤمنين بروده ... كساه الرضى منهن ما ليس يخلع
وبين يديه خيله وسروجه ... تقاد عليهن النضار المرصع
وأعلامه منشورة وقبابه ... وحجابه تدعى لأمر فتسرع
مليك ترى الأملاك دون بساطه ... وأعناقهم ميل إلى الأرض خضع
قياماً على أقدامهم قد تنكبت ... صوارمها كل يطيع ويخضع
تحل بيوت المال حيث محله ... وجم العطايا والرواق المرفع
إذا ماج أطناب السرادق بالضحى ... وقامت حواليه القنا تتزعزع
وسل سيوف الهند حول سريره ... ثمانون الفاً دارع ومقنع
رأيت من الدنيا إليه منوطة ... فيمضي بامر الله فيها ويصدع
وتصحبه دار المقامة حيثما ... أناخ وشمل المسلمين المجمع
وتعنو له السادات من كل معشر ... فلا سيد منه أعز وأمنع
فلله عينا من رآه مخيما ... إذا جمع الأنصار للأذن مجمع
وأقبل فوج بعد فوج فشاكر ... له أو سؤول أو شفيع مشفع
فا يفتأوا من حكم عدل يعمهم ... وعارفه تسدى اليهم وتصنع
يسوسهم منه أب متكفل ... برعي نبيه حافظ لا يضيع
فستر عليهم في الملمات مسبل ... وكنز لهم عند الأئمة مودع
بطيء عن الأمر الذي يكرهونه ... عجول اليهم بالندى متسرع
ولله عينا من رآه مقوضاً ... إذا جعلت أولى الكتائب تسرع
ونودي بالترحال في فحمه الدجى ... فجاءته خيل النصر تردي وتمزع
فلاح لها من وجهة البدر طالعاً ... وفي يده الشعرى العبور تطلع
أضحى مردى بالنجاد كأنه ... هزير عرين ضم جبينه أشجع
فكبرت الفرسان لله إذا بدا ... وظل السلاح المنتضى يتقعقع
وحف به أهل الاجهاد فمقدم ... وماض وإصليت وأطلق أروع
وعب عباب الموكب الفخم حوله ... وزف كما زف الصباح الملمع
وثار بريا المندلي غباره ... ونشر فيه الروض والروض موقع
وقد رتبت فيه الملوك مراتباً ... فمن بين متبوع وآخر يتبع
تسير على أقدارها في عجامة ... ويقدمها منه العزيز الممنع
وما لؤمت نفس تقر بفضله ... وما للؤوم إلا دفع ما ليس يدفع نقد
فاز منه مشرق الأرض بالتي ... تفيض لها من مضرب الأرض ادمع
ألا كل عيش دونه فمحرم ... وكل حريم بعده فمضيع
وإن بنا شوقاً إليه ولوعة ... تكاد لها اكبادنا تتصدع
ولكنما يسلي من الشوق ِأنه ... لنا في ثغور المجد والدين أنفع
وإن المى منه قريب وإننا ... إليه من الإيماء باللحظ أسرع
فسر أيها الملك المطاع مؤيداً ... فللدين والدنيا إليك تطلع
وقد أشعرت أرض العراقين خفية ... تكاد لها دار السلام تضعضع
وأعطت فلسطين القياد وأهلها ... فلم يبق منها جانب يتمتع
وما لرملة المقصورة الخطو وحدها ... بأول أرض ما لها عنك مفزع
وما ابن عبيد الله يدعوك وحده ... غداة رأى أن ليس في النفوس منزع
بل الناس كل الناس يدعوك غيره ... فلا أحد إلا يذل ويخضع
وأن باهل الأرض فقراً وفاقه ... إليك وكل الناس آتيك مهطع
إلا إنما البرهان ما أنت موضح ... وما الرأي إلا وفق ما أنت مزمع
رحلت إلى الفسطاط أيمن رحلة ... بايمن قال في الذي أنت مجمع
ولما حثثت الجيش لاح لأهله ... طريق إلى أقصى خراسان مهيع
قد استقبل الناس الربيع وقد غدت ... متون الربى من سدس تتلفع
وقد أخضل المزن البلاد ففجرت ... ينابيع حتى الصخر أخضل ممرع
وأصبقحت الطرق التي أنت سالك ... مقدسة الظهران تسقى وتربع
следующие страницы →