Полный текст (363 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وما علمت أن البدور برامة ... وجوه ولا أن الغصون قدود
وقالوا غداً ميقات فرقة بيننا ... فقلت لسعد انه لوعيد
غداً نعلن الشكوى فهل أنت واقف ... تسئل حادي الركب اين يريد؟
وهل تملك الابقاء أو تجحد الهوى ... ووجهك قاض والدموع شهود
وقد كنت أبكي والفراق دعابه ... دلال أداري عطفه وصدود
فما أنا من بين رجاء ايابه ... وعود تقضىدونه وعهود
هل السابق الغضبان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وخيد
رويداً بأخفاف المطي فانها ... تداس جباه تحتها وخدود
عذيري من الآمال أما ذراعها ... فرحب واما نيلها فزهيد
يرينك أن النجم حيث تحطه ... وان زمام الليث حيث تقود
ودون حصاة الرمل أن رمتها يد ... دفوع وسهم للزمان سديد
سقى الناس كأس الغدر ساق معدل ... متى يبد قبل السكر فهو معيد
فمستبرد يهنى بأول شربة ... ومستكثر يثنى له ويزيد
ونحى ابن أيوب فاصبح صاحياً ... وفاء عريق في الكرام تليد
فلو لم يبرز يوم كل فضيلة ... كفى انه يوم الحفاظ وحيد
حواني وأيام الزمان أراقم ... وهبهب عني والخطوب أسود
ولبى دعائي والصدى لا يجيبني ... بيقظته والسامعون رقود
وانهضي بالدهر حتى دفعته ... وجانبه وعر علي شديد
وقد قعدت بي نصرة اليد اختها ... وقلص عني الظل وهو مديد
تكفل لي بالعيش حتى رعيته ... على وخم الأيام وهو رغيد
وأطلق من ساقي حتى أناف بي ... على أربي والحادثات قيود
فما راعني من عقبي وهو واصل ... ولا ضرني من غاب وهو شهيد
من القوم مدلول على المجد واصل ... إذا ضل عن طريق العلاء بليد
عتيق نجار الوجه صرحت ... به عن صفاياها غطارف صيد
كرام تضيء المشكلات برأيهم ... وينظم شمل المجد وهو بديد
يسود فتاهم في خيوط تميمه ... ويشأى كهول الناس وهو وليد
إذا نزلوا بالارض غبراء جعدة ... أماه حصاً فيها وطاب صعيد
كأن نصوع الأرض حين تسحبت ... مآذر منهم فوقها وبرود
سخا بهم أن السخاء شجاعة ... وشجعهم أن الشجاعة جود
لهم بابنهم ما للسحابة اقلعت ... من الروض يوم الدجن وهو صخود
وما غاب من دار العلى شخص هالك ... مضى وبنوه الصالحون شهود
ابا طالب لا يخلف الفخر دوحة ... وانت لها فرع وبيتك عود
بغى الناس أدنى ما بلغت فطيرت ... رياحك عصفاً والبغاة ركود
وشال بك القدح المعلى وحطهم ... وليس لهاو بالطباع صعود
فلو كلمتك الشمس قالت لحقت بي ... علاء واشراقاً فأين تريد؟
اقر لك الاعداء بالفضل عنوة ... ومعترف من لم يسعه جحود
وكيف يماري في الصباح معاند ... وقد فلق الخضراء منه عمود
تسمع من الحساد وصفك واغتبط ... فاعجب فضل ما رواه حسود
وان نكلوا شيئاً فان فصاحتي ... وراءك كنز في الكلام عتيد
وبين يدي نعماك مني حمية ... لها مدد من نفسها وجنود
إذا رامحت حرباً رأيت كملتها=تلاوذ من أطرافها وتحيد اذود بها عن سرح عرضك كلما=تقطع فيه للفريسة سيد
إذا نشطت من عقلة الفكر أرسلت ... بها طلقات وثبهن شرود
مطايا لابكار الكلام إذا مشى ... على حسك السعدان منه رديد
نطقت بها الإعجاز والمؤمنون لي ... على دينها بين الجنان خلد
ويحسدني قوم عليها وحظها ... شقي وحظ المقرفات سعيد
تمنوا على اخصابهم جدب عيشها ... وانهم خصوا بها وافيدوا
ولم أحسب البلوى عليها مزاحم ... ولا أن ضنك العيش فيه حسود
لها الحسب الحر الصريح إذا طغت ... عليها إماء غيرها وعبيد
يزورك منها والنساء فوارك ... كواعب تصفيك المودة غيد
لهن جديد من نوالك كلما ... اتى طالعاً يوم بهن جديد
ففي كل يوم مهرجان مقلد ... بهن ونيروز لديك وعيد
стр. 72
هذا آخر ما اردت نقله من المطولات، ولو ظفرت بديوانه كاملاً لنقلت منه أكثر من ذلك، ولكني لم أظفر من ديوانه إلا بالمجلد الأول، فلله دره من شاعر ما أثبت مبانيه، وأجل معانيه، وفيما نقلت من شعر ه دليل على تقدمه. قال صاحب (دمية اقصر) في حقه: هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر، وكان تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده بيت يتحكم عليه بلو وليت، وهي مصبوبة في قوالب اقلوب، وبمثلها يعتذر الزمان المذنب من الذنوب، وذكر له عدة مقاطيع فمنها القصيدة المتقدمة الهائية ومنها يقول:
أن التي علقت قلبك حبها ... راحت بقلب منك غير علوق
عقدت ضمان وفائها في خصرها ... فوهى كلا العقدين غير وثيق
ومنها:
بكر العارض يحدوه النعامى ... فسقاك الله يا دار أماما
وبجزعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى واقر على قلبي السلاما
وترحل فتحدث عجباً ... أن قلباً سار عن جسم أقاما
قل لجيران الغضا آها على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
نصل العام ولا ننساكم ... وقصارى الوجد أن نسلخ عاما
حملوا ريح الصبا من نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وخزاما
وابعثوا اشباحكم لي في الكرى ... أن أذنتم لجفوني أن تناما
ومن قوله:
أرقت فهل لهاجعة بسلع ... على الارقين أفئدة ترق
نشدتك بالمودة يا ابن ودي ... فإنك بي من ابن أبي أحق
اسل بالجزع دمعك أن عيني ... إذا استبررتها
دمعاً تعق
وان شق البكاء على المعافى ... فلم أسألك إلا ما يشق
وله في القناعة وقد أحسن:
يلحى على البخل الشحيح بماله ... أفلا تكون بماء وجهك أبخلا
أكرم يديك عن السؤال فانما ... قذر الحياة أقل من أن تسألا
ولقد أضم الي فضل قناعتي ... وأبيت مشتملاً بها متزملا
وأري الغدو على الخصاصة شارة ... تصف الغنى فتخالني متمولاً
وإذا امرؤ افنى الليلي حسرة ... وأمانياص أفنيتهن توكلا
ومن بديع مدائحه من جملة قصيدة:
وإذا رأوك بأن تفرقت أرواحهم ... فكأنما عرفتك قبل الأعين
وإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن
وله من جملة قصيدة أبيات تتضمن العتب وهي:
إذا صور الإشفاق لي كيف أنتم ... وكيف إذا ما عن ذكري صبرتم
تنفست عن عتب فؤادي مفصح ... به ولساني للحفاظ يحمحم
وفي في ماء من بقايا ودادكم ... كثيراً به من ماء وجهي أرقتم
أرقت وما ضناً عليه وبينه ... وبين انسكاب ريثما اتكلم
قال جامعه ويعجبني بيت له من قصيدة قوله:
منىً انتم من ظاعنين وخلفوا ... قلوباً ابت أن تعرف الصبر عنهم
تم الاختيار من شعر مهيار الديلمي ويليه الاختيار من شعر ابن هاني الأندلسي.
شعر
ابن هاني هو ابو القاسم وابو الحسن محمد بن هاني الأزدي المهلبي من ولد يزيد بن حاتم بن المهلب الأزدي، وقيل: انه ولد أخيه روح بن حاتم، ولد بمدينة اشبيلية، ونشأ بها، واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر ومهر فيه، وكان حافظاً لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب اشبيلية، وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ متهماص بمذهب الفلاسفة، واتصل بالمعز ابي تميم معد ابن المنصور العبيدي، وبالغ في اكرامه، ثم توجه امعز إلى الديار المصرية، وخرج في أثره، فلما وصل إلى برقة، ووجد مقتولاً في بعض طرقها، ولم يعرف سبب قتله وذلك سنة اثنتين وستين وثلاث مائة وعمره ست وثلاثون، ولما بلغ المعز قتله تأسف عليه كثيراً، وقال: هذا رجل كنا نرجو أن نفاخر به أهل المشرق، فلم يقدر لنا ذلك. وله في المعز المذكور غرر مدائح، ونخب أشعار، وله ديوان شعر أجاد فيه كل الإجادة، لولا ما فيه من الغلو في المدح، والافراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين، وليس في المغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا من متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين.
قال يمدح المعز وهي من القصائد الطنانة، وهي أول ما أنشده بالقيروان واجازه عليها جائزة جليلة:
هل من أعقة عالج يبرين ... أم منهما بقر الحدوج العين
стр. 73
ولمن ليال ما ذممنا عهدها ... مذكن إلا انهن شجون
المشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون
بيض وما ضحك الصباح وإنها ... بالمسك من طرر الحسان لجون
أدمى لها المرجان صفحة خده ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون
أعدى الحمام تأوهي من بعدما ... فكأنه فيما سجعن رنين
بانوا سراعاً للهوادج زفرة ... مما رأين وللعطي حنين
فكأننا صبغوا الضحى بقبابهم ... أن عصفرت فيها الخدود جفون
مإذا على حلل الشقيق لو إنها ... عن لابسيها في الخدود تبين
لأعطشن الروض بعدهم ولا ... يرونه لي دمع عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظر ... واخوانهم إني إذا لخؤون
لا الجو جو مشرق ولو اكتسى ... زهراً ولا الماء المعين معين
لا يبعدن إذا العبير له ثرى ... والبان دوح والشموس قطين
أيام فيه العبقري مفوف ... والسابري مضاعف موضون
والزاعبية شرع والمشرفية ... لمع والمقربات صفون
والعهد من ظمياء إذا لا قومها ... خزر ولا الحرب الزبون زبون
عهدي بذاك الجو وهو أسنة ... وكناس ذاك الخشف وهو عرين
هل يدنيني منه أجرد سابح ... مرح وجائله النسوع أمون
ومهند فيه الفرند كأنه ... زمر له خلف الغرار كمين
عضب المضارب مقفر من أعين ... لكنه من أنفس مسكون
قد كان رشح حديده أجلاوما ... صاغت مضاربه الرقاق قيون
وكأنما يلقى الضريبة دونه ... بأس المز أاسمه المخزون
هذا معد والخلائق كلها ... هذا المعز متوجاً والدين
إلى أن قال:
ملك كما حدثت عنه رأفه ... فالخمر ماء والشراسة لين
ووراء حق ابن الرسول ضراغم ... أسد وشهباء السلاح منون
والطالبان المشرفية والقنا ... والمدركان النصر والتمكين
وصواهل لا الهضب يوم مغارها ... هضب ولا البيد الحزون حزون
جنب الحمام وما لهن قوادم ... وعلا البربود وما لهن وكون
فلهن من ورق اللجين توجس ... ولهن من مقل الظباء شفون
فكأنها تحت الغبار كواكب ... وكأنها تحت الحديد دجون
عرفت بساعة سبقها لا أنها ... علقت بها يوم الرهان عيون
وأجل علم البرق فيها أنها ... مرت بجانحتيه وهي ظنون
في الغيث شبه من نداك كأنما ... مسحت على الأنواء منك يمين
أما الغنى فهو الذي أوليتنا ... فكأن جودك بالخلود رهين
تطأ الجياد بنا البدور كأنها ... تحت السنابك مرمر مسنون
فالفيء لا متنقل والحوض لا ... متكدر والمن لا ممنون
انظر إلى الدنيا باشفاق فقد ... ارخصت هذا العلق وهو ثمين
لو يستطيع البحر لاستعدى على ... جدوى يديك وانه لقمين
أمدده أو فاصفح له عن نيله ... فلقد تخوف أن يقال ضنين
وقد اختصرت آخر هذه القصيدة وإن كانت من جيد شعره لأنه تجاوز فيها الحد في حق أهل البيت ﵃ وقال قولاً ينافي مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الإمامة.
وقال يمدح جعفر بن علبون:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورغتم ... بيض الخدر بكل ليث مخدر
أبتي العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
كل الملوك من السروج سواقط ... إلا المملك فوق ظهر الأشقر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزراً إلى لحظ السنان الأخزر
شعث النواصي حسرة إذانها ... قب الأياطل داميات الأنسر
تنبو سنا بيكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خد العزيز الأصغر
جيش تقدمه الليوث وفوقه ... كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
وكأنما سلب القشاعم ريشها ... مما يشق من العجاج الأكدر
وكأنما اشتملت قناه ببارق ... متألق أو عارض مثعنجر
تمتد ألسنة الصواعق فوقه ... عن ظلتي مزن عليه كنهور
стр. 74
ويقوده الليث الغضنفر ... معلماً
في كل شنن اللبدتين غضنفر
نحر القبول من الدبور وسار في ... جيش الهرقل وعزمة الإسكندر
في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر
أنسو بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقري البيد جنة عبقر
يغشون بالبيد القفار وإنما ... تلد البنتى في اليباب المقفر
فراوية الصنديد تخبر عنهم واسامة الصديق أصدق مخبر
قد جاورو أجم الضواري حولهم ... فإذا هم رأروا بها لم تزأر
ومشوا على قطع النفوس كأنما ... تمشي سنابك خيلهم في مرمر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر
فحياضهم من كل مهجة خالع ... وخيامهم من كل لبدة قود
من كل أهرت كالح ذي لبدة ... أو كل أبيض واضح ذي مغفر
حي من الأعراب إلا أنهم ... يردون ماء الأمن غير نكدر
راحو إلى أم الرئال عشية ... وغدوا إلى ظبي الكثيب الأعفر
طردوا الأوابد في الفوافد طردهم ... للأعوجية في مجال العثير
ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم ... في زيهم يوم الخميس المصحر
أنا لتجمعنا وهذا الحي من ... بكر أزمة سالف لم تخفر
أحلافنا فكأننا من نسبة ... ولداتنا فكأننا من عنصر
اللابين من الجلاد الهب ما=أغناهمخ عن لأمة وسنور
لي منهم سيف إذا جردته ... يوماً ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجج فتكة ... البراض يوم هجائن ابن المنذر
صعب إذا نوب الزمان تصعب ... متنمر للحادث المننمر
فإذا عفا لم تلق غير مملك ... وإذا سطا لم تلق غير مظفر
وكفاك من حب السماحة إنها ... منه بموضع مقلة من محجر
فغمامة من رحمة وعراصه ... من جنسه ويمينه من كوثر
وقال يمدح القائد جوهراً، ويذكر توديعه عند خروجه من القيروان إلى مصر، ويصف مصر، ويذكر خروجه للتشييع وذلك سنة ٢٥٨.
رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع
غداة كأن الأفق سد بمثله ... فعاد غروب الشمس حيث تطلع
فلم أدر إذا سامت كيف أشيع ... ولم أدر إذا شيعت كيف أودع
وكيف نخوض الجيش والجيش لجة ... وإني بمن قاد الجيوش لمولع
وأين ومالي بين ذا الجمع مسلك ... ولا لجوادي جفن ولا بات يهجع
نصيحته للملك سدت مذاهبي ... فما بين قيد الرمح والرمح إصبع
فقد ضرعت حتى الرواسي لما رأت ... فكيف قاوب الإنس والإنس أضرع
فلا عسكر من قبل عسكر جوهر ... تخب المطايا فيه عشراً وتوضع
تسير الجبال الجادمات لسيره ... وتسجد من أدنى الحفيف وتركع
إذا حل في أرض بناها مدائناً ... وإن سارعن أرض ثوت وهي بلقع
سموت له بعد الرحيل وفاتني ... فأقسمت ألا لا يلائم مضجع
فلما تداركت السرادق في الدجى ... عشوت إليه والمشاعل ترفع
فيت ويات الجيش جما سميره ... يؤرقني والجن في البيد هجع
فتخزن جيب المزن والمزن دالح ... وتوقد موج اليهم واليم أصقع
وهمهم رعد آخر الليل قاصف ... ولاحت مع الفجر البوارق تلمع
وأوحت إلينا الوحش ما الله صانع ... بنا وبكم من هول ما نتسمع
ولم تعلم الطير الحوائم فوقنا ... إلى أين نستذري ولا أين نفزع
إلى أن تبدى سيف دوله هاشم ... على وجهه نور من الله يسطع
كأن ظلال الخافقات أمامه ... غمائم نصر الله لا تتقشع
كأن السيوف المصلتات إذا طمت ... على البحر بحر زاجر الموج مترع
كأن أنابيب الصعاد أراقم ... تلفظ في أنابيبها السم مترع
كأن العتاق الجرد بجنونه له ... ضباء ثنت اجيادها فهي تتلع
كأن الكماة الصيد لما تفشمرت ... حواليه أسد الفيل لا تتكعكع
كأن حماة الرحل تحت ركابه ... سيول نداة أقبلت تتدفع
كأن سراع النجب تنشر يمنه ... على البيد آل في الضحى يترفع
стр. 75
كأن صعاب البخت إذا ذللت له ... أسارى ملوك عضها القيد ضرع
كأن خلاخيل المطايا إذا غدت ... تجاوب أصداء الفلا تترجع
تهيج وسواس البرين صبابة ... عليها فتعزى بالحنين وترلع
لقد جل من يقتاد ذا الخلق كله ... وكل له من قائم السيف أطوع
تحف به القواد والأمر أمره ... ويقدمه رأي الخلافة أجمع
ويسحب اذيال الخلافة رادعاً ... به المسلك من نشر الهدى يتضوع
له حلل الإكرام خص بفضلها ... نسائج بالبتبر المشهر تلمع
برود أمير المؤمنين بروده ... كساه الرضى منهن ما ليس يخلع
وبين يديه خيله وسروجه ... تقاد عليهن النضار المرصع
وأعلامه منشورة وقبابه ... وحجابه تدعى لأمر فتسرع
مليك ترى الأملاك دون بساطه ... وأعناقهم ميل إلى الأرض خضع
قياماً على أقدامهم قد تنكبت ... صوارمها كل يطيع ويخضع
تحل بيوت المال حيث محله ... وجم العطايا والرواق المرفع
إذا ماج أطناب السرادق بالضحى ... وقامت حواليه القنا تتزعزع
وسل سيوف الهند حول سريره ... ثمانون الفاً دارع ومقنع
رأيت من الدنيا إليه منوطة ... فيمضي بامر الله فيها ويصدع
وتصحبه دار المقامة حيثما ... أناخ وشمل المسلمين المجمع
وتعنو له السادات من كل معشر ... فلا سيد منه أعز وأمنع
فلله عينا من رآه مخيما ... إذا جمع الأنصار للأذن مجمع
وأقبل فوج بعد فوج فشاكر ... له أو سؤول أو شفيع مشفع
فا يفتأوا من حكم عدل يعمهم ... وعارفه تسدى اليهم وتصنع
يسوسهم منه أب متكفل ... برعي نبيه حافظ لا يضيع
فستر عليهم في الملمات مسبل ... وكنز لهم عند الأئمة مودع
بطيء عن الأمر الذي يكرهونه ... عجول اليهم بالندى متسرع
ولله عينا من رآه مقوضاً ... إذا جعلت أولى الكتائب تسرع
ونودي بالترحال في فحمه الدجى ... فجاءته خيل النصر تردي وتمزع
فلاح لها من وجهة البدر طالعاً ... وفي يده الشعرى العبور تطلع
أضحى مردى بالنجاد كأنه ... هزير عرين ضم جبينه أشجع
فكبرت الفرسان لله إذا بدا ... وظل السلاح المنتضى يتقعقع
وحف به أهل الاجهاد فمقدم ... وماض وإصليت وأطلق أروع
وعب عباب الموكب الفخم حوله ... وزف كما زف الصباح الملمع
وثار بريا المندلي غباره ... ونشر فيه الروض والروض موقع
وقد رتبت فيه الملوك مراتباً ... فمن بين متبوع وآخر يتبع
تسير على أقدارها في عجامة ... ويقدمها منه العزيز الممنع
وما لؤمت نفس تقر بفضله ... وما للؤوم إلا دفع ما ليس يدفع نقد
فاز منه مشرق الأرض بالتي ... تفيض لها من مضرب الأرض ادمع
ألا كل عيش دونه فمحرم ... وكل حريم بعده فمضيع
وإن بنا شوقاً إليه ولوعة ... تكاد لها اكبادنا تتصدع
ولكنما يسلي من الشوق ِأنه ... لنا في ثغور المجد والدين أنفع
وإن المى منه قريب وإننا ... إليه من الإيماء باللحظ أسرع
فسر أيها الملك المطاع مؤيداً ... فللدين والدنيا إليك تطلع
وقد أشعرت أرض العراقين خفية ... تكاد لها دار السلام تضعضع
وأعطت فلسطين القياد وأهلها ... فلم يبق منها جانب يتمتع
وما لرملة المقصورة الخطو وحدها ... بأول أرض ما لها عنك مفزع
وما ابن عبيد الله يدعوك وحده ... غداة رأى أن ليس في النفوس منزع
بل الناس كل الناس يدعوك غيره ... فلا أحد إلا يذل ويخضع
وأن باهل الأرض فقراً وفاقه ... إليك وكل الناس آتيك مهطع
إلا إنما البرهان ما أنت موضح ... وما الرأي إلا وفق ما أنت مزمع
رحلت إلى الفسطاط أيمن رحلة ... بايمن قال في الذي أنت مجمع
ولما حثثت الجيش لاح لأهله ... طريق إلى أقصى خراسان مهيع
قد استقبل الناس الربيع وقد غدت ... متون الربى من سدس تتلفع
وقد أخضل المزن البلاد ففجرت ... ينابيع حتى الصخر أخضل ممرع
وأصبقحت الطرق التي أنت سالك ... مقدسة الظهران تسقى وتربع
стр. 76
وقد بسطت فيها الرياض درانكا ... من الوشي إلا أنها ليس ترفع
وغرد فيها الطير بالنصر واكتست ... زرابي من انوارها لا تتوشع
سقاها فرواها بك الله آنفاً ... فنعم مراد الصيف والمتربع
وما جهلت مصر وقد قيل من لها ... بأنك ذاغك الهبرزي السميدع
وأنك دون الناس فاتح قفلها ... فأنت لها المرجو والمتوقع
فان يك في مصر رجال حلومها ... فقد جاءهم نيل سوي النيل يهرع
ويممهم من لا يغير بنعمة ... فيسلبهم لكن يزيد فيوسع
ولو قد حططت الغيث من عقر دارهم ... كشفت ظلام المحل عنهم فامرعوا
وداويتهم من ذلك الداء إنه ... إلى اليوم رجز فوقهم ليس يقلع
وكفكفت عنهم من يجوز ويعتدي ... وأمنت منهم من يخاف ويجزع
إذا لرأوا كيف العطايا بحقها ... لسائلها منهم وكيف التبرع
وأنساهم الأخشيد من شسع نعله ... أعز من الأخشيد قدراً وارفع
سيغلم من ناواك كيف مصيره ... ويبصر من قارعته كيف يقرع
إذا صلت لم يكرم على السيف سيد ... وإن قلت لم يقدم على القول مصقع
تقيك الليالي والزمان وأهل ... ومصفيك محض الود المصنع
تعبت لكيما تعقب الملك راحة ... فمهلا فداك المستريح المودع
فاشفق على قلب الخلافة إنه ... حناناً واشفاقاً عليك مروع
تحملت أعباء الخلافة كلها ... وغيرك في أيام دنياه يرتع
فو الله ما ادري أصدرك في الذي ... تدبره أم فضل حلمك أوسع؟
وما بلغ الاسكندر الرتبة التي ... بلغت ولا كسرى الملوك وتبع
سموت من العليا إلى الرتبة التي ... ترى الشمس فيها تحت قدرك تضرع
إلى غاية ما بعدها لك غاية ... وهل خلف افلاك السموات مطلع
إلى أين تبغي ليس خلفك مذهب ... ولا لجواد في لحاقك مطمع
وقال يمدح المعو، وهو بالمنصورية بعد رجوعه من تشييع عسكر المنصور النافذ إلى مصر يصف القائد جوهر مقدم العسكر قال:
سقتني بما مجت شفاه الأ راقم ... وعاتبني فيها شفار الصوارم
عدتني إليها الحرب يصرف نابها ... وصلصال رعد في زئير الضراغم
فكيف بها نجدية حال دونها ... صعإليك نجد في متون الصلادم
أتى دونها نأي المزار وبعده ... وآساد أغيال وجن صرائم
واشوس غيران عليها حلاحل ... طويل نجاد السيف ماضي العزائم
ولو شئت لم تبعد علي خيامها ... ولو طنبت بين النجوم العواتم
وبات لها مني على ظهر سابح ... اشم أبي الظلم من آل ظالم
وأسدها جر الرياح على الثرى ... بايدي فتو الازد صفر العمائم
فهل تبلغيها الجياد كأنها ... أعنتها من طول لوك الشكائم
من الاعواجيات التي يرزق الغنى ... وتضمن أقوات النسور القشاعم
من اللاء هاجت للنوى اريحيني ... وهزت إلى فسطاط مصر قوادمي
فشيعت جيش النصر تشييع مزمع ... وودعته توديع غير مصارم
وقد كنت لا الوي على متن تركته ... ولكن عداني ما ثنى من عزائمي
فلو أنني استأثرت بالأذن وحده ... لسرت ولم أحفل بلومة لائم
طربت إلى يوم أوفيه حقه ... ليعلم أهل الشعر كيف مقاومي
وأصبو إلى مصر لساعة مشهد ... يعض لها غيابها بالأباهم
فان لم أشاهد يومها ملء ناظري ... أشاهده ملء السمع ملء الحيازم
وقد صورت نفسي لي الفتح صورة ... وشامته لي من غير نظرة شاتم
كذاك إذا قام الدليل الذي النهي ... على كون شيء كان ضربة لازم
على أنني قضيت بعض مأربي ... وأقررت عيني بالجيوش الخضارم
وأنست من أنصار دولة هاشم ... جحاجحة تسعى لدولة هاشم
ويمث في طرق الجهاد سبيلهم ... لأصلى كما يصلون لفح السمائم
وفارقتهم لا مؤثراً لفراقهم ... ولا مستخفاً بالحقوق اللوازم
فلله ما ضم السرادق والتقت ... عليه ظلال الخافقات الحوائم
فثم مصابيح الظلام وشيعه ال ... إمام وأسد المأزق المتلاحم
وفي الجيش ملأن به الجيش باسط ... يديه بقسطاس من العدل قائم
مدبر حرب لا بخيل بنفسه ... عليها ولا مستأثر بالغنائم
стр. 77
ولا صارف راياته عن محارب ... ولا ممسك معروفه عن مسالم
وللصارخ الملهوف أول ناصر ... ولللمترف الجبار أول قاصم
فلا عبقري كان أو هو كائن ... فرى فريه في المعضلات العظائم
كذلك ما قاد الكتائب مثله ... لإنصاف مظلوم ولا قمع ظالم
ولم يتجمع لامرئ كان قبله ... بناء المعالي واجتناب المآثم
جزته جوازي الخير عنا فانه ... سقانا بشؤبوب من العدل ساجم
فقد سار فينا سيرة لم يسر بها ... من الناس إلا مثل كعب وحاتم
متى نختلفني الأمر ألف بيننا ... طبيب بأدواء القلوب السقائم
فلا رأيه في حالة يتبع الهوى ... ولا سمعه مستوقف للنمائم
أفاء علينا ظل أنعمه التي زهين بأيام العلى والمكارم
وما غال جيش الشرك قبلك غائل ... ولا سيما بعد العطايا الجسائم
وبعد صلات ما رأى الناس مثلها ... ولا سمعوا في السالف المتقادم
أولئك قوم يعلم الله أنهم ... قد اقتسموا الدنيا اقتسام المغانم
فكم ألف ألف قد غدوا يطؤونها ... بأقدامهم وطء الحصى بالمناسم
ولو كنت ممن يستريب عيانه ... ويدركه فيما رآى وهم واهم
لحدثت نفسي أنني كنت حالماً ... وإن لم أكن فيما رأيت بحالم
فلا يسألني من تخلف عنهم ... فيقرع في آرائه سن نادم
لعمري هم الأنصار حقاً فكلهم ... من المجد في بيت رفيع الدعائم
فقد أظهروا من شكر نعمة ربهم ... وقائدهم ما لست عنه بنائم
وإني قد حملت منهم ودائعاً ... كرائم تهدى من نفوس كرائم
إليك أمير المؤمنين حملتها ... ودائع كالأموال تحت الخواتم
شهدت بما أبصرته وعلمته ... شهادة بر لا شهادة آثم
فقمت بها عن ألسن القوم خطبة ... إذا ذكرت لم تخزهم في المواسم
تم الأختيار من شعر ابن هاني الأندلسي ويليه الأختيار من شعر الصفي الحلي.
شعر
الصفي الحلى قال جامع كتاته: هو تاج الأدباء والفضلاء عمدة الشعراء والفصحاء صفي الدين أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن أبي القاسم الحلي التنيسي.
فمن قوله في الفخر والحماسة:
لئن ثلمت حدي صروف النوائب ... فقد أخلصت سبكي بنار التجارب
وفي الأدب الباقي الذي وهبني ... عزاء من الأموال عن كل ذاهب
فكم غاية أدركتها غير جاهد ... وكم رتبة قد نلتها غير طالب
وما كل وان في الطلاب بمخطئ ... ولا كل ماض في الأمور بصائب
سمت بي إلى العلياء نفس أبيه ... ترى أقبح الأشياء أخذ المواهب
بعزم يريني ما أمام مطالبي ... وحزم يريني ما وراء العواقب
وما عابني جاري سوى أحاجتي ... اكفلها من دونه للأجانب
وإن نوالي في الملمات واصل ... اباعد أهل الحي قبل الأقارب
وليس حسود ينشر الفضل عائباً ... ولكنه مغرى بعد المناقب
وما الجود إلا حلية مستجادة ... إذا ظهرت أخفت وجوه المعائب
لقد هذبتني يقظة الرأي والنهي ... إذا هذبت غيري صروف التجارب
واكسبني قومي وأعيان معشري ... حفاظ المعالي وابتذال الرغائب
سراة يقر الحاسدون بفضلهم ... كرام السجايا والعىى والمناصب
إذا جلسوا كانوا صدور مجالس ... وإن ركبوا كانوا صدور مواكب
أسود تعانت بالقنا عن عرينها ... وبالبيض عن أنيابها والمخالب
يجودون للمراجي بكل نفيسة ... لديهم سوى أعراضهم والمناقب
إذا نزلوا بطن الوهاد لغامض ... من القصد اذكوا نارهم بالمناكب
وإن ركزوا غب الطعان رماحهم ... رأيت رؤوس الأسد فوق الثعالب
فأصبحت أفني ما ملكت لأقتني ... به الشكر كسباً هو أسنى المكاسب
وأراهن قولي عن فعالي كأنه ... عصا الحارث الدعمي أو قوس حاجب
ومن يك مثلي كامل النفس يغتدي ... قليلاً معاديه كثير المصاحب
فما للعدى دبت أراقم كيدهم ... إلي وما دبت إليهم عقاربي
وإني ليدمي قائم السيف راحتي ... إذا دميت منهم خدود الكواعب
وما كل من هز الحسام بضارب ... ولا كل من أجرى اليراع بكاتب
стр. 78
وما زلت فيهم مثل قدح بن مقبل ... بتسعين أمسى مقبلا غير خائب
فإن كلموا منا الجسوم فإنها ... فلول سيوف ما نبت في المضارب
وما عابني إن كلمتني سيوفهم ... فلول سيوف ما نبت في المضارب
وما عابني إن كلمتني سيوفهم ... إذا ما نبت عن سيوفي المثالب
ولما أبت إلا نزالا كماتهم ... درأت بمهري في صدور المقانب
فعملت شم الأرض شم انوفهم ... وعودت ثغر الترب لثم الترائب
بطرف علافي قبضة الريح سابيح ... له أربع تحكي أنامل حاسب
تلاعب أثناء الحسام مزاجه ... وفي الكر يبدي كرة غير لاعب
ومسرودة من نسج داود نثره ... كلمع غدير ماؤه غير ذائب
واسمر مهزوز المعاطف ذابل ... وابيض مسنون الغرارين قاضب
إذا صدفته العين أبدي توقدا ... كأن على متنيه نار الحباحب
ثنى حده فرط الضراب فلم يزل ... حديد فرند المتن رث المضارب
صدعت به هام الخطوب فرعتها ... بأفضل مضروب وأفضل ضارب
وصفراء من ورق الأراوى نحيفة ... إذا جذبت صرت صرير الجنادب
لها ولد بعد الفطام رضاعه ... يسر عقوقاً رفضه غير واجب
إذا قرب الرامي إلى فيه نحره=سعى نحوه بالقسر سعي المجانب
فيقبل في بطء كخطوة سارق ... ويدبر في جري كركضة هارب
هناك فجأت الكبش منهم بضربة ... فرقت بها بين الحشا والترائب
لدى وقعة لا يقرع السمع بينها ... بغير انتداب الشوس أندب نادب
فقل للذي ظن الكتابة غايتي ... ولا فضل لي بين القنا والقواضب
بحد يراعي أو حسامي علوته ... وبالكتب ارديناه أم بالكتائب
وكم ليلة خضت الدجى وسماؤه ... معطلة من حلي در الكواكب
سريت بها الجو والسحب مقتم ... فلما تبدي النجم قلت لصاحبي
أصاح ترى برقا أريك وميضة ... يضيء سناه أم مصابيح راهب
بحرف حكى الحرف المفخم صوتها ... سليلة نجب ألحقت بنجائب
تعافت ورود الماء أن سبق القطا ... إليه وما علت به في المشارب
قطعت بها خوف الهوان سباسبا ... إذا قلت تمت أردفت بسباسب
يسامرني في الفكر كل بديعة ... منزهة الألفاظ عن قدح عائب
ينزلها الشادون في نعغماتهم ... وتحدو بها طوراً حداة الركائب
فأدركت ما أملت في طلب العلى ... ونزهت نفسي عن طلاب المواهب
ونلت بها سؤلي من العزلا الغنى ... وما عد من عاف الهبات بخائب
وله في الحماسة أيضاً:
سلي الرماح العوالي عن معالينا ... واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
وسائلي العرب والأتراك ما فعلت ... في أرض قبر عبيد الله أيدينا
لما سعينا فما رقت عزائمنا ... عما نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد ... دنا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمر ما رطناها مسمومة ... إلا لنعزو بها من بات يغزونا
وفتية أن نقل أصغوا مسامعهم ... لقولنا أو دعوناهم أجابونا
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة ... يوماً وإن حكموا كانوا موازينا
تدرعوا العقل جلبابا فإن حميت ... نار الوغى خلتهم فيها مجانينا
إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة ... وغن دعوا قالت الأيام آمينا
إن الزرازير لما قام قائمها ... توهمت أنها صارت شواهينا
ظنت تأني الزاة الشهب عن جزع ... وما درت أنه قد كان تهوينا
بيادق ظفرت أيدي الرخاخ بها ... ولو تركناهم صاروا فرازينا
ذلوا بأسيافنا طول الزمان فمذ ... تحكموا أظهروا أحقادهم فينا
لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسنا ... كأنهم في أمان من تقاضينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا ... حتى حملنا فأخلينا الدواوينا
ثم أثنينا وقد ظلت صوارمنا ... تميس عجباً ويهتز القنا لينا
وللدماء على أثوابنا علق ... بنشره عن عبير المسك يغنينا
فيالها دعوة في الأرض سائرة ... قد اصبحت في فم الأيام تلقينا
أنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضؤر مرابعنا حمر مواضعا
стр. 79
لا يظهر العجز منا دون نيل منى ... ولو رأينا المنايا في أمانينا
ما أعوزتنا فرامين نصول بها ... إلا جعلنا مواضينا فرامين
إذا جرينا إلى سبق العلى طلقاً ... إن لم نكن سبقاً كنا مصلينا
نغشى الخطوب بأيدينا فندفعها ... وإن دهتنا دفعناها بأيدينا
ملك إذا فوقت نبل العدو لنا ... رمت عزائمه من بات يرمينا
عزائم كالنجوم الشهب ثاقبة ... ما زال يحرق فيهن الشياطينا
أعطى فلا جوده قد كان عن غلط ... منه ولا أجره قد كان ممنونا
وكم عدو لا أمسى بسطوته ... يبدي الخضوع لنا ختلا وتسكينا
كالصل يظهر ليناً عند ملمسه ... حتى يصادف في الأعضاء تمكينا
يطوي لنا الغدر في نصح يشير به ... ويمزج السم في شهد ويسقينا
وقد نغض ونغضي عن قبائحه ... ولم يكن ذاك عجزاً عن تقاصينا
لكن تركناه إذا بتنا على ثقة ... أن الأمير يكافيه فيكفينا
وقال مسمطاً قصيدة السمؤال بن عادياء في الحماسة:
قبيح بمن ضاقت عن الرزق أرضه ... وطول الفلا رحب لديه وعرضه
ولم يبدل سربال الدجى فيه كضه ... إذا المرء لمك يدنس من اللؤم عرضه
فكل رداء يرتديه جميل
إذا المرء لم يحجب عن العين نومها ... ويغلي من النفس النفسية سومها
أضيع ولم تأمن معاليه لومها ... وإن هو لم يجمل على النفس ضيمها
فليس إلى حسن الثناء سبيل
وعصبة غدر أرغمتها جدودنا ... وباتت ومنها ضدنا وحسودنا
إذا عجزت عن فعل كيد يكيدينا ... تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل
رفعنا على هام السماك محلنا ... فلا ملك إلا تفيأ ظلنا
فقد خاف جيش الأكثرين أقلنا ... وما قل من كانت بقاياه مثلنا
شباب تسامى للعلى وكهول
يوازي الجبال الراسيات وقارنا ... وتبنى على هام المجرة دارنا
ويأمن من صرف الحوادث جارنا ... وما ضرنا أنا قليل وجارنا
عزيز وجار الأكثرين ذليل
ولما حللنا الشام تمت أموره ... لنا وحبانا ملكه وأميره
وبالنيرب الأعلى الذي عزطوره ... لنا جبل يحتله من نجيره
منيع يرد الطرف وهو كليل
يريك الثريا من خلايا شعابه ... وتحدق شهب الأرض حول هضابه
ويعثر خطو السحب دون ارتكابه ... رسا أصله تحت الثرى وسما به
إلى النجم فرع لا ينال طويل
وقصر على الشقراء قدفاض نهره ... وفاق على فخر الكواكب فخره
وقد شاع ما بين البرية شكره ... هو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره
يعز على من رامه ويطول
إذا ما غضبنا في رضى المجد غضبة ... لندرك ثأراً أو لنبلغ رتبة
نزيد غداة الكر في الموت رغبة ... وإنا لقوم لا نرى القتل سبة
إذا ما رأته عامر وسلول
أبادت ملاقاة الحروب رجالنا ... وعاش الأعادي حين ملوا قتالنا
لانا إذا رام العداة نزالنا ... يقرب حب الموت آجالنا لنا
وتكرهه آجالهمخ فتطول
فمنا معيد الليث في فيض كفه ... ومورده في أسره كاس حتفه
ومنا مبيد الألف في يوم زحفه ... وما مات منا سيد حتف أنفه
ولا طل يوماً حيث كان قتيل
إذا خاف ضيماً جارنا وجليساً ... فمن دونه أموالنا ورؤوسنا
وإن أججت نار الوقائع شوسنا ... تسيل على حد الظبات نفوسنا
وليست على غير الظبات تسيل
جنى نفعنا الأعداء طوراً وضرنا ... فما كان أحلانا لهم وأمرنا
ومذ خطبوا يوماًُ صفانا وبرنا ... صفونا فإنكدر واخلص سرنا
اناث اطابت حملنا وفحول
لقد وفرت العلياء في المجد قسطنا ... وما خالفت في منشأ الأصل شرطنا
فمذ حاولت في ساحة العز هبطنا ... علونا إلى خير الظهور وحطنا
لوقت إلى خير البطون نزول ... تقر لنا الأعداء عند انتسابنا
وتخشى خطوب الدهر فصل خطابنا
لقد بلغت أيدي العلى في انتخابنا ... فنحن كماء المزن مافي نصابنا
كهام ولا فينا يعد بخيل
نغيث بني الدنيا ونحمل هولهم ... كما يومنا في العز يعدل حولهم
стр. 80
نطول اناساًَ تحسد السحب طولهم ... وننكر أن شئنا على الناس قولهم
ولا ينكرن القول حين نقول
لا شياخنا سعي به الملك أيدوا ... ومن سعينا بيت العلاء مشيد
فلازال منا في الدسوت مؤيد ... إذا سيد منا خلا قام سيد
قوؤل بما قال الكرام فعول
سبقنا إلى شأو العلى كل سابق ... وعم عطانا كل راج ووامق
فكم قد خبت في المحل نار منافق ... وما أخمدت نار لنا دون طارق
ولاذمنا في النازلين نزيل
علونا فكان النجم دون علونا ... وسام العداة الخسف فرط سمونا
فمإذا يسر الضد في يوم سوئنا ... وأيامنا مشهورة في عدونا
لها غرر معلومة وحجول
لنا يوم حرب الخارجي وتغلب ... وقائع فلت للظبى كل مضرب
فاحسابنا من بعد فهر ويعرب ... وأسيافنا في كل شرق ومغرب
بها من قراع الدارعين فلول
ابدنا الاعادي حين ساء فعالها=فعاد عليها كيدها ونكالها
ببيض جلاليل العجاج صقالها ... معودة أن لا تسل نصالها
فتغمد حتى يستباح قتيل
هم هونوا في قدر من لم يهنهم ... وخانوا غداة السلم من لم يخنهم
فان شئت خير الحال منا ومنهم ... سلي أن جهلت الناس عنا وعنهم
فليس سواء عالم وجهول
لئن ثلم الأعداء عرضي بسومهم ... فكم حلموا بي في الكرى عند نومهم
وان أصبحوا قطباً لابناء قومهم ... فان بني الديان قطب لقومهم
تدور رحاهم حولهم وتجول وقال وكتب بها اى صديق تاخر عنه في واقعة، وكان قد انجده في عدة وقائع، وهي من أحسن أنواع التضمين التي اخترعها وأصعبها، وذلك انه عمد إلى عشرين بيتاً ن قصيدة الطغرائي على الترتيب فخرج صدورها باعجاز عشرين بيتاً من قصيدة المتنبي التي عاتب سيف الدولة، وناسب بينهما مناسبة عجيبة يوافق غرضه ولم يغرم فيها من نظمه إلا المطلع وأول بيت الختام وهي: قل للخلي الذي قد نام عن سهري=ومن بجسمي وحالي عنده سقم
تنام عني وعين النجم ساهرة ... واحر قلباه ممن قلبه شبم
فقالحب حيث العدى والاسد رابضفليت أنا بقدر الحب نقتسم
فهل تعين على غمي هممت به ... في طيه أسف في طيه نعم
حب السلامة يثني عزم صاحبه ... إذا استوت عنده الانوار والظلم
فان جنحت إليه فاتخذ نفقا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم
رضى الذليل بخفض العيش يخفضه ... وقد نظرت إليه والسيوف دم
أن العلى حدثتني وهي صادقة ... أن المعارف في أهل النهى ذمم
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا ... واسمعت كلماتي من به صمم
لعله أن بدا فضلي ونقصهم ... أدركتها بجواد ظهره حرم
أعلل النفس بالآمال أطلبها ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها ... حتى ضربت وموج الموت يلتطم
ما كنت أو ثران يمتد بي زمن ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فلا تظنن أن اللييث مبتسم
وحسن ظنك بالايام معجزة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
أن كان ينجح شيء في ثباتهم ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
يا وراداً سؤر عيش صفوه كده ... وشرما يكسب الإنسان ما يصم
فيم اعتراضك ج البحر تركبه ... والله يكره ما تأتون والكرم
ويا خبيراً على الاسرار مطلعا ... فيك الخصام وانت الخصم والحكم
قد رشحوك لامر لو فطنت له ... تصافحت فيه بيض الهند واللمم
فافطن لتضمين لفظ فيك أحسبه ... قد ضمن الدر إلا انه كلم
وقال يمدح نجم الدين غازي بن أرتق ماردين سنة ٧٠٢ ويهنئه بعيد النحر:
لا يمتطي المجد من لا يكب الخطرا ... ولا ينال العلى من قدم الحذرا
ومن أراد العلى عفواً بلا تعب ... قضى ولم يقض مما رامه وطرا
لابد للشهد من نحل يمنعه ... لا يجتني النفع من لا يحمل الضررا
لا يبلغ السؤال إلا بعد مؤلمة ... ولا تتم المنى إلا لمن صبرا
وأحزم اناس من لو مات من ظمأ ... لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
وأغزر الناس عقلاً من إذا نظرت ... عيناه أمراً غدا بالغير معتبرا
стр. 81
فقد يقال عثار الرجل أن عثرت ... ولا يقال عثار الرأي أن عثرا
من دبر العيش بالآراء دام له ... صفواً وجاء إليه الخطب معتذرا
يهون بالرأي ما يجري القضاء به ... من اخطأ الرأي لا يستعتب القدرا
من فاته العز بالاقلام أدركه ... بالبيض تقدح من أعطافها الشررا
بكل ابيض قد أجرى الفرند به ... ماء الردى فلو استقطرته قطرا
خاض العجاجة عرياناً فما انقشعت ... حتى اتى بدم الابطال متزرا
لا يحسن الحلم إلا في مواطنه ... ولا يليق الندى إلا لمن شكرا
ولا ينال العلى إلا فتىً شرفت ... خلاله فاطاع الدهر ما أمرا
كالصالح الملك الموهوب سطوته ... فلو توعد قلب الليث لانفطرا
لما رأى الشر قد أبدى نواجذه ... والغدر عن نابه للحرب قد كشرا
رأى اقسي اناثا في حقيقتها ... فعافها واستشار الصارم الذكرا
فجرد العزم من قبل الصفاح لها ... ملك عن البيض يستغني بما شهرا
يكاد يقرأمن عنوان همته ... ما في صفائف ظهر الغيب قد سطرا
كالبحر والدهر في يومي ندى وردى ... والليث والغيث في يومي وغى وقرى
ما جاد للناس إلا قبل ما سألوا ... ولا عفا قط إلا بعد ما قدرا
لاموه في بذله الأموال قلت لهم ... هل تقدر السحب ألا ترسل المطرا
إذا غدا الغصن غضا في منابته ... من شاء فليجن من أفنانه الثمرا
من آل ارتق المشهور ذكرهم ... إذا كان كالمسك أن أخفيته ظهرا
الحاملين من الخطي أطوله ... والناقلين من الأسياف ما قصرا
لم يرحلوا عن حمى أرض إذا نزلوا ... إلا وأبقوا بها من جودهم أثرا
تبقى صنائعهم في الأرض بعدهم ... والغيث أن سار أبقى بعده الزهرا
لله در سما الشهباء من فلك ... فكلما غاب نجم أطلعت قمراً
يا أيها الملك الباني لدولته ... ذكرا طوى ذكر أهل الأرض وانتشرا
كانت عداك لها دست فقد صدعت ... حصاة جدك ذاك الدست فانكسرا
أوقع إذا غدروا سوط العذاب بهم ... يظل يخشاك من آذى ومن غدرا
وأرعب قلوب العدى تنصر بخذلهم ... أن النبي بفضل الرعب قد نصرا
وولا تكدر بهم نفساً مطهرة ... فالبحر من يومه لا يعرف الكدرا
ظنوا تأنيك عن عجز وما علموا ... أن التأني فيهم يعقب الظفرا
أحسنتم فبغوا جهلاً وما اعترفوا ... لكم ومن كفر النعما فقد كفرا
واسعد بعيدك ذا الاضحى وضح به ... وصل وصل لرب العرش مؤتمرا
وانحر عداك فبالانعام ما صلحوا ... أن كان غيرك للأنعام قد نحرا
وقال يمدح النبي ﷺ :
كفى البدر حسناً أن يقال نظيرها ... فيزهى ولكنا بذاك نضيرها
وحسب غصون البان أن قوامها ... يقاس به ميادها ونضيرها
اسير حجول مطلقات لحاظها ... قضى حسنها أن لا يفك أسيرها
تهيم بها العشاق خلف حجابها ... فكيف إذا ما آن منها سفورها
وليس عجيباً أن غررت بنظرة ... إليها فمن شأن البدور غرورها
وكم نظرة قادت إلى القلب حسرة ... يقطع أنفاس الحياة زفيرها
فواعجبا كم نسلب الاسد في الوغى ... وتسابنا من أعين الحور حورها
فتور الظبى عند القراع يشينها ... وما يرهف الاجفان إلا فتورها
وجذوة حسن في الخدود لهيبها ... يشب ولكن في القلوب سعيرها
إذا انستها مقلتي خر صاعقاً ... جناني وقال القلب لادك طورها
وسرب ظباء مشرقات شموسه ... على حلة عد النجوم بدورها
تمانع عما في الكناس أسودها ... وتحرس ما تحوي القصور صقورها
تغار من الطيف الملم حماتها ... ويغضب من مر النسيم غيورها
إذا ما رأى في النوم طيفاً يزورها ... توهمه في اليوم ضيفا يزورها
نظرنا فاعدتنا السقام عيونها ... ولذنا فأولتنا النحول خصورها
وزرنا فأسد الحي تذكي لحاظها ... ويسمع في غاب الرماح زئيرها
فيا ساعد الله المحب لأنه ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
ولما ألمت المزيارة خلة ... وسجف الدياجي مبلات ستورها
стр. 82
سعت بيننا الواشون حتى حجولها ... ونمت بنا الاعداء حتى عبيرها
وهمت بنا لولا غدائر شعرها ... خطى الصبح لكن قيدته ضفورها
ليالي يعيديني زماني على المدى ... وان ملئت حقداً على صدورها
ويسعدني شرخ الشبيبة والغنى ... إذا شأنها اقتارها وقتيرها
ومذقلب الدهر المجن أصابني ... صبوراً على حال قليل صبورها
فلو تحمل الأيام ما أنا حامل ... لما كاد يمحو صبغة الليل نورها
سأصبر إما أن تدور صروفها ... علي وإما تستقيم أمورها
فإن تكن الخنساء إني صخرها ... وإن تكن الزباء اني قصيرها
وقد أرتدي ثوب الظلام بجسرة ... عليها من الشوس الحماة جسورها
كأني باحشاء السباسب خاطر ... فما وجدت إلا وشخصي ضميرها
وصادية الأحشاء غضي بآلها ... يعز على الشعرى العبور عبورها
ينوح بها الخريت ندباً لنفسه ... إذا اختلفت حصباؤها وصخورها
إذا وطئتها الشمس سأل لعابها ... وان سلكتها الريح طال هديرها
وإن قامت الحربا توسد شعرها ... أصيلاً إذاب الطرف منها هجيرها
تجنب عنها للحذار جنوبها ... وتدبر عنها في الهبوب دبورها
خبرت مرامي أرضها فقتلتها ... وما يقتل الأرضين إلا خبيرها
بخطوة مر قال أمون عثارها ... كثير على وفق الصواب عثورها
ألذ من الأنغام رجع بغامها ... وأطيب من سجع الهديل هديرها
نساهم شطر العيش عيشاً سواهما ... لفرط السرى لم يبق إلا شطورها
حروف كنونات الصحائف أصبحت ... تخط على طرس الفيافي سطورها
إذا نظمت نظم القلائد في البرى ... تقلدها خصر الربى ونحورها
طواها طواها فاغتدت وبطونها ... تجول عليها كالوشاح ضفورها
يعبر عن فرط الحنين أنينها ... ويعرب عما في الضمير ضمورها
نسير بها نحو الحجاز وقصدها ... ملاعب شعبي بابها وقصورها
فلما ترامت عن زود ورماها ... ولاحت لها أعلام نجد وقورها
وصدت يميناً عن شميط وجاوزت ... ربى قطن والشهب قد شف نورها
وعاج بها عن رمل عاج دليلها ... فقامت لعرفان المراد صدورها
غدت تتقاضاها المسير لأنها ... إلى نحو خير المرسلين مسيرها
ترض الحصى شوقاً لمن سبح الحصى ... لديه وحيا بالسلام بعيرها
إلى خير مبعوث إلى خير أمة ... إلى خير معبود دعاها بشيرها
ومن أنقذت مع وضعه نار فارس ... وزلزال منها عرشها وسريرها
ومن نطقت توراة موسى بفضله ... وجاء به انجيلها وزبورها
ومن بشر الله العباد بأنه ... مبشرها عن إذنه ونذيرها
محمد خير المرسلين بأسرها ... وأولها في الفضل وهو أخيرها
أيا آية الله التي قد تبلجت ... على خلقه أخفى الضلال ظهورها
عليك سلام الله يا خير مرسل ... إلى أمة لولاه دام غرورها
عليك سلام الله يا خير شافع ... إذا النار ضم الكافرين حصيرها
عليك سلام الله يا من تشرفت ... به الأنس طراً واستتم سرورها
عليك سلام الله يا من تعبدت ... له الجن وانقادت إليه امورها
إلى أن قال في مدح أهل البيت ﵃:
جبال إذا ما الهضب دكت جبالها ... بحار إذا ما الأرض غارت بحورها
شموس لكم في الغرب ردت شموسها ... بدور لكم في الشرق شقت بدورها
إذا جولست للبذل ذل نظارها ... وإن سوجلت في الفضل عز نظيرها
وقال في الصحب ﵃:
وصحبك خير الصحب والغرر التي ... بها أمنت من كل أرض ثغورها
كماة حماة في القراع وفي القرى ... إذا شط قاريها وطاش وقورها
إلى أن قال: إذا ما القوافي لم تحط بصفاتكم=فسيان منها جمها ويسيرها وهي طويلة اقتصرت منها على هذا القدر.
وقال يمدح الملك الناصر لدين الله محمد بن قلاوون وقد اقترح عليه أرباب الدولة معارضته قصيدة المتنبي: (بابي الشموس الجانحات غواربا) .
أسبلن من فوق النهود ذوائباً ... فتركن حبات القلوب ذوائباً
وجلون من صبح الوجوه أشعة ... غادرن فود الليل منها شائباً
стр. 83
بيض دعاهن الغبي كواعبا ... ولو استبان الرشد قال كواكبا
وربائب فإذا رأيت نفارها ... من بسط انسك خلتهن رباربا
سفهن رأي المانوية عندما ... اسبلن من ظلم الشعور غيابها
وسفرن لي فرأين شخصاً حاضراً ... شدهت بصيرته وقلباً غائباً
أشرقن في حلل كان وميضها ... شفق تدرعه الشموس جلاببا
وغربن في كلل فقلت لصاحبي ... بأبي الضشموس الجانحات غواربا
ومعربد الحظات يثني عطفه ... فيخال من مرح الشبيبة شاربا
حلو التعتب والدلال يروعه ... عتبي ولست أراه إلا عاتبا
عاتبته فتضرجت وجناته ... وازور ألحاظا وقطب حاجبا
فإذا بني الخد الكليم وطرفه ... ذو النون إذا ذهب الغداة مغاضبا
ذو منظر تغدو القلوب لحسنه ... نهباً وان منح العيون مواهبا
لا بدع أن وهب النواظر حظوة ... من نوره ودعاه قلبي ناهبا
فمواهب السلطان قد كست الورى ... نعماً وتدعوه القساور سالبا
الناصر الملك الذي خضعت له ... صيد الملوك مشارقاً ومغاربا
ملك يرى تعب المكارم راحة ... ويعد راحات الفراغ متاعبا
بمكارم تذر السباسب أبحراً ... وعزائم تذر ابحار سباسبا
لم تخل ارض من ثناه وان خلت ... من ذكره ملئت قنا وقواضبا
ترجى مواهبه ويرهب بطشه ... مثل الزمان مسالماً ومحاربا
فإذا سطا ملأ القلوب مهابةً ... وإذا سخا ملأ العيون مواهبا
كالغيث يبعث من عطاه وابلاسبطاً ويرسل من سطاه حاصبا
كالليث يحمي غابه بزئيره ... طوراً وينشب في القنيص مخالبا
كالسيف يبدي للنواظر منظراً ... طلقاص ويمضي في الهياج مضاربا
كالسيل تحمد منه عذباً واصلا ... ويعده قوم عذاباً واصباً
كالبحر يهدي للنفوس نفائساً ... منه ويبدي للعيون عجائبا
فإذا نظرت ندى يديه ورأيه ... لم تلف إلا صيبا أو صائبا
ابقى قلاوون الفخار لولده ... ارثاً ففازوا بالثناء مكاسبا
قوم إذا سئموا الصوافن صيروا ... للمجد أخطار الامور مراكبا
عشقوا الحروب تيمناً بلقى العدى ... فكأنهم حسبوا العداة حبائبا
وكأنما ظنوا السيوف سوالفاً ... واللدن قداً والقسي حواجبا
يا أيها الملك العزيز ومن له ... شرف يجر على النجوم ذوائبا
أصلحت بين المسلمين بهمة ... تذر الاجانب بالوداد أقاربا
ووهبتهم زمن الامان فمن رأى ... ملكا يكون له الزمان مواهبا
فرأوا خطاباً كان خطباً فادحاً ... لهم وكتباً كن قبل كتائبا
وحرست ملكك من رجيم مارد ... بعزائم أن صلت كن قواضبا
حتى إذا خطف المكافح خطفة ... أتعبته منها شهابا ثاقبا
لا ينفع التجريب خصمك بعدما ... أفنيت من أفنى الزمان تجاربا
صرمت شمل المارقين بصارم ... تبديه مسلوباً فيجع سالبا
صافي الفند حكى صباحاً جامداً ... أبدى النجيع به والعجاج سحائبا
وكتيبة تذر الصهيل رواعدا ... والبيض برقاً والعجاج سحائبا
حتى إذا ريح الجلاد حدت لها ... مطرت فكان الوبل نبلا صائبا
بذوائب ملد يخلن أراقماً ... وشوائل جرد يخلن عقاربا
تطأ الصدور من الصدور كأنما ... تعتاض من وطء التراب ترائبا
فاقمت تقسم للوحوش وظائفا ... فيها وتصنع للنسور مآدبا
وجعلت هامات الكماة منابراً ... وأقمت حد السيف فيها خاطبا
يا راكب الطر الجليل وقوله ... فخراً بمجدك لا عدمت الراكبا
صيرت أسحار السماح بواكراً ... وجعلت أيام الكفاح غياهبا
وبذلت للمداح صفو خلائق ... لو إنها للبحر طاب مشاربا
فرأوك في جنب النضار مفرطاً ... وعلى صلاتك والصلاة مواظبا
أن يحرس الناس النضار بحاجب ... كان السماح لعين مالك حاجبا
لم يملؤوا فيك البيوت غرائبا ... إلا وقد ملأوا البيوت رغائبا
أوليتني قبل المديح عناية ... وملأت عيني هيبة ومواهبا
ورفعت قدري في الانام وقد رأوا ... مثلي لمثلك خاطباً ومخاطباً
стр. 84
في مجلس سوى الخلائق في الندى ... وترتيب فيه الملوك مراتبا
وافيته في الفلك أسعى جالساً ... فخراً على من جاء يمشي راكبا
فأقمت انفذ في الزمان أوامراً ... مني وأنشب في الخطوب مخالبا
وسقتني الدنيا غداة أتيته ... رياً وما مطرت علي مصائبا
فطفقت أملأ من ثناك ونشره ... حقباً واملأ من نداك حقائبا
اثني فتثنيني صفاتك مظهرا ... عياً وكم أعيت صفاتك خاطبا
لو أن أغصانا جميعاً السن ... تثني عليك لما قضين الواجبا
وقال يمدح السلطان المنصور غازي بن أرتق، ويصف فيها ديواناً نظمه فيه على حروف المعجم وهي تسعة وعشرين قصيدة تسمى المحبوكات:
أن لم أزر ربعكم سعياً علبى الحدق ... فان ودي منسوب إلى الملق
تبت يدي أن ثنتني عن زيارتكم ... بيض الصفاح ولو سدت بها طرقي
يا جيرة الحي هلا عاد وصلكم ... لمدنف من خمار الوجد لم يفق
لا تنكروا فرقي من بعد بعدكم ... أن الفراق لمشتق من الفرق
لله ليلتنا بالقصر كم قصرت ... فظلت مصطحباً في زي مغتبق
وبات بدر الدجى فيها يسامرني ... منادماً فيزين الخلق بالخلق
فكم خرقنا حجاباً للعتاب بها ... وللعفاف حجاب غير منخرق
والصبح قد اخلقت ثوب الدجى يده ... وليته جاد للعشاق بالخلق
ابلى الظلام ومإذا لو يجود به ... على جفون لطيب الغمض لم تذق
ما أحسن الصبح لولا قبح سرعته ... وأعذب الليل لولا كثرة الأرق
هب النسيم عراقياً فشوقني ... وطالمل هب نجدياً فلم يشق
فما تنفست والأرواح سارية ... إلا اشتكت نسمات الريح في حرقي
ذر أيها الصب تذكار الديار إذا ... متعت فيها بعيش غير متسق
فكم ضممت وشاحا بالظلام بها ... ما زاد قلبك إلا كثرة القلق
فخل تذكار زوراء العراق إذا ... جاءت نسيم الصبا بالمندل العبق
فهذه شهب الشهباء ساطعة ... وهذه نسمة الفردوس فانتشق
فتلك أفلاك سعد لا يلوذ بها ... من مارد لخفي السمع مسترق
سماء وجه بدا فيها فزينها ... بدر تخر لديه أنجم الافق
ملك غدا الجود يجري من أنامله ... فلو تكلف ترك الجود لم يطق
أعاد ليل الورى صبحاً وكم ركضت ... جياده فأرتنا الصبح كالغسق
مشتت العزم والأموال ما تركت ... يداه للمال شملا غير مفترق
إذا رأى ماله قالت خزائنه ... افديك من ولد بالثكل ملتحق
لولا ابو الفتح نجم الدين ما فتحت ... أبواب فضل عليها اللؤم كالغلق
ملك به اكتسب الأيام ثوب بهاً ... مثل اكتساء غصون البان بالورق
تهوى الحروب مواضيه فان ذكرت ... جنت فلم تر منها غير مندلق
حتى إذا جردت في الروع أغمدها ... في كل سابغة مسرودة الحلق
يأيها الملك المنصور طائره ... ومن أياديه كالاطواق في عنقي
أحييت بالجود آثار الكرام وقد ... كان الندى بعدهم في آخر الرمق
لو أشبهتك بحار الأرض في كرم ... لأصبح الدر مطرحاً على الطرق
لو أشبه الغيث جوداً منك منهمراً ... لم ينج في الأرض مخلوق من الغرق
كم قد أبدت من الاعداء من فئة ... تحت العجاج وكم فرقت من فرق
رويت يوم لقاهم كل ذي ظماء ... في الحروب حتى جلال الخيل بالعرق
ويوم وقعة عباد الصليب وقد ... أركبتهم طبقاً في البيد عن طبق
مزقت بالموصل الحدباء شملهم ... في مأزق بوميض البيض ممتزق
بكل أبيض دامي الخد تحسبه ... صبحاً عليه دم الابطال كالشفق
آلى على غمده أن لا يراجعه ... إلا إذا عاد محمراً من العلق
فاسبشرت فئة الإسلام إذا لمعت ... لهم بوارق ذاك العرض الغدق
وأصبح العدل مرفوعاً على نشز ... لما وليت وبات الجور في نفق
كم قد قطعت إليك البيد ممتطياً ... عزماً إذا ضاق رحب الأرض لم يضق
يدلني في الدجى مهري ويؤنسني ... حد الحسام إذا ما بات معتنقي
والليل أطول من عذل العذول على ... سمعي وأظلم من مرآه في حدقي
أهدي قلائد أشعار فرائدها ... در نهضت به من أبحر عمق
стр. 85
يضمها ورق لولا محاسنه ... ما لقبوا افضة البيضاء بالورق
نظمتها فيك ديواناً ازف يه ... مدائحاً في سوى علياك لم ترق
ولو قصدت به تجديد وصفكم ... لكان ذلك منسوباً إلى الحمق
تسع وعشرون إذا عدت قصائدها ... ومثلها عدد الابيات في النسق
لم أقتنع بالقوافي في أواخرها ... حتى لزمت أو إليها فلم تعق
ما أدركت فصحاء العرب غايتها ... قبلي ولا أخذوا من مثلها شبقي
جرت لتركض في ميدان حومتها ... قوم فأوقفتهم في أول الطرق
فليحسن اعذر عن ايرادهن إذا ... رأيت جري لساني غير منطلق
فلو رأت بأسك الآساد لاضطربت ... به فرائصها من شدة مرتتق
لقد رفعتم باسداء الجميل لكم ... ذكراً إذا قبض الله الانام بقي
لا زال يهمي على الوفاد نائلكم ... بوابل ن سحاب الجود مندفق
وقد سمى هذه القصائد: درر النحور في مدائح المنصور وهذه الأولى منها:
ابت الوصال مخافة الرقباء ... واتتك تحت مدارع الظلماء
أصفتك من بعد الصدود مودة ... وكذا الدواء يكون بعد الداء
أحيت بزورتها النفوس وطالما ... ضنت بها فقضت على الاحياء
أتت بليل والنجوم كأنها ... درر بباطن خيمة زرقاء
أمست تعاطيني المدام وبيننا ... عتب غنيت به عن الصهباء
أبكي وأشكو ما لقيت فتلتهي ... عن در الفاظي بدر بكائي
آبت إلى جسدي لتنظر ما انتهت ... من بعدها فيه يد البرحاء
ألفت به وقع الصفاح فراعها ... جزعاً وما نظرت جراح حشائي
أمصيبة منا بنبل لحاظها ... ما أخطأته أسنة الأعداء؟
اعجبت مما قد رأيت وفي الحشا ... أضعاف ما عانيت في الأعضاء؟
أمسي ولست بسالم من طعنة ... نجلاء أو من مقلة كحلاء
أن الصوارم واللحاظ تعاهدا ... أن لا أزال مزملا بدمائي
أجنت علي بما رأيت معاشر ... نظروا الي بمقلة عمياء
أكسبتهم مالي فمذ طلبوا دمي ... لم أشكهم إلا إلى البيداء
أبعدت عن أرض العراق ركائبي ... متنقلاً كتنقل الأفياء
أرجو بقطع البيد قطع مطامعي ... وأروم بالمنصور نصر لوائي
أدركته فجعلت ألثم فرحةً بوصوله أخفاف نوق رجائي
أضحى يهنيني الزمان بقصده ... ويشير كف العز بالايماء
أومت الي مشيرة أن لا تخف ... وابشر فإنك في ذرى العلياء
أبماردين تخاف خطفه مارد ... وشهابها في القلعة الشهباء؟
ألهيت عن قومي بملك عنده ... تنسى البنون فضائل الآباء
إني تركت الناس حين وجدته ... ترك اليتيم في وجود الماء
المرتقي فلك الفخار إذا اغتدى ... وإذا بدا فالناس كالحرباء
أفنى جيوش عداته بخوافق ... الرايات بل بسواكن الآراء
أسيافه نقم على أعدائه ... وأكفه نعم على الفقراء
أن حل حل النهب في أركأنه ... أو سار سار الخلف في الأعداء
أمجندل الأبطال بل يا منتهى ... الآمال بل يا كعبة الشعراء
أقبلت نحوك في سواد مطالبي ... حتى أتتني باليد البيضاء
أرقى إلى عرش الرجا رب الندى ... فكأن يومي ليلة الاسراء
وقال في قافية الباء:
بدت لنا الروح في تاج من الحبب ... فمزقت حلة الظلماء بالللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولدها ... أطفال در على مهد من الذهب
بقية من بقايا قوم نوح إذا ... لاحت جلت ظلمة الأحزان والكرب
بعيدة العهد بالمعصار لو نطقت ... لحدثنا بما في سالف الحقب
باكرتهم برفاق قد زهت بهم ... قبل السلاف سلاف العلم والادب
بكل متشج بالفضل متزر ... كأن في لفظه ضرباً من الضرب
بروضة ظل فيها الطل أدمعه ... والدهر مبتسم عن ثغره الشنب
بكت عليه أساليب الحيا فغداجذلان يرفل في أثوابه القشب
بسط من الأرض قد حاكت مطارفها ... يد الربيع وجادتها يد السحب
باتت تجود علينا بالمياه كما ... جادت يد المك المنصور بالذهب
بحر تدفق بحر الجود من يده ... فأصبح املك يزهو زهو معتجب
باد ببذل الندى قبل السؤال ومن ... في دولة الترك أحيا ذمة العرب
стр. 86
بدر أضاءت ثغور الملك فابتسمت ... به فكان لثغر المك كالشنب
بنى المعالي وأفنى المال نائله ... فالملك في عرس والمال في حرب
ببأسه تذلل صعب الحادثات له ... فأصبح الدهر يشكو شدة التعب
به تناسيت ما لاقيت من نصب ... فاليوم قد عاد كالعنقاء في الهرب
بكم تبلج وجه الحق أبياتاص مشيدة ... ولم يمد لها لولاك من طنب
بسطت في الأرض عدلاً لوله اتبعت ... نوائب الدهر لم تغدر ولم تنب
بلغت سيفك في هام العدو كما ... أنشبت سيف العطافي قمة النشب
باشر غرائب أشعاري فقد برزت ... إليك ابكار افكاري من الحجب
بدائع من قريض لو أتيت بها ... في غيركم كان منسوباً إلى الكذب
بقيت ما دام الأفلاك في نعم ... محروسة من صروف الدهر والنوب
وكل هذه القصائد على هذا النمط التزم فيها الحرف في أول البيت وفي آخره إلى أن أكمل حروف المعجم فمن اراد الوقوف عليها فليراجع ديوانه: وقال يمدح الملك الناصر الصالح شمس الدين ابا المكارم صالح حين وي الملك بعد وفاة اخيه الملك العادل سنة ٧١٠ وأرسلها إليه من بغداد
ما هبت الريح إلا هزني اطرب ... إذا كان للقلب في مر الصبا أرب
لذاك أن هيمنت في الدوح أنشده ... بيني وبينك يا دوح الحمى نسب
يا جيزة الشعب لولا فرط بعدكم ... لما غدا القلب بالأحزان ينتعب
فهل يجود بكم عدل الزمان لنا ... يوماً وترفع فيما بيننا الحجب
يا سادة ما ألفنا بعدكم سكناولا اتخذنا بديلا حين نغترب
بود كم صار موصولا بكم نسبي ... لا يوجد الحكم حتى يوجد السبب
فكيف أنساكم بعد المشيب وقد ... صاحبتكم وجلابيب الصبا قشب
أم كيف أصبر مغتراً بأمنية ... والدار تبعد والآجال تقترب
وقد زرتكم وعيون الخطب تلحظني ... شزراً وتعثر في آثاري النوب
وكم قصدت بلاداً كي أمر بكم ... وانتم القصد لا مصر ولا حلب
وكم قطعت إليكم ظهر مقفرة ... لا تسحب الذيل في أرجائها السحب
ومهمه كماء الدجن معتكر ... نواظر الأسد في ظلمائه شهب
حتى وصلت إلى نفس مؤيدة ... منها اللهى والنهى والمجد يكتسب
بمجلس لو رآه الليث قال به ... يا نفس في مثل هذا يلزم الأدب
منازل لو قصدناها بأرؤسنا ... لكان ذاك علينا بعض ما يجب
ارض ندى الصالح السلطان وابلها ... ورأيه لرحا أحوالها قطب
ملك به افتخرت أيامه شرفاً ... واستبشرت بمعالي مجده الرتب
وقالت الشمس حسبي أن فخرت به ... وجهي له شبه واسمي له لقب
لا يعرف العفو إلا بعد مقدرة ... ولا يرى العذر إلا بعدما يهب
سماحة عنونت بالبشر غايتها ... كما تعنون في غاياتها الكتب
وهمة حار فكر الواصفين لها ... حتى تشابه منها الصدق والكذب
قالوا هو البدر قلت البدر ممتحق ... قالوا هو الشمس قلت الشمس تحتجب
قالوا هو الغيث قلت الغيث منتظر ... قالوا هو الليث قلت الليث مغتصب
قالوا هو السيل قلت السيل منقطع ... قالوا هو البحر قلت البحر مضطرب
قالوا هو الظل قلت الظل منتقل ... قالوا هو الدهر قلت الدهر منقلب
قالوا هو الطود قلت الطود ذو خرس ... قالوا هو الموت قلت الموت يجتنب
قالوا هو السيف قلت السيف نندبه ... وذاك من نفسه بالجود ينتدب
قالوا منهم بحكيه قلت لهم ... كل حكاه ولكن فاته الشنب
يا ابن الذين غدت ايامهم عبراً ... بين الأنام بها الأمثال قد ضربوا
كالاسد أن غضبوا والموت أن طلبوا ... والسيف أن ندبوا والسيل أن وهبوا
أن حكموا عدلوا أو املوا بذلوا ... أو حوربوا قتلوا أو غولبوا غلبوا
سويت مسراهم في كل منقبة ... لم يسرها بعدهم عجم ولا عرب
وفقتهم بخلال قد خصصت بها ... لولا الخصوص تساوى العود والحطب
حملت أثقال ملك لا يقام بها ... لو حملتها الليالي مسها التعب
وحطت بالعدل اهل الأرض كلهم ... كأنما الناس أبناء وانت اب
لكل شيء إذا عللته سبب ... وانت للرزق فيما بيننا سبب
стр. 87
مولاي دعوة عبد داره نزحت ... عليكم قربه بل قلبه يجب
قد شاب شعري وشعري في مديحكم ... ودونت بمعاني نظمي الكتب
والناس تحسدكم فيه وتحسده ... فيكم وليس له في غيركم طلب
فلا أرتنا الليالي منكم بدلاً ... ولا خلت منكم الاشعار والخطب
وقال وكتب بها إلى الشيخ العالم محمود بن يحي النحوي الحلي من ماردين يصف فيها حال مقامه واقبال سلطانه عليه:
اخلأي بالفيحاء أن طال بعدكم ... فأنتم إلى قلبي كسحري من نحري
وان يخل من تكرار ذكرى حديثكم ... فلم يخل يوماً من مديحكم شعري
فوالله لا يشفي نزيف هواكم ... سوى خمرانس كان منكم بها سكري
أرى كل ذي داء يداوي بضده ... وليس يداوي ذو الخمار بلا خمر
أطالب نفسي بالتصبر عنكم ... وأول ما افقدت بعدكم صبري
فان كان عصر الأنس منكم قد انقضى ... فوالعصر اني بعد ذلك في خسر
بكيت لفقد الأربع الخضر منكم ... على الرملة الفيحاء بالاربع الحمر
فكيف بقي انسان عيني وقد مضى ... على ذلك الإنسان حين من الدهر
سقى روضة السعدي من ارض بابل ... سحائب ضحوك البرق متحب القطر
وحيا الحيا مغنى قضيت بربعه ... فروض الصبا ما بين رملة والجسر
ورب نسيم مر لي من دياركم ... ففاح لنا من طيب النشر
وأذكرني عهداً وما كنت ناسياً ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر
فيا ايها الشيخ الذي عقد حبه ... تنزل مني منزل الروح في صدري
تجاذبني الأشواق نحو دياركم ... وأحذر من كيد العدو الذي يدري
مخافة مذاق اللسان يسر لي ... ضروب الردى بين البشاشة والشر
وينثر لي حب الوفاء تملقاً ... وينصب لي من تحته شرك الغدر
وما أنا من يلقى إلى الحتف نفسه ... ويجهد في استخلاصها منه بالقسر
إذا ذكر المرء شيخ حياته ... فان طريف المال كالواو في عمرو
ولكن لي في ماردين معاشراً ... شددت بهم لما حللت بها أزري
ملوك إذا القى الزمان حباله ... جعلتهم في كل نائبة ذخري
وما أحدثت أيدي الزما اساءة ... ووافيتهم إلا انتقمت من الدهر
إذا جئتهم مستصرخاً حقنوا دمي ... وان جئتهم مستجدياً وفروا وافري
عزائم من لم يخش بالبطش من ردىً ... وانعام من لم يخش بالجود من فقر
ورووا بماء الجود غرس ابيهم ... فاينع في أغصانه ثمر الشكر
وقلدني السلطان منه بأنعم ... اخف بها نهضي وان أثقلت ظهري
هو الصالح الملك الذي صلحت به ... أمور الورى واستبدل العسر باليسر
يبيت بها كفي على الفتح بعدما ... بنت نوب الأيام قلبي على الكسر
وبدلت من دهم الليالي وغيرها ... لديه بأبام محجلة غر
حططت رحالي في ربيع ربوعه ... ولولاه لم اثن الأعنة عن مصري
منازل ما لاقيت فيها ندامة ... سوى انني قضيت في غيرها عمري
فلم يك كالفردوس غير سميه ... من الخلد لا خلد الخليفة والقصر
وواد حكى الخنساء لا في شجونها ... ولكن له عينان تجري على صخر
كأن به الجو دان بالسحب شامت ... فما انتحبت إلا انثنى باسم الثغر
تعانقت الأغصان فيه فأسبلت ... على الأرض أستاراً من الورق الخضر
إذا ما حبال الشمس منها تخلصت ... إلى الروضة ألقت شراكاً من التبر
تدار به من دير شهلان قهوة ... جلتها لنا أيدي القسوس من الخدر
إذا ما حسوناهم وسار سرورها ... إلى منهى الأفكار من موضع السر
نعد لها نقل افكاهة والحجى ... ونجلو عليها بهجة النظم والنثر
ونحن نوفي العيش باللهو حقه ... ونسرق ساعات اسرور من العمر
وقد عمنا فصل الربيع بفضله ... فبادرنا بالورد في أول القطر
فيا أيها المولى الذي وصف فضله ... يجل عن التعداد والحد والحصر
أبثك بالاشعار فرط تشوقي ... ولا أتعاطى حصر وصفك بالشعر
وأعجب شيء انني مع تيقظي ... إلى مخلص الالفاظ من شرك الهجر
أسوق إلى البحر الخضم جواهري ... وأهدجي إلى ابناء بابل من سحري
стр. 88
فمن فدتك النفس بالعذر منعماً ... علي وشاور حسن رأيك في الأمر
تم الاختيار من شعر الصفي الحلي ويليه الاختيار من شعر الامير محمد بن علي مقرب العيوني.
شعر
ابن مقرب هو الامير محمد بن علي بن مقرب العيوني ﵀ قال يشكو جور زمانه ويتظلم من جور بني عمه عليه واخوانه.
أفي كل دار لي عدو أصاوله ... وخصم على طول الليالي أزاوله
وطاو على البغضاء يصرف نابه ... علي وبالشحناء تغلي مراجله
كأن اباه كان قاتله ابي ... وها أنا أن أوفي بي العمر قاتله
دعوني وارض الله فهي عريضة ... فلن يفلل العزم الذي أنا حامله
سيشهد لي بالسير في كل مهمه ... أواخر ليلي أن أعش وأوائله
سئمت مدارة اللئام وغرني ... صديق أصافيه وخل أواصله
وضقت ذرعاً بابن عم محبب ... الي وان لم تسق أرضي مخائله
فكم ليلة عللت نفسي بذكره ... وسكنت قلبي فأطمأنت بلابله
ولما التقينا كان حظي جفاؤه ... وكان لغيري بره ونوافله
ولم أستشر قلبي على بت حبله ... من اليأس إلا كاد لبي يزايله
حنواً عليه وانتظاراً لعله ... يريع فتعصي في استماعي عواذله
واني مع الغبن الذي يرمض الحشا ... لا حمي وأرمى دونه من يناضله
وأظهر للأقوام اني بقر به ... مليك يرجى بره وفواضله
فإن ذكروه بالندى فقلت ماجد ... وهوب لجل المال حلو شمائله
وعنفي في قصده واصطفائه ... رجال وفي النظم الذي أنا قائله
وقالوا أليس الماء يعرف طعمه ... بأول سجل يرتوي منه ناهله
وانت فقد جربت كل مجرب ... وطاولت مالا كان حي يطاوله
وقلت فأحسنت المقال ولم تدع ... لمبتدع الأشعار معنى يحاوله
وقمت مقاماً لو يقام لغيره ... لقال ارتياحاً أحسن البر عاجله
فدع عنك مولى لا يفيدك قربه ... وذم ابن عم لا يعمك نائله
وهل ينفع النجدي غيم لارضه ... صواعقه العظمى وللغور وابله
فقلت ذروني انه ابن محمد ... وان ساءني اعراضه وتغافله
واني لا وليه حيا من غمامة ... بها يمرع الوادي ويخضر باقله
أقول لرهط من سراة بني ابودمع الآقي قد تداعت حوافله
الام بني الأعمام نغضي على القذى ... ونكثر ليان العلى ونماطله
هل الشر إلى ما ترون وربما ... تداعى فأنسًى آجل الشر عاجله
وهل يحمل العزم الثقيل اخو العلىويضعف عن حمل الظلامة كاهله
وما بعد سلب المال والعز فاعلموا ... مقام وزاد المرء لا بد آكلله
ولا بعد تحكيم العدى في نفوسنا ... واموالنا شيء من اخير نأمله
أطاعت بنا اخواننا كل كاشح ... خبيث الطوايا يشبه الحق باطله
وجاز لديهم قول من قال اننا ... عدو مع الإمكان تخشى غوائله
فأين عقول القوم إذا يقبلونه ... فما يستوي منقوص عقل وكامله
أنحن بنينا العز أم كان غيرنا ... بناه وشر الناس من خاب آمله
وهل كان عبد الله والد معشر ... سوانا فليستضفي وتمشي وسائله
فأقسم ما هذا لخير وإنه ... لأول ما الأمر المقدر فاعله
ومن يستمع في قومه قول كاشح ... أصيبت كما شاء الأعادي مقاتله
وما كل من يبدي المودة ناصحاً ... كما ليس كل البرق يصدق خائله
وقد يظهر المقهور أقصى مودة ... وأوهاقه مبثوثة ومناجله
ومن ل يقابل بالجلالة قومه ... أتاه من الأعداء مالا يقابله
ومن لم يبح زرق الأسنة لحمه ... أبيح حماه واسترقت حلائله
ومن لم يدبر أمره ذ بصيرة ... شفيق بكته عن قريب ثواكله
وكم من جواد ضيع الحزم فالتقت ... عليه عداه بالردى ودخائله
وما المرء إلا عقله ولسانه ... إذا قال لا أبراده وغلائله
فقوموا بعزم واجعلوني مقدماً ... فإني حسام لم ترصع حمائله
وسيروا على طير الفلاح فقد أرى ... رسول الجلى أو في وقامت دلائله
فإني كفيل بالخراب لبلدة ... يراعى بها من كل حي أراذله
ومن ضعف رأي المء إكرام ناهق ... وقد مات هزلاً في الأواخي صاهله
стр. 89
ومن ضيع السيف اتكالاً على العصا ... شكا وقع حد السيف ممن ينازله
وليس يزين الرمح إلا سنانه ... كما لا يزين الكف إلا أنامله
فإن ترفضوا نصحي فما أنا فيكم ... بأول ميمون عصته قبائله
سأمضي على الأيام عزمي وإن ابت ... لأضفر منها بالذي أنا آمله
فإن بقربي من رجالي متوجاً ... تواصل أسباب العلى من يواصله
منيع الحمى لا يذعر القوم سرحه ... ولا يمنع الأعداء شيئاً يحاوله
إليك عماد الدين جواهر ... تناهي فما يؤتى بعقد يشاكله
فقد كنت قد عفت القريض زهادة ... بمستامة إذا يرخص الدر جاهله
وأكبرت نفسي عن مديحي مذمماً ... بكل قبيح خبرتنا شمائله
ولولاك لم أنبس ببيت ولو طمى ... من الشعر بحر يردف الموج ساحله
ولكن لي فيكم هوى وقرابة ... تحركني والرحم يحمد واصله
وإني لأشنا المدح في غير سيد ... أبوه أبي لو زاحم النجم كاهله
فلا زلت كهفاً للعشيرة تلتجي ... إليه إذا ما الدهر عمت زلازله
وقال يمدح الأمير فضل:
رويدك يا هذا المليك الحلاحل ... فما المجد إلا بعض ما أنت فاعل
دع الشعر يشمل الجد حكمة ... وشأنك والدنيا فأنت المقابل
فقد جزت مقدار الشجاعة والندى ... وتربك في لعب الصبا متشاغل
وأدركت ما فوق الكمال ولم يقل ... لمثلك في ذا السن إنك كاهل
أخذت بأعضاد العشيرة بعدما ... هوت وعلت فوق الرؤوس الأسافل
وانقذتها من بعدما لعبت بها ... يد الدهر وأستولت عليها الأراذل
فأنت لناشيها أخ ولطفلها ... أب راحم وابن لذي الشيب واصل
على أنك المولى الذي يقتدى به ... ولكن طبعاً تقتضيه الشمائل
أطاعت لك الأيام كرها وسلمت ... إليك مقاليد الأمور القبائل
فقد أذعنت للخوف منك وأهطعت ... إلى قول مأمول تلقاه آمل
فقل لليالي كيف تجري حروفها ... فما الفضل شيء غيرما أنت فاعل
زهت بك آفاق البلاد وأخصبت ... رباها وطابت في ذراك المأكل
ونامت عيون ربما عافت الكرى ... بلا رمد فيها وقرت بلابل
تركت الغواة العثر فوضى وطالما ... غدت ولها من قبل فينا محافل
وأوليها منك الهوان فأصبحت ... وكل غوي خاشع متضائل
ولم يبق من حزب الضلال ابن غية ... على الأرض إلا وهو خزيان خامل
رفعت عماد الدين من بعدما وهي ... ورث وأضحى ركنه وهو مائل
وأحييت روح المجد من بعدما قضى ... ورد عليه الترب حاث وهائل
وقمت بأحكام الشريعة فاستوت ... لديك ذوو الأجيال طي ووائل
وأوهيت كيد الفاسقين فأصبحوا ... وناصرهم من جملة الناس خاذل
وداويت قرحاً كان في كبد العلى ... تبطنه داء من الغل قاتل
لعمري لنعم المرء أنت التقيت ... صدور المواضي والخفاف الذوابل
ونعم المراعي للنزيل إذا غدى ... أكيلا وأفنى ماه من ينازل
ونعم صريخ المستجاش إذا ارتوت ... لدى الروع من هام الكماة الصقائل
ونعم المرجى في السنين إذا ستوت ... من الضر أبناء السرا والأرامل
ونعم لسان القوم مهما تأخرت ... عن القول سادات الرجال المقاول
ونعم مناخ الركب أهدى له السرى ... سنى النار في الظلماء والعام ما حل
فياسائلي عن جود فضل ولم يزل ... بغيضاً إلي العالم المتجاهل
سل القوم عنه يوم جاءت وأقبلت ... تخب المذاكي تحته وتناقل
أغارت على درب الجنائد غارة ... يطير الحصى من وقعها والجادل
وطاردت الفتيان فيها وأظهرت ... كناها وكل عارف من يحاول
فولت حماة القوم خيلا ولم تزل ... بنو الحرب في يوم اللقاء تحايل
فراحت عليها الخيل وانبعثت لها ... جحافل جمع تقتفيها جحافل
فحاضت حذار القتل والأسر خيله ... وسمر القنا فيهن صاد وناهل
فأوردهم صدر الحصان كأنما ... له الموت جند بالمعادين كافل
وعاجل طعناً سيد القوم فاغتدوا ... وقد عاف كل منهم ما يحاول
يهاود التوالي وقد غدت ... إذا ثار منها مستهل وجائل
стр. 90
وقد قلقت مني الحشا وتتابعت ... ظواهر أنفاس وأخرى دواخل
أيا نفس صبراً للبلايا فربما ... أتى فرج للمرء والمرء غافل
فكم ضاق أمر وافي اتساعه ... ولا عاجل إلا ويتلوه آجل
وقد يأمن النقص السهى لاحتقاره ... ويخشى الخوف البدر والبدر كامل
وما بين موتور لا بين واتر ... لفصل القضا إلا ليال قلائل
وليس عجيباً أن يحقر عالم ... لدى ضده أو أن يوقر جاهل
فقد ربما للجد يكرم ناهق ... فيخلى له المراعي ويحرم صاهل
وقد يلبس الديباج قرد ولعبة ... وتؤتى لأعناق الأسود السلاسل
وما الدهر إلا فرحة ثم ترحة ... تناوبها الأيام والكل زائل
فقري حياء واطمئني جلادة ... فأي كريم سالمته الغوائل؟
فما أنا بالغل الجزرع إذا عرا ... من الدهر خطب أو تعرض نازل
وما كان حلمي للأذى عن ضراعة ... ولكن لأمر كان مني النشافل
وإلا فعندي للسرى أرحبية ... وعزم يفل السيف والسيف فاصل
وفي على عض الليالي بقية ... وإن قطعت من راحتي الأنامل
ولي عن ديار الذل منأى ومرحل ... وذا الناس في الدنيا غريب وىهل
ولست غريباً أين كنت وغنما ... معاني غرب في الورى لا المنازل
ولولا رجائي في الأمير لقلصت ... برحلي عن داري القلاص العباهل
ولكن إذا ما النفس جاشت وعدتها ... بما وعدتني فيه تلك المخايل
فاحبس منها الجأش حتى كأنني ... بها فوق أعلام المجرة نازل
وحق لمثلي أن يؤمل مثله ... وفي الناس مأمول يرجى وآمل
وإن عليا جده عمي الذي ... يطول به فخري على من يطاول
وصار جدي عمه وكلاهما ... خليصان والعم المهذب ناحل
وقد يأمن النقص السهى لاحتقاره ... ويخشى الخوف البدر والبدر كامل
وما بين موتور ولا بين واتر ... لفصل القضا إلا ليال قلائل
وليس عجبياً أن يحقر عالم ... لدى ضده أو أن يوقر جاهل
فقد ربما للجد يكرم ناهق ... فيخلى له المراعي ويحرم صاهل
وقد يلبس الديباج قرد ولعبة ... وتؤتى لأعناق الأسود السلاسل
وما الدهر إلا فرحة ثم ترحة ... تناوبها الأيام والكل زائل
فقري حياة واطمئني جلادة ... فأي كريم سالمته الغوائل.؟
فما أنا بالغل الجزوع إذا عرا ... من الدهر خطب أو تعرض نازل
وما كان حلمي للأذى عن ضراعة ... ولكن لأمر كان مني التشافل
وإلا فعندي للسرى أرحبية ... وعزم يفل السيف والسيف فاصل
وفي على عض الليالي بقية ... وإن قطعت من راحتي الأنامل
ولي عن ديار الذل منأى ومراحل ... وذا الناس في الدنيا غريب وآهل
ولست غريباً أين كنت وإنما ... مماني غرب في الورى لا المنازل
ولولا رجائي في الأمير لقلصت ... برحلي عن داري القلاص العباهل
ولكن إذا ما النفس جاشت وعدتها ... بما وعدتني فيه تلك المخايل
فاحبس منها الجأش حتى كأنني ... بها فوق أعلام المجرة نازل
وحق لمثلي أن يؤمل مثله ... وفي الناس مامول يرجى وأمل
وإن عليا جده عمي الذي ... يطول به فخري على من يطاول
وصار جدي عمه وكلاهما ... خليصان والعم المهذب ناحل
ويجمعنا في الأمهات ابن يوسف ... علي ونعمان الأغر الحلاحل
وفي دون هذا عنه فضل وسيلة ... إذا انقطعت عما سواه الوسائل
وعندي له المدح الذي ما اهتدى له ... جرير ولا تلك الفحول الأوائل
أقر بفضل الفضل باد وحاضر ... وساق إليه الشكر حاف وناعل
وأضحى سرير الملك يختال فرحة ... به وتجلت عنه تلك القساطل
فيا نحس سر بعداً وسحقاً ولا تجز ... بداري مدى الأيام أمك هابل
فقد حال فضل دون ما أنت طالب ... لدي وذو الإحسان والجود فاضل
وأصبح دوني راجح وكأنه ... أخو غابة صعب العريكة باسل
ملوك هم الشم الرواسي رزانة ... إذا ما استخف الحلم حق وباطل
وإن نهضوا يوماً لحرب رأيتهم ... كأنهم فوق الجياد الأجادل
نماهم إلى العلياء أشرف والد ... تقوم له بالمكرمات الدلائل
стр. 91
أبو القاسم ملك الذي عرفت له ... حداد المواضي والعتاق الصواهل
همام له حزم وعزم ومحتد ... كريم وبأس لا يطاق ونائل
وعدل تساوى فيه سام ويافث ... وحام ومبدي صرمه والمواصل
ولا برحت تسطو ربيعة في العدى ... بمثلهم ما طبق الأرض وابل
وما ناح قمري الحمام وما دعا ... أخو فاقه واستجلب الحمد بازل
وعاشوا جميعاً في نعيم وغبطة ... وحاسدهم في غمة لا يزايل
وقال يمدح جمال الدين محمد صاحب الموصل وقد وفد إليه:
بنانك من مغدودق المزن أهطل ... وحلمك من رضوى وثبلان اثقل
ودارك دار الأمن من كل حادث ... ومنزلك المعمور للمجد منزل
إذا عد أرباب النباهة والعلى ... فأنت على رغم المعادين أول
تجاوزت مقدار الكمال فما نرى ... على كاملاً إلا وعلياك اكمل
وحزت خلال الفضل من كل وجهة ... فما فاضل إلا وعلياك أفضل
أقول ولي قلب شجاع تضمه ... جوانح يعلو الشق فيها ويسفل
ولي أنة تشجي القلوب وزفرة ... تكاد بأدناها ضلوعي تزيل
وقد كدت أن أبدي الحنين تبرماً ... من الغبن إلا أنني أتجمل
لحى الله دهراً الجأتني صروفه ... إلى حيث يلغى حق مثلي ويهمل
وعاقب قومي الغر شر عقوبة ... وخصص من ينمي علي وعبدل
فلولاهم والله يعلم ذالكم ... لما فاه لي بالمدح في الناس مقول
ولا حط بالفيحاء رحلي ولا رأت ... قرى شاطئ الزوراء شخصي وواربل
وقد كان لي في إرث جدي ووالدي ... غنى فيه المرتجي الغنى متمول
ولا استقبلت جاهي رجاله جهالة ... وجاهل قدري بالمحامد أجهل
فان يك ما أبغي ثقيلاً عليهم ... فحمل الكريم الحر للمن أثقل
فقد كان لي لولا رجاء محمد ... عن الموصل الحدبا منأى ومرحل
ولم آتها إلا على اسم رجائه ... وللخطب يرجى ذو الندى ويؤمل
ويأبى له البيت الرفيع عماده ... رجوعي بحال وصفها ليس يحمل
وكيف وعندي أنه ذو بصيرة ... إذا حارت الألباب والجد مقبل
خليلي ما كل الرجال ولو علوا ... كمال ولا كل الأقاليم موصل
هو الماجد السامي الذي لا جنابه ... بوعر ولا باب الندى منه مقفل
همام إذا استقيت مزن بنانه ... سقاك حياً من فيضه البحر يخجل
جواد إذا ما الخور عافت فصالها ... ولم يبق في البزل القراميس محمل
ضحوك إذا ما العام قطب وجهه ... عبوساً وابدي نابه وهو أعصل
على أنه البكاء في حندس الدجى ... خشوعاً ويحي ليلة وهو أليل
يقر له بالجود كعب وحاتم ... ويقضي له بالمجد زيد ودغفل
سما لذرى العلياء من قبل وائل ... وكل فتى من وائل فهو موثل
بأبائه عزت نزار وأصبحت ... تقول بعزم ما تشاء وتفعل
ملوك هم أودوا عبيد وغادرت ... صدور قناهم تبعاً يتمايل
وهم تركوا يوم الكلاب على الثرى ... شر ما يدق الهام والبيض مزعل
وآخرهم ما مثله اليوم آخر ... وأولهم ما مثله اليوم أول
وإن كمال الدين لا زال كاملا ... لأشرف أن يسمو بجد وينبل
هو الطود حلاً والمهند عزمة ... هو البحر جوداً بل عطاياه أجزل
له هيبة ملء الصدور ورهبة ... على أنه للناسك المتبتل
تولى فأولى الناس خيراً وأصبحت ... صوادي المنى من جوده وهي نهل
ولاقى البرايا خافضاً من جناحه ... وفي برده ليث كمين ومشبل
تراه فتلقى منه في السا واحداً ... ولكنه عند الملمات جحفل
صؤول ولا خيل قؤول ولاخفا ... سؤول بحال الجار والضيف فيصل
فيها أيها الساعي ليدرك شأوه ... رويدك لا يغررك سعي مضلل
عرفت بني هذا الزمان فلم أجد ... سواه إذا حمل الثقل يحمل
فكم صاحب صلحبته لا مؤمل ... ندى من يديه غير أني المؤمل
وأجهدت نفسي في الثناء كأنني ... لمجد به من كل باب موكل
إذا صدئت منه المعالي جلوتها ... بعارفة مني وللمجد صقيل
فلما رماني الدهر من قوس نازع ... وللدهر حالات تجور وتعدل
رمى مقلتي فيمن رمى وهو عالم ... بأن سوى من كاده الدهر مقبل
стр. 92
فاصبحت الحسنى تعد إساءة ... علي ويستصفى عدوي وأعذل
وتكثر عندي لا لقدر ذنوبه ... وأمشي إلى أبوابه أتنصل
وما ذاك عجزاً عن مكافاة خائن ... ولكن حلماً عن ذوي الجهل أفضل
فلا يبعدن الله شخص محمد ... فليس على خلق سواه معواً
ولا كان هذا آخر العهد إنني ... إلى الله في أن نلتقي أتوسل
فيا شقوتا من عظم خوف مبرح ... إليه باثناء الحشا يتغلغل
إليك كمال الدين عقد جواهر ... أضن بها عمن سواك وأبخل
ويقصر عن ترضيعها في عقودها ... أخو دارم والأعشيان وجرول
أبا الكرم المدعو للخطب إنني ... دعوتك والمدعو لا يتأول
فعز كريماً لم يكن في حسابه ... يزور لأبواب السلاطين يسأل
ولا خال أن الدهر يسعى لكيده ... فيلقى عليه منه نحر وكلكل
تم الأختيار من شعر علي بن مقرب العيوني ويليه بعض القصائد المحتوية على جمل من الحكم والمواعظ والأدب:
شعر
صلاح الدين الصفدي لقد عن لي أن أذكر بعض القصائد المحتوية على جمل من الحكم والمواعظ فمنها لامية صلاح الدين الصفدي وهي قوله:
الجد في الجد الحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
واصبر على كل ما يأتي الزمان به ... صبر الحسام بكف الدارع البطل
وجانب الحرص والأطماع تحظ بما ... ترجو من العز والتأييد في عجل
ولا تكونن على ما فات ذا حزن ... ولا تظل بما أوتيت ذا جذل
واستشعر الحل في كل الأمور ولا ... تسرع ببادرة يوماً إلى رجل
وإن بليت بخصم لا خلاق له ... فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
ولا تمار سفيها في محاورة ... ولا حليماً لكي تنجو من الزلل
ولا يغرنك من يبدي بشاشته ... إليك خدعاً فان السم في العسل
وإن أردت نجاحاً أو بلوغ منى ... فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
أن الفتى من؟ الجزم منتصف ... وما تعود نقص القول والعمل
ولا يقيم بأرض طاب مسكنها ... حتى يقد أديم السهل والجبل
ولا يضيع ساعات الزمان فلن ... يعود ما فات من ايامه الأول
ولا يراقب إلا من يراقبه ... ولا يصاحب إلا كل ذي نبل
ولا يعد عيوباً في الورى أبداً ... بل يعتني بالذي فيه من الخلل
ولا يظن بهم سوءاً ولا حسناً ... بل التجارب تهديه علي مهل
ولا يؤمل آمالاً بصبح غد ... إلا على وجل من وثبة الأجل
ولا يصد عن التقوى بصيرته ... لأنها للمعالي أوضح السبل
فمن تكن حلل التقوى ملابسه ... لم يخشى في دهره يوماً من العطل
من لم يصن عرضه مما يدنسه ... عار وإن كان مغموراً من الحلل
من لم تفده صروف الدهر تجربة ... فيما يحاول فليرعى مع الهمل
من سالمته الليالي فليثق عجلاً ... منها بحرب عدو جاء بالحيل
من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته ... ومن رمي بسهام العجب لم ينل
من جاد ساد وأحيا العالمون له ... بديع حمد بمدح الفعل متصل
من رام نيل العلى بالمال يجمعه ... من غير جود بلى من جهله وبلي
من يصن نفسه ساءت خليقته ... بكل طبع لئيم غير منتقل
من لم جالس الفاغة النوكي جنسى ندما ... لنفسه ورمي بالحادث الجلل
فخذ مقال خبير قد حوى حكماً ... إذ صغتها بعد طول الخبر في عملي
شعر
صالح بن عبد القدوس ومنها قصيدة صالح بن عبد القدوس وهي قوله:
صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تصرم وتقلب
وكذاك وصل الغانيات فإنه ... آل ببلقعة وبرق خلب
فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... واحهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فإين منه المهرب
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك وأبكها يا مذنب
وأخشى مناقشة الحساب فإنه ... لا بد يحصى ما جنيت ويحسب
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيه تعد تحسب
لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل اثبتاه وانت لاه تلعب
والروح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب
стр. 93
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب
وجميع ما حصلته وجمعته ... حقاً يقيناً بعد موتك ينهب
تباً لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عما قليل يخرب
فاسمع هديت نصائحاً أولاً كها ... بر نصوح للأنام مجرب
لا تأمن الدهر الخؤون فإنه ... ما زال قدماً للرجال يهذب
وكذلك الأيام في غصاتها ... مضض يذل له العزيز الأنجب
ويفوز بالمال الحقير مكانة ... فتراه يرجى ما لديه ويرغب
ويسير بالترحاب عند قدومه ... ويقام عند سلامة ويقرب
فاقنع ففي بعض القناعة راحة ... فلقد كسى ثوب المذلة أشعب
لا تحرصن فالحرص ليس بزائد ... في الرزق بل يشقى الحريص ويتعب
كم عاجز في الناس يؤتى رزقه ... رغداً ويحرم كيس ويخيب
فعليك تقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب
وأعمل بطاعته تنل منه الرضى ... إن المطيع لربه لمقرب
أد الأمانة والخيانة فاجتنب ... وأعدل ولا تظلم يطب المكسب
وأحذر من المظلوم سهماً صائباً ... وأعلم بأن دعاءه لا يحجب
وأخفض جناحك للأقارب كلهم ... بتذلل وأسمح لهم إن أذنبوا
وإذا بليت بنكبة فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلماً لا ينكب؟
وإذا أصابك في زمانك شدة ... واصابك الخطب الكريه الأصعب
فادع لربك إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الريد وأقرب
وأحذر مؤاخاةت الدني فإنها ... تعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
وأختر صديقك واصطفيه تفاخراً ... إن القرين إلى المقارن ينسب
ودع الكذوب ولا يكن لك صاحباً ... إن الكذوب لبئس خلا يصحب
وذر الحقود ولو صفا لك مرة ... وأبعده من رؤياك لا يستجلب
إن الحقود وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب
واحذر لسانك وأحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد يخطب؟
والسرفا كتمة ولا تنطق به ... فهو الأسير لديك إذا لا ينشب
وأحرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يصعب
إن القلوب إذا تنافر ودها ... شبه الزجاجة كسرها لا يشعب
وأحذر عدوك إذا تراه باسماً ... فالليث يبدو نابه إذ يغضب
وإذا الصديق رأيته متملقاً ... فهو العدو وحقه يتجنب
لا خير في ود أمرئ متملق ... حلو اللسان وقلبه يتلهب
يعطيك من طرف اللاسن حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
يلقاك يحلف إنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المذهب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب
خذها إليك نصيحة منظومة ... جاءت كنظم الدر بل هي أعجب
حكم وآداب وجل مواعظ ... أمثالها لذوي البصائر تكتب
قصيدة
أبي الفتح البستي قال رحمه الله تعالى:
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له ... فإنى معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً ... بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصاً على الأموال يجمعها ... أنسيت أن سرور الملك أحزان
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأرع سمعك أمثالاً أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استبعد الإنسان إحسان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وكن على الدهر معواناً لذي أمل ... يرجو نداك فإن الحر معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركن إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان
من كان للخير مناعاً فليس له ... على الحقيقة إخوان وأخدان
стр. 94
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
من مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى على الحق يوماً وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة والحصد الزرع أبان
من استنام إلى الأشرار قام وفي ... قميصه منهم صل وثعبان
كن ريق البشر إن الحر زينته ... صحيفة وعليها البشر عنوان
ورافق الرفق في كل الأمور فلم ... يندم رفيق ولم يذممه إنسان
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ... فلن يدوم على الإحسان إمكان
فالروض يزدان بالنور فاحمه ... والحر بالحلم والإحسان يزدان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان
لا ظل للمرء أحرى من تقى ونهى ... وإن أظلته أوراق وأغصان
والناس أعوان من والته دولته ... وهم عليه إذا عادته أعوان
سبحان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان
لا تودع السر وشاء به مذلاً ... فما رعى غنماً في الدو سرحان
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم ... غراء لست تحصيها وألوان
ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان
لا تخدشن بمطل وجه عارفة ... فالبر استوى فيه إسرار وإعلان
فللتابير فرسان بها ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان
كفى من العيش ما قد سد من عوز ... ففيه للحر غنيان وقنيان
وذو القناعة راض عن معيشته ... وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان
حسب الفتى عقله خلا يعاشره ... إذا تحاماه إخوان وخلان
هما رضيعا لبان حكمة وتقى ... وساكناً وطن مال وطغيان
إذا نبا بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده ... إن كنت ما بينها لا شك ظمآن
لا تحسبن سروراً دائماً أبداً ... من سره زمن ساءته أزمان
يا رافلاً في الشباب الوحف منتشياً ... من كأسه هل أصاب الرشد نشوان؟
لا تغترر بشباب رائق خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشبيبة تبلي عذر صاحبها ... ما عذر أشيب يستهويه شيطان
وكل كسر فإن الدين يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران
خذها سوائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ما ضر حسانها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان
ومنها لامية الشيخ اسماعيل بن أبي بكر المقري الزبيدي وهي قوله:
زيادة القول تحكي النقص في العم ... ومنطق المرء قد يهديه للزلل
إن اللسان صغير جرمه وله ... جرم كبير كما قد قيل في المثل
فكم ندمت على ما كنت قلت به ... وما ندمت على ما لم أكن أقل
وأضيق الأمر لم يجد معه ... فتى يعينك أو يهديك للسبل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة ... كعفة الخود لا تغني عن الرجل
إن المشاور إما صائب غرضنا ... أو مخطئ غير منسوب إلى الخطل
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به ... فالنحل وهو ذباب طائر العسل
ولا يغرنك ود من أخي أمل ... حتى تجربه في غيبة الأمل
إذا العدو أحاجته الأخا علل ... عادت عدواته عند انقضاء العلل
لا تجز عن لخطب ما به حيل ... تغني وإلا فلا تعجز عن الحيل
لا شيء أولى بصبر المرء في قدر ... لا بد منه وخب غير منتقل
لا تخبرن على ما فات حيث مضى ... ولا على فوت أمر حيث لم تنل
فليس تغني الفتى في الأمر عدته ... إذا تقضت عليه مدة الأجل
وقدر شكر الفتى لله نعمته ... كقدر صبر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت به ... ذهاب حرية أو مرتضي عمل
стр. 95
لا تفرحن بسقطات الرجال ولا ... تهزأ بغيرك وأحذر صولة الدول
لا تأمن الدهر أن يعلى العدو ولا ... تستأمن الدهر أن يلقيك في السفل
أحق شيء برد ما تخافله ... شهادة العقل فاحكم صنعة الجدل
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه ... فاطلب لنفسك ما تعلو به وسل
اطلب تنل لذة الإدراك ملتمساً ... أوراحة اليأس لا تركن إلى الوكل
فكل داء دواه ممكن أبداً ... إلا إذا أمتزج الإقتار بالكسل
والمال صنه وورثه العدو ولا ... تحتاج حياً إلى الأخوان في الأكل
وخير مال الفتى مال يصون به ... عرضاً وينفقه في صالح العمل
وأفضل البر ما لا من يتبعه ... ولا تقدمه شيء من المطل
وإنما الجود بذل لم تكاف به ... صنعاً ولم تنتظر فيه جزاً رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرت ... وغن كفرن فأغلال لمنتحل
ذو اللؤم يحصر مهما جئت تسأله ... شيئاً ويحصر نطق الحران يسل
وإن فوت الذي تهوى لأهون من ... إدراكه بلئيم غير محتفل
وإن عندي الخطا في الجود أحسن من ... إصابة حصلت بالمنع والبخل
خير من الخير مسديه إليك كما ... شر من الشر أهل الشر والدخل
ظواهر العتب للإخوان أحسن من ... بواطن الحقد في التسديد للخلل
داو الجهول وسامحه تكده ولا ... تصحب سوى السمح وأحذر سقطة العجل
لا تشرين نقيع السم متكلاً ... على عقاقير قد جربن بالعمل
وألق الأحبة والإخوان إن قطعوا ... حبل الوداد بحبل منك متصل
وأعجز الناس من قد ضاع من يده ... صديق ود فردده يلم بالحيل
استصف خلك واستخلصه أحسن من ... تبديل خل وكيف الأمن بالبدل
وأحمل ثلاث خصال من مطالبه ... تحفظه فيها ودع ما شئته وقل
ظلم الدلال وظلم الغيظ فاعفهما ... وظلم هفوته فاقسط ولا تمل
وكن مع الخلق ما كانوا لخلقهم ... وأحذر معاشرة الأوغاد والسفل
وأخش الأذى عند إكرام اللئيم كما ... تخشى الأذى إن أهنت الحر في حفل
والغدر في الناس طبع لا تثق بهم ... وإن أبيت فخذ في الأمن والوجل
من يقظة بالفتى إظهار غلفته ... مع التحرز من غدر ومن ختل
سل التجارب وأنظر في مراءتها ... فاللعواقب فيها أشرف المثل
وخير ما جربته النفس ما اتعظت ... عن الوقوع به في العجز والوكل
فأصبر لواحدة تأمن توابعها ... فربما ضقت ذرعاً منه في النزل
وللأمور وللأعمال عاقبة ... فأخشن الجزا بغتة وأحذره عن مهل
ذو العقل ينرك ما يهوى لخشيته ... من العلاج بمكروه من الخلل
من المروءة ترك المرء شهوته ... فأنظر لأيهما آثرت فأحتمل
أستحي من ذم من إن يدن توسعه ... مدحاً ومن مدح من إن غاب ترتذل
شر الورى بمساوي الناس مشتغل ... مثل الذباب يراعي موضع العلل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً ... لقالت الناس هذا غير معتدل
لا يظلم الحر إلا من يطاوله ... ويظلم النذل أدنى منه في الصول
يا ظالماً جار فيمن لا نصير له ... إلا المهيمن لا تغتر بالمهل
غدا تموت ويتقضي الله بينكما ... بحكمة الحق لا زيغ ولا ميل
وإن أولى الورى بالعفو أقدرهم ... على العقوبة أن يظفر بذي زلل
حلم الفتى عن سفيه القوم يكثر من ... أنصاره ويوقيه من الغيل
والحلم طبع فما كسب يجود به ... لقوله (خلق الإنسان من عجل)
ومنها لامية الشيخ أبي اسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغراني المشهورة بلامية العجم وهي قوله:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد ... كالسيف عري متناه من الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حن راحلتي ... ورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوي وعج لما ... يلقى ركابي ولج الركب في عذلي
стр. 96
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل ... بمثله غير هياب ولا وكل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته ... والليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على الأكوار من طرب ... صاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلى لتنصرني ... وأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غبي هممت به ... والغي يزجر أحياناً عن الفشل
إني أريد طروق الحي من إضم ... وقد حماه رماة م بني ثعل
يحمون بالبيض والسمر اللدان به ... سود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في ذمام الليل معتسفاً ... فنفخة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحب حيث العدى والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل
نؤم ناشئة بالجزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرام أئم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهم على كبد ... حرى ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بها ... وينحرون كرام الخيل والإبل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم ... بنهلة من غدير الخمر والعسل
لعل المامة بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في علل
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
ولا أخل بغزلان أغازلها ... ولو دهتنني أسود الغيل بالغيل
جب السلامة يثني هم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فأتخذ نفقاً ... في الأرض أو سلماً في الجو فاعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركوبها وأقتنع منهن بالبلل
رضى الذليل بخفض العيش مسكنه ... والعز عند رسيم الأنيق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد جافلة ... ممارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً ... والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أراقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالي بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي إذا أمشي على مهلي
هذا جزاء لامرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دنوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
أعدى عدوك أدنى من ثقت به ... فحاذر الناس وأصحبهم على دخل
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شراً وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وشأن صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجح شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
يا وارداً سؤر عيش كله كدر ... أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيراً على الأسرار مطلعاً ... أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
стр. 97
قد رشحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك إن ترعى مع الهمل
ومنها لامية للشيخ العلامة الأديب عمر بن الوردي ﵀ وهي قوله:
أعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكرى لأيام الصبا ... فلأيام الصبا نجم أفل
إن أهنى عيشة قضيتها ... ذهبت لذتها والإثم حل
وأترك الغادة لا تحفل بها ... تمس في عز وترفع وتجل
وإله عن آلة لهو أطربت ... وعن الأمرد مرتج الكفل
وأفتكر في منتهى حسن الذي ... أنت تهواد تجد أمراً جلل
وأهجر الخمرة إن كنت نتى ... كيف يسعى في جنون من عقلي
وأتق الله فتقوى الله ما ... باشرت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً ... إنا من يتقي الله البطل
صدق الشرع ولا تركن إلى ... رجل يرصد في الليل زحل
حارت الأفكار في حكمة من ... قد هدانا سلبنا
كتب الموت على الخلق فكم ... فل من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وكنعان ومن ... ملك الأرض وولى وعزل
أين من سادوا وشادوا وبنوا ... هلك الكل فلم تغن القلل
أين عاد فرعون ومن ... رفع الأهرام من يسمع يخل
أين أرباب الحجى أهل التقى ... أين أهل العلم والقوم الأول
سيعيد الله كلاً منهم ... وسيجزي فاعلاً ما قد فعل
يا بني اسمع وصايا جمعت ... حكماً خصصت بها خير الملل
أطلب العلم ولا تكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل
وأحتفل للفقه في الدين ولا ... تشتغل عنه بمال وخول
وأهجر النوم وحصله فمن ... يعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابه ... كل من سار على الدرب وصل
في ازدياد العل إرغام العدى ... وجمال العلم إصلاح العمل
جمل المنطق بالنحو فمن ... حرم الأعراب بالنطق اختبل
أنظم الشعر ولازم مذهبي ... في أطراح الرفد لا تبغ النحل
فهو عنوان على الفضل وما ... أحسن الشعر إذا لم يبتذل
مات أهل الجود لم يبق سوى ... مقرف أو من على الأصل أتكل
أنا لا أختار تقبل يد ... قطعها أجمل من تلك القبل
إن جزتني عن مديحي صرت في ... رقها أو لا فيكفيني الخجل
أعذب الألفاظ قولي لك خذ ... وأمر اللفظ نطقي بلعل
ملك كسرى عنه تغني كسرة ... وعن البحر اكتفاه بالوشل
اعتبر (نحن قسمناه بينهم) ... تلقه حقاً وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمه ... لا ولا ما فات يوماً بالكسل
قاطع الدنيا فمن عاداتها ... تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها ... عيشة الزاهد فيها أو أقل
كم جهل وهو مثر مكثر ... وعليم مات منها بالعلل
كم شجاع لم ينل منها المنى ... وجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها وأتئد ... إنما الحيلة في ترك الحيل
أي كف لم تنل منها المنى ... فرماها الله منه بالشلل
لا تقل أصلي وفصلي أبداً ... إنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أب ... وبحسن السبك قد يفني الزغل
وكذا الورد من الشوك فما ... يطلع النرجس إلا من بصل
غير أني أحمد الله على ... نسبي إذ بأبي بكر أتصل
قيمة الإنسان ما يحسنه ... أكثر الإنسان منه أو أقل
أكتم الأمرين فقراً وغنى ... وأكسب الفلس وحاسب من بطل
وأدرع جداً وكداً وأجتنب ... صحبة الحمقى وأرباب الدول
بين تبذير وبخل رتبة ... وكلا هذي إن زاد قتل
لا تخض في حق سادات مضوا ... إنهم ليسوا بأهل للزلل
وتغافل عن أمور أنه ... لم يفز بالحمد إلا من غفل
ليس يخلو لا المرء من ضد وإن ... حاول العزلة في رأس جبل
أبعد النمام وأهجره فما ... بلغ المكروه إلا من نقل
دار جار الدار إن جار وإن ... لم تجد صبراً فما أحلى النقل
جانب السلطان وأحذر بطشه ... لا تخاصم من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوا ... رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل
стр. 98
فهو كالمحبوس عن لذاته ... وكلا كفيه في الحشر تغل
لان للنقص والاستثقال في ... لفظة القاضي لوعظ أو مثل
لا توازي لذة الحكم بما ... ذاقه الشخص إذا الشخص أنعزل
فالولايات وإن طابت لمن ... ذاقها فالسم في ذاك العسل
نصب المنصب أوهى جلدي ... وعنائي من مداراة السفل
قصر الآمال في الدنيا تفز ... فدليل العال تقصير الأمل
إن من يطلبه الموت على ... غرة منه جدير بالوجل
غب وزر غباً تزد حباً فمن ... أكثر الترداد أضناه الملل
خذ بنصل السيف وأترك غمده ... وأعتبر فضل الفتى دون الحلل
لا يضر الفضل إقلال كما ... لا يضر الشمس إطباق الطفل
حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغتراب تلق عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقي آسناً ... وسرى البدر به البدر أكتمل
أيها العائب قولي عبثاً ... إن طيب الورد مؤذ للجعل
عد عن أسهم قولي واستتر ... لا يصيبنك سهم من ثعل
لا يعزنك لين من فتى ... إن للحيات ليناً يعتزل
أنا مثل الماء سهل سائغ ... ومتى أسخن آذى وقتل
أنا كالخيزور صعب كسره ... هو لدن كيف ما شئت انفتل
غير أني في زمان من يكن ... فيه ذا مال هو المولى الأجل
وأجب عند الورى إكرامه ... وقليل الماء فيهم يستقل
كل أهل العصر غمر وأنا ... منهم فاترك تفاصيل الجمل
وصلاة الله ربي كلما ... طلع الشمس نهاراً وأفل
للذي حاز العلى من هاشم ... أحمد المختار من ساد الأول
وعلى آل وصحب سادة ... ليس فيهم عاجز إلا بطل
ومن شعر الشيخ صلاح الدين الصفدي كتبها إلى الشيخ جمال الدين ابن نباتة يعاتبه وقد ضمنها من معلقة امرئ القيس فأحسن وهو قوله:
أفي كل عام منك عتب يسوؤني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
وترمي على طول المدى متجنباً ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
فأمسي بليل طال جنح ظلامه ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
وأغدوا كأن القلب من وقدة الجوى ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
تطير شظاياه بقلبي كأنها ... بأرجائه القصوى أنا بيش عنصل
وسالت دموعي من همومي ولوعتي ... على النحر حتى بل دمعي محملي
إذا عاين الإخوان ما بي من الأسى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ترفق ولا تجزع على فائت الوفا ... فما عند رسم دارس من معول
ولي فيك ود طال ما قد شددته ... بأمراس كتان إلى صم جندل
ولي خطرات فيك منها جوانحي ... صبحن سلافاً من رحيق مفلفل
كأن أمانيها كؤوس مدامة ... غذاها نمير الماء غير محلل
سلوت غوايات الشبيبة والصبا ... وليس فؤادي عن هواها بمنسل
واجلو محيا الود فيك لأهله ... متى ما ترق العين فيه تسهل
فكر على جيش الجناية عائداً ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
تجد خفرات الأنس فيه كواعباً ... ترائبها مصقولة كالسنجنجل
وخل الجفا وأرجع إلى معهد الوفا ... وغن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل
حلاودك الماضي وغن لم تعد أعد ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
فأجابه الشيخ ابن نباتة وأحسن بقوله:
فطمت ولائي ثم أقبلت عاتباً ... أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
بروحي ألفاظ تعرض عتبها ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
فأحيين وداً كان كالرسم عافياً ... بسقط اللوى بين الدخول فحو مل
تعفي رياح العذر منك رقومه ... لما نسجتها من جنوب وشمال
نعم قوضت منك المودة وانقضت ... فيا عجباً من رحلها المتحمل
فديتك لا تسلك من الظلم والجفا ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
ولا تنس مني صحبة تصدع الدجى ... بصبح وما الإصباح منها بأمثل
صحبتك لا ألوي على صاحب عطا ... يجيد معهم في العشيرة مخول
وحاولت من إداء ودك ما نأى ... أنزلت منه العصم من كل منزل
يقلب لي وجدي به سوط سائق ... وإرخاء سرحان تقريب تتفل
وكم خدمة عجلتها ومحبة ... تمتعت من لهوبها غير معجل
وكم أسطر مني ومنك كأنها ... عذارى دوار في ملاء مذيل
стр. 99
وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدت ... علي وىلت حلفة لم تحلل
إلى أن تبدي عذره متمطياً ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فلا طفته في حالتيه ولم أقل ... فسل ثيابي من ثيابك تنسل
وضن بأسطار كأن يراعها ... أساريع ظبي أو مساويك أسحل
يقرع سمعي من معاريض نظمه ... مداك عروس أو صلاية حنظل
وعدنا لود يملأ القلب عوده ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
أعدت صلاح الدين عهد مودة ... بشحم كهداب الدمقس المفتل
فدونك عتبى اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصحته ولا بمعطل
وعادات حب هن أشهر فيك من ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ومن المنسوب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يوصي أبنه الحسين ﵄:
قدم لنفسك في الحياة تزوداً ... فلقد تقارقهما وانت مودع
وأجعل تزودك المخافة والتقى ... فلعل حتفك في مسائك أسرع
وأهتم للسفر البعيد فغنه ... أنأى من السفر القريب وأشنع
وأقنع بقوتك فالقنوع هو الغنى ... والفقر مقرون بمن لا يقنع
وأحذر مصاحبة اللئام وغن هم ... منحوك صفو ودادهم وتصنعوا
أهل المودة ما أنلتهم الرضى ... وإذا منعت فسمعهم لك منقع
لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ ... يفشي إليك سرائراً يستودع
فكما تراه بسر غيرك صانعاً ... فكذا بسرك لا محالة يصنع
لا تبدأن بمنطق في مجلس ... قبل السؤال فإن ذلك يشنع
فالصمت يحسن كل ظن بالفتى ... ولعله خرق سفيه أرقع
دع المزاج قرب لفظة مازح ... جلبت إليك الشرف الجسيم مضيع
وإذا استقالك ذو الإساءة عثرة ... فأقله إن ثواب ذلك أوسع
وإذا أتمنت على السرائر فأخفها ... أستر عيوب أخيك حين تطلع
لا تجرعن من الحوادث إنما ... خرق الرجال من الحوادث يجزع
وأطع أباك بكل ما وصى به ... إن المطيع أباه لا يتضعضع
ومن المنسوب إليه ﵁:
صن النفس وأحملها ما يزينها ... تعش سالماً والقول فيك جميل
ولا ترين الناس إلا تجملا ... نبا بك دهر أو جفاك خليل
وإن ضاق رزق اليوم فأصبر إلى غد ... عسى نكبات الدهر عنك تزول
يعز غني النفس إن قل ماله ... ويغني دني النفس وهو ذليل
ولا خير في ود امرئ متلون ... إذا الريح مالت مال حيث تميل
جواد إذا استغنيت عن أخذ ماله ... وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل
ولبعضهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
تم الاختيار مع بعض القصائد والحكم والآداب ويليها الاختيار من شعر عبد الله ابن محمد التنوخي:
شعر
محمد التنوخي هو عبد الله بن محمد التنوخي المعروف باين قاضي ميلة يمدح ثقة الدولة يوسف بن عبد الله القضاعي صاحب صقيلة ويهنئه بعيد النحر ولم أجد له من الشعر غيرها:
يذيل الهوى دمعي وقلبي المعنف ... وتجني جفوني الوجد وهو المكلف
وإني ليدعوني إلى ما سبقته ... وفارقت مغناه الأغن المشنف
وأحور ساجي الطرف أما وشاحه ... فصفر وأما ردفه فمفوف
يطيب أجاج الماء من نحو أرضه ... ويحيي ويندي ريحه وهو حرجف
وآيسني من وصله أن دونه ... متالف تسري الريح فيها فتتلف
وغيران يجفو النوم لا يرى لنا ... إذا نام شملاً في الكرى تتألف
يظل على ما كان من قرب دارنا ... وغفلته عما مضى يتأسف
وجون بمزن الرعد يستن ودقه ... يرى برقة كالحية الصل تطرف
كأني إذا ما لاح والرعد معول ... وجفن السحاب الجون بالماء يذرف
سليم وصوت الرعد راق وروقه ... كنفث الرقى من سوء ما أتكلف
ذكرت به ريا وما كنت ناسياً ... فأذكر لكن لوعة تتضعف
ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بليلة ريا والركائب تعسف
نظرت إليها والمطي كأنمط ... غواربها منها معاطس رعف
стр. 100
فقالت أما منكن من يعرف الفتى ... فقد رابني من طول ما يتشوف
أراه إذا سرنا يسير حذاءنا ... ونوقف أحقاف المطي فيوقف
فقلت لتربيها أبلغاها بإنني ... بها مستهام قالتا نتكلف
وقولاً لها يا أم عمرو أليس ذا ... منى والمنى في خيفة ليس يخلف
تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا ... بأن عن لي منك البنان المطرف
وفي عرفات ما يخبر إنني ... بعارفة من عطف قلبك أسعف
وأما دماء الهدي فهي هدى لنا ... يدوم ورأي في الهوى يتألف
وتقبيل ركن البيت إقباله دولة ... لنا وزمان بالمودة يعطف
فأوصلتا ما قلته فتبسمت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف
بعيشي ألم أخبر كما أنه فتى ... على لفظه برد الكلام المفوف
فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه ... وقولا ستدري أينا اليوم أعيف
إذا كنت ترجو في منى الفوز بالمنى ... ففي الخيف من أعراضنا تتخوف
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا ... حرام وأنا عن مزارك نصدف
وهذا وقذفي بالحصى لك مخبر ... بأن النوى بي عن ديارك تقذف
وحاذر نفاري ليلة النفر إنه ... سريع وقل من بالعيافة أعرف
فلم أر مثلينا خليلي مودة ... لكل لسان ذو غرارين مرهف
أما إنه لولا أغن مهفهف ... وأشنب براق وأحور أوطف
لراجع مشتاق ونام مسهد ... وأيقن مرتاب وأقصر مدنف
وعاذلة في بذل ما ملكت يدي ... لراج رجاني دون صحبي تعنف
تقول إذا أفنيت مالك كله ... وأملقت من يعطيكه قلت: يوسف
أغر قضاعي يكاد نواله ... لكثرة ما يدعو إلى الشكر يجحف
إذا نحن أخلفنا مخائل ديمة ... وجد ناحياً معروفة ليس يخلف
سعى وسعى الأملاك في طلب العلى ... ففاز وأكدوا إذ أخف وأوطفوا
ويقظان شاب البطش باللين والتقى ... بكفيه ما يرجى وما يتخوف
حسام على من ناصب الدين مصلت ... وستر على من راقب الله مغدف
يسايره جيشان رأي وفيلق ... ويصحبه سيفان عزم ومرهف
مطل على من شاءه فكأنما ... على حكمه صرف الردى يتصرف
يرى رأيه مالا ترى عين غيره ... ويغري به ما ليس يغري المثقف
رعى الله من ترعى حمى الدين عينه ... ويحمي ربي الإسلام والليل أغضف
ومن وعدة في مسرح الحمد مطلق ... وإنفاذه في ذمة الحلم موقف
ومن يضرب الأعداء هبراص فتنثني ... صناديدهم والبيض باتلهام تقذف
رماهم بمجر ضعضع الأرض رزه ... كان الروابي فيه بالنبل تدلف
كأن الردينيات في رونق الضحى ... أراقم في طام من الىل تزحف
يعود الدجى من بيضه وهو أبيض ... ويبدو الضحى من نقعه وهو أكلف
ويحجب نور الشمس بالنقع عنهم ... ففعل الظبي في هامهم لا يكيف
لهم كل عام منك جاءوك فيلق ... تساءل عنهم بالعوالي فتلحف
إذا ما طووا كشحاً على قرح عامهم ... وبلوا من الآلام أنشأت تعرف
فكم من أغم الوجه غاو تركته ... وهاديه من عثنون لحييه أكثف
هو المقضب الماضي بمهواه فأنثني ... صريعاً تراه حبتراً وهو أسقف
لعمري لقد عاديت في الله طالباً ... رضاه وقد أبليت ما الله يعرف
وطالبتهم في الأهل حتى تركتهم ... فرادى وفي الأديان حتى تحنفوا
فيا ثقة الملك الذي لك سهمه ... يراش لأكباد الأعادي ويرصف
هنيئاً لك العيد الذي منك حسنة ... يروق ومن أوصافك الغر يوصف
بدا معلم الأرجاء يزهى كأنما ... على عطفه وشي العراق المسقف
أتى بعد حول زائراً عن تشوق ... وقد كان ذا شوق للقياك يطرف
فطوقته عزاً وشنفته به ... فلاح لنا وهو الأغر المشنف
وقابله بالسعد نجلك جعفر ... فيا لك من عيد بملكين تتحف
فلا زلت تستجدي فتولي وترتجى ... فتكفي وتستدعي لخطب فتكشف
تم الاختيار من شعر التنوخي ويليه الاختيار من شعر أبي فراس الحمداني.
شعر
أبي فراس الحمداني قال:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ... ولكن مثلي لا يذاع له سر
стр. 101
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ... وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
معللتي بالوصل والموت دونه ... إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لإنني ... أرى أن داراً لست من أهلها قفر
وحاربت قومي في هواك وإنهم ... وإياي لولا حبك الماء والخمر
وإن كان ما قال الوشاة ولم يكن ... فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة ... لآنسة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزها ... فتأرن أحياناً كما يأرن المهر
تسائلني من أنت وهي عملية ... قتيلك قالت أيهم فهم كثر
فقلت لها لو شئت لم تتعنتي ... ولم تسألني عني وعندك بي خبر
ولا كان للأحزان لولاك مسلك ... إلى القلب لكن الهوى للبلى جسر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وأن يدي مما علقت به صفر
فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا ... فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر
وقلبت أمري لا أرى لي راحة ... إذا البين إنساني الح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمها ... لها الذنب لا تجزي به ولي العذر
وتجفل حيناً ثم تدنو كأنما ... تراعي طلاً بالواد أعجزه الحضر
وإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر
وإني لجرار لكل كتيبة ... معودة أن لا يخل بها النصر
فأظمأ حتى ترتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ولا أصبح الحي الخلوف بغارة ... ولا الجيش ما لم تأته قبلي النذر
ويا رب دار لم تختفي منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر
وساحبة الأذيال نحوي لقيتها ... فلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر
وهبت لها ما حازه الجيش كله ... وراحت ولم يكتشف لأبياتها ستر
ولا راح يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرام الفقر
وما حاجتي في المال أبغي وفوه ... إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه غمر
ولكن إذا حم القضاء على امرئ ... فليس له بر يقيه ولا بحر
وقال أصيحابي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر
ولكنني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
يمنون أن خلو ثيابي وإنما ... علي ثياب من دمائهم حمر
قائم سيف فيهم أندق نصله ... وأعقاب رمح فيهم حطم الصدر
سيذكرني قومي إذا جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما بددت أكتفو به ... ولو كان يغني الصفر ما نفق التبر
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلى ... وأكرم من فوق التراب ولا فخر
وله أيضاً:
غيري يغيره الفعال الجافي ... ويحول عن شيم الكريم الوافي
لا أرتضي وداً إذا هو لم يدم ... عند الجفاء وقلة الإنصاف
تعس الحريص وكل ما يأتي به ... عوضاً من الإلحاح والإلحاف
إن الغني هو بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حافي
ما كل ما فوق البسيطة كافياً ... فإذا قنعت فكل شيء كافي
وتعاف لي طمع الحريص أبوتي ... ومروءتي وقناعتي وعفافي
ما كثرة الخيل الجياد بزائدي ... شرفاً ولا عدد السوام الضافي
ومكارم عدد النجوم ومنزلي ... بيت الكرام ومنزل الأضياف
لا أقتضي لصروف كثير عدة ... حتى كأن صروفه أحلافي
خيلي وإن قلت بهن مذ أنا يافع ... ولقد عرفت بمثلها أسلافي
ولأبي فراس أيضاً:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتا هل تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... ولا خطرت منك الهموم ببال
أتحمل محزون الفؤاد قوادم ... على غصن غالي المسافة عالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
стр. 102
تعالي تري روحاً لدي ضعيفة ... تردد في جسم يعذب بالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غالي
وأذكر هنا بعض المقاطيع الأدبية المشتملة على حكم ومكارم أخلاق من ذلك قول بعضهم:
قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ... ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى
فلو كان ذا عقل لما عاب غيره ... وفيه عيوب لو رآها به أكتفى
إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخط بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه رعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلفا
ولغيره:
وذو يقظات مستمر مريره ... إذا الدهر لاقاها اضمحلت نوائبه
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وأين يفر الحزم منه وإنما ... مرائي الأمور المشكلات تجاربه
غيره:
إذا لم يكن للمرء فضل يزينه ... يدافع عن إخوانه لم يسود
وكيف يسود القوم من هو مثلهم ... بلا منة منه عليهم ولا يد
غيره:
غياك والحرص إن الحرص متعبة ... فإن فعلت فراع القصد في الطلب
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم المرء ذو الأسفار والتعب
فأزجر فؤادك عن حرص وعن نصب ... فما وربك يأتي الرزق بالنصب
ولغيره:
إني رأيت الصبر خير معول ... في النائبات لمن أراد معولا
ورأيت أسباب القناعة أكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
وإذا نبابي منزل جاوزته ... وجعلت منه غيره لي منزلا
وإذا غلا شيء علي تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
ولمحمود البارودي لما نفي من مصر:
محا البين ما أبقيت عيون المهى مني ... فشبت ولم أقض اللبانة من سني
عناءً ويأساً واشتياقاً وغربة ... الأشد ما ألقاه في الدهر من غبن
فأن أك فارقت الديار فلي بها ... فؤاد أضلته عيون المهى عني
بعثت به يوم النوى إثر لحظة ... فأوقعه المقدر في شرك الحسن
فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا ... فليس كلانا عن أخيه بمستغن
ولما وقفنا للوداع واسبلت ... مدامعنا فوق الترائب كالمزن
دعوت اصطباري أن يعود فبزني ... وناديت حلمي أن يثوب فغيغن
وما هي إلا خطرة ثم أقلعت ... بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن
وما كنت جربت النوى قبل هذه ... فلما دهاني كدت أقضي من الحزن
ولكنني راجعت حلمي فردني ... إلى الحزم رأي لا يحوم على أفن
فيا قلب صبراً إن جزعت فربما ... جرت سنحاً طير الحوادث باليمن
فقد تورق الأغصان بعد ذبولها ... ويبدو وضياء البدر في ظلمه الوهن
وأي حسام لم تصبه كهامة ... ولهذم رمح لم يفل من الطعن
ومن شاغب الأيام لأن مريره ... وأسلمه طول المراس إلى الوهن
وما المرء في دنياه إلا كسالك ... مناهج لا تخلو من السهل والحزن
فإن تكن الدنيا تولت بخيرها ... فأهون بدنيا لا تدوم على فن
إذا عرف المرء القلوب وما انطوت ... عليه من البغضاء عاش على ضغن
يرى بصري مالا أود لقاءه ... وتسمع أذني ما تعاف من اللحن
تحملت خوف المن كل رزية ... وحمل رزايا الدهر أحلى من المن
وعاشرت أخدانا فلما بلوتهم ... تمنيت أن أبقي وحيداً بلا خدن
لبعضهم:
إذا ما ضاق صدرك في بلاد ... ترحل طالباً أرضاً سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذل ... وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل ... بليد ليس يعلم من طحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيماً ... وخل الدار تنعي من بناها
فإنك واجد أرضاً بأرض ... ونفسك لا تجد نفساً سواها
ومن كانت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
ولسعيد بن حميد يستعطف بعض أصحابه وقد هجره:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الصفاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
وأجل أسباب المنية والردى ... يوم سيقطع بيننا ويطول
стр. 103
ولئن سبقت لتفجعن بصاحب ... حبل الصفاء بحبله موصول
فلعل أيام البقاء قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
للعفيف التلمساني من أبيات:
رياض بكاها المزن فهي بواسم ... وناحت لغير الحزن فيها الحمائم
وأودعت الأنواء فيهن سرها ... فنمت عليهن الرياح النواسم
يبيت الندى في أفقها وهو ناثر ... ويضحي على أجبالها وهو ناظم
كأن الأقاحي والشقيق تقابلاً ... خدود جلاهن الصبا ومباسم
كان بها للنرجس الغض أعيناً ... تنبه منها البعض والبعض نائم
كأن ظلال القضب فوق غديرها ... إذا اضطربت تحت الرياح الأرقم
كأن غناء الورق ألحان معبد ... إذا رقصت تلك القدود النواعم
كأن نثار الشمس تحت غصونها ... دنانير في بعض وبعض دراهم
كلأن ثماراً في غصون توسوست ... لعارض خفاق النسيم تمائم
كأن القطوف الدانيات مواهب ... ففي كل غصن ماس في الدوح خائم
حوار بن إسرائيل:
عسى الطيف بالزوراء منك يزور ... فقد نام عنه كاشح وغيور
وكيف يزور الطيف صباً مسهداً ... له النجم بعد الظاعنين سمير
سروراً في ضياء من شموس خدودهم ... فكان سراهم في الظلام ينير
ظعائن تغزو الجيش وهي رديفة ... عليهن من سمر الرماح ستور
إذا نزلوا أرضاً تولت محولها ... وأضحت وفيها روضة وغدير
وإن فارقوا أرضاً غدت ورمالها ... من الطيب مسك والتراب عبير
أأحبابنا الناؤون أدعو وبيننا ... سهول عسير قطعها ووعور
سقى الأبرق الحنان حيث مصيفكم ... من المزن داني الهيدبين مطير
وداركم بالبان من أيمن الحمى ... يلوح عليها نضرة وسرور
قريبة عهد بالخليط رسومها ... مواثل ما محيت لهن سطور
ولابن الخياط:
خذا من صبا نجد أماناً نقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الجب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على الجوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الغور نفحة ... تضمن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنه ... حذاراً عليه أن تكون لحبه
ويوم الرضى والصب يحمل سخطه ... بقلب ضعيف عن تحمل خطبه
جلى لي براق الثنايا تبينها ... ولا لي إلا بارد الورد عذبه
كأني لم أقض به الليل زائراً ... تجول يدي بين المهاد وجبنه
ولا ذقت أمناً من شرار حجوله ... ولا أرتعت خوفاً من نميمة حقبه
فيا لسقامي من هوى متعنت ... بكى عاذلوه رحمة لمحبه
ومنة ساعة للبين غير حميدة ... سمحت بطل الدمع فيها وسكبه
ألا ليت أني لم أجل بين حاجر ... وبين ذرى أعلام رضوى وهضبة
وليت الرياح الرائحات خوالص ... إلي ولو لاقين قلبي بكر به
أهيم إلى ماء ببرقة عاقل ... ظمئت على طول الورود بشربه
وأستاف حر الرمل شوقاً إلى اللوى ... وقد أودعتني السقم قضبان كثبه
ولست على وجدي بأول عاشق ... أصابت سهام الحب حبة قلبه
صبرت على وعك الزمان وقد أرى ... خبيراً بداء الحادثات وطبه
وأعرضت عن نظم القوافي ومنطقي ... ملي لمرتاد الكلام بخصبه
وما غزني لو شئت ملك مهذب ... يرى أن صون الحمد غاية كسبه
لقد طال ما هو في سنة الكرى ... ولا بد لي من يقظة المتنبه
روي عن عوف بن محلم قال كنت: آتي عبد الله بن طاهر في كل سنة، وكانت صلتي عنده خمسة آلاف درهم فأتيته فشكوت إليه الكبر وضعف حالي ثم أنشدته:
أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من وثبة فنريح؟
لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
стр. 104
على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك لا تبك حاضراً ... وغصنك مياد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتضحي عصا الترحال وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالمقترين نزوح
قال عوف: فتوجع لي عبد الله ب طاهر وقال: صلتك عشرة آلاف درهم توافيك في منزلك في كل سنة إن شاء الله ولا تتكلف المسير والمشقة يا عم.
فائدة
روي أنه لما أراد عمر بن العاص ﵁ المسير إلى مصر قال لمعاوية ﵁: يا أمير المؤمنين ألا أوصيك قال:؛ بلى قال أنظر في فاقة الأحرار فأعمل في سدها، وطغيان السفلة فأعمل في قمعها، وأستوحش من الكريم الجائع، ومن اللئيم الشبعان، فإنما يصول الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
فائدة
روى أبو علي القالي في (أماليه) عن عمه قال: سمعت رجلاً يقول: الحسد ما حق للحسنات، والزهو جالب لمقت الله ومقت الصالحين، والعجب صارف عن الأرهياء من العلم داع إلى التخط والجهل والبخل أذم، الأخلاق وأجلبها لسوء الأحدوثة.
وروي فيه عن عمه: قال سمعت أعرابياً يوصي فقال: أبذل المودة الصادقة تستفد أخواناً وتتخذ أعواناً فإن العداوة موجودة عتيدة والصداقة مستززة بعيدة. جنب كرامتك اللئام فإنهم أن أحسنت إليهم لم يشكروا وإن نزلت بك شدة لم يصبروا.
وروى فيه عن المعتمر بن سليما قال كان يقال: عليك بدينك ففيه معادك وعليك بمالك وفيه معاشك وعليك بالعلم ففيه زينك.
وروى القالي عن عمه: قال بينما أنا سائر في بلاد بني عامر إذ مررت بحلة وإذا رجل ينشد وإذا هو ندي الصوت فلما رآني لوماً فقل أعجبك ما سمعت فقلت أي والله فقال من أهل الحضارة أنت قلت نعم قال ممن تكون قلت لا حاجة لك في السؤال عن ذلك قال فما يمنعك إذا ما حل الإسلام الأضغان واطفئ الأحقاد قلت بلى أنا امرؤ من قيس فقال الحبيب القرابة من أيهم أنت قلت أحد بني سعد بن قيس ثم أحد بني أعصر بن سعد فقال زادك الله قرباً ثم وثب فأنزلني عن حمادى وألقى عنه إكافه وقيده بقراب خيمته وقام إلى زند فاقتدح وأوقد ناراً وجاء بصيدانة فألقى فيها تمراً وأفرغ عليه سمناً ثم لته حتى التبك ثم ذر عليه دقيقاً وقربه إلي فقلت إني إلى غير هذا أحوج فقال وما هو قلت تنشدني فقال أصب فأني فاعل فقلت ثم قلت الوعد يرحمك الله فقال ونعماً عين ثم أنشد:
لقد طرقت أم الخشيف وإنها ... إذا صرع القوم الكرى لطروق
أقام فريق من أناس يودهم ... بذات الغضى قلبي وبان فريق
بحاجة محزون يظل وقلبه ... رهين ببضات الحجال صديق
تحملن إن هبت لهن عشية ... جنوب وإن لاحت لهن بروق
كأن فضول الرقم حين جعلناه ... غذياً على أدم الجمال عذوق
وفيهن من بخت النساء ربحلة ... تكاد على غر السحاب تروق
هجان فأما الدعص من أخرياتها ... فوعث وأما خصرها فدقيق
ففارقته وأنا أشد الناس شوقاً إلى معاودة أنشاده.
وصية أعرابية لولدها
قال أبان بن تغلب البصري شهدت أعرابية توصي أبناً لها أراد سفراً وهي تقول له أي بني أجلس أمنحك وصيتي وبالله توفيقك فإن الوصية أجدى عليك من كثير عقلك قال أبان فوقفت مستمعاً لكلامها مستحنساً لوصيتها فإذا هي تقول له أي بني غياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتفرق بين الأحبة وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضاً وخليق أن لا يثبت الغرض على كثرة السهام وإياك والجو بدينك، والبخل بمالك، وإذا هززت فاهزز كريماً يلن لهزتك ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها ومثل لنفسك مثالاً فما أستحسنت من غيرها فأعمل به وما استقبحت من غيرك فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه ومن كانت مودته بشره وخالف من ذلك فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها ثم أمسكت فقلت بالله عليك ألا زدتيه فقالت وأعجبك ما سمعت قلت نعم قالت والغدر أقبح ما تعامل به الناس ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها.
تم اختيار بعض الفوائد الأدبية ويليها الاختيار من شعر ابن عنين.
شعر
стр. 105
عذراً.... فإني لم أجدله إلا القليل. قال يمدح الملك العادل وأولاده من قصيدة:
وله البنون بكل أرض منهم ... ملك يقود إلى الأعادي عسكرا
من كل وضاح الجبين تخاله ... بدراً وأن شهد الوغى فغضنفرا
متقدم حتى إذا النقع أنجلى ... بالبيض عن سبي الحريم تأخراً
قوم زكوا أصلاً وطابوا محتداً ... وتدفقوا جوداً وراقوا منظراً
وتعاف خليهم الورود بمنهل ... ما لم يكن يوم الوقائع احمرا
يعشوا إلى نار الوغى شغفاً بها ... ويجل أن يعشوا إلى نار القرى
إلى أن قال:
العادل الملك الذي أسماؤه ... في كل ناحية تشرف منبراً
وبكل أرض جنة من عدله ال ... ضافي أسال نداه فيها كوثراً
عدل يبيت الذئب منه على الطوى ... غرثان وهو يرى الغزال الأغفرا
ما في أبي بكر لمعتقد الهدى ... شك يريب بأنه خير الورى
سيف صقال المجد أخلص متنه ... وأبان طيب الأصل منه الجوهرا
ما مدحه بالمستعار له ولا ... آيات سؤدده حديثاً يفترى
بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثريا والثرى
نسخت خلائقه الحميدة ما أتى ... في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
ملك إذا خفت حلوم ذوي النهي ... في الروع زاد رصانة وتوقرا
ثبت الجنان تراع من وثباته ... وثباته يوم الوغى أسد الشرى
يقظ يكاد يقول عما في غد ... ببديهة أغنته أن يتفكرا
حلم تخف له الحلوم وراءه ... رأي عزم يحقر الإسكندرا
يعفو عن الذنب العظيم تكر ما ... ويصد عن قول الخنى متكبراً
لا تسمعن حديث ملك غيره ... يروي فكل الصيد في جوف الفرا
تم الاختيار من شعر ابن عنين ويليه الاختيار من شعر علي بن الحسين المعروف بصردر.
شعر صردر
هو علي بن الحسين المعروف بصردر يمدح محمد بن جهير الموصلي الوزير الملقب فخر الدولة الثعلبي.
لجاجة قلب ما يفيق غرورها ... وحاجة نفس ليس يقضي يسيرها
وقفنا صفوفاً في الديار كأنها ... صحائف ملقاة ونحن سطورها
يقول خليلي والظباء سوانح ... أهذي التي تهوي فقلت نظيرها
لئن شابهت أجيادها وعيونها ... فقد خالفت أعجازها وصدورها
فواعجباً منها يصد أنيسها ... ويدنو على ذعر الينا نفورها
وما ذاك إلا أن غزلان عامر ... يثقن بأن الزائرين صقورها
ألم يكفيها ما قد جنته شموسها ... على القلب حتى ساعدتها بدورها؟
فو الله ما أدري غداة نظرتها ... أتلك سهام أم كؤوس تديرها؟
فإن كن من نبل فأين حفيفها ... وغن كن من خمر فأين سرورها
أيا صاحبي أستاذناً لي خمارها ... فقد أذنت لي في الوصول خدورها
هباها تجافت عن خليل يروعها ... فهل أنا إلا كالخيال يزورها
وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة ... أما هذه فوق سجن وهو فيه أسيرها
يعز على الهيم الخوامس وردها ... إذا كان ما بين الشفاه غديرها
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة ... توسلت حتى قبلتك ثغورها
ومن مديحها:
أعدت إلى جسم الوارة روحه ... وما كان يرجى بعثها ونشورها
اقامت زماناً عند غيرك طامثاً ... وهذا الزمان قرؤها وطهورها
من الحق أن يحبي بها مستحقها ... وينزعها مردودة مستعيرها
إذا ملك الحسناء من ليس كفؤها ... أشار عليهم بالطلاق مشيرها
وله أيضاً:
قد بان عذرك والخليط مودع ... وهوى النفوس مع الهوادج يرفع
لك حيث ما سرت الركائب لفتة ... أترى البدور بكل واد تطلع
في الظاعنين من الحمى ظبي له ... الأحشاء مرعى والمآقي مكرع
ممنوع أطراف الجمال رقبة ... حذراً عليه من العيون البرقع
عهدي الحبائل صائدات شبهه ... فارتاع فهو لكل حبل يقطع
لم يدر حامي سربة أني إذا ... حرم الكلام له لساني الأصبع
وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت ... بتحية منه فعيني تسمع
يليه الاختيار من شعر أبي الحسن التهامي:
شعر
أبي الحسن التهامي
عبس من شعر في الرأس مبتسم ... ما نفر البيض مثل البيض في اللعم
стр. 106
ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ... ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما أعتاد رأسي غير صنعته ... والشيب في الرأس غير الشيب في الهمم
ظنت شيبته تبقى وما علمت ... أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم
وصل الخيال ووصل الخود عن بخلت ... سيان ما أشبه الوجدان بالعدم
والطيف أفضل وصل إن لذته ... تخلو من الإثم والتنغيص والندم
لا تحمد الدهر في ضراء يصرفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم
فالدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تحسبن كرم الآباء مكرمة ... لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وفخرهم ... بطولهم في المعالي لا بطولهم
ما اغتابني حاسد إلا شرفت به ... فحاسدي وغن وقعت من غير قصدهم
وله أيضاً يرثي أبناً له مات صغيراً، ويشكو زمانه وحاسديه، ويفتخر بفضله وفضل قومه، وهي من أجود المراثي:
حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيالك سار
فأقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا أن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يخدع بالمنى ويغص أن ... هنا ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالماً ... خلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونق ... أعدته لطلابة الأوتار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بأزمة الأقدار
اثني عليه بأثره ولو انه ... لم يعتبط أثنيت بالآثار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدراً ولم يمهل لوقت سرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه ... فمحاه قبل مظنة الإبدار
واستل من أترابه ولداته ... كالمقلة استلت من الأشفار
فكأن قلبي قبره وكأنه ... في طيه سر من الأسرار
أن يعتبط ضغراً فرب مضخم ... يبدو ضئيل الشخص للنظار
أن الكواكب في علو محلها ... لترى صغاراً وهي غير صغار
ولد المعزى بعضه فإذا مضى ... بعض الفتى فالكل بالآثار
أبكيه ثم أقول معتذراً له ... وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
أشكو بعادك لي وأنت بموضع ... لولا الردى لسمعت فيه سراري
والشرق نحو الغرب أقرب شقة ... من بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أسباب الردى ... واغتال عمرك قاطع الأعمار
ولقد جريت كما جريت لغاية ... فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقت فأنت أول منطقي ... وإذا سكت فأنت في إضماري
أخفي من البرحاء ناراً مثلما ... يخفي من النار الزناد الواري
وأخفض الزافرات وهي صواعد ... وأكفكف العبرات وهي جواري
وشهاب نار الحزن أن طاوعته ... أورى وان عاصيته متواري
وأكف نيران الأسى ولربما ... غلب التصبر فارتمت بشرار
ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا التحفت به فإنك عار
قصرت جفوني أم تباعد بينها ... أم صورت عيني بلا أشفار؟
جفت الكرى حتى كأن غراره ... عند اغتماض العين وخز غرار
ولو استزارت رقدة لطحابها ... ما بين أجفاني من التيار
أحيي الليالي التم وهي تميتني ... ويميتهن تبلج الأسحار
حتى رأيت الصبح تهتك كفه ... بالضوء رفرف خيمة كالقار
والصبح قد غمر النجوم كأنه ... سيل طغى فطفا على النوار
لو كنت تمنع خاض دونك فتية ... منا بحار عوامل وشفار
ودحوا فويق الأرض أرضا من دم ... ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحبا مزررة على أقمار
стр. 107
وترى سيوف الدارعين كأنها ... خلج تمد بها أكف بحار
لو شرعوا أيمانهم في طولها ... طعنوا بها عوضاً عن الخطار
جنبوا الجياد إلى المطي وراوحوا ... بين السروج هناك والأكوار
وكأنما ملؤوا عياب دروعهم ... وغمود أنصالهم سرار قفار
وكأنما صنع السوابغ عزه ... ماء الحديد فصاغ ماء قرار
زردا فأحكم كل موضع حلقة ... بحبابه في موضع المسمار
فتسربلوا بمتون ماء جامد ... وتقنعوا بحباب ماء جار
أسد ولكن يؤثرون بزادهم ... والأسد ليس تدين بالإيثار
يتزين النادي بحسن وجوههم ... كتزين الهالات بالأقمار
يتعطفون على المجاور فيهم ... بالمنفسات تعطف الأظآر
من كل من جعل الظبى أنصاره ... فكر من واستغنى عن الأنصار
وإذا هو اعتقل القناة حسبتها ... صلا تأبطه هزبر ضاري
والليث أن ثاورته لم يعتمد ... إلا على الأنياب والأظفار
زرد الدلاص عن الطعان يريحه ... في الجحفل المتضايق الجرار
ما بين ثوب بالدماء مضرج ... زلق ونقع بالطراد مثار
والهون في ظل الهوينا كامن ... وجلالة الأخطار في الأخطار
تندى أسرة وجهه ويمينه ... في حالة الإعسار والإيسار
ويمد نحو المكرمات أناملاً ... للرزق في أثنائهن مجاري
يحوي المعالي كاسباً أو راغبا ... أبداً يدارى دونها ويداري
قد لاح في ليل الشباب كواكب ... أن أمهلت آلت إلى الأسفار
وتلهب الاحشاء شيب لمتي ... هذا الضياء شواظ تلك النار
شاب القذال وكل غصن صائر ... فينانه الأحوى إلى الأزهار
والشبه منجذب فلم بيض الدمى ... عن بيض مفرقه ذورات نفار
وتود لو جعلت سواد قلوبها ... وسواد أعينها خضاب عذاري
لا تنفر الظبيات منه فقد رأت ... كيف اختلاف النبت في الأطوار
شيآن ينقشعان أول وهلة ... ظل الغمام وصحبة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا ... ظل الشباب الخائن الغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته ... عندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد هماً كلما ازددنا غنى ... والفقر كل الفقر في الإكثار
ما زاد فوق الزاد خلف ضائعاً ... في حادث أو وارث أو عار
إني لا رحم حاسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلعت ... أعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الأصدار
عمري لقد أوطأتهم طرق العلى ... فعموا فلم يقفوا على آثاري
لو أبصروا بقوبهم لتبصرا ... وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا ... أو سلموا لمواقع الأقدار
وفشت خيانات الثقات وغيرهم ... حتى اتهمنا رؤية الأبصار
ولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار
فوائد أدبية
ومن شعر العتبي الأموي
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن إذا أبصرنني أو سمعنني ... دنين ورفعن الكوى بالمحاجر
فان عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المهى والجآذر
فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام في الشرق قادة ... بهم واليهم فخر كل مفاخر
ولحسام الدين الواعظي ﵀:
من ضيع الحزم في أفعاله ندما ... وظل مكتئباً والقلب قد سقما
ما المرء إلا الذي طابت فضائله ... والدين زين يزين العاقل الفهما
والعلم أنفس شيء أنت ذاخره ... فلا تكن جاهلا تستورث الندما
تعلم العلم واجلس في مجالسه ... ما خاب قط لبيب جالس العلما
والوالدين فأكرم تنج من ضرر ... ولا تكن نكداً تستوجب النقما
стр. 108
ولازم الصمت لا تنطق بفاحشة ... وأكرم الجار لا تهتك له حرما
واحذر من المزح كم في المزح من خطر ... كم من صديقين قبل المزح فاختصما
وصبر النفس وأرشدها إذا جهلت ... وان حضرت طعاماً لا تكن نهما
آس اللهيف إذا ما كنت مقتدراً ... على الزمان وكن للخير مقتسما
وصد نفسك عن لهو وعن مرح ... وان حضرت مكانا كنت فيه سما
ولعبد الله بن حجاج من أبيات
قالوا غدا العيد فاستبشر به فرحاً ... فقلت مالي وما للعيد والفرح
قد كان ذا والنوى لم تمس نازلة ... بعقوبي وغراب البين لم يصح
أيام لم يخترم قرب البعاد ولم ... يغد الشتات على شملي ولم يرح
فاليوم بعدك قلبي غير متسع ... لما يسر وصدري غير منشرح
وطائر ناح في خضراء مونقة ... على شفا جدول بالزهر متشح
بكى وناح ولولا انه سبب ... لكان قلبي لمعنى فيه لم يبح
في العمر من واسط والليل ما هبطت ... فيه النجوم وضوء الصبح لم يلح
بيني وبينك ود لا يغيره ... بعد المزار وعهد غير مطرح
فما ذكرتك والأقداح دائرة ... إلا مزجت بدمعي باكياً قدحي
ولا استمتعت لصوت فيه ذكر نوى ... إلا عصيت عليه كل مقترح
ولأبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله تعالى:
من أين للعارض الساري تلهبه ... وكيف طبق وجه الأرض صيبه
هل استعار جفوني فهي تنجده ... أم استعار فؤادي فهو يلهبه؟
بجانب الكرخ من بغداد لي سكن ... لولا التجمل أم انفك اندبه
وصاحب ما صحبت اللهو مذ بعدت ... دياره واراني أني لست أصحبه
في كل يوم لعيني ما يؤرقها ... من ذكره ولقلبي ما يعذبه
ما زال يبعدني عنه وأتعبه ... ويستمر على ظلمي وأعتبه
حتى رثت لي النوى من طول جفوته ... وسهلت لي طريقاً كنت أذهبه
وما البعاد دهاني بل خلائفه ... ولا الفراق شجاني بل تجنبه
أذكر فيه بعض الوصايا والآداب، والحكم النافعة عن اللف ﵃. قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك للأنصار: (من سيدكم) قالوا: الجد ين قيس علي بخل فيه، فقال ﷺ (وأي داء أدوى من ابخل بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح) فقال شاعرهم:
وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تسمون سيدا
فقالوا له الجد بن قيس على التي ... نبخله فيها وان كان اسودا
فتى ما تخطى خطوة لدنية ... ولا مد في يوم إلى سوأة يدا
فسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا
فائدة
روي عن عمرو بن العزيز رحمه الله تعالى: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم ومن عفو إلى قدرة. ومن قول أبو العتاهية:
فيا رب هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم
ويا رب لي منك عزماً على التقى ... أقيم به ما عشت حيث أقيم
إلا أن تقوى الله أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار كريم
فائدة
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن خيري الدنيا والأخرى في خمس خصال، وهي غنى النفس، وكف الأذى، كسب الحلال، ولباس التقوى، والثقة بالله على كل حال، وقد نظمها السيد عبد الجليل الحسيني رحمه الله تعالى فقال:
أرى خيري الدارين بجمع كله ... بخمس خلال يا لها من لطائف
بنص الإمام الشافعي أخي التقوى ... هو البحر كنز العلم شمس المعارف
غنى النفس مع كف الأذى واكتساب ما ... يحل وملبوس التقى حصن خائف
على كل حال كن بربك واثقاً ... بنفع وكشف الضر عند المخاوف
فدونكما خمساً وكن واعياً لها ... مكباً عليها لا كفدم مخالف
فائدة من كلام ابن المعتز كتبها لبعض أصحابه قال:
стр. 109
اعلم يا أخي انك لن تكتسب أعز الله المحامد وتستوجب الشرف إلا بالجمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مؤنة لاشترك فيها السفل والأحرار، وتساهمها الوضعاء من ذوي الأخطار، ولكن الله تعالى خص بها الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفف عليهم حملها، وسوغهم فضلها، وحظرها على السفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها ونفورها منهم.
فائدة
قال معاوية ﵁ لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر ابن الخطاب فقال: كان عالماً برعيته، عادلاً في قضيته، عارياً من الكبر، قبولاً للعذر، سهل الحجاب، مصون الباب، متحرياً لصواب، رفيقاً بالضعيف، غير محارب للقريب، ولا جاف للغريب.
قيل للأحنف بن قيس: من تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم المنقري رأيته قاعداً بفناء بيته، محتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه إذا أتي برجل مكتوف، ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه، فقال يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت بربك، ورميت نفسك بسهمك، وأشمت عدوك، ونقصت عددك، قتلت ابن عمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مئة من الإبل دية ابنها، فإنها غريبة عندنا فلعلها أن تسلو ثم أنشد:
إني امرؤ لا يطبي نسبي ... دنس يهجنه ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
وقال رجل للأحنف بن قيس: علمني الحلم. فقال: هو الذل يا ابن أخي، أتصبر عليه؟ وقال رجل للأحنف: انك لحليم. فقال: لست بحليم، ولكني أتحتالم، والله إني لأسمع الكلمة، فأحم لها ثلاثة أيام، ما يمنعني من ردها إلا مخافة أن أسمع شراً منها. وقيل له: من أحلم أنت أم معاوية. فقال: ما رأيت أجهل منكم معاوية يقدر ويحلم، وأنا أحلم ولا أقدر، فكيف أقاس به أو أدانيه؟ وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ الأحنف فيكم ما بلغ؟ قال: إني شئت أخبرتك بواحدة، وان شئت باثنتين، وان شئت بثلاث. قال: ما الواحدة؟ قال: كان أقوى الناس على نفسه. قال: ما اثنتان؟ قال: كان موقى الشر، ملقى الخير. قال: فما الثلاث؟ قال كان لا يجهل، ولا يبغي، ولا يبخل.
فائدة من كلام عمر بن الخطاب ﵁
قال: ثلاث يثبتن لك الود في قلب صاحبك، أن تبدأه بالسلام، وان توسع له في المجلس، وان تدعوه بأحب الأسماء إليه، وقال ﵁: كفى الله عنه: كفى بالمرء عيباً أن تكون فيه خلة من ثلاث أن يعيب بشيء ثم يأتي بمثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه؟
فائدة من كلام علي بن أبي طالب ﵁
من لانت كلمته وجبت محبته، وقيمة كل إنسان ما يحسنه ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵀: ثلاث من كن فيه، فقد كمل: من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله، ولم يستنزله رضاه إلى معصية الله، وإذا قدر عفّ وكف.
ومن كلام الحسن البصري: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا الله عنه.
ولبعضهم في الصبر والاحتمال
تعز فان الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التجمل
فلو كان يغني أن يرى امرأً جازعاً ... لنائبة أو كان يغني التبذل
لكان التعزي عند كل مصيبة ... ونازلة بالحر أولى وأجمل
فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ مما قضى الله مرحل
فان تكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوساً كريمة ... تحمل ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بفضل الله منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل
ومن قول أبي الفتح البستي:
وإذا هممت فناج نفسك بالمنى ... وعداً فخيرات الجنان عدات
واجعل رجاءك دون يأسك جنةً ... حتى تزول بهمك الأوقات
стр. 110
واسترعن الجلساء همك انما ... جاساؤك الحساد والشمات
ودع الأوقع للحوادث انه ... للحي من قبل الممات ممات
فالهم ليس له ثبات مثلما ... في أهله ما للسرور ثبات
لولا مغالطة النفوس عقالها ... لم يصف للمتيقظين حياة
وقال أيضا:
بحفظ الجسم تبقى النفس فيه ... بقاء النار تحفظ بالوعاء
فبالبأس الممض فلا تمتها ... ولا تمدد لها حبل الرجاء
وعدها في شدائدها رخاء ... وذكرها الشدائد في الرخاء
يعد صلاحها هذا وهذا ... وبالترتيب منفعة الدواء
وللبيد:
أكذب النفس إذا حدثتها ... أن صدق النفس مزر بالأمل
قال أبو الفرج: روي انه جاء الكميت الشاعر إلى الفرزدق فقال له: يا عم إني قد قلت قصيدة أريد أن اعرضها عليك قال قل فانشده:
طربت وما شوقاً إلى البيض اطرب ... ولا لعباً مني وذو الشوق يلعب؟
فقال الفرزدق ولماذا لم تطرب فقال:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولا يزدهي قلبي بنان مخضب
فقال الفرزدق: أجماد أنت ويحك؟ فقال:
ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حاء والخير يطلب
فقال الفرزدق: م هؤلاء لا أم لك فقال:
إلى النفر البيض الذين بحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب
فقال الفرزدق من هم أرحني؟ فقال:
بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
فقال الفرزدق: لو جزتهم إلى سواهم لذهب شعرك باطلاً ومنها:
خفضت لهم مني جناح مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
ومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مذهب الحق مذهب
بأي كتاب أم بأية سنة ... يرى حبهم عاراً علي ويحسب
يشيرون بالأيدي إلي وقولهم ... إلا خاب هذا والمشيرون أخيب
روي انه حج هشام بن عبد الملك، وأراد استلام الحجر، فلم يصل إليه إلا بعد زحام، ثم وضع له كرسي، وجلس فجاء زين العابدين علي بن الحسين ﵄، فلما أراد استلام الحجر تنحى الناس عنه، فسأل هشام من كان عنده عنه فقالوا: لا نعرفه، وكان الفرزدق حاضراً، فقال: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين فقال من هو فأنشد:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بضائره ... والعرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
ينشق نور الهدى عن نور غرته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... إثم وقربهم منجى ومعتصم
أن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا ينقص العدم بسطاً من أكفهم ... سيان ذلك أن أثروا وان عدموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل أمر ومختوم به الكلم
وللشريف ارضي:
لغير العلى مني القلى والتجنب ... ولولا العلى ما كنت في العيش أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه ... فما الناس إلا عاذل أو مؤنب
ملكت بحلمي فرصة ما استرقها ... من الدهر مفتول الذراعين أغلب
فان تك سني ما تطاول باعها ... فلي من وراء المجد قلب مدرب
فحسبي أني في الأعادي مبغض ... واني إلى غر المعالي محبب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ... ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب
يصول علي الجاهلون وأعتلي ... ويعجم في القائلون وأعرب
يرون احتمالي غصة ويزيدهم ... لواعج ضغن إنني لست أغضب
وأعرض عن كأس النديم كأنها ... وميض غمام غائر المزن خلب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتي ... ولا تمكر الصهباء بي حين أشرب
следующие страницы →