Полный текст (247 стр.). Показаны 211–247 · переход к 216.
стр. 211
إننا عندما نمعن النظر في الآية، نستخرج منها عدة دلالات:
١ - طاعة الله مطلقة، لأنه تجب له الطاعة دائماً، باعتباره لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن المنكر والشر، وهو الحكيم العليم الخبير.
٢ - طاعة الرسول ﷺ مطلقة كذلك، لأنه الرسول ﵇، لا يأمر بمعصية، ولا ينهى عن خير، فهو معصوم بعصمة الله له من الذنوب والمعاصي والأخطاء، وقد جعل القرآن طاعة الرسول ﵇ طاعة لله، نقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
٣ - إن طاعة الله وطاعة رسوله مستقلتان، وكلاًّ منهما تكوِّن وحدةً خاصةً، ومجموعةً محددة، فأصبحتا طاعتين وكيانين ومظهرين وحقيقتين، بينهما تداخلٌ واتصالٌ وارتباط، لذلك كرر فعل الأمر فيهما فقال: ﴿أطِيعوا اللهَ وَأَطِيعوا الرَّسول﴾. فتكرار فعل الأمر يوحي بأنهما طاعتان متكاملتان.
٤ - طاعة أولي الأمر في الآية مقيدة وليست مطلقة، ونأخذ هذا التقييد من صياغة الآية: ﴿أَطِيعوا الله وَأَطِيعوا الرسول وَأولي الْأمْرِ مِنْكُمْ﴾،
فقد عطف أولي الأمر على رسول الله ﵇، فكانت طاعتهم مستمدةً من طاعة رسول الله ﵇، ولو كانت طاعتهم مستقلةً مطلقةً عامة لكرر فعل الأمر كما كرره عند الأمر بطاعة رسول الله ﵇.
٥ - أولو الأمر في الآية مخصوصون متميزون بصفاتٍ خاصةٍ، منها:
(أ) هم مطيعون لله ومطيعون لرسوله وهم منفذون لأوامر الله، مطبقون لسنة رسوله ﵇، وهم يستمدون حقهم على الناس في وجوب طاعتهم من طاعتهم هم لرسول الله.
стр. 212
(ب) هم من المؤمنين المسلمين المطيعين لله ولرسوله، ولا يكونون منهم إذا هم عصوا أوامر الله ورسوله، أو حكموا بغير شرع الله وسنة رسوله ﴿وأولي الأمر منكم﴾.
٦ - إن طاعة المؤمنين لأولياء الأمور العادلين الصالحين طاعةٌ مبصرةٌ، ويجوز أن يتوقف المؤمنون -أحياناً- في طاعة الحاكمين المؤمنين، ويجوز أن ينازعوهم ويخالفوهم، ويجوز أن يعارضوهم ويختلفوا معهم لأن الآية تقول: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَردوهُ إلى اللهِ والرسول﴾. وكثيراً ما كان المسلمون السابقون وأولو الحَل والعقد فيهم يخالفون حكامهم وينازعونهم ويناقشونهم.
٧ - تُبين الآية للحكام والمحكومين طريق حل النزاع بينهم، وتدلهم على المرجع الذي يرجعون إليه ويحتكمون، عند الاختلاف والتنازع، إنها توجب عليهم جميعاً رد الأمر المختَلف فيه إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
ولا تمنح الآية الحكام حق إعلان حالة الطوارئ، وفتْح أبواب السجون والمعتقلات، وكبت الحريات، وتكميم الأفواه، وتعطيل القوانين، والقبض على المخالفين والمعارضين، وتعذيبهم، ومحاربتهم في إنسانيتهم وحريتهم ورزقهم وأولادهم وأعراضهم، واغتيالهم وإعدامهم، بل توجب عليهم سماع الرأي المخالف، والاحتكام مع صاحبه إلى الحق، والرجوع عن الخطأ إلى الصواب، ولو كان عند المخالف.
٨ - هذا هو الخير والصواب، وهذا هو طريق السعادة والعدل، إن الحاكم عندما يلتزم بتوجيهات الآية، يكون حاكماً صالحاً عادلاً، ويكون حكمه خيراً له وللمحكومين:
قال الإمام أبو الأعلى المودودي عن هذه الآية:
стр. 213
" إنها تحدد المبادئ التي يقوم عليها دستور الدولة، حيث توضح ست نكات دستورية هي:
١ - طاعة الله ورسوله مقدمة على أية طاعة أخرى.
٢ - طاعة أولي الأمر تأتي تحت طاعة الله ورسوله.
٣ - أن يكون أولو الأمر من المؤمنين.
٤ - للناس حق منازعة الحكام والحكومة.
٥ - إن الفصل في النزاع هو قانون الله ورسوله.
٦ - ضرورة أن توجد في نظام الخلافة هيئةٌ حرةٌ، مستقلةٌ عن نفوذ الشعب وتأثير الحكام، لتقضي في النزاعات طبق القانون الأعلى قانون الله ورسوله ".
وذكر الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه " النظام السياسي في الإسلام " ثلاثة شروط لا بد من توفرها عند الحكام لتجب طاعتهم، وعندها نطبق الآية عليهم:
١ - أن يكونوا مطبقين لأحكام الشريعة. فإذا لم يطبقوها فلا طاعة لهم، بل تحرم طاعتهم.
٢ - أن يحكموا بالعدل بين الناس. فإذا لم يفعلوا ذلك فلا طاعة لهم.
٣ - ألا يأمروا الناس بمعصية. فإذا أمروا بمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة.
ونقل أبو فارس قول الإِمام ابن حجر في فتح الباري: " ومن بديع الجواب قول بعض الناس التابعين، لبعض الأمراء من بني أمية لما قال له:
стр. 214
أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأولي الأمر منكم﴾، فقال له: أليس قد نزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
وقال الطيبي: أعاد الفعل في قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ إشارة إلى استقلال الرسول ﵇ بالطاعة، ولم يُعده في أولي الأمر، إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾. كَأنَّهُ قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلاّم، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " حق على الإمام أن يَحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحقه على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ".
وقال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: " والنص يجعل طاعة الله أصلاً، وطاعة رسوله أصلاً كذلك، بما أنه مرسلٌ منه، ويجعل طاعة أولي الأمر منكم تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله، فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول ﷺ ليقرر أن طاعتهم مستمدةٌ من طاعة الله وطاعة رسوله، بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشروطه.
وطاعة أولي الأمر منكم بعد هذه الآية والتقريرات كلها في حدود المعروف من شرع الله، والذي لم يرد نصٌّ بحرمته، ولا يكون من المحرم عندما يُرَد إلى مبادئ شريعته عند الاختلاف فيه، والسنة تقرر حدود هذه الطاعة على وجه الجزم واليقين.
في الصحيحين من حديث الأعمش: " إنما الطاعة في المعروف ".
стр. 215
وفيهما من حديث يحيى القطان: " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".
وأخرج مسلم من حديث أم الحصين: " ولو استعمل عليكم عبد، يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا ".
بهذا يجعل الإسلام كل فرد أميناً على شريعة الله وسنة رسوله، أميناً على دينه، أميناً على نفسه، ويجعله أميناً على مصيره في الدنيا والآخرة. ولا يجعله بهيمة في القطيع تُزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ".
***
стр. 216
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
تقسم هذه الآيات الناس يوم القيامة فريقين: أشقياء وسعداء، الأشقياء في النار يعذّبون وهم فيها خالدون، والسعداء في الجنة ينعّمون، وهم فيها خالدون.
لكن هناك تساؤلات حول الآيات، وإشكالات تثيرها عند بعض الناس ألفاظها وعباراتها: إنها تقرر خلود أهل النار فيها، وتقيد -في ظاهرها- مدة الخلود بالسموات والأرض، واستمراره بدوامهما، وكذلك خلود أهل الجنة فيها. ففهم بعضهم أن " عذاب الكفار في النار مؤقت، وأنهم سوف يخرجون منها إلى الجنة.
كذلك تقرر الآيات ارتباط خلود الكفار في النار بمشيئة الله، ويقولون: إن الله سوف يشاء أن يخرجهم من النار في نهاية الأمر، ويدخلهم الجنة.
стр. 217
إنك قد تقرأ أو تسمع لأحدهم وهو يقول: إن الكفار سيعذبون في النار، وقد يطول بهم هذا العذاب، ولكنه ليس عذاباً دائماً مؤبداً، وهم لن يبقوا في النار إلى الأبد، وإنما سوف يعفو الله عنهم، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة، وُيعرفون فيها بأنهم " عتقاء الرحمن "! أما جهنم فسوف يأتي عليها حينٌ ليس فيها معذبون، وأن نارها سوف تخمد، وسيكون مكانها نباتاً وأشجاراً!
وبَنَوْا كلامهم هذا على قوله تعالى عن عذاب الكفار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
وإن الإنسان البصير يتساءل: لماذا لا تقولون هذا عن الجنة ونعيمها
وأهلها! طالما أن العبارة نفسها وردت عند الحديث عنها: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إن
الآية توحي -بناء على فهم أولئك الناس- بأن نعيم الجنة موقوت، ومقيدٌ بدوام السموات والأرض، ومتعلق بالمشيئة الربانية، فلماذا لا تقولون: بأن الجنة سوف يأتي عليها يومٌ لن يكون فيها منعَّمون، ولن يكون فيها نعيم؟
إن قصر هذا التوقيت والتقييد على عذاب النار وعلى الكفار وحدهم، نوعٌ من التحكم! ولو قلنا بأن نعيم الجنة موقوت، وإن أهلها منها سيخرجون، فإن كلامنا لن يتفق لا مع النص ولا مع العقل ولا مع المنطق!
ونرى أن فهم هؤلاء خاطئ، واستنتاجهم من الآية غير صحيح، فالقول بعدم خلود الكفار في النار، وخروجهم منها إلى الجنة في آخر الأمر، وفناء النار وزوالها من جهنم، يتعارض مع الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة.
إن القرآن يقرر بآياتٍ صريحة خلود الكفار الأبدي في النار، وأنهم لن يخرجوا منها مطلقاً:
стр. 218
قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾.
ولا يمكن لأحد أن يغفل هذه الآيات الصريحة، ولا أن يلغي مفهومها، بل يجب أن يجمع بينها وبين آيات سورة هود -موضوع الكلام- وإزالة ما قد يبدو من تناقض بينها. هذا واجبٌ على كل من ينظر في آيات القرآن، ومن يستخرج منه أدلةً أو مفاهيم أو أحكاماً.
المفهوم القرآني الأصيل الصحيح، هو أن الكفار خالدون في جهنم أبداً، وأن عذاب جهنم دائم، وآيات سورة هود لا تتعارض مع هذا المفهوم، بل تقرره وتؤكده.
لكن هناك إشكالٌ في كلماتها، وهو ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. فلماذا علق خلودهم الدائم بمدة دوام السموات
стр. 219
والأرض، ودوامهما ليس أبدياً؟ ثم لماذا استثنى من الخلود ما أرادت مشيئة الله عدمه؟ وهل هناك من يشاء الله عدم خلودهم في النار؟
نقول: هذه الكلمات مؤكدة لمفهوم الخلود الأبدي للكفار في النار والخلود الأبدي للمؤمنين في الجنة، وجاء هذا التأكيد بصورة جديدة.
إن الآيات تريد أن تقرر للناس الذين يعيشون في هذه الحياة أن الخلود يوم القيامة خلودٌ أبدي، لا ينتهي ولا يزول، ولكن بعض الأفهام لن تدرك ذلك، وبعض الخيالات عاجزةٌ عن تخيُّله: أبديٌّ دائم! كيف؟ ملايين السنين! أحقاب طويلة! ...
أرادت الآيات أن تقرَّب هذا الأمر إلى أذهان الناس وأفهامهم، وأنها تريد أن تقول لهم: ما هي أطول المخلوقات التي ترونها عمراً؟ وما هي أكثرها دواماً؟ إنها السموات والأرض التي مرّ عليها حتى الآن ملايين السنين، ولا يعلم إلا الله كم بقي من عمرها! وكأنَّ الآيات تقول لنا: إن خلود الكفار في النار طويلٌ طويل، ودائمٌ دائم، ويُقرب لكم طوله وديمومته الالتفات إلى ديمومة السموات والأرض، أطول المخلوقات عمراً في الدنيا، وأكثرها دواماً.
أما تشابه الخلود بديمومة السموات والأرض في انقضائه وزواله كما تزول السموات والأرض في المستقبل، فهذا لم تُرده الآيات، ولم توحِ به، وهو يتعارض مع آياتٍ أخرى، تقرر خلودهم الأبدي الدائم.
أما تعليق خلودهم بمشيئة الله في قوله: ﴿إلا ماشاء ربك﴾ فلا يعني تحقق هذا الاستثناء عملياً، وإنما جيء به لمعنى اعتقاديٍّ أساسيٍّ أصيل، يتعلق بصفات الله سبحانه: إن مشيئة الله طليقةٌ لا يقيدها شيء، وإن إرادته سبحانه نافذة لا يعجزها شيء، فهو الذي أدخل الكفار في النار، وقرر خلودهم الأبدي فيها، ولو شاء الله أن يخرجهم منها لأخرجهم، إذ لا يمنعه من
стр. 220
ذلك أحد، ولا يحاسبه على ذلك أحد -سبحانه- لكن هل سيخرجهم؟ الجواب بالنفي. لأن الله سبحانه هو الذي شاء أن لا يخرجوا، وأخبرنا بهذه المشيئة في آياتٍ أخرى، تقرر خلودهم في النار بإرادة الله ومشيئته وقضائه وحكمه وأمره.
﴿إلا ما شاء ربك﴾ قيْدٌ لمعنى اعتقادي، وليس له مفهومٌ عمليٌّ واقعي - والله أعلم.
قال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾: وهو تعبيرٌ يُلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار. وللتعبيرات ظلال، وَظِلُّ هذا التعبير هنا هو المقصود. وقد علّق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين، وكل قرارٍ، وكل سُنَّة معلقة بمشيئة الله في النهاية، فمشيئة الله هي التي اقتضت السنّة، وليست مقيدةً بها، ولا محصورةً فيها، إنما هي طليقة، تبدِّل هذه السنة حين يشاء الله. ﴿إن ربك فعّال لما يريد﴾.
وقال الأستاذ الإِمام محمد رشيد رضا في المنار:
" خالدين فيها ما دامت السموات والأرض: أي ماكثين فيها مُكث خلودٍ وبقاء، لا يبرحونها مدة دوام السموات التي تظلهم، والأرض التي تُقلّهم. وهذا بمعنى قوله في آياتٍ أخرى: ﴿خالدينَ فيها أَبَداً﴾. فإن العرب تستعمل هذا التعبير بمعنى الدوام. وقد غلط من قالوا: المراد مدة دوامهما في الدنيا، فإن هذه الأرض تبدّل وتزول يوم القيامة. وسماء كلٍّ من أهل النار وأهل الجنة ما هو فوقهم، وأرضهم ما هم مستقرون عليه وهو تحتهم، قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء. ورُوي مثله عن السدي والحسن.
إلا ما شاء ربك: أي إن هذا الخلود الدائم هو المعَد لهم في الآخرة،
стр. 221
المناسب لصفة أنفسهم الجهول الظالمة، التي أحاطت بها ظلمة خطيئاتها، وفساد أخلاقها، إلا ما شاء ربك، من تغيير هذا النظام في طورٍ آخر، فهو إنما وُضع بمشيئة، وسيبقى في قبضة مشيئته. وقد عُهد مثل هذا الاستثناء في الأحكام القطعية، للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئة الله تعالى فقط، لا لإفادة عدم عمومها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ أي لا أملك شيئاً من ذلك بقدرتي وإرادتي، إلاّ ما شاء الله أن يملكنيه منه، بتسخير أسبابه وتوفيقه.
وناقش الإمام محمد رشيد رضا هذه المسألة، مناقشةً مستفيضةً مطولةً في تفسير سورة الأنعام، ونقل أقوالاً للصحابة والتابعين في معنى الاستثناء ﴿إلا ما شاء ربك﴾، فقال: " وعن ابن عباس: إن الآية في أهل الكبائر الذين يخرجون من النار بالشفاعات. وعنه في الاستثناء قال: فقد شاء الله أن يخلد هؤلاء في النار، وهؤلاء في الجنة، وعن خالد بن معدان في الاستثناء قال: في أهل التوحيد من أهل القبلة. ومثله عن الضحاك ".
***
стр. 222
﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
قال تعالى:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
تتحدث هذه الآيات عن مصدر القرآن، فتقرر أنه في كتابٍ مكنون، والكتاب هو اللوح المحفوظ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون، لأنه تنزيل من رب العالمين.
وقد حمل كثيرٌ من الفقهاء الكتابَ المكنون على المصحف الشريف، والمطهرون على المسلمين الذين يلمسونه ويقرأون فيه.
ولهذا أصدروا فتوى عامة مضمونها: إنه لا يجوز للمسلم المحْدث حدثاً أصغر -أي غير المتوضئ- أن يلمس المصحف الشريف، ولا أن يقرأ القرآن. واستدلوا بهذه الآية. ووجه استدلالهم بها: أن المطهَّرين هم المسلمون المتوضئون، وطالما أن الآية تحصر لمس المصحف بهم، فإن غير المتوضئين غير مطهَّرين، ومن ثم فلا يجوز لهم مسّ المصحف.
ونرى أن هذا فهمٌ غير دقيق للآية، وتفسيرٌ غير مقبولٍ لها، ومن ثم فهو استدلال غير صحيحٍ منها. إن الآيات لا تتحدث عن المسلمين
стр. 223
المتوضئين، ولكنها تتحدث عن مصدر القرآن، وعن طريقة توصيله لمحمد ﵊، وتبطل شبهات الكافرين حول ذلك.
فقد زعم الكفار أن الجن والشياطين هم الذين يؤلفون القرآن، ويوحون به للرسول ﵊، فهو كلام الشياطين وليس كلام الله!
وقد أبطل القرآن هذه الشبهات ورد على هذه الأكاذيب في مواضع عديدة منه. من ذلك قول الله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
ونفى أن تكون الشياطين هي التي أوحت به، في نفس سورة الشعراء فقال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.
وآيات الواقعة -موضوع البحث- تتحدث عن نفس الموضوع، وتقرر أن القرآن في كتاب مكنون، وهو اللوح المحفوظ، وأن الشياطين والجن لن يصلوا إليه، لأنهم عن السمع معزولون -وإن الذين يلمسونه هناك ويحملونه، أو يوصلونه للرسول ﵇ هم الملائكة- وجبريل ﵇ على وجه الخصوص.
وحول معنى الآيات يقول الأستاذ الإِمام سيد قطب: " إنه لقرآن كريم، وليس كما تدّعون قول كاهن ولا قول مجنون، ولا افترى على الله من أساطير الأولين، ولا تنزلت به الشياطين ... إلى آخر هذه الأقاويل. وإنما هو قرآنٌ
стр. 224
كريم، كريمٌ بمصدره، وكريمٌ بذاته، وكريمٌ باتجاهاته، في كتابٍ مكنون، مصون. وتفسير ذلك في قوله بعدها: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزلت به، فهذا نفيٌ لهذا الزعم، فالشيطان لا يمس هذا الكتاب المكنون، في علم الله وحفظه، إنما تنزلت به الملائكة المطهرون.
وهذا الوجه هو أظهر الوجوه في معنى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فـ (لا) هنا نافية لوقوع الفعل وليست ناهية. وفي الأرض يمس هذا القرآن الطاهر والنجس، والمؤمن والكافر، فلا يتحقق النفي على هذا الوجه، إنما يتحقق بصرف المعنى إلى تلك الملابسة. ملابسة قولهم: " تنزلت به الشياطين ".
ونفي هذا الزعم، إذ لا يمسه في كتابه السماوي المكنون إلا المطهرون. ومما يؤيد هذا الاتجاه قوله تعالى بعد هذا: ﴿تَنْزيلٌ مِنْ رَبِّ العالَمين﴾، لا تنزيلٌ من الشياطين ".
وسيد قطب ليس وحده الذي حمل كلمة (المطهرون) على الملائكة، بل إن الجمهور من الصحابة والتابعين والمفسرين والعلماء السابقين على هذا الرأي، وسيد قطب متابعٌ لهم في أقوالهم:
قال أنس بن مالك: الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، والمطهرون هم الملائكة، المطهرون من الذنوب.
وقال ابن عباس: الكتاب المنزل في السماء، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، أي الملائكة.
وعن علقمة التابعي قال: أتينا سلمان الفارسي ﵁، فخرج علينا من كِنٍّ له، فقلنا: لو توضأتَ يا أبا عبد الله، ثم قرأت علينا سورة كذا
стр. 225
وكذا. قال: إنما قال الله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
وهو الذي في السماء، لا يمسه إلا الملائكَة. ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا.
وعن قتادة في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: ذاكم عند رب العالمين، والمطهرون من الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس.
وعن أبي العالية قال: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: الملائكة، ليس أنتم يا أصحاب الذنوب.
وعن مالك قال: أحسن ما سمعت فى هذه الآية ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: إنها بمنزلة الآيات التي في عبس ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
وعن سعيد بن جبير قال: في كتاب مكنون: في السماء. إلاَّ المطهّرون: الملائكة.
الآية -موضوع البحث- ليست دليلاً على حرمة مس القرآن وحمله لغير المتوضئين، فننتقل للمصدَر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، إلى أحاديث رسول الله ﵇. هل هناك أحاديث صحيحة تمنع ذلك؟ هناك حديث عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده أن النبي ﵇ كتب كتاباً إلى أهل اليمن وكان فيه: " لا يمسّ القرآن إلا طاهر ". رواه الحاكم والبيهقي والطبراني والدارقطني.
لكنه ضعيف. قال الشوكاني في نيل الأوطار: " وفي إسناده سويد بن أبي حاتم، وهو ضعيف. وذكر الطبراني في الأوسط أنه تفرد به.
стр. 226
وحسّن الحازمي إسناده. وقد ضعّف النووي وابن كثير وابن حزم حديث حكيم بن حزام، وحديث عمرو بن حزم ".
قال ابن كثير عن الحديث: " وهذه وجادة جيدة، قد قرأها الزهري وغيره. ومثل هذا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمر وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر. والله أعلم ".
ونظراً لعدم صحة الأحاديث في حرمة مس المصحف للمحْدث حدثاً أصغر، ونظراً لكون الآية ليست في موطن النزاع، فإن الأمر يبقى على الإباحة.
لهذا نقول: لا يحرم. على المسلم غير المتوضئ مس المصحف وحمله والقراءة فيه، بل يجوز فعل ذلك كله، لعدم ورود نص يحرمه عليه ويمنعه منه، وإنْ كان الأوْلى والأفضل والأحسن له أن يكون متوضئاً، من باب توقيره واحترامه لكلام الله. ولكن فرق بين الكمال والفضيلة، وبين الوجوب والإلزام. ونختم كلامنا على تصويب فهم هذه الآية، بقولٍ رائعٍ للإِمام النووي في المجموع: " أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر، والأفضل أن يتوضأ لها.
قال إمام الحرمين وغيره: ولا يقال قراءة القرآن للمحدث مكروهة، فقد صحّ عن النبي ﵇ أنه كان يقرأ القرآن مع الحدَث ".
والقراءة في كلام النووي شاملة للقراءة غيباً، والقراءة في المصحف نفسه.
***
стр. 227
﴿فأولئك هم الكافرون ... الظالمون ... الفاسقون﴾
وردت آياتٌ في سورة المائدة، تحرم التحاكم إلى غير الله، والحكم بغير شرع الله، وتعتبر التحاكم لغير شرع الله والحكم بغير شرعه كفراً وظلماً وفسقاً، وتعتبر الذين يقبلون هذا ويصدرونه ويشرعونه، كافرين وفاسقين وظالمين.
نورد الآيات أولاً، ثم نورد الفهم الخاطئ لها -عند بعضهم- والتحريف لمفاهيمها ودلالاتها، ثم نورد المعنى الصحيح لها، ونستشهد لذلك بأقوال الصحابة والتابعين والعلماء السابقين.
قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا
стр. 228
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
أوردنا الآيات التي وردت فيها تلك الصفات الثلاثة: الكافرون، الظالمون، الفاسقون، لنعيش في ظلال تلك الآيات، ونقف على السياق الذي ورد فيه النص، والموضوع الذي نتحدث عنه. لأنّنا نرى وجوب الوقوف على السياق العام الذي ورد فيه النص، والنظر فيه من خلال النصوص الأخرى، ومن لم يفعل ذلك فلن يخرج بالفهم الصحيح للنص، ولن يحسن استخراج دلالاتٍ منه.
وقف مسلمون معاصرون أمام هذه الآيات، وأمام الصفات الثلاث التي تطلقها على الذين يتحاكمون إلى غير شرع الله، أو يحكمون بغير شرع الله. فقالوا إنها لا تنطبق على حكامٍ مسلمين معاصرين حكموا بغير شرع الله، وسنوا قوانين وتشريعاتٍ ومناهج ونظماً لم يأذن بها الله، وإنما أخذوها من
стр. 229
مناهج وتشريعات الكفار؛ قالوا إن الآيات لا تتحدث عن حكام اليوم، وإن الأوصاف التي فيها لا تنطبق على حكام اليوم.
قال هؤلاء: إن هذه الآيات وما فيها من صفات إنما تتحدث عن المِلل والأقوام قبل الإسلام، وقبل بعثة رسول الله ﷺ ، إنها تتحدث عن اليهود والنصارى. وحجتهم في ذلك أن الكلمات للآيات تقصرها على اليهود والنصارى.
قالت الآية الأولى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ﴾، فالكلام عن التوراة والحكم بها، والتوراة لليهود، وطالب الله الربانيين والأحبار بأن يحكموا بما أنزل الله، فإن لم يفعلوا ذلك فهم كافرون، ولذلك ختمت الآية بتلك الصفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. والآية الثانية تعرض بعض الأحكام الواردة في التوراة في موضوع القِصاص. ثم ختمت بصفة عامة على الأحبار والربانيين الذين لم يحكموا بها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أما التي تصف من لم يحكم بما أنزل الله بالفسق، فإنها تتحدث عن النصارى وتطالبهم بالحكم بالإنجيل فإن لم يفعلوا ذلك فهم فاسقون: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
فالصفات الثلاثة " الكافرون، الظالمون، الفاسقون " -عند هؤلاء- موجّهة لليهود والنصارى ومنطبقة عليهم، فلماذا يعممها مسلمون معاصرون؟ ولماذا يجعلونها منطبقةً على الحكام المعاصرين، الذين لم يحكموا بما أنزل الله؟ ويقوم هؤلاء الذين يشغلون وظائف إسلامية رسمية عند حكام لا يحكمون بما أنزل الله، بتخطئة المسلمين الآخرين الذين فهموا منها العموم.
ومن هؤلاء من يوزع الصفات الثلاثة " الكافرون، الظالمون، الفاسقون "
стр. 230
على أتباع الأديان الثلاثة. فيجعل كلمة " الكافرون " منطبقة -فقط- على اليهود الذين يحكمون بغير التوراة، ويجعل كلمة " الظالمون " منطبقة -فقط- على النصارى الذين يحكمون بغير ما أنزل الله. أما المسلمون الحاكمون بغير ما أنزل الله فهم -عند هؤلاء- فاسقون فقط!.
ويلاحظ أن هذا التقسيم و " التوزيع " لتلك الصفات لا يصدر عن علم أو دليل أو برهان، وإنما يقوم على المزاجية والهوى والتحكم.
ومن المسلمين المعاصرين من يتناولون تلك الآيات من زاويةٍ أخرى، وينظرون في تلك الصفات بمنظارٍ آخر، إنهم يجعلونها منطبقة على حكام المسلمين المعاصرين، لكن بشروط خاصة.
إذا رأينا حاكماً مسلماً معاصراً يحكم بغير ما أنزل الله، فإننا لا نحكم عليه بالكفر والظلم والفسق، بل نسأله عن سبب تركه الحكم بشرع الله، وحكمه بغير ما أنزل الله، نسأله عن نظرته لشرع الله وشرع غير الله.
فإنْ حكم بغير شرع الله إيماناً به، وتصديقاً له، وتفضيلاً له على شرع الله، حكمنا بأنه كافرٌ ظالمٌ فاسق، هذا إذا كان ذلك الشرع يتعارض مع شرع الله!
أمّا إنْ كان يعتقد أنّ شرع الله الأفضل وحكم بغيره فإنه لا يكون كافراً!
إذا أخبرَنا هذا الحاكم بأنه خائف من تطبيق شرع الله، لأنه يخشى أن يهجم عليه الأعداء، ويخطفوه عن كرسيه، ويخلعوه عن سلطانه، فهو يداريهم ويسايسهم فيقصي شرع الله، مع إيمانه به، ويحكم بشرعهم مع كراهيته له. إنْ أخبرَنا هذا الحاكم بذلك فلا يكون كافراً!.
ونرى أن الذي قام به هؤلاء هو تحريفٌ لمعاني الآيات، وتحريفٌ لمعاني الصفات الثلاثة، وتغييرٌ لمفاهيم قرآنيةٍ أصيلة، وإحلالٌ لمفاهيم بديلة
стр. 231
مكانها لم يأذن بها الله ولم تتفق مع شرع الله. ونرى أن الذي دفع هؤلاء إلى التحريف والتغيير، هو الهوى والمصلحة، هو ركونهم للحكام المحاربين لشرع الله، وحرصهم على مرضاتهم، وتهافتهم على وظائفهم ومراكزهم وأموالهم، إن هؤلاء تجار، يتاجرون بدينهم، وينبذُون عهد الله عليهم بالبيان والصدق والشجاعة والصراحة، ويقومون بدله بالتزييف والتذبذب والنفاق، والتحريف والتغيير والتبديل. إنهم ما أرادوا بذلك الكلام الباطل وجه الله، ولا نصرة دين الله، ولا بيان الحق، ولا احترام العلم، ولكنهم أرادوا به نظرة رضى من الحكام الظالمين، وكلمة تشجيعٍ منهم، ولعاعة من الدنيا يمنّون عليهم بها.
والعجيب أن كلام هؤلاء التجار من " المشايخ الرسميين " كله سذاجة وبلاهة، رغم ما فيه من باطل وضلال!
إنهم يسألون الحكام عن سبب عدم حكمهم بشرع الله، واختيارهم أحكام الكفار! يسألون الحكام! من هو ذلك الذي يجرؤ على سؤال الحكام؟ أهو واحد من هؤلاء التجار؟ وهل يملكون قدراً من الشجاعة حتى يوجهون ذلك السؤال؟ وإن ملكوها ووجهوا السؤال، فهل يتنازل الحكام للإجابة على ذلك السؤال؟.
ثم لنفترض أنهم أجابوا فهل نتوقع أن يكونوا صرحاء معنا؟ أي حاكم يواجه شعبه بصراحة؟ ليقول لهم: إنني ما حكمت بشرع الله لأني لا أؤمن به؟ وما حكمت بشرع غير الله لإيماني به! أي حاكم يقبل أن يدين نفسه أو يفتح عليه باباً لا يمكن أن يُغلق؟ ويواجه مشاعر المسلمين مواجهةً صارخةً مكشوفة؟ إنه لا يفعل ذلك إلا من اتصف بالبلاهة والسذاجة و " العبط "؟.
وطالما أنه لا يمكن أنْ يعلنها صريحة إلا ذلك الحاكم الملحد الشيوعي، فالذي يقول بتوجيه السؤال للحاكم، ويجلس ينتظر منه الجواب،
стр. 232
ويتوقع أن يعترف بصراحة، هو الذي يتصف بالسذاجة والبلاهة والغفلة و" العبط ".
كل الحكام -يا سيدي الشيخ- إن اضطروا لمواجهة الشعوب المسلمة، والرد على مطالبها بتطبيق شرع الله، سيقولون إنهم يؤمنون بشرع الله، ولكنهم لا يطبقونه لأن الوقت غير مناسب، والظروف غير ملائمة، أو لأنهم خاضعون لضغوط شديدة من دول كبرى.
لماذا نسأل الحكام عن نظرتهم لحكم الله أو عن موقفهم منه؟ لماذا ننتظر منهم تصريحاً أو جواباً؟ لماذا نحرص على سماع كلامهم وقولهم وصوتهم؟.
وَهَبْ أنّهم أعلنوا قبولهم لشرع الله، وتصديقهم به، هل يكون هذا مقبولاً منهم أو كافياً للشهادة لهم؟ طالما أنهم لا يطبقون شرع الله، بل يحاربونه ويقصونه، ويحلون محله الأنظمة والقوانين والتشريعات المأخوذة عن الكفار أعداء الله.
إن هذا يدل على سذاجة وغفلة الذين يطلبون هذا، وينتظرونه من الحكام، ويتوقفون عليه للحكم لهم أو عليهم.
ما هو المقدَّم في الإِسلام لسان الحال أم لسان المقال؟ وما هو المعتمد في الإِسلام القول أو العمل؟ وإذا اختلف القول مع العمل وتعارضا وتناقضا فأيهما الغالب والأرجح والمعتبر والمعتمد: القول أم العمل؟
إن القول المجرد لا يكاد يساوي شيئاً في الإسلام، فلا بد أن يُتبعه صاحبه بالعمل والسلوك والالتزام، بمعنى أنه لا بد أن تكون حياة هذا الإِنسان متوافقةً مع ما يقوله ويعتقده ويصرح به، فإذا ما تعارضت حياته وتصرفاته وسلوكه وممارساته، متعارضةً مع القول الذي نطق به، فإن هذا الإِنسان عرضةٌ
стр. 233
للذم والعذاب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾.
إن لسان الحال في الإسلام أبلغ من لسان المقال، والمعتمد في الإسلام هو العمل الذي يصدق القول، ولا يُلتفت لقول لم يصدقه العمل، وحتى الإيمان لا بد فيه من عملٍ صالح، يوافق القول والاعتقاد، ورحم الله الحسن البصري حيث يقول: " ليس الإيمان بالتّمنّي ولا بالتَّحلِّي، ولكنه ما وقر في القلب، وصدقه العمل ".
إذا ما اختلف القول والعمل فالمعتبر والمقبول هو العمل، لأن دلالة العمل أقوى من دلالة القول. فرق بين من يقول ويعمل، يقول: " سمعنا وأطعنا ". وبين من يقول ولا يعمل، يقول: " سمعنا وعصينا ".
الصحابة تلقوا الأوامر والتزموا بها، قالوا وعملوا والتزموا، ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
واليهود تلقوا الأوامر فخالفوها، أمرهم موسى ﵇ أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا بألسنتهم: سمعنا وأطعنا، ولكنهم في مجال التنفيذ والالتزام عصوا وتمردوا، فرجح جانب فعلهم المخالف على جانب كلامهم الموافق، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فلو قال الحكام ألف مرة إنهم يؤمنون بحكم الله، ويحبون شرع الله،
стр. 234
ثم خالفوا هذا القول في الواقع، ثم أقصوا شرع الله وحكموا بما لم يأذن به الله، فلا قيمة لكلامهم ولا أثر له، وإنما المعتبر والمعتمد هو فعلهم وعملهم.
هذا إذا قالوا وصرحوا، فكيف إذا لم يقولوا ولم يصرحوا، فكيف نستنطقهم بما لم ينطقوه، ونقولهم ما لم يقولوه، ونقول: إنهم يؤمنون بشرع الله، ويعتقدون أنه الأفضل والأوْلى، ولكنهم عاجزون عن الالتزام به.
إن هذه الغفلة والسذاجة التي تصدر عن هؤلاء الذين يقولون هذا القول، وينظرون بهذا المنظار، ويفهمون هذه الآية هذا الفهم، تذكرنا بقصة الصياد مع العصافير، وهي قصة رمزية هادفة ذات دلالة.
يُحكى أن صياداً اصطاد مجموعة من العصافير في يومٍ بارد، ثم وضعها أمامه، وصار يذبحها واحداً واحداً، والباقي ينظر ويتفرج. وكانت دموع الصياد الجزار تنزل من عينيه بسبب البرد القارس والريح الشديد، فنظر عصفوران إليه وإلى دموعه، فقال أحدهما للآخر: انظر إلى الصياد المسكين، كيف يبدو حزيناً على ذبحنا، إنه يبكي شفقة علينا ورحمة بنا! فقال له العصفور الآخر بفطنة وذكاء: " لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يديه ".
فننصح المسلمين المعاصرين عندما يتعاملون مع الحكام الذين يقصون شرع الله وُيحلِّون مكانه شرع الكافرين، أن لا تخدعهم المظاهر والأقوال والتصريحات التي تصدر عن هؤلاء الحكام ولكن فلينظروا إلى تصرفاتهم وأعمالهم وممارساتهم وقوانينهم. بمعنى آخر نَهدي لهم قول العصفور الذكي: " لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يديه ".
إن الآيات موضوع البحث تتحدث عن الحكام أينما كانوا وحيثما وجدوا، إنها تحذر هؤلاء من الحكم بغير ما أنزل الله، وكل من ارتكب هذه المخالفة منهم، فإن الآيات تصفه بالكفر والظلم والفسوق.
стр. 235
وصفات " الكافرون، الظالمون، الفاسقون " ليست خاصة بالحكام من اليهود والنصارى، ولا خاصة بالذين رفضوا حكم الله عن جحود وإنكار، إنها عامة تنطبق على كل من لم يحكم بما أنزل الله.
وقد وردت أقوالٌ كثيرة عن علماء من سلف هذه الأمة وخلفها في التصريح بهذه الحقيقة، والتأكيد عليها، وتفسر هذه الآيات التفسير الصحيح لها، وتقدم هذا المفهوم الصائب عنها.
قال التابعي الجليل إبراهيم النّخعي عن هذه الآيات: نزلت في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها.
وقال الحسن البصري: نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة.
وقال الشعبي عن تلك الصفات الثلاث: الكافرون، والفاسقون، والظالمون: أوّلها في هذه الأمة، وثانيها في اليهود، وثالثها في النصارى.
وذكرت هذه الآيات عند حذيفة بن اليمان، فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل. فقال حذيفة: نعْم الإخْوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتَسْلُكُنَّ طريقهم قدر الشراك.
وقال ابن عباس: نعْم القوم أنتم، إن كان ما كان من حلو فهو لكم، وما كان من مرّ فهو لأهل الكتاب. كأنه يرى أن ذلك في المسلمين.
وعن حكيم بن جبير قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة " الكافرون، الظالمون، الفاسقون " فقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا. قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها، فقرأت عليه فقال: لا بل نزلت علينا.
стр. 236
وعن علقمة ومروان أنهما سألا عبد الله بن مسعود ﵁ عن الرشوة، فقال: من السحت. فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وعن السدي التابعي: ومن لم يحكم بما أنزل الله: ومن لم يحكم بما أنزلت، فتركه عمداً، وجارَ وهو يعلم، فهو من الكافرين.
وقال الطبري في تفسير هذه الآيات: " إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرين، وكذلك الحكم في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر ".
وقال ابن كثير عن تشريعات التتار وجنكيزخان والباسق الذي شرّعه للناس: " فمن فعل ذلك منهم، فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحكَّم سواه في قليل ولا كثير ".
وقال شارح العقيدة الطّحاوية: " إنّ الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً مخرجاً عن الملة، وقد يكون معصيةً كبيرةً أو صغيرة، وهذا الكفر إما مجازياً، وإما كفراً أصغر -على القولين السابقين- ذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيرٌ فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفرٌ أكبر ".
وقال الشيخ محمد رشيد رضا في المنار: " ذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروطٌ بشرطٍ معروفٍ من القواعد العامة، وهو أن من لم يحكم بما أنزل الله منكراً أو راغباً عنه، لاعتقاده بأنه ظلم، مع علمه بأنه حكم الله، ونحو ذلك، مما لا يجامع الإِيمان والإذعان.
ولعمري إن الشبهة في الأمراء الواضعين للقوانين أشد، والجواب عنهم أعسر، وهذا التأويل في حقهم لا يظهر، وإن العقل يتعسر عليه أنْ يتصور أنَّ
стр. 237
مؤمناً مذعناً لدين الله، يعتقد أنَّ كتابه يفرض عليه حكماً، ثم هو يغيره باختياره، ويستبدل به حكماً آخر بإرادته، إعراضاً عنه، وتفضيلاً لغيره عليه، ويقر مع ذلك بإيمانه وإسلامه ".
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: " إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضحُ وضوح الشمس، هي كفرٌ بَواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام -كائناً من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئٍ حسيب نفسه ".
وقال شقيقه محمود محمد شاكر عن الحكام المعاصرين الحاكمين بغير ما أنزل الله: " فهذا الفعل إعراضٌ عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثارُ لأحكام الكفر على حكم الله ، وهذا كفرٌ لا يشك أحد من أهل القبلة -على اختلافهم- في تكفير القائل به والداعي إليه ".
وقال الأستاذ المرحوم حسن الهضيبي: " أما الحاكم على خلاف الأمر، بمعنى المعطي صفة شرعيةً للشيء أو الفعل على خلاف أمر الله، فهو -بالإجماع- مستجيزٌ خلاف الله ورسوله، جاحدٌ للنص المعلوم له، كافرٌ مشرك ".
ونختم هذه الأقوال بقول الشهيد سيد قطب:
" وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، بهذا الحسم الصارم الجازم، وبهذا التعميم الذي تحمله " مَنْ " الشرطية وجملة الجواب، بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان، وينطلق حكماً عاماً، على كل من لم يحكم بما أنزل الله، في أي جيل، ومن أي قبيل.
стр. 238
والعلة هي التي أسلفنا، هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله، يرفض ألوهية الله، فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية، ومن يحكم بغير ما أنزل الله يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب، ويدّعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر، وماذا يكون الكفر إنْ لم يكن هو هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، والعمل -وهو أقوى تعبيراً من الكلام- ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟!
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة، والتأويل والتأوُّل في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه، وليس لهذه المماحكة من قيمةٍ ولا أثر، في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد ".
ويقول سيد عن الصفة الثانية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: " والتعبير عام، ليس هناك ما يخصصه، ولكن الوصف الجديد هنا هو " الظالمون " وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالةٌ أخرى، غير التي سبق الوصف فيها بالكفر، وإنما يعني إضافة صفةٍ أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله.
فهو كافرٌ باعتباره رافضاً لألوهية الله سبحانه، واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس وهو ظالمٌ بحمل الناس على شريعةٍ غير شريعة ربهم، الصالحة المصلحة لأحوالهم، فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة، وتعريضها لعقاب الكفر، وبتعريض حياة الناس -وهو معهم- للفساد.
стр. 239
وهذا ما يقتضيه اتحاد المسنَد إليه وفعل الشرط ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله﴾ فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول، ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط، وهو " مَنْ " المطلق العام ".
وقال عن الآية الثالثة: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾:
" والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه، وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل، وليست تعني قوماً جدداً، ولا حالةً جديدةً منفصلة عن الحالة الأولى، إنما هي صفةٌ زائدةٌ على الصفتين قبلها، لاصقةٌ بمن لم يحكم بما أنزل الله، من أي جيل، ومن أي قبيل.
الكفر برفض ألوهية الله ممثلاً هذا في رفض شريعته. والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله، وإشاعة الفساد في حياتهم. والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه. فهي صفات يتضمنها الفعل الأول، وتنطبق جميعها على الفاعل، ويبوء بها جميعاً دون تفريق ".
ويصدر سيد حكماً عاماً قاطعاً مستمداً من حسن فهمه للآيات السابقة:
" والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون، والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين ".
وحتى يكون فهمنا للآيات -موضوع البحث- صحيحاً، فلا بد من أن نقرن معها آياتٍ أخرى في موضوع الحكم والتشريع، ووجوب كونه مأخوذاً من شرع الله.
стр. 240
قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
стр. 241
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾
قال الله لرسوله ﷺ :
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
يبالغ بعض المسلمين بمحبة رسول الله ﷺ وتقديره، فيخرج بذلك عن المقدار المأمون الوسط المعتدل إلى الغلو والمبالغة، ويشتط في غلوه ومبالغته، وُيقبل على القرآن علّه يجد فيه آيةً تشهد له.
يقول بعض هؤلاء الغلاة المبالغين في أن كل آباء الرسول ﵊ كانوا مؤمنين باللهِ موحدين له، لم يعرفوا الكفر ولا الشرك، منذ والده عبد الله وحتى آدم ﵇.
وكأنهم يعتبرون القول بهذا من مظاهر وعلامات محبة الرسول وتقديره ﵇، وكأنهم يعتبرون كفر أحد آبائه أو أجداده يقدح في عصمة الرسول ﵊، ويوصِل له ضرراً وأذى، لهذا يريدون إثبات العصمة له، فيزعمون إيمان كل آبائه وأجداده.
وحتى يكون كلام هؤلاء مقبولاً لدى الناس يعتمدون على آية من القرآن، وهي قول الله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. ويزعمون أن معناها
стр. 242
هو: تقلُّب الرسول ﵊ في الرجال المؤمنين منذ آدم ﵇ وحتى والده عبد الله، وتنقُّله في أصلابهم واحداً واحداً، وإنّ هؤلاء كلهم كانوا ساجدين لله وحده، عابدين وموحدين له. ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ وهذا القول ليس صحيحاً، وهذا الفهم للآية محرِّف لمعناها.
إن الآيات التي أوردناها تخاطب الرسول ﷺ . وتأمره بالتوكل على ربه العزيز الرحيم، وتشير إلى فضل الله عليه، وحفظه ورعايته له، وكونه معه في كل حالاته، ينصره ويعينه. وتشير تلك الآيات إلى حالتين من حالات الرسول ﵊، وتجعل هاتين الحالتين خاضعتين لرؤية الله له ورعايته لأموره، حالة الرسول ﵇ وهو وحده خالياً، وحالته وهو مع المسلمين واقفاً بينهم.
تقول له: إن الله يراك حين تقوم لتصلي وحدك، بحيث لا يراك أحدٌ من الناس، وغالباً ما يكون هذا في صلاة التهجد في الليل.
كما أن الله يراك حين تكون مع أصحابك المسلمين، يراك -ويراهم- وأنتم تصلون لله وتسجدون له، يراك وأنت تتقلب بينهم ومعهم ساجداً لربك، وهم ساجدون حولك. يراك حين تقوم تصلي وحدك، ويراك حين تصلي مع أصحابك، وتسجد معهم، وهم يسجدون.
وهذا ما فهمه من الآيات علماء السلف من الصحابة والتابعين:
قال ابن عباس: يراك حين تقوم للصلاة.
وقال عكرمة: يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه.
وقال قتادة: يراك حين تقوم. يراك قائماً وقاعداً وعلى حالاتك.
стр. 243
وتقلبك في الساجدين: في الصلاة. يراك وحدك ويراك مع الجميع.
وقال قتادة أيضاً: في الساجدين: في المصلين.
وقال ابن عباس: في الساجدين: يراك وأنت مع المصلين الساجدين، تقوم وتقعد معهم.
ثم إن القول بإيمان آباء وأجداد الرسول ﷺ جميعاً، يتعارض مع الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة.
ففي صريح القرآن أن أحد آباء الرسول ﵊ كان كافراً باللهِ يعبد الأصنام. إنه آزر والد إبراهيم الخليل ﵇.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.
وهذه آياتٌ صريحة، لا تقبل تأويلاً ولا تحريفاً، تُقرر أن آزر هو والد إبراهيم ﵇، أنه كان يتخذ الأصنام آلهة، وآزر هو أحد أجداد الرسول ﵊. وبهذا نعلم أن الرسول ﵇ لم يتنقل
стр. 244
في أصلاب الساجدين المؤمنين الموحدين لله، لأن أجداده لم يكونوا كلهم هكذا.
هذا وقد وردت أحاديثٌ صحيحة عن أَبَوَي رسول الله ﷺ : روى مسلم عن أنس ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قَفا الرجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي. واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي.
أما استدلال بعض المسلمين بحديث نسبوه للرسول ﷺ : قال: " لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " فهو مردود، لأن هذا الحديث لم يصح، ولم يعزه أحد ممن أوردوه إلى أحد كتب الحديث والسنن.
نعم هناك حديث نسبوه لابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: " لم يلتق أبواي في سفاح، لم يزل الله ينقلني من أصلابٍ طيبة إلى أرحام طاهرة، صافياً مهذباً، لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما ".
ولكن هذا الحديث أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة، وقال العلماء إن هذا الحديث واهٍ ضعيف، لا تنهض به حجة.
ويعجبني كلام الإمام المرحوم محمد أمين الشنقيطي في " أضواء البيان " عند كلامه عن الآية موضوع البحث:
" إن من أنواع البيان التي تضمنها القرآن، أنه يقول بعض العلماء في الآية قولاً، تكون في الآية قرينةٌ تدل على عدم صحته ...
стр. 245
فقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ في الساجِدِين﴾ قال فيه بعض أهل العلم، وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين، أي المؤمنين باللهِ كآدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل ﵈.
واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم ﵇ من آبائه، بقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وممن رُوي عنه هذا ابن عباس.
وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالى قبله مقترناً به: ﴿الذي يَراكَ حينَ تَقوم﴾ فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الرجال إجماعاً. وأول الآية مرتبطٌ بآخرها: أي الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك ومجلسك. ويرى تقلبك في الساجدين على أظهر الأقوال، لأنه ﷺ ، يتقلب في المصلين قائماً وساجداً وراكعاً.
وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم إلى الصلاة وحدك، وتقلبك في الساجدين، أي المصلين على أظهر الأقوال، إذا صليت بالناس ".
هذه الآيات إذن لا تتحدث عن أجداد الرسول ﵇، ولا تقرر أنهم جميعاً كانوا ساجدين لله، بل عندنا آياتٌ صريحة وأحاديث صحيحة، أنهم ليسوا جميعاً كانوا ساجدين لله. وما يمكن أن نأخذه من الآيات هو وجوب توكل الرسول ﵊ على ربه، واعتناء الله برسوله وحفظه له، وعبادة الرسول ﵇ المستمرة التي استوعبت له حياته، وأن الله يراه عندما يصلي وحده، وعندما يصلي مع المسلمين الساجدين.
***
стр. 246
الخاتمة
وإلى هنا يتوقف بنا القلم، فنكتفي بالحديث عن ثلاثين آية من آيات القرآن، موضوعاتها مختلفة متنوعة، أوردْنا فهم بعض المسلمين لها، وأظهرنا ما فيها من الخطأ، ثم قدّمْنا المعنى الصحيح الصائب، واستشهدنا له بآياتٍ وأحاديث، وأقوال علماء ثقات من الصحابة والتابعين.
ونرجو الله أن يعيننا أن نعود لآيات القرآن مرة أخرى، ونقف مع الذين يحرفون معناها وقفةً أخرى، ونناقش الذين لا يحسنون تفسيرها، ويستخرجون أدلةً باطلة منها، وبين أيدينا مجموعاتٌ أخرى، من آياتٍ أصابت معانيها ومفاهيمها تحريفاتهم وتأويلاتهم.
ولعلنا في نهاية هذا الكتاب نعود لنؤكد على حرمة القول في القرآن بلا علم، وحرمة تحريف معانيه ومفاهيمه ودلالاته، وحرمة التزلف بهذا التحريف لأصحاب السلطان والأهواء.
يجب على كل من أراد التعامل مع القرآن وفهْمه وتدبره، أن يتزود بالعلوم الضرورية لذلك - وقد أشرنا لها في أثناء الكتاب، ويجب عليه أن يجمع الآيات المتشابهة في الموضوع الواحد، وأن يعيد النظر في السياق الذي وردت فيه الآية أو الآيات، وأن يطَّلع على ما قاله العلماء الثقات من الصحابة والتابعين وأعلام المفسرين. ويجب علينا جميعاً أن نقف في وجوه
стр. 247
المحرِّفين، وأن نقدّم المعنى الصحيح للآيات، وأن نشفع هذا بالأدلة المختلفة على هذا المعنى، من الآيات الأخرى والأحاديث والمأثورات.
يجب أن نقدم للمسلمين المفاهيم القرآنية الأصيلة الثابتة ليتعرفوا على القرآن، ويزدادوا محبةً له، وتعلقاً به، وتفاعلاً معه. ثم يصوغون حياتهم وفقه، ويبنون مجتمعاتهم على مبادئه وتوجيهاته.
أعاننا الله على القيام بالواجب، وثبتَنا على البقاء مع الحق، وكتب لنا التوفيق والسعادة والنصر والتمكين، والرحمة والرضوان والجنة يوم القيامة.
وصلى الله على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.
***