Полный текст (247 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إسلامية، يجيزون لهم فيها ما فعلوه ضد الدعاة والمصلحين، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً.
ويعتمدون على هذه الآية في فتاويهم وتبريراتهم، فيحرفون معناها ودلالتها وحكمها، ويقتلون الدعاة بها، ويدينونهم من خلالها.
وهم يعلمون أنهم كاذبون محرِّفون ضالون مضلون، لكنه التلاعب بالدين، والتزلف للسلاطين، والتحريف لكلام رب العالمين، والركون إلى الظالمين.
أما الذين تنطبق عليهم الآية، وأما المحاربون الذين تصفهم الآية، والحكام الذين تُحرّم الآية الخروج عليهم، فقد اخترنا -في بيان ذلك- كلاماً للإمام الشهيد سيد قطب، باعتباره ممن عاش هذه المأساة، واصطلى بنار تلك الفتنة، وأصابته الفتاوى الظالمة، والتحريفات الباطلة، وحُكم عليه بالإِعدام، اعتماداً على حكم الآية في المحاربين، حيث اعتبره الضالون من البغاة المحاربين.
" وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها النص، هي الخروج على الإِمام المسلم، الذي يحكم بشريعة الله، والتجمع في شكل عصابة، خارجة على سلطان هذا الإِمام، تعتدي على أهل الإسلام، وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم.
وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله، المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة، لا يحاربون الحاكم وحده، ولا يحاربون الناس وحدهم، إنما هم يحاربون الله ورسوله، حينما يحاربون شريعته، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة، ويهددون دار الإسلام المحكومة بتلك الشريعة.
كما أن للنص -في صورته هذه- مفهوماً آخر متعيناً لهذا المفهوم، هو أن السلطان الذي يحق له -بأمر الله- أن يأخذ الخارجين عليه بهذه
стр. 177
العقوبات المقررة لهذه الجريمة، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله، في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ورسوله، وليس أي سلطان آخر، لا تتوافر له هذه الصفة، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف.
نقرر هذا بوضوح، لأن بعض أذناب السلطة في كل مكان، كانوا يُفتون لحكامٍ، لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله، ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم، ولو زعموا أنهم مسلمون. كانوا يُفتون لهم بأنْ يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات، باسم شريعة الله، بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله، بل يحاربون سلطةً خارجةً على الله ورسوله. إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله، وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله، إنها تغتصب حق الألوهية وتدّعيه، فما لها لا تتملك بقانون الله وتدعيه ".
стр. 178
﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَ﴾
قال تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
إذا أراد الله إهلاك قرية من القرى فإنه يقيم عليهم الحجة قبل إهلاكهم، إنه يأمرهم بالطاعة والعبادة وينهاهم عن الفسوق والعصيان. ولكن المترفين في تلك القرية يعصون أمر الله، ويرفضون طاعته، ويختارون الفسوق والعصيان. عندها يحق عليها أمر الله، ويوقع بها عذابه، ويدمرها تدميراً.
هذا هو المعنى الصحيح، والفهم المستقيم للآية.
لكن بعض المسلمين قد يخطئ النظر فيها، ويخطئ فهم معناها، ويخطئ القول في تفسيرها، فيقول كلاماً، ينسب فيه لله ما لا يليق، ويثير منه إشكالاتٍ وهمية.
معنى الآية عند هؤلاء: أنّ الله يأمر المترفين في الآية بالفسق والعصيان، فيفسقون ويعصون، فيدمرهم الله تدميراً.
وهذا كلامٌ خاطئٌ، فيه نسبة ما لا يليق إلى الله، وزَعْم أنه سبحانه يأمر بالفسق والعصيان.
стр. 179
والقرآن صريحٌ في نفي هذا عن الله سبحانه بآيات صريحة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾.
وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الآية، وصحَّحْنا القول فيها، وصوَّبْنا الفهم لها.
اتفق المفسرون على أن الأمر في هذه الآية: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقوا فيها﴾، ليس من باب الأمر بالفسق والمعصية لأن الله لا يأمر بالفحشاء.
ثم اختلفوا في المراد بالأمر.
فالإمام الزمخشري يرى أنه أمْرٌ لهم بالفسق مجازاً وليس حقيقة، ووجه المجاز عنده، أنه أنعم عليهم بالمال ليشكروا، فجعلوا هذا المال وسيلةً للفسق والعصيان.
قال في الكشاف: " أمرناهم بالفسق ففعلوا. والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لا يكون. فبقي أن يكون مجازاً.
ووجْه المجاز: أنه صب عليهم النعمة صباً، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب إيلاء النعمة فيه. وإنما خوَّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية. فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم ".
стр. 180
وكلام الزمخشري هنا لطيفٌ وطيبٌ وحسن. حيث اعتبر نعمة الله على الناس، ذريعةً للطاعة، وسبباً للتقوى، ووسيلة للشكر.
وهؤلاء المترفون لم يستخدموا هذه النعمة كما يريد الله، ولم يؤدوا فيها حق الله، بل جعلوها ذريعة للفسق والمعصية، وهم لولا هذه النعمة لما تمكنوا من المعصية، ولولا الترف لما تمكنوا من الفسوق واتباع الشهوات.
لقد لاحظ الزمخشري تصرفهم في المال، واستخدامهم للنعمة. وهذا الْتفاتٌ منه إلى أهمية السلوك والتصرف والممارسة العملية، لأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، ومجال العمل أكثر دلالة على حقيقة ما في النفس.
وذهب كثيرٌ من المفسرين إلى أن المراد بالأمر في الآية، الأمر بالمعروف الذي هو ضد النهي، وأنه على ظاهره، وأن متعلقه محذوف، وأن فيها تقديراً.
ومعنى الآية عند هؤلاء: ﴿أمرنا مترفيها﴾: بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوا به. ﴿ففسقوا﴾: أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله. ﴿فحق عليها القول﴾: أي وجب عليها الوعيد. ﴿فدمرناها تدميراً﴾: أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.
وقد علق الإمام الشنقيطي في أضواء البيان على هذا القول الذي أورده بقوله: " وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ".
وبقوله: " وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني، أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان ".
стр. 181
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمر في الآية: أمرٌ كونيٌّ قدَريّ. أي قدَّرنا عليهم ذلك وسخرناهم له، لأن كُلاً ميسرٌ لما خلق له.
وقال بعضهم بأن (أَمَرْنا) بمعنى أكثرنا، أي أكثرنا مترفيها ففسقوا فيها.
وقال بعضهم بأن الميم فيها مشددة " أَمَّرْنا " من التأمير والسلطان، وليس من الأمر، أي جعلنا المترفين أمراء وسلاطين. فيتسلطون على الآخرين ويحكمونهم، وينتج عن حكمهم الفسق والعصيان، لأن الفسق ملازمٌ للترف الفاجر.
قال الإِمام الراغب في المفردات: " وقوله: ﴿أَمَرْنا مترفيها﴾، أي أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه كثّرناهم. وقال أبو عمرو: لا يقال: أَمَرت بالتخفيف في معنى كثرت، وإنما يقال: أمَّرْت، وآمَرْت.
وقال أبو عبيدة: قد يقال: أَمَرْت بالتخفيف، نحو خير المال مُهْرَة مأمورة. وقُرئ: أَمَّرنا: أي جعلناهم أمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا في كُل قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِميها لِيَمْكُروا فيها﴾. وقُرئ أَمَّرنا: بمعنى أكثرنا ".
القراءات في الآية ثلاث:
١ - أَمَرْنا: بالقصر والتخفيف، من الأمر الذي هو ضد النهي.
٢ - آمَرْنا: بالمد والتخفيف، بمعنى كثّرنا المترفين.
٣ - أَمَّرْنا: بالقصر والتشديد، من التأمير بمعنى التسليط والحكم.
وقد وردت أقوال العلماء والسلف بهذه المعاني الثلاثة. أوردها الإمام الطبري في تفسيره الجامع، والسيوطي في الدر المنثور.
стр. 182
قال ابن عباس: أمرنا مترفيها بحقٍّ فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدميرُ.
وقال ابن عباس مرجحاً قولاً آخر فيها: أمرنا مترفيها: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾.
ولذلك لما سال نافعُ بن الأزرق -زعيم الخوارج- ابنَ عباس ﵄ في موسم الحج عن آياتٍ من القرآن. سأله عن معنى ﴿أمرنا مترفيها﴾، فقال: سلطنا الجبابرة عليهم فساموهم سوء العذاب.
قال له نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:
إنْ يُعْطِبُوا يَبْرِموا، وَإنْ أُمِّروا ... يَوْماً يَصيروا لِلْهُلْكِ والْفَقَدِ
وعن أبي العالية: أمرنا مترفيها: أمّرنا عليهم أمراء.
وعن ابن عباس أنه قرأ: آمرنا. قال: أكثرنا فساقها.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول للحي إذا كثُروا في الجاهلية: قد أَمروا بني فلان.
وبعد هذه الأقوال: نقول: المعنى الراجح للآية: أنّ المراد بالأمر حقيقته التي هي ضد النهي. وأن الله يأمر المترفين بالطاعة، فيخالفون أمره، ويقومون بالفسق والمعصية، فيحق عليهم أمر الله، ويوقع بهم العذاب والدمار.
والملاحظ في الآية أنها أثبتت الفسق للمترفين، ولكنها أوقعت التدمير بكل أهل القرية، مترفين وغير مترفين! فما ذنب الآخرين؟
стр. 183
الملاحظ أن غير المترفين معذبون معهم، إما لأنهم شاركوهم الفسوق والعصيان واتباع الشهوات، وذلك لأن المعصية تُعدي، والمترفون يحرصون على إفساد الآخرين ونشر المنكرات والمعاصي والشهوات بينهم، وطالما أنهم المتنفذون فإن الآخرين ينقادون لهم، ويستجيبون لإفسادهم. وتيار الشهوات جارف، ووباؤها منتشر.
وإما لأنهم جبُنوا عن الإنكار، وسكتوا عن الأمر بالمعروف، ولاذوا بالصمت، فلم ينكروا على المترفين فسقهم وفسادهم، ولم يأخذوا على أيديهم، ولم يُحذروا الناس من خلالهم. والله يقول: ﴿وَاتَقوا فِتْنَةً لا تُصِيبَن الذينَ ظَلَموا مِنْكُمْ خاصَّة﴾.
إن هذه الآية تقرر سنة ربانية ثابتة من سنن الله في حياة البشر:
إن المترفين هم سبب الهلاك والدمار. وإن المترفين حريصون على الشر والفسق والفساد بين الآخرين. وإن المترفين مخالفون لأوامر الله، مرتكبون للنواهي والمحرمات. وإن المترفين فاسقون عصاة. وإن الترف ملازمٌ للفسق. وإن الدمار والهلاك والعذاب هو النتيجة المنطقية لكل هذه الجرائم. ولا يظلم ربك أحداً.
***
стр. 184
﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
تَنهى هذه الآية المؤمنين عن أكل الربا، وتصف هذا الربا المنهي عنه بأنه أضعافٌ مضاعفة. وتطالبهم بتقوى الله وترك الربا، إن أرادوا فلاحاً وفوزاً، وتوفيقاً وسعادة.
وينظر بعض المتلاعبين بالنصوص، أو المستهزئين بالأحكام الشرعية، أو ممن باعوا دينهم بدنيا غيرهم، من الذين تَزَيَّوا بزي العلماء، وشغلوا مراكز إسلاميةً رسميةً، عند حكوماتٍ قائمة، تتعامل بالربا وتأكله وتعيش عليه، وتجعله قاعدة نظامها الاقتصادي، فيسارع هؤلاء التجار بإصدار الفتاوى لحكامهم يبيحون لهم فيها الربا.
ينظر هؤلاء في هذه الآية، فيحرفونها عن معناها، ويسيئون فهمها، ويعتبرونها دليلاً على إباحة الربا، إذا كانت فائدته قليلة.
ويقول التجار هؤلاء بأن الربا ليس حراماً، إلا إذا كان أضعافاً مضاعفة تتجاوز الثلث أو النصف. أما إذا كان الربا قليلاً لا يتجاوز العشرة أو الخمس
стр. 185
عشرة بالمائة، فإنه مباحٌ وليس محرَّماً في دين الله. وعندما تطالبهم بالدليل على هذه الفتوى الجائرة، يقدمون هذه الآية: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.
وهم مغالطون محرِّفون، وهم يعلمون أنهم مغالطون محرفون، وأنهم يكذبون على الله ورسوله ودينه. ولكنه الضلال والانحراف. وصدق الله حيث يقول فىِ هؤلاء: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾.
لقد صدرت عدة فتاوى في العصر الحاضر، من عدد من الشيوخ الذين شغلوا مناصب رسميةً عليا، في دول عربية وإسلامية، أباحوا فيها لهذه الدول التي تتعامل بالربا، أن تتعامل بنوكها بالربا، وأن تُصدر قروضاً بالربا لمواطنيها، وأن عملها ليس حراماً ما دام الربا دون العشرة بالمائة.
كما أباح بعضهم للدولة، أن تأخذ قروضاً بالربا من الدول الأخرى والبنوك الدولية، لأن المحرم عند هؤلاء، هو الذي يكون بين الأفراد، وليس ذلك الذي يكون بين الدول.
وهذه الفتاوى ما أرادوا بها وجه الله، بل التزلف للحاكمين، وإرضاء انحرافاتهم، وتبرير منكراتهم، وهم بذلك نالوا غضب الله سبحانه.
الآية -موضوع البحث- لا تدل على إباحة الربا القليل. كل ما يؤخذ منها: أنها تشير إلى طبيعة الربا المتداول بين الناس في العصر الجاهلي القديم، وهو أنه يتضاعف أضعافاً مضاعفة. فإذا عجز المدين عن السداد في الوقت المحدد طالب بتمديد المدة مقابل مضاعفة الربا، وبهذا يتضاعف عدة مرات.
стр. 186
﴿أضعافاً مضاعفة﴾ في الآية، ليس قيداً للربا المحرم، وإنما هو وصفٌ لبيان الواقع التاريخي، الذي كان يعيشه الناس في ذلك الزمان.
أما القرآن فإنه صريحٌ في تحريم الربا كله، قليله وكثيره، ولو كان درهماً واحداً، ولو كان أقل من واحدٍ بالمائة.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرمَ الرِّبا﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
قال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: " نقف عند الأضعاف المضاعفة، فإن قوماً يريدون في هذا الزمان، أن يتواروا خلف هذا النص، ويتداروا به، ليقولوا إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة. فليست أضعافاً مضاعفة، وليست داخلة في نطاق التحريم!
ونبدأ فنحسم القول، بأن الأضعاف المضاعفة وصفٌ لواقع، وليست شرطاً يتعلق به الحكم. والنص الذي في سورة البقرة قاطعٌ في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد ﴿وَذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِّبا﴾ أياً كان!
فإذا انتهينا من تقرير المبدأ، فرغنا لهذا الوصف، لنقول: إنه في الحقيقة ليس وصفاً تاريخياً فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعةً في الجزيرة، والتي توَجَّه إليها النهي هنا بالذات. إنما هو وصفٌ ملازمٌ للنظام الربوي المقيت، أيّاً كان سعر الفائدة.
стр. 187
إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة. ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عملياتٍ مفردة ولا بسيطة. فهي عملياتٌ متكررةٌ من ناحية، ومركبَّةٌ من ناحيةٍ أخرى، فهي تُنشئ مع الزمن والتكرار والتركيب، أضعافاً مضاعفة بلا جدال.
إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائماً هذا الوصف. فليس هو مقصوراً على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب. إنما هو وصفٌ ملازمٌ للنظام في كل زمان ".
***
стр. 188
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
التعاون بين المسلمين ضرورةٌ حياتية، وحقيقةٌ بدهية. ولكن هذا التعاون نوعان: تعاونٌ مطلوب، وتعاونٌ ممنوع. وهذا الحكم حسب المجال الذي يكون فيه التعاون. فهو مطلوبٌ مندوبٌ مرغوبٌ فيه عندما يكون مجاله مباحاً، وميدانه مسموحاً، ووسائله مشروعة. بينما يكون ممنوعاً محرَّماً منهياً عنه، عندما يكون مجاله محرَّماً، ووسائله غير مشروعة.
وهذه الآية تشير إلى النوعين، وتعرِّفنا على المجالين، وتبين لنا متى يكون مطلوباً، ومتى يكون ممنوعاً.
التعاون مطلوبٌ مرغوبٌ فيه، عندما يكون على البر والتقوى. والتعاون محرَّمٌ منهيٌّ عنه، عندما يكون على الإثم والعدوان.
ويقوم بعض المحرفين في هذا الزمان -وما أكثرهم- بتحريف معنى هذه الآية، والاستشهاد فيها في غير ما سيقت له، وما لا تدل عليه.
стр. 189
كم من الأعمال المحرَّمة استشهدوا لجوازها بهذه الآية، واعتبروها تعاوناً على البر والتقوى، وكم من الوسائل غير المشروعة اعتبروها تعاوناً على البر والتقوى، وكم من المجالات الممنوعة اعتبروها تعاوناً على البر والتقوى.
هناك جمعياتٌ تزعم عمل الخير، وتدَّعي أنها جمعياتٌ خيرية، تقوم بأعمالٍ غير مشروعة شرعاً، وتطلب من الآخرين دعمها ومساعدتها والتعاون معها، فتُصْدر ما أسمته " اليانصيب الخيري " -وهو المسمى في الشريعة " القمار "- وتزعم أن ثمن هذا اليانصيب مخصصٌ للأعمال الخيرية، وتجعل الآية شاهدةً لها، وشعاراً لعملها. و ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وهناك جمعياتٌ أخرى تستقدم فرقاً راقصة، وتعرض مسرحيات محرمة، وتقدم نساءً متبرجات، وأغنيات باطلة، وموسيقى فاجرة، وتزعم أن كل هذا تعاونٌ على البر والتقوى.
وبعض الناس قد يقومون بأعمال الغش والتزوير والخداع، ويجعلونها تعاوناً على البر والتقوى. فقد تجد طالبَيْن في الامتحان يتفقان على تبادل الغش فيه، ويعتبران هذا بِرّاً ومساعدةً وتعاوناً، ويهتفان لك: وتعاونوا على البر والتقوى.
وكل هؤلاء مخطئون في أعمالهم، مخطئون في استشهادهم بهذه الآية، وإن أعمالهم في الحقيقة تدخل ضمن القسم الثاني منها، إنها تعاونٌ على الإثم والعدوان.
ونلاحظ في هذه الآية أنها قرنت بين أمرين مباحين ووسيلتين مشروعتين، وهما " البر والتقوى "، كما قرنت بين أمرين محرمين ووسيلتين غير مشروعتين، وهما " الإثم والعدوان ".
وهناك آياتٌ أخرى فعلت ذلك. منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ
стр. 190
فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
فالبر مقرونٌ بالتقوى. وكل الأمور المباحة والأعمال المشروعة هي برٌّ وتقوى، والتعاون عليها تعاونٌ على البر والتقوى. وما أكثر هذه الخصال والمجالات والأعمال في حياة المسلمين! فلماذا لا يتعاونون عليها، والتعاون عليها واجبٌ إسلامي، وعبادةٌ ربانية، وسبيلٌ لنيل الأجر عند الله ونفع وعبادة، وأحب الناس إلى الله أنفعهم لعباده.
والإثم مقرونٌ بالعدوان، وكل تعاونٍ فيه تعاونٌ على باطلٍ محرم، وسببٌ لغضب الله وعذابه. وقد ذم الله أهل الكتاب في تعاونهم على الإثم والعدوان، ومسارعتهم فيه بقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 191
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾
قال تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
تقرر هذه الآية وجوب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترتب على هذا الفلاح والنجاح والفوز، وتوجب على المسلمين أداء هذا الواجب، والقيام بهذه المهمة.
وقد ورد التكليف بهذه العبارة ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ... ﴾.
قد يقف أحدهم أمام العبارة، ويحاول أن يوظفها دليلاً على تهربه من القيام بهذا الواجب، باعتبارها لا تخصه هو، وإنما تخص مجموعة من المسلمين فقط.
تستوقفه كلمة " من " في العبارة، فيعتبرها بمعنى التبعيض، وتدل -عنده- على أن هذا التكليف واجبٌ على بعض المسلمين وليس على مجموعهم. لذلك تراه يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس واجباً على كل مسلم، فإذا لم يقم به بعض المسلمين لا يكون تاركاً لواجب، ولا عرضةً للنار يوم القيامة. وإنما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجبٌ
стр. 192
على مجموعةٍ من المسلمين -على حسب فهمه- وهم العلماء والشيوخ والموظفون في وظائف إسلاميةٍ رسمية، يقومون بهذا في الخطب والدروس والمحاضرات والندوات. أما هو وأمثاله فما لهم ولهذه المهمة الصعبة، والأمر الشاق؟
وهذا وأمثاله مخطئون في هذه النظرة، وهذا الفهم، وهذا الحكم، وهذه النتيجة.
وهب أنّ " مِنْ " في الآية للتبعيض -كما قال بعض المفسرين- فلا تدل الآية على أن هذا الواجب على بعض المسلمين فقط، لورود آياتٍ أخرى صريحةٍ، توجبه على كل مسلم.
لقد اختلف المفسرون في معنى " مِن ":
فقال بعضهم إنها للتبعيض. أي لِيَقُمْ بعض أفراد الأمة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحجة هؤلاء في هذا: أن القيام بهذا الواجب له شروطٌ لا بد منها، فلابد أن يكون المسلم عالماً بما يأمر وينهى، ملمّاً بكثيرٍ من العلوم والمعارف والأحكام والقضايا، متّصفاً بكثيرٍ من الصفات الضرورية. ولا يتيسر هذا لكل مسلم، وإنما لمجموعةٍ مختارةٍ منهم.
وقال جمهور المفسرين إنها بيانية، ومعناها: كونوا أيها المسلمون جميعُكم، أمةً، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وهذا التعبير واردٌ في الأساليب العربية. فقد تخاطب ابنك قائلاً: أريد منك رجلاً قوياً. وقد تخاطب أخاك قائلاً: ليكن لي منك أخٌ مخلص. وقد تخاطب طلاباً قائلاً: ليكن منكم طلابٌ مجدّون.
فالآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لعامة المسلمين بهذا الواجب، وخطابٌ لكل مسلم ليقوم بهذا الأمر.
стр. 193
هذا وقد وردت آياتٌ صريحةٌ، تقرر وجوب هذا على كل مسلم:
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
وقال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وقال تعالى عن المؤمنين الناجين من الخسران: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
فهذه الآيات مجتمعةً يؤخذ منها حكمٌ واحد، هو شمول هذا الواجب لكل مسلم ومسلمة. وهذه الآيات ترجح أن " مِنْ " في الآية -موضوع الكلام- للبيان وليست للتبعيض.
ولو كانت للتبعيض -كما قال الزمخشري في الكشاف- فإنها تتحدث عن مجموعةٍ مختارة في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى هذا الرأي لا بد أن نجمع بين هذه الآية وبين الآيات الأخرى التي توجب هذا الواجب على جميع المسلمين.
стр. 194
فنقول: هناك مجالان ملحوظان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله:
مجال الدعوة العامة: وهذا واجبٌ على كل مسلم أينما كان، يذكّر بالله وينصح المسلمين، وإذا رأى منكراً أنكره، وإذا رأى معروفاً أثنى على صاحبه، وهذا ما نأخذه من الآيات الصريحة في إيجابه على الجميع.
ومجال الدعوة الخاصة: وهي الدعوة المتخصصة المتعمقة، التي يُشترط لها العلم والمعرفة، فيقوم بها المؤهَّلون من العلماء والدعاة، في خطبهم ودراساتهم وأبحاثهم ومحاضراتهم، وهذا نأخذه من آية آل عمران: ﴿ولتكن عنكم أمة﴾ - باعتبار أن " مِن " للتبعيض.
هذا ولا يلزم أن يكون كل مسلم ملمّاً بالعلوم والأحكام، بحيث نشترط هذا لقيامه بواجب الدعوة. فكل مسلم يدعو بمقدار جهده ومعرفته، وينشر من العلم ما اطلع عليه وتعلمه، ويبين للآخرين ما وصل إليه من أحكام الحلال والحرام.
وبهذا يتفاوت مقدار الواجب في الدعوة على المسلمين -بعد اتفاقهم في أصل الوجوب- فكلٌّ يدعو بالمقدار الذي يستطيعه، ويعلمه، ويقدر عليه.
المهم أن الدعوة إلى الله واجبةٌ على الجميع، والأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفٌ لكل مسلم ومسلمة. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
***
стр. 195
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
الحقيقة التي تقررها هذه الآية أن العلماء هم أقرب الناس إلى الله، وأكثر الناس خشية لله، لأن علمَهم عرّفهم بربهم، ومعرفتهم بربهم ملأت قلوبهم خشية له، وتعظيماً لمقامه، وطلباً لمرضاته، ورغبةً في طاعته.
والعلماء الذين تُثني عليهم الآية هم العلماء المؤمنون الصالحون العابدون لله، الذين يزيدهم علمهم طاعةً وعبادةً، وابتعاداً عن المعاصي والفواحش.
لكننا نرى بعضهم في هذا الزمان يعمم الآية على جميع العلماء، ويُدخل فيها علماء العلوم المادية البحتة من الشرقيين والغربيين، مثل علماء الطب والهندسة والفلك والاختراعات والذرّة، وعلماء النفس والمجتمع والحياة، فيجعل الآية تثني على هؤلاء المتخصصين بهذه المجالات، وتمدحهم، وتجعلهم أكثر الناس خشية لله. ولو كان العالم منهم كافراً باللهِ، مشركاً به، ولو كان منغمساً في الشهوات، مسرفاً في الملذات، مقبلاً على المعاصي، ولو كان يستخدم علمه في نشر الشر والفساد والرذيلة، واكتشاف ما يضر بالبشرية، ويوقعها في الهلاك والدمار.
стр. 196
وهذا خطأٌ بيّن، وتلاعبٌ من هؤلاء بمعاني آيات القرآن، وتغييرٌ لمفاهيمها.
إن الآية تتحدث عن العلماء المؤمنين الخاشعين الصالحين العابدين، وهذا هو سياقها الذي وردت فيه.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
العلماء الذين يخشون الله، هم: ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾، كما حددت الآية.
هذا ما فهمه المفسرون منها، قال الإمام الزمخشري في تفسيرها: " المراد العلماء به، الذين عرفوه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظَّموه وقدَّروه حق قدره، وخشوه حق خشيته. ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقلّ كان آمن ".
ومن أعاجيب الأغاليط في هذا المقام أن بعضهم يقول: ﴿إنّما يخشى اللهُ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءَ﴾، فيجعل الله هو الذي يخشى العلماء، ويحسب لهم حساباً، ويحذر منهم -سبحانه. وقائل هذا متفقٌ مع الأساطير اليونانية الوثنية، حول الصراع المَرير بين الآلهة والإنسان، وخشيتها له، وخوفها منه- كما في أسطورة " برومثيوس " مثلاً.
стр. 197
بعد هذا التصحيح والتصويب نقرر: أن الأصل في العلماء -على اختلاف تخصصاتهم العلمية والحياتية والإنسانية- أن يكونوا أكثر الناس خشيةً لله، وأشدهم له حباً، وأحرصهم على طاعته ومرضاته.
وإن العلم -مهما كان نوعه ومجاله- إذا طلبه صاحبه بتجرد وموضوعية، يقوده إلى ربه، ويدعوه للإيمان به، ويحضه على عبادته، ويزيده من خشيته. وما من عالم طلب العلم بهذه المواصفات، وتفاعل معه بقلبه وروحه وكيانه، إلا وقد ازداد إيماناً بربه، وخشيةً له، والتزاماً لأوامره.
العلم يدعو للإيمان والخشية، فإذا لم يحقق أصحابه هذا في حياتهم فهم المقصرون.
***
стр. 198
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
قال تعالى:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ﴾.
كثيراً ما يستشهدون بهذه الآية على تمجيد العلماء، والثناء عليهم والإِشادة بهم، ولو كانوا من علماء الطبيعة والمادة والعلوم والاختراعات والاكتشافات، ولو كانوا كافرين بربهم، عاصين له محاربين لأوليائه ودينه.
كثيراً ما حرَّف بعض المسلمين معنى هذه الآية، وخرجوا منها بفهم سقيم خاطئ. فتجدهم يتحدثون عن فضل العلم والعلماء مطلقاً، ويرغبون في العلم مجرداً، ويمدحون العلماء أياً كانوا. وسرعان ما تسمعهم يقولون: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
الآية لا تتحدث عن العلم المجرد، ولا عن العلماء بإطلاق. الآية تتحدث عن طائفةٍ خاصةٍ من العلماء، ومجموعةٍ مباركةٍ منهم، وتعرض لسمات هؤلاء، وتبين صفاتهم. وتدعو كل من أراد أن تنطبق عليه أن يوجد في نفسه وحياته هذه الصفات والخصائص.
العالم الذي لا يساويه غيره، والجدير بأن يُسمى عالماً، ليس ذلك
стр. 199
الذي يحمل الشهادات العالية، أو يتخصص التخصصات العلمية النادرة، أو يعيش في معمله ومختبره وميدانه الساعات العديدة والآيام الطويلة، العالم الجدير بأن يُسمى عالماً، هو الذي جمع بين ما سبق، وبين ما تقدمه الآية من صفات.
هذا العالم المقبول عند الله، هو الذي يبيت آناء الليل ساجداً أو قائماً، يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. هو الذي قاده علمه إلى الاتصال باللهِ، وربط قلبه بربه. هو الذي جمع بين علم العالم، وإيمان المؤمن، وعبادة العابد، وقنوت القانت. هو الذي يعتبر علمه عبادة لله مثل الشعائر التعبدية، هو الذي يعبد الله في محراب العبادة، وفي المعمل والمختبر، هو الذي يتوجه إلى ربه بصلاته وبعلمه وبتجاربه واختباراته، وينسِّق بين كل هذه المجالات بفطنة وذكاء، وإيمان وإخلاص.
هذا هو العالم الذي تمدحه الآية، وتقرر أنه لا يستوي مع غيره ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
قال سيد قطب، ﵀، في تفسير الآية: " هذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة. هذا هو: القنوت لله، وحساسية القلب، واستشعار الحذر من الآخرة، والتطلع إلى رحمة الله وفضله، ومراقبة الله، هذه المراقبة الواجفة الخاشعة. هذا هو الطريق.
ومن ثم يدرك اللب ويعرف، وينتفع بما يرى ويسمع وما يجرب، وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة، من وراء المشاهدات الصغيرة. فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة، والمشاهدات الظاهرة، فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء ".
стр. 200
المراد بالعلماء في الآية إذن هم القانتون العاملون، وغيرهم ليسوا علماء ولا قانتين ولا عاملين، وإنما هم جهلاء لا يعلمون. قال الإِمام الزمخشري: " وأراد بالذين يعلمون: العاملين من علماء الديانة، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراءٌ عظيمٌ بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويقتنون ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء ".
***
стр. 201
﴿لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
قال تعالى:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾.
يستشهد بعضهم بهذه الآية على التقدم العلمي الذي وصلت إليه البشرية في هذا العصر، ويستخرجون منها إمكانية الانطلاق من الأرض، واختراق أجواء الفضاء والوصول إلى الكواكب الأخرى مثل القمر والمريخ وغيرها.
لقد وصل التقدم العلمي في هذا العصر إلى قمم شامخة. وطافت سفن الفضاء الأميركية والروسية الفضاء الخارجي، وحصل بين الدولتين سباقٌ متزايد، وتنافسٌ مستمر.
وتحت تأثير هذا الوضع العلمي، يلجأ بعض المسلمين إلى القرآن، يبحثون فيه عن آية تشير إلى هذا التقدم، وإلى ما أوجده من مراكب وسفن فضائية. ويقفون أمام هذه الآيات ليقولوا: إن القرآن أشار إلى إمكانية غزو الفضاء، وإيجاد سفن الفضاء، وأن البشرية ستخترق يوماً أجواء الفضاء، وأنها ستملك السلطان إلى ذلك.
стр. 202
والمراد بالسلطان عند هؤلاء هو سلطان العلم، فبالعلم تمكنوا من الوصول إلى الكواكب واختراق الفضاء.
واستشهاد هؤلاء بالآية غير صحيح، وحملهم السلطان على العلم غير صحيح، وجعلهم الآية دليلاً على اختراق الفضاء غير صحيح.
إن الآية تتحدى الإنس والجن معاً، وتسجل أنهم عاجزون عن النفاذ من أقطار السموات والأرض، واختراق أجواء السموات والأرض. بمعنى أنهم عاجزون عن الانطلاق من السماء الدنيا إلى السموات الأخرى، عاجزون عن الوصول إليها، وأنهم مهما بلغت قوتهم وعظمت قدرتهم، فسيبقون عاجزين عن ذلك، وسيبقى عجزههم مستمراً حتى قيام الساعة.
وتقرر الآيات أنهم إذا حاولوا اختراق السماء الدنيا للسماء الثانية، فإن الله سيرسل عليهم شواظاً من نار ونحاساً فيحترقون.
وتبين الآيات أن مَنْ أراد الله له أن يخترق أقطار السموات والأرض فسيخترقها بإذن الله. فالمراد بالسلطان في الآيات هو إرادة الله وقدرته ومشيئته سبحانه.
ولا تخبرنا النصوص إلا عن نبيَّيْن كريميْن، أراد الله لهما اختراق أقطار السموات والأرض.
الأول: هو عيسى بن مريم ﵇ على القول بأن الله رفعه إلى السماء بروحه وجسده، وأنه الآن حي في السموات بروحه وجسده.
والثاني: هو محمد بن عبد الله ﵊، الذي جرى له ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج، حيث عُرج به إلى السموات العلى، واخترق السموات السبع واحدةً واحدة، حتى جاوز السماء السابعة، ووصل إلى سدرة المنتهى.
стр. 203
أمامنا كلمات في الآيات:
أن تنفذوا: النفوذ: الاختراق، ونفذ: اخترق. يعني إن استطعتم أن نخترقوا أقطار السموات والأرض.
أقطار السموات والأرض: الأقطار جمع قُطر. والقُطر هو الجانب، أي جوانب وأجواء ومجالات السموات والأرض.
شواظ: اللهب الذي لا دخان فيه. وهذا اللهب من النار، والنحاس المذاب المصهور في النار.
المفسرون على أن هذه الآيات تحدٍّ للإنس والجن، في أنهم عاجزون عن الهرب من ملك الله، والخروج من سلطان الله، والتفلت من قضاء الله. فأينما ذهبوا فهم في أقطار السموات والأرض، وفي ملك الله وسلطانه سبحانه. فإذا ما حاولوا الهرب فإن الله سيحرقهم، بإرسال الشواظ الملتهب الممزوج بالنحاس المذاب.
هذا ما قاله علماء السلف في معنى الآيات، وفي المراد بالسلطان فيها:
عن ابن عباس ﵄ قال: لا تنفذون إلا بسلطان: لا تخرجون من سلطاني. وعن قتادة قال: إلا بسلطان: إلا بمَلَكَة من الله.
وعن ابن عباس قال: الشواظ هو اللهب الذي لا دخان فيه.
وقال: النحاس: هو الصِّفر المذاب.
وقال الإمام ابن جرير في تفسير الآية: " إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض، فتُعجِزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ذلك، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم ".
стр. 204
وأما السلطان، فقد ذَكَر أنه قد يراد به الحجة والبينة -وهو الذي رجحه- وقد يُراد به الملك والملكة والتمكين من الله - وهو ما نرجحه نحن.
وقال القُمِّي النيسابوري في غرائب القرآن: " هدَّد الثقلين بأنهم لا يستطيعون الهرب من أحكامه وأقضيته. وقال: " السلطان: القوة والغلبة: أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام، ولا سلطان، فلا مفر ".
وأبطل الإِمام الشنقيطي في أضواء البيان، أن يكون المراد بالسلطان العلم، من وجوه:
الأول: إن الآية إعلام الله للإنس والجن أنهم لا محيص لهم، ولا مفر عن قضائه، ونفوذ مشيئته فيهم.
الثاني: إن الجن كانوا يطيرون في الفضاء، ويسرقون السمع من السماء قبل البعثة المحمدية. فلو أريد بالسلطان العلم لما كان لذكر الجن فائدة.
الثالث: إن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية، أهون على الله من أن يُطلق عليه اسم السلطان.
الرابع: إنا لو سلّمنا أن المراد سلطان العلم فلا يستقيم مع بقية الآيات حيث أتبعه بقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ﴾. وهو يدل على أنهم لو أرادوا النفوذ من أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس ".
ثم من هو الذي يقول إن العلماء الروس والأميركان استطاعوا النفاذ من أقطار السموات والأرض؟ ومن هو الذي يقول إن السفن الفضائية تمكنت من
стр. 205
اختراق أقطار السموات والأرض؟ ومن هو الذي يعتبر نزول هذه السفن على كواكب القمر أو المريخ أو زحل أو عطارد أو غيرها هو اختراق لأقطار السموات والأرض؟
إن كل ما قاموا به -وما سيقومون به- هو بقاءٌ لهم في أطراف السماء الدنيا الأولى. وما هذه الكواكب التي نزلوا عليها إلا ضواحي من ضواحي الأرض لقربها منها.
إنهم ما زالوا يطوفون -وسيبقون يطوفون- في أطراف السماء الدنيا ومجالاتها وجوانبها، وهم يفعلون هذا بإذن الله ومشيئته وإرادته. والآية لا تصف أعمالهم ولا تشير إليها.
إن الآية تتحداهم -ومعهم الجن- في اختراق السماء الأولى إلى السماء الثانية، وتبين لهم استحالة قيامهم بذلك، فإذا حاولوا سيُحرقون باللهب الممزوج بالنحاس المذاب.
إن هذا الكون هائل، وهذا الفضاء شاسع، وهذه السماء الدنيا سعتها لا يعلمها إلا من خلقها، وحديثاً اكتشفوا كوكباً ضخماً يبعد عن الأرض خمسة عشر مليون سنة ضوئية! فكيف يخترقون كل هذا ويصلون للسماء الثانية؟ إنه لأمرٌ مستحيل!
***
стр. 206
﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾
قال تعالى:
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
تقرر هذه الآية استحالة العدل بين الزوجات -لمن تزوج بأكثر من واحدة- ولو حرص الرجل على ذلك.
لكن ما هو هذا العدل المنفي والمستحيل؟ هل هو العدل الظاهري الخارجي، في المعاملة بين الزوجات والعِشْرة معهن؟ أم هو العدل القلبي في المودة والمحبة؟
وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل، وقبل أن نقدم المعنى الصائب للآية، نشير إلى تحريف بعض الناس لمفهومها:
هناك أعداءٌ لهذا الدين، وهناك سذجٌ من المسلمين، يرددون شبهات الأعداء. ويثير الفريقان كثيراً من الإشكالات والشبهات ضد هذا الدين، وأحكامه وقيمه ومبادئه.
стр. 207
ونالت شبهاتُهم -فيما نالت- مبدأ تعدد الزوجات الذي أباحه الله للمسلمين، بنص القرآن وتطبيق الصحابة له. ويحارب أعداء الدين والسذج من المسلمين، هذا الحكم الرباني والرخصة الإسلامية، وحتى يموهوا على المسلمين بهذا الخبث، يقولون: إن القرآن نفسه يبين استحالة العدل بين الزوجات، وهذا العدل المستحيل -في زعمهم- هو العدل الظاهري المادي الخارجي في العِشرة والنفقة، وطالما أنه مستحيل، فلا يجوز تعدد الزوجات بناءً على حكم هذه الآية؟؟
وهذا ضلالٌ عريض، وتحريفٌ خبيث، وخطأٌ واضح. فالقرآن أباح التعدد بقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
أباح الله للمسلمين تعدد الزوجات -ولم يوجبه عليهم- واشترط العدل بين الزوجات. والعدل المشروط الواجب التطبيق، هو العدل الخارجي المادي، بحيث يعدل الرجل بين زوجاته، في المعاشرة والقِسمة والنفقة والمعاملة والحياة المادية.
أما الآية الثانية التي تنفي العدل بين الزوجات، فإنها تنفي العدل القلبي، والميل القلبي، وتبين أنه يستحيل تحقيقه، فلا بد أن يكون لإحدى الزوجات في قلب زوجها من المحبة ما ليس للأخريات، وأن يميل لها قلبياً أكثر من ميله للأخريات. وقلبه لا سلطان له عليه، فلا يؤاخذه الله على ذلك.
المهم أن لا يتحول هذا الميل القلبي، إلى جَوْرٍ في المعاملة الظاهرية، بحيث يقدم لهذه التي زاد حبه لها من المعاملة والعطاء أكثر من غيرها. إنْ فعل ذلك يكون آثماً ظالماً.
стр. 208
هذا المفهوم القرآني السليم طبّقه رسول الله ﷺ ، وأشار إليه.
روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن عائشة ﵂ قالت: " كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ".
وأخرج هؤلاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما. جاء يوم القيامة وأحد شِقَّيه ساقط ".
وخير من يرد على أولئك المحرفين لمعاني الآيات، المتلاعبين بمفاهيمها، الأستاذ سيد قطب، حيث يقول: " والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، فلا يطالَب به أحدٌ من بني الإنسان، لأنه خارج عن إرادة الإنسان. وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلاً على تحريم التعدد، والأمر ليس كذلك، وشريعة الله ليست هازلة، حتى تُشَرِّع الأمر في آية، وتُحَرِّمه في آية، بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال! فالعدل المطلوب في الآية الأولى، والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق، هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة، وسائر الأوضاع الظاهرة ".
***
стр. 209
﴿وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
يأمر الله المؤمنين بطاعة الله وبطاعة الرسول ﵇، وبطاعة أولي الأمر من المسلمين. وإذا حصل اختلافٌ وتنازعٌ بين المسلمين، فعليهم -إنْ أرادوا الوصول إلى الحق- أن يحتكموا إلى الله ورسوله، وذلك بأن يردوا الأمر المختلف فيه إلى الكتاب والسنة، فإن فعلوا ذلك كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، ونالوا الخير والتوفيق والرضوان.
لكننا قد نسمع -أو نقرأ- لبعض المسلمين، وهم يحرّفون معنى هذه الآية، وهم يستشهدون بها في غير ما توحي به، ولا تدل عليه.
إن هؤلاء يجعلون من الآية حجة على وجوب طاعة ولي الأمر، مهما كانت صلته بدين الله وتطبيقه لأوامر الله، وحكمه بما أنزل الله، إنهم يوردون هذه الآية في معرض استدلالهم على طاعة الحاكمين والسلاطين، وتنفيذ
стр. 210
أوامرهم المخالفة لتعاليم الإسلام، كأن يكون فيها منع أداء حق، أو أمر بمعصية ومنكر، أو إيذاء لآخرين وأكل لحقوقهم.
إنهم يعتبرون أنفسهم مجرد موظفين عند المسؤولين، وما عليهم إلا التنفيذ والالتزام والسمع والطاعة. إنهم يُلغون شخصياتهم، ويتنازلون عن حريتهم وكرامتهم، ويتحولون إلى مجرد أدوات توجَّه هنا وهناك، بدون إرادة أو اختيار.
والعجيب أنهم يموّهون على أنفسهم وعلى الآخرين، فيعتبرون تصرفاتهم الشائنة التزاماً بهذه الآية، وُيضْفون عليها معنى العبادة والتقرب إلى الله، ويزعمون أنهم يطيعون أولي الأمر الذين أمرت الآية بطاعتهم. إنه لضلالٌ عريضٌ أن نتلاعب مع القرآن، وأن نقوم بتحريف معاني آياته، وإنه لضلال عريض أن نجعل من الذل والضعف والجبن والمسكنة عبادةً لله، وأن نجعل من التنازل عن الحرية والإرادة والشخصية تقرباً إلى الله سبحانه، وأن نجعل من آيات القرآن حجةً لهذا ودليلاً عليه. ولا يجوز أن ننسى كلاماً رائعاً عظيماً للإمام الشافعي ﵁ حيث يقول:
أَنا إنْ عِشْتُ لَسْتُ أَعْدِمُ قوتاً ... وِإذا مِتُ لَسْتُ أَعْدِمُ قَبْراً
هِمَّتي هِمًةُ المُلوك وَنَفْسي ... نَفْسُ حُرٍّ تَرى المَذَلَّةَ كُفْراً
الآية -موضوع البحث- ليست دليلاً على وجوب طاعة أولي الأمر إذا كانوا ظالمين، وإذا أمروا بما يتعارض مع دين الله، ولكنها دليلٌ على عدم طاعتهم في هذه الحالة، وحرمة هذه الطاعة، وتعرُّض فاعلها لغضب الله وعذابه.
إن طاعة أولي الأمر -التي أمرت بها الآية- طاعةٌ مبصرةٌ واعيةٌ رشيدة، وليست طاعةً عمياء، تتم بغفلة وسذاجة. وهي طاعةٌ مقيدةٌ بالتزام أولي الأمر بمنهج الله، وليست مطلقةً تجب لهم مهما كان وضعهم.
стр. 211
إننا عندما نمعن النظر في الآية، نستخرج منها عدة دلالات:
١ - طاعة الله مطلقة، لأنه تجب له الطاعة دائماً، باعتباره لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن المنكر والشر، وهو الحكيم العليم الخبير.
٢ - طاعة الرسول ﷺ مطلقة كذلك، لأنه الرسول ﵇، لا يأمر بمعصية، ولا ينهى عن خير، فهو معصوم بعصمة الله له من الذنوب والمعاصي والأخطاء، وقد جعل القرآن طاعة الرسول ﵇ طاعة لله، نقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
٣ - إن طاعة الله وطاعة رسوله مستقلتان، وكلاًّ منهما تكوِّن وحدةً خاصةً، ومجموعةً محددة، فأصبحتا طاعتين وكيانين ومظهرين وحقيقتين، بينهما تداخلٌ واتصالٌ وارتباط، لذلك كرر فعل الأمر فيهما فقال: ﴿أطِيعوا اللهَ وَأَطِيعوا الرَّسول﴾. فتكرار فعل الأمر يوحي بأنهما طاعتان متكاملتان.
٤ - طاعة أولي الأمر في الآية مقيدة وليست مطلقة، ونأخذ هذا التقييد من صياغة الآية: ﴿أَطِيعوا الله وَأَطِيعوا الرسول وَأولي الْأمْرِ مِنْكُمْ﴾،
فقد عطف أولي الأمر على رسول الله ﵇، فكانت طاعتهم مستمدةً من طاعة رسول الله ﵇، ولو كانت طاعتهم مستقلةً مطلقةً عامة لكرر فعل الأمر كما كرره عند الأمر بطاعة رسول الله ﵇.
٥ - أولو الأمر في الآية مخصوصون متميزون بصفاتٍ خاصةٍ، منها:
(أ) هم مطيعون لله ومطيعون لرسوله وهم منفذون لأوامر الله، مطبقون لسنة رسوله ﵇، وهم يستمدون حقهم على الناس في وجوب طاعتهم من طاعتهم هم لرسول الله.
стр. 212
(ب) هم من المؤمنين المسلمين المطيعين لله ولرسوله، ولا يكونون منهم إذا هم عصوا أوامر الله ورسوله، أو حكموا بغير شرع الله وسنة رسوله ﴿وأولي الأمر منكم﴾.
٦ - إن طاعة المؤمنين لأولياء الأمور العادلين الصالحين طاعةٌ مبصرةٌ، ويجوز أن يتوقف المؤمنون -أحياناً- في طاعة الحاكمين المؤمنين، ويجوز أن ينازعوهم ويخالفوهم، ويجوز أن يعارضوهم ويختلفوا معهم لأن الآية تقول: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَردوهُ إلى اللهِ والرسول﴾. وكثيراً ما كان المسلمون السابقون وأولو الحَل والعقد فيهم يخالفون حكامهم وينازعونهم ويناقشونهم.
٧ - تُبين الآية للحكام والمحكومين طريق حل النزاع بينهم، وتدلهم على المرجع الذي يرجعون إليه ويحتكمون، عند الاختلاف والتنازع، إنها توجب عليهم جميعاً رد الأمر المختَلف فيه إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
ولا تمنح الآية الحكام حق إعلان حالة الطوارئ، وفتْح أبواب السجون والمعتقلات، وكبت الحريات، وتكميم الأفواه، وتعطيل القوانين، والقبض على المخالفين والمعارضين، وتعذيبهم، ومحاربتهم في إنسانيتهم وحريتهم ورزقهم وأولادهم وأعراضهم، واغتيالهم وإعدامهم، بل توجب عليهم سماع الرأي المخالف، والاحتكام مع صاحبه إلى الحق، والرجوع عن الخطأ إلى الصواب، ولو كان عند المخالف.
٨ - هذا هو الخير والصواب، وهذا هو طريق السعادة والعدل، إن الحاكم عندما يلتزم بتوجيهات الآية، يكون حاكماً صالحاً عادلاً، ويكون حكمه خيراً له وللمحكومين:
قال الإمام أبو الأعلى المودودي عن هذه الآية:
стр. 213
" إنها تحدد المبادئ التي يقوم عليها دستور الدولة، حيث توضح ست نكات دستورية هي:
١ - طاعة الله ورسوله مقدمة على أية طاعة أخرى.
٢ - طاعة أولي الأمر تأتي تحت طاعة الله ورسوله.
٣ - أن يكون أولو الأمر من المؤمنين.
٤ - للناس حق منازعة الحكام والحكومة.
٥ - إن الفصل في النزاع هو قانون الله ورسوله.
٦ - ضرورة أن توجد في نظام الخلافة هيئةٌ حرةٌ، مستقلةٌ عن نفوذ الشعب وتأثير الحكام، لتقضي في النزاعات طبق القانون الأعلى قانون الله ورسوله ".
وذكر الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه " النظام السياسي في الإسلام " ثلاثة شروط لا بد من توفرها عند الحكام لتجب طاعتهم، وعندها نطبق الآية عليهم:
١ - أن يكونوا مطبقين لأحكام الشريعة. فإذا لم يطبقوها فلا طاعة لهم، بل تحرم طاعتهم.
٢ - أن يحكموا بالعدل بين الناس. فإذا لم يفعلوا ذلك فلا طاعة لهم.
٣ - ألا يأمروا الناس بمعصية. فإذا أمروا بمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة.
ونقل أبو فارس قول الإِمام ابن حجر في فتح الباري: " ومن بديع الجواب قول بعض الناس التابعين، لبعض الأمراء من بني أمية لما قال له:
стр. 214
أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأولي الأمر منكم﴾، فقال له: أليس قد نزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
وقال الطيبي: أعاد الفعل في قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ إشارة إلى استقلال الرسول ﵇ بالطاعة، ولم يُعده في أولي الأمر، إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾. كَأنَّهُ قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلاّم، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " حق على الإمام أن يَحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحقه على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ".
وقال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: " والنص يجعل طاعة الله أصلاً، وطاعة رسوله أصلاً كذلك، بما أنه مرسلٌ منه، ويجعل طاعة أولي الأمر منكم تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله، فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول ﷺ ليقرر أن طاعتهم مستمدةٌ من طاعة الله وطاعة رسوله، بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشروطه.
وطاعة أولي الأمر منكم بعد هذه الآية والتقريرات كلها في حدود المعروف من شرع الله، والذي لم يرد نصٌّ بحرمته، ولا يكون من المحرم عندما يُرَد إلى مبادئ شريعته عند الاختلاف فيه، والسنة تقرر حدود هذه الطاعة على وجه الجزم واليقين.
في الصحيحين من حديث الأعمش: " إنما الطاعة في المعروف ".
стр. 215
وفيهما من حديث يحيى القطان: " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".
وأخرج مسلم من حديث أم الحصين: " ولو استعمل عليكم عبد، يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا ".
بهذا يجعل الإسلام كل فرد أميناً على شريعة الله وسنة رسوله، أميناً على دينه، أميناً على نفسه، ويجعله أميناً على مصيره في الدنيا والآخرة. ولا يجعله بهيمة في القطيع تُزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ".
***
следующие страницы →