← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5377

تصويبات في فهم بعض الآيات

صلاح الخالدي

Полный текст (247 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[تصويبات في فهم بعض الآيات]ـ المؤلف: د صلاح عبد الفتاح الخالدي الناشر: دار القلم - دمشق الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مقابل]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه. أما بعد فنقدم للقراء الكرام كتابنا الرابع من هذه السلسلة التي خصصناها للقرآن وموضوعاته ومصطلحاته، وعلومه وكنوزه: " من كنوز القرآن ". وقد اخترنا أن يكون موضوع هذا الكتاب هو تصحيح أفهام بعض المسلمين لآياتٍ من القرآن، فهموها فهماً خاطئاً، وفسروها تفسيراً مرفوضاً، واستدلوا بها على أشياء خاطئة باطلة، واستخرجوا منها دلالات غير مقبولة، فحرَّفوا بذلك معانيها، وعطَّلوا وظيفتها، وجعلنا عنوان الكتاب " تصويبات في فهم بعض الآيات". القرآن الكريم كتاب هداية، وهو روحٌ وحياة، وهو نورٌ وضياء، وهو شفاءٌ ودواء، وهو دستورٌ ومنهاج، إنه كتاب العقيدة والِإيمان، وكتاب العبادة والطاعة، وكتاب الفقه والأحكام، وكتاب الدعوة والحركة، وكتاب الجهاد والمواجهة. إنه كتاب المسلمين الأول والأخير، إنه دستورهم ومنهاجهم وقائدهم

стр. 3

ورائدهم، وإن له مهمةً عمليةً حركيةً واقعيةً في حياة المسلمين، وهو قادرٌ بإذن الله على أدائها وتحقيقها، إذا أقبل المسلمون عليه بصدقٍ وجدِّيةٍ وعزيمة، وتربوا عليه بإخلاصٍ ومجاهدة، وتحركوا به بثباتٍ ووعي، وجاهدوا الجاهلية به بجرأةٍ وشجاعة، لقد أقبل الصحابة الكرام عليه هذا الإقبال، فأدَّى مهمته خير أداء. وآيات القرآن الكريم تعرض حقائق منوعة، وتقرر بدهيات مختلفة، وتقدم مفاهيم قرآنية أصيلة صادقة. ما أكثر المفاهيم القرآنية التي تقدمها الآيات، وما أصدقها وأوفاها وأشملها وأعظمها. وقد ظهرت في هذا الزمان ظواهر غريبةٌ في حياة المسلمين وبلادهم، حيث انتشر الجهل في طبقاتٍ من المسلمين، وهو عميقٌ مُطْبِقٌ مركب، الجهل بالإسلام وتشريعاته، وبالقرآن ومفاهيمه ومبادئه وحقائقه. كثيرٌ من المسلمين يجهلون معاني آيات القرآن ولا يعرفون الدلالات الصائبة التي تؤخذ منها، فإذا فسرْتَ لهم آية أو آيات، وعرضتَ عليهم مفاهيمها ودلالاتها استغربوا مما يسمعون، وانقسموا ما بين مصدقٍ وهو مصفق، ومكذبٍ وهو معرض. ويا ليت بعض هؤلاء اكتفوا بعدم معرفتهم بمعاني الآيات، وطلبوا تفسيرها بهمَّةٍ وموضوعيةٍ وأصالة، إذن لاستفادوا وأفادوا. لكنهم حملوا جهلهم بالقرآن ومفاهيمه، واتجهوا صوب آياته، يفسرونها على أمزجتهم وأهوائهم وميولهم وثقافاتهم. فجاء تفسيرهم لها وعَرْضهم لمفاهيمها وبيانهم لمعانيها، ثمرة جهلهم المركب، ومزاجيتهم المرفوضة. كم سمعنا، وقرأنا، ونُقل لنا، من كلام هؤلاء حول الآيات، وتحريفهم لمعانيها، وتغييرهم لمفاهيمها، واستنتاجهم الباطل منها. ولقد ساءنا - عَلِمَ الله - هذا التهجم على كتاب الله، والقول فيه بدون

стр. 4

علمٍ ولا معرفةٍ ولا اتزان، والتطاول على مفاهيمه وحقائقه، وسوء الاستشهاد والاستنباط من آياته. كم من معاني القرآن أصبحت خافية في هذا الزمان، وكم من حقائق القرآن أصبحت غائمة، وكم من مفاهيم القرآن أصبحت مشوَّشة محرَّفة. لذلك خصصنا هذا الكتاب لتطاول بعضهم على كتاب الله، وتشويههم لمفاهيمه، وهدفنا منه هو أن نصوِّب لهؤلاء - ولمن يتأثر بهم - فهمهم للآيات، ونصحح لهم تفسيرهم لها، ونبين لهم المعاني الحقيقية التي توحي بها. بدأنا الكتاب بإشاراتٍ سريعةٍ إلى: وجوب تدبُّر القرآن، وكونه مُيَسرٌ للفهم والتدبر، والتحذير من القول في تفسيره بغير علم، وأقسام القرآن من حيث تفسيره. وتحدثنا عن أهم العلوم التي يحتاجها الناظر في القرآن والمتدبر لآياته، وأهم الآداب التي تلزمه مراعاتها أثناء ذلك. كما تحدثنا عن المعوقات التي تعيق الناظر في القرآن عن حسن فهمه وتدبره، والوقوف على معانيه ومفاهيمه وحقائقه. وانتقلنا بعد ذلك إلى عهد رسول الله ﷺ ، باعتباره أميناً على حسن الفهم للقرآن، وموضِّحاً للصحابة ما غمض عليهم من معانيه، ومصوِّباً له بعض أخطاءٍ وقعوا فيها - بدون قصد - مقدِّماً المعاني الصحيحة لها، وأوردنا ستة نماذج من تصويباته في ذلك، كما نقلتها كتب الحديث. ثم وقفنا مع صحابة رسول الله ﵊، باعتبارهم أُمناء على حسن فهم القرآن، وأوردنا اثني عشر مثالاً لتصويباتهم في معاني الآيات، أو تصحيحاتهم لأخطاء وقع بها آخرون، وهم ينظرون في الآيات.

стр. 5

وكان هدفنا من إيراد هذه الأمثلة من حياة الرسول ﵊ وأصحابه، أن نُبين وجوب التصحيح والتصويب لكل فهمٍ خاطئٍ للقرآن، وتفسيرٍ مرفوضٍ لآياته، والرد على كل من قام بذلك، والإنكار عل كل من فعله. وخصصنا باقي الكتاب لتصحيح تفسير بعض المسلمين المعاصرين لآياتٍ من القرآن، ولتصويب فهمهم لها، واستدلالهم بها، واستشهادهم منها. لقد أوردنا ثلاثين آية ضلت أفهام بعضهم فيها، بحيث لم يفهموها فهماً صائباً، ولم يفسِّروها تفسيراً سليماً، فشوهوا مفاهيمها، وحرَّفوا معانيها، وضيَّعوا حقائقها، وأبطلوا دلالاتها، وخرجوا منها بعكس ما ألقته وقررته وأوحت به. وكانت موضوعات هذه الآيات مختلفة، ومفاهيمها متنوعة. فمنها آياتٌ في الإيمان والعقيدة، ومنها آياتٌ في الجهاد والمجاهدة، ومنها آياتٌ في الدعوة والعمل والحركة، ومنها آياتٌ في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتاريخ والأحوال الشخصية. ويجمع بين هذه الآيات: أنها كلها لها أبعادٌ واقعية، ومفاهيم حياتية، وقيمٌ مُعاشة، نعيشها في عصرنا عملياً. وحتى يكون فهمنا عن هذه الآيات صائباً، وتفسيرنا لها صحيحاً، وتصويبنا لكلام الآخرين عنها مقبولاً، اعتمدنا منهجاً محقِّقاً لكل هذا - بإذن الله -: ١ - وقفنا أمام هذه الآيات وقفةً متجردة، ودخلنا عالمها بدون مقرراتٍ سابقة، وتلقينا منها مفاهيمها وحقائقها ومقرراتها. ٢ - أَطَلْنا النظر في الآيات، والوقفة أمامها، لتلقِّي ما تلقيه وتوحي به، وفعلنا ذلك من أجل دقة النظر وصحة الاستنتاج.

стр. 6

٣ - حرصنا أن ننظر في آياتٍ أخرى بنفس موضوع الآية التي نقف أمامها، وجعلناها أمامنا بجانبها، واستخرجنا الدلالات من الآيات مجتمعة، وقدَّمنا مفاهيمها متكاملة، وهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن الذي هو واجب على كل ناظرٍ في آياته. ٤ - اعتمدنا ما قاله الرسول ﷺ في معنى الآية - إن وُجد - كما اعتمدنا أقوالاً للصحابة والتابعين في معناها كذلك. ٥ - نظرنا في أقوال مفسِّرين سابقين للآية، وأوردنا بعض كلامهم أحياناً، ليظهر لنا وللآخرين خطأ الأفهام المغلوطة للآية، ومخالفتها لكلام العلماء والثقات والمفسرين السابقين. ٦ - قررنا الفهم الذي نقضناه، والتفسير الذي رددناه، قررناه بصورةٍ أمينةٍ ودقيقةٍ وصحيحة، ولم نتقوَّل على أصحابه، ولم ننسب لهم ما لم يقولوه. واعتمدنا في هذا على ما قرأناه، أو سمعناه، أو نقله لنا ثقاتٌ صادقون. ولم نذكر القائلين بأعيانهم أو أسمائهم، حتى لا يكون اتهاماً للأشخاص، أو تجريحاً للأفراد، وحتى لا يتحول تصويبنا إلى خلافاتٍ شخصية، ولأنه لا يعنينا القائل، بل يعنينا القول ذاته، وإذا تم إبطال القول، حققنا الهدف وقمنا بالواجب إن شاء الله. فهذه التصويبات نقدمها للقراء الكرام، وقد نُتبعها بكتابٍ آخر، نقدِّم فيه مجموعاتٍ أخرى من التصويبات، وقد نوسِّع هذا الكتاب نفسه في طبعة تالية، فنضيف له آياتٍ حُرِّفت معانيها، ومفاهيم شوهت صورتها. ونرجو الله أن يكون تصحيحنا صحيحاً، وتصويبنا صائباً، وكلامنا مقبولاً، وتفسيرنا صادقاً. ونسأل الله أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور

стр. 7

صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، وأن يعلِّمنا منه ما جهلنا، ويذكَرنا منه ما نُسِّينا، وأن يجعله حجة وشافعاً لنا يوم القيامة. وصلى الله على سيدنا محمد. صويلح: الاثنين ١/ ٤ / ١٤٠٧ هـ ١/ ١٢ / ١٩٨٦ م الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي

стр. 8

وجوب تدبر القرآن أوجب الله على المسلمين تدبُر القرآن الكريم، وإمعان النظر في آياته، وإطالة الوقفة أمامها، والتزود بالعلوم الضرورية من أجل دقة النظر، وصوابية الفهم، وصحة النتائج والدلالات التي يخرج بها من القرآن. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. وبيَّن لنا أنه أنزل الكتاب لنتدبر آياته، ونخرج من هذا بالفهم والعلم والذكر، وأن هذا التدبُّر وسيلة تكوين اللب الحي، والعلم النافع، والعقلية العلمية المنهجية الواعية، وأنه هو الذي يُنشِّط العقل وُيمرِّنه، وُيريِّضه الرياضة العلمية النافعة فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وتدبُّر القرآن لا ينتهي، فلو توافرت عليه كل العقول - المختلفة في ثقافاتها واهتماماتها - حتى قيام الساعة ما استَنفدَت علومَه ومعانيه ودلالاته

стр. 9

ولفتاته وإشاراته ولطائفه. وهذه الآية توحي بذلك، فالقرآن كتابٌ مبارك، والبركة هي النماء والزيادة، وبركة القرآن شاملة لكل الجوانب والمجالات، فهو مباركٌ في مصدره، وفي حامله، وفي من نزل عليه، ومبارك في مهمته ورسالته ووظيفته، ومباركٌ في حجمه، وفي معانيه ودلالاته، وفي علومه ومعارفه. مباركٌ بركةً دائمةً شاملةً حتى قيام الساعة. ولا ينشِّط العقل إلا تدبر القرآن، ولا يحافظ على حضوره وحيويته ونباهته إلا تدبر القرآن، ولا يقوي التفكير إلا تدبُر القرآن، لأن التدبر - كما يقول الإمام الراغب في المفردات " هو التفكير في دُبُرِ الأمور "، أي عواقبها. ***

стр. 10

تيسير القرآن للفهم أخبرنا الله بأن كتابه الكريم - الذي أوجب علينا تدبره - ليس ألغازاً ولا طلاسم، وأن تدبره ليس عملية مستحيلة، بل هو على العكس من ذلك، أنه ميسرٌ للذكر والفهم واْلتدبر، ميسرٌ للحفظ والمراجعة، ميسرٌ للتلاوة والنظر، ميسرٌ للعمل والتطبيق .. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الآية ذُكرت في سورة القمر أربع مرات، وجاءت في التعقيب على بعض قصص السابقين الواردة في السورة، وهي قصص قوم نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ ﵈. وتتسائل الآيات الأربعة عن الذين يُقبلون على هذا القرآن الميسر للذكر والفهم: فأين هم المتذكرون؟ أين المستفيدون من هذا التيسير؟ ولماذا لا يتعامل المسلمون والناس الآخرون معه، ولا يخرجون منه بنتائج نافعة ومفاهيم هادية؟. والعجيب أن كلمة " مُدَّكِرٍ " - التي هي مأخوذة من كلمة " متذكر " اسم فاعل من تذكر - لم تذكر إلا في سورة القمر.

стр. 11

فسورة القمر نصت أربع مرات على أن الله قد يسر القرآن للذكر والفهم. وسورة القمر أوردت كلمة " مُدَّكِرٍ " ست مرات، وكلها وردت في سياق الاستفهام الإنكاري ﴿فهل من مُدَّكِرٍ﴾ وكلها فيها إنكارٌ على الذين لا يتذكرون القرآن ولا آياته، الذين لا يستفيدون من هذا التيسير القرآني للذكر والفهم. وكأنها تريد أن تقول لهم: إن القرآن ميسرٌ للذكر والفهم والحفظ، وإنه إذا لم يستفد الناس من هذه المزية القرآنية الفريدة فإنهم هم الخاسرون والمسؤولون عن هذا. إنهم لم يتذكروا، ولو تذكروا لاستفادوا. إن التذكر هو وحده سبيل الاستفادة من تيسير القرآن لذلك، فأين المتذكرون؟ وهل من مُدَّكِرٍ؟. ***

стр. 12

رفض الفهم الخاطئ للقرآن وتيسير القرآن للذكر والفهم لا يعني أن يكون القول في معانيه ومفاهيمه بدون ضوابط، ولا أن يكون الباب مفتوحاً لكل من هبَّ ودبَّ، ولكل صاحب هوىً مغرض، أو نفسٍ خبيثة، أو جهلٍ قاتل. إنه لا بد من ضوابط وقواعد للقول في معاني القرآن، ولا بد من آدابٍ وشروط لتفسيره، والحديث عن مفاهيمه. إنه لا يجوز أن يُقال في الآيات بدون علم، ولا أن يخرج أحد منها بغير ما توحي به، وتدل عليه، وتشير إليه، فلا يمكن أن يقع التناقض بين آيات القرآن، ولا التعارض بين معانيه وأحكامه. لقد ذم القرآن الكريم الذين يُقبلون عليه بالتحريف والتشويه، فيُجزِّئونه ويُقسِّمونه. قال تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، ومعنى جعلوا القرآن عضين أي " مفرقاً ". فقالوا كهانة، وقالوا أساطير الأولين، إلى غير ذلك مما وصفوه به. وقيل: معنى عضين: ما قال الله: ﴿أَفَتؤمِنونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرونَ

стр. 13

بِبَعْضٍ﴾ خلاف من قال فيه ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾. ونحن نختار المعنى الثاني لأنه هو الأنسب للسياق، والأكثر اتفاقاً مع فهم القرآن والتعامل معه. بل هذا القول هو المتفق مع فهم الصحابة للآية، فقد روى البخاري وجماعةٌ عن ابن عباس ﵄ قال: الذين جعلوا القرآن عضين: هم أهل الكتاب، جَزَّأوه أجزاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ". فإذا كانت الآية تنكر على أهل الكتاب تجزئتهم للقرآن، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وترفض منهم هذا التقسيم المرفوض، فإنها تتوجه إلى كل من فعل ذلك، لتنكر عليه فهمه الخاطئ لآيات القرآن، وتحريفه لمفاهيمها، وتشويهه لمعانيها، وتوظيفه لهذه الآيات كي تشهد لرأيه الفاسد، وتنصر فكره الباطل، وتدعم تلاعبه بدين الله وأحكامه وتشريعاته. ***

стр. 14

التحذير من القول في معاني القرآن بدون علم ورد التحذير من القول في معاني القرآن بدون علم، وفهم آياته وتفسيرها ممن لم يكن أهلاً لذلك، ولم يتزود بالوسائل التي تعينه على حسن الفهم، وصوابية التفسير، وصحة الاستنباط. وقد أورد الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره طائفةً من الأقوال عن الصحابة والتابعين في التحذير من ذلك. نختار بعضها فيما يلي: قال: " أما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام: لما رُوي عن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار ". أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود مرفوعاً، ورواه بعضهم موقوفاً عن ابن عباس، والله أعلم. وروى أبو عمران الجوني عن جندبٍ أن رسول الله ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ". وفي رواية أخرى: " من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ ". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال - الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل - يعني سهيلاً القطيعي أحد رجال السند - ومعنى قوله: من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ، كما قال ابن كثير: " أي أخطأ لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمر به،

стр. 15

فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكنه قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهلٍ، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر ". وقال أبو بكر الصديق ﵁: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم. وقال ابن أبي مُلَيكة: سُئل ابن عباسٍ عن آية، لو سُئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها. وجاء طَلْق بن حبيبٍ إلى جندب بن عبد الله، فسأله عن آيةٍ من القرآن فقال له: أُحَرِّجُ عليك إن كنتَ مسلماً لما قمت عني. وقال يزيد بن أبي يزيد: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آيةٍ سكت كأن لم يسمع. وقال عبيد الله بن عمر: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير. منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع. وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السَّلْماني عن آية من كتاب الله فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أُنزل القرآن. فاتق الله وعليك بالسداد. وقال مسلم بن يسار: إذا حَدثتَ عن الله حديثاً، فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. وعن إبراهيم النخعي قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها. ولكنها الرواية عن الله.

стр. 16

وقال مسروق: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله. ونأخذ من هذه الأقوال التحذير من القول في التفسير بدون علم، ولذلك نوجهها للذين يدخلون هذا الباب، ولا يملكون الوسائل التي تعينهم على حسن الفهم عن الله. ولا تدل هذه الأقوال على النهي عن التفسير مطلقاً، ومنع النظر في آيات القرآن، وفهمها وعرض مفاهيمها. لأن هذا واجبٌ على كل من كان مؤهلاً لذلك. ولذلك قال ابن كثير - بعد إيراده تلك الأقوال -: فهذه الآثار الصحيحة، وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولةٌ على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغةً وشرعاً، فلا حرج عليه. ولهذا رُويت عن هؤلاء وغيرهم أقوالٌ في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقول الله سبحانه: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾، ولما جاء في الحديث الذي رُوي من طرق " من سئل عن علمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار ". وهذا الحديث الذي ذكره ابن كثير أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده والترمذي والنسائي وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير بالصحة، وقال المناوي في فيض القدير: " قال الترمذي:

стр. 17

حسن. وقال الحاكم: على شرطهما، وقال المنذري: في طرقه كلها مقال، إلا أن طريق أبي داود حسن. وللحديث عن أبي هريرة طرقٌ عشرة، سردها ابن الجوزي ووهَّاها. قال الذهبي في الكبائر: إسناده صحيح، رواه عطاء عن أبي هريرة، وأشار بذلك إلى أن رجاله ثقات، لكن فيه انقطاعاً ". ***

стр. 18

أقسام القرآن من حيث تفسيره ليس القرآن من حيث تفسيره على درجةٍ واحدة، وليست آياته على مستوًى واحدٍ في هذا المجال، وقد تكلم العلماء قديماً عن هذا. روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباسٍ ﵄ قال: التفسير على أربعة أوجه: ١ - وجهٌ تعرفه العرب من كلامها. ٢ - تفسيرٌ لا يُعذر أحد بجهالته. ٣ - تفسيرٌ يعلمه العلماء. ٤ - تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد أعاد الإِمام الطبري ترتيب أقسام القرآن من حيث تفسيره، وأشار إلى أنها على ثلاثة أوجه: ١ - قسمٌ لا سبيل إلى الوصول إليه: وهو ما استأثر الله بعلمه، وهو ما سوف يأتي في آخر الزمان. مثل وقت خروج الدابة، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ووقت نزول عيسى ﵇، ووقت قيام الساعة، وغير ذلك. ٢ - قسمٌ خص الله نبيَّه ﵇ بعلم تأويله، ووجب على الأمة جميعاً الأخذ بهذا التفسير النبوي الكريم، وذلك مثل بيانه العملي للمقصود

стр. 19

من آيات الصلاة والصيام والزكاة والحج، وتوضيحه للصحابة ما خفي عليهم من معاني القرآن وأحكامه. ٣ - ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وهم العرب الفصحاء، وهو بيان معاني القرآن ووجوه إعرابه. فإذا أدرك الناظر في القرآن هذه الأقسام، عرف ما يمكن أن يقوم به في فهم معاني القرآن، وما تُرك من مجالاتٍ فسيحةٍ شاسعةٍ لتدبر آياته، وعرْض مفاهيمه، والإشارة إلى معانيه ولطائفه وأحكامه ودلالاته، بحيث لو أمضى كل عمره في هذا، فلن يقف منه إلا على قليلٍ لا يكاد يُذكر، فيبذل أقصى جهده وغاية وسعه. ***

стр. 20

العلوم التي يحتاجها الناظر في القرآن منع العلماء الذين لا يملكون المؤهلات الخاصة، من القول في التفسير وبيان معاني القرآن، ولذلك اشترطوا للذي يريد أن يفسر آياتٍ من القرآن شروطاً لا بد من تحققها فيه، وحددوا له علوماً لا بد أن تتوفَّر عنده، وبيَّنوا له أدواتٍ لا بد أن تكون بين يديه، حتى يكون نظره صواباً، واستنباطه صحيحاً، وفهمه سليماً، وتفسيره مقبولاً. وقد ذكر المرحوم الشهيد محمد حسين الذهبي في " التفسير والمفسرون " أهم هذه العلوم، سنلخص كلامه عنها، ثم نضيف علوماً أخرى نراها ضرورية: ١ - علم اللغة: لأنه به يمكن أن يشرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها، ويستطيع أن يعرف معاني الكلمات الغريبة في القرآن، ويكون في هذه المعرفة ملتزماً باللغة ومقاييسها وفقهها. ٢ - علم النحو والصرف: لأن المعنى يختلف بحسب اشتقاق الكلمة القرآنية أو وجوه تصريفها، كما يختلف باختلاف وجوه الإعراب وتوجيه تلك الوجوه. ٣ - علوم البلاغة: حتى يقف على طرفٍ من بلاغة القرآن ووجوه إعجازه، ومظاهر بيانه وجماله، وأساليب أدائه، وألوان تأثيره. ٤ - علم القراءات: لأن القراءات توقيفيةٌ وهي كلام الله، ومنها يعرف وجوه

стр. 21

القراءات وتوجيهها، وبيان اختلاف المعنى والأحكام على كل قراءةٍ منها. ٥ - علم أصول الدين: حيث يعرف أساسيات العقيدة وخصائص التصور الإسلامي والألوهية والعبودية. ويعرف الإيمان وأركانه، والإنسان ووظيفته، والحياة ومعناها، والكون وغايته، والغيب وحقيقته، واليوم الآخر وقدومه. ٦ - علم أصول الفقه: ليعرف كيف يستنبط الأحكام والأدلة من القرآن، وكيف يتعامل مع أساليب الخطاب القرآني، ووجوه التكليف فيه، وطرق عرض أحكامه. ٧ - علم أسباب النزول: ليعرف الجو الذي نزلت فيه الآيات، والحالة التي تعاملت معها، والمشكلة التي عالجتها، والخطأ الذي قوَّمته. ٨ - علم الناسخ والمنسوخ: حتى لا يقع في التناقض في فهم الأحكام التي تشير إليها الآيات. ٩ - علم التاريخ: ليطلع على أخبار السابقين، ويحسن التعامل مع قصص القرآن، واستخراج السنن الثابتة في حياة البشرية. ١٠ - علم الحديث: ليطلِع على تفسير الرسول ﵊ للقرآن، باعتبار السنَّة موضحة للقرآن، ومفسِّرة له، ومبيِّنة لأحكامه ومكمِّلة لتوجيهاته، وليعتمد ما صحَّ من الأحاديث، ويتجنَّب ما لم يصح منها حتى لا يأخذ منها حكماً، أو يكوِّن منها رأياً. ١١ - علم السيرة النبوية: لأن الرسول ﵊ هو الترجمة العملية للقرآن، حيث كان خلقه القرآن - كما بيَّنت عائشة ﵂ ولذلك تعتبر سيرته وحياته العامة والخاصة هي أصدق تفسير للقرآن، والمظهر العملي الواقعي لتوجيهاته وأحكامه.

стр. 22

١٢ - علم الرجال: وبخاصةٍ أصحاب رسول الله ﷺ ، ليعرف كيف كانوا يحيون بالقرآن، ويعيشون في ظلاله، ويطبِّقون أوامره وأحكامه. فيقتدي بهم في كل هذا، ويلحظ البعد الواقعي العملي التطبيقي للآيات، الذي ينقلها من كونها مجرد توجيهاتٍ مثاليةٍ خياليةٍ نظريةٍ يستحيل تطبيقها على الواقع، إلى كونها حقائق واقعية، وقيماً حياتية وبرامجَ عملية وخططاً مُعاشة في حياة الناس .. ١٣ - العلوم النظرية البحتة، للوقوف على الأبعاد الجديدة للآيات، وتوسيع معانيها، ورفدها بما توحي به هذه العلوم من حقائق وظواهر وبيِّنات، سواءٌ في عالم الفلك أو الزراعة أو الكون أو الطب أو الاختراع. ١٤ - العلوم الإِنسانية والاجتماعية، التي تُعرض من خلالها مضامين جديدة للآيات التي تشير إلى هذه المجالات، فيجد من هذه الآيات حياةً وحيوية، وقوةً وتأثيراً، وتوجيهاً وإرشاداً. وهذه العلوم مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد والسياسة والإعلام والدعوة. ١٥ - العلم بالأعداء الكافرين، والاطِّلاع على حياتهم وأنظمتهم وتشريعاتهم، والوقوف على أفكارهم واهتماماتهم - وبخاصة المعاصرين منهم - ليحسن فهم الآيات التي تكشفهم وتحلِّل حياتهم. ***

стр. 23

الآداب التي يراعيها الناظر في القرآن وبعد ما يملك الناظر في آيات القرآن الأدوات التي أشرنا إليها، ويُحصِّل طرفاً من العلوم التي تحدثنا عنها، فإننا نضع بين يديه طائفةً من الآداب التي عليه مراعاتها، من أجل دقة النظر، وحسن الفهم، وصحة التفسير، وصوابية الاستنباط: ١ - أن يتمتع بقسطٍ من الذكاء وحسن الفهم وجودة القريحة، وأن يملك موهبةً فذة، تعينه على الوقفة الصحيحة أمام الآية، والالتفات إلى لطائفها وإيحاءاتها وإشاراتها، ولفتاتها الخفية التي قد تخفى على كثيرين. ٢ - أن يعيش الإسلام عملياً، وأن يطبق توجيهاته على حياته، وأن يكون سلوكه وفق أحكامه، وأن يكون عمله ترجمةً لفكره، ليزداد علماً وفهماً وفطنة. وذلك لأن " العلم يهتف بالعمل فإن أجابه، وإلا ارتحل "، و" من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم "، و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ٣ - أن يمارس الرياضة العقلية اليومية، وأن ينشِّط ذاكرته وحافظته وفطنته - بفن التفكير وفن الشعور وفن التأمل - ليستطيع استخراج معاني ولفتات وإشارات الآيات.

стр. 24

٤ - أن يدخل عالم القرآن الرحيب بدون مقرراتٍ سابقة، بل يطلب من القرآن أن يشكِّل له خلفيته، وأن " يكوِّن " له فكره، وأن " يُنشئ " له معرفته وثقافته، فيكون قرآنياً في كل هذه الأمور. ٥ - أن يتحرك بالقرآن حركةً عملية، وأن يواجه به الباطل وأهله، وأن يخوض به معركةً حية، وأن ينزل به إلى الميدان، ميدان الجهاد بالموقف، والجهاد بالكلمة، والجهاد بالحجة، والجهاد بالدعوة. عندها يعطيه القرآن من فتوحاته، ويقدِّم له من معانيه، ويمنحه من كنوزه. ٦ - أن يكون متواضعاً لربه، طالباً منه المدد والعون والفتوحات والتفهيم، وأن يكون مخلصاً لله في نيته وهدفه وسعيه، وأن لا يفتر بعمله وقوله ونظره. ***

стр. 25

المعوقات عن حسن فهم القرآن وعلى كل من ينظر في القرآن، ويرغب في حسن فهمه والتلقي عنه، ويرغب في استنباط أحكامه ومعانيه ودلالاته، أن يتحرز عن كل ما يحجبه عن القرآن، وأن يتجنب كل ما يقف حاجزاً بينه وبين أنوار القرآن، وأن يكون حذراً من أن يقع قي أيٍ من المعوقات التي تعيقه عن ذلك. من المعوقات أضداد ما ذكرناه سابقاً، بحيث لا يُحصِّل العلوم الضرورية ليستخرج بها بعض علوم القرآن. ومن المعوقات أن لا يراعي الآداب التي ذكرناها من قبل، كأن لا يتمتع بالموهبة والفطنة والذكاء، أو لا يطبق الإسلام على حياته وواقعه، أو لا يتمتع بالعقلية العلمية المنهجية، ولا يشحذها وُيريِّضها وينمِّيها، أو يدخل عالم القرآن بمقررٍ سابق، وثقافةٍ دخيلةٍ غريبة، ونيةٍ مغرضةٍ مدخولة، أو لا يتحرك بالقرآن في مواجهة الجاهلية، أو يكون متكبراً مزهواً متبختراً. ويضاف إلى ذلك حذره من المعوقات التالية: ١ - التهجم على بيان مراد الله من كلامه مع الجهل بقوانين وأصول الشريعة. ٢ - الخوض فيما استأثر الله بعلمه من الغيوب المستقبلية.

стр. 26

٣ - السير مع الهوى والاستحسان. ٤ - التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلاً، والتفسير تابعاً، فيحتال في التأويل حتى يصرفه إلى عقيدته، ويردَّه إلى مذهبه. ٥ - التفسير مع القطع بأن مراد الله كذا وكذا من غير دليل. ويحسن أن أورد في هذا الموضع كلاماً رائعاً للإمام أبي طالب الطبري ذكره السيوطي في الإتقان: " اعلم أن من شرط التفسير صحة الاعتقاد أولاً، ولزوم سنة الدِّين، فإن من كان مغموصاً عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدِّين؟ ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم فكيف يؤتمن في الإِخبار عن أسرار الله، ولأنه لا يُؤمَن - إِنْ كان متَّهماً بالإِلحاد - أن يبغي الفتنة، ويغرَّ الناسَ بِلَيِّهِ وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة. وإن كان مُتَّهَماً بهوى لم يْؤمَن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية فإن أحدهم يصنِّف الكتاب في التفسير، ومقصوده منه الإِيضاح لبدعتهم، ليصدهم عن اتباع السلف، ولزوم طريق الهدى. ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويتجنب المُحْدَثات، وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعل. ومن شروطه صحة القصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَالذينَ جاهَدوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يُؤمَن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله.

стр. 27

وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئاً من عدة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام ". ***

стр. 28

الأمناء على حسن الفهم للقرآن كل ما ذكرناه سابقاً من العلوم الضرورية للناظر في القرآن، والآداب التي لا بد من مراعاتها لحسن فهمه لآياته، نعترف بأنه لا يحققها ولا يراعيها الجميع، وأن بعض الناظرين في القرآن يدخل عالمه وهو غير مؤهل بما ذكره العلماء وما اشترطوه له، ومن ثم يخرج بنتائج خاطئة، وتفسيرات مرفوضة، ونظرات باطلة. ويوجد هؤلاء في مختلف فترات التاريخ الإسلامي في القديم والحديث، ولكننا نعترف بأنهم أكثر وجوداً في هذا العصر، الذي تميَّز بإقصاء نظام الإسلام عن واقع الحياة، وتفريغ معاني القرآن من بُعدها الواقعي العملي الحي، وتحويلها إلى معلوماتٍ نظريةٍ باهتة. كما تميز هذا العصر بالضآلة والضحالة والقزامة لدى كثيرين ممن يزعمون العلم والمعرفة والثقافة الإسلامية. وقد زهد كثيرون في هذا العصر في العلم الشرعي والثقافة الدينية، وأعرضوا عن المنهجية العلمية والأبحاث المركزة والدراسات الجادة والمؤلفات الرصينة، وتحولوا إلى قشورٍ ومظاهر وكتابات، تتَّصف بالسطحية والنظرة التجارية. وبما أن الذين يدخلون عالم القرآن بدون أهليةٍ موجودون، وبما أن النتائج الخاطئة والتفسيرات الباطلة للآيات تصدر عن هؤلاء، فإن علماء

стр. 29

أعلاماً يقفون لهؤلاء، يقفون حراساً أمناء على حسن الفهم لكتاب الله، يدفعون عنه الأخطاء والتحريفات والانحرافات، ويتصدّون لكل من أساء الدخول إلى عالم القرآن، ولكل من خرج منه بنتائج خاطئة أو مفاهيم مغلوطة. ويحتفظ تاريخنا الإسلامي بنماذج باهرةٍ فريدة، لهؤلاء الحراس الأمناء على كتاب الله، ومعانيه ومفاهيمه ودلالاته. ويقف في مقدمة هؤلاء الرسول المصطفى ﵊، ثم أصحابه الكرام ذلك الجيل القرآني الرائد الفريد. ***

стр. 30

الرسول ﷺ يصوِّب فهم بعض الآيات كانت مهمة الرسول ﷺ أن يبيِّن للمسلمين معاني كتاب الله، وأن يوضِّح ما غمض عليهم منها، وأن يصوب لهم بعض ما أخطأوا في فهمه، وأن يقدم لهم المعنى الصحيح لكلام الله سبحانه. وفي ذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. بل وردت آيةٌ تقصر مهمة الرسول ﵇ بأنها بيان معاني كتاب الله للمسلمين، وتجعل الهدف من إنزال القرآن هو بيانه للناس: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. هذا وقد قام الرسول ﵊ بالواجب، وأدى المهمة، وصوَّب للصحابة ما أخطأوا في فهمه من آيات القرآن، ووضَّح لهم ما التبس عليهم من معانيها، وأزال لهم ما أشكل عليهم من دلالاتها. ووقوع بعض الصحابة في أخطاء في فهم بعض الآيات، أو في بعض الأحكام التي تؤخذ منها، لم يكن عن سوء نية، أو خبث باعث، كما لم يكن

стр. 31

لعدم تمتعهم بالشروط اللازمة للتعامل مع القرآن من علومٍ ومعارف وآداب، ولم يكن لانحرافهم عن جادة الصواب وطريق الحق ومواصفات طالب العلم. فقد توفر لهم ما ذكره العلماء من شروطٍ وآدابٍ وعلومٍ ومعارف. إنَّ وقوع بعض الصحابة في تلك الأخطاء أو الإشكالات، مظهرٌ من مظاهر الضعف البشري، ووقوع البشر - مهما بلغوا من العلم والمعرفة والموهبة - في الخطأ والنقص ضرورة، لكن فرقٌ بين خطأ في فهم بعض الآيات، صادرٍ عن مؤهلٍ للنظر فيها، متمتعٍ بالشروط اللازمة له كما حصل من بعض الصحابة، وبين خطإٍ صادرٍ عن غير المؤهلين لذلك، أو الذين نتج خطؤهم عن سوء نيةٍ أو باعث، كما حصل من بعض المتطفلين على مائدة القرآن، أو الراغبين في تحريف معانيه من أهل هذا الزمان. ***

стр. 32

الرسول ﷺ يوضح معنى الخَيْطين لعَدِيِّ بن حاتم روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: لما نزلت الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. عمدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ ، فذكرت له فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار. وفي روايةٍ أخرى للبخاري أن رسول الله ﵊ قال لعدي بن حاتمٍ بعدما فعل ما فعل: " إن وسادك لعريض، أَن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك " وفي رواية ثالثة للبخاري أن عدي بن حاتمٍ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا، أَن أبصرتَ الخيطين. ثم قال: لا، بل هما سواد الليل وبياض النهار. إن عدي بن حاتم الطائي ﵁ أخذ الخيطين على ظاهرهما، وفهم من الآية أن المراد هو أن يقدر على أن يميز لون الخيطين،

стр. 33

وعندها يمسك عن الطعام، ولهذا تناول خيطين حقيقيين ووضعهما تحت الوسادة وصار ينظر إليهما. ولقد صحح الرسول ﷺ لعدي بن حاتم فهمه للآية، وبين له أن المراد هو سواد الليل وبياض النهار، وليس حقيقة الخيطين. ومزج هذا التصحيح والتصويب بدعابةٍ لطيفةٍ فكهة، محبَّبةٍ إلى نفس السامع لها من رسول الله ﷺ عندما قال له: " إن وسادك لعريض " و " إنك لعريض القفا " وهذان مثلان يضربان كناية عن غفلة السامع وسذاجته " وعبطه ". ولا يراد الظاهر من هذين المثلين، ولا أن يُذَم عديٌ، أو يوصف بالبلاهة والسذاجة، فإنه مبرأٌ من ذلك، وإنما يراد منهما الدعابة والتفكه. وقد يتساءل متسائل: كيف غابت هذه الاستعارة عن عدي بن حاتم، ولم يفطن لها، وهو العربي الذكي الفصيح البليغ؟؟. بعض الناس قد يشكك في فطنة عديٍّ وبلاغته وفصاحته، ونعلم أنه فوق هذا التشكيك. وبعض الناس قد يشكك في صحة الواقعة، ولا يسلم بأنها وقعت، لأنها تتعارض مع فطنة عدي وفصاحته المتفق عليها. من هؤلاء فخر الدين الرازي، الذي استبعد هذه الواقعة، بقوله: " وأما ما حُكِيَ عن عدي بن حاتم فبعيد، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ ". ونحن نعجب لرجل مثل الرازي في علمه وجلالته، كيف يقع في هذا الخطأ، ويستبعد حادثةً وردت بحديثٍ صحيح، وكيف يُجَوِّز لنفسه أن يرد رواية في الصحيحين؟ لكن لكل قلمٍ زلة، ولكل جوادٍ كبوة.

стр. 34

ولعل ما يصلح تفسيراً للخطأ في الفهم الذي وقع به عدي بن حاتم ﵁: أن الآية لم تنص عندما نزلت على أن المراد من الخيطين هو الليل والنهار، وأن كلمة " من الفجر " لم تنزل مع بقية الآية، وإنما تأخر نزولها، لحين وقوع بعض الصحابة في خطأ في فهم الآية، فكانت توضيحاً قرآنياً للمراد بالخيطين. فقد روى البخاري عن سهل بن سعدٍ ﵁ قال: أُنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رِئْيُهُما، فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. وهناك عبرةٌ عظيمة، ودرسٌ بالغ، نأخذه من موقف عدي -ومن كان مثله من الرجال- من الخيطين، حيث أخذهما على ظاهرهما، وكأنه يدعونا إلى أن نقف أمام الأوامر والنصوص موقف المنفذ لها، وليس المتفلسف عليها، المؤوِّل لها، المحرِّف لمعناها. ***

стр. 35

الرسول ﷺ يبيِّن معنى المجازاة بالسوء روى مسلم والترمذي والنسائي والبيهقي وابن أبي شيبة وابن المنذر وسعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: " لما نزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ " شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: " سدِّدوا وقاربوا، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة، حتى الشوكة يُشاكها، والنكبة يُنكبها ". وفي لفظ ابن مردويه: لما نزلت بكينا وحزنَّا. وقلنا: يا رسول الله: ما أبقت هذه الآية من شيء! قال: أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا. إنه لا يصيب أحداً منكم مصيبةٌ في الدنيا إلا كفَّر الله بها خطيئة، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه. وروى أحمد والحاكم وأبو يعلى وابن المنذر وابن جرير عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا رسول الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فكل سوء جُزينا به؟ فقال النبي ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر: ألست تَنصَب؟ ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللَّأواء؟ قال: بلى. قال: فهو ما تُجزون به.

стр. 36

وروى البخاري ومسلم وأحمد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: " ما يصيب المؤمنَ من وَصَب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ". وروى البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها ". نأخذ من هذه الروايات كيف كان الصحابة الكرام عليهم الرضوان، يتفاعلون مع آيات القرآن ويفهمون نصوصه، ويستقبلونها، ويتعاملون معها بكيانهم كله ومشاعرهم جميعها. فهذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سوءاً يُجْزَ بِهِ﴾، تقرر أن من يعمل سوءاً يُجزى به، وقد خاف الصحابة منها على حياتهم وأعمالهم ولهذا قالوا: كيف الصلاح بعدها؟ وما نفع العمل بعدها؟. ونأخذ من هذه الروايات اعتراف الصحابة بأنهم قد يعملون سوءاً، وقد يقعون في مخالفات، وأنهم غير معصومين، وتواضعهم أمام ربهم، وشعورهم بتقصيرهم، وعدم تكبرهم، وعدم اغترارهم بصحبتهم وأعمالهم، لنقتدي بهم في هذا الاعتراف والشعور. لقد حمل الصحابة المجازاة على السوء التي تقررها الآية على الحساب الأخروي، وعلى التعذيب في النار يوم القيامة، وفهموا منها أن كل من أذنب ذنباً في الدنيا سيعذب به يوم القيامة، ولهذا لن ينجو أحد من المسلمين من النار، حتى ولو كان أبا بكر الصديق أو أحد المبشرين بالجنة من الصحابة.

стр. 37

ولقد وضَّح لهم رسول اللَّه ﵊ معنى المجازاة، وبيَّن لهم أنها تكون في الدنيا لمن أراد الله به الخير، وتكون على صورة كفارة، تتمثل في الحزن والمرض والهمّ والغمّ والنصب والتعب، وكل مصائب الدنيا، وما أكثرها، وما أكثر ما تصيب الإنسان. ونأخذ من هذه الآية التي هي أخوف آية من كتاب الله -كما قالت عائشة ﵂ سنة ربانية لا تتخلف: من عمل شيئاً جوزي به، فمن عمل خيراً جوزي به خيراً، ومن عمل سوءاً جوزي به شراً، وأنه لا محاباة عند الله، ولا تبديل لسنته، ولا رادَّ لأمره. ***

стр. 38

الرسول ﷺ يوضح المراد بالظلم في سورة الأنعام روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ شق ذلك على المسلمين وقالوا: أَيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك، إنما هو الشرك. ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فالصحابة عليهم الرضوان حملوا الظلم في الآية على المعاصي والذنوب، وكانوا يعلمون أنهم غير معصومين منها، ولهذا قالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ يعني أينا لا يذنب ولا يعصي؟ إذن فجميعنا هالكون، لا أمن لنا ولا أمان ولا اطمئنان، ولا نجاة من العذاب. وهذا يدل على نظرتهم للقرآن وتلقِّيهم لآياته وتفاعلهم الحي معها، وتطبيقهم لمعانيها والتزامهم بها، وتحرجهم من أي تقصير، وخوفهم من أي ذنب، ورغبتهم العملية في أن يبقوا مع الحق والخير والعمل الصالح. والرسول ﵊ صحَّح لهم خطأهم في النظر للآية، وصوب لهم فهمهم لمعناها، ووضَّح لهم المراد بالظلم فيها، وبيَّن لهم أنه ليس الذنب والمعصية والتقصير، وإنما هو الشرك بالله. وطالما أنهم موحدون

стр. 39

لله عابدون له، بريئون من الإشراك به، فإنهم في أمان وأمن واطمئنان ويقين. إن الآية لا تتحدث عنهم ولا تنطبق عليهم، ولكنها تعني المشركين بالله، وتقرر أنهم لا أمن لهم ولا أمان. وقد استعان الرسول ﵊ بآية من سورة لقمان تقرر أن المراد بالظلم هو الشرك، وجاءت هذه الحقيقة على لسان العبد الصالح لقمان وهو يعظ ابنه وينهاه عن الشرك. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. إن المراد بالظلم في هاتين الآيتين هو الشرك. لكن ليس كل الظلم في القرآن يراد به الشرك، فقد يُراد به المعصية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ***

стр. 40

الرسول ﷺ يبيّن كيف أن مريم أخت هارون روى مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: لما قدِمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرأون " يَا أُخْتَ هَارُونَ " وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدِمتُ على رسول الله ﷺ سألته، فقال: إنهم كانوا يسمُّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم. لما التقى المغيرة بن شعبة ﵁ بنصارى نجران، أرادوا أن يثيروا أمامه الشبهات ضد القرآن، وأن يشككوا في الصدق التاريخي لتقريراته وقصصه بدعوى أنها لا تتفق مع التاريخ. وقفوا أمام الآيات التي تشير إلى مواجهة مريم ﵂ لقومها وهي تحمل عيسى ﵇. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. كيف تكون مريم أخت هارون النبي شقيق موسى النبي ﵉ وبين هارون ومريم مئات السنين؟ وهل يعقل أن تكون مريم شقيقةً له مع هذا الفاصل الزمني الطويل؟، إذن هذه ليست صحيحة، بل هي منقوضةٌ تاريخياً!.
следующие страницы →