وروى البخاري ومسلم وأحمد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: " ما يصيب المؤمنَ من وَصَب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ".
وروى البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها ".
نأخذ من هذه الروايات كيف كان الصحابة الكرام عليهم الرضوان، يتفاعلون مع آيات القرآن ويفهمون نصوصه، ويستقبلونها، ويتعاملون معها بكيانهم كله ومشاعرهم جميعها.
فهذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سوءاً يُجْزَ بِهِ﴾، تقرر أن من يعمل سوءاً يُجزى به، وقد خاف الصحابة منها على حياتهم وأعمالهم ولهذا قالوا: كيف الصلاح بعدها؟ وما نفع العمل بعدها؟.
ونأخذ من هذه الروايات اعتراف الصحابة بأنهم قد يعملون سوءاً، وقد يقعون في مخالفات، وأنهم غير معصومين، وتواضعهم أمام ربهم، وشعورهم بتقصيرهم، وعدم تكبرهم، وعدم اغترارهم بصحبتهم وأعمالهم، لنقتدي بهم في هذا الاعتراف والشعور.
لقد حمل الصحابة المجازاة على السوء التي تقررها الآية على الحساب الأخروي، وعلى التعذيب في النار يوم القيامة، وفهموا منها أن كل من أذنب ذنباً في الدنيا سيعذب به يوم القيامة، ولهذا لن ينجو أحد من المسلمين من النار، حتى ولو كان أبا بكر الصديق أو أحد المبشرين بالجنة من الصحابة.
стр. 37
ولقد وضَّح لهم رسول اللَّه ﵊ معنى المجازاة، وبيَّن لهم أنها تكون في الدنيا لمن أراد الله به الخير، وتكون على صورة كفارة، تتمثل في الحزن والمرض والهمّ والغمّ والنصب والتعب، وكل مصائب الدنيا، وما أكثرها، وما أكثر ما تصيب الإنسان.
ونأخذ من هذه الآية التي هي أخوف آية من كتاب الله -كما قالت عائشة ﵂ سنة ربانية لا تتخلف: من عمل شيئاً جوزي به، فمن عمل خيراً جوزي به خيراً، ومن عمل سوءاً جوزي به شراً، وأنه لا محاباة عند الله، ولا تبديل لسنته، ولا رادَّ لأمره.
***
стр. 38
الرسول ﷺ يوضح المراد بالظلم في سورة الأنعام
روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ شق ذلك على المسلمين وقالوا: أَيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك، إنما هو الشرك. ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
فالصحابة عليهم الرضوان حملوا الظلم في الآية على المعاصي والذنوب، وكانوا يعلمون أنهم غير معصومين منها، ولهذا قالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ يعني أينا لا يذنب ولا يعصي؟ إذن فجميعنا هالكون، لا أمن لنا ولا أمان ولا اطمئنان، ولا نجاة من العذاب.
وهذا يدل على نظرتهم للقرآن وتلقِّيهم لآياته وتفاعلهم الحي معها، وتطبيقهم لمعانيها والتزامهم بها، وتحرجهم من أي تقصير، وخوفهم من أي ذنب، ورغبتهم العملية في أن يبقوا مع الحق والخير والعمل الصالح.
والرسول ﵊ صحَّح لهم خطأهم في النظر للآية، وصوب لهم فهمهم لمعناها، ووضَّح لهم المراد بالظلم فيها، وبيَّن لهم أنه ليس الذنب والمعصية والتقصير، وإنما هو الشرك بالله. وطالما أنهم موحدون
стр. 39
لله عابدون له، بريئون من الإشراك به، فإنهم في أمان وأمن واطمئنان ويقين. إن الآية لا تتحدث عنهم ولا تنطبق عليهم، ولكنها تعني المشركين بالله، وتقرر أنهم لا أمن لهم ولا أمان.
وقد استعان الرسول ﵊ بآية من سورة لقمان تقرر أن المراد بالظلم هو الشرك، وجاءت هذه الحقيقة على لسان العبد الصالح لقمان وهو يعظ ابنه وينهاه عن الشرك. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
إن المراد بالظلم في هاتين الآيتين هو الشرك. لكن ليس كل الظلم في القرآن يراد به الشرك، فقد يُراد به المعصية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
***
стр. 40
الرسول ﷺ يبيّن كيف أن مريم أخت هارون
روى مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: لما قدِمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرأون " يَا أُخْتَ هَارُونَ " وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدِمتُ على رسول الله ﷺ سألته، فقال: إنهم كانوا يسمُّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم.
لما التقى المغيرة بن شعبة ﵁ بنصارى نجران، أرادوا أن يثيروا أمامه الشبهات ضد القرآن، وأن يشككوا في الصدق التاريخي لتقريراته وقصصه بدعوى أنها لا تتفق مع التاريخ.
وقفوا أمام الآيات التي تشير إلى مواجهة مريم ﵂ لقومها وهي تحمل عيسى ﵇. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. كيف تكون مريم أخت هارون النبي شقيق موسى النبي ﵉ وبين هارون ومريم مئات السنين؟ وهل يعقل أن تكون مريم شقيقةً له مع هذا الفاصل الزمني الطويل؟، إذن هذه ليست صحيحة، بل هي منقوضةٌ تاريخياً!.
стр. 41
ومنشأ الخطأ عندهم أنهم حملوا اسم هارون على هارون النبي - شقيق موسى ﵇ ولو كان هو المقصود بالاسم لصحَّ ما قالوه.
ولما جاء المغيرة بن شعبة إلى الرسول ﷺ ، وضَّح له من هو هارون، وأزال اللبس والشك الذي أثاره نصارى نجران. فقال له: إنهم كانوا يتسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم.
إذن ليس هو هارون شقيق موسى ﵇، بل هو هارون آخر كان معاصراً لمريم، ويبدو أنه كان شقيقاً لها، وعندها تصح نسبة أخوَّتها له.
أو أن المراد أخوَّتها له في العبادة والتديُّن، وكأنهم يقصدون بأخت هارون: يا شبيهة هارون في عبادته وتقواه وطهره وفضيلته. وهو الأرجح - والله أعلم - (١).
...
стр. 42
الرسول ﷺ يبيّن معنى ورود جهنم
روى مسلم في صحيحه عن أم مُبَشِّر الأنصارية -وهي امرأة زيد بن حارثة ﵄ أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها. قالت حفصة: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إِلا وارِدُها﴾، فقال النبي ﷺ : قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
يقدِّم لنا هذا الحديث صورةً من الحوار العلمي التفسيري، الذي كان يجري في بيوت النبي ﷺ ، بينه وبين أزواجه ﵅.
فها هو الرسول ﵇ يخبر أنه لا يدخل النار أحدٌ من الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة في صلح الحديبية، تلك البيعة التي سميت " بيعة الرضوان " والتي أنزل اللَّه فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
وقد أوجد هذا الخبر إشكالاً ولبساً عند زوجه حفصة بنت عمر ﵄ حيث يتعارض هذا مع قول اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ
стр. 43
عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. إذ يفيد أن كل البشر - مؤمنين وكافرين - سوف يردون جهنم بمن فيهم أصحاب الشجرة، فظنت أن الورود هنا معناه الدخول.
ولكن الرسول ﷺ صوب لحفصة هذا الفهم، وأزال هذا اللبس، بأن دعاها للنظر في الآية الثانية التي تقرر نجاة المؤمنين من جهنمِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا﴾. وكأنه يؤسس ﵊ قاعدة في تصويب بعض الأفهام للآيات، بأن يدعو أصحابها للنظر في الآيات الأخرى المشابهة لتلك الآية، حيث توضح المراد وتزيل الإشكال.
والمراد بالورود في الآية المرور على الصراط، عندما ينصب على جهنم، فيمر عليه المؤمنون بحسب أعمالهم، ويسقط عنه في جهنم الكافرون والمذنبون بسبب أعمالهم.
***
стр. 44
الرسول ﷺ يبيِّن معنى الحساب اليسير
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن أبي ملكية قال: إن عائشة كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه. وأن النبي ﷺ قال: من نوقش الحساب عُذِّب.، فقلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، فقال: " إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسَب يوم القيامة إلا هلك ".
وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ " ليس أحد يحاسب إلا هلك ". قلتُ: يا رسول الله: جعلني الله فداك. أليس الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. قال: " ذلك العرض تعرضون، ومن نوقش الحساب هلك ".
ونطَّلع هنا على صورة أخرى من النقاش العلمي التعليمي التفسيري في بيت رسول الله ﷺ ، يجري بينه وبين زوجه عائشة ﵂.
إن الرسول ﵊ يقرر أن من نوقش الحساب عُذِّب، ومن حوسب حساباً عسيراً مفصلاً عن أعماله، شاملاً لكل دقائق عمره، هلك.
стр. 45
فتعارضت هذه الحقيقة عند عائشة مع آيةٍ قرآنية: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً﴾. فراجعت رسول الله ﵊ تطلب منه الجمع بين المعنيين، وإزالة التعارض بينهما، وحل الإشكال لديها.
فصوَّب لها فهمها، وبيَّن لها أنها لا تتحدث عن الحساب، وإنما تتحدث عن العرض يوم القيامة، وهو الحشر والجمع والوقوف في أرض الموقف للحساب والجزاء. فالكل سيُعْرَضون ويقفون ذلك الموقف، فأما من أراد الله به الخير والنجاة فسيعطيه كتابه بيمينه، ويحاسبه حساباً يسيراً سريعاً. وأما من كان شقيَّاً بائساً، فسوف يحاسَبُ حساباً عسيراً شديداً دقيقاً مفصَّلاً، ويناقَش فيه مناقشة مطولة، ومن نوقش الحساب هلك وعُذِّب.
***
стр. 46
الصحابة يصوبون بعض المفاهيم القرآنية
كانت لصحابة رسول الله ﷺ مواقف فريدة، تتجلى فيها حراستهم لحسن الفهم للقرآن، وتصدّيهم لأي فهم خاطئ لآياته، أو تفسيرٍ باطلٍ لها، أو حملٍ لها على ما لم تدل عليه، ولا توحي به.
كانوا يعيشون دائماً بين المسلمين، ويقدمون لهم المفاهيم القرآنية الصائبة، والتفسيرات القرآنية الصادقة، ويراقبون صلتهم بالقرآن، فيصحِّحون هذه النظرة، ويصوِّبون ما قد يصدر عنها من أفهامٍ وآراء.
وقد سجَّلت لنا كتب الحديث، أمثلةً واضحةً لهذه الحراسة الإِيمانية الحيَّة من قبل الصحابة، والتصويبات الفذة لأفهام بعض المسلمين تجاه آيات من القرآن.
ونقدم فيما يلي مجموعةً من هذه الأمثلة والشواهد، لنضيفها إلى ما ذكرناه من قبل، من تصويبات للرسول ﷺ لبعض المفاهيم والمعاني والدلالات، التي قد أُخذت من بعض الآيات.
١ - عائشة تصوب لعروة معنى السعي بين الصفا والمروة
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك، عن عروة بن الزبير ﵄، قال: سألتُ عائشة ﵂، فقلتُ لها: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ
стр. 47
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فَوالله ما على أحدٍ جُناح أن لا يطوَّف بهما. قالت: بئسما قلت يا ابن أختي - وكان عروة ابن أختها أسماء رضي اللَّه عن الجميع - إِنَّ هذه لو كانت على ما أولْتَها كانت: لا جُناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلّون لمَنَاةَ الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة.
فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
قالت عائشة ﵂: وقد سنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
لقد فهم عروة بن الزبير من الآية أنها ترفع الجُناح -وهو الإثم- على من طاف بين الصفا والمروة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ونفيُ الإثم على من فعل ذلك يدل على كونه مباحاً يستوي فعله وتركه، فلو كان واجباً لأوجبه الله بالنص وما اكتفى برفع الإثم على من فعله.
وهذا فهمٌ خاطئٌ من عروة، لو قلنا به لكان السعي بين الصفا والمروة مباحاً، وليس ركناً من أركان الحج كما هو معروف.
فصوبت عائشة ﵂ لعروة فهمه، وبيَّنت له أن الآية ساكتةٌ عن الوجوب وعدمه، وإنما تهدف إلى رفع الإثم على من سعى بينهما، وأنها تعالج تحرجاً في نفوس الأنصار.
стр. 48
أما وجوب السعي بينهما فمأخوذٌ من أحاديث وفعل الرسول ﵇. واستعانة عائشة بسبب نزول الآية، دليلٌ على وجوب معرفة سبب النزول لدقة الحكم، وصحة الفهم.
...
٢ - أبو أيوب الأنصاري يوضح معنى التهلكة
روى أبو داود عن أسلم أبي عمران رحمهم الله تعالى قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا اللَّه، يلقي بيديه إلى التهلُكة.
فقال أبو أيوب: إنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فالإلقاء بالآيدي إلى التهلُكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وَنَدعُ الجهاد.
قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن في القسطنطينية.
وروى الترمذي هذه الحادثة بألفاظٍ أخرى عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مِثْلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عُقْبَة بن عامر، وعلى الجماعة: فُضالَة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه إلى التهلُكة!.
стр. 49
فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس لتؤولون هذه الآية هذا التأويل! وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثُر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول اللَّه ﷺ : إِن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه ﵎ على نبيه، يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وكانت التهلُكة: إلِإقامة على الأموال وإصلاحها، وترْكُنا الغزو.
فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله، حتى دفن بأرض الروم.
٣ - ابن عباس يستدرك على ابن عمر في إتيان الزوجة
روى البخاري عن نافع مولى ابن عمر ﵄ أن ابن عمر قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: يأتيها في ... قال الحميدي: يعني في الفرج.
روى البخاري عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذتُ عليه يوماً - يعني جلست أستمع لقراءته - فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان - وهو في الرواية السابقة " فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ " - فقال: أتدري فيم أُنزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وفي رواية غير البخاري أنه قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.
стр. 50
من هذه الروايات يظهر أن ابن عمر ﵄ فهم من الآية جواز إتيان الرجل لزوجته في دبرها، وفهم من الآية إباحة كل صور الاستمتاع بها، وأخذ الإطلاق من قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وقد أخطأ ابن عمر في فهمه من الآية، وفي قوله هذا، الذي أجمع الصحابة على نقضه ورده.
وقد وقف ابن عباس ﵄ يصوِّب لابن عمر فهمه، ويستدرك عليه قوله، ويصحح له خطأه.
روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم، وفي رواية وهم (أي أخطأ في قوله واستنتاجه من الآية)، إنما كان هذا الحي من الأنصار -وهم أهل وثن- مع هذا الحي من يهود -وهم أهل كتاب- فكانوا يرون أن لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرٍ من فعلهم.
وكان من أمر أهل الكتاب: أن لا يأتوا النساء إلا على حَرف (أي على جانب) وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن، مقبلات ومدبرات ومستلقيات.
فلما قدم المهاجرن المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه. وقالت: إنا كنا نُؤْتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، حتى شَرى أمرهما (أي تفاقم وعظم الخلاف بينهما)، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات. يعني بذلك: موضع الولد.
стр. 51
إن ابن عباس يرى -ومعه الصحابة والعلماء- من الآية، جواز استمتاع الرجل بزوجته وإتيانها أنّى شاء، من الأمام والخلف، شرط أن يكون الجماع في الفرج فقط.
ودلَّل لفهمه بسبب نزول الآية، لأن سبب النزول يوضح المعنى ويبين المراد، من خلال المشكلة التي يواجهها النص، والحادثة التي يبينها، والقضية التي يعالجها.
وقد تواترت الروايات الصحيحة عن الصحابة في صحة ما قاله ابن عباس، وخطأ ما قاله ابن عمر في هذا الخصوص.
فروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وفي رواية عن مسلم في صحيحه توضح قول اليهود -الذي كذَّبته الآية- كانت اليهود تقول: إذا أُتِيت المرأة من دبرها في قبلها، ثم حملت، جاء الولد أحول، فأكذب الله اليهود في زعمهم.
وقد أورد الإِمام مسلم هذه الروايات تحت باب، جعل له عنواناً لطيفاً ذا دلالة على موضوعنا، حيث جاء عنوانه " باب جواز جماعه امرأته في قبلها، من قُدامها ومن ورائها، من غير تعرض للدبر ".
وروى الترمذي عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، قال: في صَمّام واحد يعني في الفرج فقط، من أية جهة كانت، وعلى أي موضع كان.
стр. 52
٤ - ابن عباس يحدد لابن الحكم الذين يفرحون بما أَتوا
روى البخاري ومسلم والترمذي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ﵄ أن مروان بن الحكم -وكان والياً على المدينة لمعاوية- قال لبَوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئٍ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، مُعذباً، لتُعَذَّبُنَّ أجمعون.
فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل
الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استَحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا، من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
لقد فهم مروان بن الحكم من الآية انطباقها على المسلمين، وفهم أنها تقرر العذاب لكل من فرح بعمله، ولكل من أحب ثناء الناس عليه بشيء ولو لم يفعله. لكن ابن عباس دلَّه على سبب نزولها، وعلى ملابسة ذلك النزول -ومعرفة السبب تعين على فهم دقيق صحيح للآية- فهي تتحدث عن اليهود في كتمانهم الحق، وإجابتهم المزيَّفة المحرَّفة.
ولكننا نقول إن الآية ليست في اليهود خاصة، الذين فعلوا الفعل
стр. 53
الشائن. لكنها تنطبق على كل من فعل ذلك الفعل اليهودي الماكر، في أي زمان ومكان.
إن كل من كتم العلم والحق، وظنَّ أنه ذكي فطن، تشمله الآية في وعيدها له بالعذاب، وإن كل من سُئل عن علم فكتمه هرباً من دفع ضريبته، ولم يبيِّنه للناس، بل اشترى به ثمناً قليلاً تشمله بالوعيد، وإن كل من أصدر الفتاوى الباطلة، والتصريحات الضالة، ووقف المواقف المشبوهة الجبانة، تشمله الآية بوعيدها، ولو زعم أنه مسلم.
٥ - عمر بن الخطاب والذين شربوا الخمر متأولين
أورد السيوطي في الدر المنثور، رواية أخرجها ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محارب بن دثار: أن ناساً شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان (الوالي على الشام قبل أخيه معاوية) شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. لقول الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾.
فكتب فيهم إلى عمر، فكتب عمر إليه: إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تُنْظِرْ بهم إلى الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تُنْظِرْ بهم إلى النهار، حتى تبعث بهم إليَّ لا يفتنوا عباد الله.
فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والمَيْسِر ... ﴾. فقالوا: اقرأ التي بعدها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
стр. 54
فشاور فيهم الناس. فقال لعلي: ما ترى؟ قال: أرى أنهم شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، فقد أحلوا ما حرَّم الله، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين ثمانين، فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يَفتري به بعضنا على بعض.
فجلدهم ثمانين ثمانين.
وحتى نفهم المقصودين بالآية نستحضر سبب نزولها:
روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵄ قال: مات رجال من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرم الخمر، فلما حرمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾.
فهذه الآية تنفي الإِثم والجُناح عن الذين كانوا يشربون الخمر وماتوا قبل تحريمها، وليس الذين شربوا الخمر بعد تحريمها.
٦ - الصحابة يبيِّنون معنى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم، عن قيس بن أبي حازم قال: "قام أبو بكر الصديق، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لا يَضُركُمْ مَنْ ضَل إِذا اهْتَديْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ".
стр. 55
وأخرج ابن جرير هذه الحادثة بألفاظ أخرى عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتتلون آيةً من كتاب الله وتعدونها رخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها: ﴿يا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. والله لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيَعُمَّنَكُم الله منه بعقاب.
وروى الترمذي وابن ماجه وآخرون عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تضع هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قال: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: أَمَا والله، لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحاً مُطاعاً، وهوىً متَبَعاً، ودنيا مؤثَرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام. فإن مِن ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم.
وأخرج ابن جرير عن جُبَيْر بن نُفَيْر قال: كنت في حَلَقة فيها أصحاب النبي ﷺ ، وإني لأصغر القوم. فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فأقبلوا عليّ بلسانٍ واحد، فقالوا: أتنزع آيةً من القرآن، لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلامٌ حدث السن، وإنك نزعت آية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان. إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متَّبَعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما ترك قومٌ الجهاد في سبيل الله،
стр. 56
إلا ضربهم الله بذل، ولا أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمَّهم الله بعقاب ".
ثم قال أبو بكر: وما بينكم وبين أن يعمَّكم الله بعقاب من عنده، إلا أن تأولوا هذه الآية، على غير أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر: ﴿يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُركُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان ﵁ في قوله: ﴿لا يَضُركُمْ مَنْ ضَل إِذا اهْتَدَيْتُمُ﴾ قال: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: إذا أمرتَ بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتديت.
ولنا وقفة مطوَّلة قادمة مع ما توحي به هذه الآية، نصوِّب فيها بعض ما يفهمه الناس منها بعون الله تعالى.
٧ - بين عائشة وعروة في قوله ﴿وظنّوا أنهم قد كُذِبوا﴾
نلتقي مرةً أخرى مع أم المؤمنين عائشة ﵂ وابن أختها عروة بن الزبير في حوار علمي وجلسة على مائدة القرآن، يعرض فيها عروة فهماً لآية من كتاب الله، وترد عليه عائشة قوله، وتصوِّب له فهمه.
стр. 57
روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵄ أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذا اسْتَيْأَسَ الرسُلُ وَظَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبوا جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾، كُذِّبوا، أو كُذِبوا؟ قالت: بل كذَّبهم قومهم. فقلت: والله، لقد استيقنوا أن قومهم كذَّبهم، وما هو بالظن. فقالت: يا عريَّة (تصغير عروة) أجل، لقد استيقنوا بذلك. فقلت: لعلها " قد كُذِبوا "، فقالت: معاذ الله!! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدَّقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذَّبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذَّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
وهذا حوارٌ علمي طريفٌ ونقاشٌ هادئ، بين عائشة وعروة ﵄. فهل " كذبوا " بالتخفيف أو التشديد.
عائشة ﵂ تنكر أنها مخففة، ومعها دليلها أن الرسل لا يظنون أن الله قد أخلفهم ما وعدهم، ومن ثم أكذبهم، وأظهرهم كاذبين أمام قومهم. ورَدَّت هذه القراءة لأنها جعلت الفاعل في فعل " ظنوا " عائداً على الرسل، وهو على هذا القول مستحيل.
القراءة المعتمدة عندها هي بالتشديد، ولا تبخل عائشة على عروة ولا علينا بتفسير الآية على هذا القول: استيأس الرسل ممن كذبهم، وعلموا أنهم لن يؤمنوا بهم، واشتد البلاء عليهم، فظنَّ هؤلاء الرسل أن أتباعهم المؤمنين بهم قد كذبوهم، فيما وعدوهم به، عندها جاءهم نصر الله.
لكن لنا استدراكٌ على كلام عائشة ﵂، لا نقبل رأيها في رد القراءة بالتخفيف، بل إننا نعتمدها لأنها كلام الله.
стр. 58
إن هذه الكلمة فيها قراءتان: بالتشديد وبالتخفيف: فمن هم الذين قرأوا بكلٍ منهما؟ وما هي حجة كلٍ منهم، وعلى من تعود الضمائر في الأفعال؟ وما معنى الآية على كل احتمال؟.
نقدم فيما يلي خلاصة لذلك، من الكتاب القيِّم " حجة القراءات " لابن زنجلة: قرأ أهل الكوفة (وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي) وظنوا أنهم قد كُذِبوا بالتخفيف. من قولك: كَذَبْتُك الحديث: أي لم أصدقك. وفي التنزيل: ﴿وَقَعَدَ الذينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (أي لم يصدقوا مع الله ورسوله).
وفيها وجهان من التفسير:
أحدهما: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كُذِبوا. بمعنى أُخلفوا ما وُعِدوه من النصر. جاء الرسلَ نصرُنا، فجعل الضمير في " ظنوا " للقوم، وجعل الظن موافقاً لفظه ومعناه.
الوجه الآخر: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبَتْهم فيما أخبروهم به، من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب.
وقرأ أهل الحجاز والبصرة والشام (وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر) " كُذِّبوا " بالتشديد. وفي التنزيل: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وقوله: ﴿فَكَذَّبوا رُسُلي﴾. وجعلوا الضمير في ظنوا للرسل، والظن بمعنى اليقين. والأولى أن يجعل الضمير الرسل فيكون الفعلان للرسل، ويصير كلاماً واحداً. ومعنى الآية: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان
стр. 59
قومهم، وظنوا أي أيقنوا أن قد كذبوهم جاءهم نصرنا، أي جاء الرسل نصرنا.
...
٨ - ابن مسعود وآيات الدخان
روى البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق بن الأجدع قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود -وهو مضطجع بيننا- فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن: إن قاصاً عند أبواب كندة يقص، ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام.
فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان- يا أيها الناس: اتقوا الله، من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
إن رسول الله ﷺ ، لما رأى من الناس إدباراً قال: اللهم سبعٌ كسبع يوسف.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لما دعا قريشاً كذبوه، واستعصوا عليه فقال: اللهم أعِنِّي عليهم بسبعٍ كسبع يوسف. فأخذتهم سَنَةٌ حصَّتْ كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم، فيرى كهيئة الدخان.
فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد. إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم.
стр. 60
قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. (قال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟!!). ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، فالبطشة يوم بدر.
لقد صحح ابن مسعود أفهام بعضهم، حول الدخان الذي تتحدث عنه الآيات، وبيَّن أنه قد مرَّ بأهل مكة قبل الهجرة، وليس المراد بها ذلك الذي يأتي قبيل الساعة، لأن دليله في نصوص أخرى.
...
٩ - بين عائشة وابن الحكم في شأن أخيها
روى البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان بن الحكم على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية، لكي يبايَع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً.
فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾.
فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي.
стр. 61
أراد مروان أن يسيء إلى عبد الرحمن، وأن يتَّهمه بأنه عاقٌ لوالديه، وأن الله قد أنزل فيه قرآناً، ذمه لموقفه من والديه، واستشهد على اتهامه يآية الأحقاف. ولكن عائشة ﵂ وقفت حارسةً على معاني الآيات، حريصةً على حسن الفهم لها، فردَّت على مروان كلامه واستشهاده بالآية، وبينت أنها لم تنزل في شقيقها عبد الرحمن.
وتستوقفنا في هذه القصة عدة أمور:
منها: موقف عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁، وجرأته في الجهر بالحق، وإعلان الموقف، وإنكار الباطل.
ومنها: موقف مروان وشرطته، وهو موقف لطيف يدل على احترامهم لعائشة ﵂، حيث لم يتابعوا عبد الرحمن في بيت عائشة، بل كفوا عنه، احتراماً لأم المؤمنين، ولبيت رسول الله ﷺ .
نتذكر هذا الموقف اللطيف عنهم، عندما نضعه بجانب مواقف الظالمين والمعتدين من الدعاة إلى الله، واستخدامهم لكل الوسائل في حربهم، وإلقائهم القوانين والأعراف والعهود والقيم والمشاعر جانباً، بحيث لا يراعون فيهم إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، ولا عهداً ولا قرابة.
١٠ - بين ابن عباس وبعض الصحابة في معنى سورة النصر
روى البخاري والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخلُ هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ علمتم.
стр. 62
فدعاه ذات يوم فأدخله معهم. قال ابن عباس: فما رُئيت أنه دعاني يوماً إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح﴾، فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره، إذا جاء نصرنا، وفَتَح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أَجَلُ رسولِ الله ﷺ أعلمه له. فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
فقال عمر: ما أعلم إلا ما تقول.
إن ابن عباس من خلال هذه الحادثة، يتعمق النظر في السورة، ولا يقف عند ظاهر ألفاظها، ولم يكتف بالمعنى الظاهري، الذي يدركه كل من نظر فيها.
إنها تنعي إلى رسول الله ﷺ نفسه، إن عمره في هذه الدنيا مرهونٌ برسالته، ووقفٌ على دعوته. وطالما أن رسالته قد تمَّت، وأن دعوته قد انتصرت، وأنه جاء نصر الله والفتح، وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فقد انتهت مهمته ورسالته ﵇، وبانتهائها ينتهي عمره ﷺ في هذه الحياة.
وقد وافق عمرُ ابنَ عباس على هذا الاستنتاج اللطيف من الآية، واعتمد كلامه حولها بقوله: " ما أعلم منها إلا ما تقول ".
وصدق القائل بشأن الوقوف على المعاني في التفسير: إنها مثل الصيد، وإن المفسرين مثل الصيادين. فمنهم من يصيد عن قُرب، ومنهم من يصيد عن بُعد، ومنهم من يصيد العادي، ومنهم من يصيد الثمين.
стр. 63
١١ - ابن عباس يزيل التعارض الموهوم بين النصوص
روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل لابن عباس فقال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ. قال: ما هو؟.
قال: قال الله: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلايَتَساءَلون﴾، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلون﴾.
وقال: ﴿لا يَكْتُمونَ اللهَ حَديثاً﴾، وقال: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَا مُشْرِكين﴾، وقد كتموا في هذه الآية.
وفي النازعات: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء.
وقال: ﴿وَكانَ اللهً عَزيزاً حَكيماً﴾، وقال: ﴿وَكَانَ اللهُ سَميعاً بَصِيراً﴾، فكأنه كان، ثم مضى.
стр. 64
قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، ينفخ في الصور فيُصعق مَنْ في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثم في النفخة الثانية: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وأما قوله: ﴿وَلا يَكْتُمونَ اللهَ حَديثاً﴾، و ﴿وَاللهِ رَبِّنا ماكنّا مُشْرِكين﴾، فإن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذنوبهم، فيقول المشرك: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يُكتَم حديثاً. وعنده: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١).
وخلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسوَّاهنَّ سبع سموات في يومين آخرين. ثم دحى الأرض، أي بسطها، وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق منها الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين. فذلك قوله: ﴿وَالْأرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾، فخُلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلقت السماء في يومين.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سمَّى نفسه ذلك، أي: لم يزل، ولا يزال كذلك، وإن الله لم يُرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد.
ويحك. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كُلاً من عند الله.
ونحن نتحفَّظ على بعض توجيهات ابن عباس ﵄ في التوفيق بين الآيات المتعارضة في ظاهرها. وبخاصة حديثه عن مدة خلق الأرض والسماء وأيهما خلق أولاً.
стр. 65
ولا يسمح المقام بالكلام المفصل حول هذا.
لكننا نسجل سبقاً فريداً للإمام ابن عباس ﵄ في الجمع بين الآيات المتقاربة، وإزالة التعارض الموهوم بينها، وإزالة اللبس والإشكال عند بعض الناس حولها.
...
١٢ - حوار علمي بين الصحابة في رؤية الرسول ﷺ لربِّه
ونختم هذه الروايات التي أوردناها عن تصحيحات الصحابة لمعاني بعض الآيات وتصويباتهم لبعض الأفهام حولها بهذا الحوار العلمي الطريف بين الصحابة حول رؤية الرسول ﵊ لربِّه: نسجل فيها اختلاف الصحابة في هذه المسألة، وبيان كلٍّ منهم لدليله الذي استدل به لقوله من القرآن، وإبطاله لاستدلال خصمه بالقرآن كذلك.
روى البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: يا أُمَّتاه: هل رأى محمد ربَّه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت. أين أنت من ثلاث، من حدثهم فقد كذب:
١ - من حدَّثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب. ثم قَرأتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
و ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾.
стр. 66
٢ - ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأتْ: ﴿وَما تَدْري نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَداً﴾.
٣ - ومن حدَّثك أنه كتم، فقد كذب. ثم قرأتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك﴾.
ولكنه رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين.
وفي رواية عن مسروق قال: قلتُ لعائشة: فأين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾؟ قالت: ذاك جبريل ﵇، كان يأتيه في صورة الرجل. وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق.
وفي رواية أخرى عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة: ثلاثٌ من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من يزعم أن محمداً رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنتُ متكئاً فجلستُ، فقلت: يا أم المؤمنين: أَنْظِريني ولا تَعجليني. ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ المُبين﴾، و ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾.
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: إنما هو جبريل، ولم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطاً من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء والأرض.
стр. 67
فهذه عائشة ﵂ تصحح لمسروق رأيه وتصوب له فهمه من الآيات، وتقرر أن الرسول ﵇ لم ير ربه ليلة المعراج، وتُقدِّم آياتٍ تستنبط منها هذا الرأي. وتبين لمسروق المعنى الحقيقي للآيات التي فهم منها عكس ما قرَّرته عائشة.
ونحن مع عائشة ﵂ في هذه المسألة تماماً، لأن هذا ما توحي به النصوص القرآنية والحديثية.
ومما يقوّي أدلة عائشة، ويجعل رأيها هو الراجح، ما رواه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ : هل رأيت ربَّك؟ قال: نورٌ أَنَّى أراه.
وعلى هذا الرأي ابن مسعود ﵁: فقد روى البخاري ومسلم والترمذي عنه في قوله تعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾، وفي قوله: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾، قال فيها كلها: رأى جبريل ﵇، له ستمائة جناح.
وبهذا يقول أبو هريرة ﵁: حيث روى عنه مسلم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾. قال: رأى جبريل ﵇.
أما ابن عباس ﵄، فقد كان له رأي آخر، يخالف عائشة وابن مسعود وأبا هريرة.
فقد روى عنه مسلم والترمذي في قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾، وفي قوله: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبهِ الكُبْرى﴾ قوله رآه بفؤاده مرتين.
стр. 68
وفي رواية الترمذي: قال ابن عباس: رأى محمدٌ ربه. قال عكرمة: قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾. قال: ويحك. ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين.
لكن هل هناك خلاف بين ابن عباس وباقي الصحابة في موضوع رؤية الرسول ﷺ لربه؟.
الخلاف قد يبدو لذوي النظر المتعجل في النصوص، بينما في الحقيقة لا خلاف. فابن عباس الذي يقول بحصول الرؤية لم يقصد أن الرسول ﵇ رأى ربه مرتين بعيني رأسه، وإنما يعني أنه رآه بقلبه، فكانت رؤيا قلبية لا عينية، معنوية لا حسّية. وأخذْنا هذا من قوله " رآه بفؤاده مرتين ". كما أخذناه من قول ابن عباس فيما رواه عنه ابن مردويه: " لم يره رسول الله ﷺ بعينيه، وإنما رآه بقلبه ".
***
стр. 69
تزايد نسبة الأفهام الخاطئة في هذا الزمان
يعجب الناظر في أحوال المسلمين في هذا الزمان، والملاحِظ لصلتهم بالقرآن وتعاملهم معه، من أمر غريب، وهو تزايد نسبة الأفهام الخاطئة لمعاني آيات من القرآن، وتزايد نسبة الاستدلالات المرفوضة من الآيات، والأحكام الباطلة التي بنوها عليها، والتحريفات لبعض المفاهيم القرآنية.
آيات من القرآن يحرِّفون معانيها ومفاهيمها لتشهد لهم على أخطائهم السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السلوكية، أو الفنيَّة، أو التعليمية، أو العلمية، أو الثقافية، أو النظرية، أو العملية، إلخ.
منهم من يعتمد على آية في أخطائه في العقيدة والإيمان، أو في الفقه والأحكام، أو في التشريع والنظم. ومنهم من يعتمد على آية -أو آيات- في تزيين القعود عن أداء الواجب، وضعف الهمَّة، وخور العزيمة، وسقوط الإرادة. ومنهم من يعتمد على آية في متابعته لهواه ومزاجه وميوله وانحرافاته ورغباته. ومنهم من يعتمد على آية في تضييع الحق وإخفاء معالمه، أو في نصرة الباطل وتأييده والدعاية له.
ومنهم من يعتمد على آية في تأييد الظالمين، وموالاة الفاسقين، والضعف أمام الكافرين. ومنهم من يعتمد على آية في جبنه وذلِّه وضعفه واستعباده. ومنهم من يعتمد على آية في إجازة البغي، ونصرة الظلم، ومباركة الطغيان. ومنهم من يعتمد على آية في مباركة النفاق والانتهازية والمصلحية.
стр. 70
ومنهم من يعتمد على آية في محاربة الحق وأهله، وإيذاء واضطهاد حملته وأنصاره، بل وفي قتل هؤلاء وإعدامهم.
كثيرٌ من الفروض والواجبات ضيَّعها محرفون في هذا الزمان، واعتمدوا فيها على تحريفهم لمعاني الآيات. كثيرٌ من الحلال المطلوب اعتبروه حراماً ممنوعاً، اعتماداً عليها. كثيرٌ من الأباطيل والأخطاء والمعاصي والفواحش أصبحت مطلوبةً في هذا الزمان. كثير من الحرام أصبح مطلباً وأملاً لكثيرين أيضاً.
أقبل هؤلاء المحرفون لمعاني الآيات على القرآن، وبحثوا فيه عن آيات يمكن أن يحرِّفوا معانيها لتشهد لهم، تعاملوا مع القرآن بخلفية مسبقة، ونيَّة خبيثة محددة، ودخلوا عالمه الرحيب بمزاجية ومصلحية وهوى.
انطبق عليهم في نظرتهم لآيات القرآن قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وانطبق عليهم ذم القرآن لليهود، في تعاملهم مع أنبيائهم وكتبهم، بمزاجيةٍ وهوى، قادهم إلى التحريف والتزوير والرفض والمعاداة و " القرطسة "، فنالوا بذلك غضب الله واستحقوا عذابه، وخرجوا من دينه.
لقد ذم الله يهود في تحريفهم لمفاهيم كتبهم، وفي تجزئتها وتقسيمها وقرطستها، بحيث قسَّموها إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا بالآخر، وقرطسوها إلى كتب، أظهروا بعضها وأخفوا الآخر. ذم الله فعلهم بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾.
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
стр. 71
وهاتان الآيتان -وأشباههما- تنطبقان على مسلمين معاصرين، حرَّفوا مفاهيم القرآن، وقسَّموه إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا ببعض، وقرطسوا القرآن، فأخفوا بعض موضوعاته التي لا تُرضي الظالمين والمعتدين، وأظهروا بعضها مما يوافق هواهم ومزاجهم.
لا يريد هؤلاء المحرِّفون -ولا أسيادهم من الظالمين- بيان مدلولات الآيات ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية، تلك التي تتحدث عن الجهاد، وتحدِّد الصلة بالأعداء، وتتكلم عن السلم والحرب، والعزة والذلة، والحكم والتشريع، والألوهية والحاكمية.
لا مانع عند هؤلاء -وأسيادهم من الظالمين- سماع وإسماع وتفسير الآيات، التي تتحدث عن الثواب والعقاب والجنة والنار، والصلاة والزكاة، والذكر والصوم والحج.
قرطسوا القرآن، فأظهروا بعضه، وأخفوا الكثير من معانيه. وجزَّءوا القرآن، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالكثير من معانيه.
وطُمِس على قلوب هؤلاء وبصائرهم، ووصلت الفتن إلى قلوبهم وسيطرت عليها، وأصبحوا يتحركون بقلوب مفتوفة، لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً، إلا ما يوافق مزاجها وهواها وشهواتها.
أصبح الواحد من هؤلاء، كما قال رسول الله ﷺ ، فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان ﵁: " لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشْرب من هواه " (١).
...
стр. 72
نماذج لآيات حرَّفوا معناها: تصويبات في مفاهيم
لقد ساءنا تحريف المحرِّفين لمعاني كلام رب العالمين، وللنتائج الخاطئة التي خرجوا بها منها، والأحكام الباطلة التي بنوها عليها، كما أزعجنا ازدياد نسبة هذه التحريفات في هذا الزمان، وشمولها لآيات ذات أبعاد شتى، سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية.
وقد قرأنا عن مفاهيم لبعضهم زعموها قرآنية مستمدة من القرآن، كما سمعنا كلاماً كثيراً أورد فيه أصحابه مفاهيم ومعاني زعموها قرآنية، مستمدَّة من آيات معينة، وقَبِل بعض الناس بهذا التحريف، وهذه النتائج والمفاهيم.
وحرصاً منّا على بقاء مفاهيم القرآن كما هي في كتاب الله، وعلى الفهم الصحيح لآيات القرآن، وقياماً منّا بواجب الحراسة على حسن الفهم للقرآن، وواجب الدعوة إلى الله والنصح للمسلمين، وواجب تقديم العلم الذي نراه نافعاً للآخرين، فإننا سنورد نماذج حرَّفوها، واستنبطوا منها أحكاماً ومفاهيم زعموها قرآنية.
سنورد الآية، ثم نذكر ما استنبطه منها هؤلاء، ووجه استدلالهم بها، حتى نقرر حجتهم ونورد شواهدهم -من باب العلمية والمنهجية والموضوعية- ثم نبين المعنى الصحيح الذي تدل عليه الآية، كما هو مستمدّ منها نفسها، ومن السياق الذي وردت فيه، ومن بيان القرآن لحقائقها في
стр. 73
الآيات الأخرى، ومن فهم الرسول ﵊ والصحابة لها -إن صح النقل عنهم في ذلك-.
ومن الله نستمدّ العون والتوفيق والفهم والسداد، وإليه وحده نتوجه بهذا العمل، راجين مرضاته وثوابه:
***
стр. 74
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
هذه آيةٌ كريمةٌ، اعتمد عليها الكسالى والقاعدون والمقصرون والجبناء في عدم القيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واعتبروها تقدم لهم عذراً في القعود، ورخصةً في عدم القيام بالواجب، و" فتوى " قرآنية تبرِّر لهم ما هم فيه!
معنى الآية عند هؤلاء المحرِّفين: إنها تجيز لكل مسلم أن يعود إلى نفسه وأن يلزمها بالطاعة والعبادة والذكر. وأن يبتعد هو عن المحرمات والمعاصي.
فإذا فعل هذا فقد أدّى الواجب الذي يريده الله منه. ولا يجب عليه -بل غير مطلوب منه- أن يدعو الآخرين إلى الله، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. إن الآية تقول لكل مسلم: عليك نفسك، أصلحها وأبعدها عن المعاصي، ودع غيرك ولا تَدْعُه إلى الله، وهو لا يضرك، ولا يؤثر عليك بضلاله، ألستَ عابداً؟ ألست تاركاً للمعاصي؟ إذن أنت مهتد، ولو لم تخاطب الآخرين.
стр. 75
هذا فهم خاطئ لمعنى الآية، بل قَلْبٌ له، وإتيانٌ بعكسه. وفي هذه المناسبة نقول:
قد يقعد بعض المسلمين عن أداء الواجب، وقد يفرِّطون في بعض الأوامر، وقد يرتكبون بعض المحظورات، وهذا حرام، وفيه إثمٌ ووعيدٌ بالعذاب. لكن الذي يكون إثمه مضاعفاً، وجريمته مزدوجة، وعذابه شديداً أليماً يوم القيامة، هو ذلك الذي يفلسف قعوده عن أداء الواجب، ويبرر مخالفته للأوامر، ويتبجح في ارتكاب الحرام، و " يتعالم " على الإِسلام والقرآن، ويسند مخالفته بآياتٍ من القرآن يحرف معناها، ويلوي أعناقها. إنه يجمع بين الجريمتين: جريمة المخالفة وجريمة التحريف، ويجني إثمين: إثم الخطأ وإثم الافتراء.
ونقدم فيما يلي طائفة من أقوال السلف الصالح في معنى الآية، ونُتْبع ذلك بنظراتٍ لنا فيها بعون الله.
أخرج أصحاب السنن عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس: إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر، ولم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب ".
وفي روايةٍ أخرى أخرجها ابن جرير الطبري، عن خطبة أبي بكر قال: أيها الناس: إنكم لتتلون آية من كتاب الله، وتَعُدّونها رخصة، واللهِ ما أنزل الله في كتابه أشدّ منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. والله لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهَونَّ عن المنكر أو ليعمَّنَكم الله منه بعقاب.