Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
منهاج البلغاء وسراج الأدباء
المعاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد.
قال الإمام الحافظ البليغ الحجة في مقام الأدب ومضماره حازم بن محمد القرطاجني.
أو منافرة لها (......) إلى (......) صحيح (......) .
المنهاج الأول في الإبانة عن ماهيات المعاني وأنحاء وجودها ومواقعها, و (ال) تعريف بضروب هيئاتها و (جهات) التصرف فيها وما تعتبر (به) أحوالها في جميع ذلك, من حيث تكون (ملائمة) للنفوس أو منافرة لها.
أ- معلم (دال) على طرق (العلم بالمعاني) وحقائقها وأنحاء (النظر) فيها (وبما ينبغي) أن تعتبر به أحوالها, من جهة ما يرجع إليها وما هو خارج (عنها) (......) هنالك موجودات خارج الذهن عن أمثلة لها وجود (......) وهي الهيئات النطقية.
لما كانت المعاني إنما (تتحصل) في الأذهان عن الأمور الموجودة في الأعيان وكانت تلك (المعاني) إنما تتحصل في الذهن بأعلام من العبارة توضع للدلالة (......) عن علم على صورة صورة منها, فتتمثل بحصول تلك الصورة في ال (......) الموجودة في الأعيان التي تلك الصور الحاصلة في الذهن (......) كانت تلك الصور الذهنية إنما يتخيل بها ما هي صور (......) (خارجة) عن الذهن (بوجه) مخصوص وترتيب مخصوص (......) تلك الصور الذهنية في الألفاظ إنما تدل على (......) .
(......) عليها هو الذي ران على قلوب شعراء المشرق المتأخرين (وأعمى) بصائرهم عن حقيقة الشعر منذ مائتي سنة. فلم يوجد فيهم على طول هذه المدة من نحا نحو الفحول ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام وإحكام وضعه وانتقاء مواده التي يجب نحته منها. فخرجوا بذلك عن مهيع الشعر ودخلوا في محض التكلم. هذا على كثرة المبدعين المتقدمين في الرعيل الأول من قدمائهم والحلبة السابقة زمانا وإحسانا منهم.
المنهج الثاني في الإبانة عن طرق اجتلاب المعاني وكيفيات التئامها وبناء بعضها على بعض, وما تعتبر به أحوالها في جميع ذلك, من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها.
ب- معلم علة طرق العلم باقتباس المعاني وكيفية اجتلابها وتأليف بعضها إلى بعض .
يحب على من أراد جودة التصرف في المعاني وحسن المذهب في اجتلابها والحذق بتأليف بعضها إلى بعض أن يعرف أن للشعراء أغراضا أول هي الباعثة على قول الشعر. وهي أمور تحدث عنها تأثرات وانفعالات للنفوس, لكون تلك الأمور مما يناسبها ويبسطها أو ينافرها ويقبضها أو لاجتماع البسط والقبض والمناسبة والمنافرة في الأمر من وجهين. فالأمر قد (يبسط) النفس ويؤنسها بالمسرة والرجاء ويقبضها بالكآبة والخوف. وقد يبسطها أيضاً بالاستغراب لما يقع فيه من اتفاق بديع. وقد يقبضها ويوحشها بصيرورة الأمر من مبدإ سار إلى مآل غير سار. وإذا ارتيح للأمر من جهة واكترث له من جهة على نحو ما (......) جرى مجرى ذلك كانت أقوالا شاجية.
١- إضاءة: والارتياح للأمر السار إذا كان صادرا عن قاصد لذلك أرضى فحرك إلى المدح. والارتماض للأمر الضار إذا كان صادرا عن قاصد لذلك أغضب فحرك إلى الذم. وتحرك الأمور غير المصودة أيضا, من جهة ما تناسب النفس وتسرها ومن جهة ما تنافرها وتضرها, إلى نزاع إليها أو نزوع عنها وحمد وذم أيضا. وإذا كان الارتياح لسار مستقبل فهو رجاء. وإذا كان الارتماض لضار مستقبل كانت تلك رهبة. وإذا كان الارتماض لانقطاع أمل في شيء كان يؤمل, فإن نحي في ذلك منحى التصبر والتجمل سمي تأسيا أو تسليا, وإن نحي به منحى الجزع والاكتراث سمي تأسفا أو تندما. ويسمى استدفاع المخوف المستقبل استلطافا. وإذا استدفع المتكلم ذلك فأسعف به وضمن وصف الحال في ذلك كلاما سمي إعتابا. والتعزير على الأمر المرتمض منه والملامة فيه تسمى معاتبة. فإن كان الارتياح لأمر شأنه أن يسر محضره إلا أنه يكون بعيدا من المتكلم, من جهة زمان ماض أو مستقبل أو مكان أو إمكان, حرك ذلك إلى الاستراحة لذكره والتشوف إليه, فتكون الأقوال في الأشياء التي علقتها بأغراض النفوس على هذا النحو متنوعة إلى فنون كثيرة نحو التشوقيات والإخوانيات وما جرى مجرى ذلك.
стр. 2
٢- تنوير: فقد تبين بهذا أن أغراض الشعر أجناس وأنواع تحتها أنواع. فأما الأجناس الأول فالارتياح والاكتراث وما تركب منهما نحو إشراب الارتياح الاكتراث أو إشراب الاكتراث الارتياح, وهي الطرق الشاجية. والأنواع التي تحت هذه الأجناس هي: الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزاع والنزوع والخوف والرجاء. والأنواع الأخر التي تحت تلك الأنواع هي: المدح والنسيب والرثاء والتذكرات وأنواع المشاجرات وما جرى مجرى هذه الطرق من المقاصد الشعرية. وسيأتي تفصيل هذه الجملة في موضعها في القسم الرابع إن شاء الله.
٣- إضاءة: فمعاني الشعر, على هذا القسم, ترجع إلى وصف أحوال الأمور المحركة إلى القول أو إلى وصف أحوال المتحركين لها أو إلى وصف أحوال المحركات والمحركين معا. وأحسن القول وأكمله ما اجتمع فيه وصف الحالين.
٤- تنوير: ولا يخلو الشيء في جميع تلك الأحوال من أن ينسب إلى الشيء بإيجابه له أو تزال نسبته إليه بسلبه عنه أو ينسب إليه لا على جهة إيجاب ولا سلب ولكن على جهة الاحتمال والإمكان. وكل ذلك لا تخلو أن تكون راجعة إلى ما يرجع إلى الشيء ويخصه في ذاته أو يكون غير راجع إلى ما يخصه في ذاته بل لأمر عرض له من غيره أو لما تدركه منه القوى الحسية أو التصورية أو بحسب نسبته إلى شيء تأخر في زمان أو مكان أو بحسب موقعه من اعتقاد ما أو بحسب ما يجعل شرطه فيه أو بحسب مقايسته بشيء آخر أو بحسب الفرض.
٥- إضاءة: والمتصرف في هذه المعاني لا يخلو من أن يكون مثبتا لشيء ببعض تلك الاعتبارات أو مبطلا أو مسويا بين شيئين أو مباينا بينهما أو مرجحا أو متشككا, ولا يخلو من أن يكون معمما أو خاصا حاصرا أو غير حاصر آخذا للشيء بجملته أو محاشيا بعضه. وللعبارة عن جميع ذلك أدوات وضعت للاختصار. وقد يعبر عن جميع ذلك بغير تلك الأدوات. فهذه وأشباهها من المعاني, التي تدل على مقاصد المتكلم واعتقاداته وأحكامه في التصورات والتصديقات المتعلقات بغرضه, معان ثوان ينوطها بمعاني كلامه لتبين فيها أحكاما وشروطا.
٦- تنوير: وهنا معان أخر, وهي أنحاء المخاطبات مثل أن يكون المتكلم مخبرا أو مستخبرا آمرا أو ناهيا داعيا أو مجيبا.
٧- إضاءة: فقد تبين بهذا أن المعاني صنفان: وصف أحوال الأشياء التي فيها القول, ووصف أحوال القائلين أو المقول على ألسنتهم, وأن هذه المعاني تلتزم معاني أخر تكون متعلقة بها ومتلبسة بها, وهي كيفيات مآخذ المعاني وموقعها من الوجود أو الفرض أو غير ذلك ونسب بعضها إلى بعض, ومعطيات تحديداتها وتقديراتها, ومعطيات الأحكام والاعتقادات فيها, ومعطيات كيفيات المخاطبة.
٨- تنوير: ويجب على من أراد حسن التصرف في المعاني, بعد معرفة ضروبها التي أجملت ذكرها, أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. فيقول: إنه قد يوجد لكل معنى من المعاني التي ذكرتها معنى أو معان تناسبه وتقاربه, ويوجد له أيضاً معنى أو معان تضاده وتخالفه. وكذلك يوجد لمضاد هـ في أكثر الأمر معنى أو معان تناسبه. ومن المتناسبات ما يكون تناسبه بتجاور الشيئين واصطحابهما واتفاق موقعيهما من النفس, ومنه ما تكون المناسبة باشتراك الشيئين في كيفية, ولا يشترط فيه التجاور ولا الاتفاق في الموقع من هوى النفس. وما جعل فيه أحد المتناسبين على هذه الصفة مثالا للآخر ومحاكيا له فهو تشبيه.
٩- إضاءة: فإذا أردت أن تقارن بين المعاني وتجعل بعضها بإزاء بعض وتناظر بينها فانظر مأخذ يمكنك معه أن تكون المعنى الواحد وتوقعه في حيزين, فيكون له في كليهما فائدة, فتناظر بين موقع المعنى في هذا الحيز وموقعه في الحيز الآخر فيكون من اقتران التماثل, أو مأخذا يصلح فيه اقتران المعنى بما يناسبه فيكون هذا من اقتران المناسبة, أو مأخذا يصلح فيه اقتران المعنى بمضادة فيكون (هذه مطابقة أو مقابلة, أو مأخذا يصلح فيه اقتران الشيء بما يناسب) مضاده فيكون هذا مخالفة, أو مأخذا يصلح فيه اقتران الشيء بما يشبهه ويستعار اسم أحدهما للاخر فيكون هذا من تشافع الحقيقة والمجاز.
стр. 3
١٠- تنوير: وقد يكون المأخذ في العبارة المقترن فيها معنيا بأحد هذه الاقترانات على أن يكون كلا المعنيين عمدة في الكلام وركنا يثلم الغرض إزالته. وقد يكون المأخذ فيها على أن يكون أحد المعنيين عمدة والآخر فضلة أو كالفضلة لضروب من التتميميات والتعريضات وتحقيق صحة مفهوم أحدهما ببيان الصحة في مفهوم الآخر كمن يقول: العفاف فضيلة كما أن الفسوق رذيلة.
١١- إضاءة: وإذ قد عرفنا كيفية التصرف في المعاني التي لها وجود خارج الذهن والتي جعلت بالفرض بمنزلة ما له وجود خارج الذهن فيجب أيضاً أن (يشار) إلى المعاني التي ليس لها وجود خارج الذهن أصلا, وإنما هي أمور ذهنية محصولها صور تقع في الكلام بتنوع طرق التأليف في المعاني والألفاظ الدالة عليها والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد, وذلك مثل أن تنسب الشيء إلى الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به عنه أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح على تسميتها فعلا أو نحو ذلك. فالإتباع والجر وما جرى مجراهما معان ليس لها خارج الذهن وجود لأن الذي خارج الذهن هو ثبوت نسبة شيء إلى شيء أو كون الشيء لا نسبة له على الشيء. فأما أن يقدم عليه أو يؤخر عنه أو يتصرف في العبارة عنه نحوا من هذه التصاريف فأمور ليس وجودها إلا في الذهن خاصة.
١٢-تنوير: وإذ قد تبين هذا فيجب أن نشير إلى ما يحسن اعتماده في التصرف في هذه المعاني الذهنية. وإن تعددت في الشيء الواحد بحسب وضعه (و) ترتيبه فالواجب أن يعتمد من تلك الصور المتعددة وإن استوت دلالة ومعنى به يليق (......) عبارة لا تسد مسد عبارة في حسن وقع وإن كان مفهومهما واحدا, لان إحداهما أليق بالموضع وأشدهما مناسبة لما وقع في جنبتي الكلام المكتنفتين له أو لما وقع (......) إحداهما. ويكون هذا التناسب يقع بين المفهومات أو بين المسموعات الدالة عليها.
١٣- إضاءة: ويحسن أيضاً أن يقصد تنويع الكلام من جهة الترتيبات الواقعة في عباراته وفي ما دلت عليه بالوضع في جميع ذلك والبعد به عن التواطؤ والتشابه, وأن يؤخذ الكلام من كل مأخذ حتى يكون كل مستجدا بعيد من التكرار, فيكون أخف على النفس وأوقع منها بمحل القبول. ويقتدر على هذا بعرفتة كيفيات تصاريف العبارات وهيآت ترتيبها وترتيب ما دلت عليه, والبصيرة بضروب تركيباتها وشتى مآخذها, وبقوة ملاحظات الخواطر لضروب تلك العبارات وأصناف هيآتها وهيآت ما دلت عليه, وللحيل التي تنتظم بها تلك العبارات على الهيآت المختارة لمسلك الوزن باختصار أو حشو أو إبدال لفظة مكان لفظة أو تقديم أو تأخير, وبسرعة التنبه للموضع الذي تطابقه العبارة من الوزن في ترتيب الحركات والسكنات فيطبعها في ذلك الموضع ويصلها بما قبلها بزيادة أو نقص أو إبدال أو غير ذلك. وإن اتفق ألا يحتاج في صلتها بما قبلها إلى شيء من ذلك فهو أحسن. ولما كان التصرف في ترتيب العبارات بإزاء التصرف في ترتيب المعاني جعلت هذه الإضاءة الموضحة عن الوجوه التي يجب اعتمادها في جميع ذلك.
١٤- تنوير: يشترط في النقلة من بعض هذه المعاني الذهبية إلى بعض أن يكون ذلك غير خارج عن الهيآت التي وقعت للعرب في النقلة من بعض ذلك إلى بعض. ويشترط في المعاني التي خارج الذهن أن ينتقل في أمثلتها الذهبية يكون النظر في صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيأته ودلالته, ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها, ومن جهة مواقعها من النفوس من جهة هيآتها ودلالاتها على ما خارج الذهن, ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها, ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس.
стр. 4
١٥- إضاءة: وقد تقدم الكلام في ما تكون عليه الألفاظ في أنفسها وبالنظر إلى هيآتها ودلالتها وكيفية مواقع تلك الهيآت بدلالتها من النفوس. وبقي الآن أن نتكلم في المعاني الذهبية وفي بعض ما يحتاج إليه في هذه الصناعة مما يتعلق بالأشياء التي تلك المعاني الذهبية صور لها مما تكون عليه تلك الأشياء وما تكون عليه صورها, ومن جهة مواقعها من النفوس, وكونها مما يستميل النفس أو ينفرها لكونها ملائمة لها أو منافرة, أو بإيهام النفس ذلك فيها بتخييل شعري أو إقناع خطابي وما يكون فيه معونة على تقوية ذلك.
١٦- تنوير: وأنا أدرج تفاصيل هذه الجملة في ما أشرعه إثر هذا من المعالم والمعارف بحسب ما يتوجه إليه النظر في معلم معلم ومعرف معرف من ذلك, لتعرف بذلك الطرق الصحيحة في اعتبار ما تكون عليه أحوال المعاني الذهنية وما هي أمثلة له بالنظر إلى ما يستحسن في كل مذهب من مذاهب هذه الصناعة وما لا يستحسن من ذلك. وقد سلكت من التكلم في جميع ذلك مسلكا لم يسلكه أحد قبلي من أرباب هذه الصناعة لصعوبة مرامه وتوعر سبيل التوصل إليه. هذا على أنه روح الصنعة وعمدة البلاغة. وعلى هذا جريت في أكثر ما تكلمت به فيما عدا هذا القسم من أقسام الكتاب. فإني رأيت الناس لم يتكلموا إلا في بعض ظواهر ما اشتملت عليه تلك الصناعة, (فتجاوزت أنا تلك الظواهر) بعد التكلم في جمل مقنعة مما تعلق بها التكلم في كثير من خفايا هذه الصنعة ودقائقها على حسب ما تقدم وما يأتي إن شاء الله.
ب?- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء وجود المعاني .
إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه, فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم. فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ. فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيآت الألفاظ فتقوم بها في الأذهان صور المعاني فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليها.
١- إضاءة: قد تبين أن المعاني لها حقائق موجودة في الأعيان ولها صور موجودة في الأذهان ولها من جهة ما يدل على تلك الصور من الألفاظ وجود في الأفهام, ولها وجود ما يدل على تلك الألفاظ من الخط يقيم صور الألفاظ وصور ما دلت عليه في الأفهام والأذهان.
٢- تنوير: وقد تقدم الكلام في كثير مما يجب معرفته من المعاني من حيث توجد في الألفاظ. وبقي أن نتكلم الآن فيها من حيث توجد في الأذهان, وأن نشفع ذلك بذكر بعض ما يتعلق بها من جهة وجودها خارج الذهن مما يتأكد معرفته في هذه الصناعة, وأن نستدرك ما لعلنا لم نذكره مما يتعلق بجهة وجودها في الألفاظ. فأما الوجود الذي لها من جهة الخط فليس التكلم فيه من مبادئ هذه الصناعة.
ج_ معلم دال على طرق العلم بكيفيات مواقع المعاني من النفوس من جهة ما تكون قوية الانتساب إلى طرق الشعر المألوفة والأغراض المعروفة عند جمهور من له فهم بالطبع, أو ضعيفة الانتساب إلى ذلك.
لما كان علم البلاغة مشتملا على صناعتي الشعر والخطابة وكان الشعر والخطابة يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع وكان لكلتيهما أن تخيل وأن تقنع في شيء شيء من الموجودات الممكن أن يحيط بها علم إنساني وكان القصد في التخييل والإقناع حمل النفوس على فعل شيء أو اعتقاده أو التخلي عن فعله واعتقاده وكانت النفس إنما تتحرك لفعل شيء أو اعتقاده أو التخلي عن واحد واحد من الفعل والطلب والاعتقاد بأن يخيل لها أو يوقع في غالب ظنها أنه خير أو شر بطريق من الطرق التي يقال بها في الأشياء إنها خيرات أو شرور
стр. 5
١- إضاءة: والأشياء التي يقال فيها إنها خيرات وشرور أو يتوهم أنها كذلك منها أمور يشترك في معرفتها وإدراكها الخاصة والجمهور ومنها أمور ينفرد بإدراكها ومعرفتها الخاصة دون الجمهور_ وكانت علقة جل أغراض الناس وآرائهم بالأشياء التي اشترك الخاصة والجمهور في اعتقادهم أنها خير أو شر, وكان أحق تلك الأشياء بأن يميل الناس إليها أو ينفروا عنها الأشياء التي فطرت النفوس على استذاذها أو التألم منها أو حصل لها ذلك بالاعتياد, وجب أن تكون أعرق المعاني في الصناعة الشعرية ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان وكانت دواعي آرائه متوفرة عليه, وكانت نفوس الخاصة والعامة قد اشتركت في الفطرة على الميل إليها أو النفور عنها أو من حصول ذلك إليها بالاعتياد, ووجب أن يكون ما لم تتوفر دواعي أغراض الإنسان عليه وما انفرد بإدراكه المكتسب الخاصة دون الجمهور غير عريق في الصناعة الشعرية بالنسبة إلى المقاصد المألوفة والمدارك الجمهورية.
٢- تنوير: فأما بالنظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه, ولا ميزة بين ما اشتدت علقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس له كبير علقة إذا كان التخييل في جميع ذلك على حد واحد, إذ المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق ذلك.
٣- إضاءة: ولنبين الآن الطرق التي بها تكون علقة المعاني بالأغراض المألوفة عند الجمهور أكيدة وكيف لا تكون علقتها بذلك متأكدة: فأقول: إن الأقاويل المخيلة لا تخلو من أن تكون المعاني المخيلة فيها مما يعرفه جمهور من يفهم لغتها ويتأثر له, أو مما يعرفه ولا يتأثر له, أو مما يتأثر له إذا عرفه, أو مما لا يعرفه ولا يتأثر له لو عرفه. وأحق هذه الأشياء بأن يستعمل في الأغراض المألوفة من طرق الشعر ما عرف وتؤثر له, أو كان مستعدا لأن يتأثر له إذا عرف وكان في قوة كل واحد من جمهور من جبلته في الفهم صالحة أن يتصور ذلك إذا عرف به وذلك كالأخبار التي يحيل عليها الشعراء.
٤- تنوير: وأحسن الأشياء التي تعرف ويتأثر لها أو يتأثر لها إذا عرفت هي الأشياء التي فطرت النفوس على استلذاذها أو التألم منها أو ما وجد فيه الحالان من اللذة والألم كالذكريات للعهود الحميدة المتصرمة التي توجد النفوس تلتذ بتخيلها وذكرها وتتألم من تقضيها وانصرامها. فإذن طرق الشعر إذا في ثلاث جهات: إما أن تكون مفرحة محضة يذكر فيها لقاء الأحبة في حال وجوده واجتلاء الروض والماء وما ناسبهما والتنغم بمواطن السرور ومجالس الأنس, وإما أن تكون (مفجعة) يذكر فيها التفرق والتوحش وما ناسب ذلك وبالجملة أضداد المعاني المفرحة المنعمة, وإما أن تذكر فيها مستطابات قد انصرمت فيلتذ لتخيلها ويتألم لفقدها فتكون طريقة شاجية. واستقصاء القول في هذا يجيء في القسم الرابع ولعلي أن أدرج أيضاً في هذا القسم فضل بيان لذلك.
٥- إضاءة: فما فطرت نفوس الجمهور على استشعار الفرح منه والحزن أو الشجو أو حصل لها ذلك بالعادة هو المعتمد في الأغراض المألوفة في الشعر والمبنى عليه طرقها. وما لم توجد نفوسهم مفطورة عليه من ذلك بما اعتادته فإنما تقع في الأغراض المألوفة بحسب التبعية لما كانت مفطورة عليه أو معتادة له. وذلك بأن يستدرج مما وجد في النفس بحسب الجبلة والعادة إلى ما وجد بالكسب والاستفادة. وتذكر هذه على أنها بعيدة عن التأثير. فلذلك لا يحسن إيراد مثل هذه الأقاويل في الأغراض المألوفة من الشعر ولا يحسن أن تحاكى الأشياء العريقة في الشعر التي اشترطنا فيها الشروط المتقدمة إلا بمثلها مما توجد فيه تلك الشروط.
стр. 6
٦- تنوير: فالمتصورات التي في فطرة النفوس ومعتقداتها العادية أن تجد لها فرحا أو ترحا أو شجوا هي التي ينبغي أن نسميها المتصورات الأصلية. وما لم يوجد ذلك لها في النفوس ولا معتقداتها العادية فهي المتصورات الدخيلة, وهي المعاني التي إنما يكون وجودها بتعلم وتكسب كالأغراض التي لا تقع إلا في العلوم والصناعات والمهن. فالمعاني المتعلقة بهذه الطرق الخاصة ببعض الجماهير لا تحسن في المقاصد العامة المألوفة التي ينحى بها نحو ما يستطيبه الجمهور أو يتأثرون له بالجملة. فإذا استعملت فيها فإنها معيبة لكونها دخيلة في الكلام بحسب الغرض. وإنما تكون أصيلة في الشعر إذا كان غرض الكلام مبنيا على ذلك. فأما إذا لم يكن قصده بنية الكلام على تخييل ما لا يعرفه الجمهور ولا تتأكد علقته بالأغراض, ولكن يورد ذلك على سبيل التبعية على جهة من المحاكاة أو غير ذلك, فإن ذلك غير أصيل في الشعر, ويكون الكلام معيبا بذلك.
٧- إضاءة: والمعاني الشعرية منها ما يكون مقصودا في نفسه بحسب غرض الشعر ومعتمدا إيراده ومنها ما ليس بمعتمد إيراده ولكن يورد على أن يحاكى به ما اعتمد من ذلك أو يحال به عليه أو غير ذلك. ولنسم المعاني التي تكون من متن الكلام ونفس غرض الشعر المعاني الأول, ولنسم المعاني التي ليست من متن الكلام ونفس الغرض ولكنها أمثلة لتلك أو استدلالات عليها أو غير ذلك لا موجب لإيرادها في الكلام غير محاكاة المعاني الأول بها أو ملاحظة وجه يجمع بينهما على بعض الهيآت التي تتلاقى عليها المعاني ويصار من بعضها إلى بعض المعاني الثواني. فتكون معاني الشعر منقسمة إلى أوائل وثوان.
٨- تنوير: وحق الثواني أن تكون أشهر في معناها من الأول لتستوضح معاني الأول بمعانيها الممثلة بها, أو تكون مساوية لها لتفيدتأكيدا للمعنى. فإن كان المعنى فيها أخفى منه في الأول قبح إيراد الثواني لكونها زيادة في الكلام من غير فائدة, فهي بمنزلة الحشو غير المفيد في اللفظ, ولمناقضة المقصد الشعري في المحاكاة والتخييل يكون إتباع المشتهر بالخفي حيث يقصد زيادة المشتهر شهرة أو تأكيد ما فيه من الاشتهار مناقضا للمقصد من حيث كان الواجب في المحاكاة أن يتبع الشيء بما يفضله في المعنى قصد تمثيله به أو يساويه أو لا يبعد عن مساواته, وهي أدنى مراتب المحاكاة.
فالأول هي التي يكون مقصد الكلام وأسلوب الشعر يقتضيان ذكرها وبينة الكلام عليها. والثواني هي التي لا يقتضي مقصد الكلام وأسلوب الشعر بنية الكلام عليها.
٩- إضاءة: ومن المتصورات ما يليق بحقيقة مقاصد الشعر المألوفة وأغراضه المتداولة, وتصلح أن تورد فيها أوائل وثواني, ومنها ما لا يليق بها ولا يصلح فيها أن تورد أوائل ولكن تورد ثواني على ما تقدم ذكره. فالتي يصلح أن تورد أوائل وثواني هي ما تعلق المتصور فيه بشيء معروف عند الجمهور من شأنهم أن يرتاحوا إليه أو يكترثوا له, كان ذلك الشيء مدركا بالحس أو بغيره.
والتي لا يصلح أن تورد أوائل وتورد ثواني هي ما تعلق التصور فيها بحقيقة شيء لا تعم معرفته جميع الجمهور.
١٠- تنوير: فالأصيل في الأغراض المألوفة في الشعر من هذين الصنفين ما صلح أن يقع فيها أولا وثانيا متبوعا وتابعا, لأن هذا يدل على شدة انتسابه إلى طرق الشعر وحسن موقعه منها على كل حال. وهي المعاني الجمهورية. ولا يمكن أن يتألف كلام بديع عال في الفصاحة إلا منها.
стр. 7
والصنف الآخر وهو الذي سميناه بالدخيل لا يأتلف منه كلام عال في البلاغة أصلا إذ من شروط البلاغة والفصاحة حسن الموقع من نفوس الجمهور, وذلك غير موجود في هذا الصنف من المعاني. وأيضا فإنه لا يقع في أغراض الشعر المألوفة إلا (ثانيا وتابعا) . ومن تتبع المعاني الواقعة في الشعر التي مرادها ما ذكرت, وكان له أدنى حظ من البلاغة, واعتبر كلا منها بالقوانين الموضوعة في أصول البلاغة, علم صحة ما قلته. وأنا أقرب على من لم يشد شيئا من علم البلاغة مرام التوصل إلى صحة ما ذكرته, بأن يتتبع في كتب الآداب والبلاغة مذاهب العلماء بالشعر في أي بيت -قالته الشعراء من المتقدمين والمحدثين- أو شعر في كل طريق من طرق الشعر التي منها النسيب والمديح والرثاء والهجاء. فإنه لا يجد مواد ما نص على فضله إلا من المعاني التي ذكرت أنها تقع أولا وثواني, ولا يجد فيها من المواد التي ذكرت أنها لا تقع إلا ثواني شيئا البتة. ولو لم يكن في ذلك إلا أن البصراء بهذه الصناعة, كأبي الفرج قدامة وأضرابه قد نص جميعهم على قبح إيراد المعاني العلمية والصناعية والعبارات المصطلح عليها في جميع ذلك, ونهوا عن إيراد جميع ذلك في الشعر.
وسيأتي في ما أذكره بعد, في هذا القسم إن شاء الله, ما يؤكد صدق القول وصحة المذهب في قبيح تلك المعاني بالنسبة إلى الأغراض المألوفة في الشعر.
١١- إضاءة: وإنما احتجت إلى هذا لأن الطباع منذ اختلت, والأفكار منذ قصرت, والعناية بهذه الصناعة منذ قلت, وتحسين كل من المدعين صناعة الشعر ظنه بطبعه, وظنه أنه لا يحتاج في الشعر إلى أكثر من الطبع, وبنيته على أن كل كلام مقفى موزون شعر, جهالة منه: أن الطباع قد تداخلها من الاختلال والفساد أضعاف ما تداخل الألسنة من اللحن, فهي تستجيد الغث وتستغث الجيد من الكلام ما لم تقمع بردها إلى اعتبار الكلام بالقوانين البلاغية, فيعلم بذلك ما يحسن وما لا يحسن.
ولا شك أن الطباع أحوج إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها من الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم, إذ لم تكن العرب تستغني بصحة طباعها وجودة أفكارها عن تسديد طباعها وتقويمها باعتبار معاني الكلام بالقوانين المصححة لها, وجعلها ذلك علما تتدارسه في أنديتها ويستدرك به بعضهم على بعض وتبصير بعضهم بعضا في ذلك. وقد نقل الرواة من ذلك الشيء الكثير لكنه مفرق في الكتب, لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك لاستخرج منه علما كثيرا موافقا للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة.
١٢- تنوير: وكيف يظن ظان أن العرب, على ما اختصت به من جودة الطباع لنشئهم على الرياضة واستجداد المواضع وانتجاع الرياض العوازب فضلا عن هذه الطباع التي داخلها الفساد منذ زمان واستولى عليها الخلل, كانت تستغني في قولها الشعر الذي هو بالحقيقة شعر ونظمها القصائد التي كانت تسميها أسماط الدهور عن التعليم والإرشاد إلى كيفيات المباني التي يجب أن يوضع عليها الكلام, والتعريف بأنحاء التصرف المستحسن في جميع ذلك, والتنبيه على الجهات التي منها يداخل الخلل المعاني ويقع الفساد في تأليف الألفاظ والمعاني.
وأنت لا تجد شاعرا مجيدا منهم إلا وقد لزم شاعرا آخر المدة الطويلة, وتعلم منه قوانين النظم, واستفاد عنه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية. فقد كان كثير أخذ الشعر عن جميل, وأخذه جميل عن هدبة ابن خشرم, وأخذه هدبة عن بشر بن أبي خازم, وكان الحطيئة قد أخذ علم الشعر عن زهير, وأخذه زهير عن أوس بن حجر, وكذلك جميع شعراء العرب المجيدين المشهورين. فإذا كان أهل ذلك الزمان قد احتاجوا إلى التعلم الطويل فما ظنك بأهل هذا الزمان, بل أية نسبة بين الفريقين في ذلك؟!
стр. 8
١٣- إضاءة: وأنت تجيد الآن الحريص على أن يكون من أهل الأدب المتصرفين في صوغ قافية أو فقرة من أهل زماننا يرى وصمة على نفسه أن يحتاج مع طبعه إلى تعليم معلم أو تبصير مبصر. فإذا تأتى له تأليف كلام مقفى موزون, وله القليل الغث منه, بالكثير من الصعوبة, بأى وشمخ, وظن أنه قد سامى الفحول وشاركهم, رعونة منه وجهلا, من حيث ظن أن كل كلام مقفى موزون شعر. وإن مثله في ذلك مثل أعمى أنس قوما يلقطون درا في موضع تشبه حصباؤء الدر في المقدار والهيئة والملمس, فوقع بيده بعض ما يلقطون من ذلك فأدرك هيأته ومقداره وملمسه بحاسة لمسه, فجعل يعني نفسه في لقط الحصباء على أنها در, ولم يدر أن ميزة الجوهر وشرفه إنما هو بصفة أخرى غير التي أدرك. وكذلك ظن هذا أن الشعرية في الشعر إنما هي نظم أي لفظ اتفق كيف اتفق نظمه وتضمينه أي غرض اتفق على أي صفة اتفق, لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع. وإنما المعتبر عنده إجراء الكلام على الوزن والنفاذ به إلى قافية. فلا يزيد بما يصنعه من ذلك على أن يبدي عن عواره, ويعرب عن قبح مذاهبه في الكلام وسوء اختياره.
١٤- تنوير: وإنما احتجت إلى الفرق بين المواد المستحسنة في الشعر والمستقبحة وترديد القول في إيضاح الجهات التي تقبح وإلى ذكر غلط أكثر الناس في هذه الصناعة لأرشد من لعل كلامي يحل منه محل القبول من الناظرين في هذه الصناعة إلى اقتباس القوانين الصحيحة في هذه الصناعة, وأزع كل ذي حجر عما يتعب به فكره ويصم شعره.
١٥- إضاءة: واعلم أن من المعاني المعروفة عند الجمهور ما لا يحسن إيراده في الشعر. وذلك نحو المعني المتعلقة بصنائع أهل المهن لضعتها. (فإن غالب) عباراتهم لا يحسن أن تستعار ويعبر بها عن معان تشبهها لأنها مزيلة لطلاوة الكلام وحسن موقعه من النفس.
١٦- تنوير: ومن المعاني التي ليست بمعروفة عند الجمهور ما يستحسن إيراده في الشعر, وذلك إذا كان مما فطرت النفوس على الحنين إليه أو التألم منه, وبالجملة على ما تتأثر له النفس تأثر ارتياح أو اكتراث بحسب ما يليق بغرض من ذلك, وكان من أوائلها الأصلية أو ما يناسبها مما هو بها شديد التعلق, ومن شأنه أن يستطرد منه إليها أبدا كأوصاف البروق. هذا إذا كان في قوة جميع الجمهور أن يعرف المعنى الذي بهذه الصفة إذا ألقي إليه كيفية وقوعه في الوجود ويستحسنه بعد المعرفة, وذلك كالإحالات على الأخبار القديمة المستحسنة وطرف التواريخ المستغربة. فإنها حسنة الموقع من النفوس وفي الشعر ما اشتهر من هذا القبيل, ويعبر عنه بحسان العبارات حتى يعرف الخبر منه مفصلا. ومن قصر عن تفهم شيء من ذلك لم يعوزه وجدان من يفهمه إياه, كما أن اللفظ المستعذب وإن كان لا يعرفه جميع الجمهور مستحسن إيراده في الشعر لأنه مع استعذابه قد يفسر معناه, لمن لا يفهمه, ما يتصل به من سائر العبارة. وإن لم يكن في الكلام ما يفسره لم يعوز أيضاً وجدان مفسره لكونه مما يعرفه خاصة الجمهور أو كثير منهم. والإتيان بما يعرف أحسن.
стр. 9
١٧- إضاءة: وليس الأمر في ما ذكرته كالأمر في المسائل العلمية. فإن أكثر الجمهور لا يمكن تعريفهم إياها, مع أن أحدهم إذا أمكن تعريفه إياها لم يجد لها في نفسه ما يجد للمعاني التي ذكرنا أنها العريقة في طريقة الشعر, لكون تلك المعاني المتعلقة بإدراك الذهن ليس الحسن والقبح والغرابة واضحا فيها وضوحه في ما يتعلق بالحس. وأيضا فإن المعاني التي تتعلق بإدراك الحس هي التي تدور عليها مقاصد الشعر, وتكون مذكورة فيه لأنفسها. والمعاني المتعلقة بإدراك الذهن ليس لمقاصد الشعر حولها مدار. وإنما تذكر بحسب التبعية للمتعلقة بإدراك الحسن لتجعل أمثلة لها, أو ينظر حكم في تلك بحكم في هذه, فيكون التمثيل والتنظير فيهما من قبيل تمثيل الأشهر بالأخفى وتنظير الأظهر بالأخفى. وهذه الحال في التمثيل والتنظير مناقضة للمقصود بهما, إذ المقصود بهما محاكاة الشيء بما النفوس له أشد انفعالا حيث يقصد بسطها نحو شيء أو قبضها عنه. وأيضا فإن المسائل العلمية يستبرد إيرادها في الشعر أكثر الناس ولا يستطيب وقوعها فيه إلا من صار من شدة ولوعه بعلم ما, بحيث يتشوف إلى ذكر مسائل ذلك العلم, ويجب إجراءها ولو في المواطن التي لا تليق بها ولا تقبلها البتة لكون التفرع الكلي للراحة والأنس والتفرج أو ضد ذلك قد حجر ذكرها. وأكثر الناس يستبردون ذكر الشيء من ذلك, حيث لا يليق, استبرادهم قول القائل: "والله إن كانت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك" في المواطن الذي قالها.
١٨- تنوير: وإنما يورد المعاني العلمية في كلامه من يريد التمويه بأنه شاعر عالم. وقد بينا أنه فعل نقيض ما يجب في الشعر. فلم يثبت له أنه قال شعرا إلا عند من لا علم له. وأما العلم فلا يثبت أيضاً للشاعر بأن يودع شعره معاني منه. فليس يبعد على الناظم إذا كان قد تصور مسائل من علم وإن قلت أن يعلقها ببعض معاني شعره ويناسب بينها وبين بعض مقاصد نظمه.
١٩- إضاءة: ومن كان مقصده أيضاً أن يظهر أنه مقتدر على المناسبة بين المتباعدين وأن يغطي بحسن تأليفه ووضعه على ما بينهما من التباين بعض التغطية, فإنه يكد خاطره في ما لا تظهر فيه صناعته ظهورها في غيره, ولا يتوصل بعد ذلك إلى الغرض المقصود بالشعر من تحريك النفوس. فأولى بمن هذه صفته أن يجعل موضوع صنعته ما يتضح فيه حسن صنعته ويكون له تأثير في النفوس وتحريك لها وحسن موقع منها من أن يجعل موضوع صنعته ما لا يدل, مع كونه لا يحرك الجمهور ولا يتضح فيه إبداع الصنعة, دلالة قاطعة. فقد يمكن أن يتدرب إنسان في المناسبة بين بعض الأغراض المقولة في الشعر وبين بعض المعاني العلمية. وتحصل له بمزاولة ذلك والحنكة فيه دربة لا تكون له في تأليف معاني الشعر المحضة والمناسبة بين بعضها وبعض. وقد يمكن أيضاً أن يقع ذلك له اتفاقا في بعض المواضع من غير أن يكون له تلك قوة مستمرة في غير ذلك من شعره. فقد بان أن مستعمل هذه المعاني العلمية في شعره يسيء الاختيار, مستهلك لصنعته, مصرف فكره في ما غيره أولى به وأجدى عليه. والولع بنظم هذه المسائل العلمية في الشعر (..........................................) (.........) التي يتصور بها الغرض في تلك المعاني الخارجة عن الذهن على أكمل ما ينبغي وأشده مناسبة للنفس.
فهذه لمحة إجمالية ترشد إلى جهات اقتباس المعاني, وإلى الأنحاء التي تستحسن في تأليفها واقترانها والنقلة من بعضها إلى بعض. ومنع من تفصيل ذلك الاضطرار معه إلى الإطالة الكثيرة. فليتول الناظر تفصيل ذلك بنفسه, فإنه مفيد في هذه الصناعة. وبالله الاستعانة على كل محاولة, وبه التوفيق.
د- معرف دال على طرق المعرفة بكيفيات تركيب المعاني وتضاعفها .
إن المعاني قد تكون مفردة الأجزاء ومتضاعفتها, وقد يكون بعض أجزائها مفردا وبعضها مضاعفا. وذلك بحسب تعدد الأفعال الواقعة في المواطن التي يعبر عما وقع فيها أو اتحادها, وبحسب تعدد ما تستند إليه تلك الأفعال أو اتحاده, وبحسب تعدد ما تتوجه لطلبه من المفعولات أو اتحاده.
وما يتركب من جهة التعدد والاتحاد في جميع ذلك, واقتران كل واحد من الأفعال وما تستند غليه, وما تطلبه بالآخر على حال موافقة له في التعدد والاتحاد أو مخالفة, تنقسم ثمانية أقسام: ١- متحد الفاعل, متحد المفعول, متعدد الفعل
стр. 10
٢- أو متعدد الفاعل والمفعول, متحد الفعل ٣- أو متحد الفعل والفاعل, متعدد المفعول ٤- أو متحد الفعل, متعدد الفاعل والمفعول ٥- أو متحد المفعول, متحد الفعل, متعدد الفاعل ٦- أو متحد المفعول, متعدد الفاعل والفعل ٧- أو متحد الجميع ٨- أو متعدد الجميع.
ويحتاج الشاعر أن يكون متنبها لصور التقسيمات والتفصيلات والتقطيعات التي تتدرج في هذه الجملة, ويحسن صوغ الكلام عليها وتفصيله إليها, ومتهديا إلى المآخذ المستحسنة في جميع ذلك.
١- إضاءة: وهذه الأفعال المشترك فيها قد وضعها على أن يصل من الشيء إلى غيره مثل ما وصل إليه من غيره, وقد يتسلسل هذا. ولا ينبغي أن يتجاوز في ذلك المقدار الذي توجب مقاييس البلاغة الوقوف عنده. وقد تقدم ذلك في القسم الأول. ويكون التسلسل أيضاً في الأفعال المتعددة للمرفوعات المتعددة على هذا النحو. ولا تحسن الإطالة في ذلك. بل يجب أن يحتال في تفصيل الكلام إلى مقادير لا تسلسل فيها.
٢- تنوير: وقد يشترك الشيئان أيضاً في فعل ويكون كلاهما متوجها لفعل الآخر. وهذا إذا كان في قضية واحدة خففوا بعض ما يقع فيه من التكرار بالكناية والحذف. فإذا كان في قضايا كثيرة تضاعف المقدار الباقي من التكرار بعد الكناية والحذف, فلم يحسن ذلك, على أنه قد يقع فيعدل إذ ذاك عن العبارة التي وقع فيها التكرار -بكونها جملتين يلزم في إحداهما ذكر ما في الأخرى-إلى عبارة مفردة تفيد ما تفيده تلك. وهي صيغتا الفاعل ونحو تضارب وضارب. فحينئذ لا يثقل تضاعف المعاني التي بهذه الصفة.
٣- إضاءة: وقد يكون الكلام المؤتلف من معان كثيرة مما ذكر للأفعال فيه مفعولات, وقد يكون مما لا ذكر فيه لذلك, وقد يكون مؤتلفا من النوعين.
فأما ما تعددت فيه الأفعال ومرفوعاتها ومنصوباتها وتباينت فيحتاج إلى أن يناسب بين المعاني الواقعة بهذه الصفة في وضع عباراتها وتفصيلها إلى مقادير وصور تكون متلائمة الوضع متناسبة التفصيل ليقع في الكلام بذلك خفة وتناسب.
٤- تنوير: فأما ما تلازمت فيه المعاني وارتبطت فطالت فلا يحسن تضاعفها إلا بعد اقتضاب العبارات وتصييرها إلى صيغ مختصرة. وكلما اختلفت جهات الصيغ, في ما لم يذهب به مذهب مناظرة أو تقسيم أو ما ناسب ذلك, كان أحسن.
٥- إضاءة: وتحسن للكلام, أيضاً بحسب نسب بعض المعاني الواقعة فيه من بعض, من جهة مواقعها في زمان أو مكان ووضع بعضها في ذلك من بعض, ومن جهة التقاذف بالعبارات إلى تلك الأنحاء, صور أخر ربما وجد مثلها في ما تقدم وربما لم يوجد, لأن الشيء يقع مع الشيء في زمان أو مكان أو يقع بناحية منه وفي زمان غير زمانه متقدم عليه أو متأخر عنه. وقد تكتنف الشيء أشياء من جميع نواحيه. وكذلك تقع مكتنفاته في الزمان سابقة له وتالية. تترتب في القرب والبعد, في الزمان والمكان من أقرب ما يمكن إلى أقصى ما يمكن. وقد يقع الشيء في جميع نواحي الشيء في مرار عدة, أو بأن يكون شيئا يعم جهاته وكذلك في الزمان. ويتركب من هذه الأحوال شتى صور من الكلام. وتكون المعاني الواقعة بهذه الاعتبارات بحسب ما قدمته من تعدد الأفعال وتعدد مرفوعاتها ومنصوباتها أو اتحاد جميع ذلك أو اتحاد بعض من ذلك وتعدد بعض. فتتضاعف صور المعاني بذلك تضاعفا يعز إحصاؤه. والتركيبات التي بها هيآت العبارات وما تحتها من المعاني من جهة مواقع بعض المعاني من بعض في الأزمنة والأمكنة على ما تقدم راجعة إلى المعاني التي تقدم التعريف بأنها تقع تحديدات في الأزمنة والأمكنة. وكثيرا ما يتأتى في هذه التركيبات تقسيم الكلام وتفصيله على مقادير متعادلة متناسبة.
стр. 11
٦- تنوير: وتتضاعف صور العبارات بما يوقع في معانيها من تحديدات ترجع إلى ما تكون عليه في نفوسها, من كونها عامة أو خاصة, كلية أو جزئية. وتتضاعف أيضاً بحسب الأحكام الواقعة في المعاني بعد تحديداتها, من نفي وإثبات ومساواة أو ترجيح أو غير ذلك, ومن جهة كيفيات المخاطبات في المعاني وكون ذلك يكون تأدية أو اقتضاء ونحو ذلك. وكل واحد من هذه له صيغ شتى يعبر بها عنه, فمع أن المعاني تتضاعف صورها بحسب ما تقدم فإن هذه الأشياء أيضاً مما تتضاعف بها الصيغ والعبارات عن تلك المعاني فيؤدي تنوع صور المعاني والعبارات- بجميع ذلك وبما قد ذكر أيضاً في غير هذا الموضع من هذا الكتاب مما تتكاثر به صور المعاني- إلى وقوع المعاني على هيآت وصور يعز حصرها ولا يتأتى استقصاؤها لكثرتها. وإنما يعرف صحتها من خللها أو حسنها من قبحها بالقوانين الكلية التي تنسحب أحكامها على صنف صنف منها, ومن ضروب بيانها. ويعلم من تلك الجمل كيفية التفصيل. ولا بد مع ذلك من الذوق الصحيح والفكر المائز بين ما يناسب وما لا يناسب وما يصح وما لا يصح بالاستناد إلى تلك القوانين على كل جهة من جهات الاعتبار في ضروب التناسب وغير ذلك مما يقصد تحسين الكلام به.
٧- إضاءة: وللأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها من جميع هذه الجهات التي ذكرت. ويتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الرائق, وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام والقوانين البلاغية التي تضمن هذا الكتاب جملة كبيرة منها.
٨- تنوير: وصور المعاني ضربان: صور متكررة وصور غير متكررة. والتكرار لا يجب أن يقع في المعاني إلا بمراعاة اختلاف ما في الحيزين اللذين وقع فيهما التكرار من الكلام. فلا يخلو أن يكون ذلك إما لمخالفة في الوضع: بأن يقدم في أحد الحيزين ما أخر في الآخر, أو بأن تختلف جهات التعلق في الحيزين, أو بأن يفهم المعنى أولا من جهة من جهات الإبهام ثم يورد مفسرا من الجهة التي وقع فيها الإبهام, أو بأن يجمل ثم يفصل -وهذا يجتمع مع ما قبله من جهة ويفارقه من جهة- أو بأن يفصل ثم يجمل الضرب من المقاصد, أو بأن يورد على صورة من الجمع والتفريق كما يقال: أنت وزيد بحران لكن أنت للعذوبة وذلك للزعوفة أو بأن تبان الجهتان اللتان توافى بهما الضدان على الشيء كقوله: (الطويل -ق- المتدارك) يخشى ويتقى يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق فعلى هذه الأنحاء وما ناسبها يقع التكرار في المعاني فيستحسن. وكثيرا ما تقع التفصيلات والتفسيرات والتقسيمات في المعاني التي تكون من هذا القبيل.
٩- إضاءة: فمن أحكم التصرف في هذا الضرب من المعاني المتكرر والضرب الآخر, وتصرف فيهما من جهات أنواع التركيبات التي أشرنا إليها في ما تقدم من هذا المعرف, كان كلامه ممتعا من كل فن من فنون البلاغة, وكان حسن الموقع من النفوس.
ومن كان له ذهن يتمكن به -له أن يفصل ما أجملت في هذا الباب ويفرع ما أصلت- انتفع بهذا الباب نفعا كثيرا في هذه الصناعة, إذ لم يمكنا نحن أن نتفرع إلى تفريع ذلك وتفصيله وتمثيله. فإن ذلك محوج إلى إطالة كثيرة. وإنما نتحرى أن نعل بين الأبواب أو نقارب العدل في ما نذكره, ليكون كل باب قد تضمن قسطا مقنعا مما يجب. فأما ما وراء الإقناع. فلا يمكن استقصاء ذلك في باب, فإن ذلك يضاعف حجم الكتاب, ويؤدي إلى إقطاع هذه الصناعة من عناية النفس فوق ما يجب لها إذ قدر العناية بالشيء إنما يجب أن يكون بإزاء قدر المستفاد منه, وفائدة هذه الصناعة بحسب ما سحب عليها الزمان من أذيال الإذالة وألحفها من معرة الخمول قليلة نزرة, بل غنما غاية محكمها إذاية أهل الفدامة له ممن يظن أن له قدما في الفصاحة, وهو منها بمنزلة الحضيض من السماك. فلذلك كان خليقا أن تكون العناية بهذه الصناعة غير بالغة أو تصرف عنها العناية بالجملة. ولا توفيق إلا بالله.
هـ- معلم دال على طرق العلم باستثارة المعاني من مكامنها واستنباطها من معادنها .
стр. 12
لما كانت الموصوفات والأوصاف وجهات انتساب بعضها إلى بعض وجهات تعلق الأغراض بها من ذوي الأغراض لا تحصى كثرة وجب أن تكون المعاني التي هي مركبة من تلك الأوصاف على حسب الأغراض أجدر بأن لا يستطاع إحصاؤها, ولكن يمكن أن ينبه على الطرق التي بها تتطرق الخواطر إليها وتتهدى منها إلى تأليفها.
فأقول: إن الأصل الذي به يتوصل إلى استثارة المعاني واستنباط تركيباتها هو التملؤ من العلم بأوصاف الأشياء وما يتعلق بها من أوصاف غيرها, والتنبه للهيئات التي يكون عليها التآم تلك الأوصاف وموصوفاتها ونسب بعضها إلى بعض أحسن موقعا من النفوس, والتفطن إلى ما يليق بها من ذلك بحسب موضع موضع وغرض غرض.
١- إضاءة: ولاقتباس المعاني واستثارتها طريقان: أحدهما تقتبس منه لمجرد الخيال وبحث الفكر, والثاني تقتبس منه بسبب زائد على الخيال والفكر.
فالأول يكون بالقوة الشاعرة بأنحاء اقتباس المعاني وملاحظة الوجوه التي منها تلتئم, ويحصل لها ذلك بقوة التخيل والملاحظة لنسب بعض الأشياء من بعض ولما يمتاز به بعضها من بعض ويشارك به بعضها بعضا. ولكون خيالات ما في الحس منتظمة في الفكر على حسب ما هي عليه, لا يتباين فيه ما تشابه في الحس ولا يتشابه فيه ما تباين في الحس. فإذا كانت صور الأشياء قد ارتسمت في الخيال على حسب ما وقعت عليه في الوجود وكانت للنفس قوة على معرفة ما تماثل منها وما تناسب وما تخالف وما تضاد, وبالجملة ما انتسب منها إلى الآخر نسبة ذاتية أو عرضية ثابتة أو منتقلة أمكنها أن تركب من انتساب بعضها إلى بعض تركيبات على حد القضايا الواقعة في الوجود التي تقدم بها الحس والمشاهدة, وبالجملة الإدراك من أي طريق كان أو التي لم تقع لكن النفس تتصور وقوعها لكون انتساب بعض أجزاء المعنى المؤلف على هذا الحد إلى بعض مقبولا في العقل ممكنا عنده وجوده, وأن تنشئ على ذلك صورا شتى من ضروب المعاني في ضروب الأغراض.
٢- تنوير: والطريق الثاني الذي اقتباس المعاني منه بسبب زائد على الخيال هو ما استند فيه بحث الفكر إلى كلام جرى في نظم أو نثر أو تاريخ أو حديث أو مثل. فيبحث الخاطر فيما يستند إليه من ذلك على الظفر بما يسوغ له معه إيراد ذلك الكلام أو بعضه بنوع من التصرف والتغيير أو التضمين فيحيل على ذلك أو يضمنه أو يدمج الإشارة إليه أو يورد معناه في عبارة أخرى على جهة قلب أو نقل إلى مكان أحق به من المكان الذي هو فيه, أو ليزيد فيه فائدة فيتممه أو يتمم به أو يحسن العبارة خاصة أو يصير المنثور منظوما أو المنظوم منثورا خاصة. فأما من لا يقصد في ذلك إلا الارتفاق بالمعنى خاصة, من غير تأثير من هذه التأثيرات, فإنه البكي الطبع في هذه الصناعة الحقيق بالإقلاع عنها وإراحة خاطره مما لا يجدي عليه غير المذمة والتعب.
٣- إضاءة: وبحثه في ما استند إليه من تاريخ, على أن يناسب بين بعض مقاصد كلامه ويينه, فيحاكيه به أو يحيل به عليه أو يستشهد في ذلك على الحديث بالقديم, ويتصرف فيه بالجملة نحوا من التصاريف التي قدمنا ذكرها.
٤- تنوير: وبحثه فيما استند إليه من حكمة أو مثل على أن يردف معاني كلامه بها مضمنا لها بالجملة أو مشيرا إليها على جهة استدلال أو تعليل أو نحو ذلك. وقد يتصرف المثل بإبرازه في عبارة جديدة لا تشبه عبارته الأولى. وقد تختصر العبارات عن الأمثال فيورد منها في البيت الواحد المثلان والثلاثة. وقد يتمثل بالمثل على غير ما تمثل به الأول. فربما حسن موقعه من الكلام الثاني أكثر من حسنه في الكلام الأول. فإن كان موقعه في الكلام الأول أحسن عد مورده في الكلام الثاني مسيئا مقصرا. وقد يتصرف في الأمثال والتواريخ والمنظوم والنثور أنحاء من التصرف غير هذه. وإنما ذكرت من ذلك ما تيسر.
و معرف دال على طرق المعرفة بما توجد المعاني معه حاضرة منتظمة في الذهن على ما يجب أن يكون من بعض عائد إلى بعض, وما به يكون كمال التصرف فيها وفي سائر أركان هذه الصناعة على المذهب المختار.
لما كان الشعر لا يتأتى نظمه على أكمل ما يمكن فيه إلا بحصول ثلاثة أشياء, وهي: المهيئات والأدوات والبواعث, وكانت هذه المهيئات تحصل من جهتين: ١- النشء في بقعة معتدلة الهواء, حسنة الوضع, طيبة المطاعم, أنيقة المناظر, ممتعة من كل ما للأغراض الإنسانية به علقه.
стр. 13
٢- والترعرع بين الفصحاء الألسنة المستعملين للأناشيد المقيمين للأوزان.
وكان المهيء الأول موجها طبع الناشئ إلى الكمال في صحة اعتبار الكلام محسن الروية في تفصيله وتقديره ومطابقة ما خارج الذهن به إيقاع كل جزء منه في كل نحو ينحى به أحسن مواقعه وأعدلها حتى يكون حسن نشء الكلام مشبها حسن نشء المتكلم به. وقد تكون النشأة حسنة على غير هذا النحو. وذلك بأن تستجد الأهوية للناشئ وترتاد له مواقع المزن ومواضع الكلإ والنبات الغض, ولا يخيم به في الموضع إلا ريثما يصوح كلأه ويغيض ماؤه, فإن الطباع الناشئة أيضاً على هذه الحال, وإن لم تكن في الأقاليم المعتدلة, جارية مجرى تلك في سداد الخاطر والتنبه لما يحسن هيآته اللفظية والمعنوي' إلى ما تهدوا. ولو اتفق النشء على هذه الحال من استجداد الأهوية وارتياد الأماكن أزمنة شبابها لأمة تكون أرضهم التي يترددون فيها أحسن الأرض بقعة وأمتعها وأعد لها هواء وكانت دواعيهم تتوفر على جعل الكلام عدة لما يراد من استثارة الأفعال الجمهورية أو كفكفتها بالإقناعات والتخييل المستعملة فيه نحو توفر دواعي العرب إلى ذلك لكانت هذه الأمة أجدر أمة أن تحوز قصبات السبق في الفصاحة وأن تستولي على الأمر الأقصى في ذلك. وأفصح قبائل العرب من شارف هذه الحال التي وصفنا أو قاربها.
والمهيئ الثاني موجه إياه لحفظ الكلام الفصيح وتحصيل المواد اللفظية والمعرفة بإقامة الأوزان.
وكانت الأدوات تنقسم إلى العلوم المتعلقة بالألفاظ والعلوم المتعلقة بالمعاني.
وكانت البواعث تنقسم إلى أطراب وإلى آمال. وكان كثير من الأطراب إنما يعتري أهل الرحل بالحنين إلى ما عهدوه ومن فارقوه, والآمال إنما تعلق بخدام الدول النافعة وجب ألا تكمل تلك المهيآت للشاعر إلا بطيب البقعة وفصاحة الأمة وكرم الدول ومعاهدة التنقل والرحلة. فقلما برع في المعاني من لم تنشئه بقعة فاضلة, ولا في الألفاظ من لم ينشأ بين أمة فصيحة, ولا في جودة النظم من لم يحمله على مصابرة الخواطر في إعمال الروية الثقة بما يرجوه من تلقاء الدولة, ولا في رقة أسلوب النسيب من لم تشط به عن أحبابه رحلة ولا شاهد موقف فرقة.
١- إضاءة: ولما كان القول في الشعر لا يخلو من أن يكون وصفا أو تشبيها أو حكمة أو تاريخا احتاج الشاعر أن تكون له معرفة بنعوت الأشياء التي من شأن الشعر أن يتعرض لوصفها, ولمعرفة مجاري أمور الدنيا وأنحاء تصرف الأزمنة والأحوال, وأن تكون له قوة ملاحظة لما يناسب الأشياء والقضايا الواقعة من أشياء أخر تشبهها, وقضايا متقدمة تشبه التي في الحال.
٢- تنوير: ولا يكمل لشاعر قول على الوجه المختار إلا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة.
فأما القوة الحافظة فهي أن تكون خيالات الفكر منتظمة, ممتازا بعضها عن بعض, محفوظا كلها في نصابه. فإذا أراد مثلا أن يقول غرضا ما في نسيب أو مديح أو غير ذلك وجد خياله اللائق به قد أهبته له القوة الحافظة بكون صور الأشياء مترتبة فيها على حد ما وقعت عليه في الوجود, فإذا أجال خاطره في تصورها فكأنه اجتلى حقائقها. وكثير من خواطر الشعراء تكون معتكرة الخيالات, غير منتظمة التصور, فإذا أجال خاطره في أوصاف الأشياء وخيالاتها اشتبهت عليه واختلطت وأخذ منها غير ما يليق بمقصده وبالموضع الذي يحتاج فيه إلى ذلك.
وكان المنتظم الخيالات كالناظم الذي تكون عنده أنماط الجواهر مجزأة محفوظة المواضع عنده. فإذا أراد أي حجر شاء على أي مقدار شاء عمد إلى الموضع الذي يعلم أنه فيه فأخذه منه ونظمه. وكذلك من كانت خيالاته وتصوراته منتظمة متميزة فإنه يقصد بملاحظة الخاطر منها إلى ما شاء فلا يعدوه.
والمعتكر الخيالات كناظم تكون جواهره مختلطة, فإذا أراد حجرا على صفة ما تعب فيه تفتيشه, وربما لم يقع على البغية, فنظم في الموضع غير ما يليق به. والمعتكر الخيالات في هذه الحال أجدر بطول السدر لكون الأشياء التي في الحس أوضح من التي في التصور والذهن.
٣- إضاءة: والقوة المائزة هي التي بها يميز الإنسان ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض مما لا يلائم ذلك, وما يصح مما لا يصح.
стр. 14
والقوى الصانعة هي القوى التي تتولى العمل في ضم بعض أجزاء الألفاظ والمعاني والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض والتدرج من بعضها إلى بعض, وبالجملة التي تتولى جميع ما تلتئم به كليات هذه الصناعة.
وهذه القوى التي هي الحافظة والمميزة والملاحظة والصانعة وما جرى مجراها, في احتياج الشاعر أن تكون موجودة في طبعه على ما سنفصله في القسم الثالث إن شاء الله, هي المعبر عنها بالطبع الجيد في هذه الصناعة
ز- معلم دال على طرق العلم بالمناسبة بين بعض المعاني وبعض والمقارنة بين ما تناظر منها.
إن المعاني منها ما يتطالب بحسب الإسناد خاصة, ومنها ما يتطالب بحسب الإسناد وبحسب انتساب بعض المعاني إلى بعض في أنفسها بكونها أمثالا أو أشباها أو أضدادا أو متقاربات من الأمثال أو الأضداد.
فالنسب الإسنادية تلاحظ الأفكار فيها أربعة أشياء وهي: البيان والمبالغة والمناسبة والمشاكلة التي يكون سببها من الخفاء بحيث قد يتعذر عرفان كنهه.
١- إضاءة: فأما ما التطالب فيه بحسب انتساب بعض المعاني إلى بعض فلا تخلو النسبة فيه من أن تقع بين المعنيين بواسطة أو بغير واسطة, فأما ما وقعت فيه بغير واسطة فيمكن حصر أنواعه وصوره, وأما ما يقع فيه النسب بواسطة فعزيز حصرها فيه لكون كل معنى يمكن أن يكون جهة للتطالب بين معنيين بتوسطه, وجهة التطالب هي النسبة. ولقوى النفوس تفاضل في ملاحظة الجهة النبيهة في نسبة معنى إلى معنى والتنبه إليها, ومبحثها في ذلك علة الجهات التي تفيد معاني كالتشبيهات والتتميمات والمبالغات والتعليلات وغير ذلك من ضروب الوجوه التي تكسب الكلام حسنا وإبداعا.
٢- تنوير: واعلم أن النسب الفائقة إذا وقعت بين هذه المعاني المتطالبة بأنفسها على الصور المختارة التي تقدم ذكرها في القسم الأول في الكلام على ما تناظر من الكلم من حيث إن المعاني متناظرة كان ذلك من أحسن ما يقع في الشعر. فإن للنفوس في تقارن المتماثلات وتشافعها والمتشابهات والمتضادات وما جرى مجراها تحريكا وإيلاعا بالانفعال إلى مقتضى الكلام لأن تناصر الحسن في المستحسنين المتماثلين والمتشابهين أمكن من النفس موقعا من سنوح ذلك لها في شيء واحد. وكذلك حال القبح. وما كان أمللك للنفس وأمكن منها فهو أشد تحريكا لها. وكذلك أيضاً مثول الحسن إزاء القبيح أو القبيح إزاء الحسن مما يزيد غبطة بالواحد وتخليا عن الآخر لتبين حال بالمثول إزاء ضده. فلذلك كان موقع المعاني المتقابلات من النفس عجيبا.
٣- إضاءة: وإذا كان في كل صورة من هذه المتقابلات زيادة معنى على التقابل المفرد زادت الصيغة حسنا كالقلب الذي يعرض في المتماثلات وذلك كقول بعضهم: (البسيط -ق- المتراكب)
فليعجب الناس مني أن لي بدنا ... لا روح فيه ولي روح بلا بدن
وكإيراد المتشابهات بلفظ التماثل, كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف)
دمن طالما التقت أدمع ألمز ... ن عليها, وأدمع العشاق
٤- تنوير: واعلم أن التماثل والتشابه والتخالف قد يقع في أشياء كثيرة الوجود, وقد لا تقع هذه النسب إلا في أشياء قليلة, وقد لا توجد واقعة في أكثر من شيئين. فربما وجد متماثلان لا يوجد لهما مماثل ثالث بالجملة, أو بالنسبة على مثل حالهما في الوجود. وكذلك قد يوجد المتشابهان والمتخالفان على مثل هذه الحال.
٥- إضاءة: وكلما كانت المتماثلات أو المتشابهات أو المتخالفات قليلا وجودها وأمكن استيعابها مع ذلك أو استيعاب أشرفها وأشدها تقدما في الغرض الذي ذكرت من أجله كانت النفوس بذلك أشد إعجابا وأكثر له تحركا. فإن كانت الأمثال أو الأشباه عتيدة الوجود لم يحسن الاستيعاب, ووجب التخطي فيها من الأشرف إلى الأشرف, وكان جديرا ألا يناسب منها إلا بين ذوات الشهرة والمناسبة لغرض الكلام. ولا تجد النفس للمناسبة بين ما كثر وجوده ما تجد لما قل, من الهزة وحسن الموقع, لكونها لا تستغرب جلب العتيد استغرابها لجلب ما عز.
стр. 15
٦- تنوير: وإذا كان معنى التماثل أو التشابه منتسبا إلى شيئين أو أشياء مشتركة فيه كان الوجه ألا يعاد ذلك المعنى مع كل واحد من الشيئين أو الأشياء مشتركة فيه كان الوجه ألا يعاد ذلك المعنى مع كل واحد من الشيئين أو الأشياء, وأن يكتفى بذكره مرة مع أحد تلك الأشياء على نحو من العبارة يعنى بها فيه عن التكرار إيثارا للاختصار, فيقدم محل التماثل متناسقة, وتقديمه أحسن. ويتفق على هذا الوجه أن يكون الكلام مع كونه من هذا الباب معدودا في التقسيم كقول التهامي: (الطويل -ق- المتدارك)
أبان لنا من دره يوم ودعا ... عقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا
فاكتفى بذكر الدر مرة, وأورد الأشياء المنتسبة إليه إيرادا تقسيميا. وقد يتفق أن ينضاف فيه إلى التقسيم التفسير. كقول الشاعر: (البسيط -ق- المتراكب)
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى, وأبو سحق, والقمر
وقد يعد من هذا النحو قول البحتري: (البسيط -ق- المترادف)
في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربى ووشي برود.
وقد يسوغ إجراء الشيئين مجرى الأشياء في الاكتفاء بذكر محل التماثل والتشبه مرة وإجراء الأشياء مجرى الشيئين في إعادة محل التماثل مع كل واحد منهما.
٧- إضاءة: وأما المتخالفات والمتضادات فقد تكون الصيغ أيضاً فيها تقسيمية وتفسيرية. واستقصاء الكلام في ما أشرنا إليه بهذا المعلم يخرج عن غرض الاختصار والاقتصاد. وأنما أوردت ما أوردت من الكلام فيه كاللمحة الدالة, ومن فهم أصول هذا الباب سهل عليه تتبع فروعه اعتبار مواقع النسب فيها, وهو باب شريف.
ح- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعلم وما تقدم في المعلم المفتتح به هذا المنهج الذي فيه القول, وهو المذهب الذي تقصد فيه المطابقة.
وذلك بأن يوضع أحد المعنيين المتضادين أو المتخالفين من الآخر وضعا متلائما. وقدامة يخالف في هذه التسمية. فيجعل المطابقة تماثل المادة في لفظين متغايري المعنى, ويسمي تضاد المعنيين تكافؤا. ولا تشاح في الاصطلاح.
ولفظ المطابقة مشتق إما من قولك: هذا لهذا طبق أي مقدار لا يزيد عليه ولا ينقص, وإذا كان حقيقة الطباق مقابلة الشيء بما هو على قدره ومن وفقه سمي المتضادان إذا تقابلا ولاءم أحدهما في الوضع الآخر متطابقين. قال الخليل: "يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حد واحد وألصقتهما." وإما من قولك: طابق الفرس إذا وقعت رجلاه في موضع يديه. قال الجعدي: (المتقارب -ق- المتواتر)
وخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب, يطأن الهراسا
١- إضاءة: والمطابقة تنقسم إلى محضة وغير محضة.
فالمحضة مفاجأة اللفظ بما يضاده من جهة المعنى كقول جرير: (الكامل -ق- المتدارك)
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا
فقوله باسط وقابض وخير وشر من المطابقات المحضة. ومن ذلك قول دعبل: (الكامل -ق- المتراكب)
لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
وغير المحضة تنقسم إلى مقابلة الشيء بما يتنزل منه منزلة الضد وإلى مقابلة الشيء بما يخالفه.
فأما ما تنزل منزلة الضد فمثل قول الشريف: (الرجز -ق- المترادف)
أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره, ودموعي
فتنزل التبسم منزلة الضحك في المطابقة.
وأما المخالف فهو مقارنة الشيء بما يقرب من مضاده كقول عمرو ابن كلثوم: (الوافر -ق- المترادف)
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
ومن أبدع ما ضوغفت فيه المطابقة وجاءت العبارة الدالة عليها في أحسن ترتيب وأبدع تركيب قو أبي الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف)
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
وقد اجتمع في هذا البيت صنفا المطابقة: المحضة وغير المحضة.
٢- تنوير: وقد تكون المطابقة بالإيجاب والسلب كقول السموءل: (الطويل -ق- المترادف)
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول, حين نقول
وقول البحتري: (الطويل -ق- المتدارك)
تقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلي الشوق, من حيث أعلم
وقد تقع المطابقة بغير اللفظ الصريح فيها, كقول بعضهم: (الطويل -ق- المتدارك)
стр. 16
فإن تقتلوني في الحديد فإنني ... قتلت أخاكم, مطلقا لم يكبل
وقد يوجد في الكلام ما صورته الطباق وليس بمطابقة من جهة المعنى كقول قيس بن الخطيم: (الطويل -ق- المتدارك)
وإني لأغني الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتدي
٣- إضاءة: ويجري مجرى المطابقة تخالف وضع الألفاظ لتخالف في وضع المعاني, ولنسبة بعضها من بعض, فيقع بذلك بين جزأين من أجزاء الكلام نسبتان متخالفتان, فيجرى ذلك مجرى المطابقة في الألفاظ المفردة كقول بعضهم: (الرمل -ق- المتدارك)
أنت للمال إذا أصلحته ... فإذا أنفقته فالمال لك
ومن هذا النحو قول بعضهم: "إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن أمنك حتى تلقى الخوف". ويسمى هذا النوع من الكلام التبديل.
وقد تكلم الناس في ضروب المطابقات وبسطوا القول فيها فلا معنى للإطالة إذ قصدنا أن نتخطى ظواهر هذه الصناعة وما فرغ الناس منه إلى ما وراء ذلك مما لم يفرغ منه.
ط- مأم من المذاهب المستشرفة بالمعلم المتقدم أيضاً وهو مذهب المقابلة .
وإنما تكون المقابلة في الكلام بالتوفيق بين المعاني التي يطابق بعضها بعضا والجمع بين المعنيين اللذين تكون بينهما نسبة تقتضي لأحدهما أن يذكر مع الآخر من جهة ما بينهما من تباين أو تقارب, على صفة من الوضع تلائم بها عبارة أحد المعنيين عبارة الآخر كما لاءم كلا المعنيين في ذلك صاحبه.
١- إضاءة: وأنواع المقابلات تتشعب. وقل من تجده يفطن لمواقع كثير منها في الكلام. كما أن كثيرا من الناس يعد من المقابلة ما ليس منها. وأكثر ما يشعر به منها مقابلة التضاد والتخالف, كقول الجعدي: (الطويل -ق- المتدارك)
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
٢- تنوير: فإذا وضع أحد المعنيين هذه الصفة بإزاء الآخر ومقابلا له كان الكلام بذلك بعضه بعضا, ومنتسبا أواخره إلى أوله. فكان للكلام بذلك حسن موقع من النفس.
٣- إضاءة: وليس يشترط تحاذي عبارتي المعنيين المتقابلين في طرفي الكلام في الرتبة. وإذا أمكن تقابلهما فهو أحسن. وأنشد قدامة في ما تحاذت فيه العبارة: (الطويل -ق- المتدارك)
فيا عجبا, كيف اتفقنا فناصح ... وفي, ومطوي على الغش غادر
فقابل النصح والوفاء بالغش والغدر.
وأنشد أيضاً فيما لم تتخاذ فيه عبارتا المعنيين المتقابلين: (الوافر -ق- المترادف)
أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وسقينا دماءهم الترابا
فما صبروا لضرب عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثوابا
فقابل ما في صدر البيت الأول بما في عجز الثاني, وما في عجز الأول بما في صدر الثاني.
وأنشد الخفاجي: (الطويل -ق- المتراداف)
جزى الله خيرا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بحسن فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل
فجعل في مقابلة أن تكون المرأة ذات بعل وهو لا زوج له أن يكون هو ذا زوج وهي لا بعل لها, وحاجته وهو عزب بحاجتها وهي كذلك, وهذه مقابلة صحيحة.
٤- تنوير: ومن ضروب المقابلة أيضاً قول تأبط شرا: (الطويل -ق- المتدارك)
أهز بها في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك
فقابل هز عطفه بالمنحة بهز عطف ممدوحه بالمدحة.
ومن المقابلة الصحيحة قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك)
وإنا لتمضي بالأكف رما حنا ... إذا أرعشت أيديكم بالمعالق
ومن صحيح المقابلة في النثر قول هند بنت النعمان: "شكرتك يد نالتها خصاصة بعد نعمة, ولا ملكتك يد نالت ثروة بعد فاقة". وكتب بعضهم: "ولو أن (الأقدار إذ) رمت بك من المراتب في أعلاها بلغت في أفعال السؤدد إلى (ما وازاها) , فوازيت بمساعيك مراقيك وعادلت النعمة عليك بالنعمة فيك, ولكنك قابلت سمو الدرجة بدنو الهمة ورفيع الرتبة بوضيع الشيمة, فعاد علوك بالاتفاق إلى حال دنوك بالاستحقاق وصار جناحك في الانهياض إلى ما عليه قدرك في الانخفاض. فلا لوم على القدر إذ أذنب فيك فأناب وغلط بك فعاد إلى الصواب".
وهذه مقابلات صحيحة كلها.
٥- إضاءة: ومن فساد المقابلة قول أبي عدى: (الخفيف -ق- المترادف)
يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنيا وغيث الجود
стр. 17
لأن غيث الجود ليس مقابلا لزين الدنيا من طريق المقابلة ولا التضاد.
ي- مأم من المذهب المستشرقة بالمعلم المتقدم أيضاً وهو التقسيم .
والتقسيم ضروب. فمن ذلك تعديد أشياء ينقسم إليها شيء لا يمكن انقسامه إلى أكثر منها, ومنها تعديد أشياء تكون لازمة عن شيء على سبيل الاجتماع أو التعاقب, ومنها تعديد أشياء تتقاسمها أشياء لا يصلح أن ينسب منها شيء إلا إلى ما نسب غليه من الأشياء المتقاسمة, ومنها تعديد أجزاء من شيء تتقاسمها أشياء أو أجزاء من شيء وتكون الأجزاء المعدودة إما جملة أجزاء الشيء أو أشهر أجزائه وأليقها بغرض الكلام, ويكون كل جزء منها لا يصلح أن ينسب إلى غير ما نسب غليه بالنظر إلى صحة المعنى, ومنها تعديد أشياء محمودة أو مذمومة من شيء متفقة في الشهرة والتناسب.
١- إضاءة: فما ركب من هذا القسم الأخير وما قبله مما ليس انقسامه إلى ما قسم غليه ضروريا لا تمكن الزيادة عليه ولا النقص منه, فإنه يسمى تقسيما على التسامح, ويسمى أيضاً تقطيعا. وما ركب من القسام المتقدمة فإنه التقسيم الصحيح.
٢- تنوير: وينبغي أن يتحرز في القسمة من وقوع النقص فيها أو التداخل أو وقوع الأمرين فيها معا. فإن ذلك مما يعيب المعاني ويسلب بهجتها ويزيل طلاوتها. كما أن القسمة إذا تمت وسلمت من الخلل الداخل فيها من حيث ذكر وطابق حسن تركيب العبارة فيها حسن ترتيب المعاني كان الكلام بذلك أنيق الديباجة قسيم الرواء والهيئة.
واستقصاء الكلام في ما أشرت غليه من أنحاء القسمة وتفصيل القول في تمثيل ما رسمناه في ذلك محوج إلى إطالة تخرج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب. وقد تقدم التعريف بذلك, ولكني سألمع بأمثلة يسيرة من القسمة الصحيحة وما وقع فيه من ذلك عند التكلم في ما تكون عليه المعاني من كمال أو نقص. فليتصفح ذلك في المنهج الرابع, من هذا القسم, إن شاء الله تعالى.
يا- مأم من المذاهب المستشرقة بما تقدم أيضا, وهو مذهب التفسير.
والتفسير أيضاً أنواع. فمنه تفسير الإيضاح وهو إرداف معنى فيه إبهام ما بمعنى مماثل له غلا أنه أوضح منه. ومن ذلك قول أبي الطيب: (الطويل -ق- المتدارك)
ذكي تظنيه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا
ومنه تفسير التعليل نحو قول أبي الحسن مهيار ابن مرزويه: (الطويل -ق- المتدارك)
بكيت على الوادي فحرمت ماءه ... وكيف يحل الماء أكثره دم
ومنه تفسير السبب نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك)
يرجى ويتقى ... يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق
ومنه تفسير الغاية, ومنه تفسير التضمن نحو قول ابن الرومي: (الطويل -ق- المترادف)
خبره بالداء, واسأله بحيلته ... تخبر وتسأل أخا فهم وإفهام
ومنه تفسير الإجمال والتفصيل كقول بعضهم: (الطويل -ق- المترادف)
أذكى وأخمد للعداوة والقرى ... نارين: نار وغى, ونار زناد
١- إضاءة: ويجب أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى المفسر, أو أن تكون في ذلك زيادة لا تليق بالغرض, أو أن يكون في المفسر زيغ عن سنن المعنى المفسر وعدول عن طريقه حتى يكون غير مناسب له ولو من بعض أنحائه, بل يجهد في أن يكون وفقه من جميع الأنحاء.
٢- تنوير: ومما جاء من التفسير غير وفق للمعنى المفسر قول بعضهم: (الطويل -ق- المتدارك)
فيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا
تعال غليه تلق من نور وجهه ضياء, ومن كفيه بحرا من الندى
فمقابلة ما في عجز البيت الأول بما في عجز الثاني غير صحيحة. والتسامح في إيراد التفسير على مثل هذا مخل بوضع المعاني ومذهب لطلاوة الكلام, فينبغي أن يتحرز منه وألا يتسامح في مثله.
يب_ مأم من المذاهب المستشرقة بالمعلم المتقدم أيضاً وهو مذهب التفريع .
وهو أن يصف الشاعر شيئا بوصف ما. ثم يلتفت على شيء آخر يوصف بصفة مماثلة, أو مشابهة, أو مخالفة لما وصف به الأول, فيستدرج من أحدهما إلى الآخر, ويستطرد به غليه على جهة تشبيه أو مفاضلة أو التفات أو غير ذلك مما يناسب به بين بعض المعاني وبعض, فيكون ذكر الثاني كالفرع عن ذكر الأول. ومن ذلك قول الكميت: (البسيط -ق- المتراكب)
стр. 18
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب
وقول ابن المعتز: (الكامل -ق- المتدارك)
وكأن حمرة لونها من خده ... وكأن طيب نسيمها من نشره
حتى إذا صب المزاج تبسمت ... عن ثغرها فحسبته من ثغره
ما زال ينجز لي مواعيد عينه ... فمه, وأحسب ريقه من خمره
وقول الصنوبري: (الكامل -ق- المتدارك)
ما أخطأت نوناته من صدغه ... شبها, ولا ألفاته من قده
فكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من جلده
١- إضاءة: وكل معنى فرع عن معنى فقد يكون واقعا معه في حيز واحد, وقد يكون بينهما تباين في ذلك, وقد يكون المأخذ فيهما واحدا, وقد يكون متخالفا, وقد يكون أحدهما موجها من بعض جهات التوجيه نحو النسب الإسنادية على ما وجه غليه الآخر, وقد يكون أحدهما موجها إلى غير ما وجه إليه الآخر, ومن ذلك قول محمد بن وهيب: (الكامل -ق- المتراكب)
طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا نضد
لبسا البلى, فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد
٢- تنوير: وينبغي أن يكون النقلة من أحد المعنيين على الآخر فيما قصد فيه التفريع متناسبة, وأن يكون المعنى الثاني مما يحسن اقترانه بالأول ويفيد الكلام حسن موقع من النفس. وما وقع من التفريع غير متناسب الوضع ولا متشاكل الاقتران لم يحس, وكان من قبيل التذييل والحشو الذي لا يحسن.
٣- إضاءة: ولا ينبغي أن يذهب بالمعاني مذهب التفريع في قصيدة بجملتها, ولا أن يتابع ذلك في جملة فصول من القصيد, بل يلمع بذلك في بيت أو فصل غير طويل. وإن وقع ذلك في فصول أو أبيات غير متصلة, بحيث تقع المراوحة بينه وبين غيره من الصناعات, لم يكن مكروها, إذ يتوخى في جميع ذلك تناسب الانتقالات وحسن الاقترانات. وكلما كان الكلام مقتصرا به على فن واحد من الإبداعات, وإن كان حسنا في نفسه, لم يحسن لأن ذلك مؤد على سآمة النفس, فإن شيمتها الضجر مما يتردد والولع بما يتجدد.
المنهج الثالث, في الإبانة عما به تتقوم صنعتا الشعر والخطابة من التخييل والإقناع , والتعريف بأنحاء النظر في كلتا الصنعتين, من جهة ما به تقومت, وما به تعتبر أحوال المعاني في جميع ذلك, من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها.
أ?- معلم دال على طرق العلم بما تتقوم به صناعة الشعر من التخييل, وما به تتقوم صناعة الخطابة من الإقناع, والرفق بين الصناعتين في ذلك.
لما كان كل كلام يحتمل الصدق والكذب غما أن يرد على جهة الإخبار والاقتصاص وإما أن يرد على جهة الاحتجاج والاستدلال, وكان اعتماد الصناعة الخطابية في أقاويلها على تقوية الظن لا على إيقاع اليقين -اللهم إلا أن يعدل الخطيب بأقاويله عن الإقناع إلى التصديق, فإن للخطيب أن يلم بذلك في الحال بين الأحوال من كلامه- واعتماد الصناعة الشعرية على تخييل الأشياء التي يعبر عنها بالأقاويل وبإقامة صورها في الذهن بحسن المحاكاة, وكان التخييل لا ينافي اليقين كما نافاه الظن, لأن الشيء قد يخيل على ما هو عليه وقد يخيل على غير ما هو عليه, وجب أن تكون الأقاويل الخطبية -اقتصادية كانت أو احتجاجية- غير صادقة ما لم يعدل بها عن الإقناع إلى التصديق, لأن ما يتقوم به وهو الظن مناف لليقين, وأن تكون الأقاويل الشعرية اقتصادية كانت أو استدلالية غير واقعة أبدا في طرف واحد من النقيضين اللذين هما الصدق والكذب, ولكن تقع صادقة وتارة كاذبة, إذ ما تتقوم به الصناعة الشعرية وهو التخييل غير مناقض لواحد من الطرفين. فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة, وليس يعد شعرا من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيل.
стр. 19
١- إضاءة: ولما كانت الأقاويل الصادقة لا تقع في الخطابة بما هي خطابة إلا بأن يعدل بها عن طريقتها الأصلية وكان ما وقع منها في الشعر غير مقصود من حيث هو صدق كما لا تكون الأقاويل الكاذبة فيها مقصودة من حيث هي كذب بل من حيث هي أقاويل مخيلة رأيت ألا أشتغل بحصر الطرق التي بها يماز القول الصادق من غيره وتفصيل القول في ذلك, فإن ذلك مخرج على محض صناعة المنطق. وإن كنت قد أشرت إلى الأنحاء التي يتعرف منها ذلك إشارة إجمالية لأرشد الناظر في هذه الصناعة إلى جهات الفحص عن ذلك, وأدله على مظان التماسه, فإن الخطيب واجب عليه والشاعر متأكد في حقه أن يعرف الوجوه التي تصير بها الأقاويل الكاذبة موهمة أنها صدق.
٢- تنوير: وإنما يصير القول الكاذب مقنعا وموهما أنه حق بتمويهات واستدراجات ترجع إلى القول أو المقول له. وتلك التمويهات والاستدراجات قد توجد في كثير من الناس بالطبع والحنكة الحاصلة باعتياد المخاطبات التي يحتاج فيها إلى تقوية الظنون في شيء ما أنه على غير ما هو عليه بكثرة سماع المخاطبات في ذلك والتدرب في احتذائها.
٣- إضاءة: والتمويهات تكون في ما يرجع على الأقوال. والاستدرجات تكون بتهيؤ المتكلم بهيئة من يقبل قوله, أو باستمالته المخاطب واستلطافه له بتزكيته وتقريظه, أو باطبائه إياه لنفسه وإحراجه على خصمه حتى يصير بذلك كلامه مقبولا عند الحكم, وكلام خصمه غير مقبول.
٤- تنوير: والتمويهات تكون بطي محل الكذب من القياس عن السامع, أو باغتراره إياه ببناء القياس على مقدمات توهم أنها صادقة لاشتباهها بما يكون صدقا, أو بترتيبه على وضع يوهم أنه صحيح لاشتباهه بالصحيح, أو بوجود الأمرين معا في القياس أعني أن يقع فيه الخلل من جهتي المادة والترتيب معا, أو بإلهاء السامع عن تفقد موضع الكذب وإن كان إلى حيز الوضوح أقرب منه على حيز الخفاء بضروب من الإبداعات والتعجيبات تشغل النفس عن ملاحظة محل الكذب والخلل الواقع في القياس من جهة مادة أو من جهة ترتيب أو من جهة المادة والترتيب معا.
٥- إضاءة: فلما كان كثير من التمويهات التي تكون من غير جهة اشتغال النفوس بالتعجيبات والإبداعات البلاغية عن تفقد محل الكذب يقصدها كثير من الناس بطباعهم ويتهدون إليها بأفكارهم -وإن كان تحصيل القوانين في حصر طرق تلك التمويهات أنفع شيء للخطيب في التوصل إلى الملكة الخطابية- رأيت ألا أشتغل بحصر تلك الطرق عما هو أنسب إلى هذه الصناعة من ذلك عن إبانة وجوه النظر البلاغي في الأقاويل الخطابية والشعرية من جهة ما يخص كلتا الصناعتين ويعمهما, وأن نشير في ما أشرنا إليه من ذكر طرق التمويهات الخطابية على ما أصله أهل صناعة المنطق كابن سينا وغيره.
٦- تنوير: وليس ترد المقاييس في الأقاويل الشعرية والخطابية المقصود بها البلاغة إلا محذوفة إحدى المقدمتين أو النتيجة في الحمليات, ومحذوفة الاستثناءات والنتائج في الشرطيات المتصلات, لأن القياس كلام تلازمت فيه القضايا فصار مسئما بطوله مع ما يقع فيه من تكرار الأسوار والحد الأوسط وأجزاء النتيجة. وكذلك المقدمات والتوالي في الشرطيات المتصلات يقع فيهما وفيما يتصل بهما التكرار أيضاً بما يعاد من أجزائهما في الاستثناء والنتيجة. فلما كان القول القياسي قد لزمه الطول والتكرار لم يكن لهم بد, فيما قصدوا به البلاغة من كلامهم, من أن يعدلوا مقداره ويميطوا تكراره. فإن الكلام إذا خف واعتدل حسن موقعه من النفس, وإذا طال وثقل اشتدت كراهة النفس له.
٧- إضاءة: وليس يحمد في الكلام أيضاً أن يكون من الخفة بحيث يوجد فيه طيش, ولا من القصر بحيث يوجد فيه انبتار, لكن المحمود من ذلك ما له حظ من الرصانة لا تبلغ به إلى الاستثقال, وقسط من الكمال لا يبلغ به إلى الإسآم والإضجار. فإن الكلام المتقطع الأجزاء المنبتر التراكيب غير ملذوذ ولا مستحلى, وهو شبه الرشفات المتقطعة التي لا تروي غليلا. والكلام المتناهي في الطول يشبه استقصاء الجرع المؤدي إلى الغصص, فلا شفاء مع التقطيع المخل ولا راحة مع التطويل الممل, ولكن خير الأمور أوساطها.
стр. 20
٨- تنوير: ولا يحذف من المقاييس إلا ما يكون في قوة الكلام دليل عليه من مقدمة أو نتيجة أو قضية مستثناة. وهذا المحذوف قد يكون القصد به طي المقدمة التي يظهر فيها الكذب, وقد تكون مقدمات القياس كلها صادقة وتطوى إحداها لما ذكرته من قصد التخفيف خاصة.
٩- إضاءة: وقد يكون اقتضاء ما أبقي من القياس لما أميط عنه اقتضاء صحيحا. وقد يكون غير مقتض له في الحقيقة ويظهر في بادئ الرأي أنه مقتض له على الصحة. وأكثر ما يكون هذا في الاستثناءات الشرطية نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- المتدارك)
وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
ففي قوة هذا الكلام, على ما يترامى إليه غرض القول, أن يكون الاستثناء نقيض المقدم والنتيجة نقيض التالي, أي لكنك لم تسؤك مني خليقة فيوهم أنه منتج: فلا تسلي ثيابي من ثيابك. وهذا استثناء وإنتاج غير صحيحين, وإنما يستعمل هذا في الخطابة على جهة الإقناع. وإنما تصح نتيجة الشرطية المتصلة إذا استثني فيها عين المقدم فأنتج عين التالي, أو استثني نقيض التالي فأنتج نقيض المقدم. والمقدم هي القضية التي تلي حرف الشرط, والتالي هي القضية التي تكون جوابا للشرط.
١٠- تنوير: فإذا كان الاستثناء والإنتاج على هذا النحو الذي ذكرته آخرا وكانت القضايا صحيحة مسلمة كان القياس صحيحا وكان لزوم النتيجة لما تقدمها من أجزاء القياس واجبا, لأن القياس قول مؤلف من مقدمات وقضايا إذا كانت مسلمة ورتبت الترتيب الذي يجب في القياس الصحيح لزم عن ذلك القول المرتب لذاته قول آخر يسمى نتيجة.
١١- إضاءة: فما كان من الأقاويل القياسية مبنيا على تخييل وموجودة فيه المحاكاة فهو يعد قولا شعريا, سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو خطابية يقينية أو مشتهرة أو مظنونة. وما لم يقع فيه من ذلك بمحاكاة فلا يخلو من أن يكون مبنيا على الإقناع وغلبة الظن خاصة, أو يكون مبنيا على غير ذلك. فإن كان مبنيا على الإقناع خاصة كان أصيلا في الخطابة دخيلا في الشعر سائغا فيه. وما كان مبنيا على غير الإقناع مما ليس فيه محاكاة فإن وروده في الشعر والخطابة عبث وجهالة سواء كان ذلك صادقا أو مشتهرا أو واضح الكذب.
١٢- تنوير: وأكثر ما يستدل في الشعر بالتمثيل الخطابي. وهو الحكم على جزئي بحكم موجود في جزئي آخر يماثله, نحو قول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب)
أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم
فالأقاويل التي بهذه الصفة خطابية بما يكون فيها من إقناع, شعرية بكونها متلبسة بالمحاكاة والخيالات.
١٣- إضاءة: والاستدلالات الواقعة في الشعر والأمثال المضروبة فيه إنما تجيء تابعة لبعض ما في الكلام, أو لما قد أشير إليه مما هو خارج عنه. فهي إما محاكاة لمتنوعاتها, أو تخييلات فيها أو من أجلها. فكثير من الأمثال أيضاً يكون قولا شعريا, ويكون منها ما هو قول حق, ومنها ما ليس بحق كما كان ذلك في المحاكاة والاستدلالات.
١٤- تنوير: وإنما اتسع في المحاكيات الشعرية, على هذه الأنحاء التي أشرت غليها وعلى ما نذكره بعد في أصناف المحاكيات وكيفيات التصرف فيها, في لسان العرب خاصة. فلذلك وجب أن توضع لها من القوانين أكثر مما وضعت الأوائل.
فإن الحكيم أرسطاطاليس, وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه, فإن أشعار اليونانية إنما كانت أغراضاً محدودة في أوزان مخصوصة, ومدار جل أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود, ويجعلون أحاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود. وكانت لهم أيضاً أمثال في أشياء موجودة نحوا من أمثال كليلة ودمنة ونحوا مما ذكره النابغة من حديث الحية وصاحبها. وكانت لهم طريقة أيضاً - وهي كثيرة في أشعارهم - يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه, وتنقل الدول وما تجرى عليه أحوال الناس وتؤول إليه.
فأما غير هذه الطرق, فلم يكن لهم فيها كبير تصرف, كتشبيه الأشياء بالأشياء, فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه, وإنما وقع في كلامهم التشبيه في الأفعال لا في ذوات الأفعال.
стр. 21
ولو وجد هذا الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال, والاستدلالات واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظا ومعنى, وتبحرهم في أصناف المعاني وحسن تصرفهم في وضعها ووضع الألفاظ بإزائها, وفي إحكام مبانيها واقتراناتها ولطف التفاتاتهم وتتميماتهم واستطراداتهم, وحسن مآخذهم ومنازعهم وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاؤا, لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية.
فإن أبا علي بن سينا قد قال عند فراغه من تلخيص كتابه في الشعر: "هذا هو تلخيص القدر وجد في هذه البلاد من كتاب الشعر للمعلم الأول. وقد بقي منه شطر صالح ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر, بحسب عادة هذا الزمان, كلاما شديد التحصيل والتفصيل. وأما ها هنا فلنقتصر على هذا المبلغ". انتهى كلام ابن سينا.
وفي كلامه إشارة إلى تفخيم علم الشعر, وما أبدت فيه العرب من العجائب, وإلى كثرة تفاصيل الكلام في ألفاظه ومعانيه ونظمه وأسالبيه, واتساع مجال القول في ذلك.
١٥- إضاءة: وقد ذكرت في هذا الكتاب من تفاصيل هذه الصنعة ما أرجو أنه من جملة ما أشار إليه أبو علي ابن سينا.
وقد تركت من ذلك أشياء لم يمكني الكلام فيها لكون بعض أغراض النفس تحث على الانحفار في التأليف وتعجيل الإتمام له, ولأن استقصاء القول في هذه الصناعة محوج إلى إطالة تتخون أزمنة الناظر وتعوقه عما يجب أن يترقى إليه من هذه الصناعة من العلوم النافعة. فإن النظر في أسرار هذه الصناعة مفتاح للنظر في تلك ومرقاة لها. وإنما يجب أن يقتصر في التأليف من هذه الصناعة على ظواهرها ومتوسطاتها, ويمسك عن كثير من خفاياها ودقائقها لأن مرام استقصائها عسير جدا, مضطر إلى الإطالة الكثيرة, ولأن هذه القوانين الظاهرة والمتوسطة أيضاً من فهمها وأحكم تصورها وعرفها حق معرفتها أمكنه أن يصير منها إلى خفايا هذه الصنعة ودقائقها, ويعلم كيف الحكم فيما تشعب من فروعها, فيحصل له جميع الصنعة أو أكثرها بطريق مختصر. والله ولي الإرشاد لمن استرشده.
١٦- تنوير: وإنما صح أن تقع الأقاويل الصادقة في الشعر, ولم تصح أن تقع في الخطابة ما لم يعدل بها عن الإقناع إلى التصديق, لأن ما تتقوم به صنعة الخطابة, وهو الإقناع, مناقض للأقاويل الصادقة, إذ الإقناع بعيد من التصديق في الرتبة. والشعر لا يناقض اليقين ما يتقوم به وهو التخييل, فقد يخيل الشيء ويمثل على حقيقته. فلذلك وجب أن يكون في الكلام المخيل صدق وغير صدق. ولا يكون في الكلام المقنع ما لم يعدل به إلى التصديق إلا الظن الغالب خاصة, والظن مناف لليقين.
فالشعر إذن قد تكون مقدماته يقينية ومشهورة ومظنونة. ويفارق البرهان والجدل والخطابة بما فيه من التخييل والمحاكاة, ويختص بالمقدمات المموهة الكذب. فيكون شعرا أيضاً ما هذه صفته باعتبار ما فيه من المحاكاة والتخييل, لا من جهة ما هو كاذب, كما لم يكن شعرا من جهة ما هو صدق, بل بما كان فيه أيضاً من التخييل. فلاختصاص الشعر باستعمال المحاكاة في المقدمات الكاذبة ما يقصر على النسبة إليه كل كلام مخيل مقدماته كاذبة, فيقال: كلام شعري إذ هو المختص باستعمال المقدمات الكاذبة من حيث يخيل فيها أو بها لا من حيث هي كاذبة. وإن شارك جميع الصنائع في ما اختصت به, وكان له أن يخيل في جميع ذلك, فالتخييل هو المعتبر في صناعته, لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة.
ب- معرف دال على المعرفة بماهية الشعر وحقيقته .
الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب على النفس ما قصد تحبيبه إليها, ويكره إليها ما قصد تكريهه, لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه, بما يتضمن من حسن تخييل له, ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام, أو قوة صدقه أو قوة شهرته, أو بمجوع ذلك. وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب. فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوي انفعالها وتأثرها.
стр. 22
١- إضاءة: فأفضل الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته, وقويت شهرته أو صدقه, أو خفي كذبه, وقامت غرابته. وإن كان قد يعد حذقا للشاعر اقتداره على ترويج الكذب وتمويه على النفس وإعجالها إلى التأثر له قبل, بإعمالها الروية في ما هو عليه. فهذا يرجع إلى الشاعر وشدة تحيله في إيقاع الدلسة للنفس في الكلام. فأما أن يكون ذلك شيئا يرجع إلى ذات الكلام فلا.
وأردأ الشعر ما كان قبيح المحاكاة والهيئة, واضح الكذب, خليا من الغرابة, وما أجدر ما كان بهذه الصفة ألا يسمى شعرا وإن كان موزونا مقفى, إذ المقصود بالشعر معدوم منه, لأن ما كان بهذه الصفة من الكلام الوارد في الشعر لا تتأثر النفس لمقتضاه, لأن قبح الهيأة يحول بين الكلام وتمكنه من القلب, وقبح المحاكاة يغطي على كثير من حسن المحاكى أو قبحه ويشغل عن تخيل ذلك. فتجمد النفس عن التأثر له, ووضوح الكذب يزعها عن التأثر بالجملة.
٢- تنوير: فإن حسنت الهيأة والمحاكاة ولم يكن الكذب شديد الوضوح, خادعا النفس عما تستشعره أو تعتقده من الكذب, وحركاها إلى اعتماد الشيء بفعل أو اعتقاد أو التخلي عنه تحريك مغالطة, فهذا أدنى مراتب الشعر إذا لم يعتد بما ذكرناه أولا.
٣- إضاءة: وإنما يرجع الشاعر إلى القول الكاذب حيث يعوزه الصادق والمشتهر بالنسبة إلى مقصده في الشعر. فقد يريد تقبيح حسن وتحسين قبيح, فلا يجد القول الصادق في هذا ولا المشتهر, فيضطر حينئذ إلى استعمال الأقاويل الكاذبة.
٤- تنوير: فأما إذا قصد تحسين حسن وتقبيح قبيح, فإنه متمكن من القول الصادق والمشهور فيهما. وأكثر أقوال الشعراء في هذين القسمين, إذا لم يقصدوا المبالغة في ما يحاكونه ويصفونه, صادقة. اللهم إلا أن يقصدوا المبالغة في تحسين حسن أو تقبيح قبيح فيتجاوزون حدود أوصافه الحقيقية ويحاكونه بما هو أعظم منه حالا أو أحقر ليزيدوا النفوس استمالة إليه أو تنفيرا عنه.
٥- إضاءة: ولا يخلو الشيء الحسن من أن يكون أحسن ما في معناه, أو أن يكون ثم ما هو أحسن منه. وكذلك القبيح قد يوجد أقبح منه أو لا يوجد. فالحسن الذي لا أحسن منه, والقبيح الذي لا أقبح منه, ولا يوجد مساو لهما في معنييهما, لا ينبغي أن يكون الأقوال فيهما صادقة في الأولى والأكثر, فإن محاكاته بما هو دونه تقصير به وليس هناك إلى ما يطمح به. فأما الحسن والقبيح اللذان يوجد في معناها ما هو أعظم منهما أو ما يساويهما, فإن الأقاويل الشعرية ترد فيهما صادقة وكاذبة, بحسب ما يعتمده الشاعر من اقتصاد في الوصف أو مبالغة.
٦- تنوير: وإذا حقق القول وجدت الأقاويل أيضاً في تقبيح الحسن وتحسين القبيح قد تكون صادقة لأن كل شيء حسن يقصد محاكاته وتخييله, وإن أحسن ما في معناه, فقد يوجد فيه وصف مستقبح. وكذلك الشيء القبيح, فإنه وإن كان لا أقبح منه, قد يوجد فيه وصف مستحسن.
فقد قال الجاحظ: " ليس شيء إلا وله وجهان وطريقان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين, وإذا ذموا ذكروا أقبحهما".
وأنا أذكر الأنحاء التي يترامى إليها صدق الشعر أو كذبه بما يقتضيه أصل الصناعة ويوجبه. وهو الذي يعتمده المطبوعون من الشعراء, وهي ثمانية أنحاء: تحسين حسن لا نظير له. فهذا يجب أن تكون الأقاويل فيه صادقة وكذلك تقبيح القبيح الذي لا نظير له.
وتحسين حسن له نظير. وكثيرا ما يقع في هذا أيضاً الصدق إذا اقتصد في أوصافه واقتصر على الوقوف عند حدودها. وكذلك أيضاً إن اقتصد في محاكاته بغيره واقتصر به على المشابهة دون الغاية التي يطمح فيها عن محاكاة الشيء بالشيء إلى قول هو هو.
وفرق بين قولك في الشيء: إنه الشيء الآخر, وبين قولك: إنه مثله وشبهه, إذا لم ترد في نفسك معنى التشبيه, وتكون قد حذفت الحرف الدال عليه إيجازا, بل أردت أن يصير به اثنينية شيئين اتحادا. وهذا يكون في المشابهة وغيرها.
قال أبو علي بن سينا: "المجانسة اتحاد في الجنس, والمشاكلة اتحاد في النوع, والمشابهة اتحاد في الكيف, والمساواة اتحاد في الكم, والموازاة اتحاد في الوضع, والمطابقة اتحاد في الأطراف, والهو هو اتحاد في شيء من اثنين يجعل اثنين في الوضع تصير به اثنينيتهما اتحادا بنوع من الاتحادات الواقعة بين اثنين مما قيل".
стр. 23
فما وقع من الأوصاف والمحاكاة مقتصدا فيه غير متجاوز فهو قول صدق. فإذا قيل في الشيء: إنه كالشيء, وكان فيه شبه منه , فهو قول حق. لأن الكاف وحروف التشبيه إنما وضعت لأن تدل على الشبه من حيث إنه موجود, قل أو كثر, لا من حيث الكمية, فقد يقوى الشبه ويضعف وتكون المحاكاة مع ذلك صادقة إلا أنها في أحد الحالين أوضح.
وكثير من الناس يغلط فيظن أن التشبيه والمحاكاة من جملة كذب الشعر, وليس كذلك. لأن الشيء إذا أشبه الشيء فتشبيهه به صادق, لأن المشبه مخبر أن شيئا أشبه شيئا, وكذلك هو بلا شك. ولأن التشبيه بإظهار الحرف وإضماره قول صادق, إذا كان في أحد الشيئين شبه من الآخر -ورد التشبيه في القرآن لأن الماء يشبه السراب بلا شك, والهلال شبيه بالعرجون القديم ولا بد. وكذلك جميع تشبيهات الكتاب العزيز, الشبه فيها ظاهر- فقد تبين أن الوصف والمحاكاة لا يقع الكذب فيهما إلا بالإفراط وترك الاقتصاد.
وحكم تقبيح القبيح الذي له نظير حكم ضده الذي فرغت منه.
وقد يقع الصدق أيضاً في تحسين القبيح, ووقوعه في ما هو الغاية في القبح أقل من وقوعه في ما هو دون الغاية من ذلك. وكذلك حكم تقبيح الحسن, فإن الصدق في ما هو الغاية في ذلك أقل منه في ما دونها.
وسيأتي لهذا زيادة بيان.
٧- إضاءة: ولنقسم الآن الكلام الشعري بالنسبة على الصدق والكذب القسمة التي يتبين بها كيف يقع الكذب في صناعة الشعر, وما الذي يسوغ منه وما لا يسوغ.
فأقول: عن الأقاويل الشعرية منها ما هو صدق محض, ومنها ما هو كذب محض, ومنها ما يجتمع فيه الصدق والكذب.
والكذب منه ما يعلم أنه كذب من ذات القول, ومنه ما لا يعلم كذبه من ذات القول. فالذي لا يعلم كذبه من ذات القول ينقسم: على ما لا يلزم علم كذبه من خارج القول, وإلى ما يعلم من خارج القول أنه كذب ولا بد.
فالذي لا يعلم كذبه من ذات القول, وقد لا يكون طريق إلى علمه من خارج أيضا: هو الاختلاق الإمكاني. وأعني بالاختلاق: أن يدعي الإنسان أنه محب ويذكر محبوبا تيمه ومنزلا شجاه, من غير أن يكون كذلك. وعنيت بالإمكان: أن يذكر ما يمكن أن يقع منه ومن غيره من أبناء جنسه, وغير ذلك مما يصفه ويذكره.
والذي يعلم من خارج القول أنه كذب ولا بد: الاختلاق الامتناعي, والإفراط الامتناعي والاستحالي.
والإفراط: هو أن يغلو في الصفة فيخرج بها عن حد الإمكان على الامتناع أو الاستحالة.
وقد فرق بين الممتنع والمستحيل, بأن الممتنع: هو ما لا يقع في الوجود وإن كان متصورا في الذهن, كتركيب يد أسد على رجل مثلا.
والمستحيل: هو ما لا يصح وقوعه في وجود, ولا تصوره في ذهن ككون الإنسان قائما قاعدا في حال واحدة.
فأما الإفراط الإمكاني فلا يتحقق ما هو عليه من صدق أو كذب, لا من ذات القول ولا من بديهة العقل, بل يستند العقل في تحقق ذلك إلى أمر خارج عنه وعن القول, إلا أن يدل القول على ذلك بالعرض. فلا يعتد بهذا أيضا. وإنما نسميه إفراطا بحسب ما يغلب على الظن.
٨- تنوير: والاختلاق الإمكاني يقع للعرب من جهات الشعر وأغراضه.
وجهات الشعر: هو ما توجه الأقاويل الشعرية لوصفه ومحاكاته مثل: الحبيب, والمنزل, والطيف في طريق النسيب. فمثل هذه الجهات يعتمد وصف ما تعلق بها من الأحوال التي لها علقه بالأغراض الإنسانية, فتكون مسانح لاقتناص المعاني بملاحظة الخواطر ما يتعلق بجهة جهة من ذلك.
والأغراض: هي الهيئات النفسية التي ينحى بالمعاني المنتسبة على تلك الجهات نحوها ويمال بها في صغوها لكون الحقائق الموجودة لتلك المعاني في الأعيان مما يهيء النفس بتلك الهيآت, ومما تطلبه النفس أو تهرب منه, إذا تهيأت بتلك الهيآت.
وسيأتي لهذا فضل بيان في القسم الرابع إن شاء الله.
٩- إضاءة: والاختلاق الامتناعي ليس يقع للعرب في جهة من جهات الشعر أصلا.
وكان شعراء اليونانيين يختلقون أشياء يبنون عليها تخاييلهم الشعرية ويجعلونها جهات لأقاويلهم, ويجعلون تلك الأشياء التي لم تقع في الوجود كالأمثلة لما وقع فيه, ويبنون على ذلك قصصا مخترعا نحو ما تحدث به العجائز الصبيان في أسمارهم من الأمور التي يمتنع وقوع مثلها.
стр. 24
وقد قال أبو علي ابن سينا: "وقد كان يستعمل في طراغوذيا أيضاً جزيئات في بعض المواضع مخترعة على قياس المسميات الموجودة. ولكن ذلك من النادر القليل. وفي النوادر قد يخترع اسم شيء لا نظير له من الوجود ويوضع بدل معنى كلي".
وقد ذم ابن سينا هذا النوع من الشعر فقال: "ولا يجب أن يحتاج في التخيل الشعري إلى هذه الخرافات البسيطة التي هي قصص مخترعة". وقال أيضا: "إن هذا ليس مما يوافق جميع الطباع".
١٠- تنوير: فأما أغراض الشعر المنوطة بالجهات المذكورة, فإن العرب كانت لها فيها اختلاقات: منها اقتصادية, ومنها إفراطية. والإفراطية منها ممكنة, وممتنعة, ومستحيلة.
فالكذب الاختلاقي في أغراض الشعر لا يعاب من جهة الصناعة لأن النفس قابلة له, إذ لا استدلال على كونه كذبا من جهة القول ولا العقل. فلم يبق إلا أن يعاب من جهة الدين. وقد رفع الحرج عن مثل هذا الكذب أيضاً في الدين, فإن الرسول ﷺ كان ينشد النسيب أمام المدح, فيصغي إليه ويثيب عليه.
والكذب الإفراطي معيب في صنعة الشعر إذا خرج (من) حد الإمكان إلى حد الامتناع أو الاستحالة.
والإفراط: هو القسم الذي يجتمع فيه الصدق والكذب. فإن الشاعر إذا وصف الشيء بصفة موجودة فيه, فأفرط فيها, كان صادقا من حيث وصفه بتلك الصفة, وكاذبا من حيث أفرط فيها وتجاوز الحد. فهذا قد يجيء منه ما يستحسنه بعض أرباب هذه الصنعة.
وسيأتي تفصيل القول في هذا إن شاء الله.
فأما القسم الثالث وهو القول الصادق, فمنه القول المطابق للمعنى على ما وقع في الوجود, ومنه المقصر عن المطابقة بأن يدل على بعض الوصف ويقع دون الغاية التي انتهى إليها الشيء من ذلك الوصف. فهذا النوع من الصدق في الشعر قبيح من جهة الصناعة وما يجب فيها.
١١- إضاءة: فأغراض الشعر إذا منها حاصلة, ومنها مختلفة. والحاصلة منها ما تكون الأقاويل فيها اقتصادية وتقصيرية وإفراطية. وكذلك المختلفة تكون أقاويلها أيضاً اقتصادية وتقصيرية وإفراطية, والإفراطية: منها إمكانية ومنها امتناعية ومنها استحالية. يتركب منها عشرة أصناف: صنفان منها صادقان: ١- وهي الحاصلة التي أقاويلها اقتصادية, ٢- والحاصلة التي أقاويلها تقصيرية.
وصنف يحتمل الصدق والكذب: وهي الحاصلة التي أقاويلها إمكانية.
وسبعة أصناف كاذبة: ١- وهي الحاصلة التي أقاويلها ممتنعة ٢- والحاصلة التي أقاويلها مستحيلة ٣- والمختلفة التقصيرية ٤- والاقتصادية ٥- والإمكانية ٦- والامتناعية ٧- والاستحالية.
فهذه قسمتها بالنسبة على الصدق والكذب.
١٢- تنوير: وتنقسم من جهة ما يستحسن في الشعر ويستساغ, ومن جهة ما يستساغ ولا يستحسن, ومن جهة ما لا يستساغ ولا يستحسن, على عشرة أقسام: أربعة منها مستحسنة: ١- وهي الحاصلة التي أقاويلها اقتصادية ٢- والحاصلة التي أقوالها إمكانية ٣- والمختلفة التي أقاويلها اقتصادية ٤- والمختلفة التي أقاويلها إمكانية وقسمان منها مستساغان وغير مستحسنين, وهما: ١- الحاصلة التي أقوالها امتناعية, ٢- والمختلفة التي أقاويلها امتناعية أيضاً.
وأربعة منها غير مستساغة ولا مستحسنة, وهي: ١- الحاصلة التقصيرية ٢- والحاصلة الاستحالية, ٣- والمختلفة التقصيرية, ٤- والمختلفة الاستحالية.
فقد ثبت بهذا أن للاستساغة في الكلام الشعري ستة مذاهب, وللاستحسان أربعة مذاهب, وللصدق ثلاثة مذاهب.
كل هذه المذاهب الاستساغية والاستحسانية والصدقية يقع في جميع أنحاء الشعر الثمانية وهي: تحسين حسن له نظير, وتحسين حسن لا نظير له, وتقبيح قبيح له نظير, وتقبيح قبيح لا نظير له, وتحسين قبيح له نظير, وتقبيح حسن لا نظير له.
فالصدق في جميعها يدخل من ثلاثة مذاهب على ما بينته. وهو أكثر وقوعا في بعض هذه الأنحاء منه في بعض, كما تقدم.
стр. 25
١٣- إضاءة: وإنما احتجت على إثبات وقوع الأقاويل الصادقة في الشعر لأرفع الشبة الداخلة في ذلك على قوم, حيث ظنوا أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة. وهذا قول فاسد قد رده أبو علي ابن سينا في غير ما موضع من كتبه, لأن الاعتبار في الشعر غنما هو التخييل في أي مادة اتفق, لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب, بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض. لأن صنعة الشعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة, وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه.
فالصدق والكذب والشهرة والظن أشياء راجعة على المفهومات التي هي شطر الموضوع, فنسبتها إلى المدلولات التي هي المعاني كنسبة العمومية والحوشية والحال الوسطى بينهما والغرابة إلى الأدلة التي هي الألفاظ. وكل هذه الأصناف من الألفاظ تقع في الشعر. وصناعة الشاعر فيها حسن التأليف والهيئة. كما أن كل تلك المواد تقع فيه. وصناعة الشاعر فيها حسن المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة بين المعاني. وكما أن الألفاظ المستعذبة المتوسطة في الاستعمال أحسن ما يستعمل في الشعر لمناسبتها الأسماع والنفوس, وحسن موقعها منهما, ثم إن الشاعر مع ذلك يستعمل الحوشي والساقط تسامحا واتساعا, حيث تضطره الأوزان والقوافي, فكذلك المعاني التي تكون الأقاويل فيها صادقة أو مشتهرة, أفضل ما يستعمل في الشعر لكونها تحرك النفوس إلى ما يراد منها تحريكا شديدا.
وليست تحرك الأقاويل الكاذبة إلا حيث يكون في الكذب بعض خفاء أو حيث يحمل النفس شدة ولعها بالكلام لفرط ما أبدع فيه على الانقياد لمقتضاه, وإن كان مما يكره ولا يصدق الحاض عليه. ومع هذا فتحريكها دون تحريك الأقاويل الصادقة عام فيها قوي, وتحريك الكذبة خاص فيها ضعيف. وما عم التحريك الصادقة عام فيها قوي, وتحريك الكاذبة خاص فيها ضعيف. وما عم التحريك فيه وقوي كان أخلق بأن يجعل عمدة في الاستعمال حيث يتأتى. كما أن ما عذب من الألفاظ ولم يكن حوشيا ولا عاميا أجدر أن يعتمد في الشعر من غيره. لكن الشاعر أيضاً يضطر حيث يريد تحسين قبيح أو تقبيح حسن أو تتميم ناقص بالنسبة على ما يراد منه بالمبالغة في وصفه لتزيد النفوس زيادة الوصف تحريكا, فيستعمل حينئذ الأقاويل الكاذبة وما لا يوقع الصدق كما يستعمل الحوشي والعامي من الألفاظ مضطرا في ذلك, أو مسامحة للفكر في ما يقتضيه من المعاني أو يجتلبه من الألفاظ عفوا دون كد, أو لأن يرى بعض الأحوال المقدرة التي يتخيلها أهز من الأحوال التي وقعت له, فيبني قوله على الحال المخيلة الممكنة دون الواقعة, ليكون الكلام بذلك أشد موقعا من النفس وعلوقا بالقلب.
١٤- تنوير: فقد تبين أن أفضل المواد المعنوية في الشعر ما صدق وكان مشتهرا, وأحسن الألفاظ ما عذب ولم يبتذل في الاستعمال. وكلامنا ليس واجبا على الشاعر لزومه, بل مؤثرا حيث يمكن ذلك. وتبين بهذا أن قول من قال: إن مقدمات الشعر لا تكون إلا كاذبة كاذب, وأنه بمنزلة من يقول: إن الألفاظ الشعرية لا تكون إلا حوشية ولا تكون مستعملة, لأن الألفاظ المستعملة والمقدمات الصادقة أولى ما يستعمل في الشعر حيث يمكن ذلك ويكون الوضع والغرض لائقا به. وما مثله في قصر الشعر على الكذب مع أن الصدق أنجع فيه إذا وافق الغرض إلا مثل من منع من ذي علة ما هو أشد له موافقة بالنسبة إلى شكاته واقتصر به على أدنى ما يوافقه مع التمكن من هذا وذلك. فإن كان هؤلاء الذين رأيهم هذا نفسوا على الشعراء وقوع الصدق في كلامهم, فلا خلق أشد نفاسة من هؤلاء. وإن كان جرى عليهم سهو وغلط في ذلك, فما أجدر هذه الفطر البشرية والفكر الإنسانية بذلك! ١٥- إضاءة: ولعل الغلط إنما جرى عليهم من حيث ظنوا أن ما وقع من الشعر مؤتلفا من المقدمات الصادقة فهو قول برهاني, وما ائتلف من المشهورات فهو قول جدلي, وما ائتلفت من المظنونات المترجحة الصدق على الكذب فهو قول خطبي, ولم يعلموا أن هذه المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة كان الكلام قولا شعريا لأن الشعر لا تعتبر فيه المادة, بل ما يقع في المادة من التخييل.
وقد قال أبو علي ابن سينا: "الأقاويل الشعرية مؤتلفة من المقدمات المخيلة من حيث يعتبر تخييلها, كانت صادقة أو كاذبة. وبالجملة تؤلف من المقدمات من حيث لها هيئة وتأليف تقبلها النفس بما فيها من المحاكاة, بل ومن الصدق, فلا مانع من ذلك".
стр. 26
فانظر تر كيف قرن هذا الإمام الرئيس صدق الشعر بالمحاكاة, لأن المحاكاة الحسنة في الأقوال الصادقة وحسن إيقاع الاقترانات والنسب بين المعاني مثل التأليف الحسن في الألفاظ الحسنة المستعذبة.
ثم قال ابن سينا: "ولا يلتفت إلى ما يقال من أن البرهانية واجبة والجدلية ممكنة أكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا ميل فيها ولا ندرة, والشعرية كاذبة ممتنعة. فليس الاعتبار بذلك, ولا أشار إليه صاحب المنطق".
وقال أبو علي أيضاً في موضع آخر: "وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون كاذبة, كما لا يجب في المشهورات وما يخالف الواجب قبوله أن تكون لا محالة كاذبة. وبالجملة التخييل المحرك من القول متعلق بالتعجب منه: إما لجودة هيأته أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو حسن محاكاته".
١٦- تنوير: واعلم أن للأقاويل المتعلقة بمناصحة ذوي التصافي, والتي لا يليق بها ذلك هي المقصود بها مغاشة ذوي الأضغان. فلا تكون في ما كان نصحا محضا في الأكثر إلا صادقة.
وإن كان لقاصد النصح أيضاً أن يتعرض للكذب النافع في طريق النصح, كمن يحذر قوما من عدو يتوقع إناخته عليهم, فإن له أن يقرب البعيد ويكثر القليل في ذلك ليأخذوا لأنفسهم بالحزم والاحتياط. ولا تكون في قصد به الغش إلا كاذبة.
وأكثر ما يمال بالأقاويل الشعرية في صغوى الصدق والكذب بحسب هذين المقصدين في مواطن إدارة الآراء والإشارة بوجوه الحيل والمكائد والتدابير لما يستقبل ويتوقع.
وهذه الأقاويل هي التي يسميها أبو علي ابن سينا "بالمنشوريات".
١٧- إضاءة: فقد تبين من هذا ومما قبله أن الشعر له مواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل الصادقة, ومواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل الكاذبة, ومواطن يصلح فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الصادقة أكثر وأحسن, ومواطن يحسن فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الكاذبة أكثر وأحسن, ومواطن تستعمل فيها كلتاهما من غير ترجح. فهي خمسة مواطن, لكل مقام منها مقال.
وقد بين أبو علي ابن سينا كون التخييل لا يناقض اليقين وكون القول الصادق في مواطن كثيرة أنجع من الكاذب. فقال: "والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط لأمور أو تنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار. وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري, سواء كان المقول مصدقا به. فإن كونه مصدقا به غير كونه مخيلا أو غير مخيل. فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ينفعل عنه, فإن قيل مرة أخرى أو على هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخيل لا للتصديق. فكثيرا ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقا, وربما كان المتيقن كذبه مخيلا. وإن كانت محاكاة الشيء لغيره تحرك النفس وهو كاذب فلا عجب أن تكون صفة الشيء على ما هو عليه تحرك النفس وهو صادق, بل ذلك أوجب, لكن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق. وكثير منهم إذا سمع التصديقات استكرهها وهرب منها. وللمحاكاة شيء من التعجيب ليس للصدق لأن الصدق المشهور كالمفروغ منه, ولا طراءة له. والصدق المجهول غير ملتفت إليه. والقول الصادق إذا حرف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس فربما أفاد التصديق والتخييل معا, وربما شغل التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به".
وقد قال أبو نصر في كتاب الشعر: "الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة أن ينهض السامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أمر ما من طلب له أو هرب عنه".
ثم قال: "سواء صدق بما يخيل إليه من ذلك أم لا كان الأمر في الحقيقة على ما خيل له أو لم يكن".
فأنت ترى هذين الرجلين كيف جعلا التخييل قد يكون بما هو حقيقة في الشيء, وقد يكون بما لا حقيقة له.
١٨- تنوير: وإنما غلط في هذا -فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة- قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر, لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرق الموصلة إلى معرفته.
ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه, ولا التفات إلى رأيه فيه. فإنما يطلب الشيء من أهله. وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه. وليس هذا جرحة للمتكلمين ولا قدحا في صناعتهم, فإن تكليفهم أن يعلموا من طريقتهم ما ليس منها شطط.
стр. 27
والذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن, فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك, فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة. فإذا فرق أحدهم بين التجنيس والترديد, وماز الاستعارة من الإرداف, ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم, فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها. ومثلهم في هذا مثل رجل, شاهدت له هذه القصة التي أذكرها, بمرسيه: وذلك أنه مرض له صاحب كان يعز عليه ويرى في حياته حياته, ولم يكن له علم بالطب والنظر فيها ليعالج صاحبه المريض. فانسلخت عنه ليلة وهو يتعاطى في غدها من المعالجة الطيبة ما لم يكن يتعاطاه في أمسه, إذ كان قد ظن أنه قد اكتسب معرفة صناعة الطب من ليلته. ثم شرع من صبيحته في معالجة صاحبه المريض, فقضى عليه في اليوم الثاني بثريدة أطعمها إياه رأى أنها تصلح به.
فكما أن هذا الرجل أصبح جالينوسا من ليلته كذلك يريد المتكلم في الفصاحة من المتكلمين أن يصبح من ليلته جاحظا وقدامة إن شاء. (الطويل -ق- المتواتر)
وإن كلام المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
١٩- إضاءة: وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب. وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار فيها! وإنما يبلغ الإنسان منها ما في قوته أن يبلغه. ألا ترى أن كثيرا من العلوم قد نفذ فيها قوم في أزمنة لا تستغرق إلا جزءا يسيرا من العمر؟! وهذا أبو الطيب المتنبي, وهو إمام في الشعر, لم يستقم شعره إلا من مزاولة الصناعة عشرين سنة, ثم زاولها بعد ذلك زمنا طويلا, وتوفي وهو يصيب فيها ويخطئ. وهذا ليس مختصا به وحده, بل كل إمام ناظم أو ناثر هذه غايته, إذ كانت هذه الصناعة تتشعب وجوه النظر فيها إلى ما لا يحصى كثرة. فقلما يتأتى تحصيلها بأسرها والعلم بجميع قوانينها لذلك. وسائرها من العلوم ممكن أن يتحصل كله أوجله. وليس هذا تفضيلا لصناعة البلاغة على غيرها من العلوم, إذ ليس يلزم إذا كان علم أشد تشعبا من علم آخر أن يكون أفضل منه, بل المفاضلة بين العلوم من جهات أخر وعلى ما ذكرته.
فلو قدرنا أن إنسانا ذكيا ينظر في علم من العلوم شهرا أو عاما لتحصلت له من ذلك العلم مسائل محققة, ولا يحصل له في هذا القدر من الزمان من هذه الصناعة شيء يعتد به, إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع. فقد يحسن في موضع ما يقبح في موضع ويقبح في موضع ما يحسن في موضع, ولا يقف الإنسان على تلك المواضع إلا بطول المزاولة. ولا يشرف الإنسان على جمل من تلك المواضع يمكنه أن يستنبط بها أحكام ما سواها إلا بكثرة الفحص والتنقيب عما يجب اعتماده في جميع أحوال الصناعة من إيثار ما يجب أن يؤثر وترجيح مت يجب أن يرجح بالنظر إلى الشيء في نفسه أو النظر إلى ما يقترن به أو إلى ما هو خارج عن ذلك مما تقدم التعريف به.
ج- معلم دال على طرق العلم بالأشياء المخيلة .
الشعر كلام مخيل موزون, مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك. والتئامه من مقدمات مخيلة, صادقة كانت أو كاذبة, لا يشترط فيها -بما هي شعر- غير التخييل.
١- إضاءة: والتخييل في الشعر يقع من أربعة أنحاء: من جهة المعنى, ومن جهة الأسلوب, ومن جهة اللفظ, ومن جهة النظم والوزن.
وينقسم التخييل بالنسبة إلى الشعر قسمين: تخييل ضروري, وتخييل ليس بضروري, ولكنه أكيد أو مستحب, لكونه تكميلا للضروري وعونا له على ما يراد من إنهاض النفس على طلب الشيء أو الهرب منه.
والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ. والأكيدة والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم, وآكد ذلك تخييل الأسلوب.
٢- تنوير: والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه, وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها, أو تصور شيء آخر بها انفعالا من غير روية إلى جهة من الانبساط أو الانقباض.
стр. 28
٣- إضاءة: وطرق وقوع التخييل في النفس: إما أن تكون بأن يتصور في الذهن شيء من طريق الفكر وخطرات البال, أو بأن تشاهد شيئا فتذكر به شيئا, أو بأن يحاكى لها الشيء بتصوير نحتي أو خطي أو ما يجرى مجرى ذلك, أو يحاكى لها صوته أو فعله أو هيأته بما يشبه ذلك من صوت أو فعل أو هيأة, أو بأن يحاكى لها معنى بقول يخيله لها -وهذا هو الذي نتكلم فيه نحن في هذا المنهج- أو بأن يوضع لها علامة من الخط تدل على القول المخيل, أو بأن تفهم ذلك بالإشارة.
د- معرف دال عل طرق المعرفة بجهات مواقع التخييل من الأقاويل وما بإزائها من المعاني وما يحسن أن ينحى بالمحاكاة نحوه من ذلك وما لا يحسن.
وأحسن مواقع التخييل: أن يناط بالمعاني المناسبة للغرض الذي فيه القول متخييل الأمور السارة في التهاني, والأمور المفجعة في المراثي. فإن مناسبة المعنى للحال التي فيها القول وشدة التباسه بها يعاون التخييل على ما يراد من تأثر النفس لمقتضاه.
١- إضاءة: ويحسن موقع التخييل من النفس, أن يترامى بالكلام على أنحاء من التعجيب, فيقوى بذلك تأثر النفس لمقتضى الكلام.
والتعجب يكون باستبداع ما يثيره الشاعر من لطائف الكلام التي يقل التهدي إلى مثلها. فورودها مستندر مستطرف لذلك: كالتهدي إلى ما يقل التهدي إليه من سبب للشيء تخفى سببيته, أ, غاية له, أو شاهد عليه, أو شبيه له أو معاند, وكالجمع بين مفترقين من جهة لطيفة قد انتسب بها أحدهما على الآخر, وغير ذلك من الوجوه التي من شأن النفس أن تستغربها.
٢- تنوير: ويجب ألا يسلك بالتخييل مسلك السذاجة في الكلام, ولكن يتقاذف بالكلام في ذلك إلى جهات من الوضع الذي تتشافع فيه التركيبات المستحسنة والترتيبات والاقترانات والنسب الواقعة بين المعاني. فإن ذلك مما يشد أزر المحاكاة ويعضدها. ولهذا نجد المحاكاة أبدا يتضح حسنها في الأوصاف الحسنة التناسق, المتشاكلة الاقتران, المليحة التفصيل, وفي القصص الحسن الاطراد, وفي الاستدلال بالتمثيلات والتعليلات, وفي التشبيهات والأمثال والحكم, لأن هذه أنحاء من الكلام قد جرت العادة في أن يجهد في تحسين هيآت الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها.
٣- إضاءة وإذا كان في قوة القول البسيط أو القريب من البساطة أن يتخيل منه أشياء لو وضع اللفظ طبقا لها لم يكن إلا متركبا, حسن الهيئة, جرى مجرى ما قبله في الاستحسان. وذلك كالتشبيه بغير حرف وكالاستعارة وما جرى مجراهما في ذلك.
هـ- معلم دال على طرق العلم بما تنقسم غليه المحاكاة .
لا يخلو المحاكي من أن يحاكي موجودا بموجود أو بمفروض الوجود مقدره. ومحاكاة الموجود بالموجود لا تخلو من أن تكون محاكاة شيء بما هو من جنسه أو محاكاة شيء بما ليس من جنسه. ومحاكاة محسوس بغير محسوس, أو غير محسوس بمحسوس, أو مدرك بغير الحس بمثله في الإدراك. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون محاكاة معتاد بمعتاد, أو مستغرب بمستغرب, أو معتاد بمستغرب, أو مستغرب بمعتاد. وكلما قرب الشيء مما يحاكى به كان أوضح شبها. وكلما اقترنت الغرابة والتعجيب بالتخييل كان أبدع.
١- إضاءة: وتنقسم التخاييل والمحاكيات بحسب ما يقصد بها إلى: محاكاة تحسين, ومحاكاة تقبيح, ومحاكاة مطابقة لا يقصد بها إلا ضرب من رياضة الخواطر والملح في بعض الواضع التي يعتمد فيها وصف الشيء ومحاكاته بما يطابقه ويخيله على ما هو عليه. وربما كان القصد بذلك ضربا من التعجيب أو الاعتبار. وربما كانت محاكاة المطابقة في قوة المحاكاة التحسينية أو التقبيحية. فإن أوصاف الشيء الذي يقصد في محاكاته المطابقة لا تخلو من أن تكون من قبيل ما يحمد ويذم وإن قل قسطها مثلا من الحمد والذم. فكأن التخييل بالجملة لم يخل من تحريك النفس إلى استحسان أو إلى استقباح. فلهذا كانت قوة محاكاة المطابقة في كثير من المواضع قوة إحدى المحاكاتين التحسينية أو التقبيحية, لكنها قسم ثالث على كل حال, إذ لم تخلص على تحسين ولا تقبيح.
وقد ذكر هذا أبو علي بن سينا, وقسم المحاكيات هذه القسمة.
стр. 29
٢- تنوير: ومما تنقسم غليه المحاكاة -وقد كان يليق بهذه القسمة أن تكون مدرجة في القسم المصدر به هذا المعلم فاستدركناها هنا إذ فاتت هنالك, وقد اندرج في هذه أيضاً بعض ما اندرج في تلك- وذلك أن المحاكاة إما أن تكون محاكاة وجود أو محاكاة فرض. وكلتاهما لا تخلو من أن تكون محاكاة مطلقة, أو محاكاة شرط, أو محاكاة إضافية, أو محاكاة تقدير وفرض. ومحاكاة الموجود بالموجود غما أن تكون محاكاة كلي بكلي, أو جزئي بجزئي, أو كلي بجزئي أو جزئي بكلي. وكل قسم من هذه فإما أن يحاكي فيه محسوس بمحسوس, أو محسوس بغير محسوس, أو غير محسوس بمحسوس, أو غير محسوس بغير محسوس. ولا يخلو أن يحاكى الشيء بما هو من نوعه الأقرب, أو جنسه الأقرب أو الأبعد, أو بغير جنسه.
٣- إضاءة: وينقسم التخييل بالنظر على متعلقاته قسمي: تخيل المقول فيه بالقول, وتخيل أشياء في المقول فيه وفي القول من جهة ألفاظه ومعانيه ونظمه وأسلوب.
فالتخييل الأول يجرى مجرى تخطيط الصور وتشكيلها. والتخييلات الثواني تجرى مجرى النقوش في الصور والتوشية في الأثواب والتفصيل في فرائد العقود وأحجارها.
وقد ذكرت في تأليف الألفاظ واقترانات المعاني, وأذكر بعد هذا إن شاء الله في الهيآت النظمية وضم بعض الأبيات والفصول إلى بعض وفي نسق أجزاء الجهات في أسلاك الأساليب مما يستحسن من ضروب الصيغة والهيئات المستحسنة في جميع ذلك ما تغنى بذكره هناك عن أن أنصه لك هنا.
وتلك الصيغ والهيئات هي التخاييل الثواني. وللنفس بما وقع به من ذلك تشاكل في الكلام ابتهاج لأن تلك الصيغ تنميقات الكلام وتزيينات له. فهي تجرى من الأسماع مجرى الوشي في البرود والتفصيل في العقود من الأبصار. فالنفوس تتخيل بما يخيل لها الشاعر من ذلك محاسن ضروب الزينة فيبتهج لذلك. ولهذا نقلوا إلى بعض الهيئات اللفظية التي من هذا القبيل أسماء الصناعات التي هي تنميقات في المصنوعات. فقالوا الترصيع, والتوشيح, والتسهيم من تسهيم البرود. وكثير من الكلام الذي ليس بشعري باعتبار التخييل الأول يكون شعرا باعتبار التخييل الثواني. وإن غاب هذا كثير من الناس.
٤- تنوير: وتنقسم المحاكاة من جهة ما تخيل الشيء بواسطة أو بغير واسطة قسمين: قسم يخيل لك فيه الشيء نفسه بأوصافه التي تحاكيه, وقسم يخيل لك الشيء في غيره.
وكما أن المحاكي باليد قد يمثل صورة الشيء نحتا أو خطا فتعرف المصور بالصورة, وقد يتخذ مرآة يبدي لك بها تمثال تلك الصورة فتعرف المصور أيضاً بتمثال الصورة المتشكل في المرآة فكذلك الشاعر تارة يخيل لك صورة الشيء بصفاته نفسه, وتارة يخيلها لك بصفات شيء آخر هي مماثلة لصفات ذلك الشيء. فلا بد في كل محاكاة من أن يكون جارية على أحد هذين الطريقين: إما أن يحاكى لك الشيء بأوصافه التي تمثل صورته, وإما بأوصاف شيء آخر تماثل تلك الأوصاف. فيكون ذلك بمنزلة ما قدمت من أن المحاكي للشيء, بأن يضع له تمثالاً يعطي به صورة الشيء المحاكي, قد يعطي أيضاً هيئة تمثال الشيء وتخطيطه بأن يتخذ له مرآة يبدي صورته فيها. فتحصل المعرفة بما لم يكن يعرف: إما برؤية تمثاله, وإما برؤية صورة تمثاله. فيعرف الشيء بما يحاكيه, أو بما يحاكي ما يحاكيه. وربما ترادفت المحاكاة وبني بعضها على بعض فتبعد الكلام عن الحقيقة بحسب ترادف المحاكاة وأدى (ذلك) إلى الاستحالة. ولذلك لا يستحسن بناء بعض الاستعارات على بعض حتى تبعد عن الحقيقة برتب كثيرة لأنها راجعة إلى هذا الباب. فمحاكاة الشيء نفسه هي المحاكاة التي ليست بواسطة, ومحاكاة الشيء بغيره هي المحاكاة التي بواسطة.
٥- إضاءة: وكل واحدة من المحاكاتين: المتحدة والمزدوجة -أعني أن الواحدة تشتمل على محاكاة الشيء نفسه على حسب ما ألف فيه, ومحاكاة الشيء بغيره على حسب ما ألف فيهما, ومحاكاته فيه على غير ما ألف. وأعني بغير المألوف أن تكون حاله مستغربة.
ومن محاكاة الشيء بغيره على غير ما ألف فيه قول أبي عمر ابن دراج: (البسيط -ق- المترادف)
وسلافة الأعناب يشعل نارها ... تهدي إلي بيانع العناب
فالمألوف أن يذوى النبات الناعم بمجاورة النار لا أن يونع, فأرغب في هذه المحاكاة كما ترى.
٦- تنوير: وللمحاكاة انقسام بحسب تنوعها إلى المألوف والمستغرب ومقابلة بعضها ببعض. فيحصل عن ذلك ستة أقسام:
стр. 30
١- محاكاة حالة معتادة ٢- ومحاكاة حالة مستغربة ٣- ومحاكاة معتاد بمعتاد ٤- ومستغرب بمستغرب ٥- ومعتاد بمستغرب ٦- ومستغرب بمعتاد.
ومحاكاة الأحوال المستغربة إما أن يقصد بها إنهاض النفوس إلى الاستغراب أو الاعتبار فقط. وإما أن يقصد حملها على طلب الشيء وفعله أو التخلي عن ذلك مع ما تجده من الاستغراب.
وللنفوس تحرك شديد للمحاكيات المستغربة لأن النفس إذا خيل لها في الشيء ما لم يكن معهودا من أمر معجب في مثله وجدت من استغراب ما خيل لها مما لم تعهده في الشيء ما يجده المستطرف لرؤية ما لم يكن أبصره قبل. ووقوع ما لم يعهده في نفسه موقعا ليس أكثر من المعتاد المعهود.
وفنون الإغراب والتعجيب في المحاكاة كثيرة. وبعضها أقوى من بعض وأشد استيلاء على النفوس وتمكنا من القلوب.
٧- إضاءة: وتنقسم المحاكاة أيضاً -من جهة ما تكون مترددة على ألسن الشعراء قديما بها العهد, ومن جهة ما تكون طارئة مبتدعة لم يتقدم بها عهد- قسمين: فالقسم الأول هو التشبيه الذي يقال فيه إنه مخترع. وهذا أشد تحريكا للنفوس إذا قدرنا تساوي قوة التخييل في المعنيين لأنها أنست بالمعتاد فربما قل تأثرها له, وغير المعتاد يفجؤها بما لم يكن به لها استئناس قط فيزعجها إلى الانفعال بديها بالميل إلى الشيء والانقياد إليه أو النفرة عنه والاستعصاء عليه. وأما المعنى في نفسه فحقيقة واحدة. ولا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن يكون جديدا مخترعا وأن يكون قديما متداولا. وإنما الفضل في المعنى المخترع راجع إلى المخترع له وعائد عليه ومبين عن ذكاء ذهنه وحدة خاطره.
وسيأتي لهذا فضل بيان في المنهج الرابع من هذا القسم إن شاء الله.
٨- تنوير: وتنقسم المحاكاة أيضا, بالنظر إلى محاكاة جزء من معنى بجزء من معنى, أو محاكاة معنى بمعنى, أو محاكاة قصة تتضمن معاني بقصة تتضمن معاني, ثلاثة أقسام, الثالث منها تاريخ.
٩- إضاءة: والتخاييل في المعاني منها محاكيات تقع في أمور من جهة ما ترتبت في مكان وحصل لبعضها وضع ونسبة من بعض, فتحاكى على ما وقعت عليه من ذلك. ومنها محاكيات تقع في أمور من جهة ما ترتبت في زمان ووقع فيه بعضها بنسبة من بعض وانتسب شيء منها إلى شيء, فتحاكى أيضاً على ما وقعت عليه من ذلك.
١٠- تنوير: وإذا خيلت الأمور المترتبة في مكان أو زمان فلا يخلو من أن يتعرض إلى أن ما خيل عليه أمر كلي في ما كان من ذلك الجنس أو مناقضه لمن يعتقد أن ضد ما خيلته المحاكاة حكم كلي. فيستثني المحاكي بعض ذلك الكلي فيخرجه عن ذلك الحكم, أولا يتعرض. فإن تعرض فالقول إن كان متعلقا بأمر للناس به عناية وكان قد خرج في عبارة محكمة حكمة أو مثل أو جار مجرى الحكمة والمثل, وإن لم يتعرض فالقول اختصاص أو غير ذلك.
١١- إضاءة: ولا تخلو نفوس الأمور بأقوال دالة على خواصها وأعراضها اللاحقة التي تقوم بها في الخواطر هيآت تلك الأمور وتتسق صورها الخيالية, أو تخيل بأن تحاكى بأقوال دالة على خواص أشياء أخر وأعراضها التي بها تنتظم صورها الخيالية في النفس فتجعل الصور المرتسمة من هذه الأشياء المحاكى بها أمثلة لصور الأشياء المحاكاة. ويستدل بوجود الحكم في المثال على وجوده في المثل. فالقول على هذا ينقسم: إلى محاكاة قصص وما جرى مجراه, وإلى محاكاة حكمة, وإلى محاكاة قصص بقصص أو نحوه, وإلى محاكاة قصص بحكمة, ومحاكاة حكمة بحكمة. ولا تحاكى الحكمة بالقصص إلا حيث تكون جزئية لأن الحكمة إذا كانت كلية كانت أعم من القصص, فلا تحاكى لذلك به إلا على جهة الاستدلال التمثيلي. وربما منع من ذلك في بعض المواضع كون الحكمة أشرف من القصص وأجزل موقعا, فلا يفتقر إلى إعانتها بمحاكاة إذا كانت بالغة. فالحكم على هذا إذا استقصيت أركانها وأعرب عنها بلفظ جزل محكم العبارة أنيق النظام خفيف على اللسان مخيل لما دل به عليه محاكاة كانت أمثلة لما قبلها أو لم تكن.
و معرف دال على طرق المعرفة بأحكام المحاكيات وما يجب أن يعتبر فيها, والاستبانة لمناقل الفكر في التخيلات الشعرية, وكيفية التهدي إلى التحسينات والتقبيحات التي ينحى بالأقاويل المخيلة نحوها.
стр. 31
قد قدمت أن المحاكاة تنقسم قسمين: محاكاة الشيء نفسه, ومحاكاة الشيء في غيره. وبقي أن نتبين أحكام هذه وأحكام تلك. فلنقدم أحكام محاكاة الشيء نفسه. فأقول: إن الأشياء منها ما يدرك بالحس, ومنها ما ليس إدراكه بالحس. والذي يدركه الإنسان بالحس فهو الذي تتخيله نفسه لأن التخييل تابع للحس, وكل ما أدركته بغير الحس فإنما يرام تخييله بما يكون دليلا على حاله من هيئات الأحوال المطيفة به واللازمة له, حيث تكون تلك الأحوال مما يحس ويشاهد. فيكون تخييل الشيء من جهة ما يستبينه الحس من آثاره والأحوال اللازمة له حال وجوده والهيئات المشاهدة لما التبس به ووجد عنده. وكل ما لم يحدد من الأمور غير المحسوسة بشيء من هذه الأشياء, ولا خصص بمحكاة حال من هذه الأحوال بل اقتصر على إفهامه بالاسم الدال عليه, فليس يجب أن يعتقد في ذلك الإفهام أنه تخييل شعري أصلا, لأن الكلام كله كان يكون تخييلا بهذا الاعتبار.
١- إضاءة: فأما الأشياء المدركة بالحس فإنها تخيل بخواصها وأعراضها. وكلما كانت الأعراض في ذلك قريبة شهيرة مناسبة لغرض القول كانت أحسن. ولا يخلو الشيء المخيل من أن يقصد تخييله على الكمال أو يقتصر فيه على أدنى ما يخيله. فإن قصد تخييله على الكمال وجب أن يقصد في محاكاته إلى ذكر خواصه وأعراضه القريبة اللازمة له في جميع أحواله أو اللاحقة له في حال ما من جهة هيئته ومقداره ولونه وملمسه. وربما أردف ذلك بمحاكاة هيئته وحركته أو صوته إن كان مما له ذلك. وإن قصد الاقتصار فيه على أدنى ما يخيله كان الوجه أن يقصد إلى بعض خواص الشيء وأعراضه القريبة الشهيرة فيه, كما يقال الضئيلة الرقشاء, فتتخيل منه الحية. ويستحسن في المحاكاة أن يبدأ بالأصل في الشيء والأشهر فيه.
٢- تنوير: وكل شيء حوكي بما تدركه الحواس فلا يخلو من أن يكون متساوي الأجزاء متماثلها, أو متخالفها متفاوتها. وكلاهما لا يخلو من أن يكون على صفة واحدة من جميع أقطاره, أو على صفات شيء في هيئته أو لونه أو ملمسه. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون على شكل واحد في حالي حركته وسكونه أو يكون ما يختلف شكله في الحالين. وكل ذلك يجب أن يعتبر في المحاكاة إذا قصد تخييل الشيء على جميع هيآته وأوصافه وفي جميع أحواله. فلا يخلط ما تعلق بوصف حال من ذلك بما تعلق بحال مغايرة لها. وقد يخيل الشاعر الشيء ببعض أوصافه دون بعض, وعلى ما يكون عليه في بعض أحواله.
٣- إضاءة: وكل ما تختلف أجزاؤه وأقطاره وأشكاله وهيئاته في حال حال من شؤونه فإن المحاكاة فيه لا تخلو من أن تفصل بحسب الأجزاء والأقطار والأشكال والهيئات وتجعل هذه الأشياء أركانا للكلام تقسم التخاييل إليها, وتبنى المحاكاة عليها كقول امرئ القيس: (المتقارب -ق- المتدارك) إذا أقبلت قلت سر عوفة وقول الأسعر الجعفي: (الرجز -ق- المتدارك) أما إذا استقبلته فتقول هذا مثل سرحان الغضا أو تجعل الشيء المخيل بحسب تباين أجزائه وأقطاره وأشكاله قطبا لمدار الأوصاف المخيلة لهيئة جزء جزء وقطر قطر من أجزاء الشيء وأقطاره, ولكل ما تتنوع إليه أشكاله وهيئاته بحسب اختلاف أحوالها مقرونة بمخيلاتها وما هي محاكاة له في الحقيقة على سبيل التخصيص أو مستغنى عن ذلك. فيكون الكلام على هذا متناسقا متسلسلا, وعلى الوجه الآخر مفصلا مقسما. وكلما كثرت التخاييل زاد التفصيل حسنا.
стр. 32
٤- تنوير: وإذا حوكي الشيء جملة أو تفصيلا فالواجب أن تؤخذ أوصافه المتناهية في الشهرة والحسن إن قصد التحسين, وفي الشهرة والقبح إن قصد التقبيح. ويبدأ (في الحسن) بما ظهور الحسن فيه أوضح وما النفس بتقديمه أعنى, ويبدأ في الذم بما ظهور القبح فيه أوضح والنفس بالالتفات إليه أيضاً أعنى, وينتقل من الشيء إلى ما يليه في المزية من ذلك. ويكون بمنزلة المصور الذي يصور أولا ما جل من رسوم تخطيط الشيء, ثم ينتقل إلى الأدق فالأدق. وهذا في تخييلات الأشياء المقصود تخييل جزء جزء منها واجب, مثل أن يبدأ بتخييل أعالي الإنسان ويختتم بتخييل أسفله, لاسيما إذا كانت المحاكاة تفصيلية. فإن كانت الأوصاف المخيل بها متفاوتة لم يحسن الجمع بينهما كيفما رتبت إلا باستئناف أحدهما في حيز من الكلام منفصل عن حيز الآخر أو بمنزلة المنفصل, لأن النقلة من الأدنى إلى الأعلى المفاوت طفرة, ومن الأعلى إلى الأدنى المفاوت سقوط وانحطاط. فأما إذا تناسبت الأوصاف فالوجه تقديم ما عناية النفس به أكبر وهو عندها أشهر في الشيء وأظهر فيه بالنسبة على غرض الكلام.
فهذا هو الوجه في المحاكيات والأوصاف إذا تناسبت, وأن يقال منا قال حبيب: (الكامل -ق- المترادف)
إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام
وكما قال المتنبي: (البسيط -ق- المتراكب) شمس ضحاها هلال ليلتها ويحبون عكس هذا, لكن هذا هو الوجه الذي كثر في فصيح كلام العرب.
فأما قول القائل: (الرجز -ق- المتدارك)
تالله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
فإنما كان النسق ههنا على سبيل الترقي لأن أو يذهب بها حيث يقصد تعجيب المخاطب من زيادة الشيء تعظيما بعد تعظيم أو تحقيرا بعد تحقير مذهب من تخطى الشيء على ما هو أبلغ منه في المعنى. فحسن هذا لما كان هذا المذهب مناسبا لمعنى (أو) وما ينحى بها نحوه.
٥- إضاءة: وإنما قدمت العرب أدنى المعنيين على الآخر في مواضع معلومة من كلامها لمعان أخر: إما لأن الأحقر من جهة ما متقدم على ما هو أجل منه من جهة أخرى, أو لأن أحدهما في ضمن الآخر ويخيل بعض ما خيل لا يكون بينهما تباين إلا من جهة الأزيد والأنقص والأعم والأخص. فذكر القاصر منهما بعد الآخر فضل, فلا يمكن أن يقون به إلا بتقديمه عليه, أو لأن الأحقر بالنسبة إلى غرض الكلام أبلغ نحو قولهم: ما أخذت منه قليلا ولا كثيرا لأن إنكار القليل أبلغ من جهة الجحود فكان القليل لذلك أولى بالتقديم, أو لأن الأحقر يكون فيه استدراج لذكر الأجل وتسبب له, ولمعان أخر يطول ذكرها. وكذلك التغليب في مثل القمرين إنما يغلب الأرجح من جهة الفصاحة أو البلاغة لفظا أو معنى. وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل, قد أغنى عن ذكره هنا ما أوردناه ونورده بعد إن شاء الله من قوانين الفصاحة والبلاغة. فهذا هو القانون الذي يجب أن يعتبر في ترتيب التخييل والأوصاف.
стр. 33
٦- تنوير: وإنما وقع الغلط في هذا لقوم من القدماء كانوا فقراء من علم البلاغة على غنائهم من الرواية, ولقوم من أبناء هذا الزمان هم أفقر خلق الله من تلك وهذه, ولمن يريد أن يستنبط قوانين هذه الصناعة من صناعة أخرى لعله لا يحسنها بله هذه, وذلك غير ممكن, فإنما يستنبط الشيء من معدنه ويطلب في مظنته, أو لعل من هذه صفته قد رأى يوما أحدا ممن تكلم في علم البلاغة قد عاب الانحطاط من الصفة إلى ما يوافقها في نسق واحد من الكلام. فهذا لا يخلو من أن يكون غير عارف بهذه الصناعة مثله, فهو جدير أن يظن أن ضد ذلك حسن وهو البدء بالشيء الأحقر والصيرورة منه إلى الأعظم المفاوت له في غرض يتراميان فيه إلى تحسين شيء واحد أو تقبيحه, أو يكون عارفا بالصنع فيكون قد عاب ما هو جدير بالعيب, وهو يعتقد أن ضده معيب أيضاً كذلك لأن كلا الموضعين من وضع التنافر. وما أكثر ما يقع الغلط للناس في هذه الصنعة من هذا الباب! لأن وجوه النظر في ما يحسن ويقبح في هذه الصنعة لا تحصى كثرة. وكل ما يستحسن ويستقبح فإن له اعتبارات شتى بحسب المواضع وما يليق بواحد منها. وبحسب الأغراض والأحوال وتباين المقاصد في جميع ذلك تتشعب طرق الاعتبار في هذه الصناعة إلى ما يعز حصره, فيطالع بعض من لم يتفرغ لهذه الصنعة ولا في طبعه أن يعلمها لو تفرغ لها الشيء التافه من الأقاويل في هذه الصناعة, فيبني نظره فيها على ذلك, وهو قد حفظ شيئا وغابت عنه أشياء.
٧- إضاءة ويجب في محاكاة أجزاء الشيء أن ترتب في الكلام على حسب ما وجدت عليه في الشيء لأن المحاكاة بالمسموعات تجري من السمع مجرى المحاكاة بالمتلونات من البصر. وقد اعتادت النفوس أن تصور لها تماثيل الأشباح المحسوسة ونحوها على ما عليه ترتيبها. فلا يوضع النحر في صور الحيوان إلا تاليا للعنق وكذلك سائر الأعضاء فالنفس تنكر لذلك المحاكاة القولية إذا لم يوال بين أجزاء الصور علة مثل ما وقع فيها, كما تنكر المحاكاة المصنوعة باليد إذا كانت كذلك. فإن وقعت محاكاة على هذا النحو من فساد الترتيب فالواجب أن يعتقد فيها أنها صور جزئية إذا كان كل جزء منها قد خيل على حدته على ما يجب فيه لا صورة كلية لأن المجموع ليس له نظام المجموع, فيجب لهذا أن تعتبر المحاكاة تفاريق.
٨- تنوير: ولا يخلو الشيء من أن يحاكى بأوصاف له شهيرة أو صفات خاملة أو بمجموعها. ولا تخلو من أن تقع التخاييل في جميع أجزاء الشيء أو في بعضها. والمخيل الذي تقع التخاييل في بعض أجزائه لا يخلو أن تقع في طرف واحد منه, أو في كلا طرفيه, أو فيهما معا وما بينهما. وأحسن التخاييل ما اشتهرت الأوصاف فيه وعمت.
٩- إضاءة: فالمحاكاة التامة في الوصف هي استقصاء الأجزاء التي بموالاتها يكمل تخييل الشيء الموصوف. وفي الحكمة استقصاء أركان العبارة عن جملة أجزاء المعنى الذي جعل مثالا لكيفيات مجاري الأمور والأحوال وما تستمر عليه أمور الأزمنة والدهور. وفي التاريخ استقصاء أجزاء الخبر المحاكى وموالاتها على حد ما انتظمت عليه حال وقوعها, كقول الأعشى: (البسيط -ق- المترادف)
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف, فقال له: ... قل ما شاء, فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل, ثم قال له اقتل أسيرك, إني مانع جاري
فهذه محاكاة تامة, ولو أخل بذكر بعض أجزاء هذه الحكاية لكانت ناقصة, ولو لم يورد ذكرها إلا إجمالا لم تكن محاكاة ولكن إحالة محضة.
١٠- تنوير: فأما طريق التهدي إلى تحسينات الأشياء وتقبيحاتها بالمحاكاة فإنه لما كان المقصود بالشعر إنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة أو خسة وجب أن تكون موضوعات صناعة الشعر الأشياء التي لها انتساب إلى ما يفعله الإنسان ويطلبه ويعتقده. والأقاويل الدالة على تلك الأشياء من حيث تخيل بها تلك الأشياء. فتحسين المحاكاة وتقبيحها إما يتعلقا بفعل أو اعتقاد, أو يتعلقا بالشيء الذي يفعل أو يعتقد.
وطرق تعلقها بالشيء أو فعله أو اعتقاده أربعة:
стр. 34
١- إما أن يحسن الشيء من جهة الدين وما توثره النفس من الثواب على فعل شيء أو اعتقاده وتخاف من العقوبة على تركه وإهماله وإما أن يقبح من ضد ذلك.
٢- وإما أن يحسن من جهة العقل وما يجب أن يوثره الإنسان من جهة ما هو عاقل ذو أنفة من الجهل والسفاهة وإما أن يقبح من ضد ذلك.
٣- وإما أن يحسن من جهة المروءات والكرم وما توثره النفس من الذكر الجميل والثناء عليه أو يقبح من ضد ذلك.
٤- وإما أن يحسن من جهة الحظ العاجل وما تحرص عليه النفس وتشتهيه مما ينفعها من جهة ما توثر من النعمة وصلاح الحال أو يقبح من ضد ذلك.
فوقوع التحسينات والتقبيحات في التخاييل الشعرية إنما يسلك به أبدا طريق من هذه الأربعة وهي: الدين والعقل والمروءة والشهوة.
ويتعلق التحسين والتقبيح أبدا إما بالشيء الذي يراد الميل إليه أو النفرة عنه, وإما بفعله أو اعتقاده. فإذن التحسينات المتعلقة بالشيء بالنسبة على هذه الطرق أربعة, وبفعله أو اعتقاده أربعة, فتلك ثمانية جهات يتفقدها الشاعر إذا أراد تحسين شيء.
وللتقبيحات أيضاً بالنسبة إلى تلك الطرق فيما تعلق بالشيء أربعة مذاهب, وفيما تعلق بفعله أو طلبه أو اعتقاده أربعة أيضا. فهذه أيضاً ثماني جهات.
والجهات المزدوجة وهي التي يتعلق التحسين والتقبيح فيها بالشيء وفعله أو اعتقاده معا بالنسبة على تلك الطرق الأربعة أيضاً ثمان.
فحصل من هذه الأنحاء التي تتفرع غليها التحسينات والتقبيحات أربع وعشرون صورة. وإذا اعتبر تحسين الشيء نفسه أو تقبيحه بالنظر إلى ما يكون عليه في نفسه وما يرجع إليه, أو بالنسبة على ما يكون منه بسبب مما هو خارج عنه, ومن جهة ما يقع منه أو به فعل, تضاعفت القسمة.
١١- إضاءة: والتحسين والتقبيح يتعلقان بالفعل من جهة ما هو عليه في نفسه, ومن جهة ما تكون عليه الأحوال المطيفة به. والأحوال المطيفة بالفعل هي: ١- الزمان ٢- والمكان ٣- وما منه الفعل ٤- وما إليه الفعل ٥- وما به الفعل ٦- وما من أجله الفعل ٧- وما عنده الفعل.
فقد يكون الفعل حسنا أو قبيحا في نفسه, وقد يكون الحسن والقبح من جهة بعض هذه الأحوال المطيفة. فكل فعل قصد تحسينه أو تقبيحه من جهة ما يرجع غليه في نفسه, أو من جهة ما يرجع إلى الأحوال المطيفة به فإنما يكون التحسين والتقبيح فيه من جهة ما يكون وفقا لبعض تلك الأشياء التي كأنها غايات تترامى إليها مطالب الناس, أو من جهة ما لا يكون وفقا لها. وتلك الأشياء التي عليها مدار التحسينات والتقبيحات هي: الورع والعقل والمروءة والشهوة في الحظ العاجل. فتحسين الفعل وتقبيحه يقع في كل ركن من هذه الأركان من ثمانية أنحاء على ما تقدمت الإشارة إليه من حيث إن الفعل تطيف به أحوال سبعة.
١٢- تنوير: وإنما جعلت التحسين والتقبيح ينصرفان طورا على الشيء نفسه, وتارة على فعله أو اعتقاده أو طلبه, وتارة إلى مجموع ذلك كله, لأن الشيخ إذا عشق جارية جميلة وأردنا أن نصرفه عنها بالأقاويل الشعرية اعتمدنا ذم الفعل وعيب التصابي في حال المشيب وما ناسب هذا. فإن كانت قبيحة أو ممن يجوز تخييل القبح فيها أضفنا إلى ذم تصابي الشيخ ذم قبح الفتاة. فإن كان العاشق شابا اعتمدنا ذم ما في المرأة من قبح خلق وخلائق نحو ما يوصف النساء به من الغدر والملالة وغير ذلك. ولم نقبح عليه العشق في الشباب إلا من جهة عقل أو نحو ذلك.
١٣- إضاءة: والتحسينات والتقبيحات الشعرية تميل على أشياء وتنصرف عن أشياء وتكثر في أشياء وتقل في أشياء بحسب ما يكون عليه الشيء من التباس بآداب البشر, وما يكون عليه من نفع أو ضرر, أو لا يكون له التباس يعتد به في تأثر النفوس له من جهة نفع أو ضرر. وقد تقدم التنبيه على أحوال المعاني في جميع ذلك. فليتصفح هنالك, والله الموفق.
стр. 35
١٤- تنوير: فأما كيفيات مناقل الفكر في التخييلات التي يرام بها إيقاع التحسينات والتقبيحات, وفي التخيلات التي يقصد بها أن تكون أعوانا على إيقاع ذلك فيحصل باقتفاء الخواطر مناقلها في جميع ذلك, بوضع ما يجب في حيز حيز من تلك المناقل على ما يجب من الأجزاء التي منها التئام هذه الصناعة لفظا ومعنى كمال هذه الصناعة على الوجه الذي تكون به مهيأة لحصول الغاية المقصودة بها فهي أن للمخيلين في التخييلات التي يحتاجون غليها في صناعتهم أحوالا ثمانية. لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها.
الحالة الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها في نظمه أو إيراد أكثرها على ما أبينه في القسم الثالث إن شاء الله.
الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوبا أو أساليب متجانسة أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على مهايعها. وسيأتي الكلام في الأساليب في القسم الرابع أن شاء الله.
الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب. ومن أهم هذه التخيلات موضع التخلص والاستطراد.
الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات من الكلم التي تتوازن وتتماثل مقاطعها ما يصلح أن يبني الروي عليه. وفي هذه الحال أيضاً يجب أن يلاحظ ما يحق ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحا للكلام, وربما لحظ في هذه الحال موضع التخلص والاستطراد.
١٥- إضاءة: فهذه أربع أحوال في التخاييل الكلية.
والحال الخامسة, وهي أول حال من التخاييل الجزئية: أن يشرع الشاعر في تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر.
الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلا له. وذلك يكون بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة بين بعض أجزاء المعنى وبعض, وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عونا له على تحصيل المعنى المقصود به.
والحال السابعة: أن يتخيل, لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي قصد, عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسنا لموقعها من النفوس.
الحال الثامنة: أن يتخيل, في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن الاستيلاء على جملة المقدار المقفى, معنى يليق أن يكون ملحقا بذلك المعنى, وتكون عبارة المعنى الملحق طبقا لسد الثلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به وفاء بها. ومن هذا قول المتنبي: (الطويل -ق- المتدارك)
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
ولا يتفق هذا إلا في بعض المواضع. وهذه الأحوال كلها قد ألمعت في هذا الكتاب بما يجب في كل واحدة منها بحسب ما توسع له هذا الموضوع, إذ لتفصيل القول في جميع ذلك طول كثير, وفي ما ذكرته وأذكره من ذلك إن شاء الله مقنع.
١٦- تنوير: فعلى هذا النحو من الانتقال أصل منشأ الشعر. وقد يحصل للشاعر بالطبع البارع وكثرة المزاولة ملكة يكون بها انتقال خاطره في هذه الخيالات أسرع شيء حتى يحسب من سرعة الخاطر أنه لم يشغل فكره بملاحظة هذه الخيالات وإن كانت لا تتحصل له إلا بملاحظتها ولو مخالسة. وكانت هذه الملكة نحوا من ملكة الخاطر, فإنه وإن كان أصل تعلمه القراءة تتبع الحروف وحركاتها وسكناتها مقطعة, فإنه تحصل له ملكة لا يحتاج معها إلى ذلك التتبع. بل يعلم عندها يقع بصره على مجموع الحروف المختطة أي لفظ يدل عيه ذلك المجموع. هذا على أن صناعة مؤلف الكلام كصناعة الناسج تارة ينسج بردا من يومه وتارة حلة من عامه, ولكل قيمته. وإنما يظن أن ليس بين أنماط الكلام هذا التفاوت من جهل لطائف الكلام وخفيت عليه أسرار النظم.
ز- معلم دال على طرق العلم بما يخص المحاكاة التشبيهية من الأحكام .
وينبغي أن ينظر في المحاكاة التشبيهية من جهات. فمن ذلك جهة الوجود والفرض. وينبغي أن تكون المحاكاة على الوجه المختار بأمر موجود لا مفروض.
стр. 36
١- إضاءة: ومن ذلك جهة الإدراك. وينبغي أن تكون المحاكاة في الأمور المحسوسة حيث تساعد المكنه من الوجوه المختارة بالأمور المحسوسة. وبها يحسن بأن تحاكي الأمور غير المحسوسة حيث يتأتى ذلك ويكون بين المعنيين انتساب. ومحاكاة المحسوس بغير المحسوس قبيحة.
٢- تنوير: وينبغي أن تكون المحاكاة التي يقصد بها وضوح الشبه منصرفة على جنس الشيء الأقرب كتشبيه أيطل الفرس بأيطل الظبي. والمحاكاة التي يقصد بها التوسع والراحة والقناعة بما تيسر من الشبه منصرفة إلى الجنس الأبعد كتشبيه متن الفرس بالصفاة.
وينبغي أن تكون المحاكاة التي يقصد بها اجتماع وضوح الشبه وظهور نبل الشاعر وحذقه منصرفة إلى الجنس الذي يلي الجنس الأقرب كتشبيه الأشياء الحيوانية بالأشياء النباتية, نحو تشبيه قلوب الطير رطبة بالعناب, ويابسة بالخشف, وتشبيه غبرة الروق بالقلم المستمد.
٣- إضاءة: وينبغي أن يكون المثال المحاكي به معروفا عند جميع العقلاء أو أكثرهم بالسجية. ولا يحسن أن يكون مما ينكر ويجهل.
٤- تنوير: وينبغي أن تكون الأوصاف التي يشترك فيها المثال والممثل أشهر صفاتها أو من أشهراها. واعتبار هذا الشرط آكد في صفات الممثل به. وينبغي أن تكون الصفات التي يتضادان فيها أخمل صفاتهما.
٥- إضاءة: ويشترط في المحاكاة التي يقصد بها تحريك النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه أن يكون ما يحاكى به الشيء المقصود إمالة النفس نحوه مما تميل النفس إليه, وأن يكون ما يحاكى به الشيء المقصود تنفير النفس عنه مما تنفر النفس عنه أيضا. فإن مثل ما يقصد تحريك النفس على طلبه بما من شأنها أن تهرب عنه, وما قصد تحريكها إلى الهرب منه بما من شأنها أن تطلبه, كان ذلك خطأ وجاريا مجرى التناقض. وذلك مثل قول حبيب: (الطويل -ق- المترادف)
إذا ذاقها, وهي الحياة, رأيته ... يعبس تعبيس المقدم للقتل
فأما المحاكاة التي لا يقصد بها تحسين ولا تقبيح ولكن, محاكاة الشيء بما يطابقه فقط, فالمذهب الأمثل محاكاة الحسن بالحسن والقبيح بالقبيح. وقد يحاكى الشيء الحسن في حيز وبالنسبة إلى غرض بما هو قبيح في حيز آخر وبالنسبة إلى غرض آخر. ولا يقصد في ذلك إلا محاكاتهما من حيث تطابقا. وقد يقصد بذلك ضرب من الإغراب. فيستسهل لذلك تمثيل ما تميل النفس إليه بما تنفر عنه, كقول ابن الرومي: (الرجز -ق- المترادف)
هام وأرغفة وضاء فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوار
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار
وكأن هذا وما جرى مجراه من عبث المنهومين.
٦- تنوير: واعلم أنه لا تحسن محاكاة ذي مقدار كبير بذي مقدار صغير, ولا محاكاة ذي مقدار صغير بذي مقدار كبير, إذا كان بينهما تفاوت في ذلك. وكذلك لا تحسن محاكاة ذي لون بذي لون مخالف له ما لم تقصد في ما تفاوت من ذلك وما تخالف محاكاة هيئة فعل أو حال في المحاكاة والمحاكى به. فإذا قصدت محاكاة هيئة بهيئة لم تلتفت إلى تفاوت ما بين الواحد والآخر في المقدار ولا تباين ما بينهما في اللون, ولذلك استحسن تشبيه الذباب بالقادح, لأن المقصود محاكاة إحدى الحالين بالأخرى. فالمحاكاة إنما تعلقت بالهيئة لا بالمقدار. وعلى هذا حمل تشبيه العصا بالجان وهو حية صغيرة كثيرة الهيج والحركة بعد تشبيهها بالثعبان المبين, لأن المقصود في التشبيه محاكاة هيئة الحركة, وليس المقصود محاكاة مقدار هذا بمقدار ذلك.
٧- إضاءة: واعلم أنه إذا اجتمع في المحاكي والمحاكى به أوصاف ثلاثة أو اثنان منها وهي: المقدار والهيئة واللون جاز عكس المحاكاة, وحسن أن تحاكي الشيء بما حاكيته به.
٨- تنوير: واعلم أن الصوت والهيئة إذا اتفقا في متناه في الحقارة ومتناه في العظمة فلا تحسن محاكاة أحدهما بالآخر إلا حيث يقصد غلو في تحقير المحاكي أو تعظيمه. فإذا لم يتفاوتا في ذلك, جازت محاكاة أحدهما بالآخر. وكان الأعظم محاكى به حيث يقصد التعظيم, والأحقر محاكى به حيث يقصد التحقير. ولا يجوز العكس إلا حيث يتقاربان أو يتكافآن.
стр. 37
٩- إضاءة: واعلم أن الشيء إذا حوكي بالشيء, والمقصود محاكاة أحد فعليهما بالآخر, وكان في فعل المحاكي تقصير عن فعل المحاكى به, فإنه مستساغ في الشعر أن يحاكى المقصر عنه وأن يجعل مثله أو مربيا عليه إذا كانت الزيادة في ذلك الفعل مستحسنة بالنسبة إلى ما يراد منه من منفعة أو غير ذلك. ومن هذا تشبيه الفرس بالريح والبرق.
ويجوز أن يحاكى الأعظم حالا في الفعل أو المقدار بالأحقر في ذلك أو هذا إذا كان التحقير في الأعظم مستحسنا بالنسبة إلى ما يراد منه. وكأن القسم الأول تكميل وهذا تعديل.
ح- معرف دال على طرق المعرفة بالوجوه التي لأجلها حسن موقع المحاكاة من النفس .
لما كانت النفوس قد جبلت على التنبه لأنحاء المحاكاة واستعمالها والالتذاذ بها منذ الصبا, وكانت هذه الجبلة في الإنسان أقوى منها في سائر الحيوان -فإن بعض الحيوان لا محاكاة فيه أصلا, وبعضها فيه محاكاة يسيرة: إما بالنغم كالببغاء, وإما بالشمائل كالقرد- اشتد ولوع النفس بالتخيل, وصارت شديدة الانفعال له حتى أنها ربما تركت التصديق للتخيل. فأطاعت تخيلها وألغت تصديقها. وجملة الأمر أنها تنفعل للمحاكاة انفعالا من غير رؤية, سواء كان الأمر الذي وقعت المحاكاة فيه على ما خيلته لها المحاكاة حقيقة، أو كان ذلك لا حقيقة له فيبسطها التخييل للأمر أو يقبضها عنه. فلا تقصر في طلبه أو الهرب منه عن درجة المبصر لذلك. فيكون إيثار الشيء أو تركه طاعة للتخييل غير مقصر عن إيثاره أو تركه انقياداً للرؤية.
١- إضاءة: ومن التذاذ النفوس بالتخيل أن الصور القبيحة المستبشعة عندما قد تكون صورها المنقوشة والمخطوطة والمنحوتة لذيذة إذا بلغت الغاية القصوى من أشبه بما هي أمثلة له، فيكون موقعها من النفوس مستلذا لا لأنها حسنة في أنفسها بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به.
قال هذا أبو علي ابن سينا في كتاب الخطابة من كتاب الشفاء. ثم قال: "وهذا كله للمناسبة بين الصورة مثلا وما يحاكيها. وهذه المناسبات أمور في الطبيعة".
وقال ابن سينا أيضاً في كتاب الشعر من كتاب الشفاء:
"إن النفوس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، فيكون ذلك سبباً لأن يقع عندها للأمر فصل موقع. والدليل على فرحهم بالمحاكاة أنهم يسرون بتأمل الصور المنقوشة للحيوانات الكريهة المتقزز منها. ولو شاهدوها أنفسها لتنطوا عنها. فيكون المفرح ليس نفس تلك الصورة ولا المنقوش بل كونها محاكاة لغيرها إذا كانت قد أتقنت.؟ ولهذا السبب ما صار التعليم لذيذاً لا إلى الفلاسفة فقط بل إلى الجمهور، لما في التعليم من المحاكاة، لأن التعليم تصوير ما للأمر في رقعة النفس. ولهذا ما يكثر سرور الناس بالصور المنقوشة بعد أن يكونوا قد أحسوا الخلق التي هذه أمثالها. فإن لم يحسوها قبل لم تتم لذتهم، بل إنما يلتذون حينئذ قريبا بما يلتذون من نفس محاكاة النقش في كيفيته ووضعه وما يجري مجراه".
ثم قال ابن سينا: "والسبب الثاني حب الناس للتأليف المتفق أو للألحان طبعا. ثم قد وجدت الأوزان مناسبة للألحان فمالت إليها النفوس وأوجدتها. فمن هاتين العلتين تولدت الشعرية".
وقد تضمن كلام ابن سينا شرطا من شروط المحاكاة لم نذكره اكتفاء بالإشارة إليه في هذا الموضوع. وهو أن الالتذاذ بالتخيل والمحاكاة إنما يكمل بأن يكون قد سبق للنفس إحساس بالشيء المخيل وتقدم لها عهد به.
وبقي أن نبسط الكلام شيئاً في تبيين ما للمحاكاة من حسن موقع من النفوس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية والصيغ المستحسنة البلاغية، وهو الذي أشار إليه أبو علي ابن سينا بالتأليف المتفق.
стр. 38
تنوير: فأما السبب في حسن موقع المحاكاة من النفس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية فهو أنه لما كان للنفس في اجتلاء المعاني في العبارات المستحسنة من حسن الموقع الذي يرتاح له ما لا يكون لها عند قيام المعنى بفكرها من غير طريق السمع، ولا عند ما يوحى إليها المعنى بإشارة، ولا عند ما تجتليه في عبارة مستقبحة، ولهذا نجد الإنسان قد يقوم المعنى بخاطره على جهة التذكر، وقد يشار له إليه، وقد يلقى إليه بعبارة مستقبحة، فلا يرتاح له في واحد من هذه الأحوال. فإذا تلقاه في عبارة بديعة اهتز له وتحرك لمقتضاه، كما أ، العين والنفس تبتهج لاجتلاء ما له شعاع ولون من الأشربة في الآنية التي تشف عنها كالزجاج والبلور ما لم تبتهج لذلك إذا عرض عليها في آنية الحنتم وجب أن تكون الأقاويل الشعرية أشد الأقاويل تحريكا للنفوس، لأنها أشد إفصاحاً عما به علقة الأغراض الإنسانية، إذا كان المقصود بها الدلالة على أعراض الشيء ولواحقه التي للآداب بها علقة.
والأقاويل غير الشعرية، وخصوصا ما قصد به التصديق والدلالة على ماهيات الأشياء، إنما تفهم منها في أكثر الأمر تلك اللواحق والأعراض على جهة الالتزام والتضمن. وليس ما يكون نصا على الشيء في تمكين إلقائه من النفس طبقا له مثل ما لا يفهم الشيء منه إلا بطريق ضمن أو لزوم.
وأيضا فإن الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقى أفضلها وتركب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصى بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله، يكون التخيل كما قدمت، يجب فيه تخييل أجزاء الشيء عند تخييله حتى تتشكل جملته بتشكل أجزاء، فتقوم صورته بذلك في الخيال الذهني على حد ما هي عليه خارج الذهن، أو أكمل منها إن كانت محتاجة إلى التكميل.
وقد قال أفلاطون في كتاب السياسة له: "إنا لا نلوم مصورا إن صور صورة إنسان فجعل جميع أعضائه على غاية الحسن، فنقول له إنه ليس يمكن أن يكون إنسان على هذه الصورة، وذلك أن المثال ينبغي أ، يكون المثال".
وليس ما سوى الأقاويل الشعرية في حسن الموقع من النفوس مماثلا للأقاويل الشعرية، لأن الأقاويل التي ليست بشعرية ولا خطابية ينحى بها نحو الشعرية لا يحتاج فيها إلى ما يحتاج إليه في الأقاويل الشعرية، إذ المقصود بما سواها من الأقاويل إثبات شيء أو إبطاله أو التعريف بماهيته وحقيقته.
وإنما يثبت الشيء بغيره وربما هو خارج عنه مما له نسبة إلى ما يرجع غليه مما شأنه إذا ألفت العبارة فيه تأليفا محدودا أن ينتقل منه إليه ويصار به إلى معرفة ثباته أو ارتفاعه. وإذا عرف فإنما يعرف بقول يدل على ماهيته المشتركة والخاصة, وليس يدل على اللواحق والأعراض التي بها تشبث الآداب الإنسانية وعلقة الأغراض إلا على جهة التزم. وإذا خيل لك الشيء بالأقاويل المحاكية له فالمقصود محاكاة ما هو عليه من حسن أو قبح بأقاويل تخيل لواحقه وأغراضه التي بها علقة الأغراض, ومحاسن الشيء ومساويه راجعة غليه. فإذا حوكي الشيء بصفاته أو ما هو مثال لصفاته تصور بما يرجع إليه وبما له علقة بالأغراض مما يرجع إليه أو ما هو مثال لما يرجع إليه. وإذا قصد التعريف به أو الاستدلال عليه عرف بما ليس له علقة بالأغراض, واستدل عليه بما هو خارج عنه.
فمحصول ما عدا الأقاويل الشعرية إيقاع تعريف أو تصديق بما لا تشتد علقته بالأغراض أو لا تكون علقته بالجملة, أو مغالطة السامع وإيهامه أن ذلك واقع من غير أن يكون كذلك. ومحصول الأقاويل الشعرية تصوير الأشياء الحاصلة في الوجود وتمثيلها في الأذهان على ما هي عليه خارج الأذهان من حسن أو قبح حقيقة, أو على غير ما هي عليه تمويها وإيهاما, فأقوال دالة على ما يلحق الأشياء ويعرض لها مما هو خارج عن مقوماتها مما علقة الأغراض الإنسانية به قوية.
стр. 39
فالمحصول الأول كحصول العلم مثلا بامتلاء إناء أو خلوه بأن يبصر مثلا يرشح أو يوجد ثقيلا أو يبصر مكفأ ويوجد خفيفا. والمحصول الثاني وهو الذي للأقاويل الشعرية مثل ما تشف لك آنية الزجاج عن صورة ما تحويه. فلذلك صارت الأقاويل الشعرية أشد إبهاجا وتحريكا للنفوس من غيرها. فلشدة منسبة الأقاويل الشعرية للأغراض الإنسانية كانت أشد تحريكا للنفوس وأعظم أثرا فيها.
٣- إضاءة: وليست المحاكاة في كل موضع تبلغ الغاية القصوى من هز النفوس وتحريكها, بل تؤثر فيها بحسب ما تكون عليه درجة الإبداع فيها, وبحسب ما تكون عليه الهيئة النطقية المقترنة بها, وبقدر ما تجد النفوس مستعدة لقبول المحاكاة والتأثر لها.
٤- تنوير: فتحرك النفوس للأقوال المخيلة إنما يكون بحسب الاستعداد, وبحسب ما تكون عليه المحاكاة في نفسها, وما تدعم به المحاكاة وتعضد مما يزيد به المعنى تمويها والكلام حسن ديباجة من أمور ترجع إلى لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب. وقد ذكرت جل كليات تلك الأشياء في هذا الكتاب.
٥- إضاءة: والاستعداد نوعان: استعداد بأن تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى كما قال المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف)
وإنما تنفع المقالة في المر ... ء, إذا وافقت هوى في الفؤاد
والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزة الارتياح لحسن المحاكاة. هكذا كان اعتقاد العرب في الشعر. فكم خطب عظيم هونه عندهم بيت! وكم خطب هين عظمه بيت آخر!. ولهذا ما كانت ملوكهم ترفع أقدار الشعراء المحسنين, وتحسن مكافأتهم على إحسانهم. وكان لغير العرب بين الأمم في القديم أيضاً من العناية بالشعر والتأثر له وحسن الاعتقاد فيه مثل ما كان للعرب. وقد قال أبو علي ابن سينا: "إنهم كانوا ينزلون الشاعر منزلة النبي فينقادون لحكمه ويصدقون بكهانته". هذا على أن العرب انتهت من إحكام الصنعة الجديرة بالتأثير في النفوس إلى ما لم تنته إليه أمة من الأمم, لاضطرارهم إلى التأنق في تأسيس مباني كلامهم وإحكام صنعته بسكناهم البيد البسابس في غير إيالة تربطهم وسياسة تضبطهم. فكانوا أخلق أمة بأن يكثر تنازعهم فيما يقيمون به معايشهم. فاتخذوا الإبل لارتياد الخصب, واتخذوا الخيل للعز والمنعة, واتخذوا الكلام المحكم نظما ونثرا للوعظ والحض على المصالح.
٦- تنوير: ولشدة حاجة العرب إلى تحسين كلامها اختص كلامها بأشياء لا توجد في غيره من ألسن الأمم. فمن ذلك تماثل المقاطع في الأسجاع والقوافي لأن في ذلك مناسبة زائدة, ومن ذلك اختلاف مجاري الأواخر, واعتقاب الحركات على أواخر أكثرها, ونياطتهم حرف الترنم بنهايات الصنف الكثير المواقع في الكلام منها لأن في ذلك تحسينا للكلم بجريان الصوت في نهاياتها, ولأن للنفس في النقلة من بعض الكلمة المتنوعة المجاري إلى بعض على قانون محدود راحة شديدة واستجدادا لنشاط السمع بالنقلة من حال إلى حال, ولها, في حسن اطراده في جميع المجاري على قوانين محفوظة قد قسمت المعاني فيها على المجاري أحسن قسمة, تأثر من جهتي التعجيب والاستلذاذ للقسمة البديعة والوضع المتناسب العجيب. فكان تأثير المجاري المتنوعة وما يتبعها من الحروف المصوتة من أعظم الأعوان على تحسين مواقع المسموعات من النفوس, وخصوصا في القوافي التي استقصت فيها العرب كل هيئة تستحسن من اقترنات بعض الحركات والسكنات والحروف المتماثلة المصوتة وغير المصوتة ببعض, وما تتنوع إليه تلك الاقترنات من ضروب الترتيب. فهذه فضيلة مختصة بلسان العرب. ولهذا قال أبو نصر: "إن الألسن العجمية متى وجد فيها شعر مقفى فإنما يرومون أن يحتذوا فيه حذو العرب. وليس ذلك موجودا في أشعارهم القديمة".
٧- إضاءة: وإنما التزمت العرب إجراء اللواحق المصوتة على أعقاب الكلم ونهاياتها على قانون قانون في موضع موضع لا يتعدى, في كل موضع منها صورة مخصوصة من المجاري (لوجهين) :
стр. 40
أحدهما أنها احتاجت إلى فروق بين المعاني. وقد كان يمكنها أن تجعل لذلك علامات غير اختلاف مجاري الأواخر كما فعل غيرها من الأمم, لكنها اختصرت وجعلت مجاري الأواخر, التي احتاجت إليها لتنويع مجاري القوافي والأسجاع وتحسين نهايات الكلمة بالجملة, فروقا بين المعاني, فاجتمع لها في إجراء الأواخر على ما أجرتها فائدتان. والوجه الثاني في السبب الذي لأجله التزموا إجراء الكلام على قانون قانون بحسب موضع موضع أنهم لو أجروا أواخر الكلم كيف اتفق لم يكن ذلك ملذوذا لأن ذلك أمر لا يرجع على نظام. ولجري الأمور على نظام منضبط محكم موقع عجيب من النفس بحفظ المتكلم لنظام كلامه ومقابلته بضروب هيآته ضروب هيآت المعاني اللائقة بها. ولو كان الأمر في ذلك على غير نظام لما كان للنفوس في ذلك تعجيب, ولكانت الفصاحة مرقاة غير معجزة أحدا.
٨- تنوير: ولنرجع على ما كنا بسبيله من المتكلم فيما تكون عليه النفس من استعداد لقبول المحاكاة والتأثر لها أو غير ذلك. فنقول: إن الاستعداد الذي يكون بانطواء السامع على هوى يكون غرض الكلام المخيل موافقا له فينفعل له بذلك أمر موجود لكثير من الناس في كثير من الأحوال. وأما الاستعداد الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان, بل كثير من أنذال العالم -وما أكثرهم! - يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة. وكان القدماء, من تعظيم صناعة الشعر واعتقادهم فيها ضد ما اعتقده هؤلاء الزعانفة, على حال قد نبه عليها أبو علي ابن سينا فقال: "كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي, فيعتقد قوله ويصدق حكمه, ويؤمن بكهانته" فانظر إلى تفاوت ما بين الحالين: حال كان ينزل فيها منزلة أشرف العالم وأفضلهم, وحال صار ينزل فيها منزلة أخس العالم وأنقصهم! ٩- إضاءة: وإنما هان الشعر على الناس هذا الهون لعجمة ألسنتهم واختلال طباعهم. فغابت عنهم أسرار الكلام وبدائعه المحركة جملة فصرفوا النقص إلى الصنعة, والنقص بالحقيقة راجع إليهم وموجود فيهم, ولأن طرق الكلام اشتبهت عليهم أيضا. فرأوا أخساء العالم قد تحرفوا باعتفاء الناس واسترفاد سواسية السوق بكلام صوروه في صورة الشعر من جهة الوزن والقافية خاصة, من غير أن يكون فيه أمر آخر من الأمور التي بها يتقوم الشعر. وكأن منزلة الكلام الذي ليس فيه إلا الوزن خاصة من الشعر الحقيقي منزلة الحصير المنسوج من البردي وما جرى مجراه من الحلة المنسوجة من الذهب والحرير, لم يشتركا إلا في النسج كما لم يشترك الكلامان إلا في الوزن.
ولكثرة القائلين المغالطين في دعوى النظم وقلة العارفين بصحة دعواهم من بطلاهم لم يفرق الناس بين المسيء المسف إلى الاسترفاد بما يحدثه وبين المحسن المرتفع عن الاسترفاد بالشعر. فجعلوا قيمتهما متساوية, بل ربما نسبوا إلى المسيء إحسان المحسن وإلى المحسن إساءة المسيء. فصارت نفوس العارفين بهذه الصنعة بعض المعرفة أيضاً تستقذر التحلي بهذه الصناعة, إذ نجسها أولئك الأخساء واشتبه على الناس أمرهم وأمر أضدادهم, فأجروهم مجرى واحدا من الاستهانة بهم. فالمعرة لا شك منسحبة على الرفيع في هذه الصنعة بسبب الوضيع. فلذلك هجرها الناس, وحقها أن تهجر.
следующие страницы →