← Адаб

Адаб · id 5388

منهاج البلغاء وسراج الأدباء

القرطاجني

Полный текст (121 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١- إضاءة: ومن ذلك جهة الإدراك. وينبغي أن تكون المحاكاة في الأمور المحسوسة حيث تساعد المكنه من الوجوه المختارة بالأمور المحسوسة. وبها يحسن بأن تحاكي الأمور غير المحسوسة حيث يتأتى ذلك ويكون بين المعنيين انتساب. ومحاكاة المحسوس بغير المحسوس قبيحة. ٢- تنوير: وينبغي أن تكون المحاكاة التي يقصد بها وضوح الشبه منصرفة على جنس الشيء الأقرب كتشبيه أيطل الفرس بأيطل الظبي. والمحاكاة التي يقصد بها التوسع والراحة والقناعة بما تيسر من الشبه منصرفة إلى الجنس الأبعد كتشبيه متن الفرس بالصفاة. وينبغي أن تكون المحاكاة التي يقصد بها اجتماع وضوح الشبه وظهور نبل الشاعر وحذقه منصرفة إلى الجنس الذي يلي الجنس الأقرب كتشبيه الأشياء الحيوانية بالأشياء النباتية, نحو تشبيه قلوب الطير رطبة بالعناب, ويابسة بالخشف, وتشبيه غبرة الروق بالقلم المستمد. ٣- إضاءة: وينبغي أن يكون المثال المحاكي به معروفا عند جميع العقلاء أو أكثرهم بالسجية. ولا يحسن أن يكون مما ينكر ويجهل. ٤- تنوير: وينبغي أن تكون الأوصاف التي يشترك فيها المثال والممثل أشهر صفاتها أو من أشهراها. واعتبار هذا الشرط آكد في صفات الممثل به. وينبغي أن تكون الصفات التي يتضادان فيها أخمل صفاتهما. ٥- إضاءة: ويشترط في المحاكاة التي يقصد بها تحريك النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه أن يكون ما يحاكى به الشيء المقصود إمالة النفس نحوه مما تميل النفس إليه, وأن يكون ما يحاكى به الشيء المقصود تنفير النفس عنه مما تنفر النفس عنه أيضا. فإن مثل ما يقصد تحريك النفس على طلبه بما من شأنها أن تهرب عنه, وما قصد تحريكها إلى الهرب منه بما من شأنها أن تطلبه, كان ذلك خطأ وجاريا مجرى التناقض. وذلك مثل قول حبيب: (الطويل -ق- المترادف) إذا ذاقها, وهي الحياة, رأيته ... يعبس تعبيس المقدم للقتل فأما المحاكاة التي لا يقصد بها تحسين ولا تقبيح ولكن, محاكاة الشيء بما يطابقه فقط, فالمذهب الأمثل محاكاة الحسن بالحسن والقبيح بالقبيح. وقد يحاكى الشيء الحسن في حيز وبالنسبة إلى غرض بما هو قبيح في حيز آخر وبالنسبة إلى غرض آخر. ولا يقصد في ذلك إلا محاكاتهما من حيث تطابقا. وقد يقصد بذلك ضرب من الإغراب. فيستسهل لذلك تمثيل ما تميل النفس إليه بما تنفر عنه, كقول ابن الرومي: (الرجز -ق- المترادف) هام وأرغفة وضاء فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوار كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار وكأن هذا وما جرى مجراه من عبث المنهومين. ٦- تنوير: واعلم أنه لا تحسن محاكاة ذي مقدار كبير بذي مقدار صغير, ولا محاكاة ذي مقدار صغير بذي مقدار كبير, إذا كان بينهما تفاوت في ذلك. وكذلك لا تحسن محاكاة ذي لون بذي لون مخالف له ما لم تقصد في ما تفاوت من ذلك وما تخالف محاكاة هيئة فعل أو حال في المحاكاة والمحاكى به. فإذا قصدت محاكاة هيئة بهيئة لم تلتفت إلى تفاوت ما بين الواحد والآخر في المقدار ولا تباين ما بينهما في اللون, ولذلك استحسن تشبيه الذباب بالقادح, لأن المقصود محاكاة إحدى الحالين بالأخرى. فالمحاكاة إنما تعلقت بالهيئة لا بالمقدار. وعلى هذا حمل تشبيه العصا بالجان وهو حية صغيرة كثيرة الهيج والحركة بعد تشبيهها بالثعبان المبين, لأن المقصود في التشبيه محاكاة هيئة الحركة, وليس المقصود محاكاة مقدار هذا بمقدار ذلك. ٧- إضاءة: واعلم أنه إذا اجتمع في المحاكي والمحاكى به أوصاف ثلاثة أو اثنان منها وهي: المقدار والهيئة واللون جاز عكس المحاكاة, وحسن أن تحاكي الشيء بما حاكيته به. ٨- تنوير: واعلم أن الصوت والهيئة إذا اتفقا في متناه في الحقارة ومتناه في العظمة فلا تحسن محاكاة أحدهما بالآخر إلا حيث يقصد غلو في تحقير المحاكي أو تعظيمه. فإذا لم يتفاوتا في ذلك, جازت محاكاة أحدهما بالآخر. وكان الأعظم محاكى به حيث يقصد التعظيم, والأحقر محاكى به حيث يقصد التحقير. ولا يجوز العكس إلا حيث يتقاربان أو يتكافآن.

стр. 37

٩- إضاءة: واعلم أن الشيء إذا حوكي بالشيء, والمقصود محاكاة أحد فعليهما بالآخر, وكان في فعل المحاكي تقصير عن فعل المحاكى به, فإنه مستساغ في الشعر أن يحاكى المقصر عنه وأن يجعل مثله أو مربيا عليه إذا كانت الزيادة في ذلك الفعل مستحسنة بالنسبة إلى ما يراد منه من منفعة أو غير ذلك. ومن هذا تشبيه الفرس بالريح والبرق. ويجوز أن يحاكى الأعظم حالا في الفعل أو المقدار بالأحقر في ذلك أو هذا إذا كان التحقير في الأعظم مستحسنا بالنسبة إلى ما يراد منه. وكأن القسم الأول تكميل وهذا تعديل. ح- معرف دال على طرق المعرفة بالوجوه التي لأجلها حسن موقع المحاكاة من النفس . لما كانت النفوس قد جبلت على التنبه لأنحاء المحاكاة واستعمالها والالتذاذ بها منذ الصبا, وكانت هذه الجبلة في الإنسان أقوى منها في سائر الحيوان -فإن بعض الحيوان لا محاكاة فيه أصلا, وبعضها فيه محاكاة يسيرة: إما بالنغم كالببغاء, وإما بالشمائل كالقرد- اشتد ولوع النفس بالتخيل, وصارت شديدة الانفعال له حتى أنها ربما تركت التصديق للتخيل. فأطاعت تخيلها وألغت تصديقها. وجملة الأمر أنها تنفعل للمحاكاة انفعالا من غير رؤية, سواء كان الأمر الذي وقعت المحاكاة فيه على ما خيلته لها المحاكاة حقيقة، أو كان ذلك لا حقيقة له فيبسطها التخييل للأمر أو يقبضها عنه. فلا تقصر في طلبه أو الهرب منه عن درجة المبصر لذلك. فيكون إيثار الشيء أو تركه طاعة للتخييل غير مقصر عن إيثاره أو تركه انقياداً للرؤية. ١- إضاءة: ومن التذاذ النفوس بالتخيل أن الصور القبيحة المستبشعة عندما قد تكون صورها المنقوشة والمخطوطة والمنحوتة لذيذة إذا بلغت الغاية القصوى من أشبه بما هي أمثلة له، فيكون موقعها من النفوس مستلذا لا لأنها حسنة في أنفسها بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به. قال هذا أبو علي ابن سينا في كتاب الخطابة من كتاب الشفاء. ثم قال: "وهذا كله للمناسبة بين الصورة مثلا وما يحاكيها. وهذه المناسبات أمور في الطبيعة". وقال ابن سينا أيضاً في كتاب الشعر من كتاب الشفاء: "إن النفوس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، فيكون ذلك سبباً لأن يقع عندها للأمر فصل موقع. والدليل على فرحهم بالمحاكاة أنهم يسرون بتأمل الصور المنقوشة للحيوانات الكريهة المتقزز منها. ولو شاهدوها أنفسها لتنطوا عنها. فيكون المفرح ليس نفس تلك الصورة ولا المنقوش بل كونها محاكاة لغيرها إذا كانت قد أتقنت.؟ ولهذا السبب ما صار التعليم لذيذاً لا إلى الفلاسفة فقط بل إلى الجمهور، لما في التعليم من المحاكاة، لأن التعليم تصوير ما للأمر في رقعة النفس. ولهذا ما يكثر سرور الناس بالصور المنقوشة بعد أن يكونوا قد أحسوا الخلق التي هذه أمثالها. فإن لم يحسوها قبل لم تتم لذتهم، بل إنما يلتذون حينئذ قريبا بما يلتذون من نفس محاكاة النقش في كيفيته ووضعه وما يجري مجراه". ثم قال ابن سينا: "والسبب الثاني حب الناس للتأليف المتفق أو للألحان طبعا. ثم قد وجدت الأوزان مناسبة للألحان فمالت إليها النفوس وأوجدتها. فمن هاتين العلتين تولدت الشعرية". وقد تضمن كلام ابن سينا شرطا من شروط المحاكاة لم نذكره اكتفاء بالإشارة إليه في هذا الموضوع. وهو أن الالتذاذ بالتخيل والمحاكاة إنما يكمل بأن يكون قد سبق للنفس إحساس بالشيء المخيل وتقدم لها عهد به. وبقي أن نبسط الكلام شيئاً في تبيين ما للمحاكاة من حسن موقع من النفوس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية والصيغ المستحسنة البلاغية، وهو الذي أشار إليه أبو علي ابن سينا بالتأليف المتفق.

стр. 38

تنوير: فأما السبب في حسن موقع المحاكاة من النفس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية فهو أنه لما كان للنفس في اجتلاء المعاني في العبارات المستحسنة من حسن الموقع الذي يرتاح له ما لا يكون لها عند قيام المعنى بفكرها من غير طريق السمع، ولا عند ما يوحى إليها المعنى بإشارة، ولا عند ما تجتليه في عبارة مستقبحة، ولهذا نجد الإنسان قد يقوم المعنى بخاطره على جهة التذكر، وقد يشار له إليه، وقد يلقى إليه بعبارة مستقبحة، فلا يرتاح له في واحد من هذه الأحوال. فإذا تلقاه في عبارة بديعة اهتز له وتحرك لمقتضاه، كما أ، العين والنفس تبتهج لاجتلاء ما له شعاع ولون من الأشربة في الآنية التي تشف عنها كالزجاج والبلور ما لم تبتهج لذلك إذا عرض عليها في آنية الحنتم وجب أن تكون الأقاويل الشعرية أشد الأقاويل تحريكا للنفوس، لأنها أشد إفصاحاً عما به علقة الأغراض الإنسانية، إذا كان المقصود بها الدلالة على أعراض الشيء ولواحقه التي للآداب بها علقة. والأقاويل غير الشعرية، وخصوصا ما قصد به التصديق والدلالة على ماهيات الأشياء، إنما تفهم منها في أكثر الأمر تلك اللواحق والأعراض على جهة الالتزام والتضمن. وليس ما يكون نصا على الشيء في تمكين إلقائه من النفس طبقا له مثل ما لا يفهم الشيء منه إلا بطريق ضمن أو لزوم. وأيضا فإن الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقى أفضلها وتركب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصى بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله، يكون التخيل كما قدمت، يجب فيه تخييل أجزاء الشيء عند تخييله حتى تتشكل جملته بتشكل أجزاء، فتقوم صورته بذلك في الخيال الذهني على حد ما هي عليه خارج الذهن، أو أكمل منها إن كانت محتاجة إلى التكميل. وقد قال أفلاطون في كتاب السياسة له: "إنا لا نلوم مصورا إن صور صورة إنسان فجعل جميع أعضائه على غاية الحسن، فنقول له إنه ليس يمكن أن يكون إنسان على هذه الصورة، وذلك أن المثال ينبغي أ، يكون المثال". وليس ما سوى الأقاويل الشعرية في حسن الموقع من النفوس مماثلا للأقاويل الشعرية، لأن الأقاويل التي ليست بشعرية ولا خطابية ينحى بها نحو الشعرية لا يحتاج فيها إلى ما يحتاج إليه في الأقاويل الشعرية، إذ المقصود بما سواها من الأقاويل إثبات شيء أو إبطاله أو التعريف بماهيته وحقيقته. وإنما يثبت الشيء بغيره وربما هو خارج عنه مما له نسبة إلى ما يرجع غليه مما شأنه إذا ألفت العبارة فيه تأليفا محدودا أن ينتقل منه إليه ويصار به إلى معرفة ثباته أو ارتفاعه. وإذا عرف فإنما يعرف بقول يدل على ماهيته المشتركة والخاصة, وليس يدل على اللواحق والأعراض التي بها تشبث الآداب الإنسانية وعلقة الأغراض إلا على جهة التزم. وإذا خيل لك الشيء بالأقاويل المحاكية له فالمقصود محاكاة ما هو عليه من حسن أو قبح بأقاويل تخيل لواحقه وأغراضه التي بها علقة الأغراض, ومحاسن الشيء ومساويه راجعة غليه. فإذا حوكي الشيء بصفاته أو ما هو مثال لصفاته تصور بما يرجع إليه وبما له علقة بالأغراض مما يرجع إليه أو ما هو مثال لما يرجع إليه. وإذا قصد التعريف به أو الاستدلال عليه عرف بما ليس له علقة بالأغراض, واستدل عليه بما هو خارج عنه. فمحصول ما عدا الأقاويل الشعرية إيقاع تعريف أو تصديق بما لا تشتد علقته بالأغراض أو لا تكون علقته بالجملة, أو مغالطة السامع وإيهامه أن ذلك واقع من غير أن يكون كذلك. ومحصول الأقاويل الشعرية تصوير الأشياء الحاصلة في الوجود وتمثيلها في الأذهان على ما هي عليه خارج الأذهان من حسن أو قبح حقيقة, أو على غير ما هي عليه تمويها وإيهاما, فأقوال دالة على ما يلحق الأشياء ويعرض لها مما هو خارج عن مقوماتها مما علقة الأغراض الإنسانية به قوية.

стр. 39

فالمحصول الأول كحصول العلم مثلا بامتلاء إناء أو خلوه بأن يبصر مثلا يرشح أو يوجد ثقيلا أو يبصر مكفأ ويوجد خفيفا. والمحصول الثاني وهو الذي للأقاويل الشعرية مثل ما تشف لك آنية الزجاج عن صورة ما تحويه. فلذلك صارت الأقاويل الشعرية أشد إبهاجا وتحريكا للنفوس من غيرها. فلشدة منسبة الأقاويل الشعرية للأغراض الإنسانية كانت أشد تحريكا للنفوس وأعظم أثرا فيها. ٣- إضاءة: وليست المحاكاة في كل موضع تبلغ الغاية القصوى من هز النفوس وتحريكها, بل تؤثر فيها بحسب ما تكون عليه درجة الإبداع فيها, وبحسب ما تكون عليه الهيئة النطقية المقترنة بها, وبقدر ما تجد النفوس مستعدة لقبول المحاكاة والتأثر لها. ٤- تنوير: فتحرك النفوس للأقوال المخيلة إنما يكون بحسب الاستعداد, وبحسب ما تكون عليه المحاكاة في نفسها, وما تدعم به المحاكاة وتعضد مما يزيد به المعنى تمويها والكلام حسن ديباجة من أمور ترجع إلى لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب. وقد ذكرت جل كليات تلك الأشياء في هذا الكتاب. ٥- إضاءة: والاستعداد نوعان: استعداد بأن تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى كما قال المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف) وإنما تنفع المقالة في المر ... ء, إذا وافقت هوى في الفؤاد والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزة الارتياح لحسن المحاكاة. هكذا كان اعتقاد العرب في الشعر. فكم خطب عظيم هونه عندهم بيت! وكم خطب هين عظمه بيت آخر!. ولهذا ما كانت ملوكهم ترفع أقدار الشعراء المحسنين, وتحسن مكافأتهم على إحسانهم. وكان لغير العرب بين الأمم في القديم أيضاً من العناية بالشعر والتأثر له وحسن الاعتقاد فيه مثل ما كان للعرب. وقد قال أبو علي ابن سينا: "إنهم كانوا ينزلون الشاعر منزلة النبي فينقادون لحكمه ويصدقون بكهانته". هذا على أن العرب انتهت من إحكام الصنعة الجديرة بالتأثير في النفوس إلى ما لم تنته إليه أمة من الأمم, لاضطرارهم إلى التأنق في تأسيس مباني كلامهم وإحكام صنعته بسكناهم البيد البسابس في غير إيالة تربطهم وسياسة تضبطهم. فكانوا أخلق أمة بأن يكثر تنازعهم فيما يقيمون به معايشهم. فاتخذوا الإبل لارتياد الخصب, واتخذوا الخيل للعز والمنعة, واتخذوا الكلام المحكم نظما ونثرا للوعظ والحض على المصالح. ٦- تنوير: ولشدة حاجة العرب إلى تحسين كلامها اختص كلامها بأشياء لا توجد في غيره من ألسن الأمم. فمن ذلك تماثل المقاطع في الأسجاع والقوافي لأن في ذلك مناسبة زائدة, ومن ذلك اختلاف مجاري الأواخر, واعتقاب الحركات على أواخر أكثرها, ونياطتهم حرف الترنم بنهايات الصنف الكثير المواقع في الكلام منها لأن في ذلك تحسينا للكلم بجريان الصوت في نهاياتها, ولأن للنفس في النقلة من بعض الكلمة المتنوعة المجاري إلى بعض على قانون محدود راحة شديدة واستجدادا لنشاط السمع بالنقلة من حال إلى حال, ولها, في حسن اطراده في جميع المجاري على قوانين محفوظة قد قسمت المعاني فيها على المجاري أحسن قسمة, تأثر من جهتي التعجيب والاستلذاذ للقسمة البديعة والوضع المتناسب العجيب. فكان تأثير المجاري المتنوعة وما يتبعها من الحروف المصوتة من أعظم الأعوان على تحسين مواقع المسموعات من النفوس, وخصوصا في القوافي التي استقصت فيها العرب كل هيئة تستحسن من اقترنات بعض الحركات والسكنات والحروف المتماثلة المصوتة وغير المصوتة ببعض, وما تتنوع إليه تلك الاقترنات من ضروب الترتيب. فهذه فضيلة مختصة بلسان العرب. ولهذا قال أبو نصر: "إن الألسن العجمية متى وجد فيها شعر مقفى فإنما يرومون أن يحتذوا فيه حذو العرب. وليس ذلك موجودا في أشعارهم القديمة". ٧- إضاءة: وإنما التزمت العرب إجراء اللواحق المصوتة على أعقاب الكلم ونهاياتها على قانون قانون في موضع موضع لا يتعدى, في كل موضع منها صورة مخصوصة من المجاري (لوجهين) :

стр. 40

أحدهما أنها احتاجت إلى فروق بين المعاني. وقد كان يمكنها أن تجعل لذلك علامات غير اختلاف مجاري الأواخر كما فعل غيرها من الأمم, لكنها اختصرت وجعلت مجاري الأواخر, التي احتاجت إليها لتنويع مجاري القوافي والأسجاع وتحسين نهايات الكلمة بالجملة, فروقا بين المعاني, فاجتمع لها في إجراء الأواخر على ما أجرتها فائدتان. والوجه الثاني في السبب الذي لأجله التزموا إجراء الكلام على قانون قانون بحسب موضع موضع أنهم لو أجروا أواخر الكلم كيف اتفق لم يكن ذلك ملذوذا لأن ذلك أمر لا يرجع على نظام. ولجري الأمور على نظام منضبط محكم موقع عجيب من النفس بحفظ المتكلم لنظام كلامه ومقابلته بضروب هيآته ضروب هيآت المعاني اللائقة بها. ولو كان الأمر في ذلك على غير نظام لما كان للنفوس في ذلك تعجيب, ولكانت الفصاحة مرقاة غير معجزة أحدا. ٨- تنوير: ولنرجع على ما كنا بسبيله من المتكلم فيما تكون عليه النفس من استعداد لقبول المحاكاة والتأثر لها أو غير ذلك. فنقول: إن الاستعداد الذي يكون بانطواء السامع على هوى يكون غرض الكلام المخيل موافقا له فينفعل له بذلك أمر موجود لكثير من الناس في كثير من الأحوال. وأما الاستعداد الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان, بل كثير من أنذال العالم -وما أكثرهم! - يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة. وكان القدماء, من تعظيم صناعة الشعر واعتقادهم فيها ضد ما اعتقده هؤلاء الزعانفة, على حال قد نبه عليها أبو علي ابن سينا فقال: "كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي, فيعتقد قوله ويصدق حكمه, ويؤمن بكهانته" فانظر إلى تفاوت ما بين الحالين: حال كان ينزل فيها منزلة أشرف العالم وأفضلهم, وحال صار ينزل فيها منزلة أخس العالم وأنقصهم! ٩- إضاءة: وإنما هان الشعر على الناس هذا الهون لعجمة ألسنتهم واختلال طباعهم. فغابت عنهم أسرار الكلام وبدائعه المحركة جملة فصرفوا النقص إلى الصنعة, والنقص بالحقيقة راجع إليهم وموجود فيهم, ولأن طرق الكلام اشتبهت عليهم أيضا. فرأوا أخساء العالم قد تحرفوا باعتفاء الناس واسترفاد سواسية السوق بكلام صوروه في صورة الشعر من جهة الوزن والقافية خاصة, من غير أن يكون فيه أمر آخر من الأمور التي بها يتقوم الشعر. وكأن منزلة الكلام الذي ليس فيه إلا الوزن خاصة من الشعر الحقيقي منزلة الحصير المنسوج من البردي وما جرى مجراه من الحلة المنسوجة من الذهب والحرير, لم يشتركا إلا في النسج كما لم يشترك الكلامان إلا في الوزن. ولكثرة القائلين المغالطين في دعوى النظم وقلة العارفين بصحة دعواهم من بطلاهم لم يفرق الناس بين المسيء المسف إلى الاسترفاد بما يحدثه وبين المحسن المرتفع عن الاسترفاد بالشعر. فجعلوا قيمتهما متساوية, بل ربما نسبوا إلى المسيء إحسان المحسن وإلى المحسن إساءة المسيء. فصارت نفوس العارفين بهذه الصنعة بعض المعرفة أيضاً تستقذر التحلي بهذه الصناعة, إذ نجسها أولئك الأخساء واشتبه على الناس أمرهم وأمر أضدادهم, فأجروهم مجرى واحدا من الاستهانة بهم. فالمعرة لا شك منسحبة على الرفيع في هذه الصنعة بسبب الوضيع. فلذلك هجرها الناس, وحقها أن تهجر.

стр. 41

١٠- تنوير: ولأن النفوس أيضاً قد اعتقدت أن الشعر كله زور وكذب على ما رآه قوم ابن سينا رادا عليهم. وكان يجب على هؤلاء إن كان لهم علم بالشعر ألا يحملهم الحسد فيما قصرت عنه طباعهم على أن يتكلموا في ذلك بغير تحقيق. وكثيرا ما يذم الإنسان ما منعه, شيمة ثعالية, فيحملهم الحسد على الغض من الشعر ومن أهله بإخراجه من الحقائق جملة, وإن كانوا ممن ليس لهم به علم, وما أجدرهم أيضاً بهذا! فكان يجب عليهم أن يتعلموا أو لا يتكلموا فيما لم يعملوا. فالناس إذا اعتقدوا هذا الاعتقاد كانوا خلفاء بأن يأخذوا أنفسهم بألا تتحرك للشعر ولا تهتز غليه. وأنت إذا نظرت من تعلم منه شيمة حسد من الكهول والشيوخ الذين يئسوا من البلاغة في النظم والنثر وجدته إذا أنشدته شعرا حسنا إما شديد الحبوس مربد الوجه لشدة الاغتياط, وإما باديا فيه يسير من الهزة وظاهرا منه أنه يقمع نفسه ويمنعها تسريح العنان في الهزة لئلا يسر بذلك المنشد ولاسيما إن كان الشعر له. فأما الأحداث فمثل هذا الحسد فيهم قليل لأنهم لم يقطعوا يأسهم من إدراك البلاغة, وأيضا فإنهم لا يطالبون أنفسهم في السن الحديثة من الاستكمال والأنفة من النقص في المعارف بما طالب به أنفسهم أولئك. ١١- إضاءة: وربما قال قائل: إذا كانت الأقاويل الشعرية منها ما يخيل الشيء ويمثله نفسه بتعرف صورة الشيء مما أعطاه ومثله القول المخيل, كالذي يحاكي بالدمية صورة امرأة فتعرف صفاتها بها, ومنها ما يترك فيه المعنى المخيل للشيء ويخيل بما يكون مثالا لذلك المعنى, كالذي يتخذ مرآة فيقابل الدمية بها فيريك تمثالها فتعرف أيضاً صورة الشيء المحاكى بالدمية بالتمثال الذي يبدو للدمية في المرآة. وقد رأينا من يرى الدمية أو تمثالها في المرآة لا يتحرك لها ولا لتمثالها بنسبة مما كان يتحرك لرؤية الشخص الذي حوكيت صورته بالدمية. فيجب على هذا أن لا يكون التحرك لما يتخيل من الشعر بنسبة من التحرك لمشاهدة الأشياء التي خليت. وأنتم تقولون إن الأقاويل الشعرية ربما كان التحرك لما يتخيل من محاكاتها أشد من التحريك لمشاهدة الشيء الذي حوكي, وابتهاج النفس بما تتخيله من ذلك فوق ابتهاجها بمشاهدة المخيل. فيقال له أولا: إن الدمية والشخص الذي صورت على صورته يختلف اعتبارهما في تحريك النفوس. فالدمية تحركها بالتعجيب من حسن محاكاتها وإبداع الصنعة في تقديرها على ما حكي بها, والشخص الذي هو تمثال له إن كان مستحسنا فإنه يحرك الذي هي تمثال له من هذا الطريق, بل الأمر في الأكثر على ذلك. والقول المخيل قل ما يخلو من التعجيب, بل كأنه مستصحب له من اقل ما يمكن من ذلك في القول المخيل على أكثر ما يمكن. والتعجيب في القول المخيل يكون إما من جهة إبداع محاكاة الشيء وتخييله كما كان ذلك في الدمية, ويكون من جهة كون الشيء المحاكي من الأشياء المستغربة والأمور المستطرفة. وإذا وقع التعجيب من الجهتين المذكورتين على أتم ما من شأنه أن يوجد فيهما فتلك الغاية القصوى من التعجيب. وللنفوس على ما بلغ هذه الغاية تحريك شديد. ١٢- تنوير: ثم يقال لمن اعترض بأن محاكاة الشيء يجب أن يكون التحرك لها أقل من التحرك لمشاهدته أن تمثلنا في المحاكتين بالدمية والمرآة على جهة من التسامح. وإنما ينبغي أن يمثل حسن المحاكاة في القول بأحسن ما يمكن أن يوجد من ضروب تصاوير الأشياء وتماثيلها. فأقول إن من أحسن ما يرى من ذلك تصور أشعة الكواكب والشمع والمصابيح المسرجة في صفحات المياه الصافية الساكنة التموج من الخلجان والأودية والمذانب والأنهار. وكذلك نمثل أفانين شجر الدوح بما ضم من ثمر وزهر في صفحات الماء الصفو إذا كان الدوح مطلا عليه. فإن اقتران طرتي الغدير الدوحية بما يبدو من مثالها في صفاء الماء من أعحب الأشياء وأبهجها منظرا. ونظير ذلك من المحاكاة في حسن الاقتران أن يقرن بالشيء الحقيقي في الكلام ما يجعل مثالا له مما هو شبيه به على جهة من المجاز تمثيلية أو استعارية كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف) دمن طالما التقت أدمع ال ... مزن عليها وأدمع العشاق وقول ابن التنوخي: (الطويل -ق- المترادف) لما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح

стр. 42

فحسن اقتران أدمع العشاق, وهي حقيقة, بأدمع المزن وهي غير حقيقية, واقتران الوشاح الذي هو حقيقة بالوشاح المراد به التزام المعتنق وهو غير حقيقي يجري في حسن موقعه من السمع والنفس مجرى موقع حسن اقترن الدوح الذي له حقيقة بمثاله في الغدير ولا حقيقة له من العين. فإن المسموعات تجري من السمع مجرى المتلونات من العين. ١٣- غضاءة: وأما تخييل الشيء نفسه بالقول المحاكي له فكأن نسبته إلى النفس والسمع نسبة إفصاح الزجاجة عما حوته وإفشائها سر ما أودعته إلى العين من تماثيل الشمع ذوات الأنوار أو الأدواح الخضر ذوات النور في صفحات الماء ما ليس لها لرؤية صور هذه الأشياء حقيقة, لأن حال معانية أشكال هذه الأشياء في المياه أقل تكررا على الإنسان من مشاهدة حقائق تلك الصور. فهي لها أشد استطرافا. وأيضا فإنه يقع في اقتران تمثال الشيء المستحسن به من التشاكل نحو التشاكل نحو مما يقع بين اقتران بعض المتلونات ببعض. وأيضا فإن محاكاة الشيء بغيره أطرف من محاكاته بصفات نفسه. وهي أكثر جدة وطراءة منها. فكانت محاكاته بها أطراف من محاكاته بصفات نفسه. فلهذا وما ذكرنا فيما تقدم ولما نذكره بعد في قوانين المعاني والنظم والأسلوب, وما يقع في كل ذلك من إبداع التخاييل وحسن الهيآت التي هي أعوان للتخاييل المعنوية على ما يراد من تأثر النفوس لها, حسن موقع الأقاويل الشعرية من النفوس. ١٤- تنويرك واعلم أن منزلة حسن اللفظ المحاكى به وإحكام تأليف من القول المحاكى به ومن المحاكاة بمنزلة عتاقة الأصباغ وحسن تأليف بعضها إلى بعض وتناسب أوضاعها من الصور التي يمثلها الصانع. وكما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة وجدنا العين نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها, وإن كان تخطيطها صحيحا, فكذلك الألفاظ الرديئة والتأليف المتنافر, وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة فإنا نجد السمع يتأذى بمرور تلك الألفاظ الرديئة القبيحة التأليف عليها, يشغل النفس تأذي السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه الصناعة إلى اختيار اللفظ وإحكام التأليف أكيدة جدا د- المنهج الرابع في الإبانة عن الأحوال التي تعرض للمعاني في جميع مواقعها من الكلام, فتوجد بها ملائمة للنفوس أو منافرة لها. أ- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في أحوال المعاني وما يجب اعتباره فيها من جهة ما يرجع إليها في أنفسها أو من جهة ما يقترن بها ويكون لها به علقة. وأنا أشير على أنحاء النظر في جميع ذلك بإضاءات وتنويرات, من إيراد الآراء البلاغية أرفعها في معلم معلم ومعرف معرف, وأنبه على ما يتأكد التنبيه عليه من ذلك بقول موجز إذ لا ينفسح الوقت الذي للنفس فيه بعض تخل عن الشواغل إلى تسريح العنان في ذلك. ١- إضاءة: واعتبار ما تكون عليه المعاني من صحة وكمال ومطابقة للغرض المقصود بها وحسن موقع من النفس يكون بالنظر إلى ما المعنى عليه في نفسه, وبالنظر إلى ما يقترن به من الكلام وتكون له به علقة, وبالنظر إلى الغرض الذي يكون الكلام مقولا فيه, وبالنظر إلى حال الشيء الذي تعلق به القول. ٢- تنوير: والنظر في المعنى من جهة ما يكون عليه في نفسه لا يخلو من أن يكون متعلقا بما يرجع إلى مادته, أو بما يرجع إلى تأليفه, أو بما يرجع إلى مقداره, أو بما يرجع إلى هيئته. وقد تقدم الكلام في كثير مما يحتاج إليه في المعاني من هذه الجهات الأربع. وسأستدرك في هذا النهج ما يكون تتميما لذلك المبدأ وتوطيدا على ذلك الأس, إن شاء الله. ٣- إضاءة: ولا يخلو اعتبار المعنى في جميع ذلك من أن يكون بالنظر إلى ما هو ضروري فيه أو متأكد أو مستحب. والضروري هو ما لا يتم الغرض إلا به. والمتأكد هو الذي يزيد به الكلام حسنا وإن كان قد يستغنى عنه ويكون اعتماده بين الرجاحة على اطراحه. والمستحب هو المائل إلى حيز الرجحان في ذلك.

стр. 43

٤- تنوير: وقد أدرجت تفاصيل القول في جميع ذلك في منهج منهج ومعلم معلم من مناهج هذا الكتاب ومعالمه, إذ لم يمكن إدراج ذلك في منهج واحد, لأن ذلك يخرجه إلى مباينة غيره من المناهج في الطول, فيعدل بوضع الكتاب إلى ضد ما قصدنا به من المناسبة والمعادلة. فلذلك اقتصرت في هذا المنهج من النظر في صحة المعاني على ما يقع فيها من إحالة, من جهة نسبة وصف إلى موصوف, ومن جهة تناقض واقع بين متقابلين, أو من جهة تدافع بين المعاني وأغراض الكلام, أو من جهة تباين بين الأوصاف وأحوال الموصوفين. ٥- إضاءة: وكذلك اقتصرت أيضاً من النظر في كمال المعاني على الإشارة على بعض جهات الكمال فيها لأن الكمال أيضاً يكون بالنظر إلى ما المعنى عليه في نفسه, ويكون بالنظر على ما يكتنفه وتكون له به علقة, ويكون بالنظر إلى غرض الكلام, ويكون بالنظر إلى حال الشيء الذي فيه القول. ٦- تنوير: وكمال المعنى في نفسه يكون باعتبار استيفاء أجزائه البسيطة, أو استيفاء أجزائه المركبة, لأن المعاني منها ما ينحل إلى أجزاء مركبة, ومنها ما لا ينحل إلا إلى أجزاء بسيطة. وقد تقدم أن أجزاء المعاني قد يكون جميعها متعددا, وقد يتعدد بعضها دون بعض, وأنها قد تتكرر لضروب من المقاصد. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون ضروريا بالنظر إلى صحة المعنى وكمال تأديته أو أكيدا فيه أو مستحبا. ٧- إضاءة: وإذا وقع التعداد في المعاني وكان ضروريا بالنسبة على الغرض واستمر في العبارة على نسق متشابه سمي قسمة. وقد يسمى بذلك ما كان متأكدا أو مستحبا, وإن لم يكون ضروريا, على سبيل المسامحة. وأما ما سوى ذلك من أنحاء النظر في كمال المعنى فقد تضمنت التنبيه عليه مواضع كثيرة من هذا الكتاب, فليتأمل هنالك. ٨- تنوير: وتمكن المعنى أيضاً يكون بنحو من تلك الاعتبارات, ولم نلمم في هذا الموضع إلا بما يكون التمكن فيه بالنظر إلى ما يواجه به المعنى ويرام التوفيق في الوضع بينهما من جهة ما لأحدهما انتساب إلى الآخر يقتضي المقارنة بينهما, وما عدا ذلك من أنحاء التمكن يتعرف من مواضع أخر من هذا الكتاب. ٩- إضاءة: فأما وضوح المعاني وبيانها وغموضها واستغلاقها فأنا أستقصي في هذا المنهج أنحاء النظر في الوجوه التي بها يكون بيان المعنى أو انبهامه من جهة ما يرجع إليه في نفسه, ومن جهة نسبة اللفظ الدال عليه إلى فهم المخاطب, وإن كان ذكر هذا أليق بالقسم الأول. لكنا قصدنا في هذا المنهج أن يكون القول في جميع ما يكون به انبهام المعاني مستقصى, وأن نتقصى أنحاء النظر من ذلك فيما تقدم الإلماع به من ذلك في المنهج الثالث من القسم الأول. ب- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في صحة المعاني وسلامتها من الاستحالة الواقعة بالإفراط في المبالغة. لا يخلو الشيء المقصود مدحه أو ذمه من أن يوصف بما يكون فيه واجبا أو ممكنا أو ممتنعا أو مستحيلا. والوصف بالمستحيل أفحش ما يمكن أن يقع فيه جاهل أو غالط في هذه الصناعة. والممتنع قد يقع في الكلام إلا أن ذلك لا يستساغ إلا على جهة من المجاز. والفرق بين الممتنع والمستحيل: أن المستحيل هو الذي لا يمكن وقوعه ولا تصوره, مثل أن يكون شيء طالعا نازلا في حال. والممتنع هو الذي يتصور وإن لم يقع كتركيب عضو من حيوان على جسد من حيوان آخر. ١- إضاءة: فمدار الأوصاف إذن -بالنظر إلى ما يستساغ ويوثر- إنما هو على ما كان واجبا واقعا, أو ممكنا معتاد الوقوع, أو مقدره. والممكن لا يخلو من أن تتوفر فيه دواعي الإمكان أو أن تقل. وكلما توفرت دواعي الإمكان كان الوصف أوقع في النفس وأدخل في حيز الصحة. ولهذا يقال: ممكن قريب وممكن بعيد. ٢- تنوير: والواجب الثابت الوقوع لا يخلو من أن يكون متناهيا في الخال التي هو عليها, أو قاصرا فيها, أو وسطا بين المتناهي والقاصر. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون الوصف به تحسينا للموصوف ومدحا له, أو تقبيحا له وذما. والمدح بالقاصر مما يحسن تقصير في المدح. والذم بالقاصر مما يقبح تقصير في الذم.

стр. 44

٣- إضاءة: فبهذا الترتيب يتبين ما يصح ويحسن من المبالغة, وما لا يصح منها ولا يحسن. فإن العلماء بصناعة البلاغة متفقون على أن ما أدى إلى الإحالة قبيح. وقد خالف في هذا جماعة ممن لا تحقيق عنده في هذه الصناعة ولا بصيرة له بها, فاستحسنوا من المبالغة ما خرج عن حد الحقيقة إلى حيز الاستحالة, واحتجوا بمطالبة النابغة حسان بن ثابت بالمبالغة في أوصافه حين أنشده قوله: (الطويل -ق- المتدارك) لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فقال له: "قللت جفانك وسيوفك, ولو قلت الجفان والسيوف لكان أبلغ". والبصراء بصناعة البلاغة العارفون بما يجب فيها يقولون: إنما طالب النابغة حسانا بمبالغة حقيقة, وهي تكثير الجفان والسيوف. فاستدرك عليه التقصير عما يمكن فيما وصف, ولم يطالبه بتجاوز غاية الممكن والخروج إلى ما يستحيل. ٤- تنوير: وقد يستساغ الوصف بما يؤدي إلى الإحالة حيث يقصد التهكم بالشيء أو الزراية عليه والإضحاك به. كقول الطرماح: (الطويل -ق- المتدارك) ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت فهذا وأشباهه إنما استعمل على جهة الزراية والإضحاك. فهو مقصود به غرض ما, يسوغ دونه. ٥- إضاءة: وإنما جرى الغلط على كثير من الناس في هذا حيث لم يفرقوا بين الوصف الذي لا يخرج عن حد الإمكان وإن لم يثبت وقوعه, وبين الخارج إلى حيز الاستحالة. وغلطتهم في ذلك أبيات وقعت فيها مبالغات خفيت عليهم فيها جهات الإمكان, فظنوا أنها من الممتنعة أو المستحيلة. ومثل ذلك من المبالغات التي يمكن أن تتصور لها حقيقة وأن تصرف إلى جهة الإمكان, وإن كان مما يستندر وقوع مثله قول المتنبي: (الطويل -ق- المتدارك) وأنى اهتدى هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل ومن أي ماء كان يسقي جياده ... ولم تصف من مزج الدماء المناهل فهذا مستساغ مقبول من حيث يمكن أن تتصور له حقيقة وإن لم تكن واقعة, إذ كانت كثرة الجيوش لا حد لها. ومتى قدرت الزيادة في مقدار منها وإن كثر أمكنت. فجائز أن يغزو أرض قوم من الجيوش ما يصير حزنها سهلا وخيارها وعثا حتى يصير صخرها رهجا وترابها إهبا, فيثور نقعها بأقل حركة أو نفس فلا تسكن القساطل فيها مدة. فأراد المبالغة في جيش ممدوحه فجعله بالغا إلى هذا المقدار. وكذلك سفك الدماء ليس له حد ينتهى إليه. ومتى قدرت الزيادة في مقدار منه أمكنت, فجائز في حق ممدوحه أن يريق من دماء أعدائه ما تكدر منه المياه مدة. فأراد المبالغة في ما أراق هذا الممدوح من دماء الروم, فجعله بالغا إلى ذلك المقدار. ولا يلزم أبا الطيب أن يكون صادقا في ذلك, لأن صناعة الشعر لها أن تستعمل الكذب إلا أنها لا تتعدى الممكن من ذلك أو الممتنع إلى المستحيل, وإن كان الممتنع فيها أيضاً دون الممكن في حسن الموقع من النفوس. ٦- تنوير: فأما مثل قول أبي الطيب في وصف الأسد: (الكامل -ق- المترادف) سبق التقاءكه بوثبة هاجم ... لو لم تصادفه لجازك ميلا فقبيح, غذ لا يمكن في جرم الأسد وقوته من الزيادة ما أمكن في الجيوش والدماء. وبهذا الاعتبار يتبين لك ما يحسن من المبالغة وما لا يحسن وما يسوغ منها وما لا يسوغ. فمن اعتمده حمده إن شاء الله. ج- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في صحة المعاني وسلامتها من الاستحالة الواقعة بفساد التقابل. وجهات التقابل أربعة: ١- جهة الإضافة وهي أن تكون نسبة شيء إلى شيء آخر مخالفة لنسبة ذلك الشيء إليه, مثل الضعف للعشرة بالقياس على نصفها, والأب إلى ابنه, والمولى إلى عبده. ٢- وجهة التضاد كالأبيض والأسود. ٣- وجهة الغنية والعدم كالأعمى والبصير. ٤- وجهة السلب والإيجاب نحو زيد جالس, زيد ليس بجالس. فالجمع بين متقابلين من هذه الأربعة من جهة واحدة تناقض.

стр. 45

١- إضاءة: فإن تقابل المعنيان من جهتين, لم يكن ذلك تناقضا مثل أن يقال إن العشرة ضعف ونصف, لكنها ضعف الخمسة ونصف العشرين. ولو قيل إنها نصف العشرين وضعفها كان محالا. وكذلك قول القائل: زيد بصير القلب أعمى العين صحيح. ولو قيل إنه أعمى العين بصيرها كان محالا. وكذلك في التضاد يصح أن يقال في الفاتر إنه حار عند البارد وبارد عند الحار, ولا يكون حارا باردا عند أحدهما. وكذلك في السلب والإيجاب نحو زيد كريم بالمال, زيد ليس كريما بالجاه, فهذا صحيح. ولا يصح أن يكون كريما بأحدهما غير كريم به في حال واحدة. ٢- تنوير: فضروب التقابل الأربعة إنما يصح منها ما لم يتواف المتقابلان فيه من جهة واحدة, ولكن نيط هذا بجهة وهذا بجهة. فمن الكلام الذي انصرف فيه أحد المتقابلين بالسلب والإيحاب إلى غير الجهة التي انصرف إليها الآخر, فكان ذلك صحيحا سالما من التناقض, قول ابن الرومي: (الطويل -ق- المترادف) وليسوا بأجذال الطعان ذوى القنا ... ولكنهم بالحزم والرأي أجذال ولم يخلقوا أبطال بأس ونجدة ... ولكنهم بالرفق واللين أبطال فجعلهم أبطالا من جهة وغير أبطال من جهة، وأجذالا من وجه وغير أجذال من وجه. ٣- إضاءة: وربما تسامح بعضهم في أني يورد معنى في بيت ثم يأتي في بيت آخر بمعنى يقابله على أحد الأنحاء المتقدمة منه التقابل ويجمع بينهما من جهة واحدة، وذلك إذا كان البيت منقطعا عن البيت فيجري البيتين إذا كان كلاهما مستقلا بنفسه مجرى قصيدتين، فكما جاز للشاعر أ، ينقص في قصيدة ما قال في قصيدة أخرى كذلك يجوز له في البيتين المتميز أحدهما عن الآخر. فأما إذا كان معنى البيت الواحد متعلقا بمعنى البيت الآخر، فإن الجمع بين المتقابلين فيهما من جهة واحدة غير سائغ. وإنما يجوز ذلك مع عدم الاتصال. وترك التناقض على كل حال أحسن. وقد قال أبو عثمان الجاحظ: "إن الناس يغلطون على العرب ويزعمون أنهم يمدحون بالشيء الذي يهجون به. وهذا باطل، ليس شيء إلا وله وجهان وطريقان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين. وإذا ذموا ذكروا أقبحهما". وقال الخفاجي تلميذ أبي العلاء: "إنهم على ذلك يتصرف قولهم. فإن أبا تمام لما وصف يوم لا فراق بالطول فقال: (الكامل -ق- المترادف) يوم الفراق، لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلدا ولا معقولا علل طوله بما لقي فيه من الوجد لرحيل أحبابه عنه. وأبو عبادة البحتري لما وصفه بالقصر فقال: (الكامل -ق- المترادف) ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل قصرت مسافته على متزود ... منه لدهر صبابة وعويل فهما وإن خالف كلاهما صاحبه فقد ذكرا لما ذهبا إليه وجوها يصح عليها الكلام". ٤- تنوير: فمما حمل على التناقض من أقاويل الشعراء قول عبد الرحمن بن عبد الله القس: (الطويل -ق- المتدارك) أرى هجرها والقتل مثلبين فاقصروا ... ملامكم، والقتل أعفى وأيسر ومما حمله بعض البلغاء على التناقض، وأوله بعضهم على وجه من الصحة قول زياد الأعجم: (الطويل -ق- المتدارك) تراه إذا أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم قال ألو الفرج قدامة: "تناقض من حيث أوجب الكلام للكلب، ثم أعدمه إياه بقوله وهو أعجم". وقال الخفاجي: "ليس الأعجم هو الذي عدم الكلام جملة كالأخرس، وإنما هو الذي يتكلم بعجمة. وإذا قيل فلان يتكلم وهو أعجم لم يكن متناقضا". انتهى كلام الخفاجي. والبيت محتمل وجها آخر من التأويل يصح عليه. وهو أنه قد يعنى بالكلام ما يفهم من إشارة من لا يستطيع النطق وحركاته وشمائله حيث يقصد بذلك إفهام ما في نفسه. وما أبدع قول ابن دراج عندما ذكر وداع امرأته وما ظهر من الشجو في ألحاظ بنيه الصغير، لما أبصر من حالهما عند ذلك فتبين ذلك في عينيه: (الطويل -ق- المترادف) عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير ٥- إضاءة: وذهب أبو الفرج قدامة إلى تناقض قول أبي لنواس: (الطويل -ق- المترادف) كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب في سواد عذار تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفري ليل عن بياض نهار

стр. 46

وقال: "إنه وصف الحباب في البيت الأول بالبياض حين شبهها بالشيب ووصف الخمر بالسواد حين شبهها بسواد العذار، ثم وصف الحباب في البيت الثاني بالسواد حين شببه بتفري الليل ثم وصف الخمر بالبياض حين قال عن بياض نهار، وكون كل واحد من الحباب والخمر أسود أبيض مستحيل". وقد سأل أبو الفرج نفسه فقال: "إن قيل إنه لم يصف الحباب في البيت الثاني بالسواد وإنما شبهه بالليل في تفريه وانسحاره عن النهار دون انفس اللون". وأجاب عن هذا: "بأن أبا نواس قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط لقوله عن بياض نهار". وقد يحتمل قول أبي نواس وجوها من التأويل لا يكون معها فيه تناقض. فمن ذلك أن يكون أراد أن يشبه سواد الخمر بالليل والحباب بالنجوم، فلم يتسع له الكلام لهذا التشبيه، فلوح له في البيت الثاني تلويحا لطيفا بقوله: "تفري ليل عن بياض نهار" حيث كانت النجوم في ضمن الليل تفري الليل ونجومه عن بياض النهار. فالضمير في قوله انفرى راجع إلى ما تردت به الخمر من لون السواد المشبه تفريه بتفري الليل، ولو كان لاضمين في قوله انفرى راجعا على الحباب لكان أليق بكلام أبي نواس في هذه القصيدة أن يقول تحلت به فيجعل الحباب حليا لها على ما جرت عليه عادة الشعراء - فإنا لا نعلم أحدا جعل الحباب رداء- والمشبه ببياض النهار بياض الماء الممزوج بالخمر، شبه تفري سواد الخمر عن بياض الماء الذي جلاه إذ مزج به بتفري الليل عن بياض النهار. وقد يمكن أن يكون في هذا التشبيه غشارة إلى تشبيه الحباب بالنجوم ولم يذكرها لأنها في ضمن الليل وتابعة له في انحساره. وقد يمكن أن يكون الضمير في انفرى راجعا إلى الحباب ويكون قوله تفري ليل في قوة تفري نجوم ليل أو يكون قد اكتفى بذكر الليل لأن النجوم في ضمنه. ٦- تنوير: وليس لقائل أن ينفصل عما ألزمه الفرج قدامة من أن أبا نواس أراد بالبياض نفس اللون بأن يقول: لعله لم يرد بقوله بياض نهار حقيقة اللون، ولكنه استعمله على حد قولهم أقمنا بمكان كذا بياض نهار وأديم ليل، لأن قول القائل أقمنا أديم ليل وبياض نهار معناه أقمنا يوما من أوله إلى آخره وليلة من أولها إلى آخرها. وقد يقال أيضاً أقمت بها أديم يوم كما قال بشر ابن أبي خازم: (الوافر -ق- المترادف) وباتت ليلة وأديم يوم ... على الممهى، يجز لها الثغام فالمراد في مثل هذا الاستعمال ببياض يوم مخالف للمراد به في قول أبي نواس، إذا لا يمكن أن يريد تفري ليل عن نهار من أوله إلى آخره. فبياض النهار إذن على ما ألزمه أبو الفرج، ومعنى الشعر على ما تأولناه لا على ما تأوله، إذ المعنى الذي قلناه صحيح والعبارة قابلة له على ما فيها من الاختصار الذي كاد أن يخل بالمقصود. وكلما أمكن حمل بعض كلام هذه الحلبة المجلية من الشعراء على وجه من الصحة كان ذلك أولى من حمله على الإحالة والاختلال لأنهم من ثبت ثقوب أذهالهم وذكاء أفكارهم واستبحارهم في علوم اللسان وبلوغهم من المعرفة به الغاية القصوى. وقد قال الخليل بن أحمد: "الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا. ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومن تصريف اللفظ وتعقيده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته واستخراج ما كلت الألسن عن وسفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه. فيقربون البعيد ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة لاحق والحق في صورة الباطل". فلأجل ما أشار إليه الخليل, ﵀, من بعد غايات الشعراء وامتداد آمادهم في معرفة الكلام واتساع مجالهم في جميع ذلك, يحتاج أن يحتال في تخريج كلامهم على وجوه من الصحة, فإنهم قل ما يخفى عليهم ما يظهر لغيرهم, فليسوا يقولون شيئا إلا وله وجه, فلذلك يجب تأول كلامهم على الصحة والتوقف عن تخطئتهم فيما ليس يلوح له وجه.

стр. 47

وليس ينبغي أن يعترض عليهم في أقاويلهم إلا من تزاحم رتبته في حسن تأليف الكلام وإبداع النظام رتبتهم. فإنما يكون مقدار فضل التأليف على قدر فضل الطبع والمعرفة بالكلام. وليس كل من يدعي المعرفة باللسان عارفا به في الحقيقة. فإن العارف بالأعراض اللاحقة للكلام التي ليست مقصودة فيه من حيث يحتاج إلى تحسين مسموعه أو مفهومه ليس له معرفة بالكلام على الحقيقة البتة وإنما يعرفه العلماء بكل ما هو مقصود فيه من جهة لفظ أو معنى. وهؤلاء هم البلغاء الذين أصلوه. فمن جعل ذلك هدي سبيله, ومن اعتمده أحمده. د- معرف دال على طرق المعرفة بما يوضع من المعاني وضع غيره من حيث تكون واجبة أو ممكنة أو ممتنعة, وما لا يجوز أن يوضع وضع غيره من ذلك. أما طرق الجد وما لم يقصد المتكلم به مشاجرة ولا مغالبة فلا يوضع فيها واجب وضع ممتنع, ولا الممتنع وضع الواجب, ولا ممكن وضع ممتنع, ولا واجب وضع ممكن, وإنما يوضع الممكن وضع الواجب, ويجوز أن يوضع الممتنع وضع الجائز إذا كان المقصود بذلك ضربا من المبالغة. ١- إضاءة: فأما طرق الهزل وما يقصد به الإضحاك أو التهكم فإن المعنى قد يوضع في ما وضع جميع ما يخالفه من الجهات المذكورة. وكذلك في الأقاويل التي يقصد بها المشاجرة والمكابرة لأن مواطن الهزل والضجرة تحتمل من قلة المبالاة بحقائق الكلام ما لا تحتمله مواطن الجد والاعتدال. ٢- تنوير: ولا يجوز وضع شيء من الواجبات أو الممكنات وضع المستحيل, ولا أن يوضع المستحيل وضع شيء من ذلك في موطن جد ولا في موطن هزل ولا في حال اعتدال ولا تحرج. وقد تقدم أن الفرق بين الممتنع والمستحيل هو أن المستحيل لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشيء أسود أبيض وطالعا نازلا في حال واحدة. والممتنع هو ما يمكن تصوره في الوهم وإن لم يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء نوع من الحيوان على جسد نوع آخر. ٣- إضاءة: وقد تكلم الخفاجي في هذا, وأغفل التفرقة بين الأقاويل التي ترد على الأنحاء المتقدمة من جهة ما تقع فيه من المواطن والأحوال, وبين ما يسوغ من ذلك في حال دون حال وموطن دون آخر, وتكلم في ما يسوغ في جميع ذلك ويجوز من جهة ما ينحى بالأقاويل نحوه من مبالغة أو اقتصاد. فأجاز أن يوضع الممتنع وضع الجائز إذا كان في ذلك ضرب من الغلو والمبالغة وهو كما قال, ومنع أن يوضع الجائز وضع الممتنع على كل حال. والصحيح أن ذلك يقع حيث تقصد المبالغة. وربما وضع الجائز وضع الممتنع حيث تقل دواعي الإمكان في جوازه ويكون القصد بذلك ضربا من المبالغة. ٤- تنوير: فأما إذا لم تقصد مبالغة ولا مغالبة فلا يوضع جائز وضع ممتنع ولا ممتنع وضع جائز. ومن أمثلة ذلك فيما لم تقصد فيه مبالغة قول بعضهم: (الطويل -ق- المتدارك) فإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر فبنى على أن مرارة العود أكثر ما تكون عن اليبوسة وأنها في الأخضر على سبيل القلة, والأمر بخلاف ذلك لأن وجود المرارة مع الخضرة هو الأكثر, فكأنه وضع الواجب في الأكثر موضع الجائز في الأقل. وهذا غلط مستقبح في المعاني مؤد إلى انعكاس حقائق المقاصد, فليتحفظ من مثله, فإنه خارج عن جملة ما استسغناه بحسب المواطن والأحوال والمطامح الإفراطية التي من شأن الشعراء أن ينحرفوا بالمعاني التي وقع فيها وبحسبها عن الحقائق التي يجب في نسبها وفي انتساب بعض مفهوماتها على بعض انحرفا ما لضروب من المقاصد ليس منها موجودا في هذا البيت. هـ- معلم دال على طرق العلم بالوجوه التي بها يقع التدافع بين بعض المعاني وبعض .

стр. 48

كل قول قصد به محاكاة شيء ونحي بذلك منحى من الأغراض فإنه يجب ألا يتعرض فيه إلى ما هو أليق بمضاد الشيء المحاكى به وأخص به أو أخص بمناسب مضاده, وألا يتعرض في تخييل حال الشيء المحاكى به إلى ما هو أخص بحال مضاد ذلك الشيء أو مناسب مضاده, وألا يتعرض في القول وما دل عليه إلى ما هو أخص بمضاد الغرض الذي نحي به منحاه أو إلى ما هو أخص بمناسب مضاد ذلك الغرض, وألا يتعرض فيه إلى لفظ له عرف فيما يضاد المعنى الذي دل عليه أو الغرض الذي نحي به منحاه أو الشيء الذي قصدت به محاكاته ولا إلى ما يناسب مضادات جميع ذلك, فإن التعرض في القول لما يضاد معناه مدلوله وغرضه, أو إلى ما يناسب تلك المضادات, أو إلى ما له عرف في شيء من ذلك, ضروب من التدافع. ١- إضاءة: وأكثر ما يقع التعرض في أحد المتضادين إلى ذكر ما هو أليق بالآخر وأخص به إذا كان للمتعرض له علقة بما هو خارج عن غرض القول مما سوى ذلك من أغراض المتكلم أو الموصوف أو المخاطبين, فألم به لأجل تلك العلقة وسها عن كونه قادحا في غرض القول أو فيما يرجع على حال الشيء المحاكي, أو تسومح في ذلك القدر من القدح اختيارا, أو لز على المسامحة فيه اضطرار. ٢- تنوير: فالجهات التي يجب فيها أن يتوقى في الشيء ما هو أخص بمضاده وما جرى مجراها هي جهات التضاد والتخالف في الأفعال والانفعالات والهيئات والأحوال والتمييزات وأغراض الكلام المترامية على أنحاء هذه الأشياء نحو التهنئة والتعزية والمديح والهجاء. ٣- إضاءة: فمن المعاني التي قصد فيها الذم فأورد في العبارة عنها ما هو أليق بالمدح قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك) بأي رشاء يا جرير وماتح ... تدليت من هامات تلك القماقم فقال له جرير: "جعلتني أتدلى على قومك". ومن الأبيات التي وقع فيها سوء أدب حيث يجب حسن الأدب قول جرير: (الرجز -ق- المترادف) يا بشر حق لوجهك التبشير ... هلا غضبت لنا وأنت أمير قد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سب جرير فقال بشر: ما وجد ابن اللخناء رسولا غيري!؟. ٤- تنوير: ومن ذلك أن تأتي العبارة في صورة ما يضاد الغرض, نحو ما حكي من أن بعض الشعراء أنشد الداعي في يوم المهرجان: (الرجز -ق- المتواتر) تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي, ويوم المهرجان فأمر بضربه خمسين عصا وقال: "هذا أبلغ في إصلاح أدبه". ومن ذلك استفتاح أبي نواس قصدته التي هنى فيها الفضل بن يحي ابن خالد بدار ابتناها فقال: (الطويل -ق- المترادف) أربع البلى إن الخشوع لباد عليك وإني لم أخنك ودادي فتطير الفضل من ابتدائه, فلما ختم القصيدة بقوله: سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد استحكمت كراهته لما سمع. فما مر أسبوع حتى نكب بنو برمك. وحكي أن البحتري أنشد محمدا بن يوسف أو غيره من أمراء الثغور: (الطويل -ق- المتدارك) لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره فقال له الممدوح: "بل لك الويل والحرب". على أن هذا البيت روى بالهاء بدل الكاف في قوله لك وهي أشبه من الرواية الأخرى. وقد أنكر عبد الملك على جرير ما هو دون هذا حين أنشده: (الوافر -ق- المترادف) "أتصحو أم فؤادك غير صاح"؟ . فقال له الملك: "بل فؤادك". ٥- إضاءة: وقد تكون للعبارة دلالة على أمر مكروه خارج عما جيء بها للدلالة عليه, إما باشتراك وقع في اللفظ, أو بعرف واستعمال حدث فيه ولو للعامة. فيجب أن يتحفظ من ذلك حيث تتهيأ تلك العبارة بنفسها أو مع ما يكتنف بها لأن يفهم منها بحسب الاشتراك الواقع فيها أو بحسب العرف والاستعمال أمر قبيح في حق ممدوح أو مندوب أو منسوب به أو نحو ذلك مما يكره في حقه القبح. ومن ذلك قول الصاحب في عضد الدولة: (الطويل -ق- المتدارك) ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب فقال عضد الدولة: " يقي الله! ". ومما أكد القبح في هذه اللفظة التي هي قوله تغلب وقوعها قافية, فإنها مقطع الكلام وموضع تخلي السامع وتفرغه لتفقد ما مر على سمعه مما وقع فيها. فالسمع أقرب عهدا به, وهو أشد ارتساما فيه. ولو وردت اللفظة التي أنكرها عضد الدولة في أثناء البيت لكان الأمر فيها أسهل.

стр. 49

٦- تنوير: ومما يجب التحفظ منه في المواضع التي يجب فيها التباعد عن الفحش وعن كل ما يتطرق به إليه وصون الكلام من جميع ما يكون فيه إذ كان بأمر الريب والرفث, التعرض إلى الأشياء التي يفهم منها ذلك, ولو بعرف عامي أو استعمال لأهل الهزل. ومما يندرج في هذه الجملة قول المتنبي في أم سيف الدولة: (الوافر -ق-المترادف) رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال فلفظة مسبطر بعد قوله للمرأة فوقك قبيحة, ولاسيما بعد أن استعملها ابن حجاج حيث استعملها وعرف ذلك من قوله. ونحو منه قول مروان ابن أبي حفصة في زبيدة بنت جعفر: (البسيط -ق- المتراكب) يهزها كل عرق من أرومتها ... يزداد طيبا إذا الأعراق لم تطب فلفظة عرق بعد قوله يهزها قبيحة بالنظر على ما هو متعارف عند العامة. وقد كان بعض الشيوخ الذين أخذت عنهم هذه الصناعة يوصي باجتناب الألفاظ التي يفهم منها على حدتها أو مع ما يكتنفها معنى قبيح ولو بالعرف العامي. ٧- إضاءة: وإذا كان في اللفظة عرف في طريق من الطرق الشعرية فالواجب ألا تستعمل في مضاد ذلك الطريق, وذلك كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف) يا أبا جعفر جعلت فداكا ... بز حسن الوجوه حسن قفاكا فالقفا ليس يليق غلا بطريقة الذم. وكذلك الأخدع والقذال. فاستعمال هذه الألفاظ في المدح مكروه. ٨- تنوير: ومن وضع الشيء موضع الشيء موضع ما يضاده ما وقع لكثير من تمني البؤس حيث يجب تمني النعيم في قوله: (الطويل -ق- المتدارك) وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان, وأني مصعب ثم نهرب كلانا به فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا, فلا ننفك نرمى ونضرب فقالت له عزة: "لقد أردت بنا الشقاء! أما وجدت أمنية أوطأ من هذه! ؟ ". ومن أقبح المتمنى وأسوإ المذاهب في ذلك ما ورد في قصيدة أبي صخر في الفصل الذي أوله: "تمنيت من حبي علية, وهو مذكور في أمالي أبي علي وغيرها, فلا وغيرها, فلا معنى للإطالة بإيرادها. ٩- إضاءة: فكل هذه الأشياء, التي نبهنا عليها بهذا المعلم, من وضع ما لا يليق موضع ما يليق. وهو وضع غير مؤثر. وإنما الوضع المؤثر وضع الشيء الوضع اللائق به, وذلك يكون بالتوافق بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يجانسه ويناسبه ويلائمه من ذلك. والوضع الذي لا يؤثر يكون بالتباين بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يناقضه ويدافعه وينافره. ولهذه الجملة تفاصيل قد وقعت الإشارة إليها في مواضع كثيرة من هذا الكتاب فليتأمل ذلك في مظان ذكره, وبالله التوفيق. و- معرف دال على طرق المعرفة بما تكون عليه المعاني من كمال أو نقص. فأما الكمال في المعاني فباستيفاء أقسامها واستقصاء متمماتها وانتظام العبارات جميع أركانها حتى لا يخل من أركانها بركن ولا يغفل من أقسامها قسم ولا يتداخل بعض الأقسام على بعض. ١- إضاءة: وقد تقدم الإلماع بطرف من ذكر المتممات. ونحن نذكر في هذا الموضع كيف تقع المعاني كاملة باستيفاء أقسامها وانتظام العبارات جميع أركانها ومتمماتها حتى لا يقع فيها نقص ولا تداخل. فمن المعاني التي وردت القسمة فيه تامة صحيحة قول نصيب: (الطويل -ق- المترادف) فقال فريق لا, وقال فريقهم نعم ... وفريق قال ويحك ما ندري ومن المعاني التي وقع التقسيم فيها تاما صحيحا قول الشماخ: (الطويل -ق- المتدارك) متى ما تقع أرساغة مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج لأن الحجر إن كان رخوا ارفض, وإن كان صلبا تدحرج. وليس لقائل أن يقول: إنه غادر قسما ثالثا, وهو أن تكون الأرض رخوة فيسوخ الحجر فيها, فإن الأرض إذا كانت بهذه الصفة لم يقع الحافر عليها وقوع اطمئنان واعتماد, فبقوله مطمئنة صحت القسمة وكملت. ومن المعاني التي قسمت أتم تقسيم على جهة من التدريج والترتيب قول زهير: (البسيط -ق- المتراكب) يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا

стр. 50

ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم: "فلم تخل فيما بدأتني به من مجد تأثلته, أو شكر تعجلته, أو أجر ادخرته, أو متجر اتجرته, أو من أن تكون جمعت ذلك كله". ٢- تنوير: ومما انتظمت فيه العبارة جميع أركان المعنى واستوفت غايات المقصد قو الشاعر: (الطويل -ق- المتدارك) أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه, عاذوا بالسيوف القواضب فاستوفى ركني المعنى بقوله: يقبل الحق منهم ويعطوه, فتم المعنى وكمل. ومما ورد المعنى فيه مستوفى من جميع أركانه متمما من جميع جهاته قول ابن الرومي: (البسيط -ق- المتراكب) عفى كلوم زماني ثم قلمه ... عني فأحفاه, ثم اقتص ما اجترحا فلم يغادر ركنا من أركان المعنى إلا ذكره, فتم المعنى وجاء في نهاية البلاغة. ٣- إضاءة: ومن المعاني التي وقعت قسمتها ناقصة قول جرير: (البسيط -ق- المترادف) صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها فهذه قسمة ناقصة لأنه أخل بالقسم الثالث. وقيل: إن بعض بني حنيفة سئل: من أي الأثلاث هو من بيت جرير؟ ! فقال: من الثلث الملغى. ومما نقصت قسمته من المعاني بتداخل قسم على قسم قول أبي تمام: (الكامل -ق- المترادف) قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا فتداخلت القسمة لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماهير أهل اللغة. ومما تداخلت قسمته أيضاً من المعاني قول الآخر: (المتقارب -ق- المتدارك) أبادر إهلاك مستهللك ... لما لي أو عبث العابث فأما قول هذيل الأشجعي: (الطويل -ق- المتدارك) فما برحت ترمي إليه بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل فيحتمل أن يكون من القسمة المتداخلة لن الإيماء بالطرف والإيماض به سواء. ويحتمل ألا يكون في الكلام تداخل بأن يريد بقوله تومض تبتسم, وهذا الوجه أولى بأن يحمل البيت عليه ليسلم الكلام بذلك من الخلل. ز- معلم دال على طرق بوقوع المعاني المتقاربة متمكنة . فمما يمكن المعاني أن توضع مواضعها اللائقة بها المهيأة, وألا توضع موضعا غيرها من المعاني أولى به, وإن كان للمعنى الموضوع أيضاً موقع من ذلك الموضع لأنه مقصر عن موقع غيره من المعاني فيه. ومن طريف ما ورد في ذلك قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك) وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم وقول ابن هرمة: (المتقارب -ق- المترادف) وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقد حي بكفي زنادا شحاحا كتاركة بيضها بالعرا ... وملبسة بيض أخرى جناحا فإن معنى بيت الفرزدق الثاني مناسب لمعنى بيت ابن هرمة الأول, ومعنى بيت ابن هرمة الثاني مناسب لمعنى بيت الفرزدق الأول, حتى لو أن الفرزدق قال: وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم كتاركة بيضها بالعرا ... وملبسة بيض أخرى جناحا لكان قد وضع الكلام موضعه الذي يليق به, وكان المعنى صحيحا متمكنا, ولو أن ابن هرمة قال: وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنادا شحاحا كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم لكان كلامه صحيحا وتشبيهه واقعا موقعه اللائق به. ١- إضاءة: ومن هذا الباب ما روي أن أبا الطيب أنشد سيف الدولة قصيدته التي أولها (الطويل -ق- المتدارك) على قدر أهل العزم تأتي العزائم فلما انتهى على قوله: وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم قال له سيف الدولة: "قد نقدنا عليك يا أبا الطيب ما نقدنا على امرئ القيس في قوله: (الطويل -ق- المترادف) كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فقال له المتنبي: "أيها الأمير, عن البزاز لا يعرف الثوب معرفة الحائك. وإذا صح النقد على امرئ القيس صح علي, وإنما أراد امرؤ القيس أن يقرن ركوب اللذة بركوب اللذة في بيت, وأن يجمع بين الشجاعة والكرم في بيت". فاستحسن سيف الدولة ما قاله, ووصله.

стр. 51

٢- تنوير: والنقد الذي أشار إليه سيف الدولة في بيتي المتنبي وبيتي امرئ القيس هو أن صدر البيت الأول من قول امرئ القيس يقضي ظاهر الكلام أن يوصل بعجز البيت الثاني ويوصل صدر البيت الثاني بعجز الأول, وكذلك يظهر في باديء الرأي أن صدر البيت الأول من قول المتنبي يصلح أن يتمم بعجز البيت الثاني ويتمم صدر الثاني بعجز الأول. فيقال في قول امرئ القيس: كأني لم اركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ويقال في قول أبي الطيب: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم ٣- إضاءة: وقد احتج أبو الطيب لامرئ القيس بما أوردناه وبقي أن نبين وجه الحجة في قول أبي الطيب. فنقول: إن أبا الطيب أراد أن يقرن بين أن الردى لا نجاة منه لواقف وبين أن الممدوح وقف ونجا منه, وبين أن الأبطال ريعت وانهزمت وأن سيف الدولة لم يرع ولم ينهزم, وابتسام الثغر وانبلاج الوجه مما يدل على عدم الروع. ٤- تنوير: وإنما قال: "كأنك في جفن الردى وهو نائم" لأنه جعل الردى في هذا الموضع بصورة الناظر المبصر الذي لا يعيب عنه شيء ولا يخفى عليه مقتلو ولأن السبل إلى المهج واضحة له. فلما نجا الممدوح تعجب في سلامته منه وخفائه عنه مع كونه بالموضع الذي يبصر فيه, فقدر سببا لخفائه عنه النوم الشاغل للأجفان عن رؤية ما دنا منها. وقد يكون عدم التمكن في المعاني من أنحاء أخر قد ذكرت في مواضعها من هذا الكتاب. وإنما نبهت بهذا المعلم على هذا الضرب الواقع في المعاني التي يوضع بعضها بإزاء بعض لنسب تقتضي ذكر المعنى مع ما يناسبه وإيقاعه على جانب ما يليق به. ح- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون من المعاني أصيلا في بابي المدح والذم, وما ليس منها أصيلا في ذلك. لما كان الإنسان في جميع ما يحاوله ويسعى نحوه إنما يلتمس حظوظا يكون فيها صلاح لنفسه أو حظوظا فيها صلاح لبدنه, وكان استقصاء الإنسان مصالح نفسه وابتغاؤه لها من كل وجه لا يصل منه على غيره مضرة ولا ظلم, وكان استقصاؤه حظوظ بدنه وطلبه لها من كل وجه يؤدي إلى ضرر غيره وظلمه -والظلم قبيح فما أدى إليه قبيح- وجب لذلك أن يكون الفضل في القناعة من حظوظ البدن بما لا يؤدي على مزاحمة ذي استحقاق وفي الرغبة في جميع حظوظ النفس. وحظوظ النفس هي التي يكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الباقي, وحظوظ البدن هي التي تكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الفاني, فالفاضل من آثر نعيم نفسه الباقي على نعيم بدنه الفاني, ومن أنصف غيره من ذوي الاستحقاق فيما فيه نعيم بدنه الفاني أو آثره بذلك على نفسه. والإيثار أفضل ليعتاض بذلك ما يكون له سببا على النعيم الباقي كالأجر أو ما يتنزل في توهمه منزلة النعيم الباقي كالذكر الجميل.

стр. 52

١- إضاءة: ولما كان للإنسان كمالات في بدنه تحصل عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها ملكات تصدر عنها أفعال, وكمالات في نفسه تصدر عنها أو تنحو نحوها أفعال وانفعالات, وكمالات في عقله تصدر عنها تمييزات وإدراكات, وكان الإنسان فيما يصدر عن تلك الكمالات وينحو نحوها لا يخلو من أن يروم حظا يوثر به نفسه على بدنه أو بدنه على نفسه أو غيره على نفسه أو نفسه على غيره, وكان المحمود من ذلك إيثار نفسه على بدنه وإيثار غيره على نفسه, والطرفان الآخران مذمومان, وكانت الأفعال المحمودة والمذمومة من جميع ذلك تختلف رتبها في مقدار ما يجب عليها من الحمد والذم بحسب اختلاف الأحوال المطيفة بها -والأحوال المطيفة بالأفعال هي: الزمان, والمكان, وما منه الفعل, وما إليه الفعل, وما عنده الفعل, وما به الفعل, وما من أجله الفعل. فأخذ أبي دؤاد الحق من ابنه وإقادته بحاره الذي قتله يربي على كثير مما يجل من فواضل الكرم ونوافه, وإن كان ذلك نصفة منه, وجود كعب على النمري بالجرع التي آثره بها على نفسه حتى مات عطشا في المكان الذي كانا فيه أعظم أثرا في الكرم من وجود غيره بكل حظ جليل لا تعود به السماحة عليه بمثل ما عادت على كعب.- وجب أن يكون الفعل معتبرا بتلك الأحوال المطيفة. فيكون بالنسبة إلى حال منها محمودا، وبالنسبة إلى حال أخرى مذموما، ويكون بالنسبة إلى بعض تلك الأحوال في أعلى درجات الحمد، وتارة في أدنى الدرجات من ذلك، ووسطا بين الحالين. وكذلك تختلف أيضاً حاله في درجات الذم بحسب اختلاف تلك الأحوال المطيفة. ٢- تنوير: ولما كانت الأشياء الصادرة عن تكل الكمالات والناحية نحوها منها ما للإنسان أني فعله، ومنها ما ليس إليه أن يفعله بل هو مضطر إليه، وكان ما ليس إليه أن يفعله منه ما يدل على وجود ما للإنسان أن يفعله، ومنه ما لا يدل على وجود ذلك له، والذي يدل على وجود ذلك له ولو بتقوية الظن في ذلك منه ما يدل على وجود الأفعال المحمودة، ومنه ما يدل على وجود الأفعال المذمومة، وجب أن تكون الأشياء التي تدل على وجود الأشياء المحمودة قد تستعمل في الحمد، كما أن الأشياء الدالة على وجود الأفعال المذمومة قد تستعمل في الذم وليت بأصلية في ذلك. ٣- إضاءة: وقد يجري مجرى هذه الأشياء، في كونها يحمد بها لدلالتها على ما يحمد، أشياء أخر خارجة عن أوصاف الشيء المحمود، كذكر كرم الأسرة وشرف السلف لكون فضل الأصل يدل على فضيلة الفرع في كثير من الأمر. ٤- تنوير: وأكثر ما تعتمد العرب به في المدح الأفعال التي تتجشم الأنفس فيها الضرر لنفع غيرها ممن له أدنى استحقاق أو حاجة على ذلك. ولهذا قال أبو الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف) لولا المشقة ساد الناس كلهم، ... الجود يفقر، والإقدام قتال ٤- إضاءة: والأمور التي تتجشم فيها النفوس المشقة والضرر لتنفع بذلك غيرها وتريحها: إما أن تكون حقوقا ثابتة قبل المتجشم للمشقة فيها فيكون ذلك منه نصفة وعدلا، وإما أن تكون غير واجبة قبله بل يسمح بها تبرعا ويتفضل بها إيثارا فيكون ذلك منه نافلة وفضلا. وأحسن المدح ما كان بهذا الصنف من الأفعال. ٦- تنوير: وقد فرق الناس بين ما يكون المدح أو الذم حقيقيا، وما ليس بحقيقي من ذلك. وقسموا الفضائل التي يكون بها المدح الحقيقي إلى أربع خلال على ما أنا في ذكره. فمن ذلك قول أبي الفرج قدامة، وقد سبقه القدماء إلى هذه القسمة قال: "لما كانت فضائل الناس، من حيث هم ناس -لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان- على ما عليه أهل الألباب، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا وبما سواها مخطئا. وقد قال زهير: (الطويل -ق- المتدارك) أخي ثقة لا تتلف الخمر ما له ... ولكنه قد يتلف المال نائل لأنه قد وصفه بالعفة وبقلة إمعانه في اللذات وبأنه لا ينفذ فيها ماله وبإهلاكه ما له في البذل وانحرافه إلى ذلك عن اللذات وذلك هو العدل، ثم قال: تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله أراد أن فرحه بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه بأن جعله يهش ولا يحلقه مضض ولا تكره لفعله ثم قال:

стр. 53

ومن مثل حسن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يحاوله فأتي في هذا البيت بالوصف من جهة العقل والشجاعة، فاستوفى ضروب الممادح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة. وزاد ما هو وإن كان داخلا في الأربعة فكثير من الناس لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة، فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا. وقد يتفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكل داخل في جملتها، مثل أن يذكروا ثقافة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والصدع بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وهي من أقسام العقل، وكذكركم القناعة وقلة الشره وطهارة الإزار وغير ذلك وهي من أقسام العفة، وكذكركم الحماية والأخذ بالثأر والدفاع عن الجار والنكاية في العدو وقتل الأقران والمهابة والسر في المهامة والقفار الموحشة وما شاكل ذلك وهي من أقسام الشجاعة، وكذكركم السماحة والتغابن والانظلام والتبرع بالنائل والإجابة للسائل وقرى الأضياف وما جانس هذه الأشياء وهي من أقسام العدل. فأما تركيب بعضها مع بعض فيحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالوعود، وعن تركيب العقل مع السخاء البر والإنجاز للموعد وما أشبه ذلك، وعن تركيب العقل والعفة التنزه والرغبة عن المساوي والاقتصار على أدنى معيشة وما أشبه ذلك، وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف والإخلاف وما جانس ذلك، وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش والغيرة على الحرم، وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالقوت والإيثار على النفس وما أشبه ذلك". قال: "وكل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين". ٧- إضاءة: وإذ قد حكينا كلام أبي الفرج قدامة فلنتبع ذلك بإشارة إلى بيان قوله: "إن كل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين". فأقول: إن الفعل العائد بمنفعة ما إنما يحمد ما لم يعد الإفراط فيه بمضرة وما لم يكن من القلة والتقصير بحيث لا يغني، فإذا وقع وسطا بين هذين الطرفين كان محمودا، ولذلك قال ﵊: "خير الأمور أوساطها". ألا ترى أن الكرم إذا أفرط عد سرفا وتبذيرا، والإقدام إذا أفرط فهجم بصاحبه على المتالف في كل حين وموطن عد ذلك تهورا وهوجا، وإذا وقع التقصير عن الإقدام والبذل بالجملة أو وقع من ذلك ما لا اعتداد به عد ذلك بخلا وجبنا. وقد تكون قلة الشيء بحيث لا يوجب عليه حمدا ولا ذما. ٨- تنوير: وجميع تلك الأفعال ونقائصها إنما تعد فضائل أو رذائل فيستوجب عليها الثناء عليها الثناء المطلق أو الذم المطلق، ويعتقد في صاحبها أنه خير أو شرير، إذا حصلت له فيها ملكة وصارت له عادة لا يفارقها إلى ما ناقضها. فإن وقع الفعل المسمى فضيلة منه ولم يتبعه بمثله ولا تمادى عليه لم يستحق أن يسمى فاضلا ولا أن يثنى عليه الثناء المطلق. وعلى هذا يجب أيضاً أن يكون الاعتبار في وقوع الفعل المسمى رذيلة، فاعلم ذلك. ٩- إضاءة: وكان أبو الفرج قدامة يذهب إلى أن المدح بالحسن والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة، ويخطئ من يمدح بهذا ويذم بذلك. ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان قول ابن قيس الرقيات: (المنسرح -ق- المتراكب) يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب وقد رد عليه هذا الآمدي، وتابعه الخفاجي في الرد عليه. فقال: "إن كان قدامة يعتقد أن ذلك ليس بفضيلة، لما كان الإنسان قد خلق عليه، فهذا حكم الفضائل النفسانية. فإن الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا. فكما لا يقدر القبيح الوجه أن يستبدل صورة غير صورته، فكذلك الجاهل لا يقدر أن يستفيد عقلا فوق عقله".

стр. 54

واعتراضه هذا غير صحيح لأن الحكماء المتكلمين في الفضائل قد أنفقوا على أن الإنسان قد يقدر على أن يكتسب بعض الفضائل بالتطبع وأن يستكمل كثيرا مما نقصه من ذلك بالاعتياد والرياضة ومجاهدة النفس، فينتقل برياضة النفس في ذلك حالا فحالا حتى يصير الصعب قبل التطبع والارتياض سهلا بعدها. وما زال الناس يروضون أخلاقهم بالتأدب والتدرب، فتترقى بذلك في مراتب الفضل درجاتهم وتتهذب بعد الجفاء أخلاقهم. قيل للأحنف ابن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عصم. ولا بد في حصول هذا التطبع من سباق استعداد لتحصيله بالطبع، فيخرج إلى الفعل بعد كونه في القوة. فأما خلقة الإنسان وصورته فليس في قدرته نقل شيء منها عما وجد عليه. فحمد الإنسان بما يستحسن من هذا القبيل مخادعة له، وذمة بما يستقبح من ذلك تحامل عليه. ويشهد لهذا ما حكاه الرواة من أن المغيرة ابن حبناء وزيادا الأعجم لم يزالا يتهاجيان حتى غيره زياد بعلل كانت أصابت بعض أهل بيته. فقال المغيرة: "ما ذنبنا فيما ذكره، هذه أدواء، وإنما يعير المرء بما اكستبه". ١٠- تنوير: فقد تبين أن رأي من رأى أن المدح بما ليس للإنسان فيه تصرف ولا له قدرة على تغييره عما هو عليه مما هو خارج عن الفضائل الأربع موافق لما حكي عن العرب في ذلك. وإنما يمدح بما هو خارج عن الفضائل الأربع إذا كان مما شأنه أن توجد الفضائل أبدا بوجوده، فتورد كالأدلة على ذلك. ط- معلم دال على طريقة العلم بما يجب أن يعتمد في مدح صنف صنف من الناس . ويجب أن يقصد في مدح صنف صنف من الناس إلى الوصف الذي يليق به، وأن يعتمد في مدح واحد واحد ممن يراد تقريظه ما يصلح له من تلك الفضائل وما تفرع منها، وأن لا يجعل لاشيء منها حلية لمن لا يستحقه ولا هو من بابه. ١- إضاءة: فأما مدح الخلفاء فيكون بأفضل ما يتفرع من تلك الفضائل وأجلها وأكملها كنصر الدين وإفاضة العدل وحسن السيرة والسياسة والعلم والحلم والتقى والورع والرأفة والرحمة والكرم والهيبة وما أشبه ذلك. وينبغي أن يتخطى في أوصافهم من جميع ذلك حدود الاقتصاد إلى حدود الإفراط، وأن يترقى عن وصفهم بفعال ما يكون حقا واجبا على تقريظهم بما يكون من ذلك نافلة وفضلا. ٢- تنوير: ومدح الأمراء يكون بالكرم والشجاعة ويمن النقيبة وسداد الرأي والتيقظ والحزم والدهاء وما ناسب ذلك. ويطمح بهم في الأوصاف إلى حيث يليق بمناصبهم وما انتهت غليه ممالكهم حتى تكون رتبة العظماء منهم ثانية عن رتبة الخلفاء، وتتدرج مراتبهم في ذلك على أدنى ما يتميز به الملك عن السوقة. ٣- إضاءة: ومدح الوزراء ومن حل محلهم من الكتاب يكون بالعلم والحلم والكرم وحسن التدبير وتثمير الأموال ونحو ذلك. وينبغي أن يكون المطمح في وصف كل وزير على قدر مستوزره، فيكون لوزراء الخلفاء في ذلك مزية لا تلحق ورتبة لا تسامى حتى إن مراتب كثير من الملوك ربما قصرت عن مراتبهم، ثم تندرج مراتبهم في ذلك على نحو ما ذكرناه في مراتب الملوك. ٤- تنوير: ومدح القضاة يكون بالعلم والتقى والدين والنزاهة والعدل بين الخصوم وإنصاف المظلوم وما جرى ذلك المجرى. ولهم أيضاً مراتب فيما ينبغي أن ينحلوه من الأوصاف، فيطمح بقاء الخلفاء ثم بقضاة الملوك ثم بقضاة الأصقاع الكبار إلى حيث لا يطمح بغيرهم. وينبغي أيضاً أن يكون تعظيمهم على قدر عظمهم في علومهم وأديانهم وعقولهم. ٥- إضاءة: فقد تبين من هذا أن أمداح الخلفاء يجب أن تكون نمطا واحدا ينحى بأوصافها أبدا نحو الإفراط، وأن أمداح الأمراء والوزراء والقضاة ومن جرى مجراهم من كبار العلماء ينبغي أن يكون كل واحد منها ثلاثة أنماط: ينحى بالنمط الأعلى منحى الإفراط، وينحى بالنمط الأدنى منحى الاقتصاد، وتكون أوصاف النمط الوسط اقتصادية مشوبة ببعض إفراط وذلك بحسب ما بيناه من اختلاف درجات الممدوحين في ضخامة الخطط وفخامة الولايات. ٦- تنوير: فعلى هذا الترتيب يجب أن يكون المدح، وأن يحافظ على ما يجب اعتماده في امتداح كل طبقة من الممدوحين. فلا يسمى بها إلى الرتب التي فوقها ولا ينحط بها إلى ما دونها. ي- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون به وضوح المعاني أو غموضها .

стр. 55

إن المعاني وإن كانت أكثر مقاصد الكلام ومواطن القول تقتضي الإعراب عنها والتصريح عن مفهوماتها فقد يقصد في كثير من المواضع إغماضها وإغلاق أبواب الكلام دونها. وكذلك أيضاً قد نقصد تأدية المعنى في عبارتين: إحداهما واضحة الدلالة عليه، والأخرى غير واضحة الدلالة لضروب من المقاصد. فالدلالة على المعاني إذن على ثلاثة أضرب: دلالة إيضاح، ودلالة إبهام، ودلالة إيضاح وإبهام معا. ١- إضاءة: وقد تقدم التعريف بكثير من الوجوه التي بها يكون إيضاح الدلالات على المعاني في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. وبقي أن نذكر الآن ما يتيسر لنا ذكره من الوجوه التي يكون في المعاني بوجودها فيها أو في عباراتها إغماض لها وبعد بها عن البيان ليعتمد الشاعر ما يليق بكلامه من تك الوجوه حيث يقصد كناية أو إلغازا وما شابه ذلك مما لا يقصد في الدلالة عليه التصريح، ولتجتنب تلك الوجوه حيث يقصد التصريح عن المعاني والإبانة عنها حتى يأتي في كل موضع بما يليق به. ٢- تنوير: ووجوه الإغماض في المعاني: منها ما يرجع إلى المعاني أنفسها ومنها ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات المدلول بها على المعنى، ومنها ما يرجع على المعاني والألفاظ معا. ٣- إضاءة: فأما ما يرجع إلى المعاني أنفسها فمن ذلك أن يكون المعنى في نفسه دقيقا ويكون الغور فيه بعيدا، أو يكون المعنى مبنيا على مقدمة في الكلام قد صرف الفهم عن التفاتها بعد حيزها من حيز ما بني عليها أو تشاغله بمستأنف الكلام عن فارطه أو غير ذلك مما شأنه أن يثني غروب الأفهام كليلة قاصرة عن تحقق مفهومات الكلام، أو يكون مضمنا معنى علميا أو خبرا تاريخيا أو محالا به على ذلك ومشارا به غليه فيكون فهم المعنى متوقفا على العلم بذلك المضمن العلمي أو الخبري، أو يكون المعنى مضمنا إشارة إلى مثل أو بيت أو كلام سالف بالجملة يجعل بعض ذلك المثل أو البيت جزءا من أجزاء المعنى أو غير ذلك من أنحاء التضمني، أو يكون المعنى قد قصد به الدلالة على بعض ما يلتزمه من المعاني ويكون منه بسبب على جهة الإرداف أو الكناية به عنه أو التلويح به إليه أو غير ذلك - وكلما كان الملتزم بعيدا كان المعنى بعيدا من الفهم- أو يكون المعنى قد وضعت صور التركيب الذهني في أجزائه على غير ما يجب فتنكره الأفهام لذلك، فقد لا تفهمه على وجهه وقد لا تهدى آلى إلى فهمه بالجملة، أو يكون بعض ما يشتمل عليه المعنى مظنة لانصراف الخواطر في فهمه على أنحاء من الاحتمالات، أو يكون المعنى قد اقتصر في تعريف بعض أجزائه أو تخييلها على الإشارة إليه بأوصاف تشترك فيها معه أشياء غير أنها لا توجد مجتمعة غلا فيه. وكلما كانت الأوصاف في مثل هذا مؤتلفة من أعراض الشيء البعيدة لم تتهد الأفكار إلى فهمه إلا بعد بطء. ٤- تنوير: فأما ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات من تلك الوجوه فمثل أن يكون اللفظ حوشيا أو غريبا أو مشتركا فيعرض من ذلك ألا يعلم ما يدل عليه اللفظ أو أن يتخيل أنه دل في الموضع الذي وقع فهي من الكلام على غير ما جيء به للدلالة عليه فيتعذر فهم المعنى لذلك. وقد يتفق مثل هذا بأن يعرض في تركيب اللفظ اشتباه يصير به بمنزلة اللفظ المشترك نحو قول امرئ القيس: (البسيط -ق- المتدارك) =لفتك لأمين على نابل ومن ذلك أن يقع في الكلام تقديم وتأخير، أو يتخالف وضع الإسناد فيصير الكلام مقلوبا، ا, يقع بين بعض العبارة وما يرجع إليها فصل بقافية أو سجع فتخفى جهة التطالب بين الكلامين، أو بأن تفرط العبارة في الطول فيتراخى بعض أجزائها عما يستند إليه وما هو منه بسبب فلا يشعر باستناده إليه واقتضائه له لاسيما إذا وقع في الكلام اعتراضات وفصول وكان مشتملا على أشياء يمكن أن ترجع إلى كل واحد منها ذلك الشيء. ومما يبعد به الشيء عما يستند غليه الصلات والاعتراضات. ومن ذلك أن ترد العبارة التي يقصد انفصال بعض أجزائها عن بعض في صورة المتصلة وأن يرد المتصل في صورة المنفصل، ومن ذلك فرط الإيجاز الذي يكون بقصر أو حذف، وقد تقدم ذكر ذلك.

стр. 56

٥- إضاءة: فكل معنى غامض وعبارة مستغلقة فغموضة واستغلاق عبارته راجعان إلى بعض هذه الوجوه المعنوية أو العبارية أو إليهما معا أو إلى ما ناسبهما وجرى مجراهما مما لعلنا لم نذكره من وجوه الإغماض الراجعة على معنى أو عبارة. فعلى هذه الوجوه ووقع بعضها مع بعض في الكلام مدار الأقاويل التي يقصد بها الكنايات والإلغاز وما جرى مجراهما مما لا يقصد فيه الإبانة والتصريح. ٦- تنوير: ويحتاج في موضع التصريح والإبانة أن يتحفظ من وقوع وجه من هذه الوجوه في لفظ أو عبارة. ومتى اضطر وزن أو قافية أو انحصار للكلام في مجال غير متسع له من مقادير الأوزان إلى وقوع شيء من ذلك فليجهد في ما يرفع الإبهام أ, اللبس الواقع بذلك من القرائن المخلصة للكلام إلى ما نحي به نحوه، فإن ورود المعنى غامضا في كلام قد قصد به الإبانة مما يوعر سبيله ويزيله عن الاعتدال والاستواء مع مناقصته للمقصد. ٧- إضاءة: وجملة الأمر أن اشتكال المعاني وغموضها من جهة ما يرجع إليها أو إلى عباراتها يكون لأمور راجعة إلى مواد المعنى أو مواد العبارة أو إلى ما يكون عليه إجراؤهما من وضع وترتيب أو إلى مقاديرها ترتب من ذلك أو إلى أشياء مضمنة فيهما أو أشياء خارجة عنهما. ٨- تنوير: وإذا قد عددت جملة ما به يكون اشتكال المعاني من جهة ما يرجع إليها أو إلى عباراتها فنذكر بعض وجوه الحيل التي من شأنها أن يماط بوجه وجه منها ما وقع في المعاني من غموض وإشكال بوجه وجه مما به يكون اشتكال المعاني وغموضها ذكرا موجزا على جهة الإشارة والإيماء. ٩- إضاءة: فأما طريق الحيل في إزالة الغموض والاشتكال الواقعين بهذه الأشياء فهي أن يعتاض من الشيء الذي وقع به الإغماض والإشكال أو أن يقرن به ما يزل الغموض والاشتكال. فالاعتياض في المعاني يكون بأخذ مماثلاتها مما يكون في معناه أوضح منها. والاعتياض في الألفاظ يكون بما يماثلها من جهة الدلالة. وقد يكون بين العوض والمعوض منه مع ذلك مخالفة في الوضع مثل وصل المنفصل وفصل المتصل وإطالة القصير وتقصير الطويل، وقد لا يكون ذلك. ١٠- وقران الشيء بما يزيل الغموض أو الاشتكال الواقع فيه يكون بأن يتبع الشيء بما يكون شرحا له وتفسيرا من جهة ما يكون في معناه أو تكون دلالته في معنى دلالته أو من جهة ما يناسبه ويشابهه، ويكون بأشياء خارجة عن معنى الشيء إلا أن فيها دلالات على إبانة ما أنبهم في الأشياء المقترنة بها. ١١- إضاءة: ولهذه الجملة تفصيل طويل لا يمكن أن نتقصاه بالتمثيل في وجه وجه من تلك الأشياء التي من قبلها تشتكل المعاني في أنفسها ومن جهة عباراتها إذ بعض الشواغل ومراعاةما اعتمدته في هذا الكتاب من الاكتفاء في كل باب منه بالإجمال عن التفصيل وباللمحة الدالة عن الجملة الشارحة يمنعان من الزيادة على القسط الواجب فيه بحسب ما اعتمدته، لكني أورد في ما تعلق ببعض ذلك كلاما كنت قيدته فيما تقدم، فإن فيه زيادة إفادة إلى ما ذكرته، فيجعل الناظر وجه النظر والعمل في ما لم أذكره من ذلك بحسب الأمر في ما ذكرته، وليتول اعتبار جميع ذلك في وجه منها بنفسه. فقد أوضحت له السبيل إليها ودمثت له الطريق الدال عليها. يا-معلم دال على طرق العلم بما يزيل الغموض والاشتكال العارضين في المعاني، من حيث ذكر في المعرف الفارط. وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك. وأنا شارع في تتميم ذلك وتكميله وإيراد القول فيه مفصلا والتعريف بما لم يجر له ذكر من ذلك. فأقول: إن المعاني منها ما يقصد أن تكون في غاية من البيان على ما تقدمن ومنها ما يقصد أن تكون في غاية من الإغماض، ومنها ما يقصد أن يقع فيه بعض غموض، ومنها ما يقصد أن يبان من جهة وأن يغمض من جهة. وبيان المعاني يكون بتعريها من الأوصاف التي تبعدها عن البيان. وتلك الأوصاف تنقسم: إلى ما يرجع إلى المعنى وإلى ما يرجع على اللفظ المعبر عنه. وتلك الأشياء الراجعة إلى المعنى أو إلى العبارة: إما أن تكون راجعة في كليهما إلى مادة أو إلى وضع وترتيب أو إلى مقدرا أو على ما يكون متضمنا لهما أو ملتزما.

стр. 57

١- إضاءة: فمما يرجع إلى المعنى من ذلك: أن يكون المعنى في نفسه دقيقا لطيفا يحتاج على تأمل وفهم، ومنها أن يكون المعنى قد أخل ببعض أجزائه ولم تستوف أقسامه، ومن ذلك أن يكون المعنى مرتبا على معنى آخر لا يمكن فهمه وتصوره إلا به، ومنه أن يكون المعنى منحرفا بالكلام وغرضه عن مقصده الواضح معدولا إليه عما هو أحق بالمحل منه. ٢- تنوير: فأما الوجه الأول وهو أن يكون المعنى في نفسه دقيقا لطيفا يحتاج إلى تأمل وتفهم فيجب في ما كان بهذه الصفة أن يجهد في تسهيل العبارة المؤدية عن المعنى وبسطها حتى يقابل خفاؤه بوضوحها وغموضه ببيانها حتى تبلغ الغاية المستطاعة في ذلك. فإذا اجتهد الشاعر في توفية العبارة حقها من البيان وقصد بها الإيضاح غاية ما يستطيع فقد أزال عن نفسه اللوم في ذلك ونفى عنها التقصير، ووجب عذره في خفاء المعنى إذ لا يمكن أن يصيره في نفسه جليا. ٣- إضاءة: ويجب أيضاً على الشاعر فيما لم يمكنه أن يبين عنه حق الإبانة أن يقرن ذلك المعنى بما يناسبه ويقرب منه من المعاني الجلية ليكون في ذلك دليل على ما انبهم من ذلك المعنى، إذ قد يستدل على المعنى بما يجاوره من المعاني وينبه بعضها على بعض. ٤- تنوير: وأما الوجه الثاني وهو الإخلال ببعض أركان المعنى وترك الاستيفاء لها فهذا يقع للشاعر بأن يذهل عن بعض أركان المعنى أو يجهله، أو بأن يتركه من غير ذهول منه لكن لاضطرار الشعر له بانضمامه على القافية أو لان الوزن غير مساعد له. فإذا طرأ في هذا المعنى غموض من الوجه فهو مما يرجع إلى العبارة. ويخلص من ذلك تسريح عنان الكلام يسيرا. فإن ضاق المجال عن استيفاء أجزاء المعنى في بيت واحد فليكن ذلك في بيت وبعض بيت آخر أو في بيتين، فقد يمكنه استقصاء ما أراده بهذه الطريقة. فإن تعذر عليه الاستقصاء بالجملة فليسقط ذلك المعنى، فإن نقصه نقص في حقه. ولا يزال ذو المعرفة بتصاريف الكلام والدربة بتأليف النظام يضع اللفظة موضع اللفظة ويبدل صيغة مكان صيغة حتى يتأتى له مراده وينال من كمال المعنى بغيته. ٥- إضاءة: وأما الوجه الثالث وهو أن يكون المعنى مرتبا على معنى آخر لا يمكن فهمه إلا به فقد يكون المعنى المبني عليه داخل الكلام وخارجه. ويجب أن يقصد - فيما يبني المعنى عليه مما هو خارج الكلام- الشهرة وأن يحسن الدلالة على ذلك من العبارة وأل يحال بين المعنى وما يبنى عليه مما هو موجود في الكلام بما هو أجنبي عنهما، وأن يحسن مساق الكلام في ذلك حتى يعلم أن أحدهما بسبب من الآخر. ٦- تنوير: وأما الوجه الرابع: وهو أن يكون المعنى متحرفا بغرض الكلام عن مقصده الواضح معدولا إليه عما هو أحق بالمحل منه حتى يوهم المعنى أن المقصود به ضد ما يدل عليه اللفظ المعبر به عنه. وأكثر الناس يجعلون هذا النوع من الكلام مقلوبا. وبعض الناس يتأول ما ورد من ذلك تأويلا فيه سلامة من القلب، ويرى أن ذلك وإن بعد التأويل أولى من حم الكلام على القلب، إذ العبارة إنما تدل على المعنى بوضع مخصوص وترتيب مخصوص، فإن بدل ذلك الوضع والترتيب زالت تلك الدلالة. وهذا موضع يجب أن يوقف به عند السماع وإلا يقاس عليه لأنه إن كان الكلام مقلوبا، وكانت العبارة مقصودا بها غير ما تدل عليه بوضعها، وسوغ هذا عند حامل الكلام على هذا المذهب أن المقصد من الكلام واضح، وإن كانت العبارة غير دالة عليه، فقد ذهب بالكلام مذهب فاسد وكان ذلك خطأ في العبارة. وفي سعة الكلام مندوحة عن المذاهب الفاسدة. وإن كان الكلام غير مقلوب، ولكنه قصد به معنى آخر غير المعنى الذي يريد به من يجعل الكلام مقلوبا، فذلك أيضاً قبيح لأنه وضع المعنى البعيد الذي لم يؤلف موضع المعنى القريب المألوف، فلا يجب أيضاً سلوك هذا المذهب. فكلا التأويلين في هذا الباب خارج بالكلام عن المهيع الذي يكون للمعنى فيه موقع من النفس ومكانة مكينة من الفهم. فالواجب في فصيح الكلام أن يكون خاليا منه.

стр. 58

٧- إضاءة: ويشبه أن يكون هذا الضرب من الكلام مما غلط فيه من ليس من علية فصحاء العرب وبلغائها (بالحمل) على العلية منهم. فكل امرئ منهم إنما يأتم في الفصاحة بمن فوقه. فإذا وجد المؤتم منهم كلاما لمن يأتم به قد قصد به مقصدا يمكن أن يفهم على خلافه بل ربما كان خلافه أسبق إلى الفهم لكونه أشهر في ما يقال في الغرض المقصود بالكلام, وكان الشاعر قد عدل عن الأشهر إلى الأخفى إما اضطرارا على ذلك أو قصدا على الافتنان في معاني الكلام والاتساع في مذاهبه -فمن عادتهم أن يأخذوا الكلام من كل مآخذ ويجتلبوا المعاني من كل مجتلب وأن يتلاعبوا بالكلام على وجوه من الصحة- فهم الكلام على خلاف ما قصده القائل ورأى العبارة لا تدل على ما فهم إلا بعد القلب, فظن أن هذا مذهب في الكلام لمن يأتم به, وأن للشاعر أن يعبر عن المعنى بما لا يدل عليه إلا بعد القلب, ويكتفي بما يسبق إلى الأفهام في ذلك فيجعل ذلك مذهبا له فيخطئ فيه. وعلى هذا النحو وقع كثير من المذاهب الفاسدة في كلام العرب لأن أرداف الفصاحة منهم إذا رأوا لصدورهم استعمالا ما في شيء قاسوا على ذلك ما يرون أنه مماثل لذلك الشيء, وقد تكون بينهما مفارقة من وجه أو أوجه فيغلطون في القياس, وكذلك في كثير مما يتأولونه عليهم. فلذلك يجب ألا يقبل من الضرائر غلا ما وجد في ما اجتمعت عليه الروايات الصحيحة من كلام علية الفصحاء منهم مما تحقق براعته انتسابه إليهم كقصائد امرئ القيس والنابغة وزهير ومن جرى مجراهم. ٨- تنوير: وقد وقعت أبيات من الشعر حملها قوم على القلب وخرجها آخرون على وجوه يصح الكلام عليها لفظا ومعنى. كقول الحطيئة: (الطويل -ق- المتدارك) فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره لأن الحبل إذا أمسك الحافر فالحافر أيضاً قد شغل الحبل وأمسكه عن أن يتخلى عنه ويتلفت, فعلى هذا ليس بمقلوب. وكذلك قول أبي النجم: (الرجز -ق- المتدارك) قبل دنو الأفق من جوزائه ... لأن الجوزاء إذا دنت من الأفق دنا منها. وقد حمل قوم قطري بن الفجاءة: (الكامل -ق- المترادف) ثم انصرفت, وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام على القلب. قالوا يريد قارح البصيرة جذع الإقدام كما يقال إقدام غر ورأي مجرب. والأحسن في هذا البيت حمله على غير القلب, وذلك على تأويلين: أحدهما أن يريد أن هذا الموطن الذي وصفه كان أعظم موطن حضره وأشد موقف شهده فيئس فيه من الحياة وأيقن بالتلف حين رأى نفسه دريئة للرماح ودمه قد خضب سرجه ولجامه كما ذكر في هذا الشعر, ثم خلص من هول ذلك الموقف ووقع الأمر على خلاف ما كان وقع في نفسه حين انصرف وقد قتل ولم يقتل, فحدثت له إذاك بصيرة أن الإقدام غير علة للحمام وأن من يركن إلى الإحجام خفية من أن يصاب فليس على بصيرة, إذ لو شهد ما شهدت ثم انصرف مصيبا لا مصابا لحديث له بصيرة بأن السلامة غير مقصورة على مواطن الدعة وأن الهلاك غير موقوف على مواقف المكافحة, وحمله اجتماع الظفر له والسلامة بالإقدام على ألا يركن إلى الإحجام. فعبر عن قرب عهد حدوث البصيرة له عند انصرافه عن تلك الحرب بأن جعل البصيرة جذعة لأن الجذع هو الذي على أول سنة الأخذ في الاستحكام وجعل الإقدام قارحا لأنه كان من سجيته ثابتا قبل البصيرة. ٩- إضاءة: والتأويل الثاني ما حكاه ابن سنان الخفاجي عن أبي العلاء صاعد به عيسى الكاتب أنه جاراه في بعض الأيام في هذا البيت, فقال صاعد: "ما المانع أن يكون مقصوده لم اصب أي لم ألف على هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة, ويكون الكلام على وجه غير مقلوب, فتمكن الدلالة على أن قوله في البيت لم أصب بمعنى لم ألف دون ما يقولون من أن مراده لم أجرح من قوله قبل: لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى, متخوفا لحمام لقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة، وأمامي حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي ثم انصرفت، وقد أصبت، ولم أصب ... جذع البصيرة، قارح الإقدام

стр. 59

فكيف يكون لم يصب وقد خضب بدمه أكناف سرجه ولجامه. فأما قولهم: إنه أراد من دمي أي من دماء قومي وبني عمي فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ليستمر لهم أن يكون الكلام فاسدا غير صحيح) . ثم قال الخفاجي: (وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق له وجه يجب تقبله وإتباعه فيه. وفحوى كلام قطري تدل على أنه أراد أنه جرح ولم يمت إعلاما أن الإقدام غير علة فيا لحمام وحضا على الشجاعة وبغض الفرار. وقد حمل قوم قوله سبحانه: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) ، وقوله تعالى: (وإنه لحب الخير لشديد) على القلب. وحمل الكلام على القلب في غير القرآن إذا أمكن حمله على الاستقامة تعسف شديد، فكيف في الكتاب العزيز والواجب أن تجعل الباء في قوله تعالى بالعصبة للتعدية ويكون المراد - والله أعلم - أن المفاتح تنوء بالعصبة أي تميلها من ثقلها، وهو قولا لقراء، وأن يكون قوله تعالى لشديد بمعنى بخيل، أي أنه لحب المال لبخيل والخير المال) . ١٠- تنوير: فكل كلام يمكن حمله على غير القلب بتأويل لا يبعد معناه، فليس يجب حمله على القلب. وأما ما لا يمكن فيه التأويل فواجب ألا يعمل عليه وأن يوقف عنده. ومنه عقول عروة بن الورد: (الوافر -ق- المترادف) فلو أني شهدت أبا معاذ ... بمهجته غداتئذ يفوق فديت بنفسه نفسي ومالي ... فما آلوك إلا ما أطيق يريد فديت بنفسي، فهذا وأمثاله لا يجب أن يعمل عليه لأنه كلام خطأ على ما قدمناه. ويحتمل أن يكون هذا وما أشبهه مما غيره بعض الرواة لتقارب العبارات واشتباه بعضها ببعض. فقد ينحرف محفوظ الراوي عن أصل وضعه قليلا فلا يشعر بذلك: ألا ترى أن هذا البيت يتأتى تغيير العبارة الواقعة في صدره إلى وضع يدل على مفهوم صحيح فيقال فيه: جعلت فداءه نفسي ومالي. وبدل فديت بنفسه. ١١- إضاءة: وأما ما يرجع إلى اللفظ مما يوقع في المعاني غموضا واشتكالا فمن ذلك أن تكون الألفاظ الدالة على المعنى أو اللفظة الواحدة. منها حوشية أو غريبة فيتوقف فهم المعنى عليها. والواجب على الشاعر أن يجتنب من هذا ما توغل فيا لحوشية والغرابة ما استطاع حتى تكون دلالته على المعاني واضحة وعبارته مستعذبة. ومتى لزه إلى شيء من ذلك اضطرار وأمكنه أن يقرن باللفظة ما يهتدى به إلى معناها من غير أن يكون ذلك حشوا كان الأمر في ذلك أشبه. ١٢- تنوير: ومن ذلك أن تكون اللفظة أو الألفاظ مشتركة فتدل على معنيين أو أكثر لا في حال واحدة، فيجب للناظم أن ينوط باللفظة أو الألفاظ التي بهذه الصفة من القرائن ما يخلص معناها إلى المفهوم الذي قصده حتى يكون المعنى مستبينا، وذلك حيث يقصد البيان. وينبغي ألا يكثر من هذا النوع حيث يقصد الإبانة عن المعاني. ومما ورد من ذلك فاضطرب الناس في تأويله قول الحارث بن حلزة: (الخفيف -ق- المترادف) زعموا أن كل من ضرب العير ... موال لنا وأنى الولاء فقيل أراد بالعير الوتد وأراد بالضاربين العرب لأنهم كانوا أصحاب عمد، وقيل أراد عير العين وهو ما نتأ منها أي كل من ضرب عير عينه بجفنه، وقيل أراد بالعير ما يطفو على الحوض من الأقذاء وأصله التشديد وهو العاثر والعير، فخفف كما قيل هين وهين، وقيل فيه وجوه أخر غير هذه. ١٣- إضاءة: ومن ذلك أن تكون كلمة قد وصلت بحرف أو حذف منها حرف فتتصل بكلمة يحتمل لفظها أن يكون الحرف الموصول بالأول داخلا عليها أو من جملة حروفها أو يكون قد دخل على الثانية حرف يخيل لك أنه صلة للأولى أو تتمة لما نقص منها فيعرض من هذا فهم الكلام على غير وجهه. ومن هذا قول امرئ القيس: (البسيط -ق- المتدارك) نطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل لأن الكاف محتملة أن كون ضميرا مضافا إليها ما قبلها، وأن تكون حرفا جارا لما بعدها. ومن هذا ما روي من أن الأصمعي أنشد يوما: (الخفيف -ق- المترادف) لم ينالوا مثل الذي نلت منهم ... وسواء ما نلت منهم ونالوا ثم قال لأصحابه: كيف أوجب في آخر البيت ما نفى في أوله؟. فقالوا: لا ندري، قال: قد أجلتكم فيه شهرا. قالوا: لو أجلتنا فيه سنة ما علمناه، فقال: إنما هي لمي ترخيم لمياء ثم قال: نالوا مثل الذي نلت منهم، فهذا إيجاب أنهم نالوا وليس بنفي على ما يتوهم سامعه.

стр. 60

فيجب أن يتحفظ في الكلام المقصود به البيان نحو وقوع تلك الحروف التي يسبق الوهم إلى أنها مستندة إلى غير الحيز الذي استندت إليه، فإن الذي مستهلك للمعاني وحاجب للأفكار عن حقائق المقصود بالكلام. ١٤- تنوير: ومن ذلل الإخلال بوضع الكلام وإزالة ألفاظه عن مراتبها حتى يصير المتأخر متقدما والمتقدم متأخرا فتتداخل الألفاظ بعضها على بعض فتشكل العبارة ولا يتحقق نظامها قبل التقديم والتأخير ولا يعلم كيف كان. وهذا المذهب رديء جدا في الكلام. وكان همام بن غالب الفرزدق يكثر من هذا النوع -كأنه كان يقصده - ومنه قوله: (الطويل -ق- المتدارك) وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه يريد وما مثله فيا لناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، ويعني بالمملك هاشما والممدوح خاله فأبوه أبو أمه، فقد أساء العبارة عما أراد. ١٥- إضاءة: وإذ قد ذكرنا جملة مما يوقع فيا لمعاني إغماضا من جهاتها أنفسها ومن جهات العبارات، وأتبعت ذكر بعض تلك الوجوه بذكر ما يميط بعض القبح الواقع بها في الكلام، فحقيق أن نصرف عنان القول عما نحن بسبيله من القول في هذا المعلم إلى غير ذلك مما يتعلق بالمعاني، إذ قد تبين أن ما قصد به البيان من القول فواجب أن تجتنب فيه تلك الوجوه المذكورة، وما قصد به الكناية أو الإلغاز والتعمية فهي لائقة به وصالحة له، فليوقع منها في كل نوع من الكنايات وفي كل ضرب من ضروب الإلغاز والتعمية ما يليق ويكون فقيه أكثر غناء من غيره. يب- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في المعاني من حيث يكون فهمها متوقفا على أمر من صناعة أو غيرها أو تكون غير متوقفة على شيء من ذلك. إن معاني منها ما يحتاج في فهمه إلى مقدمة من معرفة صناعة أو حفظ قصة. فالتي لا يحتاج في فهمها إلى مقدمة هي المعاني الجمهورية التي يشترك في فهمها الخاص والعام، وعليها مدار معظم المعاني الواقعة في الأغراض المألوفة من الشعر، وهي مستحسنة فيه. ١- إضاءة: والمعاني التي يحتاج في فهمها إلى مقدمة ضربان: ضرب يتوقف فهمه على المعرفة بصناعة ما لكون المعنى من تلك الصناعة أو لكون العبارة الدالة عليه من عبارات أهل تلك الصناعة وضرب يتوقف فهمه على حفظ قصة ما لكون المعنى متعلقا بتلك القصة. ٢- تنوير: فالمعاني التي يتوقف فهمها على المعرفة بصناعة ما لا يحسن إيرادها في الشعر إذا وجد عنها مندوحة، ولا يحسن فيه أيضاً أن تؤخذ ألفاظ قد نقلت إلى علم ما فتجعل العبارة بها صالحة لما تدل عليه في ذلك العلم والمتكلم لا يريد إلا المعنى الذي تدل عليه في أصل اللغة وإنما فقصد الإلغاز عن مراده. فهذا لا يحسن فيا لمقاصد التصريحية. ٣- إضاءة: وأما ما يتوقف فهمه على قصد فلا يخلو أن تكون تلط القصة مشهورة أو غير مشهورة، فإن كانت القصة مشهورة فذلك حسن، وإن لك تكن مشهورة فإن ذلك لا يستحسن. ٤- تنوير: فأما المعاني أو العبارات المتعلقة بصنائع أهلا لمهن فينبغي ألا يستعمل شيء منها لأن استعمالها فيا لشعر أشد قبحا من استعمال الألفاظ الساقطة المبتذلة. فأما المعاني الخارجة عن صنائع أهل المهن وعما يحتاج في فهمه إلى مقدمة فهي التي يجب أن يكثر من استعمالها، فإن منزلها من المعاني منزلة الألفاظ المستعملة المفهومة التي ليست بعامية ساقطة، ولا متوعرة وحشية. وأما المعاني التي يتوقف فهمها على القصص الشهيرة عند الأدباء ومن جرى مجراهم ممن طالع التواريخ والأخبار فمنزلتها من المعاني منزلة استعمال الألفاظ التي ارتفعت عما يفهمه جميع العامة وكان علمها مقصورا على الخاصة. فأما المعاني التي يتوقف فهمها على المعرفة بعلم أو صناعة فمنزلتها من المعاني منزلة استعمال اللفظ الحوشي الذي لا يفهمه إلا الأقل من خاصة الأدباء، وكذلك الإحالة على ما لم يشتهر من الأخبار.

стр. 61

٥- إضاءة: وملاحظات الشعراء الأقاصيص والأخبار المستطرفة في أشعارهم ومناسبتهم بين تلك المعاني المتقدمة والمعاني المقاربة لزمان وجودهم، والكائنة فيها التي يبتون عليها أشعارهم مما يحسن في صناعة الشعر. ويجب للشاعر أن يعتمد من ذلك المشهور الذي هو أوضح في معناه من المعنى الذي يناسب بينه وبينه ويعلقه على طريق التشبيه أو التنظير أو المثل أو غير ذلك. ويسمى ما تسبب إلى ذكره من القصص المتقدمة المأثورة بذكر قصة أو حال معهودة الإحالة لأن الشاعر يحيل بالمعهود على المأثور. ٦- تنوير: وإذا وقعت الإحالة الموقع اللائق بها فهي من أحسن شيء في الكلام، فلتذكر ما مضى من الأمور التي يقل نظيرها في ما هي عليه من الأوصاف التي تميل النفوس أو تنفر عنها موقع عجيب من النفوس. فتتحرك النفوس بما قد ارتسم فيها من صفة القصة الأولى إلى اعتقاد القصة الأخرى على مثل تلك الصفة. هذا إذا كانت الإحالة على سبيل المحاكاة. ٧- إضاءة: وإذ قد تبين هذا فالواجب ألا يستعمل فيا لشعر من الأخبار إلا ما شهر، وألا يستعمل فيه شيء من معاني العلوم والصنائع، ولا شيء من عباراتهم إذا كان الغرض مبنيا على ما هو خارج عن تلك العلوم والصنائع. فأما إذاك أن غرض الشعر مبنيا على وصف أشياء علمية أو صناعية ومحاكاتها والتخييل في شيء شيء منها فإيراد تلك المعاني والعبارات غير معيب في ذلك الغرض، لأن للشاعر أن يحاكي شيئا من جميع الموجودات ويخيل في واحد واحد منها ما تميل إليه النفوس أو تنفر عنه. ٨- تنوير: ومما تسبب فيه إلى ذكر ما ليس الكلام مبنيا عليه من المعاني والكلامية والنحوية قول أبي تمام: (البسيط -ق- المتراكب) مودة ذهب، أثمارها شبه ... وهمة جوهر، معروفها عرض لأن الجوهر والعرض من ألفاظ المتكلمين الخاصة بصناعتهم. قوله في ما يرجع إلى صناعة النحو: (الكامل -ق- المترادف) خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء وقول أبي العلاء المعري في مثل ذلك: (الطويل -ق- الترادف) تلاق تفرى عن فراق تذمه ... مآق، وكسير الصحائح في الجمع وحكي أن عز الدولة قال لندمائه: (لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من الشعر) . فأنشد كل منهم ما حضره. فلما انتهى القول إلى أبي الخطاب ابن ثابت الصابي -وكان أبو طبيبا - أنشد قول أبي العتاهية: (الخفيف -ق- المترادف) قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا فتنفست ثم قلت: نعم حبا ... جرى في العروق عرقا فعراق فقال له بختيار: (لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي لم ترثها عن كلالة) . وكان بعض الأدباء إذا سمع قول المهلبي: (الكامل -ق- المترادف) يا من له رتب ممككنة ... القواعد من فؤادي قال: (هذا يصلح أن يكون شعر بناء) . وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: (أنشدت أبا شعيب القلال أبيات أبي نواس التي أولها: (الطويل -ق- المتدارك) ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس فقال: (هذا شعر لو نقرت فيه طن) فوصفه من طريق صناعته. وقد أوردنا هذه الأمثلة على غير ما أوردها غيرنا. فكل ما انتسب إلى صناعة من الصنائع، انتساب ما ذكر من حيث هو معنى راجع إليها أو عبارة مستعملة فيها، فليس يحسن استعماله في الشعر، إذ الواجب أن يقتصر بالأشياء على ما هي خاصة به، وألا يخلط فن بفن بل يستعمل في كل صناعة ما يخصها ويليق بها، ولا يشاب بها ما ليس منها. يج- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في المعاني، من حيث تكون قديمة متداولة ، أو جديدة مخترعة. إن من المعاني ما يوجد مرتسما في كل فكر ومتصورا في كل خاطر، ومنها ما يكون ارتسامه في بعض الخواطر دون بعض، ومنها ما لا ارتسام له في خاطر وإنما يتهدى إليه بعض الأفكار في وقت ما فيكون من استنباطه. فالقسم الأول هي المعاني التي يقال فيها أنها كثرت وشاعت، والقسم الثاني ما يقال فيه إنه قل أو هو إلى حيز القليل أقرب منه إلى حيز الكثير، والقسم الثالث هو المعنى الذي يقال فيه إنه ندر وعدم نظيره.

стр. 62

١- إضاءة: فأما القسم الأول فهو مثل ما يتداوله الناس من تشبيه الشجاع بالأسد، والكريم بالغمام. وهذا القسم لا سرقة فيه ولا حجر في أخذ معانيه لن النسا في وجدانها ثابتة مرتسخة في خواطرهم سواء ولا فضل فيها لأحد إلا بحسن تأليف اللفظ. فإذا تساوى تأليفا الشاعرين في ذلك فإنه يسمى الاشتراك، وإن فضلت فيه عبارة المتأخر عبارة المتقدم فذلك الاستحقاق لأنه استحق نسبة المعنى إليه بإجادته نظم العبارة عنه، وإن قصر فيه عمن تقدمه فذلك الانحطاط. ٢- تنوير: فأما القسم الثاني، وهي المعاني التي قلت في أنفسها أو بالإضافة إلى كثرة غيرها فما كان بهذه الصفة فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا بشروط: منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها ما يزيد عليه زيادة حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه؛ ومن ذلك أن يقلبه ويسلك به ضد ما سلك الأول، ومن ذلك أن يركب عليه عبارة أحسن من الأولى، وذلك كتحسين الشماخ العبارة عن معنى قول بشر ابن أبي خازم: (الوافر -ق- المترادف) إذا ما الكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها وضاقت أرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها فجاء الشماخ بهذا المعنى في عبارة أحسن من هذه وأوجز حيث يقول: (الوافر -ق- المترادف) إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين فما وجد فيه شرط من هذه الشروط أو ما جرى مجراها فسائغة مجاذبة الشاعر فيه من تقدمه، وما ليس داخلا تحت تلك الشروط وما جرى مجراها مما يزيد في المعنى زيادة مقبولة فهو سرقة محضة. ٣- إضاءة: وأما القسم الثالث وهو كل ما ندر من المعاني فلم يوجد له نظير؛ وهذه هي المرتبة العليا في الشعر من جهة استنباط المعاني، من بلغها فقد بلغ الغاية القصوى من ذلك، لن ذلك يدل على نفاذ خاطره وتوقد فكره حيث استنبط معنى غريبا واستخرج من مكامن الشعر سرا لطيفا. فإذا ساعدته العبارة في ذلك وكانت في رف صنعتها والحسن الظاهر. وما كان بهذه الصفة فهو متحامى من الشعراء لقلة الطمع فينيله إذ لا يكون المعنى من الغرابة والحسن بحيث مرت العصور وتعاورت ذلك الموصوف الألسنة فلم تتغلغل الأفكار إلى مكمنه إلا وهو من ضيق المجال وبعد الغور بحيث لا يوجد التهدي إلى مثله والتنبه إلى مظنه وجدانه في كل فكر، بل ذلك مقصور على بعض الأفكار وموجود لها في بعض الأحوال دون عض. ٤- تنوير: والمعاني التي بهذه الصفة تسمى العقم، لأنها لا تلقح ولا تحصل عنها نتيجة ولا يقتدح منها ما يجري مجراها من المعاني فلذلك تحاماها الشعراء وسلموها لأصحابها، علما منهم أن من تعرض لها مفتضح. ألا ترى أنهم عابوا على ابن الرومي - وحظه من الاختراع الحظ الوافر - تعرضه لقول عنترة: (الكامل -ق -المتدارك) وخلا الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم غردا يسن ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم بقوله يصف روضة: (الطويل -ق- المتدارك) وغرد ربعي الذباب خلالها ... كما حثحث النشوان صنجا مشرعا فكانت لها زنج الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقعا على أن ابن الرومي قد نحا بالمعنى نحو آخر، حين جعل تغريد الذباب ضربا موقعا على شدوات الطير. وهذا تخييل محرك إلى ما قصد ابن الرومي تحريك النفوس إليه وإبلاغها به. فمثل هذه المعاني النادرة إذا وقع فيها مثل قول ابن الرومي ووقع فيها زيادة ما من جهة، وإن كان فيها تقصير من جهة أخرى، يجب أن يصفح عن قائليها في ما وقع لهم من التقصير إذا وقع لهم بإزاء ذلك زيادة وإن كان ما قصروا عنه أجل مما زادوا. هذا إذا لم يكن بين المقصر عنه والمزيد تفاوت كبير. ٥- إضاءة: وأما من نقل المعنى النادر من غير زيادة فذلك من أقبح السرقات، لأنه تعرض لسرقة ما لا يخفى على أحد انه سرقة. ٦- تنوير: ومن أبرز المعنى النادر في عبارة أشرف من الأولى فقد قاسم الأول الفضل، إذ الفضل في اختراع المعنى للمتقدم، والفضل في تحسين العبارة للمتأخر. والقول الثاني الذي حسنت فيه العبارة بلا شك أفضل من الأول، لأن المعنى لا يؤثر فيه التقدم ولا التأخر شيئا، وإنما ترجع فضيلة التقدم إلى القائل لا القول فيه.

стр. 63

٧- إضاءة: فإن زاد المتأخر على التقدم زيادة في المعنى مع تحسين اللفظ فقد استحق المعنى عليه كما استحق الطرماح معنى النابغة حين زاد عليه في قوله: (البسيط -ق- المتراكب) من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصقيل الفرد بقوله: (البسيط -ق- المتراكب) يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد فزاد الطرماح عليه أن جعله مسلولا في حال ظهوره مغمدا في حال إضمار البلاد له. فمراتب الشعراء فيما يلمون به من المعاني إذن أربعة: اختراع واستحقاق وشركة وسرقة. فالاختراع هو الغاية في الاستحسان، والاستحقاق تال له، والشركة منها ما يساوي الآخر فيه الأول فهذا لا عيب فيه، ومنها ما ينحط فيه الآخر عن الأول فهذا معيب، والسرقة كلها معيبة وإن كان بعضها أشد قبحا من بعض. المباني بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما القسم الثالث في النظم وما تعرف به أحواله من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافراً لها من قوانين البلاغة. المنهج الأول في الإبانة عن قواعد الصناعة النظمية والمآخذ التي هي مداخل إليها ، وما تعتبر به أحوال الصنعة في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها. أ- معلم دال على طرق العلم بقواعد الصناعة النظمية التي عليها تقوم مباني النظم ؛ وبتصرف الخواطر فيها على ما يجب أن تلتئم صناعة النظام الشعري على الكمال. النظم صناعة آلتها الطبع. والطبع هو استكمال للنفس في فهم أسرار الكلام، والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها؛ فإذا أحاطت بذلك علما قويت على صوغ الكلام بحسبه عملا، وكان النفوذ في مقاصد النظم وأغراضه وحسن التصرف في مذاهبه وأنحائه إنما يكونان بقوى فكرية واهتداءات خاطرية تتفاوت فيها أفكار الشعراء. فأول: تلك القوى وهي عشر: القوة على التشبيه فيما لا يجري على السجية ولا يصدر عن قريحة بما يجري على السجية ويصدر عن قريحة. الثانية: القوة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها والمعاني الواقعة في تلك المقاصد ليتوصل بهذا إلى اختيار ما يجب لها من القوافي ولبناء فصول القصائد على ما يجب نحو ما أشرنا وما نشير إليه. الثالثة: القوة على تصور صورة للقصيدة تكون بها أحسن ما يمكن وكيف يكون إنشاؤها أفضل من جهة وضع بعض المعاني والأبيات والفصول من بغض؛ بالنظر إلى صدر القصيدة ومنعطفها من نسيب إلى مدح، وبالنظر إلى ما يجعل خاتمتها إن كانت محتاجة إلى شيء معين في ذلك. الرابعة: القوة على تخيل المعاني بالشعور بها واجتلابها من جميع جهاتها. الخامسة: القوة على ملاحظة الوجوه التي بها يقع التناسب بين المعاني وإيقاع تلك النسب بينها. السادسة: القوة على التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والدلالة على تلك المعاني. السابعة: القوة على التحيل في تسيير تلك العبارات متزنة وبناء مباديها على نهاياتها ونهاياتها على مباديها. الثامنة: القوة على الالتفات من حيز إلى حيز والخروج منه إليه والتوصل به إليه. التاسعة: القوة على تحسين وصل بعض الفصول ببعض والأبيات بعضها ببعض وإلصاق بعض الكلام ببعض على الوجوه التي لا تجد النفوس عنها نبوة. العاشرة: القوة المائزة حسن الكلام من قبيحة بالنظر إلى نفس الكلام وبالنسبة إلى الموضع الموقع فيه الكلام. فقد يتفق للشاعر أن ينظم بيتين قافيتهما واحدة فيكون أحدهما أحسن في نفسه والآخر أحسن بالنسبة إلى المحل الذي يوقعه فيه من جهة لفظ أو معنى أو نظام أو أسلوب. ففي مثل هذا الموضع يصير المرجوح راجحا والمفضول فاضلا. وكثير ممن ليست له هذه القوة يسقط أحسن مما يثبت بالنسبة إلى المحل. ١- إضاءة: وللشعراء وذوي الدعوى في مشاركتهم أو وجود بعضها أو عدمها بالجملة ثلاث مراتب. فأهل المرتبة العليا هم الشعراء في الحقيقة. وأهل المرتبة السفلى غير شعراء في الحقيقة. وأهل المرتبة الوسطى شعراء بالنسبة إلى من دونهم، غير شعراء بالنسبة إلى من دونهم. فأما المرتبة الأولى فتشتمل على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: الذين حصلت لهم هذه القوى على الكمال في الجملة والكمال في بعض دون بعض.

стр. 64

الطبقة الثانية: من كان قسطه من جميع هذه القوى أو من أكثرها متوسطا أو غير بعيد من التوسط. الطبقة الثالثة: من كانت أقساطه مما حصل له من هذه القوى مع قلتها غير عامة في جميعها. فالطبقة الأولى هم الذين يقوون على تصور كليات المقولات ومقاصدها ومعانيها بالقوة قبل حصولها بالفعل. فيتأتى لهم بذلك تمكن القوافي وحسن صور القصائد وجودة بناء بعضها على بعض. والطبقة الثانية تتصور كثيرا من ذلك وإن لم تبلغ في ذلك مبلغ الطبقة الأولى، فيتأتى لها بذلك كثير مما تأتى للأولى. والطبقة الثالثة لا تتصور إلا القليل من ذلك كأوائل القصائد وصدورها وما يكون من مقاصد الشعر بمحل عناية من أنفسها، فقد يتفق لهذه الطبقة أيضاً أن تبني الكلام والقوافي بناء حسنا. ٢- والمرتبة الثانية: من له أدنى تخيل في المعاني وبعض دربة في إيراد عباراتها متزنة، وإن لم يكن له في القوى الباقية إلا ما يعتد به، فنظم هذا منحط عن نظم من استكمل ما نقصه ومرتفع عن كلام من لا تخيل له في المعاني ولا دربة بالتأليف. ٣- إضاءة: والمرتبة الثالثة وهم الذين لا ينتسبون إلى هذه الصناعة بغير الدعوى: فمنهم طائفة لا تنتقص ولكن تتلصص ولا تتخيل بل تتحيل بالإغارة على المعاني من تقدمها وإبرازها في عبارات أخر، والنمط الثاني لا يتخيل ولا يتحل ولكن يغير ويغير، والنمط الثالث وهم شر العالم نفوسا وأسقطهم همما وهم النقلة للألفاظ والمعاني على صورها في الموضع المنزل منه من غير أن يغيروا في ذلك ما يعتد به. ب- معرف دال على طرق المعرفة بكيفيات مآخذ الشعراء في نظم الكلام وإنشاء مبانيه وما يقدمونه بين يدي ذلك من تصور أغراض القصائد والمقاصد اللائقة بتلك الأغراض وتصور المعاني المنتسبة إلى تلك المقاصد والمنتمية إليها وتصور العبارات اللائقة بجميع ذلك وإعمال الحيل في تقفيتها ووزنها والإعلام بما يتسببون به إلى إدراك البغية في جميع ذلك. يجب للشاعر إذا أراد نظم شعر - وكان الزمان له منفسحا والحال مساعدة - أن يأخذ نفسه بوصية أبي تمام الطائي لأبي عبادة البحتري في ذلك ويأتم به. فإنها تضمنت جملا مفيدة بما يحتاج إلى معرفته والعمل بحسبه صاحب هذه الصناعة. قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: (كنت في حداثتي أروم الشعر. وكنت أرجع فيه إلى طبع. ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضابه حتى قصدت أبا تمام وانقطعت فيه إليه واتكلت في تعريفه عليه. فكان أول ما قال لي: (يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم. فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا وأكثر فيه من بنات الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق ولوعة الفراق. وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرف مقامه وتقاص المعاني واحذر المجهول منها وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين. فما استحسنه العلماء فاقصده وما تركوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله) . فقد تضمنت هذه الوصية جملا مما يحتاج إليه في هذا الباب. ١- إضاءة: وأنا أصل وصية أبي تمام بما يكون تفصيلا لبعض ما أجمل فيها، وتكميلا لما نقص منها. فأقول: إن الناظم إذا اعتمد ما أمره به أبو تمام من اختيار الوقت المساعد وإجمام الخاطر والتعرض للبواعث على قول الشعر والميل مع الخاطر كيف مال فحقيق عليه إذا قصد الروية أن يحضر مقصده في خياله وذهنه والمعاني التي هي عمدة له بالنسبة إلى غرضه ومقصده ويتخيلها تتبعا بالفكر في عبارات بدد، ثم يلحظ ما وقع في جميع تلك العبارات أو أكثرها طرفا أم مهيئا لأن يصير طرفا من الكلم المتماثلة المقاطع الصالحة لن تقع في بناء قافية واحدة. ثم يضع الوزن والروي بحسبها لتكون قوافيه متمكنة تابعة للمعاني لا متبوعة لها.

стр. 65

٢- تنوير: ثم يقسم المعاني والعبارات على الفصول ويبدأ منها بما يليق بمقصده أن يبدأ به، ثم يتبعه من الفصول بما يليق أن يتبعه به ويستمر هكذا على الفصول فصلا فصلا، ثم يشرع ي نظم العبارات التي أحضرها في خاطره منتثرة فيصيرها موزونة إما بأن يبدل فيها كلمة مكان كلمة مرادفة لها أو بان يزيد الكلام ما تكون لزيادته فائدة فيه أو بان ينقص منه ما لا يخل به أو بأن يعدل من بعض تصاريف الكلمة إلى بعضها أو بأن يقدم بعض الكلام ويؤخر بعضا أو بأن يرتكب في الكلام أكثر من واحد من هذه الوجوه. ٣- إضاءة: ولا يخلو عروض الشعر من أن يكون طويلا أو قصيرا أو متوسطا: فأما الطويل فكثيرا ما يفضل مقداره عن المعاني فيحتاج إلى الحشو، وأما القصير فكثيرا ما يضيق عن المعاني ويقصر عنها فيحتاج إلى الاختصار والحذف، وأما المتوسط فكثيرا ما تقع فيه عبارات المعاني مساوية لمقادير الأوزان فلا يفضل عنها ولا تفضل عنه فلا يحتاج فيه إلى حذف ولا حشو، لكنه يشارك الطويل والقصير في الاحتياج فيه إلى الوجوه الباقية إلى: العدل والبدل والتقديم والتأخير أو مجموع أكثر من واحد من ذلك. ٤- تنوير: وللأعاريض اعتبار من جهة ما تليق به من الأغراض واعتبار من جهة ما تليق به من أنماط النظم: فمنها أعاريض فخمة رصينة تصلح لمقاصد الجد كالفخر ونحوه نحو عروض الطويل والبسيط وفئة وكثير من مقصرات ما سواه من الأعاريض. ومنها أعاريض تليق مقاصد التي تحتاج إلى جزالة نمط النظم يجب أن تنظم في سلك الأعاريض التي من شأن الكلام أن يكون نظمه فيها جزلا نحو عروض (الطويل) والكامل. وأما المقاصد التي يقصد فيها إظهار الشجو والاكتئاب، فقد يليق بها الأعاريض التي فيها حنان ورقة، وقلما يخلو الكلام (الرقيق) من ضعف مع ذلك، لكن ما قصد به من الشعر هذا المقصد، فمن شانه أن يصفح فيه عن اعتبار القوة والفخامة، لأن المقصود بحسب هذا الغرض أن تحاكى الحال الشاجية بما يناسبها من لفظ ونمط تأليف ووزن. فكانت الأعاريض التي بهذه الصفة غير منافية لهذا الغرض، وذلك نحو المديد والرمل. وسيأتي لهذا زيادة بيان. ٥- إضاءة: واعلم أن الخواطر إذا تصورت فصول القصائد ومعانيها قبلا لشروع فيا لنظم، وقامت بها العبارات عن تلك المعاني قياما وهميا متخيلا، فقد يوجد في عبارة عبارة منها كلم يصلح أن تقع قوافي تكون كل عبارة منها فيها كلمة في كل ما عداها من العبارات كلمة تماثلها في المقطع، ويوجد فيها أيضاً كلم مغايرة مقاطعها المتماثلة لمقاطع الأولى ولا تبلغ الثواني مبلغ الأولى فيا لكثرة، ويوجد فيها أيضاً كلم لها مقطع ثالث إلا أنها في قليل من تلك العبارات. ٦- تنوير: فللشعراء بالنظر إلى ما يجب في المطالع وما يجب في القوافي، وبالنظر إلى ملاحظة ما يجب فيها ثلاثة مذاهب: أحدها مذهب المعتنين بالمبادئ. وهو أن يجعل مبدأ كلامه دالا على مقصده، ويفتتح القول بما هو عمدة في غرضه، وينظر في العبارة عن ذلك المعنى أصلح لفظة منها بالقافية؛ فإن كان مقطعها مماثلا لما تكاثر في معاني القصيدة من المقاطع المتماثلة حصلت له البغية في المبدأ والقوافي وتمكن مما أراد، وإن كان المقطع فيا لمبدأ مماثلا للمقاطع المتوسطة في مستأنف العبارات عن معاني القصيدة حصل له أيضاً كثير مما أراد واحتال في ما لم يكن فيه من العبارات ما يماثل مقطع المبدأ باجتلاب ما يماثله على جهة إلحاقه بالعبارة ويتحرى أن يكون ذلك مفيدا، فإن لم يماثل مقطع المبدأ إلا المقاطع التي وقعت قليلة فيا لعبارات احتال في وصل ما عز فيه وأبدل المقطع بما يوجد فيه تحرى الإفادة والبعد عن التكلف ما استطاع وأبدل مكان بعض المعاني التي كان يريد أن يقولها معاني مناسبة لها في ما وقع فيها عمدة أو فضلة مفيدة مقطع مماثل لمقطع المبدأ وحذف ما لم يجد منه بدلا، فهذا مذهب.

стр. 66

٧- إضاءة: والمذهب الثاني من آثر بنية الروي على ما تكاثر من المقاطع وافتتح بعمدة غرضه. فإن كان في العبارة ما يماثل مقطع الروي حصلت البغية، وإن لم يكن ذلك في العبارة احتال في تذييل العبارة بما يماثل مقاطع الروي إن أمكنه ذلك وتحرى الإفادة فيما ذيل به البعد عن التكلف أو عدل إلى معنى يناسب ذلك المعنى مما يتيسر هل فيه وجود المقطع الموافق. فإن أعوزه ذلك ركب أحد مركبين: إما يبدأ بأي معنى اتفق مما يتفق فيه وجود الروي متمكنا. وإما أن يترك التصريع ويفتتح بعمدة غرضه كيفما حضرته العبارة ولو واقعا في أولها الخزم. وبهذا المذهب كان الفرزدق يكمل نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك) منا الذي اختبر الرجال سماحة ... وجودا إذا هب الرياح الزعازع ٨- تنوير: والمذهب الثالث: أن يرجع المبدأ على القوافي في ما كانت فيه المقاطع متوسطة بين الكثرة والقلة، ويرجح القوافي على المبدأ حيث تقل المقاطع. ٩- إضاءة: واعلم أن للشعراء في تهديهم إلى العبارات التي ترد على الأفكار أول ما ترد عليها متزنة منطبعة على مقدار الكلام المقفى ومقطعه وإلى العبارة التي ليست توجد أول ورودها على الأفكار متزنة منطبعة على ما يرد صوغ الكلام بحسبه، لكن توجد قابلة لأدنى تغيير يصيرها منطبعة على ما يراد من ذلك، مراتب ثلاثا: الأولى أن تكون قوة الشاعر الناظمة في أكثر أمرها لا تلاحظ ما يصلح أن يكون عبارة عن المعنى مما ذمة الذكر به ملية عند اقتضائها إياه أول ملاحظتها إلا على الهيئات التي تكون نقل الحركات والسكنات فيها بحسب ما يقتضيه الوزن الذي يريد بناء كلامه عليه فيولج به الخاطر إلى اللسان موزونا. ١٠- تنوير: وقد تقتصر هذه القوة التي بهذه الصفة عن هذه الدرجة في كثير من المواضع. وذلك يكون لعوادي ثمان تعرض: أربع منها راجعة إلى الشاعر، وأربع راجعة إلى نفس الشعر. فأما ما يرجع إلى الشاعر من ذلك فمنها: ١- أن يكون بالخاطر كسل فلا تسمو تلك القوة معه سموها مع النشاط. ٢- وإما أن يكون الخاطر قد شغله تلفت إلى غير الغرض الذي هو آخذ في صوغ العبارة له، وعاقه ذلك عن تسليط تلك القوة عن ضروب ما يقوم فيه من العبارات المتخيلة وإمرارها على ضرب ضرب منها حتى تميز القوة بعرض جميعها حركاته وسكناته ومستمرة على ما يجب في ما بني الكلام عليه من الأوزان مما ليس التركيب في حركاته وسكناته كذلك إذ ذكا من التصور الذهني إلى التلفظ اللساني كامل وذلك التلفت منه يكون إما إلى جهة معنى يسنح له، وإما إلى جهة معنى قد قدمه فيسنح له فيما يتعلق به أو بالعبارة عنه ما يرفع قبحا ويضاعف حسنا. فينتهز الخاطر الفرصة في تحصيله. ففي حال الانصراف إلى محل الالتفات تتوافق القوة الناظمة عما كانت بسبيله من تصفح العبارة المستمرة الحركات والسكنات على منهاج الوزن الذي بني الكلام عليه والتغلغل إلى استخراجها من غمار العبارات غير المتزنة. ٣- وإما أن يدركه سهو، فينصرف عن الوزن الذي هو آخذ فيه إلى وزن يقاربه على سبيل الغلط. فيكون الخاطر غير آنس بالوزن الذي خرج إليه ولا ولع بالاستمرار على ما لم يتقدم له إلف له ولا سلف له عمل فيه، من شان النفس أن تحرص على إتمامه، ولا استثار فائدة فيه ولعه بما قد ألفه وتقدم له عمل فيه يشتاق إلى إتمامه. فلا ينبعث الخاطر بالقوة انبعاثا يمكنها من ملاحظة ما وضعه من العبارات موافق للوزن المبني بديها، فيتعذر على ها صوغ الكلام بحسب الوزن المخرج إلى السهو، ولو لم يتعذر على هذا التقدير أيضاً لم يحصل للناظم البغية مما أراد من الوزن الأول، فوقوع مثل هذا الغلط عائق عن وزن الكلام بحسب العروض المقصود بالقصد الأول على كل حال. وأكثر ما يقع هذا الغلط للفكر أيضاً إذا نال منه الكد والكسل، وإن كان هذا إنما يعرض في الأقل، وفي الأوزان المتشابهة نحو مجزو الوافر والهزج. ١١- إضاءة: ولا يعتاص وزن الكلام على المطبوعين إلا حيث يريدون تضمين المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، أو حيث يريدون صوغ الكلام على هيئات بديعة يحتاج فيها إلى إمرار الفكر على الألفاظ التي يحدس أن ذلك متأت فيها وإلى التنقيب عما يهيئ الكلام بتلك الهيئة من ضروب الترتيبات والوضع. فأما في ما سوى ذلك فالوزن أيسر شيء على من له أدنى بروع في هذه الصناعة.

стр. 67

١٢- تنوير: ولما ذكرته من انبعاث الخاطر وولعه بما قد ألفه واستثار الفوائد فيه فهو يحرص على إتمامه ما لا يولع بما لم يألفه ولا تقدمت له استثارة فائدة فيه قد يعتاص القول على الشاعر في مبادئ القصائد وصدورها ويتيسر في أوساطها وأعجازها. هذا على كونه في المبادئ أجم خاطرا وأشد تمكنا من القوافي. ١٣- إضاءة: ٤- والسبب الرابع من عوادي الشاعر عن التسرع في وزن الكلام أن تكون مواد العبارات في الذكر قليلة فيعز وجود ما يجيء من العبارات عفوا من غير احتيال ولا تكلف لذلك. ١٤- وأما ما يرجع إلى الشعر فمن ذلك: ١- أن يكون قدر الوزن فوق قدر المعنى، فيحتاج إلى إعمال الحيلة في ما يستحسن من الحشو، أو من المعاني التي يكون في اقترانها بالمعنى المقصود بالمقصد الأول تحسين للكلام وإبداع في حسن وضعه ونسقه وترتيب بعضه من بعض، فيقل أيضاً وجود ما يجيء من العبارات عفوا على هذه الصفة. ٢- أو يكون قد ر المعنى فوق قدر الوزن فيحتاج إلى الحذف والاختصار. ٣- أو يكون المعنى دقيقا داعيا إلى إيراد العبارة عنه على صورة يقل ورودها عفوا. ٤- أو يكون المعنى من المعاني التي العبارات عنها قليلة في اللسان، فلا يتمكن الخاطر من إيراد موزونة إلا بتعمل ومحاولة أو يكون للشاعر اختيار أن يورد المعنى في عبارة مخصوصة لكونها بارعة في نفسها أو بالنسبة إلى ما يليها. ١٥- إضاءة: والمرتبة الثانية من ليس له قوة على إحضار العبارة متزنة على البديهية إلا في قليل من المواضع، بل يحضر العبارات بحيث تقبل التغيير والتصيير إلى الوزن المقصود بأدنى سعي. ١٦- تنوير: والمرتبة الثالثة من لا يستطيع على إحضار العبارات متزنة أول إحضارها، ويحضرها مع ذلك غير قابلة التغيير إلى الوزن إلا بكد وتعب. ١٧- إضاءة: وكذلك القول في رد غير الموزون إلى الوزن بأحد التغييرات، تتفاوت (القدرة) أيضاً في الشعراء، فمنهم من يلوح له التغيير الممكن في العبارة بيسر، ومنهم من يلوح له ذلك ببطء، ومنهم من يقع في ذلك بين الطرفين. وقد قامت أن ضروب التغييرات التي تصير غير الموزون متزنا هي: إسكان متحرك أو تحريك ساكن أو زيادة في اللفظ أو نقص منه أو عدل صيغة إلى أخرى أو تقديم وتأخير أو إبدال لفظة مكان أخرى أو اجتماع أكثر من واحد من هذه التغييرات. ١٨- تنوير: واعلم أن ذا القوة القوية على النظم قد يوجد أبطأ في القول من ذي القوة التي ليست متناهية، وذلك إذا قصد إبعاد الغاية في الروية والتنقيح فتطلب المعاني الشريفة ونزع بها المنازع اللطيفة وجهد في إبرازها من العبارات في صور بديعة؛ فيحتاج في كل ذلك إلى تنقيب وفحص ويحتاج معهما في قليل القول إلى كثير الزمان. فأما إذا كان ذو القوة الفائقة آخذا في مثل نمط ذي القوة القاصرة من الكلام فإن الأقوى قوة منها يربي على الأضعف في سرعة القول؛ ويكون التفاوت بينهما في ذلك على قدر ما بينهما من التفاوت في القوة. فربما نظم الأقوى الثلاثين بيتا فما فوقها خلال ما ينظم الأضعف عشرة الأبيات فما دونها. بل قد يربي عليه إرباء أكثر من هذا. ١٩- إضاءة: والعوام ومن جرى مجراهم ممن لم يحل من هذه الصناعة بطائل يغلط في هذا فينسبون سرعة الخاطر إلى الشاعر فيما لا يجب فيه أن ينسب إلى السرعة، وينسبون إليه الإبطاء فيما لا يجب فيه أن ينسب إليه بطء. ومن هذا ما حكي من أبا العتاهية قال الشاعر كان قدم مع المأمون من خراسان: (في كم تصنع القصيدة؟) . فقال له: (قد أصنع القصيدة تبلغ ثلاثين بيتا في شهر) . فقال أبو العتاهية: (أما إني لا ملي على الجارية من ليلتي خمسمائة بيت) . فقال له الخراساني: (أما مثل قولك: (الهزج -ق -المترادف) ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة فإني أملي منه ألف بيت إذا شئت) . فانقطع أبو العتاهية وضحك الحاضرون منه. ٢٠- تنوير: ولا يجب ألا يقتصر على ما للقوة الناظمة من سليم الذوق وما يصح فيه دون ما يصح في العروض، وألا ينظم الكلام إلا بحسب ما يصح فيهما معا ليكون كلامه مع كونه جاريا على أوضح طرق المناسبات موافقا لكلام العرب في جميع ذلك.

стр. 68

٢١- إضاءة: وأحوال كل واحدة من الطبقات الثلاثة المتقدم ذكرهم قد تختلف في السرعة في جميع ذلك والإبطاء بحسب ما تكون عليه الخواطر من نشاط أو كسل أو حال بين الحالين، وبحسب ما تكون عليه دواعي الأفكار إلى استعمال الأقاويل الشعرية وإنشائها والأسباب البواعث على ذلك من توفر أو غير ذلك. ج- معلم دال على طرق العلم بكيفية العمل في المروى والمرتجل ومآخذ القول في الارتجال قريبة سهلة لكون ضيق الوقت يمنع من بعد المذهب في ذلك. ولا يخلو ارتجال من أن يكون مستقصى فيه ما كان من صفات الشيء المقول فيه لائقا بغرض القول أو غير مستقصى. وكلاهما لا يخلو من أن يكون مقرونا فيه بين المعاني المتعلقة بالشيء الموصوف وبين معان أخر يكون لها به علقة ولها إليه نسبة على سبيل تشبيه أو إحالة أو تعليل أو تتميم أو غير ذلك مما يكون به بعض المعاني بسبب من بعض، أو أن تكون المعاني المتعلقة بالشيء الموصوف غير مقترن بها شيء من المعاني. فأقاويل البديهة إذن أربعة أنماط: ١- قول مستقصى مقترن، ٢- ومستقصى غير مقترن، ٣- ومقترن غير مستقصى، ٤- وغير مستقصى ولا مقترن. وأفضلها الأول وأدناها الآخر. فعلى أحد هذه الأربعة الأنحاء يتخيل المرتجل ما يريد أن يقوله في وصف الشيء ثم يأخذ في نظم ذلك الشيء على النحو الذي تقدم ذكره وعلى ما نقوله بعد إن شاء الله. ويتسامح في كثير مما يتأنق فيه المروي ويقبل كثيرا مما لا يقبله المهذب المنقح لضيق الوقت عليه واتساعه على ذلك. ١- إضاءة: فإما الروية فإن المباحث فيها كثيرة والمذاهب فيها بعيدة لكون الزمان فيها يتسع لطلب الغايات المستطاعة من بناء الكلام على ما قدمته من أصناف محاسن الألفاظ والمعاني وإبداع النظم والتأنق في إحكام الأسلوب. والذي يدخل في الروية من تلك الأنماط ثلاثة وهي: المستقصى المقترن والمقترن غير المستقصى والمستقصى غير المقترن. والنمط الأول هو العريق في طريق الروية. وإذا حقق القول وجد المستقصى المقترن قليل الوقوع في الارتجال. فأنماط الارتجال أيضاً كأنها إذا حققت ثلاثة. وهي ما عدا المستقصى المقترن. ٢- تنوير: وللشاعر المروي في كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة أربعة مواطن للبحث: ١- موطن قبل الشروع فيا لنظم، ٢- وموطن قي حال الشروع، ٣- وموطن عند الفراغ، يبحث فيه عما هو راجع إلى النظم، ٤- وموطن بعد ذلك متراخ عن زمان القول يبحث فيه عن معان خارجة عما وقع في النظم لتكمل بها المعاني الواقعة في النظم وتسوفى بها أركان الأغراض ويكمل التئام المقاصد. فأما الموطن الأول فالغناء (فيه) لقوة التخيل. والموطن الثاني الغناء فيه للقوة الناظمة. ويعنيها حفظ اللغة وحسن التصرف. والموطن الثالث الغناء فيه للقوة الملاحظة كل نحو من الأنحاء التي يمكن أن يتغير الكلام إليها، ويعينها حفظ اللغة أيضاً وجودة التصرف والبصيرة بطرق اعتبار بعض الألفاظ والمعاني من بعض. والموطن الرابع الغناء فيه للقوة المستقصية الملتفتة، ويعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف. ٣- إضاءة: وبعد استقصاء وجوه المباحث في هذه المواطن الأربعة وكمال انتظام القصيدة المرواة، قد يعرضها الناظم على نفسه، فيظهر له بعرضها أمور كانت قد خفيت عنه من إلحاقات وإبدالات وتغيرات وحذف. وقد يعرض للشاعر موضع يرى أنه خليق بالتغيير أو الزيادة فيتعذر عليه ما يليق بالموضع من التغيير أو الزيادة فيرجيء النظر فيه إلى وقت آخر. وقد يعاود النظر في ذلك المرار الكثيرة فلا يتيسر له ما يريد إلا بعد معاودات كثيرة قد تطرأ عله معاودة النظر إلى كتب القصيدة. وربما كان غير ملفت إلى إصلاح ذلك الخلل ونشأ مع فكره إعمال خاطر في ذلك. فيغتنم الفرصة إذاك في إصلاح ذا وشأن الخواطر في هذا عجيب. ٤- تنوير: ومن أصحاب الروية من يجهد في استجداد العبارات والتأنق فيها من جهة الوضع والترتيب. ومنهم من لا يستجد ولا يتأنق. ومنهم من يستجد العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة، ومن يتأنق في العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة. فأما من لا يستجد ولا يتأنق فيه فليس يصدر عن مطبوع بروية.

стр. 69

وأعني بالاستجداد الجهد في ألا يواطئ من قبله في مجموع عبارة أو جملة معنى، وبالتأنق طلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض أجزاء العبارات والمعاني من بعض وتحسين هيئات الكلام في جميع ذلك. فإن العبارة إذا استجدت مادتها وتأنق الناظم في تحسين الهيأة التأليفية فيها وقعت من النفوس أحسن موقع. وكذلك الحال في المعاني، فتأمل ذلك. د- معرف دال على طرق المعرفة بكيفية التصرف في مقاصد الشعر وجهاته . وجهات الأقاويل الشعرية هي ما يكون الكلام منوطا به من الأشياء المقصود وصفها أو الإخبار عنها. والجهات ضربان: ضرب يع في الكلام مقصودا لنفسه. وهو ما كان له بالغرض المقول فيه علقة وله إليه انتساب بوجه يوجب ذكره. والصنف الثاني ما لم يكن له بالغرض علقة، ولكن له علقة ببعض الجهات المتعلقة بالغرض، فيذكر تابعا لما ذكر معتمدا على جهة إحالة أو محاكاة أو غير ذلك؛ وقد يكون له بالغرض علقة إلا أنه لم يذكر إلا من حيث ما هو تابع لغيره ومتعلق به. ١- إضاءة: وكانت للأوائل عناية بتعليق الأوصاف بهذه الجهات الثواني. وذلك حيث يكون في قوة الكلام أن يعود من الأوصاف المتعلقة بالثواني ما يفيد مبالغة أو غير ذلك في الجهات الأول. ٢- تنوير: واعلم أن الشعراء تتفاوت طبقاتهم فيا لتصرف في الجهات الأول، وتتفاوت في الجهات الثواني. والتفاوت في الثواني أكثر، لأن الجهات الأول يمكن حصرها في كل فن، وأما الجهات الثواني فقلما يتأتى حصرها لكثرة ما يمكن أن يستطرد من الشيء إليه أو يحال به عليه أو يحاكى به أو يعلق على الجملة به لنسبة في المعنى تقتضي ذلك. فإذا كانت الجهة الواحدة من الأول يمكن أن يناط بها جهات ثوان كثيرة على أنحاء من الاستدراج والاستطراد وما جرى مجرى ذلك من أنحاء الانتقالات المتنوعة بتنوع المقاصد، وكان كل نحو من ذلك ممكنا أن يذهب فيه إلى ضروب كثيرة من الهيئات الحاصلة عن الترتيب الذهني وعن النسب الواقعة بين بعض المعاني وبعض، صارت الصور الحاصلة عن جميع ذلك في تشفيع معاني الجهات الأول بمعاني الثواني وإردافها بها كثيرة التشعب بعيدة عن الحصر. وعظم التفاوت بين الشعراء في مقدار التصرف في ذلك. وإذا كانوا يتفاوتون في مقدار التصرف في الجهات الممكن حصرها فهم أجدر بالتفاوت فيما يبعد على الحصر. ٣- إضاءة: فأما تصرفهم في الجهات الأول فمنهم من يقتصر على الجهات الأكيدة في الغرض، ومنهم من يزيد إلى ذلك جهات هي أبعد من غرض الكلام من الجهات المقتصر عليها، ومنهم من لا يستوفي جميع الجهات الأكيدة ويقتصر على ما تيسر له منها. فهذا نوع من التصرف. ٤- تنوير: وهناك تصرف ثان. وهو مقدار ما يتصوره الشاعر من معاني الجهة. والشعراء في ذلك ثلاث طبقات: منهم من في قوته أن يستقصي معاني الجهة إذا شاء، ومنهم من لا يبلغ إلى الاستقصاء ويأتي من ذلك بمقدار كاف، ومنهم من يقصر عن المقدار الكافي. ٥- إضاءة: وهناك تصرف ثالث. وهو ملاحظة ما في الجهة التي عدمت فيها صفات الحسن أو قلت من الأوصاف التي يرى أنها حسنة حقيقية أو تمويها، وملاحظة ما في الجهة التي عدمت فيها صفات القبح أو قلت من الأوصاف التي يرى أنها قبيحة حقيقة أو تمويها، يقصد بذلك تحسين القبح وتقبيح الحسن. ويتمكن من هذا الغرض من حصل له التصرف في الأول والتصرف في الثواني والتصرف في الجمع بين الأول والثواني. ٦- تنوير: والشعراء يختلفون أيضاً في هذا: فمنهم من يقوى على حشر ما يمكن أن يوصف به الشيء الحسن من صفة يرى أنها قبيحة حقيقة أو تمويها، وما يمكن أن يوصف به القبيح من صفة يرى أنها حسنة حقيقة أو تمويها، ومنهم من لا يتهدى إلا إلى الشيء القليل من ذلك؛ ومنهم من يتوسط بين الطرفين. وهذا النوع من المقاصد من مجالات الشعر الضيقة. وكان أقوى الناس عارضة وأكثرهم تصرفا في هذا ابن الرومي. واعتبر قوته على ذلك بما قال في صفة السوداء في الشعر الذي يقول فيه: (المنسرح -ق- المتراكب) أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق وبما قال في النرجس والورد وبتحسينه التصابي في حال المشيب بشعره الذي أوله: (الخفيف -ق- المترادف) لاح شيبي فظلت أمرح فيه ... مرح الطرف في اللجام المحلى

стр. 70

ونحو من ذلك حسن تصرفه في الشعر الذي رثى فيه بعض القيان، وهو الذي يقول فيه: (الخفيف -ق- المتراكب) سيشفع الحور فيه أنك منهن بذاك الدلال والحور ٧- إضاءة: والتصرف في الثواني يتفاوت الشعراء فيه بحسب توفر حظ كل واحد منهم في القوى المتخيلة والشاعرة بالمناسبات الواقعة بين بعض المعاني وبعض المتهدية لأنحاء الانتقالات من الأول إلى الثواني والوجوه التي يكون بها بعضها من بعض بسبب من حيث كان تعليق المعنى الثاني بالأول إنما يكون على هذه الأنحاء: فمنهم من حظه أوفر الحظوظ من ذلك، ومنهم من حظه أدنى الحظوظ، ومنهم وسط بين الطرفين. ٨- تنوير: ومن الشعراء من يحسن القول في جهة واحدة ولا يحسن أن يردف قوله في جهة بقوله في جهة وأن ينتقل من إحداهما إلى الأخرى انتقالا لطيفا، ومنهم من يحسن إرداف الجهة بالجهة المناسبة لها ولا يحسن إردافها بما لا يناسبها فلا تتأتى النقلة لذلك من إحداهما إلى الأخرى إلا بمآخذ في الانتقالات لطيفة ومنازع في الالتفاتات بديعة، ومنهم من يحسن إرداف الجهات بالجهات في جميع ذلك. وطبقات الشعراء في الإحسان في كل ذلك تتفاوت بحسب ما تكون عليه أفكارهم من التهدي إلى ضروب الانتقالات وأنحاء الالتفاتات. ٩- إضاءة: وللشعراء مذاهب في ما يعتمدون إيقاعه فيا لجهات التي يعتمدون فيها لقول من الأنحاء المستحسنة في الكلام كالوصاف والتشبيهات والحكم والتواريخ. فقل ما يشذ من مستحسن الكلام عن هذه الأنحاء الأربعة شيء. فمنهم من تشتد عنايته بالأوصاف كالبحتري، وبالتشبيه كابن المعتز، وبالأمثال كالمتنبي، وبالتواريخ كابن دراج القسطلي. ومنهم من يتوفر قسطه من جميع ذلك كأبي تمام، وإن كان غيره أشف منه في التشبيه والحكم. ولابن الرومي في الإحاطة بالأوصاف والتشبيهات المجال المتسع، وابن دراج أيضاً في الأوصاف والتشبيهات متسع المجال. ١٠- تنوير: فأما الأوصاف فتقتبس من الجهات التي القول فيها. وأما التواريخ فتقتبس من غير الجهة التي فيها القول. وأما التشبيهات والحكم فتارة تقتبس من الجهة التي فيها القول وتارة تقتبس من جهة ثانية. وأنا أذكر ما تتنوع إليه هذه الجناس الأربعة ذكرا إجماليا على سبيل الإشارة. ١١- إضاءة: أما الأوصاف فإنهما تتنوع إلى وصف مطلق، وإضافي، وشرطي، وفرضي. ولكل واحد منها مواضع يليق بها ولا يصلح فيها غيره. وقد تقدم التعريف بجملة من أحكام الأوصاف وكيفيات التصرف فيها يمكن أن تعرف بها ما جرى مجراها. فكان ذلك مغنيا عن أن نشغل هذا الموضع بإعادة الكلام في ذلك. ١٢- تنوير: وأما التشبيهات فمنها ما يتعلق الشبه فيه بالصور والخلق ومنها ما يتعلق الشبه فيه بالأفعال والصفات. وكلا التشبيهين لا يخلو من أن يكون تشبيه الشيء فيه بما هو من نوعه أو بما هو من جنسه الأقرب أو بما هو من جنسه الأبعد أو بما ليس من جنسه. وتشبيه الشيء بالشيء يكون أن يتفق معه في صفة تكون في أحدهما على حدها في الآخر أو بنسبة منها أو في أكثر من صفة، فأما أن يتفق معه في جميع الصفات فلا يمكن، وإلا فكان يلزم لو اتفق معه في جميع ذلك أن يكون حقيقة هذا حقيقة ذلك من جميع الجهات وذلك غير ممكن. وقد تقدم التعريف بأنحاء التشبيهات وأحكامها وكيفيات التصرف فلا معنى لإعادته أيضا. ١٣- إضاءة: وأما التواريخ والقصص فإما أن تكون الإحالة فيها إحالة تذكرة أو إحالة محاكاة أو مفاضلة أو إضراب أو إضافة؛ وقد تكون من جهات أخر غير هذه. وقد تقدمت الإشارة إلى جمل من الأمور التي بها يتسبب إلى ذكر الأخبار الماضية والقصص السالفة فليتأمل القول في ذلك هنالك. ١٤- تنوير: وأما الحكم والأمثال فإما أن تكون الأخبار فيه يجرى الأمور على المعتاد فيها وإما بزوالها في وقت عن المعتاد على جهة الغرابة والندور أو الندور فقط لتوطن النفوس بذلك على ما لا يمكنها التحرز منه أو لا يحسن بها التحرز من ذلك، ولتحذر مما يمكنها التحرز منه ويحسن بها ذلك، ولترغب فيما يجب أن ترغب فيه وترهب مما يجب أن ترهبه، وليقرب عندها ما تستبعده ويبعد لديها ما تستقربه، ولتبين لها أسباب الأمور وجهات اتفاقات البديعة الاتفاق منها.

стр. 71

فهذه قوانين في الحكم والأمثال قلما يشذ عنها من جزئياتها شيء. وقد أجملت القول فيها إجمالا، إذ لم يمكن تفصيله في هذا الموضع، إذ للكلام في تفريع الأمثال المترتبة عن هذه الأصول الكليات مجال متسع. وجريت في ذلك على ما اعتمدته في جميع جهات الكلام والنظر في هذه القوانين الكلية عن تتبع جزئياتها. هـ- معلم دال على طرق العلم بتحسين هيآت العبارات والتأنق في اختيار موادها، وإجادة وضعها ورصفها. والتهدي إلى العبارات الحسنة يكون بأن تكون للشاعر قوة يستولي فكره بها على جميع الجهات التي يستكمل حسن الكلام بالترامي به إلى كل جهة منها والتباعد عن الجهات التي تضادها. وتلك الجهات هي اختيار المواد اللفظية أولا من جهة ما تحسن في ملافظ حروفها وانتظامها وصيغها ومقاديرها واجتناب ما يقبح في ذلك وقد تقدم، واختيارها أيضاً من جهة ما يحسن منها بالنظر إلى الاستعمال وتجنب ما يقبح بالنظر إلى ذلك واختيارها بحسب ما يحسن منها باعتبار طريق من الطرق العرفية وتجنب ما يقبح باعتبار ذلك. ١- إضاءة: ومن ذلك حسن التأليف وتلاؤمه. والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كملة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما، ومنها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال فتكون الواحدة في نهاية الابتذال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال، ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها، ومنها أن تكون كل كلمة قوية الطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها. ٢- تنوير: وقد تعدم هذه الصفات أو أكثرها من الكلم وتكون مع ذلك متلائمة التأليف لا يدرى من أين وقع فيها التلاؤم ولا كيف وقع، ليس ذلك إلا لنسبة وتشاكل يعرض في التأليف لا يعبر عن حقيقته ولا يعلم ما كنهه، إنما ذلك مثل ما يقع بين بعض الألحان وبعض وبعض الأصباغ وبعض من النسبة والتشاكل ولا يدرى من أين وقع ذلك. ٣- إضاءة: ومن ذلك التسهل في العبارات وترك التكلف. والتسهل يكون بان تكون الكلم غير متوعرة الملافظ والنقل من بعضها إلى بعض وان يكون اللفظ طبقا للمعنى تابعا له جارية العبارة من جميع أنحائها على أوضح مناهج البيان والفصاحة. هذا إذا لم يكن المقصد إغماض المعاني. ومعرفة تفصيل هذا الإجمال تستفاد من أبواب قد قدمتها. والتكلف يقع إما بتوعر الملافظ أو ضعف تطالب الكلم أو بزيادة ما لا يحتاج إليه أو نقص ما يحتاج، وإما بتقديم وتأخير، وإما بقلب، وإما بعدل صيغة عن صيغة هي أحق بالموضع منها، وإما بإبدال كلمة مكان كلمة هي أحسن موقعا في الكلام منها. ومن هذا إبدال الضمير المخاطب من ضمير الغائب في مثل قول الشاعر: (الطويل -ق- المترادف) فتاتان بالنجم السعيد ولدتما وقول المتنبي: (الكامل -ق- المترادف) قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام وإما بتكرار، إما بالحيدة عن معنى تقصر العبارة عنه إلى معنى مؤد عن مثل تأديته تطول العبارة عنه. ٤- تنوير: ومن ذلك إيثار حسن الوضع والمبني وتجنب ما يقبح من ذلك. فمن حسن الوضع اللفظي أن يؤاخى في الكلام بين كلم تتماثل في مواد لفظها أو في صيغها أو في مقاطعها فتحسن بذلك ديباجة الكلام. وربما دل بذلك في بعض المواضع أو الكلام على آخره. ومن ذلك وضع اللفظ إزاء اللفظ الذي بين معنييهما تقارب وتناظر من جهة ما لأحدهما إلى الآخر انتساب وله به علقة، وحمله عليه في الترتيب. فإن هذا الوضع في تأليف الألفاظ يزيد الكلام بيانا وحسن ديباجة واستدلالا بأوله على آخره. ومن قبح الوضع والتأليف أن تكون الألفاظ مع عدم تراخيها بعيدة أنحاء التطالب شتيتة النظم متخاذلا بعضها عن بعض كما قال: (الخفيف -ق- المترادف) لم يضرها، والحمد لله، شيء ... فانثنت نحو عزف نفس ذهول ٥- إضاءة: ومن ذلك ألا يزاد على قدر الحاجة من كل ما يستحسن وألا يجعل التمادي عليه سببا إلى السآمة له والغرض منه.

стр. 72

٦- تنوير: وبقوة التهدي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة. فالاستعذاب فيها بحسن المواد والصيغ والائتلاف والاستعمال المتوسط. والطلاوة تكون بائتلاف الكلم من حروف صقيلة وتشاكل يقع في التأليف ربما خفي سببه وقصرت العبارة عنه. والجزالة تكون بشدة التطالب بين كلمة وما يجاورها وبتقارب أنماط الكلم في الاستعمال. وسائرها يتعلق بالألفاظ المفردة من الشروط المذكورة التي تطرد الكلم بوجودها فيها أحسن اطراد. فهذه إشارة إلى ما يجب أن يتفقده الناظم ويلتفت إليه، وعلى قدر قوته، من الجهات التي تحسن منها العبارات أو تقبح، قد أجملت الكلام فيها، وجعلتها كالإحالة على ما قدمته، مما يتعلق بالألفاظ وتأليفها في العبارات عن المعاني. من قابل هذا لإجمال بذلك التفصيل ظفر بالغبية والمراد إن شاء الله. المنهج الثاني في الإبانة عن أنماط الأوزان في التناسب، والتنبيه على كيفيات مباني الكلام وعلى القوافي وما يليق بكل وزن منها من الأغراض، والإشارة إلى طرف من أحوال القوافي وكيفية بناء الكلام عليها وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافراً لها. أ- معلم دال على طرق العلم بمجازي الأوزان وأبنيتها وضروب تركيباتها ووضعها . قد صح بالاعتبارات البلاغية في تناسب المسموعات وانتظامها وترتيباتها وكون المناسبات الوزنية جزءا يدخل تلك الجملة أن الوزان المستعملة الآن عند أهل النظم - مما ثبت استعمال العرب له وما شك في ثباته، وما لم يثبت أصلا بل وضعه المحدثون قياسا على ما وضعته العرب - متركبة من ثلاثة أصناف من الأجزاء خماسيات وسباعيات وتساعيات، وإن لم يتسلم في هذا العروضيون. وليس يجب أن يلتفت إلى تسليهم في ذلك ولا منازعتهم، فإنهم فقراء إلى أن يقتبسوا تصحيح أصول صناعتهم في هذه الصناعة؛ فإن معرفة صناعتهم موقوفة على معرفة جهات التناسب في تأليف بعض المسموعات إلى بعض ووضع بعضها تالية لبعض أو موازية لها في الرتبة. ومعرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة الذي تندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب والوضع، فيعرف حال ما خفيت به طرق الاعتبارات من ذلك بحال ما وضحت فيه طرق الاعتبار وتوجد طرقهم في جميع ذلك تترامى إلى جهة واحدة من اعتماد ما يلائم واجتناب ما ينافر. ١- إضاءة: ولنقل الآن مقالا مختصرا في تعديد التركيبات والأبنية الوزنية التي يصوغ أهل النظم في هذا الزمان الكلام عليها مما ثبت وضعه عن العرب وما لم يثبت وما شك في ثباته. فنقول: إن الأوزان الشعرية منها ما تركب من أجزاء خماسية، ومنها ما تركب من أجزاء سباعية، ومنها ما تركب من أجزاء تساعية، ومنها ما تركب من أجزاء خماسية وسباعية، ومها ما تركب من أجزاء سباعية وتساعية، ومها ما تركب من خماسية وسباعية وتساعية. ٢- تنوير: فأما ما تركب من الخماسية الساذجة، المتقارب. وبناء شطره على فعولن مكررا أربعا، نحو قول الأعشى همذان: (المتقارب -ق- المترادف) تقادم عهدك أم الحلال ٣- إضاءة: وأما ما تركب من السباعية الساذجة فإن الشطر فيها على ثلاثة أجزاء، وربما حذفوا الثالث منها أو بعضه. فمن ذلك الرجز، وبناء شطره من مستفعلن ثلاث مرات، نحو قول جرير: (الرجز -ق- المتدارك) أقلبن من فهلان أو جنبي خيم ومنها الكامل، وبناء شطره على متفاعلن ثلاث مرات، نحو قول عنترة: (الكامل -ق- المتدارك) طال الثواء على رسوم المنزل ومنها الوافر، وأصل بناء شطره على مفاعلتن ثلاثا إلا أن السبب حذف من نهايتي شطره وأسكن ما قبله فبقي الجزء الثالث على فعولن، فصار تقدير الشطر: مفاعلتن، مفاعلتن، فعولن، نحو قول زهير: (الوافر - -ق المترادف) لمن طلل برامة لا يريم ومنها الرمل، وبناء شطره من فاعلاتن ثلاث مرات إلا أنه التزم فيه حذف سبب من جزء العروض - والعروض هي الجزء الذي في نهاية الشطر الأول من البيت - فصار تقدير أشطاره الأول، فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن، نحو قول نابغة بني شيبان: (الرمل -ق- المتدارك) حل قلبي من سليمى نبلها

стр. 73

ومنها الهزج، وأصل بناء شطره مفاعيلن ثلاث مرات إلا أنه التزم فيه حذف الجزء الثالث من كلا شطريه، فصار مجموع الوزن مربعا وكلا شطريه مثنى على مفاعيلن، مفاعيلن، كقول الشاعر: (الهزج -ق- المترادف) صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان ٤- تنوير: وأما ما تركب من التساعية الساذجة فالخبب. وبناء شطره متفاعلتن متفاعلتن مرتان هكذا كقول بعض الشعراء الأندلسيين: (الخبب -ق- المتراكب) أملت لقاءك في الحلم ... فزجرت العين فلم تنم ويدخله الإضمار فيصير متفاعلتن في تقدير المتطرف لوقوعه في فيصير إلى مفعولاتن. وعلى هذا يجب أن يتأول التشعيب في الجميع لأن الوتد يصير بخبن السبب الذي قبله جزءا من فاصلة فيسكن رأس الوتد تخفيفا لأن الفواصل قد يستثقل توالي الحركات فيها. فهذا هو الرأي الصحيح في التشعيث. وبه أخذ من حقق من العروضيين إذ لا معنى لقطع الأوتاد في الحشد، لأن القطع في الأوتاد إنما قصد به تنويع الضروب، وإنما يكون ذلك في نهايات الأجزاء لا في صدورها. وهذا الوجه هو بعض الوجوه التي يتبين بها فساد رأى من جعل شطر الخبب مركبا من فاعلن أربع مرات، وزعم أن الخبن التزم في جميع أجزائه وجاز فيها القطع. ولا يلتزم خبن ولا يجوز قطع إلا في عروض أو ضرب. وإنما حملهم على هذا حرصهم على أن يجعلوا الخبب يساوق في ترتيب حركاته وسكناته المتقارب، فيكون نظام كل واحد منهما إذا وضعت له أشكال في الخط أو تصور في الذهن، ثم تأخرت عن مبدأ ذلك النظام إلى أول جزء يلي الجزء الأول الذي هو مبدأ النظام، فبدأت بأول الجزء الثاني واستمررت على جميع النظام ووصلت بآخره الجزء الذي فاتك منه أولا، حصلت بذلك بنية الوزن الآخر وهيأته. فيجعل العروضيون أحد العروضيين بذلك منفكا عن الآخر. وهذا من الأعراض الواقعة في الأوزان من غير قصد، إذ النظام الذي يكون من أجزاء متماثلة إذا ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن تام من أجزاء متماثلة، وإذ ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن متداخل من جزأين متغايرين، وإذا النظام الذي يكون شطره مؤتلفا من ثلاثة أجزاء شفع ووتر - قدم الوتر أو وسط أو أخر - إذا ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن قد ترتبت أجزاؤه شفعا ووترا على واحد ممن الترتيبات الثلاثة. فنشا من ذلك في النظام المركب أجزاء خماسية متماثلة وزنان، وفي المركب من جزأين متغايرين يعاقب أحدهما الآخر خمسة أوزان، وفي المركب شطره من جزأين متغايرين مكرر أحدهما تسعة أوزان. وتوجد بعض هذه الأوزان متلائمة خفيفة، وبعضها متنافرة ثقيلة والتنافر والثقل يكون فيها لوجوه: منها أن تقع الأسباب الثقيلة والأوتاد المفروقة في نهايات الأجزاء التي هي مظان اعتمادات وتوقرات ومقاطع أنفاس، فيكون وقوع الحركات هنالك غير ملائم للنفوس وثقيلا عليها. وكذلك وقوع الفواصل في نهايات الشطور، فإنه مستثقل وليس منافراً. ولذلك يحتمل وقوعها فيا لمقدار القصير والمتوسط نحو المقتضب والخبب ولا يحتمل وقوعها في الطويل نحو الوافر، ولاسيما وقد تكررت في الوافر ثلاثا ولم تقع في الخبب إلا مرتين. ومن تلك الوجوه التي يقع بها التنافر والثقل تشافع الأجزاء الطويلة في أوساط الأشطار ونهاياتها ووقوع الجزء المفرد صدرا، ومنها بناء الوزن على أجزاء كلها يقع الثقيل في نهايته والخفيف في صدره، وذلك مثل أن يركب شطر وزن على فاعلن أربع مرات. فلهذه الأسباب وما جرى مجراها مما لا يتسع لذكره هذا الموضع اقتضى النظر البلاغي أن يعدل بكثير من تقديرات الأوزان عما قدر به العروضيون، إذ كانوا بطرق التناسب والتنافر حتى أنهم جزأوا كثيرا من الأوزان تجزئة وقعوا بها في حيز الوضع المتنافر. فلذلك حققنا في كل وزن تجزئته المتناسبة، وجعلنا شطر الخبب مبنيا من جزأين تساعيين كلاهما مركب من سبب ثقيل ووتد مفروق ووتد مجموع، إذ كانت القسمة تقتضي هذا الوضع اقتضاء ضروريا إذ كان تركيب الأجزاء من الأسباب والأوتاد لا يخلو من أن يكون بضم سبب إلى وتد فيكون الجزء من ذلك خماسيا، أو بضم سببين إلى وتد فيكون الجزء من ذلك سباعيا، أو بضم سبب إلى وتدين فيكون الجزء من ذلك تساعيا. فباستقصاء هذه القسمة تهدى إلى وضع عروض الخبب.

стр. 74

٥- إضاءة: وإذ قد تبين هذا فينبغي لمن طمحت به همته إلى مرقاة البلاغة المعضودة بالأصول المنطقية والحكمية لوم تسفف به إلى حضيض صناعات اللسان الجزئية المبنية أكثر آرائها على شفا جرف هار ألا يعتقد في وزن من الأوزان أنه مفتقر في وضعه إلى أن يفك من نظام آخر، بل إنما يستنبط الوزن باستقصاء ضروب تركيبات الأسباب والأوتاد واستقصاء ضروب ما يتركب من الأجزاء المؤتلفة من تركيبات الأسباب والأوتاد، ثم يلزمه بعد الوضع أن يوجد وزن آخر أو أوزان سياق نظامها نظامه بان تجعل مبدأها من رؤوس الأسباب والأوتاد متأخرا عن مبدئه على ما تقدم. فلهذا وجب أن يعتقد أن هذه الانفكاكات التي لهذا الأعاريض من الدوائر أمور عارضة لا يفتقر في تصور ماهيات الأعاريض وحقائقها إليها، ولذلك لم يقل بها كثير من العروضيين. ومن أوردها فإنما أوردها على أنها ملحة عرضية لحقت الأوزان اتفاقا لا أنها حقيقة بنيت عليها الأعاريض وضعا واعتمادا. فلهذا يجب ألا يبلغ الحرص بالمتأدب على أن يستقصي جميع ما ينفك من كل دائرة ويروم أن يرد كثيرا من الأوزان إلى ذلك ولو بتجزئة متنافرة ثقيلة كما فعل ذلك العروضيون، بل يجب عليه أن يقدر كل وزن بالتجزئة المتناسبة اللائقة به سواء وجد ذلك الوزن بتلك التجزئة منفكا من بعض الدوائر التي قد وقعت فيها أوزان مستعملة أو وجد أمة وحده غير منفك من وزن مستعمل أو منفك منه وزن مستعمل. فقد بينا أن أكثر الدوائر تنفك منها أوزان غير ملائمة ولا خفيفة. وهناك أيضاً دوائر أخر لم يستعمل منها شيء. وهي عزيزة الإحصاء لكثرتها، إذ لكل تركيب من تركيبات الأسباب والأوتاد والجزاء المركبة منها دائرة تخصه. وضروب التركيبات كثيرة جدا. وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب وليس يوجد أصلا في ضورب التركيبات والوضع الذي للحركات والسكنات والأجزاء المؤتلفة من ذلك أفضل مما وضعته العرب من الأوزان. وإذا تصفحت ما قلته في ترتيب الحركات والسكنات والمسموعات المستطابة من ضروب ترتيباتها في مواضع قد تقدمت من هذا الكتاب عرفت صحة ذلك. ولنرجع الآن ما كنا بسبيله من الإبانة عن ضروب التركيبات الوزنية. ٦- تنوير: فإما الأوزان المتركبة من خماسية وسباعية فإن أصل البناء أشطارها على أربعة أجزاء. فمن ذلك الطويل، وشطره فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن، نحو: (الطويل -ق- المترادف) صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو إلا أنهم التزموا حذف الخامس من جزء العروض وهو الجزء الرابع، فلا يثبتون الخامس الساكن إلا في التصريع المقابل لضرب تام، ويستقطعونه في جميع الأعاريض الواقعة في تضاعيف القصيدة، حيث لا تصريع على الصفة المذكورة. وذلك كقول امرئ القيس: (الطويل -ق- المترادف) وهل يعمن إلا سعيد مخلد فتقدير جزء العروض في هذا مفاعلن، بغير ياء، ويسمى حذف هذا الساكن الخامس القبض. ومنها البسيط. وشطره مربع متداخل على نحو وضع الطويل، إلا أن الخامس فيه يسبق السابع، وذلك نحو قول النابغة: (البسيط -ق- المتراكب) يا دار مية بالعلياء فالسند وكان أصل شطوره: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، إلا أنهم التزموا الخبن، وهو حذف الثاني الساكن في فاعلن في جزئي العروض والضرب مع تصريع وغير تصريع. ومنها المديد. وأصل بناء شطره على أربعة أجزاء إلا أنهم التزموا حذف جزء من عروضه وجزء من ضربه، وهو فاعلن. فصار الشطر: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن، نحو قول مهلمل: (المديد -ق- المترادف) يا لبكر، انشروا لي كليبا

стр. 75

ومنها المقتضب. وأصل بناء شطره: فاعلن مفاعلتن فاعلن مفاعلتن، إلا أن هذا ثقل لكثرة الأوتاد فيه والأسباب وتكرر الفاصلة ووقوعها في النهايات. وقد قدمنا أن ذلك مستثقل. فلهذا لم يستعملوه إلا منصوفا أي محذوف النصف من كل شطر. فهذا هو الصحيح الذي يشهد به السماع والقياس والقوانين البلاغية في اعتبار تناسب التركيبات، إذ الدليل يقوم على أنهم لم يوقعوا الوتد المفروق ولا السبب الثقيل في نهاية جزء خماسي ولا سباعي ولا فيما فوق ذلك، لأنا قد ذكرنا أن قانونهم ألا يضعوا الثقيل في النهايات ولاسيما في أواخر الأجزاء التي هي مظان اعتمادات وتوقرات وتقاطع أنفاس بوقفات خفية أو بينة عليهم أو روم لذلك وإيماء إليه، وأيضا فإن الزحافات لا تلتزم في غير تنويع الأعاريض الضروب، وقد لزم ذلك التجزئة التي قدر بها أهل العروض المقتضب ووقع ذلك في حشوها فدل على فساد رأيهم، وأيضا فإنهم يلزمهم أن يقابلوا بفعولات فاعلات على أنها من وضع التماثل حيث كان هذان الجزءان قد وضعا في صدر الشطر الأول وصدر الشطر الثاني على أن يتساوقا في الزمان ويتساويا في الترتيب. وقد وضح في صناعة الموسيقى أن فعولات مضاد لفاعلات كما أن فعولن مضاد لفاعل، لأن الوضع فيهما متخالف، حيث كان أحدهما مفتتحا بمتحرك بعده ساكن ومختتما بساكن بعد متحركين، وكان الآخر مفتتحا بمتحركين بعدهما ساكن ومختتما بمتحرك بعده ساكن. فكانا لذلك متضادين. فكيف يوضع المتضادان وضع المتماثلين في ترتيب يقصد به تناسب المسموع والتنظير بين الأجزاء المتماثلة في الوضع وأن يجعل عمود اللحن؟. فهذا ينبغي ألا يلتفت إلى ما وضعه أو غيره العروضيون أو الرواة من الأبيات التي تدفعها المقاييس البلاغية والقوانين الموسيقية والأذواق الصحيحة في هذا الوزن وغيره، ونحو ما غيروه من قول القائل: (المقتضب -ق- المتراكب) جانا مبشرنا ... بالبيان والنذر فيصيروه بتحريفهم وجهلهم بما يضمحل في أصول وضع الأوزان إلى هذا التغيير الفاسد وهو: أتانا مبشرنا ... بالبيان والنذر وذلك ليطر لهم رأيهم الفاسد في ما أثبتوه من التراقب الذي لا يصح ولا يثبت، إذ قد ظهر اضمحلاله في هذا الوزن واضمحلال التجزئة التي توجد فيها الأسباب مهيئة لإمكان وقوع ذلك فيها لولا انه شيء لا معنى له إلا إفساد الوزن والإخلال بوضعه والخروج به عن الوضع الملائم إلى الوضع المنافر بالجملة. ٧- إضاءة: فأما المتركبة من السباعيات المتغايرة فبناء أشطارها على ثلاثة أجزاء مزدوجان ومفرد. فمن ذلك ما تأخر في بناء المفرد كالسريع، وتجزئته الصحيحة التي تشهد بها القوانين البلاغية: مستفعلن مستفعلن فاعلان، نحو قول حسان: (السريع -ق- المترادف) ما هاج حسان ربوع المغاني ... ومظعن الحي ومبنى الخيام ودعوى العروضيين أن نظامه مأخوذ من دائرة المنسرح باطلة للوجوه التي تقدم ذكرها. وليس الجزء الواقع نهاية كلا الشطرين من هذا الوزن بمحذوف من غيره ولا مغير من سواه وإنما هو مركب من سبب خفيف ووتد مجموع متضاعف لأن الأرجل التي تتركب منها أجزاء جميع الأوزان ستة أصناف: ١- سبب ثقيل وهو متحركان نحو: بم، لك، ٢- وسبب خفيف وهو متحرك بعده ساكن نحو: من، عن، ٣- وسبب متوال وهو متحرك يتوالى بعده ساكنان نحو: قال بتسكين اللام، ٤- ووتد مفروق وهو متحركان بينهما ساكن نحو: كيف، أين، ٥- ووتد مجموع وهو متحركان بعدهما ساكن نحو: لقد، ٦- ووتد متضاعف وهو متحركان بعدهما ساكنان نحو: مقال بتسكين اللام. فالسبب الثقيل والوتد المفروق لا يقع في نهاية جزء، وإنما يقعان في صدور الأجزاء وتضاعيفها. والسبب المتوالي والوتد المتضاعف لا يقعان إلا في نهايات الضروب والأعاريض المصرعة. والسبب الخفيف والوتد المجموع هما اللذان يقعان من صدور الأجزاء وأوساطها وأعجازها كل موقع. ٨- تنوير: ويجب أن تعلم أن العرب استقصت القسمة في تركيب المقارنة بين بعض هذه الأرجل وبعض ووضعها في أوزان أخر غير متقارنة فاعتمدت من ذلك في كل وزن ما كان مناسبا للوضع الخاص به. فبنوا أكثر الأعاريض من أكثر هذه الأرجل تصرفا، وهي الأسباب الخفيفة والأوتاد المجموعة: فمما بنوه على ذلك من الأعاريض: الطويل والبسيط والمديد والمتقارب والرجز والهزج والرمل.
следующие страницы →