Полный текст (121 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فهذه قوانين في الحكم والأمثال قلما يشذ عنها من جزئياتها شيء. وقد أجملت القول فيها إجمالا، إذ لم يمكن تفصيله في هذا الموضع، إذ للكلام في تفريع الأمثال المترتبة عن هذه الأصول الكليات مجال متسع. وجريت في ذلك على ما اعتمدته في جميع جهات الكلام والنظر في هذه القوانين الكلية عن تتبع جزئياتها.
هـ- معلم دال على طرق العلم بتحسين هيآت العبارات والتأنق في اختيار موادها، وإجادة وضعها ورصفها.
والتهدي إلى العبارات الحسنة يكون بأن تكون للشاعر قوة يستولي فكره بها على جميع الجهات التي يستكمل حسن الكلام بالترامي به إلى كل جهة منها والتباعد عن الجهات التي تضادها. وتلك الجهات هي اختيار المواد اللفظية أولا من جهة ما تحسن في ملافظ حروفها وانتظامها وصيغها ومقاديرها واجتناب ما يقبح في ذلك وقد تقدم، واختيارها أيضاً من جهة ما يحسن منها بالنظر إلى الاستعمال وتجنب ما يقبح بالنظر إلى ذلك واختيارها بحسب ما يحسن منها باعتبار طريق من الطرق العرفية وتجنب ما يقبح باعتبار ذلك.
١- إضاءة: ومن ذلك حسن التأليف وتلاؤمه. والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كملة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما، ومنها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال فتكون الواحدة في نهاية الابتذال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال، ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها، ومنها أن تكون كل كلمة قوية الطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها.
٢- تنوير: وقد تعدم هذه الصفات أو أكثرها من الكلم وتكون مع ذلك متلائمة التأليف لا يدرى من أين وقع فيها التلاؤم ولا كيف وقع، ليس ذلك إلا لنسبة وتشاكل يعرض في التأليف لا يعبر عن حقيقته ولا يعلم ما كنهه، إنما ذلك مثل ما يقع بين بعض الألحان وبعض وبعض الأصباغ وبعض من النسبة والتشاكل ولا يدرى من أين وقع ذلك.
٣- إضاءة: ومن ذلك التسهل في العبارات وترك التكلف. والتسهل يكون بان تكون الكلم غير متوعرة الملافظ والنقل من بعضها إلى بعض وان يكون اللفظ طبقا للمعنى تابعا له جارية العبارة من جميع أنحائها على أوضح مناهج البيان والفصاحة. هذا إذا لم يكن المقصد إغماض المعاني. ومعرفة تفصيل هذا الإجمال تستفاد من أبواب قد قدمتها.
والتكلف يقع إما بتوعر الملافظ أو ضعف تطالب الكلم أو بزيادة ما لا يحتاج إليه أو نقص ما يحتاج، وإما بتقديم وتأخير، وإما بقلب، وإما بعدل صيغة عن صيغة هي أحق بالموضع منها، وإما بإبدال كلمة مكان كلمة هي أحسن موقعا في الكلام منها.
ومن هذا إبدال الضمير المخاطب من ضمير الغائب في مثل قول الشاعر: (الطويل -ق- المترادف)
فتاتان بالنجم السعيد ولدتما
وقول المتنبي: (الكامل -ق- المترادف)
قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام
وإما بتكرار، إما بالحيدة عن معنى تقصر العبارة عنه إلى معنى مؤد عن مثل تأديته تطول العبارة عنه.
٤- تنوير: ومن ذلك إيثار حسن الوضع والمبني وتجنب ما يقبح من ذلك. فمن حسن الوضع اللفظي أن يؤاخى في الكلام بين كلم تتماثل في مواد لفظها أو في صيغها أو في مقاطعها فتحسن بذلك ديباجة الكلام.
وربما دل بذلك في بعض المواضع أو الكلام على آخره. ومن ذلك وضع اللفظ إزاء اللفظ الذي بين معنييهما تقارب وتناظر من جهة ما لأحدهما إلى الآخر انتساب وله به علقة، وحمله عليه في الترتيب. فإن هذا الوضع في تأليف الألفاظ يزيد الكلام بيانا وحسن ديباجة واستدلالا بأوله على آخره.
ومن قبح الوضع والتأليف أن تكون الألفاظ مع عدم تراخيها بعيدة أنحاء التطالب شتيتة النظم متخاذلا بعضها عن بعض كما قال: (الخفيف -ق- المترادف)
لم يضرها، والحمد لله، شيء ... فانثنت نحو عزف نفس ذهول
٥- إضاءة: ومن ذلك ألا يزاد على قدر الحاجة من كل ما يستحسن وألا يجعل التمادي عليه سببا إلى السآمة له والغرض منه.
стр. 72
٦- تنوير: وبقوة التهدي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة. فالاستعذاب فيها بحسن المواد والصيغ والائتلاف والاستعمال المتوسط. والطلاوة تكون بائتلاف الكلم من حروف صقيلة وتشاكل يقع في التأليف ربما خفي سببه وقصرت العبارة عنه. والجزالة تكون بشدة التطالب بين كلمة وما يجاورها وبتقارب أنماط الكلم في الاستعمال. وسائرها يتعلق بالألفاظ المفردة من الشروط المذكورة التي تطرد الكلم بوجودها فيها أحسن اطراد.
فهذه إشارة إلى ما يجب أن يتفقده الناظم ويلتفت إليه، وعلى قدر قوته، من الجهات التي تحسن منها العبارات أو تقبح، قد أجملت الكلام فيها، وجعلتها كالإحالة على ما قدمته، مما يتعلق بالألفاظ وتأليفها في العبارات عن المعاني. من قابل هذا لإجمال بذلك التفصيل ظفر بالغبية والمراد إن شاء الله.
المنهج الثاني في الإبانة عن أنماط الأوزان في التناسب، والتنبيه على كيفيات مباني الكلام وعلى القوافي وما يليق بكل وزن منها من الأغراض، والإشارة إلى طرف من أحوال القوافي وكيفية بناء الكلام عليها وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافراً لها.
أ- معلم دال على طرق العلم بمجازي الأوزان وأبنيتها وضروب تركيباتها ووضعها .
قد صح بالاعتبارات البلاغية في تناسب المسموعات وانتظامها وترتيباتها وكون المناسبات الوزنية جزءا يدخل تلك الجملة أن الوزان المستعملة الآن عند أهل النظم - مما ثبت استعمال العرب له وما شك في ثباته، وما لم يثبت أصلا بل وضعه المحدثون قياسا على ما وضعته العرب - متركبة من ثلاثة أصناف من الأجزاء خماسيات وسباعيات وتساعيات، وإن لم يتسلم في هذا العروضيون. وليس يجب أن يلتفت إلى تسليهم في ذلك ولا منازعتهم، فإنهم فقراء إلى أن يقتبسوا تصحيح أصول صناعتهم في هذه الصناعة؛ فإن معرفة صناعتهم موقوفة على معرفة جهات التناسب في تأليف بعض المسموعات إلى بعض ووضع بعضها تالية لبعض أو موازية لها في الرتبة.
ومعرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة الذي تندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب والوضع، فيعرف حال ما خفيت به طرق الاعتبارات من ذلك بحال ما وضحت فيه طرق الاعتبار وتوجد طرقهم في جميع ذلك تترامى إلى جهة واحدة من اعتماد ما يلائم واجتناب ما ينافر.
١- إضاءة: ولنقل الآن مقالا مختصرا في تعديد التركيبات والأبنية الوزنية التي يصوغ أهل النظم في هذا الزمان الكلام عليها مما ثبت وضعه عن العرب وما لم يثبت وما شك في ثباته.
فنقول: إن الأوزان الشعرية منها ما تركب من أجزاء خماسية، ومنها ما تركب من أجزاء سباعية، ومنها ما تركب من أجزاء تساعية، ومنها ما تركب من أجزاء خماسية وسباعية، ومها ما تركب من أجزاء سباعية وتساعية، ومها ما تركب من خماسية وسباعية وتساعية.
٢- تنوير: فأما ما تركب من الخماسية الساذجة، المتقارب. وبناء شطره على فعولن مكررا أربعا، نحو قول الأعشى همذان: (المتقارب -ق- المترادف)
تقادم عهدك أم الحلال
٣- إضاءة: وأما ما تركب من السباعية الساذجة فإن الشطر فيها على ثلاثة أجزاء، وربما حذفوا الثالث منها أو بعضه.
فمن ذلك الرجز، وبناء شطره من مستفعلن ثلاث مرات، نحو قول جرير: (الرجز -ق- المتدارك)
أقلبن من فهلان أو جنبي خيم
ومنها الكامل، وبناء شطره على متفاعلن ثلاث مرات، نحو قول عنترة: (الكامل -ق- المتدارك)
طال الثواء على رسوم المنزل
ومنها الوافر، وأصل بناء شطره على مفاعلتن ثلاثا إلا أن السبب حذف من نهايتي شطره وأسكن ما قبله فبقي الجزء الثالث على فعولن، فصار تقدير الشطر: مفاعلتن، مفاعلتن، فعولن، نحو قول زهير: (الوافر - -ق المترادف)
لمن طلل برامة لا يريم
ومنها الرمل، وبناء شطره من فاعلاتن ثلاث مرات إلا أنه التزم فيه حذف سبب من جزء العروض - والعروض هي الجزء الذي في نهاية الشطر الأول من البيت - فصار تقدير أشطاره الأول، فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن، نحو قول نابغة بني شيبان: (الرمل -ق- المتدارك)
حل قلبي من سليمى نبلها
стр. 73
ومنها الهزج، وأصل بناء شطره مفاعيلن ثلاث مرات إلا أنه التزم فيه حذف الجزء الثالث من كلا شطريه، فصار مجموع الوزن مربعا وكلا شطريه مثنى على مفاعيلن، مفاعيلن، كقول الشاعر: (الهزج -ق- المترادف)
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
٤- تنوير: وأما ما تركب من التساعية الساذجة فالخبب. وبناء شطره متفاعلتن متفاعلتن مرتان هكذا كقول بعض الشعراء الأندلسيين: (الخبب -ق- المتراكب)
أملت لقاءك في الحلم ... فزجرت العين فلم تنم
ويدخله الإضمار فيصير متفاعلتن في تقدير المتطرف لوقوعه في فيصير إلى مفعولاتن. وعلى هذا يجب أن يتأول التشعيب في الجميع لأن الوتد يصير بخبن السبب الذي قبله جزءا من فاصلة فيسكن رأس الوتد تخفيفا لأن الفواصل قد يستثقل توالي الحركات فيها. فهذا هو الرأي الصحيح في التشعيث. وبه أخذ من حقق من العروضيين إذ لا معنى لقطع الأوتاد في الحشد، لأن القطع في الأوتاد إنما قصد به تنويع الضروب، وإنما يكون ذلك في نهايات الأجزاء لا في صدورها. وهذا الوجه هو بعض الوجوه التي يتبين بها فساد رأى من جعل شطر الخبب مركبا من فاعلن أربع مرات، وزعم أن الخبن التزم في جميع أجزائه وجاز فيها القطع. ولا يلتزم خبن ولا يجوز قطع إلا في عروض أو ضرب. وإنما حملهم على هذا حرصهم على أن يجعلوا الخبب يساوق في ترتيب حركاته وسكناته المتقارب، فيكون نظام كل واحد منهما إذا وضعت له أشكال في الخط أو تصور في الذهن، ثم تأخرت عن مبدأ ذلك النظام إلى أول جزء يلي الجزء الأول الذي هو مبدأ النظام، فبدأت بأول الجزء الثاني واستمررت على جميع النظام ووصلت بآخره الجزء الذي فاتك منه أولا، حصلت بذلك بنية الوزن الآخر وهيأته. فيجعل العروضيون أحد العروضيين بذلك منفكا عن الآخر. وهذا من الأعراض الواقعة في الأوزان من غير قصد، إذ النظام الذي يكون من أجزاء متماثلة إذا ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن تام من أجزاء متماثلة، وإذ ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن متداخل من جزأين متغايرين، وإذا النظام الذي يكون شطره مؤتلفا من ثلاثة أجزاء شفع ووتر - قدم الوتر أو وسط أو أخر - إذا ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن قد ترتبت أجزاؤه شفعا ووترا على واحد ممن الترتيبات الثلاثة. فنشا من ذلك في النظام المركب أجزاء خماسية متماثلة وزنان، وفي المركب من جزأين متغايرين يعاقب أحدهما الآخر خمسة أوزان، وفي المركب شطره من جزأين متغايرين مكرر أحدهما تسعة أوزان.
وتوجد بعض هذه الأوزان متلائمة خفيفة، وبعضها متنافرة ثقيلة والتنافر والثقل يكون فيها لوجوه: منها أن تقع الأسباب الثقيلة والأوتاد المفروقة في نهايات الأجزاء التي هي مظان اعتمادات وتوقرات ومقاطع أنفاس، فيكون وقوع الحركات هنالك غير ملائم للنفوس وثقيلا عليها. وكذلك وقوع الفواصل في نهايات الشطور، فإنه مستثقل وليس منافراً.
ولذلك يحتمل وقوعها فيا لمقدار القصير والمتوسط نحو المقتضب والخبب ولا يحتمل وقوعها في الطويل نحو الوافر، ولاسيما وقد تكررت في الوافر ثلاثا ولم تقع في الخبب إلا مرتين. ومن تلك الوجوه التي يقع بها التنافر والثقل تشافع الأجزاء الطويلة في أوساط الأشطار ونهاياتها ووقوع الجزء المفرد صدرا، ومنها بناء الوزن على أجزاء كلها يقع الثقيل في نهايته والخفيف في صدره، وذلك مثل أن يركب شطر وزن على فاعلن أربع مرات.
فلهذه الأسباب وما جرى مجراها مما لا يتسع لذكره هذا الموضع اقتضى النظر البلاغي أن يعدل بكثير من تقديرات الأوزان عما قدر به العروضيون، إذ كانوا بطرق التناسب والتنافر حتى أنهم جزأوا كثيرا من الأوزان تجزئة وقعوا بها في حيز الوضع المتنافر. فلذلك حققنا في كل وزن تجزئته المتناسبة، وجعلنا شطر الخبب مبنيا من جزأين تساعيين كلاهما مركب من سبب ثقيل ووتد مفروق ووتد مجموع، إذ كانت القسمة تقتضي هذا الوضع اقتضاء ضروريا إذ كان تركيب الأجزاء من الأسباب والأوتاد لا يخلو من أن يكون بضم سبب إلى وتد فيكون الجزء من ذلك خماسيا، أو بضم سببين إلى وتد فيكون الجزء من ذلك سباعيا، أو بضم سبب إلى وتدين فيكون الجزء من ذلك تساعيا. فباستقصاء هذه القسمة تهدى إلى وضع عروض الخبب.
стр. 74
٥- إضاءة: وإذ قد تبين هذا فينبغي لمن طمحت به همته إلى مرقاة البلاغة المعضودة بالأصول المنطقية والحكمية لوم تسفف به إلى حضيض صناعات اللسان الجزئية المبنية أكثر آرائها على شفا جرف هار ألا يعتقد في وزن من الأوزان أنه مفتقر في وضعه إلى أن يفك من نظام آخر، بل إنما يستنبط الوزن باستقصاء ضروب تركيبات الأسباب والأوتاد واستقصاء ضروب ما يتركب من الأجزاء المؤتلفة من تركيبات الأسباب والأوتاد، ثم يلزمه بعد الوضع أن يوجد وزن آخر أو أوزان سياق نظامها نظامه بان تجعل مبدأها من رؤوس الأسباب والأوتاد متأخرا عن مبدئه على ما تقدم. فلهذا وجب أن يعتقد أن هذه الانفكاكات التي لهذا الأعاريض من الدوائر أمور عارضة لا يفتقر في تصور ماهيات الأعاريض وحقائقها إليها، ولذلك لم يقل بها كثير من العروضيين. ومن أوردها فإنما أوردها على أنها ملحة عرضية لحقت الأوزان اتفاقا لا أنها حقيقة بنيت عليها الأعاريض وضعا واعتمادا. فلهذا يجب ألا يبلغ الحرص بالمتأدب على أن يستقصي جميع ما ينفك من كل دائرة ويروم أن يرد كثيرا من الأوزان إلى ذلك ولو بتجزئة متنافرة ثقيلة كما فعل ذلك العروضيون، بل يجب عليه أن يقدر كل وزن بالتجزئة المتناسبة اللائقة به سواء وجد ذلك الوزن بتلك التجزئة منفكا من بعض الدوائر التي قد وقعت فيها أوزان مستعملة أو وجد أمة وحده غير منفك من وزن مستعمل أو منفك منه وزن مستعمل. فقد بينا أن أكثر الدوائر تنفك منها أوزان غير ملائمة ولا خفيفة. وهناك أيضاً دوائر أخر لم يستعمل منها شيء. وهي عزيزة الإحصاء لكثرتها، إذ لكل تركيب من تركيبات الأسباب والأوتاد والجزاء المركبة منها دائرة تخصه.
وضروب التركيبات كثيرة جدا. وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب وليس يوجد أصلا في ضورب التركيبات والوضع الذي للحركات والسكنات والأجزاء المؤتلفة من ذلك أفضل مما وضعته العرب من الأوزان. وإذا تصفحت ما قلته في ترتيب الحركات والسكنات والمسموعات المستطابة من ضروب ترتيباتها في مواضع قد تقدمت من هذا الكتاب عرفت صحة ذلك.
ولنرجع الآن ما كنا بسبيله من الإبانة عن ضروب التركيبات الوزنية.
٦- تنوير: فإما الأوزان المتركبة من خماسية وسباعية فإن أصل البناء أشطارها على أربعة أجزاء. فمن ذلك الطويل، وشطره فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن، نحو: (الطويل -ق- المترادف)
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو
إلا أنهم التزموا حذف الخامس من جزء العروض وهو الجزء الرابع، فلا يثبتون الخامس الساكن إلا في التصريع المقابل لضرب تام، ويستقطعونه في جميع الأعاريض الواقعة في تضاعيف القصيدة، حيث لا تصريع على الصفة المذكورة. وذلك كقول امرئ القيس: (الطويل -ق- المترادف)
وهل يعمن إلا سعيد مخلد
فتقدير جزء العروض في هذا مفاعلن، بغير ياء، ويسمى حذف هذا الساكن الخامس القبض.
ومنها البسيط. وشطره مربع متداخل على نحو وضع الطويل، إلا أن الخامس فيه يسبق السابع، وذلك نحو قول النابغة: (البسيط -ق- المتراكب)
يا دار مية بالعلياء فالسند
وكان أصل شطوره: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، إلا أنهم التزموا الخبن، وهو حذف الثاني الساكن في فاعلن في جزئي العروض والضرب مع تصريع وغير تصريع.
ومنها المديد. وأصل بناء شطره على أربعة أجزاء إلا أنهم التزموا حذف جزء من عروضه وجزء من ضربه، وهو فاعلن. فصار الشطر: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن، نحو قول مهلمل: (المديد -ق- المترادف)
يا لبكر، انشروا لي كليبا
стр. 75
ومنها المقتضب. وأصل بناء شطره: فاعلن مفاعلتن فاعلن مفاعلتن، إلا أن هذا ثقل لكثرة الأوتاد فيه والأسباب وتكرر الفاصلة ووقوعها في النهايات. وقد قدمنا أن ذلك مستثقل. فلهذا لم يستعملوه إلا منصوفا أي محذوف النصف من كل شطر. فهذا هو الصحيح الذي يشهد به السماع والقياس والقوانين البلاغية في اعتبار تناسب التركيبات، إذ الدليل يقوم على أنهم لم يوقعوا الوتد المفروق ولا السبب الثقيل في نهاية جزء خماسي ولا سباعي ولا فيما فوق ذلك، لأنا قد ذكرنا أن قانونهم ألا يضعوا الثقيل في النهايات ولاسيما في أواخر الأجزاء التي هي مظان اعتمادات وتوقرات وتقاطع أنفاس بوقفات خفية أو بينة عليهم أو روم لذلك وإيماء إليه، وأيضا فإن الزحافات لا تلتزم في غير تنويع الأعاريض الضروب، وقد لزم ذلك التجزئة التي قدر بها أهل العروض المقتضب ووقع ذلك في حشوها فدل على فساد رأيهم، وأيضا فإنهم يلزمهم أن يقابلوا بفعولات فاعلات على أنها من وضع التماثل حيث كان هذان الجزءان قد وضعا في صدر الشطر الأول وصدر الشطر الثاني على أن يتساوقا في الزمان ويتساويا في الترتيب.
وقد وضح في صناعة الموسيقى أن فعولات مضاد لفاعلات كما أن فعولن مضاد لفاعل، لأن الوضع فيهما متخالف، حيث كان أحدهما مفتتحا بمتحرك بعده ساكن ومختتما بساكن بعد متحركين، وكان الآخر مفتتحا بمتحركين بعدهما ساكن ومختتما بمتحرك بعده ساكن. فكانا لذلك متضادين. فكيف يوضع المتضادان وضع المتماثلين في ترتيب يقصد به تناسب المسموع والتنظير بين الأجزاء المتماثلة في الوضع وأن يجعل عمود اللحن؟.
فهذا ينبغي ألا يلتفت إلى ما وضعه أو غيره العروضيون أو الرواة من الأبيات التي تدفعها المقاييس البلاغية والقوانين الموسيقية والأذواق الصحيحة في هذا الوزن وغيره، ونحو ما غيروه من قول القائل: (المقتضب -ق- المتراكب)
جانا مبشرنا ... بالبيان والنذر
فيصيروه بتحريفهم وجهلهم بما يضمحل في أصول وضع الأوزان إلى هذا التغيير الفاسد وهو:
أتانا مبشرنا ... بالبيان والنذر
وذلك ليطر لهم رأيهم الفاسد في ما أثبتوه من التراقب الذي لا يصح ولا يثبت، إذ قد ظهر اضمحلاله في هذا الوزن واضمحلال التجزئة التي توجد فيها الأسباب مهيئة لإمكان وقوع ذلك فيها لولا انه شيء لا معنى له إلا إفساد الوزن والإخلال بوضعه والخروج به عن الوضع الملائم إلى الوضع المنافر بالجملة.
٧- إضاءة: فأما المتركبة من السباعيات المتغايرة فبناء أشطارها على ثلاثة أجزاء مزدوجان ومفرد.
فمن ذلك ما تأخر في بناء المفرد كالسريع، وتجزئته الصحيحة التي تشهد بها القوانين البلاغية: مستفعلن مستفعلن فاعلان، نحو قول حسان: (السريع -ق- المترادف)
ما هاج حسان ربوع المغاني ... ومظعن الحي ومبنى الخيام
ودعوى العروضيين أن نظامه مأخوذ من دائرة المنسرح باطلة للوجوه التي تقدم ذكرها.
وليس الجزء الواقع نهاية كلا الشطرين من هذا الوزن بمحذوف من غيره ولا مغير من سواه وإنما هو مركب من سبب خفيف ووتد مجموع متضاعف لأن الأرجل التي تتركب منها أجزاء جميع الأوزان ستة أصناف: ١- سبب ثقيل وهو متحركان نحو: بم، لك، ٢- وسبب خفيف وهو متحرك بعده ساكن نحو: من، عن، ٣- وسبب متوال وهو متحرك يتوالى بعده ساكنان نحو: قال بتسكين اللام، ٤- ووتد مفروق وهو متحركان بينهما ساكن نحو: كيف، أين، ٥- ووتد مجموع وهو متحركان بعدهما ساكن نحو: لقد، ٦- ووتد متضاعف وهو متحركان بعدهما ساكنان نحو: مقال بتسكين اللام.
فالسبب الثقيل والوتد المفروق لا يقع في نهاية جزء، وإنما يقعان في صدور الأجزاء وتضاعيفها. والسبب المتوالي والوتد المتضاعف لا يقعان إلا في نهايات الضروب والأعاريض المصرعة. والسبب الخفيف والوتد المجموع هما اللذان يقعان من صدور الأجزاء وأوساطها وأعجازها كل موقع.
٨- تنوير: ويجب أن تعلم أن العرب استقصت القسمة في تركيب المقارنة بين بعض هذه الأرجل وبعض ووضعها في أوزان أخر غير متقارنة فاعتمدت من ذلك في كل وزن ما كان مناسبا للوضع الخاص به. فبنوا أكثر الأعاريض من أكثر هذه الأرجل تصرفا، وهي الأسباب الخفيفة والأوتاد المجموعة: فمما بنوه على ذلك من الأعاريض: الطويل والبسيط والمديد والمتقارب والرجز والهزج والرمل.
стр. 76
ومما بنوه من الأسباب الثقيلة والخفيفة والأوتاد المجموعة: الوافر والكامل.
ومما بنوه من الأسباب الثقيلة والأوتاد المجموعة والمفروقة: الخبب.
ومما بنوه من الأسباب الثقيلة والخفيفة والأوتاد المجموعة والمفروقة: المقتضب، على ما بيناه قبل.
ومما بني على الأسباب الخفيفة والأوتاد المجموعة والمفروقة والمضاعفة الضرب الأول من المجتث. وقد غاب عن العروضيين كونه من المجتث وجعلوه ضربا ثالثا من البسيط وقد روا شطر الضرب منه: مستفعلن فاعلن مستفعلان، مقاييس البلاغة تقتضي أن يكون تقديره: مستفعلن فاعلاتن فاعلان، لوجوه يطول ذكرها. ومنها: أن زيادة المدة في مستفعلان في البسيط لا معنى لها، ومنها أن التجزئة التي قد روابها المحتث- وهي أن يكون أصل شطره: مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن - خارجة عن القوانين التي اعتمدتها العرب في تركيب أوزانها، فإنهم لم يضاعفوا جزءا سباعيا في ما يلي نهايات الأشطار لما قدمناه من استثقال ذلك. وإنما وقع لهم مضاعفا فيا لنهايات وما يليها الخماسي لأنه أخف، نحو العروض المجزوءة المحذوفة من المديد وتقديرها: فاعلاتن فاعلن فاعلن. فلهذا جعلنا نحن تقدير شطر الضرب الأول من المحتث: مستفعلن فاعلاتن فاعلان. فيكون تركيبه على هذا من جزء مفرد وجزأين متضارعين وقع أخفهما في النهاية.
وهذا النحو من الوضع من جملة التركيبات المتناسبة. وهناك ضروب جعلوها من مقصرات البسيط، ويمكن أن ترد إلى هذا، وهي به أليق لأن مجاريها أوفق بمجاريه لأن الخبن في فاعلن من البسيط يحسن ما لا يحسن في تلك المقصرات، فلهذا كانت أنسب إلى المجتث. وأيضا فإن الطويل والبسيط عروضان فاقا الأعاريض في الشرف والحسن وكثرة وجوه الوضع، فإذا أزيل عنهما بعض أجزائهما ذهب الوضع الذي به حسن التركيب وتناهى في التناسب فلم يوجد لمقصراتها طيب لذلك. وغيرهما من الأعاريض قد يوجد في مقصراته ما يكون أطيب منه. فلما كانت مقصرات الطويل والبسيط تنحط عن درجة الوزن التام في ذلك انحطاطا متفاوتا كان لإهمال تلك المقصرات وجه من النظر إذ كانت الأوزان التامة كالآباء وهذه المقصرات المقتضبة كالأبناء. وإذا لم يلد الكريم كريما كان أحسن له أن لا يلد. لكن الناس قد نسبوا الوزن الذي صلح عندنا أن يكون ضربا ثانيا من المجتث إلى البسيط، فلنسامحهم في ذلك. وحكم مخلع البسيط الذي تجيء نهاياته على مثال مفعولن هذا الحكم. وكلاهما صالح أن ينسب إلى المجتث.
فأما الوزن المضارع لهذا المخلع وهو الذي اعتمد المحدثون إجراء نهاياته على مثال فعولن، فليس راجعا إلى واحد من هذه الأوزان. وإنما هو عروض قائم بنفسه مركب شطره من جزأين تساعيين على نحو تركيب الخبب وتقديره: مستفعلاتن مستفعلاتن، وكأنهم يلتزمون حذف السين من الجزء الثاني لأن السواكن في كل وزن إذا توالى منها أربعة ليس بين كل ساكن منها وساكن إلا حركة تأكد حذف الساكن الثالث وحسن الوزن بذلك حسنا كثيرا.
فمما ورد من ذلك محذوف الساكن قول علي بن الجهم: (اللاحق -ق- المترادف)
بسر من را إمام عدل ... تغرف من جوده البحار
لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار
ومما جاء على أصل الوزن قول بعض الأندلسيين: (اللاحق -ق- المترادف)
وحي عني إن فزت حيا ... أمضى مواضيهم الجفون
وقول أبي بكر بن مجبر: (اللاحق -ق- المترادف)
إن سل سيفا بناظريه ... لم تر فينا إلا قتيلا
فمثل هذه النون من قوله (إن فزت) مقبولة في الذوق، وإن كان حذفها أخف. فواجب أن تجعل تجزئة الوزن بحسب ما وجد مقبولا فيه لتسلم أقاويل كثير ممن يوثق بصحة ذوقه من الكسر، لأنه كالمستحيل عليهم. فإن طباعهم لا تقبل ذلك إلا وله وجه. وليس يمكن أن يقع هذا الساكن في مثل قوله: (اللاحق -ق- المترادف)
أقفر من أهله ملحوب
لأن اجتماعها مع اللام في قوله ملحوب لا يقبله الذوق إذا كانت السواكن في ذلك الوزن الذي لا يثبت فيه مثل اللام الساكنة في ملحوب قد تناهت في الكثرة، فكانت أربع أخماس المتحركات، ولا يمكن أن تكون نسبة السواكن من المتحركات أكثر من هذا. فلهذا اقتضى النظر البلاغي أن يجعل وزنا برأسه. وليس أخذ هذا الوزن عن العرب يثبت بل هو مثل الخبب في ذلك.
стр. 77
٩- إضاءة: وقد فصلوا أيضاً في بعض مقصرات الأوزان أن يوقعوا فيها من اقترانات الأسباب والأوتاد ما لم يوقعوه في مطولاتها.
فمن ذلك اقتران السببين الثقيل والخفيف والوتد المجموع والمضاعف في الضرب السادس من الكامل. وهو الذي آخر أجزائه متفاعلان، واقتران الوتد المجموع والسبب الخفيف والسبب المتوالي في الرمل في الضرب الذي آخر أجزائه فاعليان.
١٠- تنوير: ولنرجع إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام في الأوزان المتركبة من السباعيات المتغايرة فنقول: إن عروض السريع وعروض كل وزن كانت غاية ضربه سببا متواليا أو وتدا متضاعفا بان ترد السبب والوتد إلى أصليهما بحذف الساكن الأخير من كليهما.
١١- إضاءة: ومن تركيب السباعيات المتغايرة ما يتوسط فيه المفرد ويتطرف الجزءان المتماثلان كالخفيف، وتقدير كلا شطريه: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن، نحو قول أبي دهبل: (الخفيف -ق- المترادف)
صاح حي الإله أهلا ودارا ... عند أصل القناة من جيرون
فأما ما يتقدم فيه المفرد على المزدوجين فمهمل في أوزان العرب، لأن الجزأين المتكررين أثقل من المفرد. فالصدر أولى بهما على قياساتهم، وتصدير الأشطار أيضاً بما يظهر فيه التناسب أولى من تصديرها بما لا يظهر فيه تناسب. ولهذا ولاعتبارات أخر أيضاً أهملوا هذا الضرب من الأبنية الوزنية.
وقد وضع بعض الشعراء الأندلسيين على هذا البناء وزنا إلا أنه جعل الجزأين المزدوجين خماسيين فرارا من الثقل الواقع بتشافع السباعيين في النهاية، فكان التشافع في ذلك الوضع أخف في الخماسي وذلك قوله: (المديد -ق- المتدارك)
أقصر عن لومي اللائم ... لما درى أنني هائم
تقدير شطره: مستفعلن فاعلن فاعلن.
وقد تقدم أن من مقصرات المديد ما يصير إلى هذا الوضع أعني الوضع الذي يصدر الشطر فيه بالجزء المفرد ويعقب بالجزأين المتشافعين.
١٢-تنوير: فأما المتركب من سباعي وتساعي فهو من وضع المتأخرين من شعراء المشرق. جعلوا الجزء المفرد فيه تساعيا والمتشافعين سباعيين، فقدموا التساعي وتلوه بما يناسبه من السباعيات، وجعلوه الجزء الثاني من السباعيين في أكثر استعمال - وهو المستطاب في الذوق والأحسن في الوضع - ينقص عن الأول ليكون كل واحد من الجزاء أخف مما قبله. وتحرروا في ذلك أن يكون كل جزء مناسبا لما قبله، وذلك هو الوزن الذي يسمونه الدبيتي وشطره المستعمل: مستفعلتن مستفعلن مفتعلن، نحو قول القائل: (الدبيتي -ق- المتراكب)
هذا ولهي، وقد كتمت الولها ... صونا لحديث من هوى النفس لها
يا آخر محبتي ويا أولها ... أيام عنائي فيك ما أطولها
وقد يجيء الجزء الأخير على مستفعلن، وهو الأصل، ولكن في الأقل. ويستعمل أيضاً مقطوعا فيصير مستفعلن إلى مفعولن نحو قول بعضهم: (الدبيتي -ق- المترادف)
ما أشوقني إلى نسيم الرند ... يشفي كمدى، إذا أتى من نجد
ويشعثون الفاصلة التي في الجزء الأول فيصير مستفعلتن إلى مفعولاتن، نحو قوله: (الدبيتي -ق- المترادف)
شوقي شوقي به ووجدي وجدي
١٣ - إضاءة: فأما المتركب من خماسي وسباعي وتساعي فبنته العرب على أن تكون النقلة فيه من الأثقل إلى الأخف ومن الجزء إلى ما يناسبه فبدأوا بالتساعي وتلوه بسباعي يناسبه وتلوه بخماسي يناسب السباعي، والتزموا الخبن في الضرب وهو جزء القافية. وهذا الوزن هو المنسرح. وبناء شطره: مستفعلاتن مستفعلن فاعلن. والخبن في فاعلن في العروض أحسن.
١٤- تنوير: فالأوزان التي ثبت وضعها عن العرب أربعة عشر وزنا. وهي: الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، والرجز، والرمل، والهزج، والمنسرح، والخفيف، والسريع، والمتقارب، والمقتضب، والمجتث. وإن كان المقتضب والمجتث لي لهما تلك الشهرة في كلامهم.
والذي يشك في وضع العرب له الخبب.
والذي لم يثبت للعرب أصلا بل هو من وضع المحدثين الوزن الذي يسمى الدبيتي، ولا بأس بالعمل عليه، فإنه مستطرف ووضعه متناسب.
стр. 78
١٥- إضاءة: فأما الوزن الذي سموه المضارع، فما أرى أن شيا من الاختلاق على العرب أحق بالتكذيب والرد منه، لأنه طباع العرب كانت أفضل من أن يكون هذا الوزن من نتاجها. وما أراه أنتجه إلا شعبة بن برسام خطرت على فكر من وضعه قياسا. فيا ليته لم يضعه ولم يدنس أوزان العرب بذكره معها، فإنه أسخف وزن سمع، فلا سبيل إلى قبوله ولا العمل عليه أصلا.
١٦- تنوير: فعلى ما قدمته من ضروب تقادير التجزئة في الأوزان العربية والملحقة بها والمشكوك في كونها عربية أو ملحقة يجب أن يعتمد؛ فإن استيفاء قسمة الوضع المتناسب في الأوزان يقتضي أن تكون تقديرات هذه الأوزان على النحو الذي ذكرته وأن تكون تجزئتها على الصفة التي قدمتها.
فمن كان له أدنى بصيرة لم يتخالجه الشك في أن الصحيح ما ذكرته لاستناد ما قلته إلى علم اللسان الكلي الذي لا تتبين أصول علوم اللسان الجزئية ومباديه إلا فيه، ولكون علم اللسان الكلي منشأ على أصول منطقية وآراء فلسفية موسيقية وغير ذلك. فلذلك كان كلامنا في ذلك أهلا لأن يوثق به ويركن إليه.
١٧- إضاءة: وأكثر الأوزان التي ذكرتها تتنوع أعاريضها وضروبها. وذلك إما أن يكون بحذف جزء برأسه، أو بحذف ساكن من وتد أو سبب متطرف في جزء العروض أو الضرب وإسكان ما قبله، أو بحذف ساكن ضوعف به سبب أو وتد، أو بحذف الوتد أو السبب رأسا، أو بإسكان ما قبل الوتد أو السبب بعد حذفه، أو بالتزام بعض الزحافات في جزأي العروض والضرب، أو بزيادة سبب على جزء الضرب ويسمى ذلك ترفيلا، أو بزيادة ساكن مصوت قبل آخر حرف من جزء الضرب ويسمى ذلك إسباغا وإذالة.
١٨- تنوير: ووقوع هذه العلل والتغايير في عروض عروض وضرب وضرب من أعاريض الوزان التي قدمت ذكرها وضروبها على التفصيل يعرفها من تلقاء نفسه من له ذوق صحيح وحصل له قسط مقنع من الاستقراء وشد مع ذلك شيئا من هذه الصناعة. ومن لم يكن له ذوق، فإنهم حصروا عامة ما نوعت العرب إليه نهايات الأشطار من أبنية أوزانها من الأعاريض والضروب.
فإن هذه الصناعة لا يليق بها أن تخرج إلى محض صناعات اللسان الجزئية، وأن تستقصى فيها تفاصيل تلك الصناعات. وإنما نتكلم من ذلك في ما له علقة بصناعة البلاغة أو في ما عسى المتكلم في هذه الصناعة أن يستطرد إليه من ذلك. وأكثر ما يتكلم البليغ أيضاً من ذلك في قوانين كلية يمكن أن تستنبط منها أشياء في نصاعات اللسان الجزئية. فلهذا وكلنا ذكر ما وقع من تغيير تغيير في عروض عروض وضرب ضرب من وزن وزن لصاحب صناعة العروض. فليتصفح هنالك، وبالله التوفيق.
ب- معرف دال على طرق المعرفة بما وقع في أوزان العرب من ضروب التركيبات المتلائمة ، وأنواع الترتيبات المتناسبة، وما لوحظ فيها مما حسن عندهم أن يهيئوا بهيئته، وبمقدار ما أوقعوه في وزن وزن من ذلك.
لما كان جميع ما يدركه الإنسان لا يخلو من أن يكون شيئا بسيطا لا تنوع فيه أصلا أو يكون له تنوع من جهة ما يكون من الأشياء المركبة، وكانت شيمة النفس التي جبلت عليها حب النقلة من الأشياء التي لها بها استمتاع إلى بعض، كانت جديرة أن تسأم التمادي على الشيء البسيط الذي لا تنوع فيه بنقلها من شيء إلى شيء ما لا تسأم الشيء الذي له تنوع يمكنها معه المراوحة بين تأمل الشيء وتأمل غيره مما يكون تنوع ذلك الشيء إليه، وإن كانت أيضاً تحب النقلة من الشيء المتنوع إلى غيره من المتنوعات لكنها تحتمل من التمادي عليه ما لا تحتمل من التمادي على ما تنوع له أصلا.
١- إضاءة: وكلما وردت أنواع الشيء ضروبه مترتبة على نظام متشاكل وتأليف متناسب كان ذلك أدعى لتعجيب النفس وإبلاغها بالاستماع من الشيء، ووقع منها الموقع الذي ترتاح له.
стр. 79
فلهذا كانت المتحركات والسواكن إذا ركبت منها أجزاء أول، اعني أنها في أول تركيب إلا لا تنحل إلا إلى جزأين بسيطين أو إلى بسيط ومركب في أدنى تركيب - وهذه هي الأسباب والأوتاد - ثم ألف من ضم بعض تلك الأجزاء إلى بعض على الأنحاء المتناسب ثم وضعت في مقادير من المسوعات، تحتمل منها: أربعة أجزاء خماسية أو خماسيين وسباعيين، أو ثلاثة أجزاء سباعية أو سباعيين وسداسيا أو تساعيا وسباعيين أو تساعيا وسباعيا وخماسيا، أو جزأين ثمانيين، أو تساعيين. ونسق في ذلك بعض المتماثلات على بعض أو قورن بين الجزء وما يضارعه على نحوين من الوضع: ١- أحدهما أن يضاعف كلاهما ويراوح بينهما في الوضع فيرد أحدهما أبدا عقب الآخر، فتكون لأحدهما المراتب الأفراد أبدا، مثل أن يقع أولا وثالثا وخامسا وسابعا، وتكون للآخر المراتب الأزواج بأن يقع ثانيا ورابعا وسادسا وثامنا، وذلك نحو الطويل والبسيط.
٢- والآخر أن يوضع أحد المتضارعين متكررا والآخر مفردا، فيقدم المتشافعان على المفرد، أو يوسط المفرد بينهما، أو يؤخران ويقدم المفرد. وهذا الوضع الأخير لم يقع للعرب إلا في فروع الأوزان دون أصولها، لأن هذا الوضع بالنسبة إلى ما قبله قليل التناسب: إذ لا استفتاح فيه بغير مظنة التناسب، وإذ الأثقل فيه موضوع طرفا، وإذ هو من بناء الكثير على القليل، وبناء القليل على الكثير أنسب، اللهم إلا إذا كان الجزء المضاعف يقصر على الجزء المفرد الذي بني عليه، فإن ذلك يستساغ.
وعلى هذا النحو استعملت العرب في فروع أوزانها هذا الوضع. وعلى ذلك قيس ما وضع من الأوزان المحدثة، فضوعف فيه السباعي بعد التساعي، أو وضع ذلك على نحو لا ينسق فيه بعض المتماثلات على بعض ولا يراوح بين جزء يورد متكررا في مواضع غير متصلة وبين جزء مضارع له يورد أيضاً متكررا في المواضع المتخللة لمواضع الآخر، ولا يضاعف فيه أحد الجزأين ويفرد الآخر؛ بل يكون الموضع بالاطراد من بعض المتضارعات إلى بعض والانحدار فيها من الأثقل إلى الأخف والاستمرار في ثلاثة الأجزاء على هذا التدريج.
وقد يقع نقلة الترقي المضادة لهذا الوضع فيا لمضارعات أيضاً تناسب في الوضع وحسن مسموع، ولكن في بعض الاقترانات لأسباب موجبة لذلك قد ذكرناها في غير هذا الموضع.
٢- تنوير: والتضارع بين الأجزاء هو أن يكون ترتيب جزء ما يماثل ترتيب صدر جزء نحو فعولن ومفاعيلن، أو يماثل ترتيب الجزء ترتيب عجز جزء آخر نحو فاعلن ومستفعلن، أو تكون نسبة صدر الجزء إلى صدر الجزء فيما ينقص عنه نسبة عجزه إلى عجز الآخر أيضاً فيما ينقص عنه نحو فاعلن ومفاعلتن، أو يكون صدر أحدهما يماثل صدر الآخر أو يماثل عجزه عجزه أو صدره عجزه أو عجزه صدره.
والجزء المضاد للجزء هو الذي يكون وضعه مخالفا لوضعه نحو مستفعلن ومفاعيلن. فإن الوتد في أحدهما مقدم على السببين، وفي الآخر مؤخر عنهما، ومثله مفاعلتن ومتفاعلن.
والمنافر هو الذي لا يضارع ولا يضاد وذلك بألا يكون بين الجزأين تقارب في الترتيب ولا تضاد فيه نحو متفاعلن ومفاعيلن.
فالتركيبات المتناسبات إنما تكون باقتران المتماثلات والمتضارعات ولا يقع في اقتران المتضادات والمتنافرات تركيب متناسب أصلا. وقد يكون الجزء مضادا للآخر من وجه، مضارعا له من وجه آخر، مثل فاعلن وفعولن، فإنهما وإن تضادا من جهة الوضع بان قدم في أحدهما ما أخر في الآخر، فقد ضارع أحدهما صاحبه من جهة أن صدره مماثل لعجزه.
ويشترط في التضارع مساواة أكثر الجزأين. فإن كان في جزء يسير منهما أو من أحدهما لم يعتد به. وأحسن التركيب ما وضع فيه أحد المتضارعين مما يلي الحيز الذي ضارعه من صاحبه نحو وضع الطويل والبسيط. ولهذا رفض مقلوب وضعهما لأن الجزء فيه ليس موضعا مما يلي الجزء الذي ضارعه من صاحبه.
стр. 80
٣- إضاءة: فإذا وضعت مقادير من المسموعات مؤلفة من الأجزاء المتقدمة الذكر على الأنحاء الخمسة التي وضعت عليها العرب أبنية أوزانها - وهي: ١- الوضع الذي تتسق فيه المتماثلات نحو المتقارب، ٢- أو الذي تتداخل فيه المتضارعات نحو الطويل، ٣- أو الذي يتقدم فيه المتشافعان على المفرد نحو السريع، ٤- أو الذي يتوسط فيه المفرد بين المتشافعين نحو الخفيف، ٥- أو الذي تتسق فيه المتضارعات نسق انحدار؛ وعلى ما يناسب من الوضعين الباقيين، وهو: ١- تقديم المفرد على المتشافعين، ٢- ونسق المتضارعات نسق ارتقاء؛ وربعت الخماسيات في نسق المتماثلات في الشطر الموزون وثلثت السباعيات فيه وثنيت الثمانيات والتساعيات في ذلك وربعت المتداخلات من الخماسيات والسباعيات وثلثت الواقعة بتشافع وإفراد، وكذلك المتضارعات أي عدد كانت - كان ذلك مسموعا متناسبا من شأن النفس أن تستطيبه ويداخلها التعجب من تأتي نسقه واطراد هيئاته وترتيباته المحفوظة.
ويسمى ما كان على هذه الصفة شطر بيت. فإن أردف مقدار موضوع على بعض تلك الأنحاء قد تهيأ بتلك الهيأة التي تستطيبها النفس وتستبدعها بمقدار آخر يساويه في الوضع والتراتيب زادت النفس ابتهاجا بذلك أحسن موقع وأكمله مناسبة. وهذا المقدار المجموع من المقدارين هو المسمى بيتا.
٤- تنوير: ولما كان أحق البواعث بأن يكون هو السبب الأول الداعي إلى قول الشعر هو الوجد والاشتياق والحنين إلى المنازل المألوفة وألا فها عند فراقها وتذكر عهودها وعهودهم الحميدة فيها، وكان الشاعر يريد أن يبقي ذكرا أو يصوغ مقالا يخيل فيه حال أحبابه ويقيم المعاني المحاكية لهم ف الأذهان مقام صورهم وهيآتهم ويحاكي فيه جميع أمورهم حتى يجعل المعاني أمثلة لهم ولأحوالهم أحبوا أن يجعلوا الأقاويل - التي يودعونها المعاني المخيلة لأحبابهم المقيمة ف الأذهان صورا هي أمثلة لهم ولأحوالهم - مرتبة ترتيبا يتنزل من جهة موقعه من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم. ويوجد فيوضع تلك بالنسبة إلى ما يدركه السمع شبه من وضع هذه بالنسبة إلى ما يدركه البصر. فقد تقدم أن المسموعات تجري من الأسماع مجرى المرئيات من البصر، وتوجد لحال حال من هذه أشياء من حال حال من تلك. فقصدوا أن يحاكوا البيوت التي كانت أكنان العرب ومساكنها، وهي بيوت الشعر، لكونهم يحنون إلى أدكار ملابسة أحبابهم لها واستصحابهم لها واشتمالها عليهم بالأقاويل التي يقيمون المعاني المنوطة بها في الأذهان مقام صورهم وهيآتهم ويجعلونها أمثلة لهم ولأحوالهم. فيكون اشتمال الأقاويل على تلك المعاني مشبها لاشتمال الأبيات المضروبة على من قصد تمثيله بها وأن تجعل تذكرة له. ويكون ما بين المعنى والقول من ملابسة مثل ما كان بين الساكن والمسكن. ومتى أمكن أن يهيء الشيء الذي يجعل تذكرة لشيء آخر ويقصد به تمثيله في الأفكار بهيأة تشبه هيأة ذلك الشيء المقصود تذكرة من وجوه كثيرة يتسق بها الشبه كان أنجع في التحريك إليه والانصباب في شعب الولوع به.
٥- إضاءة: ولما قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب الأقاويل الشعرية ونظام أوزانها متنزلة في إدراك البصر تأملوا البيوت فوجدوا لها كسوار وأركانا وأقطار وأعمدة وأسباب وأوتادا.
فجعلوا الجزاء التي تقوم منها أبنية البيوت مقام الكسور لبيوت الشعر.
وجعلوا اطراد الحركات فيها الذي يوجد للكلام به استواء واعتدال بمنزلة أقطار البيوت التي تمتد في استواء.
٦- تنوير: ولما كانت الأوتاد: منها ما ثباته ضروري في إمساك الخباء وتحصينه، ومنها ما في ثباته تحصين ما وقد تحتمل إزالته، جعل الخليل الضروريات من السواكن أوتادا وجعل غير الضرورية أسبابا. والأحسن أن يقال: إن هذه وتلك أوتاد، لكن ثبات إحداهما ضروري في حفظ بنية البيت، فهو بمنزلة الوتد الذي لا بد منه في الخباء، وثبات الأخرى ليس ضروريا في حفظ بنية البيت بل يستقل البيت به ودونه، فهي بمنزلة الأوتاد التي تستعمل في إمساك جوانب البيوت وقد يستغنى عنها.
стр. 81
وفي الأسباب ما لا يمكن الاستغناء عنه كألف متفاعلن مع السلامة من الإضمار ونون مفاعلتن مع السلامة من العصب. فسواكن هذه الأسباب مع سلامة الأجزاء ضرورية الثبات في حفظ بنية الوزن، فهي جارية مجرى الأوتاد بل هي أوتاد كما قلناه. وكأن حركة ما قبل كل وتد منها سبب له، ولكن الخليل سمى كل حركة وساكن مقترن بها لا يعتمد عليه في أكثر المواضع سببا، فإذا اعتمد على ساكن بعد متحركين أو بينهما سمي مجموع ذلك وتدا. ولا تشاح في الألفاظ كما أنه لا حرج على من عدل عما تقتضيه تلك الأسامي في المسميات إذا أراد الإفصاح عن جهات مشابهاتها لما نقلت إليها منه التسمية والتمثيل الصحيح في ذلك.
٧- إضاءة: ولنقل الآن في كيفية تركب الأسباب والأوتاد من المتحركات والسواكن، وكيفية تركب الأجزاء منها، وفي كيفيات مواقع هذه وتلك مطردة وغير مطردة في الوزان، وكيف تتهيأ أجزاء المسموعات التي تقع فيها بالتقاذف بها إلى شتى ترتيباتها بالهيآت التي تصير بها متشكلة بأشكال الأبيات المضروبة.
فأقول: إنه إذا تركبت حركتان كان ذلك سببا ثقيلا نحو لك، لم، فإن زدت عليه ساكنا كان وتدا مجموعا نحو لقد، فإن زدت على ذلك ساكنا ثانيا صار الوتد مضاعفا نحو مقال مسكن اللام، فإن تركب متحرك مع ساكن كان ذلك سببا خفيفا نحو قد، فإن زدت عليه ساكنا ثانيا كان سببا متواليا، فإن زدت على السبب الخفيف الذي لم يتوال متحركا كان وتدا مفروقا نحو كيف.
٨- تنوير: فالسبب الخفيف والوتد المجموع يقعان كل موقع من أوائل الأجزاء وأوساطها وأواخرها. والسبب الثقيل والوتد المفروق لا يقعان إلا في أوائل الأجزاء وأوساطها. والسبب المتوالي والوتد المضاعف لا يقعان إلا في نهايات أجزاء الضروب ومصرعات الأعاريض. وأسباب ذلك معروفة مما تقدم.
٩- إضاءة: وبعض هذه الأجزاء يتركب مع بعض على الإطلاق وذلك الأسباب الخفيفة مع الأوتاد المجموعة والمفروقة.
ومنها ما لا يتركب أحدهما مع الآخر في خماسيات الجزاء وسباعياتها ويتركب فما فوق ذلك، وذلك كالأسباب الثقيلة والأوتاد المفروقة. ولا تتركب معها إلا متقدمة عليها كما أن الأسباب الثقيلة أيضاً لا تتركب مع الأوتاد المجموعة إلا متأخرة عنها.
ومنها ما لا يتركب مع جميع الأجزاء إلا متأخر عنه. ومنها السبب المتوالي والوتد المتضاعف. ولا يتركب أحدهما مع الآخر. وتسمى هذه الأجزاء الأرجل.
١٠- تنوير: ولا يخلو التركيب من أن يكون من رجلين سبب ووتد، فيكون الجزء المركب منهما خماسيا إن لم يكن هناك سبب متوالي أو وتد متضاعف، فإن الجزء يكون مع كليهما على ستة أحرف، وكذلك ينفسان جميع الأجزاء إذا وقعا في نهاياتها؛ أو يكون من ثلاثة أرجل ولا يخلو ذلك من أن يكون من سببين ووتد فيكون الجزء سباعيا، أو من سبب ووتدين فيكون الجزء ثمانيا؛ أو يكون من أربعة أرجل فيتركب منها ثلاث تركيبات: ١- سبب وثلاثة أوتاد - وهو تركيب مستثقل غير ملائم، ٢- وسببان ووتدان والتركيب منهما ينحل إلى الخماسيات، ٣- وتركيب لا يستثقل المتناسب منه ولا ينحل إلى غيره، فالقياس يوجب إثباته وقبوله وهو تساعي نحو مستفعلاتن.
١١- إضاءة: ولنقل الآن في ما قصدوه في وضع الأبنية الشعرية من حيث جعلوا اطراد الحركات في الأوزان واستقامة جرية اللسان عليها واستواء الكلام بها بمنزلة امتداد أقطار البيوت واستقامة واستوائها، وجعلوا السواكن مطردة بمنزلة الأركان.
فأقول: إن أقل ما يعد من توالي المتحركات قطرا المتحركان، فإنه القطر الأصغر. فأما الحركة بين ساكنين فإنها كالفرجة بين طنبين، ويليه القطر الأوسط وهو ثلاثة متحركات، ثم القطر الأكبر وهو أربعة متحركات، وهو أقصى ما يوجد عليه اطراد الحركات في الأوزان. وأقل ما يعد من السواكن ركنا الواحد ثم لاثنان ثم الثلاثة ثم الأربعة وهي أقصى ما يوجد من اطراد السواكن في الأوزان.
١٢- تنوير: ولا تستحسن الأركان والأقطار التي تناهت إلى هذا الحد، بل الواجب أن يحذف ثالث السواكن من هذه ويثبت ما يفصل في تلك بين بعض المتحركات وبعض بإعادة السواكن المحذوفة من أثناء ذلك لأن المتحركات لا تنتهي إلى أربعة في الأوزان على اطراد ونسق إلا بحذف بعض السواكن.
стр. 82
١٣- إضاءة: ويجب أن تعلم أن أبيات الشعر، وإن كانت أوائلها منفصلة عن أوائلها، فإن النظام فيها في تقدير الاتصال على استدارة إذ كان وضع الأوزان الشعرية وترتيبها ترتيبا زمانيا لا يمكنك فيه أن ترجع بالنهاية إلى زمان المبدأ بل تكون بينها فسحة من الزمان ولابد. وترتيب البيت المضروب ترتيب مكاني إذا بدأت بأي موضع شئت منه ثم درت عليه تأتى لك أن ترجع إلى الموضع الذي بدأت منه بنقلة مستديرة على اتصال من غير أن كون بين المبدإ والنهاية فسحة. والأوزان وإن لم يكن أن يعاد بالنهاية فيها إلى زمان المبدإ فإنها في تقدير ذلك، إذ نسبة سرد الشطر الأول من أي بيت وقع تاليا لبيت بعد الانتهاء إلى قافية البيت المتقدم وإعطاء كل متحرك وساكن منه حقه من التلفظ نسبة سرد الشطر الثاني وإعطاء متحركاته وسواكنه حقوقها من التلفط بعد الانتهاء إلى مقطع الشطر الأول. فلذلك يجب أن يجعل ساكن القافية الأخير مع ما يتقدمه من السواكن أو يتلوه من ذلك في أول البيت التالي له أو على حدته ركنا فاصلا بين ما وقع في صدر جزء القافية الذي هو فيها من اطراد المتحركات الذي هو بمنزلة بعض أقطار البيت التي تمتد بين بعض أركانه وبعض وبين ما وقع من ذلك في صدر الجزء المفتتح به البيت الذي يليه أو وسطه أو آخره.
١٤- تنوير: فتجد على هذا أركان الأبيات الباقية على وضعها الأصلي مزدوجة إذ التي في الشطر الأول منها مساوية للتي في الشطر الثاني في العدد. ولا ينقص أحدهما عن الآخر في ذلك إلا بتغيير. فأقصى ما نجدهم بنوا عليه أشطار البيوت ستة أركان. فيكون لمجموع البيت على ذلك اثنا عشر ركنا، وذلك في الكامل وحده لأن بناء شطره من متفاعلن ثلاث مرات، ثم يقطعونه فيصير إلى أحد عشر ركنا ثم يصير بوقوع الحذذ في الأعاريض والضروب إلى عشرة أركان مع السلامة من الإضمار وإلى تسعة بالإضمار.
ويليه في ذلك المربعة الأشطار، كالطويل والبسيط والمتقارب، فإن في كل جزء منها ركنا، فكل واحد منها ثمانية أركان، وتصير أركان الطويل والبسيط بالزحاف إلى اثني عشر. والخبب مثل المربعات الأشطار في أنه مبني على ثمانية أركان.
فأما السباعيات الجزاء المثلثة الأشطار مما لم يقع فيه سبب ثقيل فهي مبنية على ستة أركان، وتصير بإعلالات الضروب إلى خمسة.
ومما بني على أربعة أركان الوزن الذي قدمت أن المحدثين هم الذين علم من أقوالهم، ولا يبعد أن يكون من وضع العرب فإنه متناسب الوضع، فيجب أن يلحق بما يستعمل من الوزان ولنصطلح على تسميته باللاحق، لهذا المعنى. فقد قدمنا أنه يوجد فيه ساكن لا يوجد في مخلع البسيط ولا يقبله. ويوجد في مخلع البسيط ساكن لا يوجد في هذا اللاحق ولا يقبله، فلهذا حكمنا أنه وزن قائم بنفسه، وبناء شطره: مستفعلاتن مستفعلاتن.
وقد خصوا الرجز بأن أبقوا مشطوره على ثلاثة أركان، وهو أقل ما تقوم منه الأشكال. ويشبه أن يكون هذا بعض ما أوجب احتمالها لاطراد المتحركات في أقطاره لأن الأشكال المثلثة أطول الأشكال عروضا وأقطارا. وكأنهم جعلوا الأبيات المسدسة الوضع وسطا في ذلك حيث ترقوا في ذلك إلى ضعفها وانحطوا إلى نصفها.
١٥- إضاءة: ولقائل أن يقول: إن أجزاء الشطور الأول تنزل منزلة ما يلي الأرض من كسور البيت، وإن أجزاء الشطور الثواني تنزل منزلة ما لي السمك منها. ولهذا قد تقصر دائرة نظام الأشطار الثواني في كثير من الضروب عن دائرة نظام الأشطار الأولى نحو ضربي عروض الكامل المقطوع والمضمر، فإن دائرة ما يلي السمك من الأخبية أضيق من دائرة ما يلي الأرض. وليست ملاحظة هذا الوجه في الأوزان بضربه لازب؛ وعلى هذا التقدير يحسن في القافية أن يقال فيها أنها جعلت العروض رأس الخباء وما يعالى به العمود، فأحكمت هيآتها لذلك وجعل العروض القاسم للبيت بنصفين بمنزلة موصل قائمة الخباء العليا بقائمته السفلى، وجعلوا اطراد النظام المتناسب ما بين مبدأ البيت ومنتهى القافية بمنزلة استقامة قوائم البيوت. ومما يقوى أن العروض كموصل القائمتين أن كثيرا من الأعاريض القصار والتي قد نقص بعض أجزائها لا يجعلون لها أعاريض كمشوطرات الرجز أو لا يحافظون على وضعها ولا يرتبطون في ذلك إلى هيآت محفوظة نحو ما ورد في مخلع البسيط لعبيد بن الأبرص وغيره.
стр. 83
١٦- تنوير: واعلم أن السواكنالتي تنفصل بين قطرين أصليين لا يجوز حذفهما وإن كانت من أسباب. وكذلك الساكن الذي يؤدي حذفه إلى اتصال قطر ثلاثي أي متسق فيه ثلاث حركات بركن رباعي أي متوالي فيه أربع سواكن؛ فإن هذا أيضاً لا يجوز حذفه، وذلك كالنون من مستفعلن في الخفيف. وينبغي أن تسمى هذه الأسباب بالأسباب المضارعة للأوتاد في مواقعها. وأحكام الأوزان تختلف في ما يسوغ حذفه من سواكن الأسباب في الزحاف المفرد والمزدوج بحسب اختلاف أنحاء الاعتمادات على نهايات الأجزاء وبحسب مواقع الأسباب من مواضع تلك الاعتمادات. ولذلك يسوغ من الزحاف المزدوج في سببي البسيط ما لا يسوغ في سببي الطويل. كذلك الزحافات المفردة لا تسوغ في الأسباب حيث تكون مظان اعتمادات وتحصينات للأوزان من توالي ما لا يسوغ فيها.
وهذه لمحة تدل الذكي الألمعي على ما يتفصل إليه القول المجمل فيها بحسب وزن وزن وتجزئة تجزئة.
١٧- إضاءة: فهذا الذي قلته في مجاري الأوزان وأنحاء تركيباتها وما يسوغ فيها هو الرأي الصحيح الذي تعضده الآراء البلاغية والقوانين الموسيقية ويشهد به الذوق الصحيح والسماع الشائع عن فصحاء العرب.
فدع عنك ما غيره أو وضعه العروضيون أو الرواة من الأبيات المضمحلة التي لا توجد لها نظير في الأشعار الفصيحة الصحيحة الرواية. فقد رد بعض العروضيين ما استشهد به بعضهم من الأبيات الفاسدة، وزين بعضهم شواهد بعض. وكثير أيضاً مما وضع واختلق أو غير جاز عليهم أو على أكثرهم. فلهذا يجب أن لا يقبل شيء يخالف ما قلناه لأنا وضعنا هذه القوانين بحسب ما شهدت به أصول علوم جليلة، بها يتميز الصريح المحض من الزائف البهرج في كل مذهب من مذاهب اللسان ومأخذ من مآخذ البيان.
ولاستقصاء الكلام في صناعة العروض طول لا يحتمله هذا الموضع قد فرعت منه في موضع خاص بصناعة العروض. فمن هنا يعرف تفصيل هذا المجمل.
ج - معلم دال على طرق العلم بمقادير تناسب الوزان وما يسوغ فيها من التعابير وما لا يسوغ على الوجه المختار.
أوزان الشعر منها متناسب تام التناسب متركب التناسب متقابلة متضاعفة، وذلك كالطويل والبسيط. فإن تمام التناسب فيها مقابلة الجزء بمماثله، وتضاعف التناسب هو كون الأجزاء التي لها (لها) مقابلات أربعة، وتركب التناسب هو كون ذلك في جزأين متنوعين كفعولن ومفاعيلن في الطويل، وتقابل التناسب هو كون كل جزء موضوعا من مقابله في المرتبة التي توازيه، فإن كان الواحد في صدر الشطر الأول كان الآخر في صدر الشطر الثاني، وإن كان ثانيا كان مقابله ثانيا، وإن ثالثا فثالث. فالأعاريض التي بهذه الصفة هي الكاملة الفاضلة. وكلما نقص عروضا شرط من هذه الشروط أو أكثر كان في الرتبة من مقاربة الكلام أو مباعدته بقدر ما نقص منه.
١- إضاءة: وأوزان الشعر منها سبط، ومنها جعد، ومنها لين، ومنها شديد، ومنها متوسطات بين السباطة والجعودة، وبين الشدة واللين وهي أحسنها. والسبطات هي التي تتوالى فيها ثلاثة متحركات، والجعدة هي التي تتوالى فيها أربعة سواكن من جزأين أو ثلاثة من جزء، وأعني بتواليها ألا يكون بين ساكن منها وآخر إلا حركة. والمعتدلة هي التي تتلاقى فيها ثلاثة سواكن من جزأين، أو ساكنان في جزء. والقوية هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على وتد أو سببين، ويكون طرفاه التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على سبب واحد، ويكون طرفاه قابلين للتغيير. وإذا تركب الضعيف مع القوي فربما غطى على ضعفه، وخصوصا إذا حدثت في التركيب جعودة كالحال في الخفيف. فإن تركب الضعيف مع معتدل لم يخف معه ضعفه كالحال في المديد.
стр. 84
٢- تنوير: فأما التغييرات اللاحقة للأوزان فمنهما ما يكون بنقص بعض أجزاء الوزن، ومنها ما يكون بزيادة. فأما النقص فضروب الزحاف الواقع في الأسباب بحذف بعض سواكنها وإسكان بعض متحركاتها. وكذلك أيضاً قد يقع التغيير في الأوتاد بتسكين أول متحركها، وذلك حيث تكون جزءا من فاصلة لم يتضاعف فيها تغيير، أو بحذف ثواني الأسباب الثقيلة وأوائل الأوتاد المجموعة في صدور البيت ويسمى خرما. وحذف أول الوتد في صدور البيوت أحسن من حذف ثاني السبب الثقيل. ويجب أن يكون لمورد الأبيات، قاصدا إقامة أوزانها، فضل اعتماد وتوقرات وإشباعات الحركات وما ينتسب إليها من الحروف القابلة للمد والإطالة في ما كشف مواضع المحذوفات ويتصل بها ليكون ذلك سادا مسدها وجاريا مجرى البدل منها.
٣- إضاءة: فأما التغييرات التي تكون بزيادة فمنها ما يقع في القوافي ومنها ما يقع في الأعاريض. فأما ما يقع في القوافي فإن الأعاريض التي يكون لها ضربان: ضرب مقطعه على سبب متوال أو وتد متضاعف، وضرب مقطعه على سبب خفيف غير متوال أن يوالي السبب في بعض الضروب وإن كان ذلك مستقبحا. ويجوز فيما بنيت قافيته على وتد غير متضاعف أن يضاعف الوتد في بعض الضروب من ذلك، وإن كان أيضاً ذلك قبيحا. وإنما استساغ بعض العرب هذا لأن العروض تقبل نسق كلا الضربين عليها. وإن وقعت بذلك بين بعض الضروب وبعض مخالفة، فليس ذلك من المخالفة التي يصير بها الجزءان طرفي نقيض في الوضع، بل هما متناسبان لم يختلفا إلا بالأزيد والأنقص. ويشبه أيضاً أن يكون العرب إنما تفخم الساكن في هذا الوضع الذي قد يستسيغونه في القوافي إذا كان مما يجري فيه الصوت ويكون التلفظ به قبل الساكن التالي له وأسهل من غيره وأخفى موقعا، ليكون ذلك الساكن توجد فيه مضارعة للحروف المصونة من جهة ما يوجد له بعض تصويت، ويوجد الهواء متسربا مع التلفظ به، وذلك نحو الهاء والعين والحاء والنون وما جرى مجرى ذلك.
ومما ورد من ذلك قول النابغة بن شيبان من قصيدة يقول فيها: (الرمل -ق- المتدارك)
امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش
غنما الكاس ربيع باكر ... فإذا ما غاب عنا لم نعش
ثم قال في وصف الخيل:
فبها يحوون أسلاب العدى ... ويصيدون عليها كل وحش
وأورد بيتين آخرين على هذا النحو.
ويجب ألا يعمل على هذا وإن كان وقع في أشعار العرب.
وأما الذي يقع في الأعاريض، فإن العروض التي يمطكن أن تبنى على سبب متوالي أو ووتد متضاعف إذا صرعت يسوغ أن يوقع فيها الكلم التي التقى فيها ساكنان بالإدغام بعد المد فيكون الساكنان نهاية العروض ويكون مبدأ اشطر الثاني ثاني المتضاعفين. وذلك نحو عروض المتقارب وعروض مربع الكامل. وينبغي أن يسامح الشعراء في هذا وألا يضايقوا فيه حيث يكونون مضطرين إلى ذكر اسم قد لزمه التشديد بعد المد. فأما إذا وجد مندوحة عن ذكر ذلك اللفظ بوجدان مرادف له وما يغني غناءه فينبغي له ألا يركب ذلك ولا يجعله سبيلا إلى انتقاد نظمه مع إضلال ضالة العذر في ذلك.
٤- تنوير: فأما ما رم العروضيون إثباته في متون الوزان من الزيادة التي يسمونها الخزم بالزاي فإنهم غلطوا في ذلك لأن العرب لم تكن تعد تلك الزيادات من متون الأوزان. وإنما كانوا يجعلونها توطئات وتمهيدات ووصلا لإنشاد البيوت وبناء عباراتها عليها، وإن كانت متميزة في التقدير والإيراد عنها بأزمنة قصيرة قد تخفى على السامع فيظن أنهم قد جعلوها من متون الأبيات. وذلك غير ممكن أصلا. فإن الأوزان مما يتقوم به الشعر ويعد من جملة جوهره. والوزن هو أن تكون المقادير المقفاة تتساوى في أزمنة متساوية لاتفاقها في عدد الحركات والسكنات والترتيب. فما حذف من بعضها على بعض الوجوه التي بيناها أمكن أن يتوقر على ما بني منه وأن يتلاقى لتمكين الحركات والسكنات المكتنفة له قدر ما فات من زمان النطق به. فيعتدل المقداران بذلك فيكونان متوازيين. والزيادة على المقدار المساوي لسائر المقادير ليس فيها حيلة يمكن معها تساوي المقدارين المزيد فيه والباقي على أصله. وإنما ساغ ذلك في السواكن حيث كانت أقصر الحروف زمانا، وكان لها أصل ترجع إليه في أبنية الأوزان، فوجدت مقبولة في الأذواق لذلك.
стр. 85
فهذا هو الرأي الصحيح في الخزم الذي عول عليه الحذاق بأخذ الكلام عن العرب وفهم مذاهبهم فيه. وقد وجدنا الكتاب والبلغاء يرصعون الأسجاع بالأبيات ويجعلونها مبادي للأبيات والأبيات خواتم لها، حتى ربما أنهم لم يقدموا قبل البيت أكثر من لفظة واحدة وربما اكتفوا في ذلك بواو العطف. ولا يعتقدون أن تلك الألفاظ والحروف من متون. وهكذا كانت مآخذ العرب في ذلك. وإنما خفي هذا المذهب على من جهل مآخذ الكلام ومقاطعه وضروب وضعه وأفانين منازعه.
٥- إضاءة: وإذ قد تبين هذا فلنعد إلى ذكر ما يستحسن من ضروب الزحاف ويستقبح، ونؤصل في ذلك أصلا يعرف بما يجب أن يعتمد من ذلك عند الحاجة إليه، وما يجب أن يجتنب. فأقول: إن مما يخل بالأوزان من ضروب الزحاف، ويزيل كثيرا من حلاوتها وتناسبها، فيجب أن يجتنب على كل حال، أربعة أشياء: الزحاف المزدوج كله.
والزحاف المؤدي إلى أن يصير الجزء الذي وضع لأن يماثل جزءا آخر ويقابله مضادا له، وقد تقدم التعريف بذلك.
والوجه الثالث السواكن التي تكون أواخر أجزاء هي مظان وقفات واعتمادات ولاسيما إذا كان ذلك نهاية شطر بيت كالسواكن الخيرة من فاعلاتن في عروض الخفيف، والحال في ساكن فاعلاتن الذي في أوائل أشطاره على نحو من ذلك في أنه يقبح حذفه.
والوجه الرابع مما جب اجتنابه من الزحافات حذف السواكن التي يؤدي حذفها إلى توالي ثلاثة متحركات عقيب توالي أربعة سواكن كالنون من مستفعلن في الخفيف.
فهذا هو الرأي الصحيح الذي يشهد بصحته الذوق والقياس والسماع.
٦- تنوير: وجملة ما يجب أن يعتمد في اعتبار مجاري النظم، من جهة ما يزاحف أو يعل من أسبابه وأوتاده، أن يجعل قانون الاعتبار الصحيح في ما يجب أن يؤثر من ذلك أن توجد الوزان جارية من جميع ذلك على ما يحسن في السمع ويلائم الفطرة السليمة الذوق، ويوجد مع ذلك كثيرا مطردا في أشعار فصحاء العرب. فيكون حينئذ موافقا لمجاري كلام العرب الصحيحة مع كونه وفقا للنفوس والأسماع. ومن كان صحيح الذوق وحصر مجال النظر ومواضع البحث في الأعاريض والقوافي ومجاري الأوزان ثم تصفح كلام المجيدين من العرب والمحدثين ونظر منها في كل موضع للنظر، فأثبت ما كان ملائما ومطردا ونفى ما كان منافراً غير مطرد، فقد استضاء بآية التوفيق المبصرة وورد صوب الإصابة من منشإ سحائبه الممطرة.
٧- إضاءة: وأما من لا ذوق له فقلما يتأتى له التوصل إلى تمييز ما يحسن في مجاري الأوزان ومباني النظم مما يقبح فيهما، إذ أكثر من ألف في هاتين الصناعتين مشفق من أن ينسب إلى العرب قبحا في مجرى من مجاري كلامها إلا في الندرة. فهم يتلقون كل ما روي لهم من كلامهم - صحت الرواية أو لم تصح - بالتسويغ والتحسين. ولا ينسبون إليهم إساءة إلا حيث تعييهم الحيل في الاعتذار عنهم.
فهذا رأي نحوي هو في الطرف مما يراه البلغاء من ألا يتسامح في وقوع ما يقبح وقبوله على أنه غير قبيح لعربي ولا محدث. ولا يعتبر الكلام بالنسبة إلى قائل ولا زمان البتة. وإنما يعتبر بحسب ما هو عليه في نفسه من استيفاء شروط البلاغة والفصاحة بحسب ما وقع فيه أو استيفاء أكثرها أو وقوع أقلها فيه أو عدمها بالجملة منه ووجود نقائضها أو أكثرها. فبهذا النحو يصح الاعتبار.
د- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في بناء الأشعار على أوفق الأوزان لها .
لما كانت الأوزان متركبة من متحركات وسواكن اختلفت بحسب أعداد المتحركات والسواكن في كل وزن منها، وبحسب نسبة عدد المتحركات إلى عدد السواكن، وبحسب وضع بعضها من بعض وترتيبها، وبحسب ما تكون عليه مظان الاعتمادات كلها من قوة أو ضعف أو خفة أو ثقل، وصار لكل وزن بحسب مخالفته لجميع الأوزان في الترتيب والمقدار ومظان الاعتماد ونسبة عدد المتحركات إلى عدد السواكن أو في بعض هذه الأنحاء الأربعة دون بعض، ميزة في السمع وصفة أو صفات تخصه من جهة ما يوجد له رصانة في السمع أو طيش، ومن جهة ما يوجد له سباطة وسهولة أو يوجد له جعودة وتوعر، ومن جهة ما يوجد باهيا أو حقيرا وغير ذلك مما يناسب فيه المسموع المرئي. ولا بد من أن يكون كل وزن مناسبا لغيره من إحدى هذه الجهات مناسبة قريبة أو بعيدة.
стр. 86
١- إضاءة: ولما كانت أغراض الشعر شتى وكان منها ما يقصد به الجد والرصانة وما يقصد به الهزل والرشاقة، ومنها ما يقصد به البهاء والتفخيم وما يقصد به الصغار والتحقير، وجب أن تحاكى تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان ويخيلها للنفوس. فإذا قصد الشاعر الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، وإذا قصد في موضع قصدا هزليا أو استخفافيا وقصد تحقير شيء أو العبث به حاكى ذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء، وكذلك في كل مقصد. وكانت شعراء اليونانيين تلتزم لكل غرض يليق به ولا تتعداه فيه إلى غيره.
وهذا الذي ذكرته في تخييل الأغراض بالأوزان قد نبه عليه ابن سينا في غير موضع من كتبه، من ذلك قوله في الشفاء، وتعديد الأمور التي تجعل القول مخيلا: (والأمور التي تجعل القول مخيلا: منها أمور تتعلق بزمان القول وعدد زمانه وهو الوزن، ومنها أمور تتعلق بالمسموع من القول، ومنها أمور تتعلق بالمفهوم من القول، ومنها أمور تتردد بين المسموع والمفهوم) .
٢- تنوير: والأجزاء التي تأتلف منها مقادير الأوزان: منها ما يتناسب نحو فاعلن وفاعلاتن وفعولن ومفاعيلن، ومنها ما تناسبه على الضد من هذا نحو مستفعلن فاعلن. ألا ترى أن هذين الجزأين يتساوقا من أول خماسي وثاني سبب من السباعي. وكذلك الأجزاء الأول تتساوق الخماسيات والسباعيات منها ما عدا السبب الآخر من السباعيات فإنه يفضل عن ذلك. ومن الأجزاء ما يتدافع ويتخالف نحو مفاعلين مستفعلن.
فالتأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع، وما ائتلف من غير المتناسبات والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب. ويجب أن يقال في ما ائتلف على ذلك النحو شعر، وإن كان له نظام محفوظ لأنا نشترط في نظام الشعر أن يكون مستطابا. وما ائتلف من أجزاء تكثر فيها السواكن فإن فيه كزازة وتوعرا. وما ائتلف من أجزاء تكثر فيها المتحركات فإن فيه لدونة وسباطة. والكثير السواكن إذا حذف بعض سواكنه ولم يبلغ ذلك الحذف الإجحاف به اعتل. وهم يقصدون أبدا أن تكون السواكن حائمة حول ثلث مجموع المتحركات والسواكن إما بزيادة قليلة أو نقص ولأن تكون أقل من الثلث أشد ملائمة من أن تكون فوقه.
٣- إضاءة: وما كان متشافع أجزاء الشطر من غير أن يكون متماثل جميعها فهو أكمل الأوزان مناسبة. وما كان متشافع بعض أجزاء الشطر تال له في المناسبة، وما لم يقع في شطره تشافع أدناها درجة في التناسب. وما وقع التشافع والتماثل في جميعه استثقل ولم يستحل أيضاً للتكرار.
فبحسب تضاعف التشافع في الشطر أو اتحاده أو عدمه، وبحسب اتحاد الجنس في جميع أجزائه أو تنوعه، وبحسب قوة المشاكلة والمناسبة بين جزء وجزء وضعفها، وبحسب ما تكون عليه الأجزاء من كزازة أو سباطة أو اعتدال، وبحسب ما يكون عليه مظان الاعتمادات وما تنتهي إليه مقادير الأوزان، تكتسب الأوزان أوصافا من المتانة والجزالة والحلاوة واللين والطلاوة والخشونة والرصانة والطيش وغير ذلك.
٤- تنوير: ومن تتبع كلام الشعراء في جميع الأعاريض وجد الكلام الواقع فيها تختلف أنماطه بحسب اختلاف مجاريها من الأوزان. ووجد الافتنان في بعضها أعم من بعض. فأعلاها درجة في ذلك الطويل والبسيط. ويتلوهما الوافر والكامل. ومجال الشاعر في الكامل أفسح منه في غيره. ويتلو الوافر والكامل عند بعض الناس الخفيف. فأما المديد والرمل ففيهما لين وضع، وقلما وقع كلام فيهما قوي إلا للعرب وكلامهم مع ذلك في غيرهما أقوى. وقد نبه على هذا في المديد أبو الفضل ابن العميد. فأما المنسرح ففي اطراد الكلام عليه بعض اضطراب وتقلقل، وإن كان الكلام فيه جزلا. فأما السريع والرجز ففيهما كزازة. فأما المتقارب فالكلام فيه حسن الاطراد إلا أنه من الأعاريض الساذجة المتكررة الأجزاء. وإنما تستحلى الأعاريض بوقوع التركيب المتلائم فيها. فأما الهزج ففيه مع سذاجته حدة زائدة. فأما المجتث والمقتضب فالحلاوة فيهما قليلة على طيش فيهما. فأما المضارع ففيه كل قبيحة. ولا ينبغي أن يعد من أوزان العرب، وإنما وضع قياسا، وهو قياس فاسد لأنه من الوضع المتنافر على ما تقدم.
стр. 87
٥- إضاءة: فالعروض الطويل تجد فيه أبدا بهاء وقوة. وتجد للبسيط سباطة وطلاوة. وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد، وللخفيف جزالة ورشاقة، وللمتقارب سباطة وسهولة، وللمديد رقة ولينا مع رشاقة، وللرمل لينا وسهولة. ولما في المديد والرمل من اللين كان أليق بالرثاء وما جرى مجراه منهما بغير ذلك من أغراض الشعر. وقد أشرنا إلى حال ما بقي من الأوزان.
٦- تنوير: ومما يبين لك أن لكل وزن منها طبعا، يصير نمط الكلام مائلا إليه، أن الشاعر القوي المتين الكلام إذا صنع شعرا على الوافر اعتدل كلامه وزال عنه ما يوجد فيه مع غيره من الأعاريض القوية من قوة العارضة وصلابة النبع. واعتبر ذلك بأبي العلاء فإنه إذا سلك الطويل توعر في كثير من نظمه حتى يتبغض، وإذا سلك الوافر اعتدل كلامه وزال عنه التوعر. وما شئت أن تجد شاعرا إذا قال في المديد والرمل ضعف كلامه وانحط عن طبقته في الوافر كانحطاطها في الوافر عن الطويل إلا وجدت. فهذا يدلك على صحة ما ذكرته. فأما الضعفاء فكلامهم في الوافر وما أشبهه من الأعاريض المتوسطة أقل قبحا. فأما الأعاريض الطويلة التي تفضل عن المعاني فيعبرون فيها بركاكة الحشو وقبح التذليل وتخاذل بعض أجزاء الكلام عن بعض لطوله. وأما الأعاريض القصيرة التي تفضل المعاني عنها فيضطرون فيها إلى التكلف والحذف المخل، فلذلك كان حالهم في نظم الشعر مضادا لحال الأقوياء من الشعراء.
٧- إضاءة: فيجب لما ذكرته أن يعتبرا لكلام الواقع في كل عروض بحسب ما أعتيد فيه أن يكون نمط الكلام عليه، وألا يفضل شاعر وجدت له قصيدة في الطويل والكامل مائلة إلى القوة على شاعر وجدت له قصيدة في المديد أو الرمل مائلة إلى الضعف. فقد يجيء شعر الشاعر الأضعف في الأعاريض التي من شأنها أن يقوى فيها النظم مساويا لشعر الشاعر الأقوى في الأعاريض التي من شأنها أن يضعف فيه النظم، ليس ذلك إلا لشيء يرجع إلى الأعاريض لا إلى الشاعرين. وإنما يطرأ هذا إذا لم يكن بين الناظمين كبير تفاوت. وكذلك الشاعران المتساويان إذا قال أحدهما في وزن من شأن الكلام أن يقوى فيه والآخر في وزن من شأن الكلام أن يضعف فيه ظهر شعر أحدهما أقوى من شعر الآخر من جهة أن عروضه أقوى لا من جهة أن طبقته ارتفعت فوق طبقة صاحبه.
٨- تنوير: وإنما يحكم بتفضيل أحد الشاعرين على الآخر إذا عرف أن كليهما نظم شعره على حال واحدة من النشاط وقوة الباعث وانفساح الوقت. وكانا قد سلكا مسلكا واحدا وذهبا من المقاصد مذهبا مفردا أو كان مذهب أحدهما مقاربا لمذهب الآخر ومناسبا له، وكان شعرهما في عروض واحد أو عروضين غير بعيد نمط الكلام في أحدهما عن نمطه في الآخر؛ ثم يقاس ما بين الكلامين من البعد بما بين النمطين، فيظهر الترجيح أو المساواة عند ذلك. وللمفاضلة بين الشعراء أحكام كثيرة وشروط تأتي في القسم الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله.
هـ- معلم دال على طرق العم بما قصد في أبنية القول من أنحاء التناسب وذهب فيها من مذاهب البلاغة التي يكون لها بها تحصين في الوضع وتحسين في السمع.
فأما ما يجب اعتماده في وضع القوافي وتأصيلها فإن النظر في ذلك من أربع جهات: الجهة الأولى جهة التمكين؛ والثانية جهة صحة الوضع؛ والثالثة جهة كونها تامة أو غير تامة؛ والرابعة جهة اعتناء النفس بما وقع في النهاية لكونها مظنة اشتهار الإحسان أو الإساءة.
ولكون القافية يجب أن يتحفظ فيها من هذه الجهات الأربع قال بعض العرب لبنيه: (اطلبوا الرماح فإنها قرون الخيل وأجيدوا القوافي فإنها حوافر الشعر أي عليها جريانه واطراده، وهي مواقفه. فإن صحت استقامت جريته وحسنت مواقفه ونهاياته) .
١- إضاءة: فأما من جهة تمكن القافية فقد ألمعت بالوجوه الموصلة إلى ذلك في ما تقدم.
٢- تنوير: وأما من جهة صحة الوضع في القافية فالنظر فيها مستند إلى المعرفة بعلم القوافي. وأنا أشير إلى ما يرشد إلى ذلك مجملا بعون الله. فأقول: إن القوافي لابد فيها من التزام شيء أو أشياء. وتلك الأشياء حروف وحركات وسكون. فقوافي الشعر يجب فيها ضرورة على كل حال إجراء المقطع وهو حرف الروي على الحركة أو السكون.
стр. 88
٣- إضاءة: والذي يجب اعتماده في مقاطع القوافي أن تكون حروف الروي في كل قافية من الشعر حرفا واحدا بعينه غير متسامح في إيراد ما يقاربه معه. وقد وقع ذلك لبعض من لا يحفل به من العرب، الذين كانت بضاعتهم في الشعر مزجاة. ومما يوجبه الاختيار أيضاً أن تكون حركات حروف الروي من نوع واحد لا يجمع بين رفع وخفض ولا غير ذلك. وقد وقع الجمع بين ذلك للفصحاء على قبح.
٤- تنوير: ومن ذلك أيضاً وجوب التزام حروف العلة الواقعة سواكن بين أقرب متحرك يتلوه ساكن إلى الروي وبين حرف الروي. واختصاص الألف بأول محل من ذلك. وهو ما كان بينه وبين حرف الروي حرف. وتلك الألف المختصة بذلك الموضع تسمى تأسيسا. نحو: (الطويل -ق- المتدارك)
كليني لهم يا أميمة ناصب
وقد وقع ما فيه الألف مع ما ليس فيه على قبح. وأكثر ما وقع من هذا أيضاً ما كان الحرف المتحرك الذي بين التأسيس والروي فيه مفتوحا أو مضموما. وهما صيغتان غير عريقتين في الوضع التأسيسي، إذ الوضع العريق في التأسيس أن يكون المتحرك بين التأسيس والروي مكسورا، وأن يكون حرف التأسيس وحرف الروي من كلمة واحدة، فإن كانا من كلمتين جاز أن يقع ما فيه صورة التأسيس مع ما ليس فيه تأسيس في قافية واحدة، ولم يقبح ذلك.
٥- إضاءة: فأما المحل الأقرب إلى القافية من مظان وقوع الحروف التي تلتزم - وهو ما يلي حرف الروي - فتتعاقب فيه الياء مكسورا ما قبلها والواو مضموما ما قبلها ويتواردان على قافية واحدة. وكذلك أيضاً يتواردان مفتوحا ما قبلهما معا. هذا على الوجه المختار الذي عليه العمل. وقد جاء ضم ما قبل حرف العلة وفتحه معا، وكذلك كسره وفتحه، وكل ذلك على قبح. ويسمى سنادا.
٦- تنوير: وقد يجيء أيضاً مع الياء والواو المفتوح ما قبلهما ما ليس فيه ياء ولا واو على قبح أيضا. فأما إذا كانت الواو مضموما ما قبلها والياء مكسورا ما قبلها فلا يرد معهما ما ليس فيه حرف علة للطول الذي فيهما، إذا كانت حركة ما قبل كليهما من جنسه. فيصير حكمهما حكم الألف في ذلك الموضع في كونها لابد من إعادتها. وتخص الألف في ذلك أنها لا يجوز أن يدخل معها غيرها من حروف العلة. وتمسى الألف المتميزة عن غيرها في هذا الموضع والياء والواو المتواردتان معا أردافا.
٧- إضاءة: ويستحسن في القوافي المقيدة أن تكون حركة ما قبل الروي إما فتحة ملتزمة وإما ضمة وكسرة متعاقبتين. وقد وردت الفتحة معهما في مقيدات شعراء الإسلام. فأما شعراء الجاهلية فيقل ذلك في قوافي أشعارهم.
٨- تنوير: ويستحسن أيضاً في ما كان من كافات الضمائر وتاءات التأنيث مقطع الشعر أن يلتزم قبلها حرف بعينه، ويلتزم فيه حركة بعينها. ويجوز أن لا يلتزم قبل ذلك حرف. فإن لم يلتزم كان الوجه أن تلتزم حركة بعينها، لئلا ينضاف إلى كون الروي ليس بمقطع كلمة وإنما هو حرف زائد يعاد معه كلم مختلفة المقاطع أن يكون ما قبله متغيرا بأنواع الإعراب، فتبعد مقاطع الأبيات بذلك عن التناسب ويقع فيها اختلاف.
ومما التزمت الحركة فيما قبله من ذلك قول الحسين ابن الضحاك: (الطويل -ق- المتدارك)
سقى الله بالقاطول مطرح طرفكا ... وخص بسقياه مناكب قصركا
ولا زالت الأقدار في كل حالة ... عداة لمن عاديت سلما لسلمكا
وقد أجازوا وقوع التغاير بأنواع الحركات وما قبل هذه الحروف الزوائد المقفى بها. ولعل ذلك قياس لا سماع، وهو قبيح كيف ما كان.
فأما هاءات الضمائر وهاءات التأنيث المسكنة وهاءات السكت فلا يكون جميعها إلا صلات لمجاري القوافي، ومجرى القافية هي حركتها. وإذا كانت القافية مطلقة ولم توصل بشيء من هذه الحروف الروادف فإنما تكون صلاتها حروف مد ولين من جنس القافية، وقد يكون إطلاق القافية بالتنوين.
٩- إضاءة: وللقوافي من جهة ما يكون ترتيب الحركات والسكنات فيها صور خمسة، وهي: ١- أن يتوالى في القافية ساكنان من غير فصل بحركة ويسمى المتواتر، نحو: قال بتسكين اللام.
٢- وأن يتوالى فيها ساكنان مفصول بينهما بحركة ويسمى المترادف نحو: أيها الطلل البالي.
٣- وأن يتوالى فيها حركتان نحو منزل ويسمى المتدارك.
٤- وأن يتوالى فيها ثلاث متحركات نحو السند ويسمى المتراكب.
٥- أن يتوالى فيها أربع حركات ولا يكون ذلك إلا في الرجز.
стр. 89
والقافية هي ما بين أقرب متحرك يليه ساكن إلى منقطع القافية وبين منتهى مسموعات البيت المقفى.
فهذه إشارة إلى بعض أحكام القوافي وما يجب في مقاطع الأبيات من جهة كونها قوافي.
١٠- تنوير: فأما ما يجب في القافية من جهة عناية النفس بما يقع فيها واشتهار ما تتضمنه مما يحسن أو يقبح فإنه يجب ألا يوقع فيها إلا ما يكون له موقع من النفس بحسب الغرض، وأن يتباعد بها عن المعاني المشنوءة والألفاظ الكريهة ولاسيما ما يقبح من جهة ما يتفاءل به. فإن ما يكره من ذلك إذا وقع في أثناء البيت جاء بعده ما يغطي عليه ويشغل النفس عن الالتفات إليه؛ وإذا جاء ذلك في القافية جاء في أشهر موضع وأشده تلبسا بعناية النفس وبقيت النفس متفرغة لملاحظته والاشتغال به ولم يعقها عنه شاغل، ومثل هذا قول الصاحب في عضد الدولة: (الطويل -ق- المتدارك)
ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب
فقال له عضد الدولة: (يقي الله) .
١١- إضاءة: فأما ما يجب فيه من جهة كونها مستقلة منفصلة عما بعدها أو متصلة به فلا يخلو الأمر في هذا من أن تكون الكلمة الواقعة في القافية غير مفتقرة إلى ما بعدها ولا مفتقر ما بعدها إليها، أو يكون كلاهما مفتقرا إلى الآخر، أو تكون هي مفتقرة إلى ما بعدها ولا يكون ما بعدها مفتقرا إليها، أو يكون ما بعدها مفتقرا إليها ولا تكون هي مفتقرة إليه.
فالقسم الأول هو المستحسن على الإطلاق. والأقسام الثلاثة أشدها قبحا مناقض القسم المستحسن. ويسمى افتقار أول البيتين إلى الآخر تضمينا لأن تتمة معناه في ضمن الآخر.
١٢- تنوير: والتضمين يكثر فيه القبح أو يقل بحسب شدة الافتقار أو ضعفه. وأشد الافتقار افتقار بعض أجزاء الكلمة إلى بعض. وربما صنع شعر قوافيه على هذا الوضع ليعمى موضع القافية وهو قبيح جدا. ويتلوه في شدة الافتقار افتقار أحد جزئي الكلام المركب المفيد إلى الآخر. وأما افتقار العمدة إلى تتمة الفضلة والفضلة إلى الاستناد إلى العمدة فأقل قبحا من ذلك، وإنما يكون هذا حيث تقوم الدلالة على المراد بالإضمار. وافتقار العطوف إلى ما يعطف عليه إذا كان المعطوف كلاما تاما أخف من ذلك وأقل قبحا، فإن كان المعطوف ناقصا كان أمر الإضمار أسهل.
١٣- إضاءة: وإذا اجتمع الإضمار والعطف وكان المعطوف تاما سهل الأمر فيه من جهة العطف وصعب أمر الإضمار. فإن أظهر المضمر لم يعد ذلك تضمينا ولا افتقار وإن كان الكلام عطفا لأن الكلام يستقل بتقدير حذف الحرف العاطف، وأيضا فقد يعطف على المقدر فيقع الحرف العاطف صدرا.
١٤- تنوير: ولكون إظهار المضمر يصير الكلام مستقلا غير مفتقر إلى ما قبله قد يحتملون ما في التكرار من ثقل، وذلك مثل قول الخنساء: (البسيط -ق- المترادف)
وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار
وإن صخر لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
ولو قالت وإنه لتأتم الهداة به فأضمرت لكان البيت ناقصا مفتقرا. فإنما أظهرت لفظ صخر ثانيا وثالثا تباعدا بالكلام عن الافتقار، وقصدا لتعديل أقطاره وحسن تفصيله وتقديره. وهذا يعرف مما تقدم. وربما بسط عذر الشاعر في مثل هذا أيضاً كونه يستعذب اسم محبوبه ويريد الإشادة باسم ممدوحه فلا يستثقل ذلك. وهذان أمران لا يحسنان التكرار وإنما يبسطان العذر فيه فقط.
معرف دال على طرق المعرفة بتأصيل القوافي وبناء ما قبلها عليها وبنائها على ما قبلها.
لا يخلو الشاعر من أن يكون يبني أول البيت على القافية أو القافية على أو البيت. وكلا صاحبي هذين المذهبين لا يخلو أن يكون ممن يعتمد أن يقابل بين المعاني ويناظر بينها أو ممن لا يقابل بين شيء منها اعتمادا.
стр. 90
١- إضاءة: فأما معتمد التقابل الذي صدور أبياته مبنية على القوافي فإنه يتأتى له حسن النظم لكون الملاءمة بين أوائل البيوت وما تقدمها - التي هي واجبة في النظم - متأتية له في أكثر الأمر، إذ لكل معنى معان تناظره وتنتسب إليه على جهات من المماثلة والمناسبة والمخالفة والمضادة والمشابهة والمقاسمة. فإذا وضع المعنى في القافية أو ما يلي القافية وحاول أن يقابله ويجعل بإزائه في الصدر معنى على واحد من هذه الأنحاء لم يبعد عليه أن يجد في المعاني ما يكون له علقة بمعنى القافية وانتساب إليه من بعض هذه الجهات، وعلقة بما تقدم من معنى البيت الذي قبله، أو بأن يقدم على المعنى المقابل لمعنى القافية ما يكون له علقة بما تقدم، يبني نظمه متلائما بهذا.
٢- تنوير: وأما معتمد التقابل الذي قوافيه مبنية على الصدور فإنه يضع المعنى في أول البيت ثم ينظر فيما يمكن أن يكون بنفسه قافية أو ما يمكن أن توصل به قافية مما يكون له بزيادة إفادة في المعنى، فيقابل به المعنى الأول. لكن صاحب هذا المذهب وإن وسع على نفسه أولا، في كونه يختار ما يضعه في صدر بيته ويبني عليه كلامه مما له علقة بما تقدم، فقد ضيق على نفسه بكونه لا يمكن أن يقابل المعنى المتقدم من المعاني المتناظرات إلا بما مقطع عبارته وصيغتها موافق للروي أو بما يمكن أن يوصل بما يصلح للوري بالصيغة والمقطع. والأول معوز جدا، والثاني قريب منه في العوز. فكثيرا ما يتكلف هذا ويسامح نفسه في أخذ المنافر على أنه مخالف أو مناسب، ونحو من هذا قول المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف)
كاثرت نائل الأمير من الما ... ل بما نولت من الإيراق
٣- إضاءة: وقليلا ما يذهب هذا المذهب من تنبه لحسن تقابل المعاني وتفطن إلى طريق الوضع فيه واعتمده، أعني أن يبني أعجاز البيوت على صدورها لأنه أصعب شيء بالنسبة إلى وضع التقابل، كما أن الأمر في بناء صدور البيوت على أعجازها بالنسبة إلى وضع التقابل أسهل شيء لأن وجود مناظر أو صلة لمناظر ملتزم أن يكون مقطعه حرفا معينا في صيغة معينة أعز من وجود مناظر أو صلة له غير ملتزم أن يكون مقطعها حرفا معينا بل لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في اليسر والعوز والكثرة والقلة.
٤- تنوير: وإنما يتفق هذا أعني بناء العجز على الصدر لمعتمدي التقابل في الشعر المروى إذا كملت لهم فصول القصائد وحاولوا أن يصلوا بعض الفصول التي لم يتفق أن توصل بدءا ببعض، فعند ذلك تتقارب هذه الأحوال في الصعوبة لأن القوافي قد انحصرت له وضاقت عليه. فإذا بنى على القافية ووضع فيها معنى قد اضطره إليه كون عبارته موافقة للقافية، وكونها لم تتقدم في قوافي القصيد، فقد يكون ذلك المعنى بعيدا من جملة نهايات فصول القصيدة فضلا عن الموضع الذي اضطر فيه إليه. فلا يجد له مناظرا ولا صلة يكون له أول لها علقة بما تقدم إلا على سبيل التكلف. فربما خالف في هذا الموضع عادته في البناء، فبنى آخر الكلام على أوله، فوضع المعنى المقابل للمعنى المتقدم قريبا من القافية، ثم تطلب ما يصله به مما يصلح أن يكون قافية، ويكون مع ذلك لمعنى البيت الذي يلي تلك القافية ويأتي إثرها علقة بها أو بمقابلها أو بما وقع حشوا بينهما أو بمجموع ذلك، فيبني البيت حينئذ على غير ما عادته أن يبنيه عليه. وربما ترك ملاحظة التقابل في هذا الموضع بالجملة ونظر طريقا آخر يؤديه إلى القافية غير هذا الطريق.
٥- إضاءة: فأما من لا يقابل بين الكلام ومن شانه أن يبني صدور البيوت على أعجازها فإنه يتطلب للكلمة التي يريد وضعها قافية معنى يمكن أن يكون للكلام به علقة بما تقدم، ثم يحتال في زنة العبارة ووضع أولها وضعا يليق بما تقدمه ويناسبه.
٦- تنوير: ومن كان من شانه أن يبني أواخر الأبيات على أوائلها فإنه يتطلب معنى يناسب ما تقدم ويمكن في عبارته مع ذلك أن يتأتى في ما يلائم تلك القافية منها أن تؤخر فتكون القافية. وكثيرا ما تتبع معاني من شأنه هذا ألفاظه في القوافي، وذلك عيب.
стр. 91
٧- إضاءة: وقد تختلف حال من يبني أوائلا لكلام على آخره بحسب ما يعرض من أحوال الخاطر. فتارة يبني على القافية جميع البيت، وتارة شطره أو أكثره، ثم يسد الثلمة الباقية بما يناسب الكلام وما تقدمه. وكذلك من يبني آخر الكلام على أوله قد يعرض له نقيض هذه الحال فيبني الكلام من أوله إلى آخره إذا سنحت له القافية بيسر، أو يكمل بناء الشطر الأول أو أكثر من الشطر، ثم يتم الباقي بما تتيسر له فيه القافية.
٨- تنوير: فقد تبين أن الشعراء لهم مذهبان في بناء العشر، وأن كل مذهب له ثلاثة مآخذ.
فالمذهب المختار - وهو بناء البيت على القافية - يحسن فيه بناء البيت بأسره على القافية إذا لم يحتج فيه إلى مناسب متقدم، أو إذا احتيج وتيسر وجه المناسبة، ويحسن أن يبني عليها من أول الشطر الثاني أو ما يتصل به مما قبله حيث يكون البيت وصلة بين فصلين أو طرفي فصل، ثم يبنى الشطر الأول بعد عدم صعوبة القافية على عبارة تليق بما تقدم عليها وتأخر عنها، وذلك غير عزيز.
٩- إضاءة: فأما بناء أكثر البيت على القافية فيقع فيه التكلف كثيرا، لأنه لا يخلو من أن يكون الطرف المتقدم في المبني من المعنى مناسبا للبيت الذي قبله فيكون ما يقدم عليه لتكميل البيت فضلا لا يحتاج إليه، وإن لم يكن مناسبا لما تقدم فبعيد أن تقع قبله لفظة أو لفظتان تنتسب إليه وإلى ما تقدم انتسابا قويا، فيقع التكلف أيضا.
١٠- تنوير: وأما المآخذ الثلاثة في المذهب الثاني فقل ما تخلو من التكلف. وأشدها إعراقا فيا لتكلف ما بني أكثر البيت على أوله ثم استؤنف بعد ذلك النظر في القافية.
١١- إضاءة: وقد يعرض للخواطر في حال جمامها نهز في نظم الكلام فينتظم البيت كله دفعة في غاية السهولة والبعد عن التكلف. واتفاق مثل هذا للمطبوعين كثير. ووجوه اجتلاب الخواطر للكلام وطروه عليها كثيرة. وإنما ذكرت منها ما تيسر.
ز- معلم دال على طرق العلم بما يجب في المطالع والمقاطع على رأي من قال هي أوائل البيوت وأواخرها.
فأما ما يجب في المطالع على رأي من يجعلها استهلالات القصائد فمن ذلك ما يرجع إلى جملة المصراع. وهو أن تكون العبارة فيه حسنة جزلة، وأن يكون المعنى شريفا تاما، وأن تكون الدلالة على المعنى واضحة، وأن تكون الألفاظ الواقعة فيه لاسيما الأولى والواقعة في مقطع المصراع مستحسنة غير كريهة من جهة مسموعها ومفهومها. فإن النفس تكون متطلعة لما يستفتح لها الكلام به. فهي تنبسط لاستقبالها الحسن أولا، وتنقبض لاستقبالها القبيح أولا أيضا.
١- إضاءة: ومن ذلك ما يرجع إلى الكلمة الواقعة في مقطع المصارع. ويجب أن تكون مختارة متمكنة حسنة الدلالة على المعنى تابعة له. ويحسن أن يكون مقطعها مماثلا لمقطع الكلمة التي في القافية، وأن يكون ما بين أقرب ساكن منها إلى المقطع من الحركات عدد ما بين أقرب ساكن من كلمة القافية وبين نهايتها من الحركات أيضا، وأن يكون ملتزما فيها من حركة المجرى أو التقييد أو التأسيس والردف والوصل بالضمائر وحروف الإطلاق وغير ذلك مما يلزم القوافي مثل ما التزم في كلمة القافية وسائر قوافي القصيدة التي ذلك المصراع أولها، ليكون البيت بوجدان الشروط التي ذكرت مصرعا.
فإن للتصريع في أوائل القصائد طلاوة وموقعا من النفس لاستدلالها به على قافية القصيدة قبل الانتهاء إليها، ولمناسبة تحصل لها بازدواج صيغتي العروض والضرب وتماثل مقطعها لا تحصل لها دون ذلك. وقد قال حبيب: (الطويل -ق- المتدارك)
وتقفو إلى الجدوى وبجدوى وغنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع
٢- تنوير: ويجب أن لاحظ فيها جميع ما يجب أن يلاحظ في الكلمة الواقعة قافية على ما أذكره بعد، إن شاء الله.
ويكره أن يكون مقطع المصراع الأول على صيغة يوهم وضعها أنها مصراع ثم تأتي القافية على خلاف ذلك، فيخلف ظن النفس في القافية لذلك. وقد سمي هذا تجميعا.
فهذه إشارة إلى ما يجب في اللفظة الواقعة في مقطع المصراع.
٣- إضاءة: فأما ما يرجع إلى مفتتح المصراع فأن يكون دالا على غرض القصيدة، وأن يكون مع ذلك عذب المسموع، ولا يكون ذلك مما تردد على ألسنة الشعراء فيا لمطالع حتى أخلق وذهبت طلاوته كلفظة خليلي، أو مما اختص به شاعر ولم يتعرض أحد لأخذه منه، كقول امرئ القيس: (قفا نبك) .
стр. 92
٤- تنوير: ويستحسن أن يقدم في صدر المصراع ما يكون لطيفا محركا بالنسبة إلى غرض الكلام كالمناجاة والتذكر في النسيب وما جرى مجراهما، وإن قرن ذلك بمعنى من المعاني التي هي أحوال تعتري الإنسان كالتعجب والتشكك نحو قل حبيب: (البسيط -ق- المتراكب)
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
وقول المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف)
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
كان ذلك منزعا بديعا ومأخذا حسنا.
٥- إضاءة: ويجب أن يكون المصراع الثاني مناسبا للمصارع الأول في حسن عبارته وتمامها وشرف معناه بالجملة، ويكون مقطعه على ما ذكرته وأشرت إليه في مقطع المصراع الأول. فأما صدر المصراع الثاني فلا يشترط فيه كثير مما يشترط فيما جاء في صدر المصراع الأول، وإنما حكم صدر المصراع الثاني حكم الألفاظ الواقعة حشوا. واعني بالحشو هنا ما ليس بمبدأ ولا نهاية قد تميز كلاهما بأحكام تخصه.
فهذا إلماع بما يجب في المطالع على الرأي الأول.
٦- تنوير: فأما ما يجب في المقاطع على ذلك الاعتبار وهي أواخر القصائد فأن يتحرى أن يكون ما وقع فيها من الكلام كأحسن ما اندرج في حشو القصيدة، وأن يتحرز فيها من قطع الكلام على لفظ كريه أو معنى منفر للنفس عما قصدت إمالتها إليه أو مميل لها إلى ما قصدت تنفرها عنه. وكذلك يتحفظ في أول البيت الواقع مقطعا للقصيدة من كل ما يكره ولو ظاهره وما توهمه دلالة العبارة أولا وإن رفعت الإبهام آخرا ودلت على معنى حسن، ومن هذا قول المتنبي: (البسيط -ق- المتراكب)
فلا بلغت بها إلا إلى ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل
وإنما وجب الاعتناء بهذا الموضع لأنه منقطع الكلام وخاتمته.
فالإساءة فيه معفية على كثير من تأثير الإحسان المتقدم عليه في النفس. ولا شيء أقبح من كدر بعد صفو وترميد بعد إنضاج.
فهذا ما يجب في المطالع والمقاطع بهذا الاعتبار على المذهب المختار.
٧- إضاءة: ومن الشعراء من يأخذ فيا لنقيض من هذا فلا يعتني بالمبدأ ولا المقطع. فختم كيفما اتفق ويبدأ كيفما تيسر له. ويعتمد هذا من يريد إعفاء خاطره، أو من يريد أن يظهر أنه لم يعتمد الروية والتنقيح في كلامه وإنما أخذ الكلام أخذا اقتضابيا على الصور التي عن له فيها أولا. فلا يحفل بعدم التصريع ولا يبالي بوقوع خرم في صدر البيت إن وقع له، ليوهم بذلك أنه أعفى قريحته وأن في قوته أن يقول أحسن مما قال.
٨- تنوير: فأما ما يجب في المطالع والمقاطع على رأي من يقول أنها أول الأبيات وأواخرها فإن مطالع الأبيات يجب أن تكون سالمة من الخرم، غير مفتقرة إلى ما قبلها افتقار يجعلها غير مستقلة بأنفسها أو في قوة المستقلة. وأما ما يستحب فيما كان منها رأس فصل أو خاتمته فإني أذكره بعد - إن شاء الله - في الكلام في تأسيس الفصول وترتيبها.
ومحاشاة مطالع الأبيات من كل ما يكره من جهتي المسموعات والمفهومات مستحبة لأنها أول ما يقرع السمع. فهي رائد ما بعدها إلى القلب. فإذا قبلتها النفس تحركت لقبول ما بعدها، وإن لم تقبلها كانت خليقة أن تنقبض عما بعدها. وعلى نحو ما يشترط فيها من جهة المسموع يشترط فيها من جهة المفهوم. فإن النفس تكون مترقبة لما يرد عليها في استئناف كل فيقبضها ما تستقبله من كراهة المسموع أو المفهوم أولا عن كثير من نشاطها بما يرد بعد. ويحسن ألا تتكرر الألفاظ الواقعة في المطالع على قرب ما أمكنت المندوحة عن ذلك.
وأما ما يجب في المقاطع التي هي أواخر الأبيات فقد ألمعنا من الكلام في ذلك بلمحة دالة وقدمنا ذروا من القول فيه، فليتصفح هنالك، وبالله التوفيق.
المنهج الثالث في الإبانة عما يجب في تقدير الفصول وترتيبها ووصل بعضها ببعض وتحسين هيآتها، وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافراً لها.
أ- معلم دال على طرق العلم بأحكام مباني الفصول وتحسين هيئاتها ووصل بعضها ببعض .
стр. 93
العم أن الأبيات بالنسبة إلى الشعر المنظم نظائر الحروف المقطعة من الكلام المؤلف، والفصول المؤلفة من الأبيات نظائر الكلم المؤلفة من الحروف، والقصائد المؤتلفة من الفصول نظائر العبارات المؤلفة من الألفاظ. فكما أن الحروف إذا حسنت حسنت الفصول المؤلفة منها إذا رتبت على ما يجب ووضع بعضها من بعض على ما ينبغي كما أن ذلك في الكلم المفردة كذلك. وكذلك يحسن نظم القصيدة من الفصول الحسان كما يحسن ائتلاف الكلام من الألفاظ الحسان إذا كان تأليفها منها على ما يجب. وكما أن الكلم لها اعتباران: اعتبار راجع إلى مادتها وذاتها، واعتبار بالنسبة إلى المعنى الذي تدل عليه، كذلك الفصول تعتبر في أنفسها وما يتعلق بهيآتها ووضعها، وتعتبر بحسب الجهات التي تضمنت الفصول الأوصاف المتعلقة بها.
وقد تقدم التعريف بالجهات وأنحائها. وأنا أخض هذا المعلم بالقول فيما يجب اعتماده في الفصول من جهة ما يرجع إلى موادها، وإلى هيآتها في أنفسها وما يجب في وضعها وترتيب بعضها من بعض. وأفرد للكلام في ما يتعلق بذلك من جهة اشتمالها على أوصاف الجهات وعلى الأقاويل المخيلة والمقنعة معرفا أقفو به هذا المعلم.
١- إضاءة: والكلام في ما يرجع إلى ذوات الفصول وإلى ما يجب في وضعها وترتيب بعضه من بعض يشتمل على أربعة قوانين: القانون الأول: في استجادة مواد الفصول وانتقاء جوهرها.
القانون الثاني: في ترتيب الفصول والمولاة بين بعضها وبعض.
القانون الثالث: في ترتيب ما يقع في الفصول.
القانون الرابع: في ما يجب أن يقدم في الفصول وما يجب أن يؤخر فيها وتختتم به.
٢- تنوير: فأما القانون الأول في استجادة مواد الفصول وانتقاء جوهرها، فيجب أن تكون متناسبة المسموعات والمفهومات حسنة الاطراد غير متخاذلة النسج غير متميز بعضها عن بعض التمييز الذي يجعل كل بيت كأنه منحاز بنفسه لا يشمله وغيره من الأبيات بنية لفظية أو معنوية يتنزل بها منه منزلة الصدر من العجز أو العجز من الصدر. والقصائد التي نسجها على هذا مما تستطاب. وينبغي أن يون نمط نظم الفصل مناسبا للغرض. فتعتمد فيه الجزالة في الفخر مثلا والعذوبة في النسيب، وأن تكون الفصول معتدلة المقادير بين الطول والقصر. وتقصير الفصول سائغ في المقطعات والمقاصد التي يذهب بها مذهب الرشاقة، وتطويلها مستثقل في ذلك. فأما تطويل الفصول سائغ فيها ومحتمل لموافقته مقصد الكلام وكون القصيدة فيها رحب لذلك وسعة.
٣- إضاءة: فأما القانون الثاني وهو ترتيب بعض الفصول إلى بعض، فيجب أن يقدم من الفصول ما يكون للنفس به عناية بحسب الغرض المقصود بالكلام. ويكون مع ذلل متأتيا فيه حسن العبارة اللائقة بالمبدأ. ويتلوه الأهم فالأهم إلى أن تتصور التقانة ونسبة بين فصلين تدعو إلى تقديم غير الأهم على الأهم. فهناك يترك القانون الأصلي في الترتيب.
٤- تنوير: وتقديم الفصول القصار على الطوال أحسن من أن يكون الأمر بالعكس.
٥- إضاءة: فأما القانون الثالث في تأليف بعض بيوت الفصل إلى بعض فيجب أن يبدأ منها بالمعنى المناسب لما قبله، وإن تأتي مع هذا أن يكون ذلك المعنى هو عمدة معاني الفصل والذي له نصاب الشرف كان أبهى لورود الفصل على النفس، على أن كثيرا من الشعراء يؤخرون المعنى الأشرف ليكون خاتمة الفصل. فأما من يردف المحاكاة ويختمه بأشرف معاني الإقناع. وإلى هذا كان يذهب أبو الطيب المتنبي ﵀ في كثير من كلامه.
٦- تنوير: ويحسن أن يصاغ رأي الفصل صيغة تدل على أنه مبدأ فصل، وإن تمكن مع هذا أن يناط به معنى يحسن موقعه من النفوس بالنسبة إلى الغرض كالتعجب والتمني والدعاء وتعديد العهود السوالف وما أشبه ذلك فهو أحسن.
٧- إضاءة: ويشترط في المذهب المختار أن يكون لمعنى البيت مع كون أوله مبدأ كلام ومصدرا بكلمة لها معنى ابتدائي أن يكون لمعنى البيت علقة بما قبله ونسبة إليه.
стр. 94
٨- تنوير: ويجب أن يردف البيت الأول من الفصل بما يكون لائقا به من باقي معاني الفصل مثل أن يكون مقالا له على وجه من جهات التقابل أو بعضه مقابلا لبعضه، أو يكون مقتضى له مثل أن يكون مسببا عنه، أو تفسيرا له، أو محاكي بعض ما فيه ببعض ما في الآخر، أو غير ذلك من الوجوه التي تقتضي ذكر شيء بعد شيء آخر. وكذلك الحكم في ما يتلى به الثاني والثالث إلى آخر الفصل.
٩- إضاءة: وربما ختم الفصل بطرف من أغراض الفصل الذي يليه أو إشارة إلى بعض معانيه.
١٠- تنوير: فأما القانون الرابع في وصل بعض الفصول ببعض فالتأليف في ذلك على أربعة أضرب.
١- ضرب متصل العبارة والغرض.
٢- وضرب متصل العبارة دون الغرض.
٣- وضرب متصل الغرض دون العبارة.
٤- وضرب منفصل الغرض والعبارة.
١١- إضاءة: فأما المتصل العبارة والغرض فهو الذي يكون فيه لآخر الفصل بأول الفصل الذي يتلوه علقة من جهة الغرض وارتباط من جهة العبارة، بان يكون بعض الألفاظ التي في أحد الفصلين يطلب بعض الألفاظ التي في الآخر من جهة الإسناد والربط.
١٢- تنوير: وأما المتصل الغرض المنفصل العبارة فهو الذي يكون أول الفصل فيه رأس كلام، ويكون لذلك الكلام علقة بما قبله من جهة المعنى.
وهذا الضرب إذا نيط برأس الفصل فيه معنى تعجيبي أو دعائي أو غير ذلك مما أشرنا إليه هو أفضل الضروب الأربعة، لكون النفوس تنبسط ويتجدد نشاطها بإشعارها الخروج من شيء إلى شيء واستئناف كلام جديد لها مع ما يشفع به إليها في قبول الكلام من نياطة ما ذكرناه من تعجيب أو دعاء أو غير ذلك مما له بالمعنى علقة بالكلام وتصديره به. وهذا الضرب على كل حال أفضل الضروب الأربعة. وقد يقرن الحرف الرابط بهذا النحو فلا يغض من طلاوته ولا ينقص مما تجده النفس من حلاوته.
١٣- إضاءة: فأما الضرب الثالث وهو ما كان منفصل الغرض متصل العبارة فإنه منحط عن الضربين اللذين قبله.
١٤- تنوير: فأما الضرب الرابع وهو الذي لا توصل فيه عبارة بعبارة ولا غرض بغرض مناسب له، بل يهجم على الفصل هجوما من غير إشعار به بما قبله ولا مناسبة بين أحدهما والآخر، فإن النظم الذي بهذه الصفة مشتت من كل وجه. وإنما تسامح بعض المجيدين في مثل هذا عند الخروج من نسيب مديح. وربما فعلوا ذلك عند خروجهم منه إلى الذم.
وهذا القدر من الإشارة إلى ما يجب في الفصول، وإن كان قولا إجماليا، مقنع لمن له فكر متصرف يستدل به بما ذكر على ما لم يذكر.
ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يجب اعتاده في الفصول من جهة اشتمالها على أوصاف الجهات التي هي مسانح أقناص المعاني ومعاضدة التخييل فيهما بالإقناع على الوضع الذي يليق بذلك ويحسن به موقعه من النفوس.
إن من الشعراء من يقصد المبالغة في تكثير الأوصاف المتعلقة بالجهة التي القول فيها، فيستقصي من ذلك ما كانت له حقيقة، وربما تجاوز ذلك إلى أن يختل أوصافا يوهم أن لها حقيقة في تلك الجهة من غير أن يكون كذلك في الحقيقة بل على أنحاء من المجاز والتمويه ليبالغ بذلك في تمثيلها للنفس على أحسن أو أقبح ما يمكن بحسب غرض الكلام من حمد أو ذم، ويكون في ذلك بمنزلة من يقصد في المحاكاة والاقتصاصات الكلم التي تعطي المبالغة في الوصف؛ ومنهم من يقصر في أوصاف الجهات على الحقيقة وما قاربها، كما أن فيهم من لا يدل بألفاظه إلا على الحقيقة أو ما قاربها؛ ومنهم من يتوخى تضمين الفصل لحقيقة ما في الجهة، كما فيهم من يتوخى مطابقة اللفظ لحقيقة ما يدل عليه.
١- إضاءة: وكما أن في الشعراء من يستوعب أركان المعاني كذلك فيهم من يستقصي الأوصاف التي بها يكمل اتساق الفصول، وكما أن فيهم من يكتفي باستيفاء المقدار الذي منه يلتثم المعنى الذي رتبته في أول درجة من استقلال وترك ما وراء حد الاستقلال مما هو كالتتميم والتبيين كذلك فيهم من يأخذ من أوصاف الجهة ما يكون فيه إقناع وكفاية فلا يضمن الفصل أكثر من هذا المقدار.
٢ - تنوير: وكما أن فيهم من يخل بالمعاني ويترك كثيرا من أركانها، وربما أدخل ما ليس منها، كذلك فيهم من يتخطى أوصاف الجهة اللائقة بمقصده ويذكر من ذلك ما تيسر له - أكيدا كان ذلك بالنسبة إلى غرضه أو غير أكيد - فيكون قد أخل بالفصول بالنظر إلى الجهات، وربما أقحم فيها ما لا يصلح بها.
стр. 95
٣- إضاءة: وكما أن في الشعراء من يجعل أكثر معانيه وألفاظه مخيلة ولا يعرج على الإقناع الخطابي إلا في قليل من المواضع، وفيهم من يقصد الإقناع في كثير من معانيه - لأن صناعة الشعر تستعمل يسيرا من الأقوال الخطابية كما أن الخطابة تستعمل يسيرا من الأقوال الشعرية لتعتضد المحاكاة في هذه بالإقناع والإقناع في تلك بالمحاكاة. وغنما يعاب الشاعر إذا كان أكثر أقاويله أو ما قارب مساواة الباقي بزيادة قليلة أو نقص خطابية، والخطيب إذا كانت أقاويله أو ما قارب المساواة بزيادة قليلة أو نقص شعرية. فأما إذا استعملت إحداهما الأقل من الأخرى فإن ذلك يحسن لاعتضاد إحداهما بالأخرى وإراحة النفس وجمومها لتجدد الأقاويل الشعرية بعد الخطابية والخطابية بعد الشعرية عليها وإجمامها بالواحد لتلقى الآخر. - فكذلك في الشعراء أيضاً من يجعل أكثر أبياته وما تتضمنه الفصول بالجملة مخيلة ولا يستعمل الإقناع إلا في القليل منها، ومنهم من يستعمل الإقناع في كثير من الأبيات التي تتضمنها فصول القصيدة.
وقد كان أبو الطيب يعتمد هذا كثيرا ويحسن وضع البيت الإقناعي من الأبيات المخيلة لأنه كان يصدر الفصول بالأبيات المخيلة ثم يختمها ببيت إقناعي يعضد به ما قدم من التخييل ويجم النفوس لاستقبال الأبيات المحيلة في الفصل التالي. فكان لكلامه أحسن موقع في النفوس بذلك. ويجب أن يعتمد مذهب أبي الطيب في ذلك، فإنه حسن.
٤- تنوير: والذي يجب أن يعتمده من له قوة يتسنم بها أية شاء من رتب الشعراء في إعطاء الفصول حقها أو فوق حقها أو دون حقها في ما هو فيها بالنظر إلى الجهات بإزاء المبالغة والاستيعاب فيا لعبارات بالنظر إلى المعاني، وهو الاقتصار في ما كانت موصوفاته في أعلى رتبة من الحسن أو القبح على الحقيقة أو ما قاربها مما هو غير مستحيل. هذا إذا قصد تحسين الحسن وتقبيح القبيح.
وما كان في أدنى رتبة منها وقصد تحسينه أو تقبيحه على ذلك النحو فسائغ للشاعر أن يلحقه بذي الرتبة العليا ويصفه بمثل ذلك من الأوصاف التي لا يستحيل تصورها وإن كانت ممتنعة. والمستحسن أن يكون ذلك من الأمور الممكنة.
وإنما ساغ في الشعر وقوع الكذب في الممكنات ولم يسغ في المستحيلات لأن الأمر إذا كان ممكنا سكنت إليه النفس وجاز تمويهه عليها، والمحال تنفر عنه النفس ولا تقبله البتة، فكان مناقضا لغرض الشعر إذ المقصود بالشعر الاحتيال في تحريك النفس لمقتضى الكلام بإيقاعه منها بمحل القبول بما فيه من حسن المحاكاة والهيئة بل ومن الصدق والشهرة في كثير من المواضع.
٥- إضاءة: وأما الاستقصاء فإنه مستحسن في الجهات التي معانيها مع شرفها قليلة.
فأما الجهات التي تكثر معانيها وليست كلها بشريفة بالنسبة إلى المقصد فإنما يسوغ استقصاؤها في القصائد الطوال كقصائد ابن الرومي. فأما في القصائد القصار والمتوسطة فلا يحسن إلا التخطي إلى الأشرف فالأشرف منها كما وجب التخطي أيضاً في المعاني المتناظرات إذا كثرت على ما قدمت. لكن ذلك قد يستساغ في القصائد الطوال، ولكل مقام مقال.
٦- تنوير: وقد يكون الفصل مشتملا على معاني جهتين أو أكثر، ويكن تعليق الوصاف الواقعة فيبعضها ببعض على سبيل محاكاة أو التفات أو غير ذلك. وما جاء غير متكلف من هذا القبيل فهو حسن.
٧- إضاءة: ومن القصائد ما يكون اعتماد الشاعر في فصولها على أن يضمنها معاني جزئية تكون مفهوماتها شخصية، ومنها ما يقصد في فصولها أن تضمن المعاني الكلية التي مفهوماتها جنسية أو نوعية، ومنها ما يقصد في فصولها أن تكون المعاني المضمنة إياها مؤتلفة بين الجزئية والكلية. وهذا هو المذهب الذي يجب اعتماده لحسن موقع الكلام به من النفس. وأحسن ما يكون عليه هيأة الكلام في ذلك أن تصدر الفصول بالمعاني الجزئية وتردف بالمعاني الكلية على جهة تمثل بأمر عام على أمر خاص أو استدلال على الشيء بما هو أعم منه أو نحو ذلك. فكثيرا ما يقع بوضع معاني الفصول على هذه الصفة تعجيب للنفس وانقياد إلى مقتضى الكلام، لكون المعاني الكلية مظنة لوقوع الاقتداء والائتساء بها للسامع أو عدمها حيث يقصد التأنيس بوجودهما أو التنفير من فقدان ذلك، ولوقوع المراوحة التي قدمنا أن فيها استجماما للنفوس.
стр. 96
وللكلام في هذا طول لا يحتمله هذا الموضع، إذ قصدنا اقتضاب ما تيسر من هذه القوانين الكلية واعتماد ما معرفته أكيدة في هذه الصناعة من ذلك، فلذلك اكتفينا من القول في ما قصدنا الإبانة عنه بهذه الإضاءة بهذه اللمحة الدالة.
ج - مأم من مذاهب البلاغة المستبانة بهذا المنهج وهو مذهب التسويم
إن الحذاق من الشعراء - المهتدين بطباعهم المسددة إلى ضروب الهيئات التي يحسن بها موقع الكلام من النفس من جهة لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب - لما وجدوا النفوس تسأم التمادي على حال واحدة وتؤثر الانتقال من حال إلى حال، ووجدوها تستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر واستجداد الشيء بعد الشيء. ووجدوها تنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة إذا أخذ مأخذا واحدا ساذجا ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتنان في أنحاء الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهيا في الكثرة إذا أخذ من شتى مآخذه التي من شأنها أن يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة واحتيل في ما يستجد نشاط النفس لقبوله من توعيه والافتنان في أنحاء الاعتماد به اعتمدوا في القصائد أن يقسموا الكلام فيها إلى فصول ينحى بكل فصل منها محنى من المقاصد ليكون للنفس في قسمة الكلام إلى تلك الفصول والميل بالأقاويل فيها إلى جهات شتى من المقاصد وأنحاء شتى من المآخذ استراحة واستجداد نشاط بانتقالها من بعض الفصول إلى بعض وترامي الكلام بها إلى أنحاء مختلفة من المقاصد - فالراحة حاصلة بها لافتنان الكلام في شتى مذاهبه المعنوية وضورب مبانيه النظمية - واعتنوا باستفتاحات الفصول وجهدوا في أن يهيؤوها بهيئات تحسن بها مواقعها من النفوس وتوقظ نشاطها لتلتقي ما يتبعها ويتصل بها، وصدروها بالأقاويل الدالة على الهيئات التي من شان النفوس أن تتهيأ بها عند الانفعالات والتأثرات لأمور سارة أو فاجعة أو شاجية أو معجبة بحسب ما يليق بغرض الكلام من ذلك، وقصدوا أن تكون تلك الأقاويل مبادئ كلام من جهة ما نحي بها من أنحاء الوضع أو محكومها لها بحكم المبادئ وإن وصلها بما قبلها واصل لكونها مستقلة بأنفسها من جهة الوضع الذي يخصها، فيكون استئناف الكلام على ذلك النحو وصوغه على تلك الهيآت مجددا لنشاط النفس ومحسنا لموقع الكلام منها.
١- إضاءة: ولما كان اعتماد ذلك في رؤوس الفصول ووجودها أعلاما عليها وإعلاما بمغزى الشاعر فيها، وكان لفواتح الفصول بذلك بهاء وشهرة وازديان حتى كأنها بذلك ذوات غرر رأيت أن أسمي ذلك بالتسويم وهو أن يعلم على الشيء وتجعل له سيمى يتميز بها. وقد كثر استعمال ذلك في الوجوه والغرر، كما قال ابن الرومي: (الطويل -ق- المتدارك)
سما سموة نحو المساء بغرة ... مسمومة قد ما بسيمى سجودها
فلذلك كان هذا اللقب لائقا بما وضع عليه. وأيضا فإنا سمينا تحلية أعقاب الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية بالتحجيل ليكون اقتران صنعة رأس الفصل وصنعة عجزه نحوا من اقتران الغرة بالتحجيل في الفرس.
٢- تنوير: فإذا اطرد للشاعر أن تكون فواتح فصوله على هذه الصفة واستوسق له الإبداع في وضع مباديها على أحسن ما يمكن من ذلك صارت القصيدة كأنها عقد مفصل، وتألفت لها بذلك غرر وأوضاح وكان اعتماد ذلك فيها أدعى إلى ولوع النفس بها وارتسامها في الخواطر لامتياز كل فصل منها بصورة تخصه.
٣- إضاءة: وإذا اتجه أن يكون الانتقال من بعض صدور الفصول إلى بعض على النحو الذي يوجد التابع فيه مؤكدا لمعنى المتبوع ومنتسبا إليه من جهة ما يجتمعان في غرض ومحركا للنفس إلى النحو الذي حركها الأول أو إلى ما يناسب ذلك، كان ذلك أشد تأثيرا في النفوس وأعون على ما يراد من تحسين موقع الكلام منها.
٤- تنوير: وممن كان يحسن الاطراد في تسويم رؤوس الفصول على النحو الذي ذكرته أبو الطيب المتنبي، وذلك نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك)
أغالب فيك الشوق، والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب
فضمن هذا البيت من الفصل الأول تعجيبا من الهجر الذي لا يعاقبه وصل، ثم أكد التعجيب في البيت الثاني الذي هو تتمة الفصل الأول، ثم ذكر من لجاج الأيام في بعد الأحباء وقرب الأعداء، وكان ذلك مناسبا لما ذكر في الهجر.
٥- إضاءة: ثم افتتح الفصل الثاني بالتعجب من وشك بينه وسرعة سيره فقال:
стр. 97
ولله سيري ما أقل تئية ... عشية شرقي الحد إلى غرب
فكان هذا الاستفتاح مناسبا للبيتين المتقدمين من جهة التعجب وذكر الرحيل، ثم بين حاله وحال من ودعه عند الوداع.
٦- تنوير: ثم استفتح الفصل الثالث بتذكر العهود السارة وتعديدها فقال:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
فكان هذا مناسبا لمفتتح الفصل الثاني في أنه تذكر فيه موطن البين فتلا ذلك بتذكر موطن الوصل والقرب في صدر هذا الفصل الثالث، ثم تمم هذا الفصل بذكر ما اقترن بذلك الوصل من محاذرة الرقبة.
٧- إضاءة: ثم استفتح الفصل الرابع بتذكر الحال التي حاذر فيها الرقبة عند رحيله عن سيف الدولة، فشبه اليوم الذي كان فيه ذلك بليل العاشقين في الطول وفي أنهم يحذرون فيه الرقبة فقال:
ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب
ثم اطرد كلامه في هذا الفصل في وصف الفرس وانتقل فيه من معان جزئية إلى معان كلية يمكن معها أن يعتقد في الكلام انه فصل واحد، وأن يعتقد أنه فصلان ويكون رأس الفصل الثاني قوله:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
٨- تنوير: ثم استفتح الفصل الخامس أو السادس على الاعتبار الثاني بذم الدنيا وما تؤول إليه أحوالها وتعقب به صروفها من مثل ما قدم من ذكر الفراق والبعاد والهجر ومكابدة الأعداء، وتوجع مما يصيب كل بعيد الهم فيها فقال:
لحى الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب
فاطرد له الكلام في جميع ذلك أحسن اطراد، وانتقل في جميع ذلك من الشيء إلى ما يناسبه وإلى ما هو منه بسبب ويجمعه وإياه غرض. فكان الكلام بذلك مرتبا أحسن ترتيب ومفصلا أحسن تفصيل وموضوعا بعضه من بعض أحكم وضع.
فعلى هذا النحو يجب أن تكون المآخذ في استفتاحات الفصول ووضع بعضها من بعض. وهذا الفن من الصناعة ركن عظيم من أركان الصناعة النظمية لا يسمو إليه إلا من قويت مادته وفاق طبعه. وقد أرشدناه إلى السبيل المؤدية إلى حسن التصرف في ذلك. فمن ائتم بما رسمته في ذلك لم يضل إن شاء الله.
د- مأم من المذاهب المستشرفة مما تقدم أيضا، وهو مذهب التحجيل .
وإذا ذيلت أواخر الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية واتضحت شيات المعاني التي بهذه الصفة على أعقابها - فكان لها ذلك بمنزلة التحجيل - زادت الفصول بذلك بهاء وحسنا ووقعت من النفوس أحسن موقع.
١- إضاءة: ولا يخلو المعنى الذي يقصد تحلية الفصل به وتحجيله من أن يكون متراميا إلى ما ترامت إليه جملة معاني الفصل إن كان مغزاها واحد أو يكون متراميا إلى ما ترامى إليه بعضها، فيورد على جهة الاستدلال على ما قبله أو على جهة التمثيل. ويكون منحوا به منحى التصديق أو الإقناع، مقصودا به إعطاء حكم كلي في بعض ما تكون عليه مجاري الأمور التي للأغراض الإنسانية علقة بها مما انصرفت إليه مقاصد الفصل ونحي بها نحوه. فيكون في ورود البيت الأخير الذي يتضمن حكما أو استلالا على حكم، إثر المعاني التي لأجلها بين ذلك الحكم أو الاستدلال عليه، إنجاد للمعاني الأول وإعانة لها على ما يراد من تأثر النفوس لمقتضاها. فكان ذلك من أحسن ما يعتمد في الفصول وأزينه لها.
٢- تنوير: وهذا الفن من صناعة النظم شريف جدا. وينبغي أن يكون اللفظ والتركيب فيه سهلا جزلا، وأن تورد القافية فيه متمكنة. وإن كانت مراعاة هذه الأشياء واجبة في غير ذلك من أبيات الشعر فإنها في هذه الأبيات التي تجعل اختتامات للفصول ونصولا على عواملها أوجب.
٣- إضاءة: وممن سبق إلى وضع هذه المعاني المذهوب بها مذهب الحكمة والتمثل في نهايات الفصول ومقاطع القول فيها وسبك القول فيها أحسن سبك زهير، نحو ما تمثل به في آخر مذهبته: (الطويل -ق- المتدارك)
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
ونحو ما ختم به آخر فصل من قصيدته اللامية، وذلك قوله: (الطويل -ق- المترادف)
فما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
ثم جاء أبو الطيب المتنبي فيا لمولدين فولع بهذا الفن من الصنعة وأخذ خاطره به حتى برز في ذلك وجلى وصار كلامه في ذلك منتميا إلى الطراز الأعلى.
стр. 98
٤- تنوير: وينبغي ألا يسرف في الاستنكار من هذا الفن من الصنعة، فإنه مؤد إلى التكلف وسآمة النفس. ولكن يلمع بذلك في بعض نهايات الفصول دون بعض، وبحسب ما يعن للخاطر من ذلك ويسنح من غير استكراه ولا تكلف في وزن أو قافية أو هيأة نظامية بالجملة.
وإنما يجب أن يقتضب الخاطر من ذلك ما ناسب الغرض ووسعه مقدار الشعر وتمكن فيه رويه ولم يكن قلقا في موضعه من جهة لفظ ولا معنى. وإنما يسنح الكلام على هذا في بعض المواضع.
فلذلك كان اعتماد التمثل والحكمة على أعقاب كل فصل دليلا على التكلف وداعيا إليه. ولذلك عيب كلام قوم من قدماء المولدين حيث اعتمدوا ذلك في أكثر كلامهم، فدل ذلك على التكلف وأوقع في السآمة، ولم يبق للحكمة جدة ولا طراءة.
وإنما يحسن الكلام بالمراوحة بين بعض فنونه وبعض والافتنان في مذاهبه وطرقه، فيزداد حب النفس لما يرد عليها من ذلك إذا كانت زيادته غبا.
المنهج الرابع في الإبانة عن كيفية العمل في إحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها ، وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافراً لها.
أ- معلم دال على طرق العلم بإحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها وما تجب العناية بالتأنق فيه من ذلك وما تتأكد العناية به وما تتأكد فيه عند قوم ولا تتأكد عند آخرين.
إن من القصائد ما يقصد فيه التقصير، ومنها ما يقصد فيه التطويل، ومنها ما يقصد فيه التوسط بين الطول والقصر.
فأما المقصرات فإن القول فيها إذا كان منقسما إلى غرضين لم يتسع المجال للشاعر لأن يستوفي أركان المقاصد التي بها يكمل التئام القصائد على أفصل هيئاتها، وربما استوفى ذلك الحذاق مع ضيق المجال عليهم باقتضاب الأوصاف الضرورية في الجهات بالنسبة إلى الغرض والتلطف في إبداع النقلة من بعضها إلى بعض على الوجوه الملائمة الموجزة.
فأما المتوسطات والمطولات فالمجال فيها متسع لما يراد من ذلك.
١- إضاءة: والقصائد: منها بسيطة الأغراض ومنها مركبة. والبسيطة مثل القصائد التي تكون مدحا صرفا أو رثاء صرفا. والمركبة هي التي يشتمل الكلام فيها على غرضين مثل أن تكون مشتملة على نسيب ومديح. وهذا أشد موافقة للنفوس الصحيحة الأذواق لما ذكرناه من ولع النفوس بالافتنان في أنحاء الكلام وأنواع القصائد.
٢- تنوير: فأما كيفية العمل في القصائد المشتملة على نسيب ومديح فإن كل قول نسيبي لا يخلو من أن يكون متعلقا بوصف المحبوب ومحاكاته أو وصف بعض أحواله وما له بذلك علقة من زمان أو مكان أو غير ذلك، أو يكون متعلقا بوصف المحب أو وصف بعض أحواله وما له بذلك علقة، أو يكون متعلقا بوصف حال تقاسماها معا.
فأكثر ما تبدأ القصائد الأصيلية بما يرجع من ذلك إلى المحب: كالوقوف على الربوع والنظر إلى البروق ومقاساة طول الليل.
وأكثر ما تبدأ بعد هذا بما يرجع إلى المحب والمحبوب معا مما يسوء وقوعه كوصف يوم الفراق وموقف الوداع.
والافتتاح بما يخص المحبوب أقل من ذلك.
٣- إضاءة: ويستحسن إرداف ما يرجع إلى المحب والمحبوب معا مما يشجو وقوعه بذكر بعض ما هو راجع إليهما مما يسر وقوعه، إذ في ذلك ضرب من المقابلة وتدارك للنفوس كم إيلامها بالشاجي الصرف، بأن تعرض عليها المعاني التي تلتذ بتخيل ما يعنى بها وإن آلمها مغيبه أو انقضاؤه.
٤- تنوير: وأحسن ما ابتدئ به من أحوال المحبين ما كان مؤلما من جهة ملذا من أخرى كحال التذكر والاشتياق وعرفان المعاهد. فإن هذه الأحوال وإن كانت مؤلمة للنفوس فإن لكثير من النفوس في تخيل ما يتذكر ويشتاق إليه ويحن إلى عهده لذة ما وتشفيا، يكاد ينقع الغلة من حيث أذكاها ويس النفس من حيث أشجاها وأبكاها. ثم يتدرج من ذلك على ذكر ما يؤلم من بعض الأحوال التي لها علقة بهما معا، ثم إلى ذكر ما يؤلم ويلذ من الأحوال التي لها بهما أيضاً علقة، ثم ينتقل من ذلك إلى ما يخص المحبوب من الأوصاف والمحاكاة، ثم يحتال في عطف أعنة الكلام إلى المديح، فهذا هو الموضع التام المتناسب. وهو الذي يعتمده امرؤ القيس في كثير من قصائده. ولا يحسن أن يبدأ بالمؤلم المحض. وقد يقع ذلك لكثير من الشعراء. ويكون الترتيب على غير ما ذكرته، لكن الذي ذكرته أحسن.
стр. 99
٥- إضاءة: فأما المديح المتخلص إليه من نسيب فالوجه أن يصدر بتعديد فضائل الممدوح، وأن يتلى ذلك بتعديد مواطن باسه وكرمه وذكر أيامه في أعدائهم. وإذا للممدوح سلف حسن تشفيع ذكر مآثره، بذكر مآثرهم ثم يختتم بالتيمن للممدوح والدعاء هل بالسعادة ودوام النعمة والظهور على الأعداء وما ناسب ذلك.
والمحدثون أثر اعتمادا لهذا في مقاطع القصائد من القدماء، وإن كان ذلك أيضاً موجودا في أشعارهم.
٦- تنوير: فأما القصائد البسيطة فأحسن ما تبدأ به وصف ما يكون في الحال مما له إلى غرض القول انتساب شديد كافتتاح مدح القادم من سفر بتهنئته بالقدوم والتيمن له بذلك، وكافتتاح مدح من ظفر بأعدائه بوصف ذلك وتهنئته به، ثم يتبع ذلك بذكر فضائل الممدوح ونشر محامده، ويستمر في الأغراض التي تغن على الأنحاء التي لا يوجد للكلام معها اضطراب ولا تنافر.
٧- إضاءة: ويجب أن تكون المبادئ جزلة، حسنة المسموع والمفهوم، دالة على غرض الكلام، وجيزة، تامة. وكثيرا ما يستعملون فيها النداء والمخاطبة والاستفهام ويذهبون بها مذاهب من تعجيب أو تهويل أو تقرير أو تشكيك أو غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه فيما سلف.
٨- تنوير: ويجب أن تكون الصدور متناسبة النسج، حسنة الالتفاتات، لطيفة التدرج، مشعشعة الأوصاف بالتشبيهات. ويجب أن يكون التخلص لطيفا، والخروج إلى المدح بديعا.
٩- إضاءة: ويجب أن يكون صدر المديح حسن السبك، عذب العبارات مستطاب المعاني، ليناسب ما اتصل به من النسيب. ويجب أن تعتمد فيه مع ذلك الجزالة والمبالغة في الأوصاف.
١٠- تنوير: ومما يجب اعتماده حيث يقع وصف الحرب أن تفخم العبارات وتهول الأوصاف ويحسن الاطراد في اقتصاص ما وقع من ذلك، وأن تراح النفوس حيث يقع التمادي في ذلك بإيراد معاني تستطيبها وتبسط ما قبض منها تهويل وصف الحرب. وتحسن الإحالة على التواريخ في هذا الموضع.
١١- إضاءة: فأما الاختتام فينبغي أن يكون بمعان سارة فيما قصد به التهاني والمديح، وبمعان مؤسية فيما قصد به التعازي والرثاء. وكذلك يكون الاختتام في كل غرض بما يناسبه. وينبغي أن يكون اللفظ فيه مستعذبا والتأليف جزلا متناسبا، فإن النفس عند منقطع الكلام تكون متفرغة لتفقد ما وقع فيه غير مشتغلة باستئناف شيء آخر.
١٢- تنوير: فأما ما تجب العناية بالتأنق فيه على الوجه المختار فتحسين المبدأ والتخلص. وأما ما تتأكد به العناية ولاسيما عند من أخذ بمذهب أيمة المحدثين فتحسين البيت التالي للبيت الأول من القصيدة ليتناصر بذلك حسن المبدأ ومثل هذا قول أبي تمام: (الطويل -ق- المترادف)
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف)
من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل مثلا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب
وقوله: (الطويل -ق- المتدارك)
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق
وقوله: (الطويل -ق- المتدارك)
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت غير ميمم
وما منزل اللذات عند بمنزل ... إذا لم أبجل عنده وأكرم
وأكثر ما يتوخون هذا إذا كان البيت الثاني تتمة الفصل الأول. فأما إذا كان الفصل الأول أكثر من بيتين فإنهم يوجهون العناية إلى تحسين نهاية الفصل. وكلما قرب ذلك إلى المبدأ فكان ثانيا أو ثالثا كان أحسن مثل قول أبي تمام ﵀: (الخفيف -ق- المترادف)
أيها البرق بت بأعلى البراق ... واغد فيها بوابل غيداق
وتعلم بأنه ما لأنوا ... ئك إن لم تروها من خلاق
دمن طالما التقت أدمع المز ... ن عليها وادمع العشاق
وإذا لم يكن البيت الثاني مناسبا للأول في حسنه غض ذلك من بهاء المبدأ وحسن الطليعة، وخصوصا إذا كان فيه قبح من جهة لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب، وذلك نحو قول أبي الطيب المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف)
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
стр. 100
كيف ترثي التي رأت كل جفن ... راءها غير جفنها غير راق
وتحسين البيت التالي لبيت التخلص إلى المدح يجري من بيت التخلص مجرى تحسين البيت الثاني من البيت الأول في أن إتباع تحسين أحدهما بتحسين الآخر أكيد.
فأما ما تتأكد به العناية عند قوم ولا تتأكد عند آخرين فمقاطع القصائد وأبياتها الأواخر. وذلك من جهة ما يرجع إلى هيئات الوضع والتأليف والاطراد في الألفاظ والمعاني والنظام والأسلوب. فأما من جهة وقوع لفظ مكروه أو معنى مشنوء في منقطع الكلام فالرأي فيه واحد في أن التحفظ منه واجب على كل ناظم أو ناثر.
فهذه مذاهب الحذاق المطبوعين: تحسين هيئات القصائد وتحصين مبانيها قد أبنتها، فمن سلك ذلك السبيل وذهب ذلك المذهب فقد سرى على سواء المنهج من هذه الصناعة، إن شاء الله.
ب- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعلم وهو مذهب الإبداع في الاستهلال .
وتحسين الاستهلالات والمطالع من أحسن شيء في هذه الصناعة، إذ هي الطليعة الدالة على ما بعدها المتنزلة من القصيدة منزلة الوجه والغرة، تزيد النفس بحسنها ابتهاجا ونشاطا لتلقي ما بعدها إن كان بنسبة من ذلك. وربما غطت بحسنها على كثير من التخون الواقع بعدها إذا لم يتناصر الحسن فيما وليها.
١- إضاءة: ولا يخلو الإبداع في المبادي من أن يكون راجعا إلى ما يقع في الألفاظ من حسن مادة واستواء نسج ولطف انتقال وتشاكل اقتران وإيجاز عبارة وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الألفاظ، أو إلى ما يرجع إلى المعاني من حسن محاكاة ونفاسة مفهوم وتطبيق مفصل بالنسبة إلى الغرض وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في المعاني، أو إلى ما يرجع إلى النظم من إحكام بنية وإبداع صيغة ووضع وما ناسب ذلك مما يحسن في النظم، أو إلى ما يرجع إلى الأسلوب من حسن منزع ولطيف منحى ومذهب وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الأساليب.
٢- تنوير: وملاك المر في جميع ذلك أن يكون المفتتح مناسبا لمقصد المتكلم في جميع جهاته. فإذا كان مقصده الفخر كان الوجه أن يعتمد من الألفاظ والنظم والمعاني والأسلوب ما يكون فيه بهاء وتفخيم، وإذا كان المقصد النسيب كان الوجه أن يعتمد منها ما يكون فيه رقة وعذوبة من جميع ذلك، وكذلك سائر المقاصد. فإن طريقة البلاغة فيها أن تفتتح بما يناسبها ويشبهها من القول من حيث ذكر.
٣- إضاءة: ومما تحسن به المبادئ أن يصدر الكلام بما يكون فيه تنبيه وإيقاظ لنفس السامع أو أن يشرب ما يؤثر فيها انفعالا ويثير لها حالا من تعجيب أو تهويل أو تشويق أو غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.
٤- تنوير: وفي الكلام ما له صورة يصير بها لائقا أن يكون رأس كلام ومفتتح قول، ومنه ما لا يليق بالمبادي ولا يكون له هيأة تصلح لها.
ويجب أن يجتلب القول للمبادئ من المعدن الأول.
٥- إضاءة: وأحسن المبادي ما تناصر فيه حسن المصراعين وحسن البيت الثاني على ما تقدم ذكره في العلم قبل هذا.
وأكثر ما وقع الإحسان في المبادئ على هذا النحو للمحدثين. فأما العرب المتقدمون فلم يكن لهم بتشفيع البيت الأول بالثاني كبير عناية. وكثيرا ما كانوا يتسلسلون فيه في ذكر المواضع نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- المترادف)
فغول، فحليت، فنفي فمنعجٍ ... إلى عاقل، فالجب ذي الأمرات
والرتبة الثانية في حسن المبادي أن يتناصر الحسن في المصراعين دون البيت الثاني، نحو قول أبي الطيب المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف)
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
والرتبة الثالثة أن يكون المصراع الأول كامل الحسن، ولا يكون المصارع الثاني منافراً له وإن لم يكن مثله في الحسن، ومثل هذا يوجد كثيرا.
٦- إضاءة: وقد تكون المبادي، التي حسن فيها المصراع الأول وكان ما وليه نمطا وسطا في الكلام، من الشرف بما وقع فيها بحيث تفوق المبادي التي تناصر الحسن في مصارعيها والبيت الثاني لهما، وذلك نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- المتدارك)
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
стр. 101
فالمصراع الأول في غاية الإبداع ونهاية الانطباع، وليس المصراع الثاني كذلك، وإن كان له قسط من الفصاحة لأن كثيرا من الشعراء الفحول يجاريه في مثل صيغة المصراع الثاني ويتمم مبدأه بمثل ما تممه به، وليس يجاريه أحد في كمال المصراع الأول وشرف ما وقع فيه بالنظر إلى ما يجب أن يفتتح به القول في البكاء على الديار.
٧- تنوير: وليس يجب أن يعتبر في حسن المبادي ما وقع الإحسان في مصراعه الثاني إذا كان المصراع الأول قبيحا.
٨- إضاءة: ومما اختير من المبادي قول النابغة: (الطويل -ق- المتدارك)
كليني لهم يا أميمة ناصب
وقول الأعشى: (الطويل -ق- المتدارك)
كفى بالذي تولينه لو تحببا
وقول القطامي: (البسيط -ق- المتركب)
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل
وقول بشار: (الطويل -ق- المتدارك)
أبى طلل بالجزع أن يتكلما
وقول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب)
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
وقول البحتري: (الزجر -ق- المتدارك)
عارضتنا أصلا فقلنا الربرب
ومن المراثي قول الشاعر: (الطويل -ق- المتدارك)
أيا جارنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
وقول أوس بن حجر: (الخفيف -ق- المتراكب)
أيتها النفس أجملي جزعا
وقول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب)
أي القلوب عليكم ليس ينصدع
٩- تنوير: ومما أستحسنه أنا قول منصور النمري: (البسيط -ق- المتراكب)
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
وقول أبي الطيب: (الطويل -ق- المتدارك)
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وقول أبي عمر بن دراج القسطلي: (البسيط -ق- المتراكب)
أهل بالبين، فانهلت مدامعه
وقول يوسف بن هارون: (الرجز -ق- المترادف)
من حاكم بيني وبين عذولي
وقول أبي إسحق بن خفاجة: (الطويل -ق- المتدارك)
لك الله من برق تراءى فسلما
ولو قال قائل: (إنه لم يستفتح في قافية الهمزة بأحسن من قول أبي جعفر بن وضاح: (الرجز -ق- المترادف)
يا سرحة العلمين من تيماء ... حدبت عليك روائم الأنواء
لكان حقيقا أن يصدق وأن يسلم له في ما قال.
ج- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء التخلصات من حيز إلى حيز وعطف أعنة الكلام من جهة إلى أخرى ومن غرض إلى غرض.
اعلم أن الانعطاف بالكلام من جهة إلى أخرى أو غرض إلى آخر لا يخلو من أن يكون مقصودا أولا، فيذكر الغرض الأول لأن يستدرج منه إلى الثاني وتجعل مآخذ الكلام في الغرض الأول صالحة مهيأة لأن يقع بعدها الغرض الثاني موقعا لطيفا وينتقل من أحدهما إلى الآخر انتقالا مستطرفا، لذكر الغرض الثاني ولا توطئة للصيرورة إليه والاستدراج إلى ذكره بل لا ينوي الغرض الثاني في أول الكلام، وإنما يسنح للخاطر سنوحا بديهيا ويلاحظه الفكر المتصرف بالتفاتاته إلى كل جهة ومنحى من أنحاء الكلام.
فما كان من قبيل هذا القسم الثاني فإنه الذي يعرف بالالتفات. وأما القسم الأول فإن منه ما يكون بصورة الالتفات، ومنه ما لا يكون بتلك الصورة. وفي ما لا يبنى الكلام عليه أيضاً من أول ما لا يكون بصورة الالتفات.
١- إضاءة: والصورة الالتفاتية: هي أن يجمع بين حاشيتي كلامين متباعدي المآخذ والأغراض، وأن ينعطف من إحداهما إلى الأخرى انعطافا لطيفا من غير واسطة، تكون توطئة للصيرورة من أحدهما إلى الآخر على جهة من التحول.
والانعطاف غير الالتفاتي يكون بواسطة، بين المنعطف منه والمنعطف إليه، يوجد الكلام بها مهيئا للخروج من جهة إلى أخرى، وسبب يجعل سبيلا إلى ذلك يشعر به قبل الانتهاء إليه.
٢- تنوير: وأصناف الالتفاتات كثيرة. وأكثر ما يعني المتكلمون في البديع، من ضروبه، ثلاثة أصناف: ١- مما أوهم ظاهره أنه كريه وهو مستحب في الحقيقة فيلتفت الشاعر إلى ذكر ما يزيل ذلك؛ نحو قول عرف بن محلم: (السريع -ق- المترادف)
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
٢- الثاني أن يلتفت الشاعر عند ذكر شيء إلى ما له في نفسه من غرض جميل أو غير ذلك، فيصرف للكلام إلى جهة ذلك الغرض، نحو قول جرير: (الكامل -ق- المتدار)
طرب الحمام بذي الأراك فهاجني ... لا زلت في غلل وأيك ناضر
стр. 102
٣- الثالث أن يلتفت إلى نقض خفي داخل عله في مقصد كلامه أو يخشى تطرق النقض إليه، فيحتال في ما يرفع النقض ويزيل التطرق، ويشير إلى ذلك ملتفتا كقول طافة: (الكامل -ق- الترادف)
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
وقول ابن المعتز: (الطويل -ق- المتدارك)
صببنا عليها، ظالمين، سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
٣- إضاءة: وإذ قد تبين أن ما قصد به الاستدراج أولا، أو سنح فيه الالتفات آخرا، كلاهما منه ما يترامى فيه من الغرض الأول إلى الثاني من بعد على سبيل التدرج، ومنه ما يخلص فيه إلى الشيء مما يليه من الكلام بغير تدرج، فلنذكر الآن مآخذ الشعراء فيما يتدرجون إلى مدحه أو ذمه، أو يخلصون إليه خلوصا التفاتيا على جهة الاستطراد، أو لا يتدرجون إليه ولا يستطردون بل يهجمون على المدح أو الذم هجوما.
وأهل البديع يسمون ما كان الخروج فيه بتدرج تخلصا، وما لم يكن بتدرج ولا هجوم ولكن بانعطاف طارئ على جهة من الالتفات استطرادا، ومثله قول حسان: (الرجز -ق- المترادف)
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحرث بن هشام
وربما اجتمع التخلص والاستطراد، كقول مسلم: (الطويل -ق- المتدارك)
أجدك لا تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك تنشر
أرقت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحي حين يذكر جعفر
فتخلص إلى مدح يحي واستطرد منه إلى ذكر جعفر.
وإنما أخذ هذا اللقب من استطراد الفارس، وهو أن يريك أنه فر وإنما يريد بذلك اغترار من ينقطع في طلبه، فيسرع الكر إذ ذاك عليه.
ولا ينبغي أن يشترط في الاستطراد ألا يرجع فيه إلى وصف المستطرد من، بل كيف ما وقع الكلام المتحول فيه عن جهة إلى أخرى على النحو الذي ذكرناه مرجوعا فيه إلى وصف المستطرد منه أو غير مرجوع، مستطردا فيه من المستطرد إليه إلى غيره ومن ثان من المستطرد إليها إلى ثالث أو مقتصر على واحد من المستطرد إليها، فإنه استطراد يتنوع بحسب ما يتوجه الكلام بعده إليه.
٤- تنوير: وشعراء المحدثين أحسن مأخذا في التخلص والاستطراد من القدماء، لأن المتقدمين إنما كانت قصارهم في الخروج إلى المديح أن يقول: دع ذا، وعد القول في هذا، أو يصف ناقته ويذكر أن إعمالها إنما كان من اجل قصد الممدوح؛ وعلى أنهم كانوا معتمدين في الخروج على تعدية القول أو تعدية العيس فقد ندر لهم من التخلص ما يستحسن ومن الاستطراد ما لا ينكر الإبداع فيه. وقد كان فيا لمحدثين من يعفي خاطره في الخروج إلى المديح اقتداء بالمتقدمين فيهجهم على المديح من غير توطئة له كقول البحتري: (الرجز -ق- المتدارك)
تأبى رباه أن تجيب، ولم يكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما
ثم قال:
الله جار بني المدبر كلما ... ذكر الأكارم ما اعف وأكرما
٥- إضاءة: وكلا ضربي الخروج إلى المديح - متصلة بما قبله ومنقطعة - لا يخلو من أن يقفي البيت فيه باسم الممدوح أو المذموم، أو اسم الأب، أو يوضع ذلك في تضاعيف البيت ويقفى البيت بغير ذلك.
وكلما أمكن وضع الاسم في القافية كان أحسن موقعا وأبلغ في اشتهار الاسم، والناس يسمون هذا النوع الشق على الاسم، كقول البحتري: (الرجز -ق- المترادف)
ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما
стр. 103
٦- تنوير: فالذي يجب أن يعتمد في الخروج من غرض إلى غرض أن يكون الكلام غير منفصل بعضه من بعض، وأن يحتال في ما يصل بين حاشيتي الكلام ويجمع بين طرفي القول حتى يلتقي طرفا المدح والنسيب أو غيرهما من الأغراض المتباينة التقاء محكما، فلا يختل نسق الكلام ولا يظهر التباين في أجزاء النظام؛ فإن النفوس والمسامع إذا كانت متدرجة من فن من الكلام إلى فن مشابه له، ومنتقلة من معنى إلى معنى مناسب له، ثم انتقل بها من فن إلى فن مباين له من غير جامع بينهما وملائم بين طرفيهما وجدت النفس في طباعها نفورا من ذلك ونبت عنه، كانت بمنزلة المستمر على طريق سهل، بينا هو يسير فيه عفوا إذ تعرض له في طريقه ما ينقله من سهولة المسلك إلى حزونته ومن لينه إلى خشونته. وكذلك النفوس والأسماع إذا قرعها المديح بعد النسيب دفعة من غير توطئة لذلك، فإنها تستصعبه ولا تستسهله، وتجد نبوة ما في انتقالها إليها من غير احتيال وتلطف في ما يجمع بين حاشيتي الكلام ويصل بين طرفيه الوصل الذي يوجد للكلام به استواء والتئام.
د- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعرف وهو مذهب الإبداع في التخلص والاستطراد
وطريقة التخلص ينحى بها أبدا نحوان: نحو يتدرج فيه إلى ما يراد التخلص إليه وينتقل بتلطف إليه مما يناسبه ويكون منه بسبب؛ ونحو لا يكون التخلص فيه بتدرج وانتقال من الشيء إلى ما يناسبه ويشبهه ولكن بالتفات الخاطر حيزا من حيز وملاحظته طرفا من طرف، فينعطف إلى ما يريد التخلص إليه بما يكون مناقضا له أو مخالفا أوشك انعطاف من غير مقدمة تشعر بذلك أو واسطة تنظم بين الطرفين ولكن بالخروج من أحدهما والتخلي عنه دفعة إلى الآخر على جهات من المآخذ. وذلك بان يلاحظ في المتخالفين صفة يجتمعان فيها من حيث لا يشعر فيكون ذلك طريق النقلة من أحدهما إلى الآخر على سبيل تشبيه أو محاكاة، أو بأن يضرب عن أحدهما في مقصد ويعتد بالآخر فيه، أو بأن يسلب عن أحدهما ما أوجب للآخر. وقد يكون المأخذ في ذلك على غير هذه الأنحاء مما يعرف في مواضع أخر من هذا الكتاب.
١- إضاءة: ولا يخلو التخلص من أن يكون في شطر بيت أو في بيت بجملته أو في بيتين. وكلما قرب السبيل في ذلك كان أبلغ وقد يستحسن التخلص الواقع في البيت بأسره ويقع من النفوس أحسن موقع، وذلك حيث يقصد التفخيم وزيادة المعنى بها. فربما قدرت العبارة لذلك على المعاني تقديرا إضافيا، فحسن ذلك.
٢- تنوير: ولا يخلو المتخلص إليه من أن يرد في مبنى القافية ونهاي الكلام الموزون، أو يقع حشوا وتكون التقفية معنى آخر.
وإذا وقع ما يراد التخلص إليه في القافية كان أشهر له وأحسن موقعا من النفس. وليس يحسن ما وقع حشوا من ذلك حسن ما وقع نهاية. وإذا قفي البيت بما يكون تتميما لما وقع من ذلك حشوا كان أحسن من أن يقفى بما ليس له إليه نسبة. وإذا وقع الشيء المتخلص إليه في القافية فهو الذي يسميه الناس الشق على الاسم، وقد تقدم ذكره.
٣- إضاءة: ولا يخلو الاسم في ذلك من أن يكون بسيطا أو مركبا. والمركب لا يخلو من أن يكون في أدنى تركيب، أو يكون في أقصى ما تحتمله الأوزان في ذلك، أو يكون في رتبة وسط بين الطرفين.
وما كان في أقصى الرتب من ذلك وما يليها من الأوساط فهو الذي يسمى الاطراد، نحو قول دريد بن الصمة: (الطويل -ق- المتدراك)
قتلنا بعيد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
وربما كان الاطراد على أنحاء أخر من التسلسل في الكلام المتعلق بعضه ببعض، ولا يقال إلا في ما يحسن من ذلك.
٤- تنوير: والأمور التي يجب اعتمادها في التخلص هي التحرز من انقطاع الكلام ومن التضمين والحشو والإخلال واضطراب الكلام وقلة تمكن القافية والنقلة بغير تلطف والاضطرار في ذلك إلى الكناية عما يجب التصريح به والإبانة عنه، والتلطف في ما يوقع الكلام أحسن موقعه ويجريه على أقوم مجاريه من أضداد هذه الأشياء.
стр. 104
٥- إضاءة: ومما يجب اعتماده في التخلص: أن يجهد في تحسين البيت التالي لبيت التخلص، فإنه أول الأبيات الخالصة للحمد أو الذم، وأول منقلة من مناقل الفكر في ما تخلصت إليه، فيجب أن يعتمد فيه ما يكون محركا للنفس لتستأنف هزة ونشاطا لتلقي ما يرد، فإن العناية بهذا البيت نحو من العناية بالبيت الثاني من مطلع القصيد، بل ربما كانت الحاجة إلى استثارة الهزة عند الانعطاف آكد منها في استثارة ذلك عند المبدأ، لكون صدر القصيدة وسماعه يذهب بقسط من نشاط النفس ربما لم يكن يسيرا، فكانت الحاجة إلى استثارة النشاط عند أخذه في الضعف آكد من الحاجة إلى استثارته في حال توفره وجمومه.
٦- تنوير: وقد قسم الناس الخروج من جهة ما ينحى به منحى التدرج، أو الانعطاف من غير تدرج، إلى تخلص واستطراد. وتخيروا مما وقع للشعراء في لك فصولا وأبياتا.
فمما اختاروه من باب التخلص قول البحتري: (الطويل -ق- المتدارك)
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقلبت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
وقول محمد بن وهيب: (البسيط -ق- المتراكب)
مازال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
ومما ذهب به مذهب الاستطراد من ذلك قول همام بن غالب الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك)
ركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا أنو نارا يقولون: ليتها، ... وقد حضرت أيديهم، نار غالب
ومما اختير من ذلك قول جرير: (الكامل -ق- المتدارك)
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
ومن جيد الاستطراد قول حبيب في وصف الفرس: (البسيط -ق- المترادف)
فلو تراه مشيحا والحصى زيم ... ما بين رجليه من مثنى ووحدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
هـ- معلم دال على طق العلم بالفرق بين المقصد والمقطع
إذا كان الشاعر مقتدرا على النفوذ من معاني جهة إلى معاني جهة أو جهات بعيدة منها من غير ظهور تشتت في كلامه، وكان حسن المأخذ في ما يعضد به المعاني التي هي عمدة في كلامه من الأشياء التي يحسن اقترانها بها، بصيرا بأنحاء التدرج من بعض الأغراض والمعاني إلى بعض، بالغا الغاية القصوى في التهدي إلى أحسن ما يمكن أن تكون بنية غرضه وكلامه عليه من المعاني الشديدة العلقة بغرضه والانتساب إلى مقصده وإلى أحسن ما يمكن أن يزين به تلك المعاني المعتمدة ويبهيها مما يكون فيه إفادة مناسبة لما أفادته تلك المعاني فيكون في ذلك تقوية وتكميل لما اعتمد من المعاني الأول أو حياطة لها من الضعف والنقص. ويكون مع ذلك موفيا للمعاني المعتمدة وما ني عليها وألحق بها حقها من المبالغات وحسن الوضع، وكان مع ذلك مقتدرا على وضع العبارات عن جميع ذلك على أحسن ما يمكن أن توضع عليه حتى يتناصر إبداعه في المعاني بإبداعه في العبارات عنها، قبل فيه إنه بعيد المرامي. وهذا إنما يتفق بقوة العارضة ومعانة الطبع وكمال تصرف الفكر. وهؤلاء هم المقصدون من الشعراء المقتدرون على تعليق بعض المعاني ببعض واجتلابها من كل مجتلب.
١- إضاءة: فأما من لا يقوى من الشعراء على أكثر من أن يجمع خاطره في وصف شيء بعينه ويحضر في فكره جميع ما انتهى إليه إدراكه من صفاته التي تليق بمقصده ثم يرتب تلك المعاني على الوجه الأحسن فيها ويلاحظ تشكلها في عبارات منتشرة ثم يختار لتلك العبارات من القوافي ما تجيء فيها متمكنة ثم ينظم خارجة عن موصوفها، فهذا لا يقال فيه بعيد المرامي في الشعر، وهؤلاء هم المقطعون من الشعراء.
الأسلوب
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
القسم الرابع في الطرق الشعرية وما تنقسم إليه وما ينحى بها نحوه من الأساليب ، والتعريف بمآخذ الشعراء في جميع ذلك وما تعتبر أحوال الكلام المخيل المقفى الموزون في جميع ذلك، من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها من القوانين البلاغية.
стр. 105
المنهج الأول في الإبانة عن طريق الشعر من حيث تنقسم إلى جد وهزل، وما تعتبر به أحوالها في كل ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها.
والشعر ينقسم أولا إلى طريق جد وطريق هزل. وله قسمة أخرى من جهة ما تتنوع إليه المقاصد والأغراض، سأذكرها بعد إن شاءا لله.
فأما طريقة الجد فهي مذهب في الكلام تصدر الأقاويل فيه عن مروءة وعقل بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك.
وأما طريقة الهزل فإنها مذهب في الكلام تصدر الأقاويل فيه عن مجون وسخف بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك.
وأنا أذكر ما تختص به كلتا الطريقتين، وما يسوغ في كل واحدة منهما مما هو خاص أو كالخاص بالأخرى.
أ- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده في طريقة الجد
فأما ما يجب في طريقة الجد فألا ينحرف في ما كان من الكلام على الجد إلى طريقة الهزل كبير انحراف، أولا ينحرف إلى ذلك بالجملة، لأن الكلام المبني على الجد إنما قصد به إلقاؤه بمحل القبول من أهل الجد. وكثير من أهل الجد يكره طرق الهزل، ومن لا يكرهها منهم كبير كراهة لا نغصه غير منغص على جميعهم، فلذلك يجب ألا يتعرض إليها كبير تعرض، أو لا يتعرض إليها بالجملة في طرق الجد.
١- إضاءة: وجملة ما يجب أن يتجنب في ذلك هي الجهات المختصة بالهزل، والمعاني الواقعة في تلك الجهات، والعبارات عن تلك المعاني، والجزء الواحد من العبارة الواقعة في ذلك إذا كانت قد وقعت لشهرة بجهة من جهات الهزل.
ويجب أيضاً أن يتحفظ بالنظم الجدي من أن يكون التأليف فيه على صيغة تأليف قد اشتهر وقوعه في طريقة هزلية كأنما قد حذي بذلك حذو هذا.
وجملة الأمر ألا يتعرض فيها إلى منحى من مناحي الهزل - ولو بإشارة - إلا حيث يليق ذلك بالحال والموطن، فيتصور إذ ذاك التعرض إلى ما خف من الهزل، ولكل مقام مقال.
٢- تنوير: وتختص الطريقة الجدية بأن يجتنب فيها الساقط من الألفاظ والمولد، ويقتصر فيها على العربي المحض وعلى التصاريف الصريحة في الفصاحة المطردة في كلامهم. ولا يعرج من ذلك على ما لا يدخل في كلامهم إلا بوجوه تستضعف ويتسامح في إيراد الحوشي والغريب فيها في بعض المواضع.
٣- إضاءة: ويجب في معاني الطريقة الجدية أن تكون النفس فيها طامحة إلى ذكر ما لا يشين ذكره ولا يسقط من مروءة المتكلم، وأن تكون واقفة دون أدنى ما يحتشم من ذكره ذو المروءة أو يكبر نفسه عنه، وأن تطرح من ذلك ما له ظاهر شريف في الجد وباطن خسيس في الهزل.
٤- تنوير: ومما تختص به العبارات في الطريقة الجدية أن يتحرى فيها المتانة والرصانة كما تتحرى في طريقة الهزل الحلاوة والرشاقة. وقد تأخذ الطريقة الجدية بطرف من الرشاقة كما تأخذ الطريقة الهزلية بطرف من المتانة.
ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يجب أن يعتمد في طريقة الهزل
لما كان أهل طريقة الهزل يشاركون أهل طريقة الجد في كثير من المعاني والعبارات ويستعملون ذلك في كلامهم وطريقتهم بساطا إلى ما يريدونه من معاني الهزل التي هي غاية طريقتهم، وتلك المعاني والعبارات المشترك فيها هي التي هي في أنفسها كلام جدي ليس فيه تعرض لما يقدح في الطريقة الهزلية، ولم يحتج في طريقة الجد إلى شيء يكون لها بساطا من معانيا هزل، وكانت طريقة الهزل بجملتها منافية لأهل طريقة الجد، ولمك تكن طريقة الجد بجملتها منافية لأهل طريقة الهزل وجب أن تأخذ طريقة الهزل من طريقة الجد أخذا خاصا، وألا تأخذ طريقة الجد من طريقة الهزل شيئا - اللهم - إلا أن يشير مشير إلى غرض من أغراضها مما لا يقدح في طريقة الجد كبير قدح وتكون مع ذلك إشارته في المظنة اللائقة بها، فإن ذا الجد قد يأتي من الهزل بما يخف في بعض المواضع - فإن الكريم قد يطرب، وقد يحتاج إلى إطرابه، ولكل مقام مقال - لكنه يحتاج من بنى كلامه على الجد - ثم أراد أن يلم بشيء من الهزل - أن يتلطف في التدرج من الجد إلى الهزل، وأن يشعر بان ما ألم به من ذلك شيء لا حقيقة له، وإنما هو على جهة المزح والدعابة ليبسط بذلك من النفوس ويحرك. فكثير من معاني الهزل تحرك ذا الجد وتطربه وإن لم يكن من ِانه. وقد قال ابن الرومي معتذرا عن شيء وقع له من الهزل في قصيدة مدحية: (الخفيف -ق- المترادف)
وأرى أن معشر سيقولو ... ن: سخيف من الرجال لعوب
стр. 106
أين عنه، وأين ما يدعيه ... من علوم لحامليها قطوب
ولعمري إن الحكيم وقور ... ولعمري إن الكريم طروب
وقد قال سقراط: (حكاية الهزل لذيذة سخيف أهلها، وحكاية الجد مكروهة، وحكاية الممزوج منهما معتدل. ولا يقبل شاعر يحكي كل جنس، بل نطرده وندفع ملاحته وطيبه، ونقبل على شاعرنا الذي يسلك مسلك الجد فقط) .
١- إضاءة: ومما تختص به طريقة الهزل ويجب اعتماده فيها أن تكون النفس في كلامها مسفة إلى ذكر ما يقبح أن يؤثر، وألا تقف دون أقصى ما يوقع الحشمة، وألا تكبر عن صغير ولا ترتفع عن نازل، وألا تطرح ما له باطن هزلي وإن كان له ظاهر جدي، وأن ترد ما يفهم منه الجد إلى ما يفهم منه الهزل بتخليص ذلك إلى حيز الهزل بما يجعل مخلصا إلى ذلك من توطئة أو غير ذلك. ويقع مثل هذا بتضمين، ويقع بغير تضمين، وأكثر ما يتفق هذا مع اللفظ المشترك.
ومن هذا النوع تضمين بعضهم قول مهلهل: (طويل -ق- المترادف)
فلولا الريح أسمع من بنجد ... صليل البيض تقرع بالذكور
أبيات هجاء، فصرف البيت إلى غير مقصد مهلهل حيث وجد الألفاظ المشتركة صالحة لأن يدل بها على ذلك.
٢- تنوير: ومن ذلك أن تتحرى في عباراتها الرشاقة، وألا يتسامح في كثير من التكلف المتسامح فيه في طريقة الجد.
٣- إضاءة: ومن ذلك شيوع استعمال العبارات الساقطة والألفاظ الخسيسة ككثير من ألفاظ الشطار المتماجنين وأهل المهن والعوام والنساء والصبيان على الوجه الذي تقبل به الطريقة ذلك، وربما أوردوا ذلك على سبيل الحكاية. وهذا موجود في مجون أبي نواس كثيرا وغير منقود عليه، ذلك لأنه لائق بالموضع الذي أورده فيه من أشعاره التي بقصد بها الهزل. وليس يسوغ إيراد شيء من ذلك ولا حكايته لمن طريقته الجد. فقد عاب بعض المتكلمين في هذه الصناعة قول أبي نصر ابن نبانة: (الرمل -ق- المترادف)
وقال لنا الزمان: ظلمتموهم ... فقلنا للزمان: دع الفضولا
لأن هذا ليس من نمط ما بنى عليه كلامه من الجد، وهو أشبه بكلام الشطار. ولو ورد مثل هذا في شعر ابن حجاج وأرابه من أهل الهزل والمجون لكان مرضيا مختارا بالنسبة إلى طريقته.
٤- تنوير: ويستساغ في طريقة الهزل استعمال التصاريف التي شاعت في ألسن الناس وتكلم بها المحدثون وإن لم تقع في كلام العرب إلا على ضعف وقلة. فأما العبث في العبارات والزيادة في حروف الكلم على ما سمع من العرب كقول بعضهم: (مقصر الطويل -ق- المترادف)
شر بربت بماخور ... على دف وطنبور
فليس يقع مثل هذا لمن يقصد أن يكون كلامه عربيا. وإنما يقع لمن قصده العبث وشوب الفصاحة باللكنة والعروبة بالعجمة، فليس على مثل هذا كلام.
ج- معلم دال على طرق العمل بما تأخذه طريقة الجد من طريقة الهزل .
فأما ما تأخذه طريقة الجد من طريقة الهزل فهي المعاني التي في ذكرها في بعض المواضع إطراب وبسط للنفوس ومذهب في ما خف من الإحماض بحسب الأحوال التي تكون بها مستعدة لقبول ذلك.
١- إضاءة: وهذه المعاني منها ما لا يقدح في طريقة الجد كبير قدح، ومنها ما يقدح فيها أعظم القدح.
ومزايا القدح يختلف اعتبارها بحسب ما تكون عليه النفوس من التصميم في الجد أو الاقتصاد والاعتدال فيه. فيجب عند تسامح من طريقته الجد في الإحماض أن يورد من المعاني اللائقة بذلك مقدار ما يناسب طبع المخاطب، فربما عظم ما لم يكن فيه كبير قدح عند المصمم في الجد، وربما صغر عند المقتصد في الجد والمعتدل فيه ما قدحه كبير في ذلك. ولكن يجب على من طريقته الجد أن يكون ما يلم به من الإحماض في تفاريق كلامه والفلتات من أحواله مما لا يعظم قدحه في طريقة الجد. فيجب أن يضرب بها عن الإلمام بالمعاني العظيم قدحها، وعن التعرض لجهات تلك المعاني، وقد تقدم معنى الجهة فيما تقدم.
٢- تنوير: وتشارك طريقة الجد طريقة الهزل في أن ينحى بعباراتها نحو الرشاقة في المواضع التي يحسن ذلك فيها، أو يقال إن طريقة الجد تأخذ هذا من طريقة الهزل لأن طريقة الهزل به أخلق وهو بها أولى وأليق.
٣- إضاءة: وكل كلام اعتمدت فيه المراوحة بين المعاني الجدية وما لا ينافيها كل المنافاة من معاني الهزل فإنه من القسم الممتزج من جد وهزل. وهو الذي تقدمت الإشارة إليه في قول سقراط.
стр. 107
د- معرف دال على طرق المعرفة بما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد .
فأما ما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد، فتأخذ منها المعاني التي ليس فيها تعرض للقدح فيها وجميع ما يتعلق بها من جهات وعبارات ليجعل ذلك بساطا للتدرج إلى الهزل.
١- إضاءة: وقد تأخذ من معانيها أيضاً ما يقدح فيه لكن على جهة حكايتها والرد عليها والتفنيد لها بعد التقرير. وأما أخذ جميع ذلك على جهة صرفه إلى طريقة الهزل بما في العبارة الجدية لذلك من الاحتمال يكون العبارة الجدية يمكن فيها أكثر من مفهوم من قبل اشتراك يكون في بعض العبارات أو إيهام اشتراك يعرض في التركيب أو غير ذلك من الوجوه التي لا يكون الكلام بها نصا على معنى واحد فسائغ فيها.
٢- تنوير: ومما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد أيضاً إيراد بعض المعاني العلمية على نحو من الإحالة عليها ببعض معاني الهزل والمحاكاة بها، كقول أبي نواس: (المتقارب -ق- المترادف)
صرت له رفعا على الابتداء ... وصار لي نصبا على الحال
٣- إضاءة: وتشارك طريقة الهزل طريقة الجد في الأخذ بطرف من المتانة، أو يكون ذلك مما تأخذه طريقة الهزل منها لأنه أليق بطريقة الجد وأنجع فيها وأكثر استصحابا لها.
٤- تنوير: فهذه قواني مقنعة فيما يتعلق بالطريقة الجدية وما يتعلق بالطريقة الهزلية وما يتعلق بهما معا. ومعرفتها أكيدة في صناعة النقد والبصيرة بطرق الكلام وما يجب بها. فكثير من وجوه النقد والنظر في هذه الصناعة يتعلق بها. وأيضا فإنه إذا أريد الحكم بن شاعرين متماجنين أيهما أشعر أو بين جاد وماجن أيهما أمضى في طريقته وأبرع فيها لم يكن بد من معرفة هذه القوانين فيا لطريقتين، إذ بها يتبين نمط كلامه وإعراقه في الطريقة التي هو مبني عليها وسلامته بحسب ما يجب فيها. فلهذا ألمعت إلى ما يجب فيا لطريقتين ببعض القول، فمن تفهم ذلك وكان اعتباره بحسبه يصب إن شاء الله.
المنهج الثاني في الإبانة عن طرق الشعر من حيث تنقسم إلى فنون الأغراض، وما تعتبر به أحوال الشعر في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة أو منافرة لها.
أ- معلم دال على طرق العلم بما ينقسم إليه الشعر بحسب ما قصد به من الأغراض .
اختلف الناس في قسمة الشعر: فقسمه بعض من تكلم في ذلك إلى ستة أقسام: مدح وهجاء ونسيب ورثاء ووصف وتشبيه.
وقال بعضهم: الصحيح أن تكون أقسامه خمسة لأن التشبيه راجع إلى معنى الوصف.
وممكن أيضاً أن يقول قائل: إن قسم الوصف أيضاً داخل في قسم الحمد أو قسم الذم، وإن كان جاعل الوصف قسما غنما يعني الأوصاف التي ليس بالإنسان حاجة إلى حمد موصوفاتها ولا إلى ذمها ولا هي أيضاً يصل إليها من ذلك شيء، وإنما القصد بوصفها سبر الخواطر ورياضتها.
وقال بعضهم::أركان الشعر أربعة: الرغبة والرهبة والطرب والغضب) . وقال بعضهم: (الشعر كلمة فيا لحقيقة راجع إلى معنى الرغبة والرهبة) .
وهذه التقسيمات كلها غير صحيحة لكون كل تقسيم منها لا يخلو من أن يكون فيه نقص أو تداخل.
وأنا أذكر الوجه الصحيح والمأخذ المستقيم في القسمة التي لا نقص فيها ولا تداخل.
١- إضاءة: فأما طريق معرفة القسمة الصحيحة التي للشعر من جهة أغراضه فهو أن الأقاويل الشعرية لما كان القصد بها استجلاب المنافع واستدفاع المضار ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك وقبضها عما يراد بما يخيل لها فيه من خير أو شر، وكانت الأشياء التي يرى أنها خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم يحصل، وكان حصول ما من شأنه أن يطلب يسمى ظفرا، وفوته في مظنه الحصول يسمى إخفاقا، وكان حصول ما من شأنه أن يهرب عنه يسمى أداة أو رزءا، وكفايته في مظنه الحصول تسمى نجاة، سمي القول في الظفر والنجاة تهنئة، وسمي القول بالإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسيا، وإن قصد تحسرها تأسفا، وسمي القول في الرزء إن قصد استدعاء الجلد على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ذلك سمي تفجيع. فإن كان المظفور به على يدي قاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل وسمي ذلك مديحا، وإن كان الضار على يدي قاصد لذلك فأدى ذلك إلى ذكر قبيح سمي ذلك هجاء، وإذا كان الرزء بفقد شيء فندب ذلك الشيء سمي ذلك رثاء.
стр. 108
٢- تنوير: ولما كانت المنافع كأنها تنقسم إلى ما يكون بالنسبة والملاءمة مثل ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس فيحصل لها بمشاهدة تلك الصورة المناسبة لها نعيم وابتهاج - وذلك الابتهاج نوع من المنافع لتلك النفس- وإلى ما يكون بالفعل والاعتماد مثل ما يعتمده الإنسان من إسعاف آخر بطلبته فيكون في إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمال أو بتشفي النفس فقط مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان فتنفع ذلك الإنسان بان تضعه له وتقويته على مقاومته والانتصاف منه، وربما لم ينتفع من ذلك إلا بسرور التشفي فقط، وكانت المضار أيضاً تنقسم إلى أضداد ما ذكرته اقتضى ذلك انقسام الذكر الجميل إلى ما يتعلق بالأشياء المناسبة لهوى النفس وسمي ذلك نسيبا، وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضى النفس وسمي ذلك كما تقدم مديحا، وكان ما يتعلق من الذكر القبيح بالأشياء المنافرة لهوى النفس والأشياء المباعدة عن رضاها كلاهما داخل تحت قسمة واحدة وهي الهجاء.
٣- إضاءة: فالطرق قد تختلف بحسب اختلاف المنافع وكذلك بحسب اقتران الأحوال التي للقائلين والمقول فيهم، مثل أن يقترن في القول وصف حال مرتاح بحال مرتاح له أو حال مكترث بحال مكترث له، فتختلف الطرق أيضاً بحسب اختلاف ذلك. ألا ترى أن الميزة بين المديح والنسيب إذا لم يتعرض المشبب لوصف حاله غنما هو بأن النسيب يكون بأوصاف مناسبة لهوى النفس ويكون مع ذلك مقترنا به وصف حال توجع المشبب في كثير من الأمر، والمديح يكون بأفعال شريفة دالة على كمال الإنسان مستدعية لرضى النفوس من غير أن يقرن بذلك من صفة حال القائل ما اقترن بالتشبيب. والفرق بين النسيب المقترن به وصف حال توجع ورثاء النساء المقترن به حال توجعه أيضاً أن النسيب بموجود والرثاء لمفقود. فهذه أيضاً من الجهات التي تختلف الطرق بها.
٤- تنوير: ولما كان ما يهرب منه قد يقع ممن يحتمل منه ذلك ولو أدنى احتمال - فلا يؤاخذ به جملة أو لا يؤاخذ به كبير مؤاخذة، ومنهم من يؤاخذ به أشد المؤاخذة - سمي ما يتعلق من القول بذلك بحسب طبقات من يقع ذلك منهم ونسبتهم إلى القائل معاتبة وتعديدا وتوبيخا وتقريعا. فإن صدر ما يكون منه الهرب من القائل إلى المخاطب ثم أعفاه منه وتعلق القول بذلك سمي إعتابا. فإذن تنقسم الأقوال فيما حصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه إلى تهان وما معها، وتعاز وما معها، ومدائح وما معها، وأهاج وما معها.
٥- إضاءة: ولا يخلو الشيء الحاصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه من أن يكون ذو العناية به أحدا - كان القائل أو غيره - ويكون هو حاكيا ذلك عنه، أو يكون قد عني به متنازعان في استجلابه أو مدافعته - كان القائل أحد المتنازعين أو لم يكن - غير أنه يحكي حالهما أو يكون حاكما بينهما، فيكون الكلام على هذا إما اقتصاصا وإما مشاجرة وإما فصلا في مشاجرة؛ وقد تكون المشاجرة والفصل فيها متعلقين بما يستقبل.
٦- تنوير: فأما الأمور التي لم تحصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه فلا يخلو من أن يكون المتكلم هو الطالب لها أو الهارب منها من تلقاء السامع، أو يكون السامع هو الطالب لها أو الهارب عنها من تلقاء المتكلم. فما كان من المتكلم إلى السامع مما شأنه أن يطلب يسمى إذا لم يعلم رأيه فيه غرضا، وما كان من تلقاء السامع إلى المتكلم وكان طلبا جزما سمي اقتضاء، فإن كان بتلطف سمي استعطافا، وإن كان يرى أنه قد جاوز الوقت الذي كان يجب فيه سمي استبطاء، فإن كان مما شأنه أن يهرب منه وأنذر به المتكلم من تلقاء نفسه أو من غيره سمي ذلك إبعادا وتهديدا وإنذارا وتخويفا ونحو ذلك. فإن خافه من تلقاء السامع واستدفعه إياه سمي ذلك استعفاء أو استقالة أو ترضيا أو نحو ذلك.
فقد حصل بهذا الاعتبار إذن أقاويل عرضيات وترهيبات وتخويفات واستدفاعيات ومنها الإطماعيات أيضاً ومقابلتها وهو ما أطمع القائل فيه أو أيأس منه.
стр. 109
٧- إضاءة: وقد يكون الشيء المطلوب أو المهروب منه أحد شيئين فيتشكل على القائل أو السامع فيما يجب أن يطلب وأيهما يجب أن يهرب منه، أو يشتكل الطريق الهادي إلى ذلك فيشير القائل على غيره بالواجب طلبه من ذلك أو يستشير غيره فيكون الكلام على هذا إشارة أو استشارة. وقد يستشير أيضاً في الفضل بين المنازعين فينقسم القول على هذا إلى قصص ومشاجرة وحكم وإشارة واستشارة وغرض واقتضاء وكفاية واستكفاء وترغيب وترهيب وإطماع وإياس. وفي كل نحو من هذه المقاصد يطلب ما يجلب سرورا أو حمدا أو يهرب مما يجتلب حزنا أو ذما.
فقد تبين أن أمها الطرق الشعرية أربع، وهي التهاني وما معها والتعازي وما معها، والمدائح وما معها، والهاجي وما معها، وأن كل ذلك راجع إلى ما الباعث عليه الارتياح، وإلى ما الباعث عليه الاكتراث وإلى ما الباعث عليه الارتياح والاكتراث معا.
ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يوجد لبعض الخواطر من قوة على التشبه فيما لا يجري على السجية - من تلك الأغراض - بما يجري على السجية من ذلك.
١- إضاءة: اعلم أن خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول فيه، مرتاح للجهة والمنحى الذي وجه إليه كلامه لإقباله بكليته على ما يقوله وتوفير نشاط الخاطر وحدته بالانصباب معه في شعبه والميل معه حيث مال به هواه. ولهذا كان أفضل النسيب ما صدر عن سجية نفس شجية وقريحة قريحة. وكذلك الإخوانيات والمراثي وما جرى هذا المجرى.
٢- تنوير: وقد تواجد لبعض النفوس قوة تتشبه بها في ما جرت فيه من نسيب وغير ذلك على غير السجية بما جرى فيه على السجية من ذلك، فلا تكاد تفرق بينهما النفوس ولا يماز المطبوع فيها من المتطبع، فإذا انفق مع هذا حسن النظم تناصر الحسن في النظام والمنحى واعتم فلم يكن فيه مقدح.
٣- إضاءة: واعلم أن المنحى الشعري نسيبا كان أو مدحا أو غير ذلك فإن نسبة الكلام المقول فيه إليه نسبة القلادة إلى الجيد، لأن الألفاظ والمعاني كاللآلي، والوزن كالسلك، والمنحى الذي هو مناط الكلام وبه اعتلاقه كالجيد له. فكما أن الحلي يزداد حسنه في الجيد الحسن، فكذلك النظم إنما يظهر حسنه في المنحى الحسن. فلذلك وجب أن يكون من له قوة التشبه المذكورة أكمل في هذه الصناعة ممن ليست له تلك القوة.
٤- تنوير: وكل من قويت فيه هذه القوة فلا يبعد عليه أن يلتفت إلى بعض مناحي شكاة الهوى في أشعارهم الجارين على سجاياهم مما لطف أسلوبه وظرف منزعه، وإن وقع ما كان بهذا الوصف تفاريق في تلك الأشعار، فيحضر ما كان بهذا الوصف في خاطره، ويسلط الفكر والتصور على استبانة الطرق التي من أجلها حسن الكلام في منحاه وأسلوبه ومنزعه. فإذا استبان تلك الطرق على ما بها من الخفاء على كثير من الأفكار استظهر بالقوة التشبيه على انتهاج مثل تلك الطرق في كلامه، ونصب ما قام بخاطره من تصورها تمثالا يصوغ كلامه بحسبه ومنوالا ينسج نظامه عليه، جاء كأنه هو.
٥- إضاءة: وربما اقتفى من له هذه القوة في منحى كلامه وأسلوبه ومنزعه آثار شعراء لم يتوطأ في مجموع ذلك، لكن حسن منحى كلام هذا ولطف أسلوب كلام ذلك ومنزع كلام الآخر، فأخذ هو من كل واحد منهم ما اختص به وبنى على مجموع ذلك كلامه، وما أجدر أبا الحسن مهيارا الديلمي بان تكون هذه صفته.
٦- تنوير: وهذه القوة تتفاوت فيا لشعراء. فمنهم من له قوة على التشبه في جميع كلامه أو أكثره، ومنهم من لا ينسحب تأثير تلك القوة على جميع كلامه ولا أكثره بل يكون ذلك في بعضه على سبيل الإلماع والندور أو فوق ذلك قليلا.
٧- إضاءة: فأما من ينسحب تأثير تلك القوة على جميع كلامه أو أكثره فهم الذين لا تحتاج فيهم تلك القوة إلى معاونة من أمر خارج عن الذهن من الأمور الباعثة على قول الشعر، لتوفير تلك القوة فيهم على كل حال. ومن أيمة هذا الصنف: الشريف ومهيار وابن خفاجة.
وأما من لا ينسحب تأثير تلك القوة التشبيهية إلا على الأقل من كلامه فهم الذين تحتاج تلك القوة فيهم إلى معاونة بالأمور الباعثة على قول الشعر. فقد توجد تلك البواعث وقد لا توجد، وقد تتوفر في وقت وقد تقل في وقت.
стр. 110
٨- تنوير: واعلم أن هذه القوة لا تدرك بحرص ولا تنال بجهد بل قد يمنعها الحريص ويمنحها غير الحريص. واعتبر ذلك بجرير والفرزدق - فإن جريرا على عفته، نسيبه في غاية الرقة وحسن الأسلوب، والفرزدق على عهره وشدة ولوعه بالنساء، نسيبه في نهاية الجفاء وقبح الأسلوب، مع حرصه على أن يرقه ويحسن أسلوب - وحسده لجرير حيث أنشد له فصولا من نسيب منها: (الوافر -ق- المترادف)
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
فقال: (قاتله الله، ما كان أحوجني مع فسقي إلى رقة شعره وما كان أحوجه مع عفته إلى خشونة شعري) . وكان الفرزدق قد أجل عاما في أن يصنع بيتا رقيقا في النسيب، فقال بعد حول: (البسيط -ق- المتدارك)
يا أخت ناجية بن مرة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي
فغلبه بعد هذه المطاولة طبعه واعتاص عليه ما ليس في قوته.
٩- إضاءة: وقد تحصل بحفظ الكثير مما حسن منحاه وأسلوبه ومنزعه، وروي الذكر من ذلك، وتعليل النفس به أبدا، ومطارحتها القول على نحو من ذلك، والترامي بالخاطر أبدا إلى الجهات من المعارضة لذلك، دربة يوصل بها أيضاً إلى التشبه، ولاسيما إذا تفهم ما قلته في الوجوه التي بها تحسين الأساليب والمنازع. فكانت تلك الوجوه متحصلة في ذهنه. فهذه بعض منافع القول في الأساليب والمنازع. لكن من لم يتوصل إلى التشبه إلا بالدربة من غير أن تكون له القوة التي ذكرت فربما وقع له ما يعده ذو القوة البصير بطرق النقد متكلفا أو فاترا، وإن خفي ذلك على أكثر الناس.
ج- معلم دال على طرق العلم بما ينقسم إليه الشعر بحسب اختلافات أنحاء التخاطب .
لما كان الكلام أولى الِياء بان يجعل دليلا على المعاني التي احتاج الناس إلى تفاهمها بحسب احتياجهم إلى معاونة بعضهم بعضا على تحصيل المنافع وإزاحة المضار وإلى استفادتهم حقائق الأمور وإفادتها وجب أن يكون المتكلم يبتغي إما إفادة المخاطب، أو الاستفادة منه. إما بأن يلقي إليه لفظا يدل المخاطب إما على تأدية شيء من المتكلم إليه بالفعل أو تأدية معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول، وإما بان يلقي إليه لفظا يدله على اقتضاء شيء منه إلى المتكلم بالفعل أو اقتضاء معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول؛ وكان الشيء المؤدى بالقول لا يخلو من أن يكون بينا فيقتصر به على الاقتصاص أو يكون مشتكلا فيؤدى على جهات من التفصيل والبيان والاستدلال عليه والاحتجاج له.
فكلام المتكلم فيما يؤديه قسمان: قسم يقع فيه الاستدلال وقسم الاستدلال فيه.
وكلامه فيما يقتضيه من المخاطب قسم واحد في أكثر الأمر، لأن الإجابة بالاستدلال أو عدمها في ذلك للمخاطب. وليس ذلك من كلام المتكلم إلا أن يحكي ما دار بينه وبين مخاطبه، فيكون ذلك كالتركيب من القسمين، وليس به على الحقيقة لكون ذلك ليس من كلام واحد.
١- إضاءة: ولا يخلو فيما حكاه من ذلك أن يكون مسلما أو محاجا. فإن كان مسلما فهو الذي أشرنا إليه، وإن كان محاجا كان ذلك من باب المشاجرة. وهو متركب من تأدية المخاطب نقيض ما أداه المتكلم، والمتكلم نقيض ما أداه المخاطب، كما أن باب الإشارة أيضاً مركب من تأدية واقتضاء، لأن المتكلم يؤدي إلى المخاطب رأيه ويقتضي قبوله.
٢- تنوير: وجملة ما ينقسم إليه الكلام من جهة ما يقع فيه من تأدية واقتضاء باعتبار البساطة فيهما والتركيب ستة أقسام: ١- تأدية خاصة ٢- أو اقتضاء خاصة.
٣- أو تأدية واقتضاء معا.
٤- وتأديتان من المتكلم والمخاطب.
٥- أو اقتضاءان منهما: فكان هذا يكون على جهة من الحيدة بأن يقتضي المتكلم من المخاطب شيئا فيقتضي المخاطب من المتكلم شيئا آخر قل أن يؤدي إلى المتكلم ما اقتضاه.
٦- أو يكون مركبا من اقتضاء المتكلم تتبعه تأدية من المخاطب على جهة السؤال والجواب.
فإذا حكى المتكلم كلام المخاطب مع كلامه، أو حكى كلامهما معا غيرهما، وجد الكلام ينقسم على هذا الاعتبار بحسب البساطة والتركيب ستة أقسام.
د- معرف دال على طرق المعرفة بما ينقسم إليه الشعر بحسب إيقاع الحيل الشعرية فيه .
следующие страницы →