← Адаб

Адаб · id 5390

مطالع البدور ومنازل السرور

الغزولي

Полный текст (317 стр.). Показаны 281–317 · переход к 286.

стр. 281

قال المسعودي: وربما بلغ الناب منه مائة وخمسين منا وأكثر من ذلك والفيل يحمل بهما على الجدار الوثيق البنيان فيقلبه على الأرض وقد فتح به محمود بن سبكتكين مدينة الطاق وهي من أعظم الحصون التي ببلاد سجستان فإنه جعل نابيه تحت بابيها فأقلعه وهو ومن أسرع الحيوان الوحشى أنسا بالناس وسرعة الأنس دليل على حسن الطباع ودماثة الأخلاق وخرطومه من غضروف أنفه وهو يده التي يوصل بها الطعام إلى فيه ويقاتل بها وبها يصيح وليس صياحه على مقدار جثته لأنه كصياح الديك يتنزل منه منزلة عنقه وله فيه من القوة بحيث يقلع به الشجر من منابتها وفي طبعه أنه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر واعتراه الفزع والجزع وإذا ورد الغدران والأنهار للشرب وكان الماء صافياً فهو أبداً يثيره ويكدره كالخيل لأنها ترى صورها على سطح الماء فتتوهم أنه غيرها فتنفر منه وهو قليل الاحتمال للشتاء والبرد ويقوم ويسير في الماء منغمساً ما عدا خرطومه لأنه منه يتنفس ولايقدر على السباحة لثقل جثته وفيه الفهم ما به يقبل التأديب ويفعل ما يأمره سائسه من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب وفيه من الأخلاق أنه يقاتل بعضه بعضاً قتالاً شديداً والمقهور منها يخضع ويتعبد للقاهر ويخاف سطوته ويقال: إنه يصاد باللهو والطرب واللعب والزينة وريح الطيب والنساء يصيدونه بذلك وربما احتيل على صيده بأن يترقب حال سكونه وهدّوه وذلك أنه لا ينام إلا متعمدا على ساق شجرة إذ لا يمكنه الاضجاع لكون قوائمه لا فواصل لها لكنها كالأساطين المصمتة والسوارى الوثيقة والصيادون يأتون الشجرة التي غالب أوقاته يعتمد عليها فيضعفون أصلها فإذا أتى على عاداته إليها ليعتمد عليها انكسرت فسقط وبقى عاجزا لا يقدر لنفسه بشيء فيصدونه كيف شاءوا، والهند تعظم الفيل وتشرفه لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة من علو سمكه وعظم صورته وبديع منظره وطول خرطومه وسعة أذنه وطول عموده وثقل حمله وخفة وطئه، فإنه ربما مر بالإنسان وهو لا يشعر به لحسن خطوته واستقامته وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورؤسها فإنه إذا غتلمت عرقت هذه الأماكن عرقا كأنه المسك ويستعملونه لظهور الشبق في الرجال والنساء ويزعمون أنه يشجع القلب ويقوى النفس ويبعثها على الأقدام والفيل يشب إلى تمام ستين سنة ويعمر مائتي سنة وأكثر وحكى ارسطو أن فيلا ظهر عمره أربعمائة سنة. وحكى بعض المؤرخين أن فيلا سجد لابرويز ثم سجد للمعتضد وبينها زمان ذكره ارسطو واعتبر ذلك بالوسم وهذا الحيوان يعتريه من لاأمراض وجع المفاصل لطول قيامه وثقل جثته لأنه لا يضطجع. الوصف والتشبيه، وقال عبد الكريم البهشلى: وأضخم هندى النجاد تعده ... ملوك بنى ساسان إن نابها دهر يجئ كطود جائل فوق أربع ... مصيره يلب كما يلب الصخر له فخذان كالشئين لبد ... وصدر كما أوفى الهضبة الصدر ووجه به أنف كرا وورق خمرة ... ينال ما يدرك الانمل العشر وجنبان لا يروى القليب صداهما ... ولو أنه بالباع منهرب حفر وأذن كنصف الرد يسمعه الندا ... خفيا وطرف ينقص الغب مزور ونابان شقا لا يريد سواهما ... قيامين سمراوين لمعهما تبر له لون ما بين الصباح وليله ... إذ نطق العصفور أو صوت الصقر صلاح الدين الصفدى رحمة الله ملغزا: أيما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الإله حيوان والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه فيك تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكسا يكون في ثلثاه وقد جعل الله في طبع الفيل الهرب والوحشة من النسور وإذا احتملت المرأة من نجوها مع العسل لم تحبل أبدا وكذلك إذا علق على شجرة لم تحمل تلك السنة.

стр. 282

القول على طبائع الكركدن: وتسميه الهند النوسان ويسمى أيضاً الحمار الهندى وهو عدد الزبرقان والفيل ومعادنه ببلاد الهند والنوبة والبجا وهو دون الجاموس ويقال إنه متولد بين الفرس والفيلة وله ظلف واحد غير مشقوف وقرن واحد عظيم على أنفه بارز ولا يستطيع لثقله أن يرفع رأسه وهذا القرن مصمت قوى الأصل حاد الرأس مرهفه يقاتل به الفيل فلا يفيده معه ناباه، ويقال: إنه إذا نشز رؤى في داخله صورة بياض في سواد صفة انسان ودابة وسمكة وما يشاكل ذلك وأهل الصين يتخذون منه المناطق ويغالون في ثمنه ويقال: إن حمل الأنثى من هذا النوع كأيام حمل الأنثى من الفيلة والأنثى تأكل ولدها ولا يسلم منها إلا القيليل والولد يخرج قويا ثابت الاسنان والقرن قوى الحافر وقد زعم أنه إذا كان في بطن أمه وقارب الوضع يخرج راسه من فرجها ويرعى من أطراف الأشجار ما يقوته ثم يرجع به، وقد أنكر الجاحظ هذا لاقول وقد جعله ضربا من الخرافات وتزعم الهند أنه إذا كان في ناحية من البلاد لا يقربها حيوان أصلا ويكون بينهما وبينه من البعد مائة فرسخ من أربع جهاته هيبة له وهربا منه وليس كذى القرن مشقوق الظلف وهو يجتر كما يجتر البقر والغنم والإبل ويأكل الحشيش والهند تأكل لحمه وكذلك في بلادها من المسلمين لأنه نوع من البقر والجواميس ويقال: إنه شديد العداوة للإنسان حتى أنه إذا شم رائحته أو سمع صوته جد في طلبه فإذا أدركه قتله وإن لم ينتفع به لأنه يأكل اللحم وهذا الحيوان لا يبرك ولا ينام ليس له مفصل في ركبته ولا في يديه بل هو من ظلفه إلى أبطه قطعة واحدة. القول في الزرافة: والزرافة في كلام العب الجماعة لأنها اجتمع فيها صفات كثيرة من الحيوان وهي عنق الجمل وجلد النمر وقرن الظبي وأسنان البقر ورأس الابل ولهذا زعم بعض المتكلمين في طبائع الحيوان أنها متولدة من حيوانات وقيل: إنالسبب في ذلك اجتماع الوحوش في حماوة القيظ على شرائع المياه متتساعد فيلقح منها ما يلقح ويمتنع ما يمتنع فربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة فتختلط مياهها فيجيء خلق مختلف الصور والألوان والأشكال، والفرس تسمى الزرافة استر كاويليك فتأويل استر بعر وكاو بقرة ويليك الصبغ وهذا كما رأيت موافق لكلام العرب من كونها مركبة الخلق من حيوانات شتى. والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول إنه جهل شديد لا يصدر عن من لديه تحصيل لأن الله يخلق ما يشاء وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير ومما يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد وهي طويلة اليدين والعنق جداً حتى يكون في مجموعها عشرة اذرع وأكثر قصيرة الرجلين جداً وليس لها ركب وإنما الركب ليديها كسائر البهايم وغذا أكلت مما على الأرض تفحجت لقصر عنقها عن بدنها ومن عاداتها أن تقدم عند المشي اليد اليمنى والرجل اليسرى بخلاف ذوات الأربع فإنها كلها تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى وفي طبعها التآلف والتودد والتآنس وهي تجتر وتبعر. الوصف ابن حمديس: ونوبية في الخلق منها خلائق ... متى ما يرق العين فيها تسهل إذا ما اسمها ألقاه في السمع زاجر ... رأى الطرف ما عنى عناه بمقول لها فخذ أقرم واظلاف قرهب ... وناظرتا ريم وهمامة أيل كأن الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج مصندل ودائمة الأقعاء في أصل خلقها ... إذا قابلت أدبارها غير مقبل تلفت أحياناص بعين كحيلة ... وجيد على طول اللواء المطل وتنفض رأساً في الزمام كأنما ... تريك له هاد على السحب مفتل وعرف رقيق الشعر نبته ... إذا الريح هزته ذوائب سنبل وتحسبها من نفسها إن تبخترت ... تزف إلى بعل عروساً وتنجلي فكم منشد قول امرئ القيس عندها ... أفاطم مهلاً بعض هذا التذلل ومن أبيات الفقيه عمارة اليمنى: وبها زرافات كأن رقابها ... في الطول ألوية تؤم العسكرا نوبية المنشأ تربك من المها ... زرقاء ومن بزل المهارى مشفرا جبلت على الأقعاء من إعجابها ... فتخالها لتيه تمشي القهقرا

стр. 283

الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام قد جرت عادة الكبراء والعظماء بإتخاذ الحمام في منازلهم ولا سيما في أيام الخلفاء فكثر ذلك في ايام الناصر لدين الله احمد بن الإمام المستضئ فإنه اهتم بأمرها وبأمر إنشائها ومازالت الخلفاء والملوك يطيرون الحمام ويسابقون به ولا يختص بذلك بنو العباس قال صاحب روض الأذهان: كان الوزير أبو الفرج يعقوب وزير المعز أجل الخلفاء المصريين وأفخمهم وكان له حمام يسابق فاتفق أنه سابق بها طيور الخليفة العزيز فسبق حمامه فعظم ذلك على الخليفة ووجد أعداء الوزير الطعن عليه من أن هذا الوزير يختار لنفسه من كل شيء ويختار للخليفة الأدنى فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى الخليفة: قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والكوكب الثاقب طائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب فسكن غيظ الخليفة ولما مات هذا الوزير خلف أربعة آلاف مملوك وحارة الوزيرية في القاهرة وتعرف به وبساتين الوزير بالقرب من بركة الجيش ولما مات نزل الخليفة وألحده في قبره وبلغ كفنه وما يدخل فيه عشرة آلاف دينار. قال الجاحظ: وقد تباع الحمامة بخمسمائة دينار ولم يبلغ ذلك شيء من الطير ومن دخل بغداد والبصرة عرف ذلك وتباع البيضة بخمسة دنانير والفرخ بعشرين ديناراً روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه اشتكى إلى رسول الله (الوحشة فقال: "اتخذ حماماً تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها" وروى عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله (: "الحمام فإنها تلهي الجن عن صبيانكم" روى جابر أنه كان رسول الله (يعجبه النظر إلى الحمام والأبراج وكان في منزله (حمام أحمر اسمه ورذان، وكان إبراهيم بن بشار معجباً بالحمام والأبراج وكان إذا ذكرها يقول أن الله جمع فيها حسن النظر وكريم المخبر تكفيك مؤنتها فهي للطارق عدة وللمستوطن لذة تطعم في الصحراء وتعود إليك في السراء يأنس الوحيد بحركاتها وتغنيه عن الأوتار بنغماتها وغيرها من الطير يستعجم وهي ناطقة وتنفر عنك وهي داجنة وفي طبعها السكون إلى الناس والاستئناس بهم وهي طير عفيف يبقى الذكر بعد الأنثى منفرداً والأنثى مثل ذلك مع شدة اتفاقهما على المحبة إن طارا طارا معاً معاً وإن وقعا وقعا معاً لها سرعة الطيران لا تكاد سباع الطير تصيدها إلا بحيلة ولم تزل العرب تستحسن سجع الحمام وتغريد البلبل والورشان وإعراب وادي القرى إذا ظفروا بشباب الطائف أتوا حوائط من النخل عند استواء الظهيرة إذا صارت الوراش والفواخت إلى ذلك الظلال فيشربون ويأنسون بتغريدهن ويقيمون أصواتهن مقام المزامير والأوتار وفي ذلك يقول بعضهم: أحن إلى حوائط ذات عراق ... لتغريد الفواخت والحمام ألم بها وكل فتى كريم ... من الفتيان مخلوع الزمام وقد ألف القاضي محيي الدين بن عبد كتاباً أسماه تمائم الحمائم وذكر فيه أنسابها وأنواعها وغير ذلك ومنه قول القاضي الفاضل لا زالت أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر وكادت تكون ملائكة لأنها رسل إذا نيطت بالرقاع طارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع وقد باعد الله بين أسفارها وقربها وقرها وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما كذبها وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقاً وأذنها من أذنابها أوراقاً فصارت خوافي ةوراء الحوافي وغطت سرها بكتمان سحبت عليها ذيول ريشها الصوافي ترغم النوى بتقريب العهود وتكاد العيون تلاحظها وتلاحظ أنجم السعود وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتى به من الأنباء وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان قيام الخطباء وسماها القاضي الفاضل في مكان آخر ملائكة الملوك فرحمه الله ما كان أقدره على الكلام وما أحسن ملا وصف الحمام وتسميته أيها أنبياء الطير، قال الشيخ تاج الدين بن الأثير من فصل: طالما جارتها الرياح فأصبحت فأصبحت مخلفة وراءها تبكي على السحب وصدق من سماها أنبياء الطير لأنها مرسلة بالكتب وقال الشيخ السديد علو الرؤساء من رسالة في تقدمته بالبشائر يكون المعنى بقولهم أيمن الطائر ولا غرو أن أفارق رسل الأرض وفاتهم وهو مرسل والعيان عيانه والجو ميدانه والجناح مركبه والرياح موكبه وابتداء الغاية شوطه والتشوق إلى أهله وقال الاسعد بن مماتى من صدر رسالة:

стр. 284

أعوامل بالفلات مما يدلنا ... عنى أن معنى القلب من عادة القلب ومن لم يجد شخصاً من الأنس كاملاً ... يثبت له الشكوى تشاغل باللعب بلغنا أن الحضرة قد أطاعت سلطان نفسها واسترجعت شيطان أمسها وعزمت على أنفاق كيس الأيام بالاشتغال بالحمام. وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: وفرضنا أعزك الله أن ذلك الواشي في كلامه مصيب فالمملوك أولى بالتقاط فوائد مولانا ابن أبي حجلة وللطير في دار الكرام مصيب. صلاح الدين الصفدي وكتبها إلى بعض أصحابه: هذي بطاقة قادم ... قد جاء يلهج بالمدح حملها قلبي الذي ... قد طار نحوك بالفرح وقلت ما ألطف قول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: شكرت افتراحي في المديح فلمتنى ... وقلبي أناس كان يشكر ما اقترح ولو كان من شعري المحجل ريشة ... لكل بني الآداب طارت من الفرح القاضي الفاضل: لينهك طائر الفتح المبين ... وما أدى من الخبر اليقين وأشرق في الخيام على رياض ... وخط من الرماح على الغصون وأطرب بالكتاب وزاد حتى ... ظنناه يغني باللحون وسرك باليقين بغير وعد ... ترجيه الظنون بقدوسين بما أسهرت جفن السيف حتى ... جعلت السيف غمداً للجفون وله تغمده الله برحمته: وقد ألف التخليق ريشها وجناحها ... فجاءت الينا في رداء العرائس وما خلقت بالزعفران وإنما ... نضخن دماً من أكل قتلى الفوارس ملائكة الرحمة تزجى كتابها ... اليهم ببشراهم بقتلى الأبالس وله ﵀: بشائر يأتي الطير حامل كتبها ... فيأتي سرور لم يدعه ونفسه غدوت ولا سيف يقر بغمده ... وبت ولا طير يقر بعشه وذكر ابن مسدى في معجمه: قال سمعت أبا الحسن محمد بن نصر الله بن عنين يقول كنت بخراسان بمجلس الفخر الرازي وعادت به على منبره فقنت وأنشدت بديها: يا بن المطمعين إذا شتوا ... في كل مسغبة وثلج خاسف والعاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيح الراجف من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف وافت إليك وقد تدانى حتفها ... فجبرتها ببقائها المستأنف ولو أنها تجبى بمال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف فخلع عليه جبة كانت عليه وكل هذا سبباً لإقبال السعود عليه. من انشاء الشيخ زايد الوردي: فبينما الباز سكران بما بان من البان وإذا بحمامة قد أوقعت أمامه وقالت كم تفتخر وأنت عظم نخر أنت من آلة اللعب والصيد وأنا من آله الجد والكبد أنا مع الطوق والخضاب من جملة حملة الكتاب ومع خوفي من شرك الشرك وحذرى ممن فح الافك حملت الأمانة التي أبت الجبال عن حملها وامتثلت مرسوم (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فلما أوصلت الحقوق أمنت العقوق وتزينت بالبشائر والخلوق ومما أعجب العالمين أننى مخضوبة البنان ولى يمين أقول للملك دع الاهتمام ولا تحزن فإنى أنا الحمام مهما حدث عليك من البعد من أخصامك أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك كتمت عن الناس سرى وأبهمت في الغناء والنوح أمرى: روى خضابي وطرقي ... فاستنكفوا من بكائي ثم ادعوا أن نوحى ... مناسب لغنائي فقلت كفوا فدمعي ... باد بغير اختفاء الخضب من فيض دمعي ... والصبر عقد ولائي قال القاضي علاء الدين الوداعي: كان القاضي الفاضل يسمى الحمام ملائكة الملوك فسميت أنا البريدية شياطين السلاطين.

стр. 285

الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار ما أسخن وقول القاضي الفاضل ووردنا حصين كوكب وهو نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة لها الغمامة عمامة وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لنا قلامة، وقال الشيخ شهاب الدين محمود: حصن قد تفرط بالنجوم وتقرطق بالغيوم وسما فرعه إلى السماء ورسى أصله إلى التخوم وتخال الشمس إذا علت أنها تنتقل في أبراجه ويظن من سها إلى السها أنها ذبالة في سراجه لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السما وزمامه ولا يرمق متبرجات بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه وحوله كل شامخ تهيب عقاب الجو قطع عقابه وتقف الريح حسرى إذا توقلت في هضابه تخفق العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر ويحيل الفكر وصورة الترقي إليه لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأصنافها ولا تعرف فيها الأهلة إلا بأوصافها. قال الشيخ جمال الدين بن نباتة من باب محرم الخاطر وإذا هي سماء يتقاعس الفكر عن محاولة شهبها وحسناء كلما رمت أن تنظر وجهها الحسن فكان قرص الشمس مرآة وجهها تزاحم برجها السماء بالمناكب وتضيء إضاءة نجومها الثواقب وتلقى إذا عطشت كوكب الدلو بأرشية في البروق قليب السحائب لا تسامى ولا تسام ولا يحصل منها قادم سفر إلا على معانقة العوالى ومصافحة السهام، وقال علاء الدين بن غانم: ذات أودية ومحاجر لا ترها العيون لبعد مرامها إلا شزرا ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم مما لها من الأبراج ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر إلا أن هذا أعذب فرات وهذا ملح أجاج ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر وقد توعرت مسالكه فلا يداس فيها إلا على المحاجر وتفاوت ما بين مرات العلا وقراره العميق ويقتحم راكبه الهول في هبوطه فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق، وقال سيدي الأخ العزيز الفاضل تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى في وصف قلعة دمشق عندما حوصرت في الوقعة المشهورة ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا أزفة الأزفة وقد ستروا بروجها من الطارق وهم يتلون ليس لهما من دون الله كاشفة واستجليت عروس الطارمة عند زفتها وقد تجهزت للحرب ولم نرض بغير الأرواح مهر وقد أعقدت على رأسها تلك العصائب وقد توشحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر وغازلت بحواجب قسيها ورمت القلوب من عيون مراميها بالنبال وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالاً كانت السهام لها أميال وطلبها كل من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وشمخ وهو على فرسه بنفسه الغالية وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا أن الطارمة عالية وتالله لقد حرست بقوم لم يتدرعوا بغير آية الحرس في الأسحار وقد استيقظوا لحمل قيسهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار فأعيد رواسيها التي كالجبال الشامخة بمن أسس المحجوج وأحصنها قلعة بالسماء ذات البروج. قلت ويحسن ذكر المنجنيق في هذ١ الموطن نقلت من خط القاضي صلاح الدين الصفدي قال نقلت من خط الزجاج الوراق لنفسه يصف حجارة المنجنيق: ترقى بمكر المنجنيق إلى السها ... وتعود تطلب مركز أرباها وحمت بها الأسوار ثم تكلمت ... لم لا وقد فتحت بها أفواها وتولت السمر الطوال سواكها ... وثغورها لا تنجلى بسوادها وقال ابن النبيه من قصيدة يمدح بها الأشرف ويصف دارا بناها بقلعة أخلاط: سقى الله من أعلام أخلاط قلعة ... يحوم بها نسر السها على وكر ودار على خير الطوالع أسست ... فمن حل فيها في أمان من الدهر تجلى مدى الأبصار لمع بياضها ... فأحسبها قد ألبست بهجة الدر وقد أثبتت أركانها من نقوشها ... تماثيل روض لم يزل يانع الزهر تكاد تشم المسك من نسماتها ... ويقطر من أرجائها ورق التبر تسر وتلهى ساكنيها بحسنها ... فإن شئت أغنت عن غناء وعن خمر إذا فتحت أبواب مستبشر بها ... جلت لك نور البحر والوحش في البر فإن شئت للاخرى فمحراب ناسك ... وإن شئت للدينا فريحانة العمر وإن جمعا فالله ما زال جامعاً ... شتيت العلا للاشراف بن أبي بكر وللشيخ بن أبي حجلة في مدرسة القاضي بدر الدين بن الجزولى بمصر:

стр. 286

تأمل ففضلى سار في البر والبحر ... ولى خبر في مصر يغنى عن الخير يقابلني المقياس يوم وفائه ... بوجه فتاة لاح من خلل الستر فشباكه يرنو إلى بأعين ... جلبن الهوا من حيث أدري وما أدري أهيم بها في مصر حتى كأنها ... عيون المها بين الرصافة والجسر فلا عذرى عندي للنسيم إذا سرى ... وكم من الهوى العذري للصب من عذر تداوى بشرب الماء عندى جماعة ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر مماتى من عين الحيوة لأنه ... من الروض يأتيني على قدم الخضر وبسطى روضى والقناديل زهرها ... وثغر حباب الماء يبسم عن در فلا يعجبا من زائري إن توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة البشر تشاهد منى العين في مصر روضة ... ترى زهرها في الماء كالأنجم الزهر وكم وردة أبدى دهاني حسنها ... يبيت قلب الحسود على الجمر وله فيها: دار يصان الجار في أرجائها ... ويذل فيها صين الأموال نسيت بها الأهرام لما إن غدت ... بضيائها هولاً من الأهوال الشيخ شمس الدين بن القريه السكندري فيمن له غلام اسمه ريحان: ان الأمير حباه رب ال ... عرش أحسانا ومنه هو الغلام وداره ... روح وريحان وجنه حكى عن سنمار أنه كان رجلاً حاذقاً بالبنيان فأمره النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بم امرئ القيس اللخمي أن يبني له حصنا بظاهر الجزيرة وهو الذي يقال له الخواريق فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال له لو وفيتموني أخرى لبنيته بناء يدور مع الشمس كيفما دارت، فقال النعمان أقدرت على أحسن منه ولم تفعل فأمر بقذفه من أعلاه وقيل إنما قتله لأنه لما فرغ من بناءه خلا به وقال له إن هذا البنيان كله مردود إلى هذا الحجر فاحتفظ به فإنه إن نزع سقط البناء كله فقتله لئلا يطلع على ذلك غيره، فضربت به العرب المثل وأكثرت فيه فقالوا: جزاه الله جزاء سنمار. وقال الشاعر أنشده ابن مالك: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار وقال عبد العزيز بن امرئ القيس: جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب قال ابن الشجري يقال رجل سنمار إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر سنمار ولما أراد المنصور أن بيني بغداد في سنة أربعين ومائة سأل راهباً كان في صومعة في مكان بغداد عندما أراد أن يختطها أريد أن أبني هنا مدينة فقال له الراهب إنما بينيها ملك يقال له الدواني فضحك وقال له المنصور أنا هو وشرع في بنائها سنة أربعين ومائة ونزلها سنة ست وأربعين، وفي سنة ست وأربعين تم بناؤها وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة وهي بين الفرات ودجلة كما جاء في الحديث لا بغداد الثانية وهي الجديدة التي في الجانب الشرقي وفيها دور الخلفاء وبغداد عبارة عن سبع محال لا تفتقر منها محلة إلى غيرها على شاطئ دجلة فالذي في الجانب الشرقي الرصافة، بناها المهدي بن المنصور حين ضاقت بالرعية والجند سنة قلت: إحدى وخمسين وهي مدينة مسورة، والثانية مشهد أبي حنيفة مسورة، والثالثة جامع السلطان غير مسورة، والرابعة مدينة المنصور في الجانب الغربي وتسمى باب البصرة وكان بها ثلاثون ألف مسجد وخمسة آلاف حمام، والخامسة مشهد موسى بن جعفر مسورة، والسادسة الكرخ مسورة، والسابعة دار القمر مسورة، قلت: مكتوب على ظاهر المدرسة التي أنشأها الشيخ الإمام العالم أوحد القراء أبو عبد الله شمس الدين محمد بن الجزري تغمده الله برحمته بعقبة الكتاب عمرها الله ببركته وأظن أنها من نظمه: يا دار علم للمآثر تقصد ... وبصدرها تروى العلوم وتسند خلعت عليك الكائنات بجمالها ... فلذاك سعدك دائماً يتجدد أضحيت للراجين قبلة قاصد ... لكمالها تعنو الوجوه وتسجد نظرتك شمس العلوم منيرة ... منها لطلاب الفضائل منجد يا باذلاً لمال غير مذمم ... حاشاك من ذم وأنت محمد كم قلد الناس اجتهادك منة ... فحمدت مجتهداً وأنت مقلد طربت بذا المعنى العقول فيا له ... من دار قرآن وفيه معبد بالأمس كان على الطريق قمامة ... واليوم فهو على الحقيقة مسجد

стр. 287

ما أن تراه مشاهداً لجماله ... إلا وتعجب من سناه فتنشد وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد وقال الشيخ بدر الدين ابن الصاحب في عمارة السلطان الملك الظاهر برقوق التي بناها بين القصرين عمرها بحياته عمارة الظاهر قد أصبحت أركانها شاهقة كالعلم وبشرت أحجارها بالبقاء وأنه يبلغ سن الهرم. وله في رباط المعشوق الذي بمصر المحروسة المشرف بالآثار الشريفة: لنا رباط وبالمعشوق شهرته ... أثار خير الورى فيه يتحقق يصبو فؤادي لمرآة ولا عجب ... ان هام قلبي في أثار معشوق غيره: أتيت إلى المعشوق من بعد فرقة ... وهجر وقلبي بالنوى يتضرم فقابلني والثغر بالزهر باسم ... وما أحسن المعشوق للصب يبسم قلت وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ الإمام الفاضل اللغوي جلال الدين أبو المعالي ابن خطيب داريا: يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره يا عين ويحك فانظري وتمتعي ... إن لم تريه فهذه آثاره وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي موريا به وبغيره من منارة مصر المحروسة: وليلة مرت بنا حلوة ... إن رمت تشبيها لها عبتها لا يبلغ الواصف في وصفه ... حدا ولا يلقى لها منتهى بت مع المعشوق في خلوة ... نلت من خرطومه المشتهى وقرأت في شرح قصيدة بني الأفطس التي شرحها الكاتب أبو القاسم عبد الملك بن بد الله بن بدرون الحضرمى السلمي ﵀ عند ذكر كسرى هو كسرى أنوشروان بن ساسان كان ملكه ثمانية وأربعين سنة وقيل سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر وهو الذي بنى سور الباب والايوان وجعل هذا السور من جوف البحر مقدار ميل وبناه على الزقاق بلين الحديد والرصاص كلما ارتفع البناء نزلت إلى أن استقرت في قرار البحر وارتفع السور على الماء فغاصت الرجال بالخناجر والسكاكين إلى ذلك الزقاق فشقتها وتمكن السور على وجه الأرض في قاع البحر وذكر المسعودي أن هذا السور كان باقياً سنة اثنين وثلاثين وثلثمائة ويسمى هذا السور الذي في قاع البحر القيد وصعد هذا السور في أكر على جبل الفتح أربعين فرسخاً حتى انتهى إلى طربستان وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور بابا من الحديد وأسكن من داخله أمة من الناس تراعي ذلك الباب وما يليها من السور وذلك لدفع الأمم المتصلة بذلك الجبل وهم أنواع من الأمم منهم اللان والجزر والترك والبرغز وغيرهم وذكر في كتابه هذا عند ذكر المأمون ومن تسمى باسمه فمنهم يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة يحكى أنه بنى قصر طليطلة وتأنق في بناءه وأنفق فيه أموالاً كثيرة وصنع فيه بحيرة وبنى في وسطها قبة وسيق الماء إلى رأس القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض فكانت القبة في غلالة من ماء تكسب ولا تفتر والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه فيها شيء ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل فبينما هو نائم فيها إذ سمع منشدا ينشد: أتبنى بناء الخالدين وإنما ... بقاؤك فيها لو عقلت قليل لقد كان في ظل الاراك كفاية ... لمن كان يوماً يقتضيه رحيل فما لبث بعد هذا إلا يسير حتى قضى نحبه: أنشدني الشيخ شمس الدين الجرائحي من لفظه لنفسه وقد أمره القاضي فتح الدين بن الشهيد أن ينظم شيئاً يكتبه على طراز في صدر إيوانه: أيا من يطرز الدر أكمامهم سمت ... قفوا وانظروا دار الطراز على خصري وصدري لاسرار الممالك حائط ... من الفضة البيضاء والذهب المصري فمن ذا يضاهني افتخار وقد غدت ... خزائن أسرار الممالك في صدري

стр. 288

نقلت من خط الشيخ بهاء الدين الموصلي ولد شيخنا العلامة عز الدين أبي الخير الموصلي من مقامة وسماها بسلوة الغريب وخلوة الحبيب منها في وصف القصر الأبلق بدمشق وقصرها الأبلق ليس بالعقوق من شاهد بديع معانيه لنهى عن العاشق والمعشوق قد شام في غمده مشهور عمدان وأسبل على أيوان كسرى ستر النسيان يبهر الناظر حسن معناه ولا يقدر على وصف محاسنه من يراه الماء مرفوع في أقطاره ونواحيه منتصف في فوار بركه لتمييز ناظريه يتكسر جمعه على شازرواناته بإضافته إلى مجاريه فقد اجتمع لقاطنه إضافة المعنى والحسن الباهر ولم يكمل ذلك البهاء إلا بكمال جمال الظاهر أعين شبابيكه إلى ميدانه الأخضر ناظرة قد جمع الصادح والباغم واللاقط والطاغم به الظباء الأوانس والمها الكوانس أقطاره عريضة طويلة لا ترجع الأبصار من السفر في زمنه إلا كليلة أخجلت خمائله الأيك والغصون ولاذ القائف بالسلوان عن اقتفاء أثر السلوك في معانيه التي كلها عيون وقف الأبلق حين جرى إلى منتهاه وأدركه الإعياء فسكن بأقصاه وشاهد الشقراء تمرح في ميدان واديها فأراد الوصول إليه فعاوده الاضطراب فقطعت على الأنهار الطريق وضرب بينهما بسور له باب. الإيوان: من بعد هدمه بناه وزير كسرى أبرويز في نيف وعشرين سنة ومائة ذراع في عرض خمسين في سماك مائة من الآجر الكبار والجص وثخن الجدار الأزج خمس أجرات وطول الشرف خمسة عشر ذراعا ولما بنى المنصور بغداد حب أن ينقضه ويبني به فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال هو آية الإسلام ومن علم أن هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي وهو مصلى علي بن أبي طالب (والمؤنة في نقضه أكثر من الارتفاق به فقال أتت الأمثلاء من العجم فهدمت ثلمة منه فبلغت النفقة عليها مالاً كثيرا فأمسك فقال خالد أنا لا أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه فلم يفعل وعلى ذكر الإيوان فما أحسن ما أنشدني من لفظه لنفسه أجازة شيخنا العلامة عز الدين أبو الخير الموصلي محاجيا: يا من له الطول في المعالي ... وبالمعاني لنا يبصر أنى كما قلت في سؤالي ... ما مثل قولي ينعم مقصر القاضي فتح الدين بن الشهيد على لسان مجلس داره وقد بنى لبعض الأجلاء في داره مجلس عال: يا من ينزه في حسني نواظري ... اسمع صفات بها فقت أمثالي أنى مقام مقر عز جانبه ... ودون قدر جناب المجلس العالي أنشدني من لفظه لنفسه الأديب الفاضل الكامل شمس الدين أبو عبد الله الجراحي في مجلس بناه سيدنا ومولانا قاضي القضاة وشيخ الشيوخ خطيب الخطباء أبو الحسن علاء الدين بن أبي البقاء السبكي الشافعي تغمده الله برحمته: ومجلس قد قال لي منشي ... ما مثله في الفضل قاضي القضاه قد لأسس البنيان مني على ... تقوى من الله وأرضى الإله فصرت كالكعبة من أجله ... تسعى إلى نحوي الحفاة العراه فما سعى نحوي أخو شدة ... إلا ومن ربي لاقى رضاه فالاسم مني في الهجا معرب ... وإنما للمدح قصدا بناه خص بخفض العيش من أمني ... ورفعه يبقى بقصد النحاه قاض قضى بالحق لكنه ... جار على ما ملكته يداه فما اشتكى الفقر إليه امرئ ... إلا ونادى المال كن في رضاه وأنشدنني لنفسه فسح الله في أجله في منزل القاضي فتح الدين بن الشهيد: يا منزلا بالبهاء والحسن ناظر من ... طرز الملوك طرازي لست من طرزي والناس دون محل الغير تقصدني ... من القبول لأن السر في حرزي

стр. 289

ومن المباني العظيمة المذكورة في القرآن العظيم إرم ذات العماد قال أصحاب الآثار ورواة الأخبار لما سمع شداد بن عاد بن أرم وصف الجنة سولت له نفسه أن يبني مثلها فبنى مدينة بين حضرموت وصنعاء طوله أثنى عشر فرسخا وعرضها مثل ذلك وأحاط بها سوراً ارتفاعه خمسمائة ذراع وغشى خارجها فضة مموهة بالذهب وبنى داخلها مائة مائة ألف قصر بعدد رؤساء أهل مملكته بلبن الذهب والفضة وكذلك جذوع سقوفها وأساطينها وأجرى في وسطها نهرا صفح أرضه بالذهب وجعل على حافتيه أنواع الجواهر والياقوت بدلا من الحصباء وألقى فيه المسك الغبر عوضا عن الحمأة وفرع منه جداول إلى تلك القصور والمنازل وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرف ورائحته ذكية وزعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة فلما تم بناؤها زاد في طغيانه ولم يعبأ بربه فبعث الله هوداً ﵇ يدعوه إلى الله تعالى ويحذره سطوته ويخوفه نقمته فلم يجبه إلى ما دعاه إليه وخرج من حضرموت إلى ذات العماد ليبلغ نفسه مناها بسكناها فلما أشرف عليها جاءته صيحة من السماء فأهلكته وجنوده وأفانته أمله ومقصوده. ويروى أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل ندت له فوقع عليها فحمل ما قد عليه مما تم فلبغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وفي ذقنه خال يخرج في طلب إبل ندت له ثم التفت فرأى ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل وزعم الأحباريون أنه كان بها أربعمائة ألف وأربعون ألف عمود ولهذا سميت ذات العماد. ومن المباني العظيمة سد ذي القرنين الذي بناه على يأجوج ومأجوج وصفته على ما حكاه ابن حردأدبة أن مكانه جبل أملس مقطوع بواد عرضه مائة وخمسين ذراعا وفي جانبي الوادي عضادتان مبنيان عرض كل عضادة خمسة وعشرون ذراعا كل ذلك مبني بلبن الحديد مغيب في نحاس في سمك خمسين ذراعا وعلى العضادتين دروند حديد طرفاه في العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعا وفوق الروند بناء بتلك اللبن الحديد المغيبة في النحاس إلى رأس الجبل وارتفاعه مد البصر وفوق ذلك شرافات من حديد في طرف كل شرافة قرنان يبني كل واحد منهما إلى صاحبه بين العضادتين باب من حديد بمصراعين وبين كل مصراع خمسون ذراعا في خمسة أذرع وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع في الاستدارة وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا وعتبة الباب عشرة أذرع بسط مائة ذراع سوى ما كان تحت العضادتين ويقال أن آلة البناء التي بنى بها هذا السد موجودة بحصون بناها ذو القرنين ورتب فيها حراسا يحرسون هذا السد وهي مغارف وبقية لبن كل ذلك من حديد وأن كل لبنة ذراع ونصف في مثل ذلك في سمك شبر قد ألصق الصداء بعضها ببعض. ومن المباني المشهورة قصر غمدان وكان بصنعاء قال الجاحظ أحبت العرب أن تشارك الفرس في البناء وتنفرد بالشعر فبنوا غمدان وكعبة بحران وحصين مارد والأبلق ويزعم بعض الأحباريين أن بانيه حام بن نوح ويزعم آخرون أن بيوراسف بناه على اسم الزهر وذكر ابن هشام أن الذي أسسه قحطان بن يعرب وأكمله بعده وأصله وائل بن حمير بن سبأ بن يعرب وخربه عثمان بن عفان (وكانت صفته على ما نقلته من الكتب المدونة في العجائب مربعا أحد أركانه مبني بالرخام الأبيض والثاني بالرخام الأصفر والثالث بالرخام الأخضر والرابع بالرخام الأحمر فيه سبع سقوف طباقا ما بين السقف والآخر خمسون ذراعا وجعل على كل ركن تمثال أسد من النحاس إذا هبت الريح دخل من دبره وخرجت من فيه فيسمع له صوت كزمير الأسد وقال ابن الكلبي كان على ركن أركان غمدان مكتوب بالحميرية أسلم غمدان معاديك مقتول بسيف العدوان، وذكر الجاحظ في كتاب الأمصار أن قصر غمدان كان أربعة عشر غرفة بعضها فوق بعض ويروى أن عمر بن الخطاب (قال: لا يستقيم أمر العيوب ما دام فيها غمدانها وهذا القول الذي حض عثمان على هدمه وأثره باق على تل عال مطل على البلد قريب الجامع.

стр. 290

ومن المباني التي تبلي الزمان ولا تبلى وتندرس معالمه وأخبارها لا تندرس ولا تبلى الأهرام التي بأعلام مصر وهي أهرام كثيرة أعظمها الهرمان اللذان بجزيرة مصر غربي النيل يقال أن بانيها شوندبر بن شرناق قبل الطوفان ويقال أن هرمس المثلث بالحكمة وهو الذي تسميه العبرانيون أخنخ وهو إدريس ﵇ استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه من الذهب والدثور وكل هرم منها مربع القاعدة مخروطي الشكل ارتفاع عموده سبعة عشر ذراعا يحيط به أربع سطوح متساويات الأضلاع كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا ويرتفع إلى أن يكون سطحه ستة أذرع في مثلها ويقال إنه كان على أعلاه حجر يشبه المكبة فرمته الرياح والعواصف وهو مع هذا العظم من الصنعة وإتقان الهندام وحسن التقدير بحيث لم يتأثر إلى الآن بعصف الرياح وهطل السحاب وزعزعة الزلازل وهذا البناء ليس بين حجارته منابر البلدان المشهورة الكعبة فوق المحراب وسائر الأقاليم يمنة ويسرة وما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك وسقفه مقرنس بالذهب والسلاسل المعلقة فيه من ذهب وفضة وأنوار الشمع في أماكن متفرقة قالوا وكان في محراب الصحابة منه حجر من بلور ويقال حجر من جوهر وهي الدرة وكانت تسمى القليلة وكان إذا طفئت القناديل تضيء لمن هنالك بنورها فلما كان زمن الأمين بن الرشيد وكان يحب البلور بعث إلى سليمان وإلى شرطة دمشق أن يبعث بها إليه فسرقها وسيرها إلى الأمين فلما ولي المأمون أرسل بها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين، قال الحافظ ابن عساكر ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانه برنية من زجاج وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء وكانت الأبواب الشارعة من الداخل إلى الصحن ليس عليها أغلاق وإنما عليها الستور مرخاة وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الكثير وعملوا له شرافات تحيط به وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس فأما الشرقية والغربية فكانتا قبل ذلك بدهور متطاولة وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا بنتها اليونان للرصد فسقطت وبقيت القبليتان إلى الآن وقد احترق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمائة ونقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى حيث اتهموا بحريقها فقامت على أحسن الأشكال بيضاء بذاته والله أعلم، الشرقية التي ينزل عليها عيسى ابن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال كما ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان والمقصود أن الجامع الأموي لما أكمل بنائه لم يكن على وجه الأرض أحسن بناء منه ولا أبهى ولا أجل منه بحيث إذا نظر الناظر في أي جهة منه أو إلى بقعة أو إلى مكان منه تحير فيما ينظر إليه لحسنه جميعه وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية لا من الحيات ولا من العقارب ولا من العناكب ويقال ولا العصافير تعشش فيه ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى الناس به وأكثر هذه طلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف الجامع مما يلي السبع فاحترقت لما وقع فيه الحريق وكان ذلك ليلة النصف من شعبان بعد العصر من سنة إحدى وستين وأربعمائة ومازال سليمان بن عبد الملك في تكميله وزيادته مدة ولايته وجددت له فيه المقصورة ﵀ فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يحرد ما فيه من الذهب ويقلع السلاسل والرخام والسقوف ويرد ذلك كله إلى بيت المال ويطين ذلك كله فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه وقال خالد بن عبد الله القشيري أنا أكمله لكم فلما اجتمعوا قال خالد: يا أمير المؤمنين بلغنا أنك تريد أن تصنع كذا وكذا قال نعم قال خالد ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين قال ولم يا بن الكفرة وكانت أمه نصرانية رومية فقال يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلا مؤمنا قال صدقت واستحى عمر، قال فلم قلت ذلك قال يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم وليس هو من بيت المال فأطرق عمر ﵀ قالوا واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من الروم رسلا من عند ملكهم فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر فلما رأوا ذلك النور الباهر

стр. 291

والزخرفة التي لم يسمع بمثلها صعق كبيرهم مغشيا عليه فحملوه إلى منزلهم فبقي أياما مدنفا فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال ما كنت أظن أن تبني المسلمون مثل هذا البناء وكنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال وإن هذا ليغيظ الكفار دعوه. والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه وليس له في الدنيا نظير في حسنه وبهجته قال الفرزدق أهل دمشق في بلدهم قصر من قصور الجنة يعني به الجامع الأموي. وقال أحمد بن أبي الحواري عن الوليد بن أبي المسلم عن أبي ثوبان ما ينبغي أن يكون أحد أشد تشوقا إلى الجنة من أهل دمشق لما يرون من حسن مسجدها ولما دخل المهدي أمير المؤمنين العباسي دمشق يريد زيارة بيت المقدس فنظر إلى جامع دمشق قال لكاتبه عبد الله الأشعري سبقنا بنو أمية بثلاثة بهذا المسجد لا أعلم على ظهر الأرض مثله وبنيل الموالي وبعمر بن عبد العزيز لا يكون فينا والله مثله أبدا ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة وكان الوليد بن عبد الملك بناها فقال لكاتبه وهذا أربعة أيضاً ولما دخل المأمون دمشق نظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم وقاضيه يحيى بن أكتم قال ما أعجب ما فيه فقال أخوه هذا الأدهان التي فيه وقال ابن أكتم الرخام وهذه العقد فقال المأمون إنما أعجب من بنيانه على غير مثال متقدم وقال المأمون لقاسم التمار أخبرني اسما حسنا أسمي به جاريتي هذه فقال سمها مسجد دمشق فإنه أحسن من كل شيء وقال عبد الرحمن بن الحكيم عن الشافعي عجائب الدنيا خمسة أحدها منارتكم هذه يعني منارة ذي القرنين التي بالإسكندرية والثانية أصحاب الرقيم وهي بالروم اثنا عشر رجلا أو ثلاثة عشر رجلا والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها يجلس الرجل فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ والرابع مسجد دمشق وما يوصف به من الإتقان عليه والخامس من الرخام والقيقسا فإنه لا يدري له موضع ويقال إن الرخام معجون والدليل على ذلك أنه مذوب على النار قال الحافظ ابن عساكر وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب وكان قدم دمشق سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة في رسالة قال أمرنا بالانتقال إلى البلد فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه ووافق ظاهره باطنه أزقته أرجه وشوارعه فرجه فحيثما مشيت شممت طيبا وأين سعيت رأيت منظرا عجيبا وأمضيت إلى جامعه فشاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه وجملته أنه بكر الدهر ونادرة الوقت وأعجوبة الزمان وغريب الأوقات ولقد أيقنت به ذكرا يدرس وجليت به أمرا لا يخفى ولا يدرس. ومما قيل في الساعات قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زين إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه كان عمل هناك بلكار الساعات يعلم بها كل ساعة تمضي من النهار عليها عصافير من نحاس وحية من نحاس وغراب فإذا تمت الساعة خرجت الحية فصفرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست. قلت هذا الكلام على أحد شيئين إما أن الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع وهو باب يسمى بباب الزيادة اليوم ولكن قد قيل إنه محدث بعد الجامع وهو لا ينفي أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زبر وإما أنه قد كان في الجانب الشرقي من الجامع في حائطه القبلي في باب آخر في محاذاة باب الزيادة وعنده الساعات ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الوراقين اليوم وهو باب الجامع من الشرق والله أعلم. وأما القبة التي في وسط الجامع التي فيها الماء الجاري ويقال لها قبة أبي نواس فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمائة أرخه الحافظ ابن عساكر عن خط بعض الدماشقة. وأم القبة الغربية التي في وسط الجامع التي يقال لها قبة عائشة فسمعت شيخنا أبا عبد الله الذهبي يقول إنها بنيت في حدود سنة ستين ومائة في أيام المهدي بن المنصور العباسي وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه. وأما القبة الشرقية التي على باب مشهد فقال بنيت على زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة أربعمائة.

стр. 292

وأما الفوارة التي تحت درج جيرون عملها الشريف فخر الدولة أبو يعلي حمزة بن الحسين العباسي الحسيني وكأنه كان ناظر الجامع وجر إليها قطعة من حجر كبير من قصر حجاج وأجري فيها الماء ليلة الجمعة لسبع خلون من ربيع الأول سنة سبعة عشر وأربعمائة وعمل حولها قناطر وعقد عليها قبة ثم سقطت القبة بسبب جمال احتكت فيها وذلك في صفر من سنة سبع وخمسين وأربعمائة فأعيدت ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين بسبب حريق النصارى في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة استوثق بناء الطهارة على أحسن مما كانت وذهبت تلك القصعة فلم يبق لها أثر وعمل الشاذروان الذي هو شرقي الفوارة بعد الخمسمائة أظنه سنة أربع عشرة وخمسمائة. فصل: وكان ابتداء عمارته في أواخر عام سنة ست وثمانين وهدمت الكنيسة في ذي القعدة منها فلما فرغوا من الهدم شرعوا في البناء وتكامل في عشر سنين فكان في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين ووضع العمودان اللذان في صحن الجامع لأجل التنوير في ليالي الجمع في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمائة قاضي البلد أبي محمد فيما ذكره بنو عساكر في بعض تواريخهم نقلت هذه الترجمة في بناء جامع دمشق من تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير الذي أسماه البداية والنهاية: يا حسن ترخيم بجامع جلق ... متناسب التركيب والتقسيم فإن يتغالى في الزيادة معسر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوح وقال بعضهم: أرى الحسن مجموعاً بجامع جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروح فإن يتغالى في الزيادة معسر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوح وقال بعضهم: دمشق لها منظر رائق ... وكل إلى حسنها تائق وكيف يقاس بها بلدة ... أبى الله والمسجد الفارق قلت: أحسن منه قول من قال: إني أدل على دمشق وطيبها ... من حسن وصفي بالدليل القاطع جمعت جميع محاسن في غيرها ... والفرق بينهما بنفس الجامع وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطي: دمشق في الحسن لها منصب ... عال وقدر في الورى شائع فحد من قاس بها غيرها ... وقل له ذا الجامع المانع ذكر أبو الفرج الأصفهاني قال حدثني بذلك جماعة منهم أبو عثمان يحيى بن عمر قال قرأت في بعض الدواوين أن المتوكل أنفق على أبنيته وقصوره والمسجد الجامع ومنتزهاته في خلاوته يسر من رأى وأعمالها من الأموال ما لا يعلم أن أحدا أنفق على بناء مثله ومبلغ ذلك من العين مائة ألف وخمسين ألف دينار ومن الدراهم مائتي ألف ألف وثلاثة وتسعون ألف ألف وخمسين ألف درهم من ذلك القلايا مائة ألف وخمسون ألف دينار العروس ثلاثون ألف درهم الشاة عشرون ألف درهم البرج ثلاثون ألف ألف درهم البركة ألفا ألف درهم الجوسق الإبراهيمي ألفا ألف المختار خمسة آلاف ألف الجعفري ثلاثة وعشرون ألف ألف البديع عشرة آلاف ألف المليح خمسة آلاف ألف الصبيح خمسة آلاف ألف التل خمسة آلاف الجوسق في الميدان خمسمائة ألف بر كوازاء عشرون ألف ألف المسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف الغراء بدجلة ألف ألف القصر بالمتوكلية خمسة عشر ألف ألف لؤلؤة خمسة آلاف ألف النهر بالمتوكلية خمسون ألف ألف وبنى المعتز بعد ذلك البيت المعروف بالكامل ولم أعرف مبلغ النفقة عليه وبنى المعتمد المعشوق والبيتين المعروفين بالفنح والبهج. كتب الشيخ جمال الدين ابن نباتة إلى الجناب القطبي بن شيخ السلامية يصف: يقبل الأرض ويسأل الله تعالى أن يديم أيام مولانا التي غفرت ذنوب الأيام والليالي وعمرت الوجود بما سمع عن أهل العصور الخوالي وينهى أنه سطر هذه الخدمة وقد ترادفت عليه معاني الشكر فلم يدر ما يذكره ولا ما يحصيه ويحضره إلى أن ألقى السلاح وغص الجماح وأنشد: تعالى عن المداح قدرك رتبة ... فاقصارهم عن مدحه غاية المدح

стр. 293

هذا على أنه الآن في نشو سكره وذهول فكره باستجلاء هذه المنازل كل شمال فيها شمول لابل الرياح الأربع على أرجائها قبول فهي الجنة وثناء مولانا مسكها الأرج والهالة وأوصافه بدرها المبتلج والدنيا إلا أنها المحسوبة من العيش النضر ومحلة موسى وكل غصن من أغصانها الخضر ما شئت من صدحات مسجوعة وبيوت معمورة وسقف مرفوعة وثمرات كثمرات الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة وعقود على أجيال القضب من الأزاهير وسوق أشجار على نهر كأنه صرح ممرد من قوارير وكل دوحة تنحفر كما تنحفر العذراء ومرجة هي نفس اللذة بدليل أن النفس خضراء وجداول تتلوى في الروض تلوي الأراقم في الصعيد وأبكار وورد كما أشارت شفاه الملاح بالقبل من بعيد راواوين كأنما طارت إلى الأفق بأجنحتها وشبابيك كأنما أصابت القلوب من فتكات الهم بحديد أسلحتها وشرافات دلت على همة الأمن بمبانيها وعلت حتى كأن الثريا عقدت على تراقيها وتجري ماء ترق بمحواتها القلوب الجافية ولا عيب فيها إلا النسيم الواشي والعين الصافية قد مرج الله تعالى بهما البحرين يلتقيان وأخرج منهما في أعطاف الغصون اللؤلؤ والمرجان ولو أخذ المملوك في وصف المحاسن المبدعة والأصول المتفرعة لكاثر غصونها بأقلامه وأزهارها بنثاره ونظامه ولا بلغ معشارها ولا حدث بأخبارها ولكن ليس فيها ما يقال إن كملت لو أن ذا كملا فجعلها الله أول منازل نعيم مولانا المستمر وعمر ببقائه أرجاها التي ينعم الأمل ويعتمر بمنه وكرمه. صلاح الدين الصفدي متضمنا: تقول دمشق إذا تفاخر غيرها ... بجامعها الزاهي البديع المشيد جرى للتهاني حسنه كل جامع ... وما قصبات السبق إلا لمعبد

стр. 294

وضعف الحال وضيقه على الناس لما توفي ﷺ بعث الصديق الجيوش قبل الشام وإلى العراق كما تقدم في كتابنا هذا ولله الحمد والمنة ففتح الله على المسلمين الشام بكاملها ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، كتب أمير الجيوش إذ ذاك وهو أبو عبيدة وقيل خالد بن الوليد لهم كتاب أمان وأقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة كما ذكرنا وأخذوا منه نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مرتحيا بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة وهو على باب الجابية بالصلح فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف المسجد صلحا ونصفه الآخر عنوة فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا وكان قد صارت له إمرة الشام فكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة (ثم الصحابة بعده في البقعة التي يقال لها محراب الصحابة ولكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محني وإنما كانوا يصلون عند هذه البقعة المباركة والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد وهو باب المعبد الأعلى الذي كان من جهة قبلة مكان المحراب الكبير اليوم فتنصرف النصارى إلى جهة المغرب إلى كنيستهم ويأخذون المسلمون يمينه إلى مسجدهم ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم ولا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة ومهابة وخوفا وقد بنى معاوية (في أيامه على الشام داراً للإمامة قبلي المسجد الذي كان للصحابة وبنى فيها قبة خضراء فعرفت الدار بكمالها بهاء فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا ثم لم يزل الأمر كما ذكرنا من سنة أربع عشرة إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها فعزم على أخذ بقية الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها وجعل الجميع مسجدا واحدا وذلك لتأذي بعض المسلمين بسماع قراءة النصارى الإنجيل ورفع أصواتهم في صلواتهم فأحب أن يبعدهم عن المسلمين ويضيف ذلك المكان إلى هذا المسجد الجامع فطلب النصارى وسألهم أن يخرجوا عن هذا المكان ويعوضهم منه إقطاعات كثيرة عرضها عليهم وأن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهدة وهي كنيسة مريم وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي وكنيسة تل الحين وكنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقيل فأبوا ذلك أشد الإباء فقال ائتونا بعهدكم الذي بأيديكم فأتوا بعهدهم الذي بأيديهم في زمن الصحابة فقرىء بحضرة الوليد فإذا كنيسة توما التي خارج باب توما عند النهر لم تدخل في العهدة وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مرتحيا فقال أنا أهدمها وأجعلها مسجدا فقالوا يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى بأخذ بقية هذه الكنيسة فأقرهم على تلك الكنائس وأخذ بقية هذه الكنيسة ويقال غير ذلك والله أعلم، ثم أمر أمير المؤمنين بإحضار الآلات للهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء من رؤوس الناس وجاءت أساقفة النصارى وقساوستهم قالوا يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن فقال أنا أحب أن أجن في الله والله لا يهدم فيه أحد قبلي ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضلاع المعروفة بالساعات وكانت صومعة فإذا راهب أمره بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك قال فأخذ الوليد بقفاه ولم يزل يدفعه حتى أحدره منها ثم صعد الوليد على أعلا مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها الشاهد وأخذ أذيال قبائه وكان لونه أصفر سفرجليا فغرزها في المنطقة ثم اخذ فأسا في يده فضرب في أعلاه حجرا فألقاه وتبادر الأمراء إلى الهدم وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون وقد اجتمعوا هنالك فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رباح الغساني أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك ففعل ذلك وأمر نائبه على الخراج يزيد بن تميم بن حجر السلمي بإحضار اليهود ليساعدوا في هدم الكنيسة فجاءوا فكانوا كالفعلة ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة يزيد بن تميم هذا فهدم المسلمون واليهود والوليد جميع ما جددته النصارى في تربيع هذا المكان من المذابح والأبنية والحنايا حتى بقي صرحة مربعة ثم شرع في بنائه في فكرة جيدة على الضفة الحسنة الأنيقة التي لم يشهد مثلها قبلها على ما سنذكره ونشير إليه وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع والمهندسين

стр. 295

والفعلة وكان المستحث على عمارته أخوه بعده وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك ويقال إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام وغير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش وليخربن كل كنيسة في بلاده حتى كنيسة القدس وكنيسة الرها وسائر آثار الروم فبعث الملك صناعا كثيرة جدا وكتب إليه يقول له إن كان أبوه فهم هذا الذي تصنعه وتتركه فإنه لوصمة عليك وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت فإنه لوصمة عليك فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك واجتمع الناس عنده وكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله قال وما هو ويحك قال قوله تعالى (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابا لملك الروم ولما أراد الوليد بناء القبة التي في وسط الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها حفروا لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منها عذبا زلالا ثم إنهم وضعوا فيه جرار الكرم وبنوا فوقه بالحجارة فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت فقال الوليد لبعض المهندسين آمر لك أن تبن لي هذه القبة فقال على أن تعطيني عهد الله وميثاقه أن لا يبنيها أحد غيري ففعل فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري وغاب سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب فلما كان بعد السنة حضر فهم الوليد به فأخذه ومعه رؤوس الناس فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض فقال له من هذا أبيت ثم بناها فانعقدت وقال بعضهم أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد فقال له المعمار إنك لا تقدر على ذلك فضره خمسين صوتا وقال ويلك أنا أعجز عن ذلك قال نعم قال فبينا ذلك فأمر فأحضر من الذهب ما سبك منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب فقال يا أمير المؤمنين أنا أريد من هذا كذا وكذا ألف لبنة فإن كان عندك ما يكفي ذلك عملناه فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارا ولما سقف الوليد الجامع جعل لسقفه جملونات وباطنها مسطح مقرنص بالذهب فقال له بعض أهله أتعبت الناس بعدك في تطيين هذا المسجد كل عام فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعل عوض الطين ويكون أخف على السقف فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم فعازوا فإذا عند امرأة قناطير مقنطرة فساوموها فيه فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال اشتروه منها ولو بزنته فلما بدا له ذلك قالت أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله تعالى يكون في سقف هذا المسجد فكتبوا على ألواحها بطابع لله ويقال إنها كانت إسرائيلية وأنه كتب على الألواح التي أخذت منها الذي أعطتهم الإسرائيلية وقال محمد بن عائد سمعت المشايخ يقولون ما تم المسجد بدمشق إلا بأداء الأمانة لقد كان يفضل عند الرجل من القرمة بعنون الفعلة الفلس ورأس المسمار فيجيء حتى يضعه في الخزانة وقال بعض المشايخ بدمشق ليس بالجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس والباقي مرمر وقال بعضهم اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العامودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرة بن خالد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار وقال دحيم عن الوليد بن ملسم حدثنا مروان ابن جناح عن أبيه قال كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم وقال أبو قصي عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن عمرو بن مهاجر الأنصاري أهم حسبوا ما أنفق على الكرمة التي في قبة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار وقال أبو قصي انفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، قلت وذلك خمسة آلاف ألف دينار وستمائة ألف دينار وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار. قلت: فعلى هذا يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، والله أعلم.

стр. 296

قال أبو قصي وأتى الحرس إلى الوليد بن عبد الملك فقالوا يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق الوليد أموال بيت المال في غير حقها فنودي في الناس الصلاة جامعة فصعد المنبر وقال إنه بلغني عنكم كذا وكذا ثم قال عمرو بن مهاجر قم فأحضر أموال بيت المال فحملت على البغال وبسطت على الانطباع تحت القبة وفرغ عليها المال ذهبا وفضة حتى كان الرجل لا يرى من الجانب الآخر وجيء بالقبانيين وقبنت فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة وفي رواية ستة عشر سنة مستقبلة لو لم يدخل للناس فيه شيء بالكلية ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله على ذلك ثم قال الخليفة يا أهل دمشق إنكم تفتخرون على الناس بأربع بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع فحمدوا الله وانصرفوا شاكرين وذكروا أن أرضه كانت مفصصة كلها والرخام في جدرانه إلى قامات وفوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب وفوقها الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض قد صور بها ملاط ولا يتخلل بينهما الشعر وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين ويقال إن بانيها جعل لها أبوابا على أزاج مبنية بالحجارة في الأرض طول كل أزج عشرون ذراعا كل باب من حجر واحد يدور بلولب إذا طبق لم يعلم أنه باب والأزج الشرقي في ناحية الجنوب والأزج الغربي في ناحية المغرب يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت كل بيت منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة وكلها مقفلة بأقفال وحذاء كل بيت صنم من ذهب مجوف إحدى يديه على فيه وفي جبهته كتابة بالقلم المسند إذا قرئت انفتح فوه فيوجد فيه مفتاح ذلك القفل فيفتح به والقبط تزعم أنها والهرم الصغير الملون قبور فالهرم الشرقي فيه سوندير الملك والهرم الغربي فيه أخوه هوجيب والهرم الملون قبر صاب بن هرمس وإليه ينسبون على قول من زعم ذلك وهم يحجون إليها ويذبحون عندها الديكة ويزعمون أنهم يعرفون عند اضطرابها عند الذبح ما يريدون به من الأمور المغيبة ولم تزل همم الملوك قاصرة عن أن تعرف ما هذين الهرمين إلى أن ولي المأمون وورد مصر وأمر بفتح واحد منهما ففتح بعد عناء طويل وأنفق بسعادته المعينة له على تحصيل غرضه إلى أن فتح مكاناً يسلك منه إلى الغرض المطلوب وهو زلاقة ضيقة من الحجارة الصوان المانع الذي لا يعمل فيه الحديد بين حاجزين ملتصقين في الحائط قد نقرا في الزلاقة لئلا تزلق وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر ويقال إن أسفل البئر إيوانا يدخل منه إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب وانتهى بهم الطريق إلى مواضع مربع في وسطه حوض من رخام مغطى فلما أزيل عنه غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية قد أتت عليها العصور الخالية فأمر المأمون بالكف عما سواه. رأى بعض الفضلاء هذه الأهرام فقال كل بناء أخاف عليه من الدهر إلا هذا البناء فإني أخاف على الدهر منه. ومما قيل فيه من الشعر قول الفقيه عمارة اليمني: خليلي ما تحت السماء أبنية ... تماثل في إتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه وكلما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر وبالقرب من الأهرام صنم على صورة وجه إنسان تسميه العامة أبو الهول لعظمه ويقال إن اسمه بالقبطية بلهونه ويقال بلهيب وتزعم القبط أنه طلسم للرمل لئلا يغلب على أرض الجزيرة وعنده أحقاف من الرمال كأنها الجبال مما يلي الطين الإبليز.

стр. 297

ومن العجائب منارة إسكندرية وهي مبنية بحجارة مهندسة مضيبة بالرصاص على قناطر من زجاج والقناطر على ظهر سرطان من نحاس فيها نحو من ثلثمائة بيت تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت من داخلها وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر وبين أهل التاريخ خلاف فيمن بناها فزعم قوم أنها من بناء الإسكندر بن فيلبس المقدوني وزعم آخرون أنها من بناء دلوكاء ملكة مصر ويقال إنه كان على جانبه الشرقي كتابة وأنها نقلت فوجدت بنت هذه المنظرة قرثباء بنت مرسوس اليونانية لترصد الكواكب ويقال إن طولها كان ألف ذراع وفي أعلاها تماثيل من نحاس منها تمثال قد أشار بسبابته اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك يدور معها حيثما دارت ومنها تمثال وجهه إلى البحر متى صار العدو منهم على نحو من ليلة سمع له صوت هائل تعلم به أهل المدينة طروق العدو ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت صوتا مطربا ويقال إنه كان بأعلاها مرآة يرى منها قسطنطينية وبينهما عرض البحر وكلما جهز الروم جيشا رؤى فيها. وحكى المسعودي أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية وأنها تعد من بنيان العالم العجيب بناها بعض البطالمة من ملوك اليونان بعد الإسكندرية لما كان بينهم وبين الروم من الحرب في البر والبحر فجعلوا هذه المنارة مرقبا وجعلوا في أعاليها مرآة من الأحجار المشفة فيكشف بها مراكب العدو إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها فاحتال ملك الروم لما انتفع به المسلمون في مثل ذلك على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ خواصه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام على أنه راغب في الإسلام وأخرج كنوزا ودفائن كانت في الشام ما حمله على أنه صدقة أن تحت المنارة أموالا وأسلحة دفنها الإسكندر فجهز معه جماعة إلى الإسكندرية فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة ثم فطن الناس أنها كانت مكيدة منه واستشعر ذلك فهرب في مركب كانت له معدة ثم بنى ما هدم بالجص والآجر ثم قال المسعودي وطول هذه المنارة اليوم في هذا الوقت الذي وضع فيه هذا الكتاب وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ثلاثون ذراعا وكان طولها قديما نحو من أربعمائة ذراع وبناؤها في عصرنا ثلاثة أشكال فقريب من الثلث مربع مبني بحجارة بيض ثم بعد ذلك مثمن الشكل مبني بالآجر والجص نحو نيف وستين ذراعا وأعلاها مدور الشكل وكان أحمد بن طولون قد بنى في أعلاها قبة من الخشب ثم هدمت وبنى مكانها مسجدا في أيام الملك الكامل صاحب مصر ثم أن وجهها البحري تداعى وكاد أن ينقض فرمم وأصلح وكذلك الرصيف وذلك في أيام الملك الظاهر بيبرس ﵀. قلت ذكرت هنا ما أنشدنيه من لفظه لنفسه ومن خطه المرحوم الوزير فخر الدين ابن مكانس في صاحبه الشيخ سراج الدين القوصي السكندري يداعبه: يا ذا السراج اشتري أيرى فأنت به ... أولى وذلك للأمر الذي وجبا سكندري وتدعى بالسراج وذا ... مثل المنار إذا ما قام منتصبا وأنشدني من لفظه لنفسه سيدنا مولانا المقر المجدي فضل الله ولد المرحوم المشار إليه أولا أدام الله نعمته محاجيا وكتب إلى سيدنا ومولانا أوحد المتكلمين نادرة الدهر المقر الأشرف الأميني كاتب الأسرار الشريفة بدمشق المحروسة أسبغ الله ظلاله: يا من سمى قدره نحو النجوم علا ... فأوقع الضد قسرا في مهالكه ما بلدة أن تحاجي في اسمها فطنا ... مصحفا قلت يشكو مكر مالكه فكتب إليه الجواب الجناب المشار إليه: أحجية بديعة أن صحفوا ... خمسة أجزاء لها على قدر وعكسوا باقيها وقدموا ... فإنما هي طفلة كقمر

стр. 298

قلت: هذه الطريقة غريبة جدا ووجه الحل فيها أن يأتي بالمرادف ثم يصحفه فيكون المقصود ومثاله في قول المقر المجدي يشكو مكر مالكه فإن مرادف يشكو يبث ومرادف مكر كيد ومرادف مالكه ربه فيصير مجموع ذلك يبث كيد ربه فإذا صحفت هذه الكلمات تجدها سكندرية وهي البلدة المعمى بها فأفهمه وأما الثانية فقوله فإنما هي طفلة كقمر فالمراد أن مرادف طفلة بنت ومرادف كقمر كبدر فيحصل من ذلك بنت كبدر ثم تضيف إلى ذلك معكوس هي وهويه فإذا صحفت جميعه وجدته سكندرية وهذا من المعمى الغريب ولم يحلها أحد من متأدبي دمشق والقاهرة غير سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني أعز الله أحكامه وذلك بتاريخ سنة ست وتسعين وسبعمائة وأنا بالقاهرة المحروسة. رجعنا إلى ما كنا بصدده ومما قيل في المنارة من الشعر قول الوجيه الدوري: وشامية الأرجاء تهدي أخا السرى ... ضياء إذا ما حندس الليل أظلما لبست بها بردا من الأنس صافيا ... فكان بتذكار الأحبة معلما وقد طلبتني من ذراها بقية ... ألاحظ فيها من صحابي أنجما تخيلت أن البحر تحت غمامة ... وأني قد خيمت في كبد السما وللقاضي الفاضل لوصفه بيت المقدس من الرخام الذي يطرد ماؤه ولا ينطرد لآلائه قد لطف الحديد في تجريعه وتفنن في توسيعه إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد كالذهب الذي فيه نعيم عتيد فما ترى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق وعمد كالأشجار لها من النبت أوراق. وقال أبو عبادة البحتري يصف قصرا بناه المتوكل يسر من رأى وسماه الكامل: غرف من ميادن فيه دنيا ... يوجب الله فيه أجر الإمام شوقنا إلى الجنان فزدنا ... في اجتناب الذنوب والآثام وله يصف قصرا آخر بناه المتوكل وسماه الجعفري: قد تم حسن الجعفري ولم يكن ... ليتم إلا بالخليفة جعفر ملك تبوأ خير دار أسست ... في خير بدو للأمام ومحضر في خيره مشرفة حصاها لؤلؤ ... مبيضة والليل ليس بمقمر رفعت بمنخرق الرياح وجاوزت ... ظل الغمام الصيب المستعبر وهذان القصران من جملة قصور بناها المتوكل وهي بركوانا والعروس والبركة والجوسق والمختار والغريب والبديع والصبيح والمليح والقصر والبرج والمتوكلية والقلايا. حكى المؤرخون أنه أنفق في بنائها مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم ومنها ذهب بصرف الوقت مع ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة ألف وخمسة وعشرون ألف دينار وكان البرج من أحسنها وكانت فيه صور عظيمة من الذهب والفضة وبركة عظيمة غشي ظاهرها وباطنها بصفايح الفضة وجعل عليها شجرة ذهب فيها كل طائر يصوت ويصفر سماه طوبى بلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف وستمائة ألف دينار.

стр. 299

ومن المباني العظيمة جامع دمشق ذكر الشيخ عماد الدين بن كثير في تاريخه البداية والنهاية وفي سنة ست وتسعين م الهجرة تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق المحروسة على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه الله عن المسلمين خيرا وكان أصل موضع الجامع قديما معبد بنته اليونان والكلدانيون الذين كانو يعمرون دمشق وهم وضعوها أول ما بنيت وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيزة وكانت أبواب دمشق سبعة وهي القمر الذي في سماء الدنيا وعطارد في السماء الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة وكانوا قد صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا للكواكب من هذه الكواكب السبعة وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدا لذلك وكان لهم عند كل باب عيد في السنة وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارناتها وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد بين هذين الجبلين وصرفوه أنهارا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة وسلكوا الماء إليها في أفنية الدور وبنوا هذا المعبد وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي فكانت محاربته تجاه الشمال وبابه يفتح إلى جهة القبلة خلف المحراب اليوم كما شاهدنا ذلك عيانا وهو باب حسن من الحجارة المنحوتة وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه وكان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد وشرقيه قصر حيزون داران يكونان لمن تملك دمشق قديما ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة يحيط بالجميع سور واحد وهي دار المطبخ ودار الخيل ودار كانت تكون مكان الخضر التي بناها معاوية.

стр. 300

قال الحافظ بن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل أنهم مكثوا يأخذون الطالع لبناء هذه الأماكن ثماني عشرة سنة وقد حفروا أساس الجدران حتى أتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن المسجد لا يخرب أبدا ولا يخلو من العبادة، قال كعب الأحبار وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار التملك والسلطنة قال الشيخ أما المعبد فلم يخل من العبادة قال كعب الأحبار ولا يخلو حتى تقوم الساعة والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرنا بدمشق مددا طويلة تزيد عن أربعة آلاف سنة حتى يقال إن أول من بنى جدران هذا الجاع الأربعة هود ﵇ وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدة طويلة وقد ورد إبراهيم ﵇ شمالي دمشق عند برزة وقاتل قوما من أعدائه فظفر بهم وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة وهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان وهم خصماء الخليل وقد ناظرهم الخليل في غير موضع في عبادتهم الكواكب كما قررنا ذلك في التفسير وفي قصة إبراهيم الخليل ﵇ والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من حوران وغيرها البنايات الغريبة العجيبة حتى كان بعد المسيح ﵇ بمدة نحو من ثلاثمائة سنة فتنصرت أهل الشام على يد قنيطين بن قسطنطين الذي بنى المدينة المشهورة في بلاد الروم وهو الذي وضع لهم القرابين ووضعت بتاركة النصارى له دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية ممزوجا بشيء من عبدة الأوثان وصلوا إلى المشرق وزادوا في الصيام وأحلوا الخنزير وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون وهي في الحقيقة خيانة كبيرة وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه وبنى لهم هذا الملك الذي تنسب إليه الطائف الملكية منهم كنائس كثيرة بدمشق وغيرها حتى يقال إنه بنى في زمانه اثنتي عشر ألف كنيسة من ذلك كنيسة بيت نجم ومن ذلك قمامه بنتها هيلانة الفندقانية والمقصود أنهم حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظما عند اليونان فجعلوه كنيسة وبنوا له المذابح في شرقية وسموها كنيسة مرتحيا ومنهم من يقول كنيسة يوحنا وبنوا بدمشق كنائس غيرها مستأنفة واستمر النصارى على دينهم هذا بدمشق وغيرها نحو ثلاثمائة سنة حتى بعث الله محمدا ﷺ وكان من شأنه ﷺ ما ذكرنا بعضه في كتاب السيرة وقد بعث ﷺ إلى ملك الروم في زمانه وهو قيصر ذلك الوقت واسمه هرقل يدعوه إلى الله فكان من مراجعته ومخاطبته لأبي سفيان صخر بن حرب ما تقدم ثم بعث ﷺ أمراءه الثلاثة: زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة إلى البلقاء نحو الشام فبعث الروم إليهم جيشا كبيرا فقتلوا هؤلاء الثلاثة وجماعة ممن معهم فعزمصلى الله عليه وسلم على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك ثم رجع ﷺ عامه ذلك لشدة الحر. ابن سناء الملك من قصيدة صلاحية: كل القلاع تروم السحب في صعد ... إلا العواصم تبغي السحب في صبب لو رامها النجم لم يظفر ببغيته ... ولو رماها بقوس الأفق لم يصب ملقى إذا عطشت والبرق أرسية ... كواكب الدلو في بئر من السحب جليسة النجم في أعلا مراتبه ... وطالما غاب عنها وهي لم تغب شهاب الدين بن حجر: أهوى الجلوس بمقعد الصدق الذي ... فرشت به بسط الزهور وزخرفا حفت به أيدي السعود وأبصرت ... عيني به طير المسرة رفرفا ذكر أبو عبد الله بكر بن عياش كاتب المنصور أبي يوسف يعقوب قال كان لأبي بكر محمد بن مجير وفادة على المنصور في كل سنة فصادف المنصور في إحدى وفاداته فراغه من أحداث المقصورة التي كان أحداثها بجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع لخروجه وتخفض لدخوله وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعار أنشدوها إياه في ذلك فلم يزيدوا على شكره وتجرئته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره ولم يكن فيهم من تصدى إلى وصف الحال حتى قام أبو بكر بن مجير فأنشد قصيدته التي أولها: أعلمتني ألقي عصا السيار ... في بلدة ليست بدار قرار

стр. 301

واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها: طورا تكون بمن حوته محيطة ... فكأنها سوراً من الأسوار وتكون طوراً عنهم مخبية ... فكأنها ستر من الأستار وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار فإذا أحست بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوار يبدو فنبدو ثم تخفى بعده ... كتكوّن الهالات بالأقمار فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاختراعها والتفت إلى الجراوي وكان يعلم قلة تلسيمه لأبي بكر وكثرة غضبه منه فقال سلم له الجر ثم أنشده إذا لم تستطع شيئا فدعه قال أبو عبد الله بن عياش فخرج أبو بكر بن مجير والشعراء يومئذ يلومونه إن لم تكن أول منشد لا تخفى أشعارهم وتستر أعوارهم. السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي الآمدي: وحصن قد أناف برأس هضب ... منيف ذاهب في الجو سامي تنفس في مرآة الأفق حتى ... كسا فولادها صدأ الغمام محيي الدين بن عبد الظاهر يصف الجامع الأموي في ليلة نصف شعبان وإيقاده حيث لا تلمع الأعين مصباحا وتود أنها لا ترى لتلك الليالي صباحا إذ تمنطقت أركانه في اللهب بمناطق الذهب وبدت أشعتها في صفائه كما يبدو في الكأس وحاشاه الحبب لاسيما في ليلة النصف التي كم رفرف عليها النعيم وكم خدها إلا من النسيم: كم للناس فيها لاح بدر ... يروق العين منظره الوسيم بدا وبدا الوقود فقلت بدر ... لخدمته ترجلت النجوم كم أضاء بوجهه ديحور وكم انعكست أشعة تلك الأضواء على وجهه المنير فكانت نورا على نور: في خده للورى ربيع ... ونصف شعبان في فؤادي أو كما قال الآخر: وحلت مناطق خصره فكأنه ... شعبان كل حلاوة في نصفه من كلام الأخ الحبيب أبي بكر بن حجة وأوميت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع وتمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات الشحرية وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت تلك الشذور الذهبية وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زهى بالبساط والكرسي وقت هذا ملك فاز من وقف في خدمته خائفا وشقي من لم يدس بساطه ويأتيه طائعا ومن الكلام الفاضلي قلعة تحسر العيون أن تتقضاها ويتوعر الأمل أن يترقاها قد ضربت فوق الجبل جرائها ولبست قبة النجوم ويحق فإنها ما برحت جيرانها وتطلعت للناظرين سحابة إلا أنها عزت أن تكون السماء عنانها. الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطان روي أن النبي ﷺ سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تستنشق ريحها وتطرحه في الماء إذا شربته وهكذا كان المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتدواى به ولما غزا اسفندبار بلاد الخرز اعتل بها فقيل له ما تشتهي قال شربة من دجلة وشميما من تراب اصطخر فأتي به بعد أيام بماء وقبضة من تراب وقيل له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنقه من علته . القاضي الفاضل: بالله قل للنيل عني أنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... أن كان طرفي بالبكاء بخيلا قال الأصمعي: يا قلب كم خلفت ثم بثنية ... وأظن صبرك أن تكون جميلا

стр. 302

دخلت البادية فنزلت على بعض الأعراب فقلت أفدني فقال إذا شئت أن تعرف وفاء الرجل وحسن عهده وكرم أخلاقه وطهارة مولده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه ولما أشرف الإسكندر على الموت أوصى أن يحمل في تابوت ذهب إلى بلد الروم حبا في وطنه ولما أدركت يوسف ﵇ الوفاة أوصى أن يحمل إلى مقابر آبائه فمنع أهل مصر أولياءه فلما بعث الله موسى ﵇ وأهلك فرعون حمله إلى مقابرهم فقبره ﵇ بأرض المقدس وروي أن أبان قدم على رسول الله ﷺ المدينة فقال له يا أبان كيف تركت مكة قال تركتهم وقد حيدوا وتركت الأذخر وقد أغدق وتركت الثمام وقد خاص فاغرورقت عينا رسول الله ﷺ وقيل لأعرابي أتشتاق إلى وطنك قال كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ورضيع غمامها: وكنا ألفناه ولم تك مألفا ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن كما تؤلف الأرض التي لم يطلب بها ... هواء ولا ماء ولكنها وطن آخر: طيب الهواء ببغداد يؤرقني ... شوقا إليها وإن عاقت مقادير فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعت ... طيب الهواء بين ممدود ومقصور ذكرت بهذين البيتين ما أنشدنيه من لفظه لنفسه الوزير العلامة فخر الدين بن مكانس وهو من مخترعاته: إن الهوائين يا معشوق قد عبثا ... بالروح والجسم في سر وفي علن فالروح تكفيك بالمدود قد تلفت ... والجسم حوشيت بالمقصور فيك فني وقال الشيخ بدر الدين الدماميني: أقول لمهجتي كم ذا ألاقي ... من البلوى بظبي فيك قاسي أذكره بأشجاني فينسى ... فأفديه غزالا في كناس أعرابي: وتشكو إلى الدار فرقة أهلها ... وبي مثل ما بالدار من فرقة الأهل سلميان المحاربي: إذا لم تكن ليلى بنجد تغيرت ... بشاشة دنيا أهل نجد وطيبها آخر: فما أحسن الدنيا وفي الدار خالد ... وأقبحها لما تجهز غازيا ذو الرمة: وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه بشار: وقفت بها صحبي تطلب عراصها ... بدمعي وأنفاسي براح وتمطر آخر: منازل لم تنظر بها العين نظرة ... فتقلع إلا عن دموعي سواكب البحتري: أرى بين ملتف الآراك منازلا ... موائل لو كانت مهاها موائلا فكن مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعداً عنهن إن كنت عاذلا الوائلي وهو أحسن ما قيل فيه: سقيت ربوع الظاعنين فإنه ... غنى لك عن ما العيون الهواطل ولمؤلفه: وقفنا بربع الحب والحب راحل ... نحاول رجعاه لنا ونحاول وألقت دموع العين فيه سائلا ... لها من عبارات الغرام دلائل إذا نفحة الأحباب منها تقسمت ... تطيب بها أسحارنا والأصائل تثير غرامي ساجعات غصونها ... فمنها على الحالين هاجت بلابل مراتع إلا في مرابع لذاتي ... مطالع أقماري بها والمنازل قال ابن حمديس الصقلي: ذكرت صقلية والأسى ... يهيج للقلب تذكارها فإن كنت أخرجت من الجنة ... فإني أحدث أخبارى ولولا ملوحة ماء البكا ... حسبت دموعي أنهارها الكفيك لما فارق بغداد: لهفي على بغداد من بلدة ... كانت من الأسقام لي جنة كأنني عند فراقي لها ... آدم لما فارق الجنة القاضي عبد الوهاب المالكي: سلام على بغداد مني تحية ... وحق لها من السلام المضاعف لعمرك ما فارقتها قاليا لها ... وإني بشط جانبيها العارف ولكنها ضاقت على برحبها ... ولم تكن الأقدار ممن يساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوّه ... وتأتي به أخلاقه فيخالف وللعلامة ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب عند فراقه الأندلس في واقعته المشهورة: أموطني الذي أزعجت عنه ... ولم أرزي به مال ولا دم لئن أزعجت عنك بغير قصد قصد ... فقبلي فارق الفردوس آدم وقال ابن الرومي: بلد صحبت بها الشبيبة والصبى ... ولبست ثوب العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد

стр. 303

قال علي بن عبد الكريم الصبي تأني ابن الرومي بقصيدته التي مدح بها سليمان بن عبد الله بن ظاهر وقال أنصفني وقال الحق أيما حسن قولي في الوطن: ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فجنوا لذلكا أم قول الأعرابي: أحب بلاد الله ما بين مدعج ... إلي وسلمى أن يصوب غمامها بلاد بها عشق الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ركامها فقلت بل قولك لأنه ذكر المواطن وحببها وأنت ذكرت العلة في ذلك. وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة من رسالة كتبها إلى السيد زين الدين عمر الجعفري خطيب جامع التوبة بدمشق وينهى بعده الذي أضرم من شوقه الشهابي تارة وأخلى من زكاته لحجلية مطاره وتركه ملقى في الصهريج كأنه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة فلا بد والحالة هذه من آه على دمشق التي هي جنة من تاه وباهى وجيران جيرونها إلى أغار داء لسان الحب سماها: فما قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها غيره: فيا وطني إن فاتني بك سالف ... من الدهر فلينعم لساكنك البال أي والله طالما حن الملوك إليها وأنشد ودمعه كالمطر سلام الله يا مطر عليها: مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصبا ومقلتي سماؤه وقال الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا فسح الله في أجله ونقلتهما من خطه: خليليّ إن وافيتما الشام ضحوة ... وعاينتما الشقراء والغوطة الخضرا قفا واقرآ عني سلاما كتبته ... بدمعي على مقري ولا تنسيا مطرا يكتب أبياته الرائية: يا صاحبيّ إذا الثنايا أشرقت ... ولمحتما منها ثغور أزاهر استنشقا ذاك النسيم فإنه ... مما تحمل من شمائل هاجر وقال الشيخ شرف الدين بن عنين: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وظلك يا مقري علي ظليل وهل أريني بعدما شطت النوى ... ولي في ذرى روض هناك مقيل دمشق فبي شوق إليها مبرح ... وإن لج واش أو ألح عذول بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل ولما خرج الرشيد إلى أخذ أخته علية معه فلما صارت بالمرج عملت شعرا وصاغت فيه لحنا من الرمل وكتبت الأبيات ليلا على بعض الفساطيط في طريق الرشيد فلما دخل مضرب الحرم يصر به فقرأه فإذا هو: ومغترب بالمرج يشكو شجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنشق تستشفى برائحة القرب فلما قرأه علم أنه من فعل علية وإنها قد اشتاقت إلى العراق وإلى أهلها فأمر بردها. الوليد بن زيدون يتشوق إلى مكان يدعى بالزهراء وكان اجتماعه وولادة محبوبته: إني ذكرتك في الزهراء مشتاقا ... والأفق طلق مرأى الروض قد راقا وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما حللت عن اللبات أطواقا لا أسكن الله قلبا عن تذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا لو شاء حملي نسيم الريح حين سرى ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقا فالىن أحمد ما كنا بعدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا وقال الشيخ مهذب الدين أبو الفرج عبد الله بن أسعد الموصلي الشافعي الدهان ﵀ يتشوق إلى دمشق المحروسة: سقى دمشق وأياما مضت فيها ... مواطر السحب ساريها وغاديها من كل أدهم صهال له شية ... صفراء يسترها طورا ويبديها ولا يزال جنين النبت ترضعه ... حوامل المزن في أحشاء أرضيها فما قضى حبه قلبي لسربها ... ولا قضى نحبه ودي لواديها ولا تسليت عن سلسال ربوتها ... ولا نسيت بيتي جار جاريها كأن أنهارها ماضي ظبا حشيت ... خناجرا من لجين في حواشيها وأهالها حين حلى الغيث عاطلها ... مكللاً واكتسى الأوراق عاريها وحاك في الأرض صوب المزن مخمله ... ينيرها بغواديه ويسديها

стр. 304

ديباجة لم تدع حسنا مفوقها ... إلا أتاه وما أبقى مواشيها ترنو إليك بعين النور ضاحكة ... إذ بات عين من الوسميّ يبكيها والدوح ربا لها ريا قد اكتملت ... شبابها حين ما شابت نواصيها نشوى تغني لها ورق الحمام على ... أوراقها ويد الأنواء تسقيها صفا لها الشرب فاخضرت أسافلها ... حتى صفا الظل فابيضت أعاليها وصفق النهر والأغصان قد رقصت ... فنقطته بدر من تراقيها كأنما رقصها أو هي قلائدها ... وخانها النظم فانتالت لآليها وأعين الماء قد أجرت سواقيها ... والأعين النخل قد جارت سواقيها وقابل الغصن غصن مثله وشدت ... أقمارها فأجابتها قماريها فللحاظ وللأسماع ما اقترحت ... من وجه شادنها أو صوت شاديها إذا العزيمة عن فرط الغرام ثنت ... قلبا تثني له غصن فيثنيها ريم إذا جلبت حسنا ولواحظه ... للنفس حتى بخديه فيحييها جناية طرفه المحور جانبها ... وآس عارضه المخضر آسيها تقبل الكأس خجلى كلما شرعت ... في ماء فيه فقاسته بما فيها أشتاق عيشي بها قدما فتذكرني ... أيامي السود بيضا في لياليها ونحن في جنة لا ذاق ساكنها ... بؤساً ولا عرفت بأساً مغانياها سماء دوح تردّ الشمس صاغرة ... عنا وتبدي نجوماً من نواحيها ترى النجوم بها من كل ناحية ... ممدودة كنجوم الزهر أيديها إذا الغصون مززناها لنيل جنى ... صارت كواكبها حصباً أراضيها من كل صفراء مثل الماء يانعة ... كأنها جمر نار في تلظيها شهية الطعم تحلو عند أكلها ... بهية اللون تحلى عند رائيها يا ليت شعري عل بعداء ذاكرتي ... عصابة لست طول الدهر ناسيها عندي أحاديث وجد بعد بعدهم ... أظل أجحدها والعين ترويها كم لي بها صاحب عندي له نعم ... كثيرة وإياد لا أؤديها فارقته غير مختار فصاحبني ... صبابة منه تخفيني وأخفيها رضيت بالكتب بعد القرب فانقطعت ... حنى رضيت سلاماً في حواشيها أن يعلني غير ذي فضل فلا عجب ... يسمى على سابقات الخيل هانيها والماء يعلوه أقداؤها رجل ... أخفى الكواكب نوراً وهو عليها لو كان جد بحد ما تقدمني ... عصابة قصرت عني مساعيها ما في خمولي من عار على أدبي ... بل ذاك عار على الدنيا وما فيها الأديب الفاضل الكامل صفوان بن أدريس المريسي يتشوق إلى مرسيه وطنه: لعل رسول البرق يغنم الأجرا ... فينثر عني ماء عبرته نثرا معاملة أربو بها غير مذنب ... فأقضيه دمع العين عن نقطة بحرا ليسقي من تدمير قطرا محببا ... يقر بعين القطرات يشرب القطرا وتقرضه دون اللجين وإنما ... توفيه عيني من مدامعها تترا وما ذاك تقصير به غير انه ... سجية ماء البحر أن يروى الزهرا خليلي قوما فاحسبا طرق الصبا ... مخافة أن يحمي بزفرتي الحرا فإن الصباريح عليّ كريمة ... بآية ما يجري من الجنة الصغرى خليلي أعني أرض مرسيه المنى ... ولولا توخي الصدق سميتها الكبرى ووكري الذي منه درجت فليتني ... فجعت بريش العزم كي الزم الوكرا وما روضة الخضراء قد مثلت بها ... مجرتها نهراً وأنجمها زهرا بأبهج منها والخليج مجرة ... وقد فضحت أزهار ساحتها الزهرا هنالك بين الغصن والقطر والصبا ... وزهر الربى ولدت آدابي الغرا إذا نظم الغصن الحيا قال خاطري ... تعلم نظام النثر من ههنا شعرا وإن نثرت ريح الصبا زهر الربى ... تعلمت حل الشعر تسكبه نثرا فوائد أشجار هناك اقتبسها ... ولم أر روضا غيره يقرؤ السحرا كأن هزيز الريح يمدح روضها ... فملأ فاها من أزاهيره درا أيا رتعات الحسن هل فيك نظرة ... من الجرف الأعلى إلى السكة الغرا فانظر من هذي لتلك كأنني ... أغير إذا غازلتها أختها الأخرى هي الكاعب الحسناء تمم حسنها ... وقدت لها أوراقها حلالا خضرا إذا خطبت أعطت دراهم زهرها ... وما عادة الحسناء أن تنقد المهرا

стр. 305

وقامت بعرس الأنس قينة أيكها ... أغاريدها تسترقص الغصن النضرا ول في خليج بلبس الحوت درعه ... ولكنه لا يستطيع بها نصرا إذا ما بدا فيها الهلال رأيته ... كصفحة سيف وسمها نبعة صفرا وإن لاح فيها البدر شبهت متنه ... بسطر لجين ضم من ذهب عشرا وفي جرفي روض هناك تجافيا ... لنهر تود الأفق لو زاره فجرا كأنهما خلان صفيا معاً وقد ... بكيا من رقة ذلك الهرا وكم بأبيات الحديد عشية ... من الأنس ما فيه سوى أنه مرا عيانا كأن الدهر عض بحينها ... فاحلت بساط البرق أفراسها الثغرة عليهن أجرى خليل دمعي بوجنتي ... إذا ركبت حمرا يادينها الصفرا أعهدي بالفرش المنعم دوحه ... سقتك دموعي إنها مزنة شكرا فكم فيك من يوم أغر محجل ... نقضت أمانيه فحليتها ذكرا على مذنب كالبحر من فرط حسنه ... تود الثريا أن يكون لها نحرا سقت أدمعي والقطر أيهما انبرى ... بقا الرملة البيضاء فالنهر فالجسرا وإخوان صدق لو قصدت حقوقهم ... لما فارقت عيني وجوههم الزهرا ولو كنت أقضي حق نفسي ولم أكن ... لما بت استجلي فراقهم المرا وما اخترت هذا البعد إلا ضرورة ... وهل تسجر العين أن تفقد السفرا قضى الله أن تنأى بي الدار عنهم ... أراد بذاك الله أن أعتب الدهر ووالله لو نلت المنى ما حمدتها ... وما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا أيانس باللذات قلبي ودونهم ... مرام بحد الركب في طيها شهرا فديتهم بانوا وضنو بكتبهم ... ولا خبرا منهم لقيت ولا خبرا ولولا علا هماتهم لعنيتهم ... ولكن عراب لخيل لا تحمل الزجرا ضربت غبار البيد في مهرق السرى ... بحيث جعلت الليل في ضربه حبرا وحققت ذاك الضرب جمعاً وعدة ... وطرحاً وتجميلاً فأخرج لي صفرا كأن زماني حاسب متعسف ... يطارحني كسراً أما يحسن الجبرا ولست وإن طاشت سهامي يائس ... فإن مع العسر الذي لم يبق يسرا ولمؤلفه عفا الله عنه: تذكرت أوطاني ويا حبذا الذكرى ... لتلك القصور البيض والربوة الخضرا وأشجار واديها وبهجة جنسكها ... وقد نقرا الشج ورفى دفه نقرا وتجعيد ذاك الما وميل غصونه ... فهذا به كسر وهذا به سكرى وما أحسن الميعاد ممن تحبه ... بمقسمه الأسنى وليلته القمرا إذ الناس في هرج ومرج بلهوهم ... وقلبي بمن أهواه في بلدة أخرى ترى كل حزب لاهياص بسروره ... وكل له شغل به قد غدا مغزي إذا اصبحوا هزوا الشمائل بالندا ... فينظر منه فوق أعطافهم درا كرام إذا ولو طار نداهم ... وللبائس المسكين يبغي به الأجرا فآه على تلك العشايا وطيبها ... وآه على حلو الزمان الذي مرا فيا عاشق المعشوق لا تبد سلوة ... عن المزة الفيحاء والجبهة الغرا إذا زرع اللوان وأخضر أرضه ... فلا تذكروا مصر ولا تذكروا الأهرا ويا من يجاري أو يضاهي بغيرها ... تأمل فذا الميدان دونك والشقرا خليلي أحيا من ذكرت ومنزلي ... بعيشكما قولا قفا نبك من ذكرى ولمؤلفه أيضاً يرثي دمشق المظلومة ويصف ما جرى بها من التيار في سنة ثلاث وثمانمائة: أجريت جمر الدمع من أجفاني ... حزناً على الشقراء والميدان وتلاعبت أهدابها بمدامعي ... لعب المكأة بأرؤس الفرسان وتوقدت نيران حزني إذ رأت ... تلك الربوع مواقد النيران لهفي على تلك البروج وحسنها ... حفت بهن طوارق الحدثان لهفي على وادي دمشق ولطفه ... وتبدل الغزلان بالثيران نزلوا ظلال الدوح فلا تسل ... ما حل بالأغصان والكثبان سقطت غصون البان من قاماتها ... لما سمعن نواعق الغربان وشكا الحريق فؤادها لما رأت ... نور المنازل أبدلت بدخان جناتها في الماء منها أضرمت ... فعجبت للجنات في النيران كانت معاصم نهرها فضية ... والآن صرن كذائب العقبان ماذاك إلا تركهم فبحت بها ... فتخضبت منها بأحمر قان

стр. 306

كرهت جداولها حوافز خيلهم ... فتسابقت هرباً كخيل رهان خافت خدود الأرض من أفعالهم ... فتمثلت بعوارض الريحان أذكيت نار الصدر يا ورقاؤها ... وتأثرت بلواعج الأشجان تبكي على غصن وأندب قامة ... فجميعنا نبكي على الأغصان واحسرتاه على دمشق وقولها ... سبحان من بالمغل قد أبلان عاداني الدهر الخئون بمغله ... والعجم منه وقبلهم غازاني فعساك تأخذ ثأرها من مغلهم ... بالحل ثالث سبعة وثمان لو عاينت عيناك جامع تنكز ... والبركتين بحسنها الفتان وتعطش المرحين من أورادها ... وتهدم المحراب والإيوان لأتت جفونك بالدموع ملوناً ... دمعاً حكى اللؤلؤ على المرجان قطرات جفن ترجمت عن حرقتي ... فكائهن قلائد العقبان أبني أمية أين عين وليدكم ... والمغل تفتل في ذرى الأركان شربوا الخمور بصحنه حتى انتشوا ... ألقوا عرابدهم على النسوان لم يرحموا طفلاً بكى فقلوبهم ... في الفتك صخر لا أبو سفيان قصوا جناح النسر بعد نهوضه ... يا ليته لو فاز بالطيران ألواحه أجرت دموعي أسطرا ... كتبت على اللوحين من أجفاني إن أنكروا يوم الحساب فعالهم ... فشهيدنا عثمان ذو القرآن لهفي على كتب العلوم ودرسها ... صارت معانيها بغير بيان أعروسنا لك أسوة بحماتنا ... في ذا المصاب فأنتما أختان غابت بدور الحسن عن هالاتها ... فاستبدلت من غرها بهوان ناحت نواعير الرياض لفقدهم ... فكأنها الأفلاك في الدوران شتتهم أيدي سبايا دهرنا ... وتلوت آي الجمع بالفرقان حزني على الشهباء قبل حماتنا ... هو أول وهي المحل الثاني لا تدع الأحزان يا شقراءنا ... السبق للشهباء في الأحزان رتعت كلاب المغل في غزلانها ... وتحكمت في الحور والولدان لهفي على تلك الشعور وطولها ... جرت بها الأعناق كالارسان لهفي عليك محاسناً لهفي علي? ... ?ك عرائساً لهفي عليك مغاني لهفي عليك منازلاً ومنازها ... ومقام فردوس وباب جنان إن قال لحظي قال سيفي ضارب ... أو قال طرفي قال حد سنان أدمشق آهاتي عليك كثيرة ... كالدمع في جفن الكئيب العاني حسراتها لا تنقضي من خاطري ... هي شغل أفكاري ونصب عياني لي انه لي حرقة لي لهفة ... لي حسرة لي لوعة وكفاني أمنازل الأحباب كيف تبدلت ... تلك الربى بمقاتل الفرسان إن لم أسل ماء العيون مجارياً ... ماء الغمام بها فما أجفاني لا تنه جفن الصب في جريانه ... دعني وشانك يا غمام وشأني العين والإنسان قد فقدا معاً ... لأبكيك يا عيني ويا إنساني لم ادر من أبكي وأندب حسرة ... للقصر للشرفين للميدان للجبهة الغراء أم خلخالها ... للمزة الفيحاء أم للوان لا يحجر المشتاق عن تذكارها ... يا حاجري بالظلم والعدوان شوّق بها قلبي أقل لك منشدا ... لك أن تشوقني إلى الأوطان وإذا أتيت بما جرى في ربعها ... فعليّ أن ابكي بدمع قاني ما كان أهنى العيش في ساحاتها ... والدار داري والزمان زماني أسفي على أيامها لا تنقضي ... ما كان أهناها وما أهناني أيام لا ماء السرور مكدر ... أرعى نضير العيش بل يرعاني ولقد وقفت على ربوع حبائبي ... فندبتهن نوادب الأحزان ولقد وقفت على الديار منادياً ... بلسان مغترب وعبرة عاني يا دار أين حبائبي أجابتني ... عنها الحريق بألسن النيران حكم القضا فيهم ونفذ حكمه ... فتشتتوا فرقاً بكل مكان يا رب لم شتاتهم بمحمد ... سر الوجود وبهجة الأكوان إن لم نلذ في أمرنا بجنانه ... فبمن يلوذ ويستجير الجاني أترى الإله مؤيداً سلطاننا ... حتى أقول وعشت بالسلطان يا رب فعل الذنب أصل بلائنا ... فاصفح وجد للذنب بالغفران واغسل بماء إلا من وجه رجائنا ... واصرف بفضلك حاضر الطغيان واجمع على جسماننا أرواحها ... يا جامع الأرواح بالجسمان

стр. 307

تقي الدين السروجي يقول: وافي رضيع النبت من ذاك الحمى ... نجياً تدور على الربى كاساته سفح سفحت عليه دمعي في ثرى ... كالمسك ضاع من الفتاة فتاته وفي المثل لولا حب الوطن لخرب بلد السوء الكريم يحن إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابة، وما ارق قول مزار بن هباش الطائي: سقى الله أطلالا بالية الحمى ... وإن كن قد أبدين للناس ما بيا منازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال صداها حاملاً أنزلا بيا لسان الدين بن الخطيب: ياجنة فارقت من غرفاتها ... دار القرار بما اقتضته ذنوبي أسفي على ما ضاع من خطي بها ... لاتنقضي زفراته ونحيبي إن أشرقت شمس شرقت بعبرتي ... وتفيض في وقت الغروب غروب حتى لقد علمت ساجعة الضحى ... شجوى وجانحة الأصيل شجوني وشهادة الإخلاص توجب رجعتي ... لنعيمها من غير مس لغوب وله: سلام على تلك المعاهد إنها ... مراتع الأوفى وعهد صحابي ويأنسة العهد أنعمي فلطالما ... سكبت على مثواك ماء شبابي أنشدني صاحبنا الأعز الشيخ محمد الأندلسي الخياط رحمه الله تعالى قال أنشدني الشيخ شمس الدين أبو عبد الله المشرقي ﵀: اشتاق الغرب وأصبوا إلي ... معاهد فيها وعصر الصبا يا صاحبي نحواي والليل قد ... أرخى جلابيب الدجى وأحتبا لا تعجباً من ناظر ساهد ... بات يراعي أنجما غيبا القلب في آثارها طائر ... لما رآها تقصد المغربا ورد عليّ من سيدي وأخي الجناب الشهابي بن حجر أعزه الله تعالى كتاب من مكة المشرفة إلى دمشق المحروسة وفي أثنائه من متجدداته: أسر غرامي من عزول وحاسد ... فاعلان صبري لا يشابه أسراري بليت بمن لم يدر مقدار صبوتي ... فهو لهفي بعد الرحيل على الداري نقلت من كتاب فوات الوفيات تأليف صلاح الدين الكتبي في ترجمة طراد بن علي بن عبد العزيز أبي فراس السلمي الدمشقي الكاتب المعروف بالبديع مات متولي مصر سنة أربع وعشرين وخمسمائة: يا نسيناً هب مسكاً عبقاً ... هذه أنفاس ريا جلقا كف عني والهوى ما زادني ... برد أنفاسك إلا حرقا ليت شعري نقضوا أحبابنا ... يا حبيب النفس ذاك الموثقا يا رباح الشوق نحوهم ... عارضاً من سحب عيني غدقا وانثري عقد دموعي طالما ... كان منظوماً بأيام اللقا واشتهرت هذه الأبيات وغنى بها المغنون، قال بعضهم: مررت يوماً بشوارع القاهرة وقد ظهرت جمال كثيرة حمولها تفاح من الشام فعبقت روايح تلك الحمول فأكثرت التلفت وكانت أمامي امرأة سائرة ففطنت لماذا داخلني من الإعجاب إلى تلك الرائحة فأومأت إلي وقالت هذه أنفاس رياجلقا. ونقلت من مجموع بخط العلامة المؤرخ قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان تغمده الله برحمته قال النبي صلى الله عليه وسلملأصيل الخزعي يا أصيل كيف تركت مكة قال تركتها وقد أحجن ثمامها سلمها وأغدق أذخرها فقال النبي ﷺ دع القلوب في أماكنها. تفسير ما فيه من الألفاظ الغريبة أحجن الثمام إذا خرجت حجنته وهي خصومه والثمام نبت ضعيف له خوص وأثمر السلم إذا خرج والسلم شجر من الغضا الواحدة سلمة وأغدق الأذخر إذا ظهرت ثمرته والأذخر نبت، ونقلت من خط الحافظ اليغموري كانت الأمتعة الثمينة والذخائر النفيسة تأتي إلى مصر وتباع ولا ينظر إليها يوسف ﵇ وإذا جاءت أحمال صوف من كنعان لا تحل إلا بين يديه. مرض عمار بن عباد حين ولى الرقة فما كاد ينجح فيه دواء فقال له طبيبه سببه الهواء فبعث إلى بغداد فحمل الهواء في جراب فكان يفتح كل يوم في وجهه جراب إلى أن برئ. الباب التاسع والأربعون في دار سكنت كثيرة الحشرات قليلة الخير عديمة النبات وأبلغ ما سمع فيها قول كمال الدين بن الأعمى: دار سكنت بها أقل صفاتها ... أن تكثر الحشرات من حشراتها الخير عنها نازح متباعد ... والشر دان من جميع جهاتها من بعض مافيها البعوض عدمته ... كم أعدم الأجفان طيب سناتها وبنات تسعدها براغيث متى ... غنت لها رقصت على نغماتها وقص بتنقيط ولكن فاقته ... قد قدمت فيه على أخواتها

стр. 308

وبها ذباب كالضباب يسدع? ... ?ين الشمس ما طربى سوى غناتها أين الصوارم والقنا من فتكها ... فينا وأين الأسد من وثباتها وبها من الخطاف ما هو معجز ... أبصارنا عن حصر كيفياتها تغشى العيون بمرها ومجيئها ... ويصم سمع الخلد من أصواتها وبها خنافيس تطير نهارها ... مع ليلها ليست على عاداتها شبهتها بقنافذ مطبوخة ... نزع الطهارة نصحها شوكاتها شوكاتها فاقت على سمر القنا ... في لونها وتمامها وثباتها وبها من الجرذان ما قد قصرت ... عنه العتاق الجرد في حملاتها وترى أبا غزوان منها هارباً ... وأنا الحصين يروغ عن طرقاتها ولبها خنافس كالطنافس أفرشت ... في أرضها وعلت على شرفاتها لو شم أهل الحرب منتن فسوها ... أردى الكماة الصيد عن صهواتها وبنات وردان وأشكال لها ... مما يفوت العين كنه ذواتها متزاحم متراكب متحارب ... متراكم في الأرض مثل نباتها وبها قراد لا اندمال لجرحها ... لا يفعل المشراط مثل أدتها أبدأ تمص دماءنا فكأنها ... حجامة لبدت على كاساتها وبها من النمل السليماني ما ... قد قل ذر الشمس عن ذرّاتها لا يدخلون مسكنا بل يحطمو ... ن جلودنا فالعفو من سطواتها ما راعني شيء سوى وزغاتها ... فنعوذ بالرحمن من نزغاتها سجعت على أوكارها فتظنها ... ورق الحمام سجعت في شجراتها وبها زنابير تظن عقارباً ... بالإبر للمسموم من لدغاتها وبها عقارب كالأقارب مرتعاً ... فينا حمانا الله لدغ حماتها فكأنما حيطانها كغرابل ... أطلعن أرؤسهن من طاقاتها كيف السبيل إلى النجاة ولا نجا ... ة ولا حياة لمن رأى حياتها السم في نفثاتها والمكر في ... لفاتها والموت في لفتاتها منسوجة بالعنكبوت سماؤها ... والأرض قد نسجت بيزاقاتها ولقد رأينا في الشتاء سماءها ... والصيف لا ينفك عن صعقاتها فضجيجها كالرعد في جناتها ... وترابها كالوبل من خشياتها واليوم عاكفة على أرجائها ... والآل يلمع في ثرى عرصاتها والنار جزؤ من تلهب حرها ... وجهنم تعزى إلى لفحاتها قد رممت من قبل أن يلقى لآ ... دم أمنا حواء في عرفاتها شاهدت مكتوباً على أرجائها ... ورأيت مسطوراً على عتباتها لا تقربوا منها وخافوها ولا ... تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها أبداً يقول الداخلون فناءها ... يارب نج الناس من آفاتها قالوا إذا ندب الغراب منازلا ... تتفرق السكان من ساحاتها وبدارنا ألفا غراب ناعق ... كذب الرواة فأين صدق رواتها صبرا لعل الله يعقب راحة ... للنفس إذ غلبت على شهواتها دار تبيت الجن تحرس نفسها ... فيها وتنذر باختلاف لغاتها كم بت فيها مفرداً والعين شو ... قاً للصباح تسح من عبراتها وأقول يا رب السموات العلا ... يا رازقاً للوحش في فلواتها أسكنتني بجهنم الدنيا ففي ... أخرى هب لي الخلد في خباتها واجمع بمن أهواه شملي عاجلاً ... يا جامع الأرواح بعد شتاتها حكى الزمخشري في ربيع الأبرار أن رجلاً من أهل الشام اطلع على جرد أخرج من جحره دنانير كثيرة فتركها وأخذ يلعب بها ثم أدخلها مكانها فقام الرجل وأخذ الدنانير فأقبل الجرد يثب ويضرب بنفسه الأرض حتى مات. وحكى الشريشى في شرح المقامات عن أبي محمد الحسن بن اسماعيل الضراب قال كنت قاعداً انسخ في ضوء السراج وبين يدي قدح فيه ماء وظرف فيه كعك وزبيب ولوز فجاءت فأرة وأخذت لوزة ومضت ثم عادت أخرى فبددت الماء الذي في القدح فعادت الفأرة فسكبت القدح عليها واشتغلت بشغلي ساعة فإذا قد جاءت فأرة أخرى فدارت حول القدح فسفسفت وبقيت ساعة على ذلك والفأرة الأخرى تسفسف من داخل فلم تجد حيلة في خلاصها فمضت وأتت بدينار فوضعته ووقفت فلم أرفع القدح ففعلت ذلك إلى أن أتت بسبع دنانير ووقفت ساعة فلم أخل عن الفأرة فمضت وأتت بقرطاس فارغ فعلمت أنه لم يبق عندها شيء فخليت عنها.

стр. 309

قال الغندجيهي رويت هذه الحكاية عن أشياخ ثقاة قيل أن الخصى من كل شيء أضعف من الفحل إلا الجرذان فإن الخصي يحدث فيه شجاعة وجراءة ولا بدع في ذلك فإن الجرذان الكبار لا تدع الهروبنات عرس إلا قتلتها فينبغي لمن في منزله شيء منه أنه يصطاد منه ذكراً يخصه ويتركه في البيت فإنه يأتي على بقية الجرذان بأسرها، وذكر الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: قال أخبرني الشيخ شمس الدين بن خضر الدمشقي أحد كتاب المنسوب بدمشق سنة اثنين وخمسين وسبعمائة قال حللت مثقال ذهب لأجل الكتابة به فاتفق أني نزلت من البيت وتركته في الدواة بغير غطاء ثم رجعت إلى البيت ونظرت فلم أر شيئاً من الذهب في الدواة فتعجبت غاية العجب فنظرت فإذا فأر في جانب البيت وعلى خرطومه أثر الذهب يلمع فعلمت أنه شربه فنصبت المصيدة وخرجت من البيت فما لبث أن وقع فيها فأخذت طاسة وجعلت فيها ماء وأمسكت بذنبه وجعلته يعوم في الطاسة وكلما أراد الخروج رددته بذنبه إلى أن شرب ماء كثيراً وكاد يموت فقبضت بذنبه ودليت رأسه إلى أسفل فجعل يستقي من حلقة الذهب مختلطاً بالماء الذي شربه إلى أن لم يبق منه شيء فغسلت الذهب مرة ثانية ووزنته فلم ينقص غير قيراطين هكذا أخبرني أو كما قال. وحكى الكواشي في تفسيره أن ابراهيم الخليل ﵇ لما ألقى في النار جعل كل حيوان يطفئ عنه النار إلا الوزع فإنه كان يبنفخ في النار، وعن النبي ﷺ أنه أمر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على ابراهيم، وذكر الزمخشري عن ابن عباس أنه قال الوزغ يريد الشيطان يرسله ليفسد على الناس ملحهم ومن العجب أن الأفعى لا ترد الماء ولا تريده وإذا وجدت الخمر شربت منه حتى تسكر وكنية الأفعوان أبو حيان وأبو يحيى لنه يعيش ألف سنة وأرض حمص لا تعيش فيها العقارب وإذا طرحت فيها عقرب ماتت لساعتها، سمع غلام رجلاً يقول أنا مثل العقرب أضر ولا أنفع فقال ما أقل عملك بل لعمري إنها لتنفع إذا شق بطنها ثم شدت على موضع اللسعة وتجعل في جوف إناء فخار ويسد رأسه ويطين جانبه ويوضع في الستور فإذا صار رماداً يشفى به من به الحصاة مقدار نصف دانق فتفتت الحصاة وتلسع الأفعى فيموت. حكى أن عقرباً لسعت مفلوجاً فذهب عنه الفالج، وشتم رجل الأرضة فقال له بكر بن عبد الله المزني مه فهي التي أكلت الصحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول الله ﷺ وبها تيقنت الجن أن "لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" وقيل لها لي شيء تأكلين كتب المشتغلين فقالت ما آكل إلا كتب الذين لا يشتغلون وقال لقمان لابنه لا تكن الذرة أكيس منك تجمع في صيفها لشتائها النملة تفلق الحب أنصافاً لئلا تنبت فتفسد والكزبرة تفلقها أرباعاً لأنها من بين الحب ينبت نصفها إذا قربت العقرب من الولادة أكلت أولادها جلدها وخرقوه حتى يخرج وقد ماتت الأم وقال الشاعر في ذلك: وحاملة لا يكمل الدهر حملها ... تموت وينمو حملها حين تعطب لعاب الجراد سم لا يقع على شيء إلا أخرقه خطب المؤمن يوماً فوقع الذباب عينيه فطرده فعاد مراراً حتى قطع عليه الخطبة فلما صلى الظهر أحظر أبا الهذيل فقال له لم خلق الله الذباب فقال ليذل به الجبابرة فقال صدقت وأجازه بمال، وقال الجاحظ في منافع الذباب إنه يحرق ويخلط بالكحل فإذا اكتحلت به المرأة كانت عينها أحسن ما يكون ولذا ترى المواشط تستعمله وتأمرن به العرائس وما أحسن قول عنترة: وخلي الذباب بها فليس بنازح ... غرّدا كفعل الشارب المترنم هزجا يحكّ ذراعه بذراعها ... قدح المكب على الزناد الأجدم قيل هذا من التشبيهات العقم وقال الجاحظ وجدنا المعاني نقلت ويؤخذ بعضها بعض الأقوال عنترة وخلي الذباب البيتين وزعموا أن رجلاً من ولد حليمة ظئر رسول الله ﷺ كأن أصيد خلق الله وأحذقهم بالتدريب وبلغ من حذقه أنه ربى ذئباً يصطاد به الظباء والثعالب وسرق منه فرجع إليه في ثلاثين فرسخاً وضرى أسداً حتى صار أهلياً واصطاد به الحمار والبقر وعظام الوحش وضرى الزنابير حتى اصطاد بها الذئاب قال الجاحظ من علم البعوضة أن وراء جلد الجاموس دماً وأن ذلك الدم غذاؤها وأنها متى طعنت في ذلك الجلد الغليظ الصلب نفذ خرطومها مع ضعفه على غير معاناة ولو أنك طعنت بمسلة شديدة المتن لانكسرت.

стр. 310

وقال التيفاشي ومما جربه الناس كافة أجل البق الصابون فإنه إذا طلي به المواضع التي بها البق أي موضع كان من جدار أو سرير قتله ولم يعد إليه مادام أثر الصابون فيه قال صاحب الفلاحة البنطية اعلم أن القطران من أعظم شيء يكرهه النمل فمكتى أردت ألا يقرب النمل شيئاً فخط حول ذلك خطاً من القطران مدواراً فإن النمل لا يقربه وإن طليت به حول حجرة النمل هربن، صدق الحلزون إذا أحرق حتى يصير كلساً أبيض وذر على بيوت النمل هربن فإن اقام به مات جميعه وقال صاحب الفلاحة البنطية أيضاً حجر المغناطيس الجاذب للحديد إذا وضع على باب أجحرة النمل لم يخرجن ويهربن إلى تخوم الأرض قال وأهل بلادنا يجعلون في وسط الكدس من الحنطة وغيرها من الحبوب من حجر المغناطيس وغيرها لئلا يدنو منه النمل قال وإذا غطيت إناء فيه عسل أو غيره بصوف أبيض من كبش ولكن منفوشاً لم يقربه النمل وكذلك إذا أدرت الصوف حول الإناء من أسفله لم يقربه النمل، القمح المسوس إذا وضع في بيت فيه بق فإن السوس يأتي عليه مجموعة ولا يدع منه بقة واحدة وهذا صحيح مجرب بنفسج إذا قطع قطعاً صغاراً وجعل عليه قليل عجين فإن الفأر يأكله ولا تستطيع معدته أن تهضمه فيموت عن آخره وهذا مما جرب وصح عند معاشر الناس كافة. قال الشيخ شهاب الدين بن فضل الله: وناموس له قرص أليم ... نضوج له ومنه لنا نضوج ومن عجب تراه العين أنا ... مع الناموس يرتفع الضجيج وقال الشيخ ابراهيم المعمار في البراغيث: إن البراغيث اللئام ... قسوا علي فقلت مالي إلا الخمور لاختمرت ... وقرصوني قلت أبالي ومن العجائب ما ذكره ابن بدرون في شرح قصيدة بني الأفطس عند ذكر الواثق وجلالته وهيبته فإنه يحكي من هيبتهم له أنه لما ثقل في علته التي مات فيها خيل إليهم في بعض الأوقات وقد أغمي عليه أنه قضى فدنا منه تركي يقال له ايتاخ ليعلم هل مات أم لا فلما دنا منه فتح عينيه ونظر إلى ايتاخ فرجع القهقري فانتشب طرف سيفه بالباب فاندق وسقط ايتاخ على قفاه لما نظره هيبة له ورعباً داخله من نظره ليصفن العجائب أنه لم تمر ساعة من نظره إلى ايتاخ إلا وقد مات فأخذ وجعل في بيت فما أقام به إلا يسيرا فوجد قد أخرجت الفأرة عينيه فسبحان من لا يزول ملكه المنفرد بالبقاء لا إله إلا هو العلي العظيم وعلى ذكر ابن بدرون فما أحسن قول الصاحب جمال الدين بن مطروح: لك يا بدرون وجه ... صار عنوان السعادة لا تخف نقصاً ومحقاً ... أنت بدر وزيادة وقريب من هذه الواقعة ما ذكره الثعالبي في لطائف المعارف أنه لما جيء برأس مروان بن محمد إلى عبد الله بن علي أمر بعزله فجاءت هرة قلعت لسانه وجعلت تمضغه فقال عبد الله أو غيره لو لم يرنا الدهر إلا لسان مروان في هذه لكفانا وكان مروان قد عرض بظهر الحيرة سبعين ألف عربي على سبعين ألف عربي ثم قال إذا انقطعت المدة لم تنفع العدة. نقلت من الطالع السعيد في فضلاء الصعيد تأليف العلامة المحدث البارع كمال الدين جعفر الأدفوي في ترجمة تاج الدين الدسناوي محتد القوصي مولداً وداراً ووفاة محنة الدهر وفريدة العصر فقيه عالم فاضل محدث أديب شاعر كريم الأخلاق طيب الأصول والأعراق فمن نظمه ملغزا في نملة: يا من إذا ما قاصد أم له ... تم له منه الذي أمّله ومن حوى الفضلين فضل الندى ... وفضل علم للهدى حصله ما اسم رشيق القد حلو الجنى ... ذو فطنة ممزوجة بالبله ألمى دقيق الخصر قد زانه ... ردف له يهتز ما أثقله أو انتمى يعزي لواد غداً ... وارده مستعذباً منهله حل به أسنى ملوك الورى ... ومن غدا بالفضل والمعد له إن قلت صف لي حسنه واقتصد ... قلت مجيباً لك ما أجمله أو قلت صف لي ملكه واقتصر ... قلت أجل جل الذي كمله أو قلت هل من مسترفد ... قلت وللمسكين والأرملة تصحيف ما ألغزته مودع ... في النظم فافتح بالذكاء مقتفله وعكسه أيضاً بلغت المنى ... مستودع فيه فما المسألة القول في طبائع الحيات: وإنما سميت حية لأنها تحوت أي اجتمعت ويطلق على الذكر والأنثى يقال حية ذكر وحية أنثى وهي أصناف كثيرة لا تحصى كما لا تحصى أصناف السمك.

стр. 311

ذكرت بقوله حية وهو ما أنشدني لنفسه من لفظه المقر المجدي فضل الله بن مكانس عفا الله عنه. عاذلتي بعد أن توفيت ... في النوم أبصرتها الشقيه تلسعني بالملام فيكم ... كأنها في الوجود حيه

стр. 312

رجع: وشرها الأفاعي ومسكنها الرمال والجبال ويضرب المثل بها بأفاعي سجستان ومن التهويل في أمرها ما حكاه ابن شرمة أن أفعى منها نهشت غلاماً في رجله فانصدعت جبهته ويحكى أن شبيب بن شبة دخل على المنصور فقال يا شبيب أدخلت سجستان فإنه بلغني أنها محواة أي كثيرة الحيات قال نعم يا أمير المؤمنين قد دخلتها قال فصف لي أفاعيها فقال هي دقاق الأعناق صغار الأذناب مفلطحة الرءوس رقش برش كأنما كيسن أعلام الحبرات كبارهن حتوف وصغارهن سيوف قال أرسطو وليست الفعى من الحيوان الذي يلد حيواناً مثله وإن خرج من بطنها أولاد وإنما ذلك لتكسر البيض فتلويها وتجمعها في بطنها فيتوهم من رأى ذلك أنها تلد وليس الأمر كذلك ومن الأفاعي ما يتسافد بأفواهها فإذا أعطى الذكر والأنثى وقع كالمغشى عليه فتعمد الأنثى إلى موضع مذاكيره فتقطعها نهشاً فيموت من ساعته فإذا بلغ بعضها لم يكن له مخرج لضيق مكان الولادة فيبقى في بطنها حتى يخرج فيشقه ويخرجن وتموت الأم من ساعتها فيكون طلبها للولد هلاكها وذكرها يسمى الأفعوان يأتيها أيام الصراف فيصوت بها فتأتيه وبعض الحيات مستطيل أكدر اللون وأخضر وأسود، ابيض وأرقط وفي بعضها نمش وتخرج كل بيضة ثعبان على لونها ولم يعرف أسباب في اختلاف ذلك وأما داخله فشيء أسمخ من الصديد وأقذر وهو في جوفها منضد طولاً على خط واحد وليس للحيات سفاد معروف تنتهي إلى عمله وليس عند الناس في ذلك إلا الذي ترون من ملاقات الحيات والتواكل واحدة منهما على صاحبه حتى كأنهما لوح خيزران مفلوذ والحية مشقوقة اللسان ولذلك يظن بعض الناس أن لها لسانين وهي واسعة النحر ولها خطم وكذلك يفعل نابها ولو كان لرأس الحية عظم لكان أشد لعضها ولكن جلداً يطبق على عظمين مستطيلين وتوصف بالنهم والشره لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد ومن شأنها أنها متى ابتلعت شيئاً فيه عظم أتت شجرة أو حجراً شاخصاً فتنطوي عليه انطواء شديداً فتحطم ذلك العظم حتى تصيره رفاتا ومن عادتها إذا نهشت انقلبت فيتوهم أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها وليس الأمر كذلك وإنما في نابها عضل فإذا عضت استغرق إدخال الناب كله وهو أحجن يشبه بالبيض فإذا انقلبت كان أسهل لخروجه وأسلس لنزعه وفي طبعها أنها إذا لم تجد طعماً تعيش بالنسيم وتقتات به الزمن الطويل وتبلغ الجهد من الجوع ولا تأكل الشيء الحي وربما بقيت أربعة أشهر في الشتاء صابرة على الجوع لا تغتدي بشيء البتة وهي إذا هرمت استقرت في بيتها وأقنعها النسيم ولم تشته الطعام ومن عجيب أمرها أنها لا تطلب الماء ولا تريده لغلبة الأرضية عليها ولهذا تصبر عن الغذاء المدة الطويلة لأن حرارتها لا تسرع بتحليل مادتها لقلة الحرارة وغلظ المادة وهي لا تضبط نفسها على الشراب إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر وربما كان السكر سبب حتفها لأنها إذا سكرت خدرت والذكر من الحيات لايقيم في الموضع الواحد وربما تقيم الأنثى على بيضها بقدر ما تخرج فراخها وتقوى على المكسب ثم تخرج سائرة فمتى وجدت جحراً دخلته واثقة بأن ذلك الساكن فيه بين أمرين إما أن يقيم فيصير طعاماً لها وإنما أن يهرب فيصير الجحر لها ولهذا يضرب المثل بها في الظلم فيقال أظلم من الحية وعين الحية لا تدور في رأسها وكذلك عين الجراد كأنها مسمار مضروب وعينها ما تنطبق وإن قلكعت عادت وكذلك نابها إن قلع عاد بعد ثلاثة أيام وكذلك ذنبها إن قطع عاد وفي طبعها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتطلبها وتعجب بها وباللبن ومتى ضربت بالقصب الفارسي ماتت وإن ضربت بسوط قد مسه عرق الخيل ماتت وهي طويلة الذماء والذماء بطؤ خروج الروح بعد القتل وذلك أنها تذبح حتى تفري أوداجها فتبقى أياماً لا تموت ويقال أنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل أو تصاد وتبقى في جؤن الحوائين تدلكها الأيدي وتكره على الطعم في غير أرضها إلى أن تموت أو تحملها السيول في الشتاء والزمهرير فتموت إذا ضررت والحية تسلخ في كل عام قشرا عن جلدها في أول الربيع والخريف وتبتدئ بالسلخ من عيونها ثم رأسها ويتم سلخها في يوم وليلة وإذا هرمت وعجزت عن سلخه أدخلت نفسها بين عودين أو في صدغ ضيق حتى يتسلخ تأتي إلى عين ماء فتنغمس فيه فيشتد بذلك لحمها ويعود إلى قوته وشدته وليس في الأرض شيء مثل جسم الحية إلا والحية

стр. 313

أقوى منه بدناً أضعافاً ومن قوتها أنها إذا دخلت صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس وقد قبض على ذنبها بكلتي يديه أن يخرجها لشدة اعتمادها وتعاون أجزائها وليست بذات قوائم لها أظفار ومخالب أو أظلاف تتشبث بها وتعتمد عليها وربما انقطعت في يد الجاذب لها وإنما لشدة فقر ظهرها فإن لها ثلاثين ضلعاً وذلك مشاهد في صعودها وسعيها خلف الرجل الشديد الحصر وعند هربها منه وهي برية وتعيش في البر بعد أن يطول مكثها في الماء وصارت مائية وأصنافها كثيرة جداً وهذا القدر كاف في وصفها. القول على طبائع الفأر: يقولون جميع ما يقع عليه اسم الفأر فأر وهي أنواع: فأر البيت والربات والخلد واليربوع وفأرة البيش وفأرة المسك، فأما فأرة البيت فصنفان: جرذان وفأر وهما كالجوميس والبقر والبخت والغراب والفأر من الحيوان الذي جمع حاستى الشم والبصر وليس في الحيوان أفسد منه، ليس يبقى على شيء جليل ولا حقير إلا أهلكه وأتلفه ولا يقصر فعله عما فعلته ريح عاد ويكفيه ما يحكي عن سد مأرب ومن تدبيره في الشيء يأكله يحسوه وهو أنه يأتي القارورة الضيقة الرأس فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها وكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لايدع في القارورة شيئاً ولقد حكى أن رجلاً كان عنده جرة زيت فغاب عنها مدة ثم افتقدها فوجدها مملوءة حجارة وليس فيها من الزيت شيء فأدار فكره في ذلك إلى أن الفيران كشفوها وشربوا وشربوا منها إلى أن لم يبق أن تصل أفواهها إلى الشراب فدلت أذنابها حتى لم تصل إلى الزيت فألقوا الحجارة شيئاً لبعد شيء فكان الحجر إذا وقع في الحق طفا الزيت حتى فني ولقد أراني بعض الأصحاب ظرفاً من زجاج كان فيه فستق مقشور قد نقبنه وأكلن ما فيه وكل البزور تأكل قلوبها وتترك قشورها وما أعجب منة شيء كعجبي من نوى الخرنوب التي لا تقدر الأضراس على كسره وهي تنقبه وتأكل قلبه وكذلك تفعل بالقرطم مع ملاسته، وفي طبعه النسيان فربما صيد مرات فيفلت ويعود وبه يضرب المثل في السرقة والنسيان والحذر ويبلغ الفأر من تحرزه واحتياطه أن يسكن السقوف فربما فاجأه السنور وهو يريد أن يعبر إلى بيته والسنور في الأرض وهو في السقف ولو شاء أن يدخل بيته لم يكن للسنور عليه سبيل ويشير إليه السنور في الأرض بيساره كالقائل له ارجع فإذا رجع أومى إليه بيمينه كالقائل له عد فيعود وإنما يطلب بذلك أن يعيي أو يزلق ولا يفعل به ذلك ثلاثة مرات إلا ليسقط فيثب عليه. وحكى الجاحظ أن ناساً أنكروا أن يخلق الفأر في أرحام إناثها من أصلاب ذكورها ولكن من بعض الأرض كطينة الفاطول فإن أهلها يزعمون أنهم رأوا الفأر لم يتم خلقه بعد وأن عينيه فصان ثم ينتئان حتى يتم خلقها وتشد حركتها، ذكر الجاحظ ذلك على طريق الاستبعاد، قال صاحب المنهاج وإنما رأيت ذلك عياناً اتفق أني سافرت من الفيوم فمررت بقرية تسمى صفط وإذا بفيران قد خرجوا من شقوق الأرض كجراد منتشر كل واحد منها نصفه حيوان ونصفه الآخر طين لم تكمل خلقته وكذلك يتولد بمصر إذا انكشف ماء النيل عنها. القول في طبائع العقرب: وهذا الحيوان أصناف منه الجرارة والطيارة وما له ذنب كالحربة وماله ذنب معقوف وفيها السود والخضر والحمر والصفر والكمد وما له لون الرماد وما لونه لون اللهب وما له حمتان وأصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون العقرب مائية الطبائع ومن ذوات الذر وكثرة الولد تشبه السمك والضب وعامة هذا النوع إذا حملت الأنثى منه يكون حتفها في ولادتها لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطنها وخرجت فتموت والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول أخبرني من أثق به انه رأى العقرب تلد من فيها مرتين وتحمل أولادها على ظهرها وهي قدر القمل كثير العدو والعقرب شر ما يكون إذا كانت حبلى ولها ثمانية أرجل ولها أظلاف مثل أظلاف الثور عيناها في ظهرها وهي من الحيوانات التي لا تسبح ومن عجيب أمرها أنها لا تلسع الميت ولا المغشى عليه ولا القائم إلا أن يتحرك شيء من بدنه فإنها عند ذلك تضربه وضربها له إنما هو خوفاً فهي تدفع بنفسها بضربها وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها وتصادق من الحيات كل اسود سالخ وربما لسعت الأفعى فتموت وفيها من يلسع بعضه بعضاً فيموت الملسوع ومن شانها إذا لسعت الإنسان فرت فرار ممئ يخاف العقاب.

стр. 314

وقال الجاحظ والعقارب تستخرج من موتها بالجراد لأنها حريصة على أكله تمسك الجرادة في عود ثم تدخل بها في مكانها فإذا عاينتها العقرب تعلقت ومتى أدخل الكراث إليها وأخرج تبعه وما معها من جنسها ونوعها وهي إذا خرجت من بخشها في طلب المطعم يكون لها نشاط وعزم تضرب كلاما لقيته من حيوان أو نبات أو جماد وربما ضربت الطست والقمقم فنخرقه وتسيل مادة وربما نشبت فيه أبرتها وهذه الإبرة منعوتة فيها السم والعقارب القاتلة تكون في موضعين بشهر زور وعسكر مكرم وهي جرارات وهذه العقارب تلسع فتقتل وربما يتناثر اللحم من لسعته أو تعفن لحمه واسترخى ولا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه وهي في غاية الصغر فإن أكبر ما يوجد منها يكون قدر زنته دانقاً واحداً والذي يوجد منها كبيراً يكون زينته ثلاث حبات وقد وزنت بشعيرة فرجحت الشعيرة عنها ذكر هذا صاحب كتاب النوار ومن ظرائف أمرها أنها مع صغرها وقلتها ونزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعها وبنصيبين عقارب قتالة يقال أن اصلها من شهر زور وإن بعض الملوك حاصر بها فأنى بالعقارب من شهر زور ورمى بها في كيزان بالمجانيق إلى البلد فأعطوا القوم بأيديهم وما أظرف قول من قال وقد واعد امرأة ليأتيها فلما خرج من عندها ضربته عقرب في طريقه فقال: ولقد سريت مع الظلام لموعد ... حصلته من غادر كذاب فإذا على ظهر الطريق معدة ... سوداء قد علمت أوان ذهابي لا بارك الرحمن فيها عقرباً ... دبابة دبت إلى دباب وسمع خبره صاحب الدار فقال: ودار وأيام سكانها ... تقيم الحدود بها العقرب وإذا غفل الناس عن ذنبهم ... فإن عقاربنا تضرب القول في طبائع النمل: ذهب ابن أبي الأشعث أنه لا يتزواج ولا يتوالد ولا يتلاقح وإنما يسقط منه شيء حقير في الأرض فينمو فيصير بيضاً ثم يتكون فيه وهو من الحيوان المحتال يتفرق في طلب المعاش فإذا وجد شيئاً أنذر الباقين فيجئن ويحملن وكل واحد يجتهد في إصلاح العامة غير مختلس لشيء من الرزق دون صحبه ويقال إنما يفعل ذلك رؤساؤها ومن تحلية في الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عهليه منه ما يحجزه عنه من ماء أو شعر فيتسلق في الحائد ويمشي على جذع من السقف مسامتا لما حفظ ثم يلقي نفسه عليه وفي طبعه أن يحتكر زمن الصيف لزمن الشتاء وله في الاحتكار من الحيل ما أنه ما إذا احتكر ما يخاف نباته قسمه نصفين ما خلا الكسفرة فإنه يقسمها أربعاً لما ألهم أن كل نصف منها ينبت وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره وأكثر ما يفعل ذلك في القمر ويقال أن حياته ليست من قبل مأكله ولا قوامه وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام ولكنه مقطوع نصفين وإنما قوته إذا قطع الحب من استنشاق ريحه لا غير وذلك يغذوه ويكفيه وهو يشم ما ليس له ريح مما لو وضعه الإنسان على أنفه لما وجد له ريحاً والكلام عليها طويل وهذا القدر كاف. لبعض الشعراء في البراغيث والبق والبعوض: تومي على ظهر الفراش منغص ... والليل فيه زيادة لا تنقص من عاديات كالذئاب تداءبت ... وسرت على عجل فلا تتبرص وجعلت دمى خمراً تداوم شربها ... مسترخصات منه لا يرخص فترى البعوض مغنياً بربابة ... والبق يشرب والبراغيث ترقص أبو عامر بن شهيد يصفه: اسود زنجي وأهلي وحشي ليس زبوان ولا رميل وكأنه جن لا يتحرى من ليل وشونيره أو نبتها غرره نقطة مداد أو سويداء قلب قراد شربه غب ومشيه وثب يسري ليله ويكمن نهاره ولا يمنعه ستر يدرك بطعن مؤلم ويستحل دم كل مسلم مشاور يجز ذيله على الجبابرة يتكفن بأرفع الثياب ويهتك ستر كل حجاب ولا يحفل ببواب يرد مناهل العيش العذبة ويصل الأجراح الرطبة ولا يمنع منه أمير وهو أحقر من كل حقير سره مثبوت وعهد منكوث. نقلت من كتاب الامتناع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي أن نبات عرس إنما تلقح من أفواهها وتلد من آذانها ومن عادة هذا الجنس أنه يسرق ما وجد من حلي الذهب والفضة ويخبئه في حجر وإن وجد أيضاص في البيت حبوباً خلط بعضها ببعض.

стр. 315

النمل عمول مواظب فإذا جمع الحب قطعه كيلا ينبت إذا أصابه الندى والبلل ويخرجه ويبسطه عند فم الجحر حتى إذا يبس أدخله فمن جرب طبائع النمل أدرك علم زمان المطر والصحو ومن أراد أن يهلك النمل فليدق الكبريت والحريق وليذره في حجره ولا يولد من تزاوج لكنه يخرج منه شيء صغير فيقع في الأرض فيصير بيضاً ثم يتصوره من البيض بالهيئة التي ترى. الخنافس: إذا شمت ريح الورد ماتت وأجنحتها مدمجة لاصقة بها، البق والبعوض لا تناكح لهما وإنما تستحيل من عين الماء ووسخه ونتنه ومن أخذ غصن العنب ووضعه تحت سريره لم يقربه بق ولا بعوض ومن أراد أن لايتأذى بالبراغيث فليحفر وسط البيت حفرة ويملأها بدم تيس فإن البراغيث تجتمع هناك وإن وضع في الحفرة ورق دفلى ماتت البراغيث، تم ما ذكره أبو حيان في الامتناع ومنه قيل لذؤيب أتزعم أنك مفلس لا تقدر على قرض ولا جمع ولا خفالة وبيتك عامر بالفأر فقال علي بن أبي عتيق الطلاق الثلاث البتة أن كان يمنعهم من التحول عنا إلا أنهم يسرقون أطمعة الناس ويأكلونها في بيتي لأمنهم فيه لأنه لا هرّ هناك. وعلى ذكر الفأر فما أحسن قول الشيخ أحمد الموال الشهير بالفأر أنشدنيها المرحوم الفخري بن مكانس: قلبي صبا نحو بطحى رأيت ورق ... لما رأى القاعد أخلفو عليها دق ومذ قطعها الصبي شقات قلت الحق ... يا فاز نلت المنى أعبر لهذا الشق يتأذى بمن ينبذه بهذا القلب فاتفق حضورهما عند الأمير فشتم نائب السلطنة الشريفة يسلمان عليه حين قد من سفره فأحضر لهما مشروباً على العادة فمسك فخر الدين الإناء وقال ذكروا أن شراب الليمون في الأسفار يسكن الدم إذا فار فاحتد منه الفأر وقال كذبت عن من نقلت هذا فقال عن الفارابي فكان الشاهد أنكى من الزائد. نقلت من تذكرة العلامة عز الدين الموصلي شيخنا ﵀ وفقاً يوضع لفقد الذباب من البيت الذي يكون فيه وصورته أن يوضع يوم الخميس المعروف بخميس البيض قبل طلوع الشمس بعد صلاة الفجر ويكون واضعه قد صام أربعة أيام لا يفطر فيها على زفر ولا زهومة ثم يضعه على هذه الهيئة ويكون الوضع في ورق لونه رصاصي تربيعاً بالمسطرة محرراً وهو هذا الوفق المبارك إن شاء الله تعالى: هلك الذباب بإذن الملك القاهر القدير ٨ ٨٧ ٦٧٢ ٦٢ ٨ ٧٣ ٨ ٦٧١ ٨٧٣ ٧٢٨ ٧ ٨ ٨٣٧ ٨ ٨ ٦٧ ٨٧٣ ناصر الدين بن النقيب: ودار خراب بها قد نزل? ... ت ولكن نزلت إلى السابعة فلا فرق بين أني أكو ... ن بها أو أكون على القارعة فوالله ما نمت في أرضها ... ولا طلعت لي بها طالعه ومفردت بالصفات القبا ... ح وما هي إلا لها جامعة تشاورها هفوات النس? ... ?يم فتصغى بلا أذن سامعه إذا ما قرأت إذا زلزلت ... بها خفت أن تقري الواقعة وأخشى بها أن أقيم الصلا ... ة فستجد حياطانها الراكعة قال الشيخ شمس الدين بن الصائغ أنشدني الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليماني قال حضرت منزل الشيخ جمال الدين بن نباتة فرأيت فيه نملاً كثيراً فقلت: مالي أرى منزل المولي الأديب به ... نمل تجمع في أرجائه زمرا فقال لا تعجبن من نمل منزله ... فالنمل من شأنها أن تتبع الشعرا وعلى ذكر النمل ذكرت ما نقلته من خط الوداعي ما صورته ذب شخص شاهد عدل يقال له النميلة فعمل فيه عز الدين بن رواحة: عتبت على نميلة في التعدي ... وجراءته على ما لا يحل وقلت مقال إنكار عليه ... تدب على العدول وأنت عادل فقال لقد عتبت عليّ ظلما ... وهل للنمل غير الدب شغل من المجريات إذا ظهر النمل في موضع أن يقرؤ عشر مرات في نفس وأحدهم الغذاء والعشاء طويل فإنه يرحل بإذن الله. السيد الفاضل شمس الدين بن صاحب موفق الدين علي الآمدي في الحية: وتخاله في القيظ سوطاً بالياً ... ملقى وفي كانون دملج معصم وقد استدارت مقلتاه بحمرة ... فيها تحاكي قطرتين من الدم وله فيه: وهو حبل قل إذا ما امتد أو ... مثل خيط النهر مهما اضطربا سبباً للموت وصالاً به ... وكذاك الحبل يدعى سببا

стр. 316

من كتاب كتبه يحيى محي الدين بن عبد الظاهر إلى القاضي كمال الدين بن العطار كاتب الدرج السعيد: من منزله خربه اللصوص من كل صلد تزاحمت به مدارج السيول وغصت به حلوق الوحول وغدا شيحا في صدور السهول قد جمعت الأقطار وجوه صفاته وفتحت الأيام والليالي ما لعله من حسن صفاته وأصبح مغائراً في طرق الزروع كم حصل لها أذى ومحاجر كم أطرفت عيون الأرض منه على قذى كأن أسوده على الأرض كلب يؤذي الأبصار وكم خذ به استدار منه له أوحش عذار كم تجمعت فلذة فكانت ظلمات بعضها فوق بعض وبنيت في الفضاء فأحسن بها من نهود تبدو في صدور الأرض تروع المراعي في المراعي وتسمع بها قعاقع سهام المنايا فتغدوا تراكيش للحيات والأفاعي من كل أفعى تفترس افتراس الضغيم وتلمس أملاس الجدول وتنكمش انكماش السهم تفراغ رائيها في المنام وإذا انقبضت صارت عروة وإذا انبسطت فهي حزام كم جنات الترائب في أنيابها وكم لعبت بالأرواح بلعابها ذات الأوان كالدنيا بينما تروق إذا هي نزوع ولين معاطف كالأيام وكأنما استدار بها أشراك المرقوع قد غدت للخيام أطنابا عوض الأطناب وإذا شاهد الأطباء علاماتها وامتداها قالوا هذا الذي يقال له الموت من العلامات والأسباب كم قد نضجت العيون منها بأسود سالخ وكم أحرق سمها مهرباً من كوره لا هاجة بار الموت وهو له نافخ ومن عجب أنها تمشي على بطنها ولا تأكل ما تفترس وتوقد في الليالي المدلهمة عيونها ناراً لا يجد عليها هدى طرق المقتبس. القاضي فتح الدين بن الشهيد: أقول لنمل العذار التي ... على الخد دبت قفى تحملي حمت عسل الريق ألحاظه ... إلى ابن نمل فلا تسلي بدر الدين يوسف الذهبي: يا جمال الكتاب بل يا ... حميد الذكر حقاً ومن له العلياء لي بيت صعب مجاريه الفك ... ر وما أن تحمله البلغاء ظاهر العيب لا عروض له ... والضرب والقبض في ذراه سواء لا أراه من الخفيف فلم ذا ... جاز فيه التشعيب والأقواء للبراغيث فيه رقص وللبق ... زمير وللذباب غناء عامل لا أراك فيه وهذا ... ك دليل أن ليس فيه بناء منقول من الموجز لابن نفيس مما يطرد الهوام من البيت التبخير بأصل الرمان وقضبانه وأصل السوس والقنة والقرون والأظلاف والحوافر والشعر والحلتيت وورق الغار وحبه ورماد الصنوبر وخصوصاً مع القنة والشونير والمركبات من هذه الحيوانات التي تهرب منها الحشرات إذا جعل في البيت لغلغ أو طاووس أو قنفد أو ابن عرس فإن الهوام تفزع منها وتهرب وإن ظهرت قتلها وكذلك البيضابيات والأيائل. طرد الحيات الكبريت والنوشادر بالخل يهربها والخردل يقتلها وإذا وضع على مسكنها هربت منه. طرد العقارب الفجل المشدوخ وعصارته إذا مسكت وورقه والباذروج وثفل الصائم والتبخر بالعقرب يهرب وكذلك الزرنيخ إذا وضع والفجل المقطع إذا وضع على جحرها لم يجسر على الخروج منه. طرد البراغيث إذا رش البيت بطبيخ الحنظل أو نقوعه تماوتت البراغيث وتهاربت وكذالك العليق والخرنوب ودم التيس إذا جعل في حفرة آوت غليه البراغيث وكذلك يجتمع على خشبة طليت بلحم القنفد ووسخ الكبريت والدفلى يهربها. وطرد البق والبعوض التدخين بنشارة خشب الصنوبر أو القلقندس أو بالشونير أو بمجموعهما وهو أجود بالآس اليابس أو بالكبريت أو بإخثاء البقر أو لبالحرمل أو بورق السرو أو جوزه ورش البيت بطبيخ هذه أو بطبيخ الترمس أو الدلب. طرد ابن عرس يطردها ريح السداب. طرد الفأر وقتلها: المرتك والحريق والبنج وأصل الفأر وهي تتداوى بالسباحة في الماء فإن لم تجدها ماتت والتراب الهالك وخبث الحديد وإذا سلخت الفأرة الذكر أو قطع ذنبها أو خصى وربط بخيط هرب الفأر الباقي والسلخ أقوى. طرد النمل دخان النمل نفسه يطرده ويهرب. طرد الذباب يقتلها الزرنيخ وحده أو باللبن ودخاتنه الكندر وطبيخ الحريق الأسود. وطرد الزنابير بخار الكبريت والثوم. طرد الخنافس دخان الدلب وورقه. طرد الأرضه: يطردها الهدهد إذا جعل في البيت والتدخين بأعضائه وريشه. طرد السوس: الأقشين والفوتنج وقشور الأترج وماء الحنظل الرطب. طرد سام أبرص: الزعفران إذا جعل منه في البيت هرب. الباب الخمسون في وصف الجنان وما فيها من حور وولدان

стр. 317

عن أبي سعيد الخدري يرفعه أن الله جل ذكره لما حوط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها ثم قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقال تعالى طوبى لك منزل الملوك وقال زيد بن أرقم قال رجل لرسول الله ﷺ تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال نعم والذي نفسى بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في الأكل والشرب قال فإن الذي يأكل تكون له الحاجة والجنة طيب لا خبث فيها قاتل عرق يفيض من أحدهم كرشح المسك فيضمر بطنه، دخل داود ﵇ غارا من غيران بيت المقدس فوجد حزقيل يعبد ربه وقد يبس جلده على عظمه فسلم عليه فقال أسمع صوت شعبان ناعم فمن أنت فقال داود قال الذي له كذا وكذا امرأة وكذا وكذا أمة قال نعم وأنت في هذه الشدة قال ما أنا في شدة ولا أنت في نعمة حتى ندخل الجنة، قال مالك بن دينار جنات النعيم بين جنات الفردوس وفيها حور خلقن من ورد الجنة قيل ومن يسكنها قال الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمة الله راقبوه، وقال بعض العلماء في السدس الأخير من الليل تفتح أبواب الجنة ألا ترى أن أرواح الرياحين تفوح في ذلك الوقت، جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش فقال ذهبت المكارم إلا من التقوى بابن أخي اشتريت بها دارا في الجنة أشهدك أني جعلتها في سبيل الله. ولمؤلفه ﵀: إذا رأيتم قبر خير الورى ... والمنبر الزاهي وإجلاله بشراكم الجنة هنيتم ... ومن يرى هذا فطوبى له وأنا أبتهل بلسان التضرع والخضوع وأسأل لحظات الاعتراف والخشوع لمتصفحي كتابي هذا وأبوابه ومأملي ألفاظه وإعرابه الصفح عما يقفوا عليه من عثرات العبارات والمعاني والتجاوز عما وقع فيه من التقصير والتواني فالمعترف بذنبه كمن لا ذنب له ومن لا يقبل العذر فالذنب له. من رام أن يقبل الباري معاذره ... فليقبلن مسرعاً ممن له اعتذار وليقتد بقوله تعالى: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) لاسيما مع استغراق زمان أنا بنكده منوط وليل ونهار أنا فيهما بطلب القوت مربوط وأغزا في عجومة ظاهرة في البيان وعجمه غالبة في اللسان تمنع عن إدراك حقائق المرادات والجمع بين دقائق المعاني وحسن العبارات ولكنني مكره في ذلك لا بطل: فإن لم يكن نظم القصائد شيمتي ... وليس جدودي يعرب وإياد فقد تسجع الورقاء وهي حمامة ... وقد تنطق الأوتار وهي جماد ثم قل أن يخلص مصنف كتاب من الهفوة بل الهفوات وهيهات ثم هيهات أن ينجو الناظر أو المؤلف من العثرة بل العثرات خصوصاً مع الممتحنين بل المتعنتين والحاسدين المغتبين ولكن قال رسول الله ﷺ : "من طلب عثرة أخيه ليهتكه طلب الله عثرته فهتكه". لا تلتمس من مساوى الناس ما ستروا ... فيهتك الله ستراً من مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيكا وأنا أقسم على جماعة متصحفيه ان يتأملوه وينظروا فيه بعين الرضا ويعبروا عنه بلسان الصفا والوفا فإن تجد فيه بعيداً قربه أو خطأ أصلحه وصوبه: فإن زل طرفي أو كبا فهو حلبة ... يزل بها الطرف المهطم جاريا فعفوا جميلاً عن خطاي فإنني ... أقول كما قد قال من كان شاكيا وعين الرضا عن كل عين كليلة ... كما أن عين المنحط تبدي المساويا وبالله أستعين أولاً وآخراً وباطناً والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. (١) الآية: ٣٤ من سورة فاطر.