← Адаб

Адаб · id 5390

مطالع البدور ومنازل السرور

الغزولي

Полный текст (317 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تقعقع من برد الشتا أضالعي ... لما نسجتها من جنوب وشمأل إذا سمع السواس صوت تحتمى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل أعول في وقت العلوق عليهم ... وهل عند رسم دارس من معوِّل حتى أن العماد الكاتب قال للقاضي الفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له دام علا العماد. ولبعض أهل عصره أعنى الحسين الجزار: مات حمار الأديب قلت لهم ... مضى وقد فات منه ما فاتا من مات في عزه استراح ومن ... خلف مثل الأديب ما ماتا وقال شرف الدين البوصيري ناظم البردة فيه: فلا تيأسن لهذا الأديب ... عليه فللموت ما يولد إذا عشت أنت لنا بعده ... كفانا وجودك ما نفقد قال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس كان للشيخ شرف الدين البوصيري حمارة استعارها منه ناظر الشرقية فأعجبته وسير له ثمنها مائتي درهم فكتب على لسانها إلى الناظر المذكور المملوكة حمارة البوصيري: يأيها المولى الذي أنبتت ... أخلاقه بأنه الفاضل ما كان ظني أن يبيعونني ... قط ولكن صاحبي جاهل لو جرصوه على من سفه ... لقلت غيظاً عليه يستاهل وبعد هذا فما يحل لكم ... لأنني من سيدي حامل فردها الناظر ولم يأخذ الدراهم منه، لناصر الدين بن النقيب: نفقت لي رأساً من الخيل كانت ... تسبق البرق والرياح الزعازع وابتلي الله في المشاعر أخرى ... بشقاق لها عن المشي مانع فإذا قيل كم بقى لك رأس ... قلت رأس بغير كوارع وللشيخ جمال الدين بن نباته وأفحش في السرقة في فرس له ثمل الأربعة: يقول لي صاحب وفيٌّ ... والخيل تحت الورى تسارع كم لك في ذا الزمان رأس ... فقلت رأس بلا كوارع لبن دانيال: قد كمل الله برذوني بمنقصة ... وشأنه بعدما أعماه بالعرج أسير مثل أسير وهو يعرج بي ... كأنه ماشياً ينحط من درج فإن رماني على ما فيه من عرج ... فما عليه إذا ما مت من حرج صلاح الدين الصفدي فيمن وعده ببغل: طلبت البغل منك فقلت إني ... أسيره وما كذب الكلام نعم أتعبته ركضاً ولما ... أتى الإسطبل سيره الغلام قال الشيخ صلاح الدين الصفدي أنشدني لنفسه المولى جمال الدين محمد بن نباتة بددمشق المحروسة سنة تسع وعشرين وسبعمائة: ورد العرب منسوب ولا قطعت ... أيدي الحوادث من أنشأئه شجره إذا امتطى ظهره رامى السهام مضى ... واليهم حذوا فولا سبقه عقره عجبت كيف يسمى سابحا وله ... وثب لو البحر أمسى دونه ظفره كأنه في هضاب الحسن صاعدة ... أولاً فصاعقة في الحسن منحدره لما ترفع عن ندٍّ يسابقه ... أضحى يسابق في ميدانه نظره قال صلاح الدين وأنشدني من لفظة لنفسه المولى جمال الدين يوسف بن سليمان بن أبي الحسن الصوفي بدمشق في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وهو: وأدهم اللون فات البرق وانتظره ... فغارت الريح حتى غيبت أثره فواضع رجله حيث انتهت يده ... وواضع يده أنى رمى بصره شهم تراه يحاكى السهم منطلقاً ... وماله غرض مستوقف خبره يعفر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعا إذ يستتر غيره شرف الدين أحمد الحلاوى وأجاد: جاء غلامي وشكا ... أمر كميتي وبكى وقال لي لا شك بر ... ذونك قد تشكى قد سقته اليوم فما ... مشى ولا تحركا فقلت من غيظي له ... مجاوباً لما حكى أين الحلاوى أنا ... فلا تكن معلكاً لو أنه مسير ... لما غدامشبكا ابن نباتة: وأدهم اللون حندسي ... في جريه للورى عجائب يقصر سعى الرياح عنه ... فكلها خلفه جنائب ابن سعيد المغربي في فرس أغر أصفر: وعسجديّ اللون أعددته ... لساعة تظلم أنوارها كأنه في رهج شمعة ... مصفرة غريبة نارها وله في أدهم أغر: وقد أغتدى والليل قد سل صبحه ... بليل بجلباب الصباح ملثما وأحسبه خالة الثريا لحامه ... فصيرها دية إلى الأفق سلما ولابن خفاجة في أشقر أغر: وأشقر يضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل الباس

стр. 247

وتطلع الغرة في شقرة ... حبابة تضحك عن كاس النامي: ومصغية كأن الحرب تلقى ... إلى آذانها بشرى الجلود ترى آذانها ألفات سطر ... قياما في صحائف من بنود الارجاني: وحرف يجوب القاع والوهيد والربى ... لحرف مديم الرفع والجر والنصب نجائب يقدحن الحصى كل كليلة ... كأن بأيديها مصابيح للركب ابن سعد في فرس لونانيا أغر أكحل الحليلة: وأجرد تبرى أثرت به الثرى ... وللفجر في خصر الظرم وشاح عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلام وبين الناظرين صباح ابن نباتة السعدي في فرس محجل بغرة: وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه الشيء بالشيء يذكر قال ابن الحجاج في المجون: غضبت صباح وقد رأتني قابضاً ... ايرى فقلت لها مقالة فاجر بالله إلا ما لطمت جبينه ... حتى يصدق فيك قول الشاعر أشار إلى البيت المتقدم الأديب الفاضل الكامل الرحال إبراهيم الساحلي المنبوذ بطويجن مولده بعرفه، ووفاته بعد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة من قصيدة: ذهبوا إلى الهيجا بكل طمرة ... من نسل أعوج أو بنات الأبحر من كل مخضوب الشوى عبل القرى ... عاري النواهق مستدير المحجر ألوى بقادمتي جآجىء أفتخ ... ولوى بسالفتي غزال أعفر وأدار جفنا أشوسيا مبصراً ... ظل الفوارس في الظرم المعكر من أحمر كالورد أو من أصفر ... كالورس أو من أشهب كالعنبر وبكل صهوة أجرد متقطب ... إلا إذ اضحك السنان السمهري لسان الدين بن الخطيب: قال جوادي عندما ... همزت همزاً أعجزه إلى متى تهمزني ... ويل لكل همزه أحمد بن سعيد بن غازي البستي يصف ناقة: حرف كمثل الصاد إلا أنه ... بعد السرى جاءت كحرف النون كالبدر قدره الإله منازلاً ... في الأفق حتى صار كالعرجون ما أحسن قول الشريف العقيلي وإن لم يكن مما نحن فيه: وأدهم من خيول الجووافي ... فثار من الضباب له غبار إذا أبدى صهيل الرعد منه ... لوحش المحل داخله نفار أشبهه ولمع البرق فيه ... بحراق تمشت فيه نار نادرة: ذكرها العلامة شهاب الدين أحمد بن فضل الله في كتابه مسالك الامصار في ترجمة موفق الدين المعروف بالوزن الواعظ الكحال المتطبب أنه كان بالقاع والي من أهل الأدب يعرف بابن درباس واسمه علىّ وكان ينظم الشعر ويتوالى والوزير بدمشق إذ ذاك بدر الدين جعفر بن الامدي وكان يتوالى أيضاً فاتفق أنه ولى عنده بالقاع كاتباً ممن يلم من التسمير من ديوان المطابخ وكان من حديث هؤلاء أنهم سرقوا قنداً كثيراً كان قد حمل من غور الكرك ليطبخ بدمشق للسلطان فبلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس فأمر بهم فسمروا وطيف بهم على الجمال إلا هـ١االكاتب فإنه شفع فيه فأطلق بعد أن قدم له الجمل ليسمر فلما استخدمه ابن الآمدي بالبقاع ضيق على ابن درباس فأقام يعمل قريحته فيما يكتبه إلى ابن الآمدي فيم يأت بشيء فسأل الوزن في ذلك فكتب: شكية يا وزير العصر يرفعها ... ما كان يأمل هذا من ولاك على لم يبق في الأرض نختار فتبعثه ... إلا فتى من بقايا وقعة الجمل

стр. 248

فضحك ابن الآمدي وعزله، ومن إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي وينهي وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها واعتد حصنها يعتصم من الوغى بصياصيها فمن أشهب غطاه النهار بحلته وأوطأه الليل على أهلته يتوج أديمه ريا ويتأرج رئيا ويقول من استقبله في حلى لجامه هذا الفجر قد أطلع الثريا إن التفت للمضايق انساب انسياب الأيم وان تفجرت المسالك مر مرور الغيم كم أبصر فارسه يوماً أبيض بطلعته وكم عاين طرف الينان مقاتل العدا في ظلام النقع بنور أشعته لا يسير داحس في مضماره ولا تطلع الغبراء في شق غباره ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره تسابق مداه مرامى طرفه ويدرك شوارد البروق ثانياً عطفه ومن أدهم حالك الأديم حالي الشكيم لق مقلة غانية وسالفة ريم قد ألبسه الليل برده وأطلع بين عينيه سعده يظن من نظر إلى سواد طرته وبياض حجولة وغرته أنه توهم النهار نهراً فخاضه وألقى بين عينيه من رشاش تلك المخاضة ومن أشقر وشاه البرق يلهبه وغشاه الأصيل بذهبه يتوجس ما لديه برقيقتين وينفض وفرتيه عن عقيقتين وينزل عذار لجامه من سالفتيه على شقيقين له من الراح لونها ومن الريح لينها إن جرى فبرق خفق وإن أسرج فهلال على شفق ومن كميت نهد: إن راكبه من مهد عند مي الاهاب شمالي يزل الغلام الخف عن صهواته وكأن نغم الفريض ومعبد في لهواته فسيح قصير المطا إن ركب لصيد قيد الأوابد وأعجل عن الوثوب الوحوش اللوابد ومن حبشي أصفر يروق العين ويشوق القلب بمشابهة العين كأن الشمس ألقت عليه من شعتها جلالاً وكأ، هـ نفر من الدجى فاعبق منع عرفاً واعتلق حجالاً ذو كفل زين سرجه وذيل يسد يرتد منه فرجه قد أطلعته الرياضة على مراد راكبه وفارسه وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصسع قلائده وتوشيع ملابسه له من البرق خفة وطيه وخطفه ومن النسيم طروقه ولطفه يطير بالغمز ويدرك بالرياضة مواضع الرمز ويعد كألف الوصل في استغناء مثلها عن الهمز ومن أخضر حكاه من الروض تفويضه ومن الوشى تقسيمه وتأليفه قد كساه النهار والليل حلتى وقار وسنا واجتمع فيه ممن البياض والسواد ضدان لما استجمعا حسنا ومنحه البارى حلبية وشية ونحلته الرياح ونسماتها قوة ركضة وخفة مشية ومن أبلق ظهره حرم وجريه ضرم إن قصد غاية فوجود القضاء بينه وبينها عدم وأن طرف في حرب فعمله ما يشاء البنان ولاعنان وفعله ما يريد الكف والقدم قد طابق الحسن البديع بين ضدي لونه في جنسه عن الأوصاف وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها من الاعتراف له بجادة الانصاف وترقى المملوك إلى رتب العز من ظهروها وأعدها لخطبة الحسان إذ الجياد عليها من أنفس مهورها وكلف بركوبها فلما أكمله عاد وكلما أمله سره فلو أنه زيد الخيل لما زاد ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الاصائل وعلم أنها ليومي حربه وسلمه جنة الصائد وجنة الصائل وقابل إحسان مهديها بثنائه ودهائه وأعدها في الجهاد لمقارعة أعداء الله وأعدائه والله تعالى يشكر بره الذي أفرده الندى بمذاهبه وجعل الصافنات الجياد من بعض مواهبه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى. ومن إنشاء الشيخ محي الدين عبد الظاهر وسير من الخيول الرهاوين كلما هو على الحسن مشتمل ومع سرعته يمشي الهوينا كمشي الشارب الثمل من كل أشقر كأنه النجم السريع لا البطيء وكل أحمر كالشفق وغرته ما يتخلل الشفق من النور المضيء وكل أشهب كلنار وما في هذا من السواد ما بذبك من أواخر الليل وأوائل العشى وكل أصفر حبشي يحسن أن يكون الركاب المقر خادماً وكيف لا وهو الخصى الحبشي ومن البغال كل فارهة الوثبة كارهة ألا تكون دون رتبة الجياد كم قاست بذراعها شقة أرض فعلمت طولها عن عرضها وكم لحقت بمشيها ما تلحقه الجياد بركضها كم حسب راكبها أنه من وطئ ظهرها على فرش مرفوعة وكم بويع لها بالخلافة عن الجرد المطهمة على أنها مخلوعة يشهد بتمام حسنها العقل ويصدقه على ذلك منها صحة النقل ما ضرتها هجنة أمها مع أصالة أبيها وأمها هجينة وما شانها ذلك والله تعالى ساوى بينهما تعالى:"والخيل والبغال والحمير وتركبونها وزينة" تسبق الطرف والطرف، أمها خالها وما هي حرف.

стр. 249

ومن إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة وأما الخيل المسيرة فقد وجد المملوك لذة أنسها وأوجب على نفسه فروض خمسها واستنهض لشكر محاسنها براعته فسعت ولكن على رأسها واستنزلت له الآمال من صياصيها وحلت منه محل الخير المعقود في نواصيها وأمده بالإسعاف مددها وقبلها عوض أنامله الشريفة لأنها عددها وما هي إلا زهرات أنبتتها سحب كفه الكريمة وعقود من طوق بها جيد العبد فسبح بمدايح نعمها العميمة ومنابر قام عليها خطيباً بمحاسنه التي من كتمها فكأنما كتم من المسك نظيمه فمن أشهب كأنه طلعة نجح أو قطعة صبح أو غرة فما تغرب بأشعته أبدار جنح قد تزينت منه الأوضاع وانقطعت دون غايته الأطماع واعتذرت له الريح فصوب أذنيه للسماع وأصبح لصاحيه نعم العون في يوم السبق والغوث في يوم القراع وكاد يكون من الملائكة فكم له من غبار السبق أجنحة مثنى وثلاث ورباع ما خفيت مصلحة إلا قبضها ولا ادلهمت سحابة تقع إلا أقام بنفسه وبيضها وما حدث عن حس إلا رآه ولا امتطاء عازم إلا حمد عند صباح لونه مسراه تقرب الطلب سفارة عزائمه المسفرة ويختال في الخيل كالنهار فلا جرم أن آيته مبصرة كم ثنى عنانه كبرا عن مسابقة الرياح وأعرض وكم تعب عليه عازم حتى فاز منه بالعيش إلا أنه الأبيض يتلوه أشقر كلمعة برق أو غزالة شرق فسيح الليان رقيق مجرى العنان بروق الأبصار ويدنى الأوطان والأوطار ويسمع بوقع حوافره صم الأحجار يضعف البصر عن اقتفاء ماله من السنن ويعجز عن بلوغ غايته السيل إذا هجم والغيث إذا هتن وتقصر عن شأوة الرياح فعن عذر إذا حثت في وجهها التراب للحزن فكأنما صعد لأشعة النجوم فكسبها أو راهن البرق عن حلته فلبسها وسلبها قرنت حركاته بحسن الاتفاق وحكته في تطلها الشموس عند الاشراق وامتدت كف الثريا تمسح وجهه من غبار السباق يتبعه كميت يسر الناظر ويشوق الخاطر كأنه جذوة نار أو كأس عقار أحلى من الضرب له من نفسه طرب كم خدمه من النصر أعوان وأسكره اسمه تحت راكبه كالنشوان وزاد لونه حتى كأنما هو بهرام وأجله عن ا، أقول بهرمان أسرع الأشياء شوطه وأضيع ما في عدته سوطه بجمع لراكبه ما بين الطرف والجلالة ونحتجب الشمس إذا تصدى لصيد خوفاً من تسميتها بالغزالة كم أرعد صهيله وأبرق وكم لقى منه الموت الأحمر العدو الأزرق قصرت عن معاناته الهمم وأسود ذنبه وعرفه فكأنما لذوب نار جسمه حمم يوسع أهل الحمى برا ويعقد بخنجر نعله أديم الأرض سيراً يقفوه أصفر يسر النظار ويسمو على النظار ويشوق البصائر وربما شق سعيه على الأبصار ويخفق وراءه حتى قلب البرق إذ ذكرهما السبق في مضمار كم أوسع وقعه في ليل السرى من سمر وكم نقش نعله جبل فجاء كما قيل نقش في حجر يطلع بسماء الطلب أهله هو عيدها وإذا امتطاه عازم رأي الأرض تطوى له ويدنو بعيدها كم حسن خبراً وتأثير وأثراً وكم عشا إلى نار سنابكه طارق فأجزل له من قصه القرى كأنما خلع عليه الدهر حلة ذهب وهبته صفرة لونها الراح حين تجلى بالحبب لو أمكن أول فجر لما سمي في زمنه بالسرحان ولو كتب اسمه على مقدمة طليعة قرنها اليمن واليمان بصحبة أدهم كأنما التحف سبجا أو دخل نحن ذيل الدجى تخضع عواصي الذرى لعزته وينشق الصباح غيظاً من تحجيله وغرته كأنما لطمته يد الفجر فخاض في أحشائه وورد نهر المجرة فطارت لجبهته نقطة من مائه فسيح المنتشق متدرع ملابس حب القلوب كم عنت شوامخ الجبال لجلالة وقصرت عنه الخيل حتى لم تسابق إلا ظل أدباره وإقبال وخاف سطوته الليل فحياه بمثل أنجمه وأنعله بهلاله يسر الموالي ويسوء المناصب ويأتي من صباح تحجيله دليل تكوينه بالعجائب وتكبو الريح دون شأوه فكلما من خلفه جنائب الموالي ويسوء المناصب ويأتي من صباح تحجيله وليل تكوينه بالعجائب وتكبو الريح دون شأوه فكلما من خلفه جنائب ولا برح سيدنا يجيد القول ويجود في العمل ويتطول من خفى كرمه ومفيد كلمه بما لا تترقى إليه همة أمل إن شاء الله تعالى تم ذلك. وقال مجير الدين بن تميم مضمناً: بعثت عندي جواداً لا حراك به ... يكاد من همزه بالركض ينخرم فلا يغرنك منه سنه غلظاً ... إن الجواد على علاته هرم ابن النبيه من قصيدة: فهي مثل القسى شكلاً ولكن ... هي في السبق أسهم لا محالة تركتها الحداة في الخفض والرف ... ع حروفاً في جرها عمالة

стр. 250

علاء الدين ابن أبيك من قصيدة: له خطبة الخيل العتاق كأنها ... نشاوى تطلب العزف والقصا عرائس أغنتها الحجول عن الحلي ... فلم تبلغ خخالاً ولا التمست وقفاً فمن يقق كالطرس تحسب أنه ... وإن جردوه في ملاءته التفا وأبلق أعطى الليل نصف أهابه ... وغار عليه الصبح فاحتبس النصفا وورد تغشى جلده شفق الدجى ... فمذ حازه دلى له الذيل والعرفا وأشقر مج الراح صرف أديمه ... وأصفر لم يسمح بها جلده صرفاً وأشهب فضي الأنام مدثر ... عليه خطوط غير مفهمة حرفاً كما خطر الزاهي بمهرق كاتب ... فجر عليه ذيله وهو ما جفا تهب على الأعداء منها عواصف ... لتنسف أرض المشركين بها نسفاً سرى كل طرف كالغزال فتمترى ... أطيبا ترى تحت العجاجة ا, طرفاً وقد كان في البيداء يألف سربه ... فرتبته مهر وتحسبه خشفاً تناوله لفظ الجواد لأنه ... متى ما أردت الجرى أعطاكه ضعفاً ابن خفاجة: ولم أر إلا غرة فوق شقرة ... فقلت حباب يستدير على خمر نادرة: وقف إعرابي على أبي عبيدة فقال له ما يعني الشاعر بقوله: ولقد علوت بمشرف يافوخة ... يأتي المجسة ماؤه يتفصد مزج يسيل من المزاج لعابه ... فيكاد جلد أهابه يتقدد حتى علوت به مشق ثنية ... طواراً أغر به وطوراً أنجد فقال يصف فرساً فقال الإعرابي حملك الله عليه: برهان الدين القيراطي في حماره: تراه أولاً في الأكل سبقاً ... وعند السير يأتي في الأخير وكم وضعوا سكرجة بقية ... فما منعته عن صحن الشعير عرض شريح ناقة ليبيعها فجاء إليه رجل من قريش فقال له ياأبا أمية كيف لبنها فقال احلب في أي إناء شئت، قال فكيف الوطأ قال أفرش ونم، قال فكيف قوتها قال احمل على الحائط ما شئت، فاشتراها فلم بحد شيئاً مما وصف فرجع إليه فقال له لم أر شيئاً مما وصفتها به قال ما كذبتك، كتب الصابي عن بختيار إلى أبي تغلب في وصف فرس أهداه له أما الفرس الذي سألت إيثارك به فقد تقدمنا نقوده إليك والله يبارك فيه ويجعل الخير معقوداً بناصيته والإقبال غرة وجهه وإدراك المطالب تحجله ونيل الأماني طلق شأوه وفتح الفتوح غاية شده وسلامة العواقب مشى عنانه. ابن حمديس الصقلي: وكأنها نون تمط وعينها ... ميم لطول نحولها كحلت جفون الليل منها بالسمرى ... وتكحلت منه بلون الأثمد فلجسمها والصبح يتبع نوره ... من جفن ليلتها انسلال المرود يا ليتها كانت سفينة زاجر ... فتخوض بي مد المزبد فأرى ابن حمجان ونور جبينه ... يجلو سناه قذى جفون الأرمد وله فيهن: قلاص حباهن الهزال كأنها ... حنيات تبع في أكف جوادب إذا وردت من زرقة الماء أعينا ... وقفن على أرجائها كالحواجب ومما جاء في رقية الدابة عن سحيم بن نوفل قال كنا نعرض المصاحف عند عبد الله فجاءت جارية اعرابية إلى رجل من القوم فقالت أطلب راقياً فان فلانا قد لفع فرسك بعينه فتركه يدور كأنه فلك، فقال عبد الله لا تطلب راقياً اذهب فانفث في منخره الأيمن أربعاً وفي الأيسر ثلاثاً ثم قل: بسم الله لا بأس أذهب البأس رب الناس وأشف أنت الشافي لا يذهب الضر إلا أنت قال فذهب الرجل ثم رجع، فقال فعلت الذي أمرتني فأكل وبال وراث وعن ابن عباس ﵁ إذا استعصبت دابة أحدكم أو كانت شموساً فليقرأ هذه الآية في أذنها: "أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون" نادرة: قال أبو العنبس دخل إعرابي السوق ليبيع ناقة فقال له بعض المجان تبيعها يا أعرابي باير بغل فقال الإعرابي اقعد على عطيتك فإن زادونا وإلا أنت أحق بها. الأسعد بن مماتي: أصبح بغلي مثلاً ... يضرب وهو سائر ناصر الدين بن النقيب: لي بغلة من ضعفها ... حزامها يثقلها كأنها رجلي كما ... تحملني أحملها بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي: ترحلت عن ناديك لا عن ملالة ... وقد لفعتني بالهجير البسابس على بغلي أمطيتنيها قصيرة ... كأني بلا شك على الأرض جالس

стр. 251

وتحسبني من فوقها الناس راجلاً ... ولكنني فيما ترى العين فارس البازهير في بغلة شهاب الدين القوصي: لك يا صديقي بغلة ... ليست تساوي خردلة تمشي فتحسبها العيون ... على الطريق مشكلة وتخال مدبرة إذا ... ما أقبلت مستعجلة مقدار خطوتها الطوي ... لة حين تسرع أنمله تهتز وهي مكانها ... فكأنما هي زلزله أشبهتها بل أشبهت ... ك كأن بينكما صلة تحكى خصالك في الثقا ... لة والمهانة والبلة القيراطي: لي بغلة قد أتعبت راحتي ... والرجل من فخذي إلى كعبي طباعها خارجة كلها ... وقط لا تمشي على الضرب الجزار يرثي حمارة: ما كل حين تنجح الأسفار ... نفق الحمار وبارت الأشعار خرجي على كتفي وها أنا دائر ... بين البيوت كأنني عطار ماذا على جرى لأجل فراقه ... وجرت دموع العين وهي غزار لم أنس حدة نفسه وكأنه ... من أن تسابقه الرياح يغار وتخاله في القفر جنا إنما ... ما كل جن مثله طيار وإذا أتى للحوض لم يخلع له ... في الماء من قبل الورود عذار وتراه يحرس رجله من زلة ... برشاشها يتنجس الحظار ويلين في وقت المضيق فيلتوي ... فكأنما بيديك منه سوار ويسير في وقت الزحام برأسه ... حتى يحيد أماك الحضار لم أدر عيبا فيه إلا فيه ... مع ذا الذكاء يقال عنه حمار ولقد تحامته الكلاب وأحجمت ... عنه وفيه كلما تختار راعت لصاحبه عهوداً قد مضت ... لما علمن بأنه جزار ومن إنشاء المقر الفتحي بن الشهيد تغمده الله برحمته من رسالة كتبها عن حضور أكديش أدهم وينهي وصول المنعم به على المملوك فأضافه إلى ما في يده من الصدقات العميمة يقدر قدرها ويضاعف بالخدمة والنصيحة شكرها وفرح المملوك أنه ما خص بالفرس إلا وقد ثبت عند سيده أنه غلام وما أجراها له من ديوان الخاص إلا لتمييز قدره على العوام ووصل هذا الجواد أدهم من الخيل كأنما ألبسه الليل حلة سابغة الكم والذيل وفهم المملوك من بعثه حالك السواد أن الأمر العالي اقتضى أن المملوك يكتم هذا الإحسان في سواد الفؤاد ويستره عن الحساد كما ستر الليل عن الرقبا اجتماع أهل الوداد فتسلمه المملوك كما تسلمت الجفون طيف الحبيب وأسر السرور به لما علم أنه من صدقة السر التي أخفتها اليد الكريمة ولا يعزب عن الله مثقال ذرة فيها ولا يغيب واتخذ المملوك ظهر هذا الجواد حرزاً لأنه من الهياكل وتصيد بعنانه غزلان الأعنة فكانت لصيد العز حبائل وجعله ذخيرة وعزا لأنه أدهم لا يندم صاحبه إن نابت النوائب أو غالت الغوائل، ومنها وصل الظهر قد أعوز والسفر قد أحفز وجلت دهمته الغمة وجاءت باليد البيضاء فكذبت القائلين لا خير في الظلمة فرأيت منه العطايا في سواد المطالب وركبت من سرجه المحلى بالذهب فما جزت في ليل أهابه إلا اهتديت من تلك الحلى بأنوار الكواكب وقرّت به عيني كأنما حل من سوادي واستوطأت ظهره في السرى فنمت لما طرق كأنه يريد رقادي أدب حسن الأعرابي له ابل كثيرة لمن هذه الابل فقال الله في يدي وقيل لعرابي أنت راعي هذه الإبل فقال الله راعيها وأنا مراعيها. فائدة جليلة: قال الأمير علاء الدين الدواداري في بعض مجامعيه بخط القاضي شمس الدين بن خلكان للمغل يكتب على حافر الفرس الأيسر بقلم حديد وكل حرف من هذه الكلمات على حدته وهي النيل والفرات ودجلة أودية وقال لي شخص أنه جربه وجده نافعاً والله تعالى أعلم ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب من قصيدة: صبحتهم غرر الجياد كأنما ... عند الثنية عارض متهلل من كل منجرد أغر محجل ... يرمي الجياد به أغر محجل زجل الجناح إذا أجد لغاية ... وإذا تغنى بالصهيل فبلبل جيد كما التفت الظليم وفرقه ... أذن ممشقة وطرف أكحل

стр. 252

ومن كلام سيدي المقر المجدي حسبما اقترحه السادة المخاديم بالقاهرة المحروسة البلاغة جعل الله تعالى كف موالينا للمقبل والمؤكل ككرائم الخيل ظهروها عزا وبطونها كنزاً وآيات كرمه إذا تليت تهز أعطاف كل جواد هزا ويتبعه في مجاراتها كزا تعلى الهمم وتغلى القيم ويحوز صاحبها قصب السبق بالقلم غير أنها تلجئه في اقتراح الأخوان إلى ركوب الأهوال وتمطيه في إتباع أوامرهم صهوة الخطر إذا كان لا خيل عنده يهديها ولا مال فإنهم أبقاهم الله تعالى رموا العبد من اقتراحهم بما لا يطاق ودفعوه من أوصاف الخيل إلى حلبة سبق إليها جماعة فكيف للملوك بعدهم باللحاق نعم كيف له بلحاق تلك الفحول وأنى يمكنه مجاراتهم في هذه الليالي العواطل وقد كانت أيامهم لها غرر معلومة وحجول فاستقلت من هذا الامتحان واعتذرت أني لست في أمر الخيل من الفرسان، فقالوا بل أمطينا الطرف راكبه وأعطينا المال وأهبه فإنك ربيب متونها ومهذب شامسها وحرونها فجلت في ميدان الفكر وجذبت أعنة الحظ والذكر إلى أن أنتجا لي ما لو أوقفت لسترته ولو تركت لتركته فابتدأت بوصف أخضر مليح الشيات كامل الأدوات يحمل الراكب ويزين المواكب ويرضي الشهم الشديد ويسبق السهم لا يخرج عن طوع فارسه ولا يعدو اختيار ممارسه كأن أديمه تجعد من نور خلاف أو لف من جنات ألفاف وكميت أصم اللون مليح الكون بعيد الصفات سريع الالتفاف تثنى على همته الركبان وبطنه تحت العجاجة نار علاها دخان فسيح الخطوة شديد القوة سبط الأديم معظم لدى الكرام ولا عجب إذا عظم الجواد كريم كأنما صبغ بعقار أو ألبس جل نار وقبر كلون الحرباء وخيال أزاهر على صفحة الماء ووجنة حب تكالمت بعرق ونهر صاف بوجهه عله وبهجة حباب على كئوس مدامه وأشعة تألفت في طوق حمامة لا تنثت العين معرفته ولا يوفى البليغ وإن أطنب صفته ولا يدركه الطير إذا طار ولا يلحقه الريح إذا اشتدت غير الغبار لا يمل السباق ولا يزعج راكبه إذا قام على قدم وساق وأبلق كرم الأصل محمود الخصل مجتمع من ظلمة الهجر وضياء الوصل يرى الناظر من لونيه بياض العطايا في سواد المطالب وتحقق للمتعجب من تضادهما أن في الليل والنهار عجائب لا يجليه البصر إذا سار ولا ينجو من راكبه عدو وكيف ينجو من خلفه الليل والنهار تفرد في جنسه وكاد يدرك المعقولات بضياء حسه عظم خبره واشتهر بين الأنام قدره وعز على رامه وطال وكيف لا وهو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره وأدهم بهى المنظر المخبر تخاله خالاًعلى وجنة الزمان وتظنه بين جفنى السماء والأرض انسان أسرع من السهم وأنفذ من الوهم يطوي شقة الفلا بيديه ويجتذب سويدات القلوب إلى حبه وشبه الشيء منجذب إليه تنبئك بالظفر مخائله ولا ينشدك لونه الأبلق إلا بليل من تواصله وبالجملة فكأنما حلفت على اقتراح الرياضة واختبار الأنفس المرتاضة فكلها حسن وكل منها من الصفات الغريبة بفن يأتي من المشي بما لم في حساب ويتلو لسان السرعة على مستعظم أشكالها "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب" فالله تعالى يبقى المخدوم ما انتخبت القرايح وسيرت الخيول بين غاد ورايح ويكفيه ما تسعى من أجله ويجعل بابه جنة لأوليائه إذا زحف عليهم الدهر بخيله ورجله بمحمد وآله. المولى الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين على بن الآمدي: وكميت يلقى الصخور إذا اشت ... د جريا بأربع من حديد رق جلداً وأحمر حتى حسبنا ... أنه اختال لفي رداء الخدود وله في فرس أدهم محجل: وأدهم خص بأوضاحه ... أعلاه بالغرة أو أسفاه كالليل في أوله آخر الي ... وم وفي آخره أوله وله: بكل جواد سر حتى كأنما ... له السيف حد والسنان له أذن ولبعضهم: قم بنا نركب طرف الل ... هو سبقا للمدام وأثن يا صاح عناني ... لكميت ولجام ولآخر: ويوم كسته الشمس غرة مهجة ... كما ذهبته بالعشي تخيلي ركضت به في حلبة اللهو سابقاً ... فيا لك من يوم أغر محجل ابن المعتز في وصف مطلق الواحد محجل الثلاث: ومحجل غير اليمين كأنه ... متبختر يمشي بكم مسبل فخر الدين بن مكانس: يا عصبة الجود الذي يرضيهم ... فرسى العتيق ومهرى السباق أما العتيق فلا نرجو تملكه ... وإليكم هذا الحديث يساق

стр. 253

وضمن هذا الغزل شيخنا عز الدين الموصلي: لحديث بنت العارضين طراوة ... وطلاوة هامت بها العشاق فإذا نهانى المراد قلت تمهلوا ... فاليكم هذا الحديث يساق قلت وفي مقطوعة الشيخ فخر الدين زيادة حسنة على الشيخ عز الدين وهو قوله يساق واستعمل الشيخ عز الدين لفظة حديث في عدة أماكن من مقاطيعه ولعمري أجاد في جميعها فمنها قوله: حديث عذار الحي باد وساقه ... له أوجه تبدي لقلبي اشتياقه درى أننا نشتاق لطف حديثه ... فأبدى لنا ذاك الحديث وساقه وقوله: حديث عذار الحب في خذه جرى ... كمسك على الورد الجنى تسطرا فقبلته حتى محوت رسومه ... كأن لم يكن ذاك الحديث ولا جرا ولغيره وليس مما تقدم لكن ذكرناه لموافقة المعنى: ولما اجتمعنا والسلو جليسنا ... على أننا نسلو الهوى ونميل وخيل غرام قد أتتنا مغيرة ... فلم ندر إلا والسلو قتيل ومنه: وحياة من أمست لدى حياته ... أشهى إلى من اتصال حياتي ما سافرت لحظات طرفي نحوكم ... إلا على خيل من العبرات ومنه قول عز الدين الموصل شعراً: يستطرد الشوق خيل الدمع سابقة ... تفضل السحب فضل العرب للعجم وما ألطف قول بدر الدين بن الصاحب: بالله يا بدر زرني ... وعد محباً سقيماً واكتم محبك واركب ... من الظلام بهيما وأنشدني شيخنا زين الدين بن العجمي لنفسه: لمظلمات الليالي ... أشكون شجوني الليمة وكيف تفهم معنى ... شكواى وهي بهيمة فخر الدين بن مكانس: لله أشكو ما جرى ... وهو بشكواى عليم أن بهيما كان لي ... فضاع في الليل البهيم ولمؤلف الكتاب: ولرب ليل طال من تذكارهم ... أرعى الدجى فيه وليس ببارح قرح الجفون السهد في ظلماته ... فلذاك يدعى بالبهيم القارح وعلى ذكر البهيم فما أحسن ما أنشدني لنفسه مجد الدين بن مكانس: لله عصبة عشق ... طيب الكرى حرموه عذولهم كحمار ... لا بدع أن صرموه وأنشدني صدر الدين بن الآدمي لنفسه: قلت وليلى لونه حالك ... وجنحه في ليله كالسقيم الصفدي في أدهم بغرة: وأعجبنا للصبح من أشقر ... ما آن أن يلحق ليلاً بهيم وغيره: تردى أيدم الليل تيها بنفسه ... وأطمع حتى في منال الكواكب وأبدى لرائيه بغرة وجهه ... بياض العطايا في سواد المطالب وأمشدني فخر الدين بن مكانس: لنا فرس نلاقي منه رفقاً ... كرفق الوالدين إذا ثملنا ترانا حين نركبه سكارى ... نميل على جوانبه كأنا حدث أحمد بن أبي خالد قال خرج الفيض بن أبي صالح وأحمد بن الجنيد وجماعة من وجوه الكتاب يوماً من دار المأمون منصرفين إلى منازلهم وكان يوماً مطيراً فتقدم الفيضابن أبي صالح وتلاه أحمد بن الجنيد فنضخت دابة الفيض على ثياب أحمد بن الجنيد برجلها من ماء المطر فتأفف أحمد بن الجنيد وقال للفيض هذه والله مسايرة بغيضة وما أدرى حقاً أوجب لك التقدم علينا فأمسك الفيض حتى صار إلى منزله ثم دعا وكيله فأمر باحضار مائة تخت في كل تخت قميص وسروال ومبطنة وعمامة وطيلسان ففعل ذلك وقال احمل هذه التخوت على مائة حمال وسر بها إلى دار أحمد بن الجنيد وقل له أوجب لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا نهديه إليك إذا أفسدنا ثيابك قإن أهديت لنا مثلها قدمناك علينا.

стр. 254

قال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى ضمنا مجلس أنس بزريبة قيصون بمنظل المرحوم فخر الدين بن مكانس وكان فيه إذا ذاك جماعة من أعيان متأدبي الديار المصرية فأطلقنا عنان المذاكرة وتجار ينافى ميدان المحاضرة إلى أن استطردنا إلى ذكر الخيول وما قيل فيها من منظوم أزهى من المنثور المطلول، فقال المرحوم فخر الدين سدوا عنا المقاطيع واطربونا بالمواصيل إشارة إلى ذكر ما قيل فيها من الرسائل التي أزرت بزهر الخمائل فذكر بعض الحاضرين رسالة القاضي محي الدين عبد الظاهر التي أولها وسير من الخيول الرهاوين كلما هو على الحسن مشتمل وذكر المرحوم فخر الدين رسالة الشيخ شهاب الدين محمود التي أولها وينهي وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها وذكر المملوك رسالة الشيخ جمال الدين بن نباتة التي أولها، اما لخيل المسيرة وذكر الشيخ بدر الدين البشتكي رسالة العلامة لسان الدين بن الخطيب التي أولها.... وذكر القاضي مجد الدين بن مكانس حسب سؤال الجماعة رسالته التي أولها البلاغة جعل الله أكف مولانا ككرائم الخيل ظهورها عزا وبطونها كنزاً فما من الجماعة إلا من استحسنها وبالغ في شكرها، فقال المرحوم فخر الدين ينبغي أن تجمع هذه المقاطيع والرسائل في كراريس ويسميها مجرى السوابق. انتهى. الباب الثالث والأربعون في مصائد الملوك وما فيها من نظم السلوك ولبعضهم في الفهد: وأهرت الشدق في فيه وفي يده ... ما في الصوارم والعسالة الذبل تنافس الليل فيه والنهار معاً ... فقصماه بجلباب من المقل والشمس مذ لقبوها بالغزالة لم ... تطلع على وجهه إلا على وجل ابن المعتز فيه: وعابس الوجه لا لقادحة ... تحسبه من قبائل الترك تخال أثوابه مصندلة ... نقطها الغانيات بالمسك الارجاني فيه: وأهرت أدم بدت كأسمها ... به الدهر أدم لنا يؤتدم من النمر خيط على جسمه ... أديم تعين لا عن حلم به علقت شرر لو حت ... هـ من نار خد له يضطرم ففي كل عضو له أعين ... تراصد إن هو بالصيد هم تراه رديفاً وراء الغلام ... وبالشمس الوجه منه التأم شبيه سبية جيش غدت ... تذيق الكرى مقلة لم تنم جرى الدمع بالكحل من عينها ... فنمنم جلبابها إذ سجم وقد كاد يخرج من جلده ... وراء الطريدة لما اقتحم فقد شمر الجلد خوفاً علي ... هـ أول ما الخلق منه استتم ابن الأثير الجزري في الفهود: فخرجنا والشمس قد نقص مشرقها عن مغربها وأمنت حمة حرها وإن صارت إلى برج عقربها بكل فهد قد حيك أهابه من ضدين بياض وسواد وصور على أشكال العيون فتطلعت إلى انتزاع الأرواح من لأجساد يبلغ الأمد الأقصى في أدنى وثباته ويسبق الفريسة ولا يقصها إلى عن التفاتة. القول في طبائعه: زعم أرسطو أنه متولد بين أسد ونمرة أو بين لبوة ونمر في طبعه مشابهة لطبع الكلب في أدواته وذواته والنوم الذي يعتريه ويقال إن الفهدة إذا حملت وثقل حملها حتى عليها كل ذكر يراها من الفهود ويواسيها من صيده فإذا أرادت الولادة هربت إلى موضع أعدته حتى إذا علمت أولادها الصيد تركتها وبهذا الحيوان يضرب المثل في شدة النوم فيقال أنوم من فهد. قال الشاعر وقد عيره بكثرة النوم: رقدت مقلتي وقلبي يقظا ... ن يحس الأمور حساً شديداً يحمد النوم في الجواد كمالاً ... يمنع الفهد نومه أن يصيدا

стр. 255

وليس شيء في جرم الفهد من الحيوان إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابة والإناث أصعب أخلاقاً وأكثر جراءة وأقداماً وفي أخلاقه الحياء وذلك أن الرجل يمر بيده على سائر جسده فيسكن لذلك حتى تصيب يده مكان القنر فيقلق حينئذ ويغضب ومن خلقه الغضب وذلك أنه إذا وثب على طريدة لا يتنفس حتى ينالها فيحمى لذلك وتمتلىء رئته من الهوى الذي حبسه وسبيله أن يراح ريثما يخرج النفس وتبرد تلك الغلة ويشق عن قلب الطريدة ويشمم إياه ثم يطعمه منه ويسقى ري ماء إن كان الزمان قيظاً ودون الري إن كان الزمان برداً ولإن لم يروح لم يفلح بعد ذلك وإذا أخطأ صيده رجع مغضباً وربما قتل سائسه، ومن أخلاقه أنه يأنس لمن يحسن إليه ويقال أنه لص من لصوص السباع وهو وإن كان وحشياً فإنه يقبل الأدب إلا أن كبارها أقبل وإن تقادمي في التوحش وإنائها أصيد من ذكورها ومن طبعه أنه يحب الصوت الحسن ويصغي إليه وربما كان سبباً لصيده، ومما ركب فيه أن ما عجز عن التكسب منها الهرم يجتمع على فهد يصيد لها في كل يوم شيعها وقال أرسطو: السباع تستنشق رائحة الفهد وتستدل بها على مكانه تعجب بلحمه أشد التعجب فهو يتغيب عنها لذلك وربما قرب بعضها من بعض فيطمع في نفسه فإذا أحس السبع منع ذلك وثب عليه فأكله وهو ألطف شما لأراييح السباع القوية من شمك السباع لرائحته الشهية ولا يكاد يكون على علاوة الريح أبداً وهو يستخفي في الشجرة فإذا مر به اتل ففاجأه وثب عليه وأنشب مخالبه في أكتافه ومص دمه حتى يضعف الإبل ويسقط فتجتمع عليه الفهود فتأكله لفإن أجتاز به أسد نهض وترك الفريسة له تقرباً إليه والفهد يعتريه داء يسمى خناقة الفهود وقد ألهم أنه إذا أعتراه ذلك يأكل العذرة فيبرأ وينبغي إذا صيد أن يغطي رأسه ويدخل في جوالق ويجعل في بيت قد وضع فيه سراج ويلازمه سائسه ليلاً ونهاراً ولا يدخل عليه غيره فإذا آنس أركبه ظهر دابة ويطعمه على يده وأول من صاد به كليب بن وائل ويقال همام بن وبرة وكان صاحب لهو وطرب وأول من حملها على الخيل يزيد بن معاولة وأكثر من اشتهر باللعب بها أبو مسلم الخراسانى وأولى من استسن الحلقة في الصيد وأولع بها كثيرا المعتضد والمواضع التي يوجد فيها هذا الحيوان هما يلي بلاد الحجاز إلى اليمن وها يليها إلى بلاد العراق ومما يلي بلاد الهند إلى تبت والله تعالى أعلم.

стр. 256

القول في طبائع الكلب: قال المتكلون في طباع الحيوان الكلب لا سبع تام ولا بهيمة تامة حتى كأنه من الخلق المركب لأنه لو تم له طباع السبعية ما ألف الناس واستوحش من البراري وجانب القفار ولو تم له معنى البهيمة في الطبع ما كل لحم الحيوان وكلب على الناس وإنما جعلناه تبعا للفهد وهذه حالته لمشاركته له في حرفة الصيد واعتناء الناس بتربيته وتعليمه كما اعتنوا بالفهد في ذلك وهو نوعان أهلي وسلوقي ومما يختصر به الكلب السلوقي من الطباع وسبب نتاج السلوقي كما حكاه أهل الكلام في الكلبزة أن الكلاب تسفد الذئاب في أرض سلوقة من أرض اليمن فيتولد بينهما السلوقي وقال آخرون الثعالب والكلب السلوقي له نفس مولعة بتناول ما يرسل عليه ويطلبه بالإحضار خلفه حتى يدركه فيأخذه لهم لأن حرصه على الصيد وغضبه ليس هن أجل نفسه كما يغضب الفهد لأن الجوارح تعمل لأنفسها إلا الكلاب فإنها تكتسب لأصحابها وهى إذا كثرت عليها الآثار واختلطت تتنكب لذلك وتذهب في كل جهة حتى تستثبت الأثر وتتحقق جهته وذلك من حرصها على مطاوعة ربها واستعدادها لنكاية أعدائه ومسارعتها لتحصيل غرضه الذي أرسلها بسببه ومن أعجب الأحوال فيه أنه إذا عاين الظباء قريبة منه كانت أو بعيدة عرف المقبل منها والمدبر وعرف العنز من التيس، وإذا أبصر القطيع لم يقصد غير التيس لعلمه أنه إذا عدا شوطين لم يستطع البول مع شدة الحصر ورفع القوائم فينقص مدى خطاه ويعتريه الهير فيلحقه الكلب والعنز إذا اعتراها البول في العدو ولم تمسكه وقذفت به لسعة السبيل فلأجل ذلك لا يطلبها ومن عجيب أمره أنه يعرف الميت من المتماوت حتى يقال أن الروم لا تدفن ميتاً حتى يعرضونه على الكلاب فتظهر هن شمه إياه علامة يستدلون بها على حياته أو موته ويقال إن هذا الحذق لم يوجد إلا في كلب يسمعى القلطي وهو صغير الجرم قصير القوائم جدا ويسمى الصيني وهو مع هذا لا يبلغ رتبة الذئب في الشم والاسترواح وإناث. الكلاب السلوقية أسرع تعلما من الذكور والفهد بالعكس، وهذا النوع يعيش عشرين سنة على ما زعم أرسطو وربما لم يبلغ الإناث هذا العمر. دلائل النجابة والفراهة في الكلاب السلوقية: أما في الخلقة فطول ما بين الرجلين واليدين وقصر الظهر وصغر الرأس وطول العنق وغضف الأذنين وبعد ما بينهما وسعة العينين وبعد ما بينهما وزرقة العين ونتوء الجبهة وعرضها وقصر اليدين، وأما الألوان فيقال السود أقل صبرا على الحر والبرد والبيض أفره إذا كن سود العيون وقد قال قوم إن السود أصبر على البرد وأقوى وكذلك السود من الحيوان. الفراهة في الجرو: إذا ولدت الكلبة واحداً كان افره من أبويه وان ولدت. ذكرا وأنثى كان الذكر أفره وان ولدت ثلاثة فيها أنثى في شبه الأم كانت أفره من أبويه الثلاثة وإن كان في الثلاثة ذكر واحد فهو أفرهها قال ابن خفاجة: ومورس السربال يخلح قده ... عن نجم رجم في سماء غبار يستن في سطر الطريق وقد عفا ... قد ما فيقرأ أحرف الآثار عطف الضمور سربه فكأنه ... والنقع يحجبه هلال سرار يفتر عن مثل النصاب وإنما ... يمشى على مثل القنا الخطار الارجانى: وعصف يسابق عصف الريا ... ح فيسبقه خصرها إن تسم رياح مجشمة للعيو ... ن مقلدة في طلاها رمم لهن من البيض مصقولة ... تسل وتغمد من كل فم فمن أبيض مثل لون الدمق ... س ومن أصفر أملس كالزلم وآخر ذي لمع في السوا ... د حكى لونها نفخة في فحم يقرط مخلبه أذنه ... ويسبق ناظره حيث أم القول في العقاب: وهذا الصنف يؤنث ولا يذكر ويسمى العنقاء على ما ذهب إليه أهل اللغة وبهذا القول فسر قول أبى العلاء المعرى: أرى العنقاء تكثر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا

стр. 257

ولا خلاف عند أهل اللغة في ذلك وهو ينقسم إلى صنفين عقاب ورمح فأما العقاب فمنها في اللون السود والخوخية والصقع والبيض والشقر ومنها ما يأوي الجبال ومنها ما يأوي الصحارى ومنها ما يأوي البياض ومنها ما يأوي حول المدن ويقال أن ذكورها من طير آخر لطيف لجرم لا يساوي شيئا والعقاب يبيض في الغالب ثلاث بيضات ويحضنها ثلاثين يوما وما عداها من الجوارح يبيض بيضتين في كلى سنة ويحضن عشرين يوما وفى طبع الذكر انه يمتحن أنثاه هل هي محافظة له أو موافية لغيره من جنسه بأن يصوب بصر فرخيه إلى شعاع الشمس فإن ثبت عليه تحقق أنهما فرخا وإن لم يصبر عليه ونبأ عنه ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة الزانية وطردها من وكره ورمى بالفرخين وهى تربي فراخها إلى أن تقوى على الطيران فتخرجها وتنفيها عن جميع مواضعها ومن حقوقها لفراخها أنها لا تحمل على نفسها في الكسب عليها ومتى كان الذكر والأنثى في مكانين مجتمعين لا يدعان غيرهما من جنسهما يأوي قريباً منه ولا يصيد فيه وهى إذا صادت شيئا لا تحمله على الفور إلى مكانها بل تنقله من موضع إلى موضع ولا تجلس إلا على الأماكن المرتفعة لأنها لا تستقل من الأرض إلا ببطء وعسر وإذا صادت الأرنب تبدأ بصيد الصغار ثم تصيد الكبار وهى أشد جراءة من سائر الجوارح وأقواها حركة إلى الغضب وأسرعها إقداماً وأيبسها مزاجاً ولذلك هي أحدها وهى خفيفة الجناح سريعة الطيران فهي إن شاءت كانت فوق كل شيء وان شاءت كانت بقرب كل شيء تتغذى بالعراق وتتعشى باليمن وريشها الذي عليها فروتها في الثستاء وحيسها في الصيف وربما صادت حمر الوحش وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها في الماء حتى تبتل جناحاها ثم تتمرغ في التراب ثم تطير حتى تقع على هامة الحمار ثم تصفق على عينيه بأجنحتها فتملأهما ترابا فلا يبصر حيث يذهب فيؤخذ وهى مولعة بصيد الحيات ولوعها بها كولوع الحيات بالفأر وفى طبعها قبل أن تدرب أن لا تراوغ صيداً ولا تعني في طلبه ولا تزال موفية على شرف عال فإذا رأت سباع الطير قد صادت شيئا انقضت عليه فيتركه له وينجو بنفسه ومتى جاعت لم يمتنع عليها الذئب وهى شديدة الخوف من الإنسان تنظر إليه بقرب منها ويقال إنها إذا شاخت وهرمت وثقل جناحها وأظلم بصرها التمست غديرا فإذا وجدته حلقت طائرة في الهواء ثم تقع في ذلك الغدير وتنغمس فيه مراراً فيصح جسمها ويقوى بصرها ويعود ريشها ناشئ إلى حالته الأولى ومتى ثقلت عن النهوض وعميت حملتها الفراخ غلى ظهورها ونقلتها من مكان إلى مكان لطلب الصيد وتعولها إلى أن تموت ومن عجيب ما أُلهمته أنها إذا اشتكت كبدها هن رفع الأرانب والثعالب في الهواء أكلت أكبادها فتبرأ وهى كل الحيات إلا رءوسها والطير إلا قلوبها ويدل على هذا قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا يابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي ومنقارها الأعلى يعظم ويتعقف حتى يكون سبب هلاكها لأنها لا تنال به الطعم حينئذ وأول من صاد بها أهل المغرب وإنما رغبتهم فيما رأوا من شدة شرهها وعظم سلاحها وصفة المحمود منها وثاقة الخلق وثبوت الأركان وحمرة اللون وغئور الحماليق وان تكون صقعا عجزا وهى التي تكون على علوتها بياض وأجودها ما جلب من سرب وجبال المغرب. ابن نباتة: أتيت إليها وهو كالفرخ راقد ... فيا خجلي لما دنوت وإقلالي فقلت امرسيه بالأصابع فالتقى ... لدى وكرها العناب والحشف البالي

стр. 258

القول فى طبائع البازي: وتنقسم إلى خمسة أصناف البازي والزرق والباشق والعفصي والبيدق والبازي أحرها مزاجا لأنه قليل الصبر على العطش ومأواه مساقط الشجر العادية الملتفة والظل الظليل ومطرد المياه وهو لا يتخذ وكراً إلا في شجرة لها شوك مختلفة الحجون يطلب بذلك الكن ولا يقع في شتاء ولا صيف على أغصانها ولا أطرافها وإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتا وسقفه تسقيفا لا يصلى إليه منه مطر ولا ثلج إشفاقاً على نفسه من البرد والحر ولهذا إذا أخطأ صائده وكان في برية لا شجر فيها طار فيها حتى يلج كهفا من جبل أو جدار من الأرض ليسكن فيه ولذلك علق عليه الجوسكيما يدل على موضعه إن خفي وهو لا يطيق البرد ولا الحر لرقة جوانحه فسبيله في البرد أن تقرب منه النار ليدفأ ولجعل تحت كفيه في الشتاء وبر الثعلب واللبود وسبيله في الحر أن يجعل في كن كنين من السموم بارد النسيم ولفرش له الريحان والخلاف، وهو خفيف الجناح سريع الطيران يلف طيرانه كالتفاف الفاختة ويسهل عليه أن يزج نفسه صاعداً وهابطاً وينقلب على ظهره حتى يلتقم فريسته وسبيله أن يضرأ على صيد الدراج والنبح إن كان طويل المنسر وإذا كان قصير المنسر فسبيله أن يضرأ على طير الماء والحبرج والإناث من هذا الصنف أجرأ على عظام الصيد من ذكورها، قال أصحاب البيزرة في الكلام على الإناث من البزاة إذا كان وقت سفادها وهياجها يغشاها جميع أجناس الحيوان الضواري كلها الزرق والشاهين والصقر وإنما تبيض من كل طير يغشاها ولهذا تجيء مختلفة الأخلاق من الحسن والجراءة والخبث والغدر والذكاء والقوة والضعف والحسن والقبح والشراهة ولهذا البازي لا يترك ما بين العصفور إلى الدراج والكراكي وصفة الفاخر منه أن يكون قليل الريش أحمر العينين حادهما وأن يكونا مقبلتين على منسره وجؤجؤهما مطلان عليهما لا يكون وضعهما في جنبي رأسه كوضع عين الحمام والأوراق دون الأحمر العين والأصفر دونهما وسعة الأشداق دليل على قوة الافتراس. ومن صفاته المحمودة أن يكون طويلا عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين شديد الانخراط إلى ذنبه وإن تكون فخذاه طويلتين مسرولين بريش وذراعاه قصيرتين غليظتين وأشاجع كفيه عارية وأصابعه متفرقة لا تكون مجتمعة ككف الغراب ومخلبه اسود ومنسره اسود رقيقا وأفخر الألوان البيض ثم الشهب وهما لونان يدلان على الفراهه والكرم وأما الأسود الظهر المنقش الصدر بالسواد والبياض فهو يدل على الشدة والصلابة فإن اتفق أن يكون أحمر العينين وكثيرا ما يتفق كالنهاية وهذا اللون في البزاة كالكميت من الخيل لأنه يدل على الشدة والأحمر من هذا الصنف أحسن. البزاة لأنه فيها كالسوسي من الخيل بعيد من الصلاح، وأول هن صاد بهذا الجارح لزرتق أحد ملوك الروم الأول وذلك أنه رأى بازيا إذا علا كنف وإذا أسفل أخفق وإذا أراد يسمو ذرق فاتبعه حتى أقتحم شجرة ملتفة كثرة الدغل فأعجبته صورته فقال هذا طائر له سلاح تتزين بمثله الملوك فأمر بجمع عدة هن البزاة فجمعت وحصلت في مجلسه فعرض لبعضها إثم فوثب عليه فقتله فقال ملك يغضب كما تغضب الملوك ثم أمر به فنصب على كندرة بين يديه وكان هناك ثعلب فمر به مجتازا فوثب عليه فما أفلت منه إلا جريحا فقال هذا جبار يمنع حماه ثم أمر به فضرى على الصيد واتخذته الملوك بعد ذلك. ابن الإيثر في البزاة: وأطلقت لك البزاة بعد أن ذكر اسم الله على إطلاقها وتعلقت بما فوقها من الطيور حتى كأنما هي أطواق في أعناقها.

стр. 259

ومن رسالة لأبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة يصف بازياً طائرا يستدل بظاهر صفاته على كرم ذاته طورا ينظر نظر الخيلاء في عطفه كأنما يزهى به جبار وتارة يرمى نحو السماء بطرفه كأنما له هناك اعتبار وأخلق به أن ينقض على قنبصة شهابا ويلوي ذهاباً ويحرقه مواقد والتهابا حميد العين والأثر حديد السمع والبصر يكاد يحس ما يجرى ببال ويسري في خيال قد جمع بين عزة مليك وطاعة مملوك فهو بما يشتمل عليه من علو الهمة ويرجع إليه بمقتضى الخدمة مؤهل لإبراز ها تقتضيه شمائله وإيجاب ما تعديه مخائله وخليق بمحكم تأديبه وجودة تركيبه أن لو مثل له النجم قنصا أو جرى للبرق فصصا لاختطفه أسرع من لحظه وأطوع من لفظه وانتشبه أمضى هن سهم وأجرى من وهم وقد أقسم بشرف جوهره وكرم عنصره لا بوجه مسفرا إلا وعاد قنيصه معفراً وآب إلى يد من أرسله مظفرا مورد المخلب والمنقار كأنما اختضب، نحبا أو كرع في عقار. وصفاته المحمودة: أن يكون صغيراً في المنظر ثقيلا في الميزان طويل الساقين قصير الفخذين عظيم السلاح بالنسبة إلى جسمه. القول على الصقر: وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب لأنه أصبر على الشدة وأحمل لغليظ الغداء وأحسن إلفا وأشد إقداماً على جملة الطير من الكراكي والجوارح ومزاجه أبرد من سائر ما تقدم وأرطب وذلك معروف من ركوده وقلة حركته وعدم التفات ريشه وبهذا السبب يضرأ على الغزال والأرنب ولا يضرأ على الطير لأنها تفوته وفعله في صيده الانقضاض والصرم وهو غير صاف بجناحه ولا خافق به ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئة بخلاف البازى وتقول أصحاب البيزرة أنه أهدى نفسا من البازي وأسرع أنسا بالناس وأكثرها رضا وقناعة وهو يغتدي بلحوم ذوات الأربع ولبرد مزاجه لا يقرب المياه ويعافها ولو لم يجدها الدهر ما أرادها ولأجل ذلك يوصف بالبخر ونتن الفم، وفى طبعه أنه لا يركب الشجر ولا شوامخ الجبال ولا يأوي إلا المقابر والكهوف وصدوع الجبال وفيه جبن ونفسه دون سدته ولذلك يضرب الغزال والأرنب ولهرب منه ولا يكاد يعلق بفريسة فإذا فارقها عاد إليها منقضاً فيضر بها ويرقى هارباً وكلما تقدم ذكره ينقى بالماء ويغتسل وهو ينقى بالتمعك في الرمل. وصفاته المحمودة أن يكون أحمر اللون عظيم الهامة واسع العينين تام المنسر طويل العنق والجناحين رحب الصدر ممتلىء الزور عريض الوسط جليل الفخذين قصير الساقين والذنب قريب الفقرة سبط الكف غليظ الأصابع فيروزجيها أسود اللسان، وأول من صاد به وضراه الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة فإنه وقف يوماً على صياد قد نصب للعصافير شبكة فانقض صقر على عصفور قد علق فجعل يأكله والحارث يعجب فأمر فأتى وقد اندق جناحاه فرمى به في كسر بيت ووكل به من يطعمه قدرته حتى صار إذا أتى إليه باللحم ودعاه أجاب ثم صار يطعمه على اليد ثم صار يحمله لانسه به فبينما هو يوما يحمله إذ رأى حمامة فطار عن يده إليها فأخذها واكلها، فأمر الحارث باتخاذها والتصيد بها فبينما هو يوما يسير إذ لاحت له أرنب فطار الصقر إليها وأخذها. فلما رآه يعاقب بين الطيور وبين الأرانب ازداد الحرث فيه محبة واغتباطاً واتخذته العرب بعده. وقال كشاجم فيه: عدونا وطرف النجم وسنان غائر ... وقد نزل الاصباح والليل سائر بأجدل من حمر الصقور مؤدب ... وأكرم ما قربت منه الاحامر جرى على قتل الظباء وإننى ... ليعجبني أن يكسر الوحش طائر قصير الذبانى والقدامى كأنها ... قوادم نسر أو سيوف بواتر ونقش منه جؤجؤ فكأنه ... أعارته أعجام الحروف الدفاتر فما زلت بالاضمار حتى صبغته ... وليس يحوز السبق إلا ضوامر وتحمله منا أكف كريمة ... كما زهيت بالخاطبين المنابر وعن لنا هن جانب السفح ربرب ... على سنن تسستن منه الجآذر فحلى وحلت عقدة السير فانتحى ... لأولها إذ أمكنته الأواخر يحث جناحيه على حر وجهه ... كما فصلت فوق الخدود المعاجر وما تم رجع الطرف حتى رأيتها ... مصرعة تهوى إليها الحناجر

стр. 260

القول على الشاهين: تقول أصحاب البيزرة: الشاهين من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس ولأجل ذلك تكون حركته من العلو إلى السفل شديدة وليس يحلق في طلب الصيد على خط مستقيم وإنما يحوا لثقل جناحه حتى إذا سامت فريسته انقض على فريسته هاوياً من علو إلى سفل فضربها وطار بها يطلب الصعود وإن سقطت دلى الأرض أخذها وإن لم تسقط عاد وضربها لتسقط وذلك دليل على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه وعلى كلى حال فالشاهين أسرعها وأخفها وأشدها ضراوة على الصيد إلا أنهم عابوه بالاباق وربما يعتريه من الحرص حتى أنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات، ويقولون إن عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفه وقال بعض حذاق هذا الفن الشاهين كاسمه يعنى الميزان لأنه يحمل أدنى حال من الشبع ولا أيسر حال من الجوع. والمحمود من صفاته: أن يكون عظيم الهامة واسع العينين حادهما تام المنسر طويل العنق رحب الصدر متملئ الزور عريض الوسط جليل الفخذين قصير الساقين قريب الفقرة من الظهر قليل الريش تام الخوافي رقيق الذنب إذا صلبت عليه جناحاه لم يفضل عنهما شيء منه فإن كان كذلك فهو يقتل الكراكي ولا يفوته صيد كبير وزعم أهل الإسكندر أن السود منها هي المحمودة وأن السواد أصل لونها وإنما قلبته التربة فحال ويكون فيها الملمع، ويقال إن أول من صاد بها قسطنطين ملك عمودية حكى أنه خرج يوماً يتصيد بالبزاة حتى انتهى إلى خليج القسطنطينية وهو المسمى بحر ينطش فعبر إلى مرج بين الخليج والبحر فنظر إلى شاهين ينكفىء على طير الماء فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته والحاحه على الصيد فأمر له أن ينصب له حتى صيد فأخذه وضرأه ثم ريضت له بعد ذلك الشواهين وعلمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظله من الشمس فكانت تنحدر مرة وترتفع أخرى فإذا نزل وقفت حوله: الوصف والتشبيه قال صلاح الدين الصفدي ملغزاً في بجع: ما طائر في قلبه ... يلوح للناس عجب منقاره كبطنه ... والرأس منه في الذئب محي الدين بن عبد الظاهر: بي من أمير شكار ... هو يذيب الجوارنح لما حكى الظبي حسناً ... حنت إليه الجوارح نقلت من كتاب المصائد والمطارد لأبي الفتح كشاجم قيل لمن كان مجمناً للصيد من حكماء الملوك إنك قد أدمنت هذا وهو من خير الملاهي وفيه مشغلة عن مهم الأمور ومراعاة الملك فقال إن للملك في مداومة الصيد حظوظاً كثيرة أقلها تنبئه في أصحاره مواقع العمارة من بلاده في النقصان والزيادة فإن رأى من ذلك ما يسره بعثه الاغتباط به على الزيادة فيه وإن رأى أمراً ينكره جرد عنايته له ووفرها على تلافيه فلم يستتر عنه حال حال ورأس الملك العمارة ولم يخرج ملك الصيد فيرجع بغير فائدة أما حداثة خيله فيمرنها ويكف من غرب جماحها، وأما شهوته فينشيها، وأما فضول بدنه فيذيبها، وأما مراودة ومفاضلة فيسلسها، وأما أن يكون قد طويت عنه حال مظلوم فيتمكن من لقائه ويرجع إليه ظلامته فيسلم من مأثمه وإما أن ينكفىء بصيد يتفائل بالظفر به إلا خلال كثيرة لا يجهل ما فيها من الربح ومنه من فضل العلم بالصيد والعادة ما حكاه لي أبي إسحاق إبراهيم بن السدي عن الملك بن صالح الهاشمي عن خالد بن برمك أنه كان نظر وهو مع صالح صاحب المعلى وغيره من رجال الدعوة وهو على سطح قربه نازل مع قحطبة حين قفلوا من خراسان وبينهم وبين عدوهم مسيرة ليال وأيام إلى أقاطيع ظباء مقبلة من البر حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة ناد في الناس بالاسراج والالجام وخذ الأهبة فتشوف قحطبة فلم ير شيئاً يروعه، فقال لخالد ما هذا الرأي فقال أما ترى هذه الوحوش قد أقبلت إن وراءها لجمعا يكشفها فما تمالك الناس أن تأهبوا حتى رأوا طليعة ولولا علم خالد بالصيد لكان الجيش قد اصطلم، ووقف بعض الملوك بصومعة حكيم من الرهبان فاستجاب له فقال له ما اللذة قال كبائر اللذات ربع فعن أيهن تسأل قال صفهن لي قال هل تصيدت قط قال لا قال ألك حظ بالسماع والشراب قال لا قال فهل فاخرت ففخرت أو كاثرت فكثرت قط قال لا قال وما بقى من اللذات.

стр. 261

الجوارح أربعة البازي والشاهين والصقر والعقاب وما يضاف إليها فنقتصر على ذكر هذه الأربعة إذا كانت أركان الجوارح ومعتمد الملوك عليها فالمبدأ به منها البازي يقال باز وبزاة مثل قاض وقضاة وبيزان كغاز وغيزان وبازي وبوازي قال لبيد بن ربيعة: لقيت لنا بوازي صائدات ... وطيرك في مكامنها لبود وأول من تهدى إلى الصيد به تقدم ذكره ولا يعرف كحرصه حرصاً ولا كجده جداً وفي أخبار نصر بن سيار أن بعض كبراء الدهاقين غدا عليه بطبرستان ومعه منديل فيه شيء ملفف فكشف عنه بين يديه فإذا فيه هيئة شلوباز ودراجة محترقين فقال نصر ما هذا فقال الرجل خرجت ومعي هذا البازي وثارت دراجة فاضطرب عليها وأحسست به وقد كنت مررت بقصباء أفسدت أرضا لي فأمرت بإحراقها فاضطرمت فتحاملت الدراجة حتى اقتحمت النار هاربة واشتد قربه إليها فلم تثنه النار عنها واقتحم في أثرها فأسرعت فيهما فأدركتهما النار واحترقا فأحضرتهما للأمير ليرى بهما ثمرة إفراط الحرص وإفراط الجبن وما أحسن صورة اجتمع فيها ثلاث بزاة على ظهر فرس في كف رجل واختلف رأى الملوك فيما مثلته في تيجانها ولباسها، فكانت أمثلة تاج ملك جيلان ولباسه صورة بزاة فقيل له في ذلك فقال وجدت الإنسان يحمله الفرس ووجدت البازي يحمله الإنسان لينال عليه لذته وبغيته وطرده ووجدته أيضاً ملك نوعه وإذا كنت أحمله جسماً في الحقيقة فلا أعاب به فأنا في تمثيله وحمله مثالاً في لباسي وحلتي أعذر. ومن فضائله: أن الصيد فيه طبع لأنه يؤخذ فرخاً من وكره من غير أن يكون حذق ولا تصيد مع أبويه فيصيد ابتداء من غير تضربة ولا استجابة وليس ذلك في الصقر والصقر بعكسه ومن ملح أخباره وأمثاله أن خالد بن برمك قال بينما أبو أيوب الكاتب جالس في أمره ونهيه إذ أتاه رسول المنصور فامتقع لونه فلما رجع تعجبنا من حاله، فقال أنا اضرب لكم مثلاً زعموا أن البازي قال للديك ما في الأرض حيوان أقل وفاء منك قال وكيف ذلك قال أخذك أهلك بيضة فحضنوك ثم خرجت على أيديهم وأطعموك في أكفهم ونشأت بينهم حتى إذا كبرت لا يدنو إليك أحد إلا طرت مرة كذا وصوتت وحذرت، وأنا مسوني من الجبال فعلموني وألقوني في الهواء فآخذ صيدي فأجئ به إلى صاحبي، فقال له الديك إنك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مثل الذي من الديوك لكنت أنفر مني ولكنكم أنتم لو لمتم ما أعلم ما تعجبتم من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي وأقول إن هذا المثل يتصل به معنى حسن لكفاءة السلطان وأعوانه وهو أنه ينبغي لتابع السلطان أن يجتهد في توفير الحظ واجتلاب المنافع إليه حتى يكون كالبازي الذي دفع عن نفسه ما وقع الديكفيه برغبة صاحبه في كسبه ووده ولم يقنع له بالسلامة حتى أكرمه بالدستيان وأركبه يده وحلاه الجلجل وأطعمه من خالص كسبه ومن غير كسبه وعجز الديك عن هذه الفضائل والمكاسب واقتصر على شهوة الفساد والترفه واللفظ فحل به ما حل. أمارات الجراءة فيه: يمتحن ذلك بأن ينصب في بيت مضيء ثم يقطع عنه الضوء ويسد ما يدخل إليه من النور فإذا أظلم البيت دنوت من البازي فلمسته مسرعاً فإن وثب على يدك وقبضها فهو جزيء بصيد عظام الطير وأن تقبض وسكن فليس كذلك، ومن أمارات القوة أن يشد في زاوية البيت وينظر أين يبلغ بزرقه من الحائط فأرفعها زرقاً أشدها قوة على طيرانه وصيده. ومن ملح ما ورد في التعريض باسمه قال التميميين لرجل من نمير ما أحسن صيد البازي فقال له النميري لاسيما إذا أرسل على القطار أراد التميمي: أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا وأراد النميري: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت قلت وما أحسن جواب بعض الشعراء وقد حضر بين يدي أمير يمدحه فقال له الأمير ممن الرجل فقال من بني تميم فقال الذين يقول فيهم القائل: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا فقال بتلك الهداية جئتك فخجل الأمير وسأله كتمانها بعد الإجازة. الأوقات المحمودة للصيد يوم الغيم الذي لا مطر فيه ويوم المطر للقصف ويوم الصحو للقاء الناس والملوك تغلس للطرد لأن الطرائد في ذلك الوقت تكون رابضة فتستثار وفيها أثر النوم وأما يوم الصيد فالسبت، وقد قيل في ذلك: لنعم اليوم يوم السبت حقاً ... لصيد إن أردت بلا امتراء

стр. 262

والاختيار في باب النجوم فهو اختيار الحرب والوجه أن يكون صاحب السابع في الطالع فيكون المتبوع مأسوراً ويكون القمر مناظراً لأحد السعدين أو متصلاً به في برج ذوات أربع قوائم، قال أبو سهل النويحتى وصاحب الطالع فيه الزهرة والمشتري يسعدها بنظره وهذا معدن من معادن علم النجوم. الشيخ جمال الدين بن نباتة يقرض رسالة بندقية ومن بندقية لها الشرف الرفيع على كل قول والطرف البعيد على كل ذي صوغ من اللفظ وصول وصف فيها الرياض فكأنما وصف كلامه وذكر فيها الواجب فكأنما ذكر بحقوق هذه الصناعة قيامه فما قوس السماء بدا في مصباغات غلائله ورمى ببندق برده الجذب في مقاتله بأبهج من وصفه لتلك القسى المذبحة الجافية المتعطفة الجانية إلا على الطير الممتنع الصائبة بعيون أوتارها شمله المجتمع قسى قاسية الجوانح لينة إلا على الجوارح طالعة أهلتها بفناء السوانح والبوارح ومبتذلة مكرمه صامتة إلا أنها لذوات الجوارح مكملة قادرة على العطاء والعطب باهرة الفضائل التي لولا بدائع الصنع لما نبتت منها في عصب قد ألفت الرياض فلبست بعض بردوها وطلبت شأو السماء فنثرت مثل عقودها تقوم بالواجب وتعين بعين وحاجب وتأخذ على الطير المطار وتذكر قيامها تحته وهى غصن فتطالبه بأوتار كأن كل قوس منها حاجبان وقبضته البلج وكأن بيدقها طالب ما فتح باب نجاح وجناح إلا ولج ولج ومن غزالية غزلية براعية أسلية تقنص فيها شوارد الحكم وقيد أو ابدأ المعاني بجناح القرطاس ومخلب القلم وتصرف من تقريظ مواطن الصيد في باب المنايا والمنايح وتلطف في الأقوال التي لو شاء لعطف عليها الظباء السوانح وأتى بعيون الدرر التي نظمت وفنون الحلل التي رقمت لا بالجزع الذي لم ينقب من عيون الوحش ولا بمناديل أعراف الجياد التي غيرها المس والمش حتى عرت البلغاء أنها أقوى على دفع الخطب وسجع الخطب وأن أقلامهم إذا شاركت قلمه في المعاني كان منه الصيد ومنها الخطب وان غزالا وصفه قد سرف على الغزالة وزهى بما حشد من التقريظ وغزاله فلو استطاع الشكر منه كرما لسطر مدحه فكان الخط دواة والقرن قلما على أن عدل قلمه لو شاء لم ترع ظبية في مداها ولم تخف من مناسر البزاة حد مداها ولم تبلغ يد منهم من ريم مراما ولكانت عينه بل كل عين في جسده من أعين الظباء حراما وله فيها: أسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب صرعت طيرا وسكنت الحشى ... فما تعديت عن الواجب وللشيخ جمال الدين بن نباتة من رسالة طردية حاملين قسيا كالأهله لا جرم أنها تقصر لذوات الجناح عمرا متأبطين حرا وآت يقول الطير عن حواملها هذا الذي تسميه العرب تأبط شراً. ومن إنشاء القاضي شهاب الدين محمود الحلبي: وبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها وتسير من الأفق الغربي إلى موضع رمسها، وتغازل عيون النور بمقلة أرمد وتنظر إلى صفحات الورد نظر المربض، إلى وجوه العود فكأنها كثيب أمسى من الفراق على فرق، أو عليل تقضى بين صحبة بقايا مدة الرمق، وقد أضلت عيون النور لوداعها وهم الروض بخلع حلته المموهة بذهب شعاعها. والطل في أعين النوار تحسبه ... دمعاً تحير لم يرقى ولم يكف كاللؤلؤ ظل عطف الغصن متشحاً ... بعقده وتندى منه في شنف يضم من سندس الأوراق في صرر ... خضر ويجنى من الأزهار في صدف والشمس في طفل الإمساء تنظر من ... طرف غدا وهو من خوف الفراق خفى كعاشق سارعن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراهم على شرف إلى أن نضا المغرب عن الأفق ذهب قلائدها وعوضه عنها من النجوم بخدمها وولائدها فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلة ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلا نحلة ونهضنا وبرد الليل موشع وعقده مرصع وإكليله مجوهر وأديمه معنبر وبدره في خدر سراره مستكن وفجره في حشا مطالعه سستجبن كأن امتزاج لونه بشفق الكواكب خليط مسك وصندل وكأن ثرياه لامتداده معلقة بأمراس كتان إلى صم جندل: ولاحت نجوم الليل زهرا كأنها ... عقود على خود من الزنج تنظم محلقة في الجو تحسب أنها ... طيور على نهر المجرة حوم إذا لاح بازى الصبح ولت يؤمها ... إلى الغرب خوفاً منه بسر ومزرم إلى حدائق ملتفة وجداول محتفة إذا جمش النسيم كصونها اعتنقت عناق الأحباب.

стр. 263

وإذا فرك من المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب ورقصت في المناهل رقص الحباب وان لثم ثغور نورها حيته بأنفاس المعشوق وان أيقظ نواعس ورقها غنته بألحان المشوق فنسيمها وان وشميمها بعرت الجنان عنران ووردها من سهر نرجسها غيران وطلها في خدود الورد مهتد وفي طرز الريحان حيران وطائرها كرد وماؤها مطرد وغصنها تارة يعطفه النسيم إليه فينعطف وتارة يعتدل تحت ورقائه فيظنها قوم همزة على ألف مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين الترتيب إذ كلما أعتل النسيم صح نشر الروض وكلما خر الماء شمخ القضيب: وكأنما تلك الغصون وقد ثنت ... أعطافها رسل الصبا أحباب فلها إذا افترقت من استعطافها ... صلح ومن سجع الحمام عتاب وكأنها حول العيون موايسا ... شرب وهاتيك المياه شراب فغديرها كأس وعذب نطاقها ... راح وأضواء النجوم حباب تحيط بملق ماؤها صاف وظلال دوحها ضاف وحصباؤها بصفاء مائها في نفس الأمرار كدو في رأى العين طاف إذا دغدغها النسيم العليل حسبت ماءها بتمايل الظلال فيه يتبرج ويميل وإذا اطردت عليه أنفاس نسيم الصبا ظننت أفياء تلك الغصون هوى بمثلها في قلبه وكأن النسيم أيضا كلف بها غار من دنوها إليه فميلها عن قربه والسرو مثل عرائس لفت عليهن الملاء شمرن فضل الأزر عن سوق خلاخلهن ماء والنهر كالمرأة تبصر وجهها فيه السماء وكأن صواف الطير المبيضة بتلك الملق خيام أو قباب على الرقمتين قيام وأباويق فضة رءوسها لها فدام ومناقيرها المحمرة أول ما أنسكب من المدام وكأن رقابها رماح أس! مها من ذهب أو شموع أسود رءوسها ما انطفى وأحمره ما التهب وكنا كالطير الجليل عدة وكطراز العمر الأول جدة: من كل أبلج كالنسيم لطافة ... عف الضمير مهذب الأخلاق مثل البدور ملاحة وكعمرها ... عدداً ومثل الشمس في الإشراق ومعهم قسى كالغصون في لطافتها ولينها والأهلة في نحافتها وتكوينها والأزهار في ترافتها وتلوينها بطونها مدبجة ومتونها مدرجة كأنها كوكب الشولة في انعطافها أو أوراق الظباء في التفافها لأوتارها عند القوم أوتار ولبنادقها في الحواصل أوكار إذا انتصبت لطير ذهب من الحياة نصيبه وإذا انتضت لرمى بدت لها أنه أحق بها أن تصيبه ولعل ذلك الصوت زجر لبندقها أن يبطىء في سيره أو يخطئ الغرض إلى غيره أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها وأسف على خروج بنيها عن يدها على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء: مثل العقارب أذنابا معقدة ... لمن تأملها أو حقق النظرا إن مدها قمر منهم وعاينه ... مسافر الطير فيها وانبرى سفرا فهو المسىء اختياراً إذ نوى سفرا ... وقد رأى طالعاً في العقرب القمرا ومن البنادق كرات متفقة السرد متحدة العكس والطرد كأنما خرطت من المندل الرطب أو عجنت من العنبر والورد تسرى كالشهب في الظلام وتسبق إلى مقاتل الطير مسددات السهام: مثل النجوم إذا ما سرن في أفق ... عن الأهلة لكن نونها راء من فاتها من نجوم الليل إن رمقت ... الإثبات يرى فيها وأضواء تسرى ولايشعر الليل البهيم بها ... كأنها في جفون الليل إغفاء ويسمع الطير إذ تهفو قوادمه ... خوافقاً في الدياجى وهى صماء تصونها جراؤه كأنها درج درر أو درج غرر أو كمامة ثمر أو كنانة نبل أو غمامة وبل حالكة الأديم كأنما رقمت بالشفق حلة ليلها البهيم: كأنها في وضعها مشرق ... تنبت منه في الدجا الأنجم أو ديمة قد أطلعت قوسها ... ملوناً وانبعثت تسجم فاتخذ له كل مركزا وتقاضى من الإصابة وعدا منجزا وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزاً: كأنهم في يمن أفعالهم ... في نظر المنصف والجاحد قد ولدوا في طالع واحد ... وأشرفوا من مطلع واحد

стр. 264

فسرت علينا من الطير عصابة أظللتنا من أجنحتها سحابة من كل طائر أقلع يرتاد مرتعا فوجدوا الكن مصرعاً وآسف يبعى ماء حماماً فورد ولكن القسم منقعاً وحلق في الفضاء يبغي ملعباً فبات هو واشياعه للقسى سجدا ركعا فتبركنا بذلك الوجه الجميل وتداركنا أوائل ذلك القبيل فاستقبل أولنا ثم بدره وعظم في نوعه قدره كأنه برق كرع في غسق أو صبح عطف على بقية الدجى عطف النسق تحسبه في أسداف المنى غرة نحج وتخاله تحت أذيال الدجى طرة صبح عليه من البياض حلة وقار وله كرة من عنبر فوق منقار من قار له عنق ظليم والتفاتة ريم وسرى كيم يصرفه نسيم: كلون المشيب وعصر الشبا ... ب ووقت الوصال ويوم الظفر كأن الدجى غار من لونه ... فأمسك منقاره ثم فر فأرسل إليه عن الهلال نجما فأسقط منه ما كبر بما سقط حجما فاستبشر بنجاحه وكبر عند صباحه وحصله من وسط الماء بجناحه وتلاه كي نقى اللباس مشتعل شيب الرأس كأنه في عرانين يشبه لأوائله كبير أناس إن أسف في طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه قطع له بيد النسيم زمام ذو عيبة كالجراب ومنقار كالحراب ولون ثغر في الدجى كالنجم ويخدع في الضحى كالسراب ظاهر الهرم كأنما يخبر عن عاد ويحدث عن أرم: إن عام في زرق الغدير حسبته ... مبيض غيم في أديم سماء أو طار في أفق السماء ظننته ... في الجو شيخاً عائماً في ماء متناقض الأوصاف فيه خفة الج ... هال تحت رزانة العلماء فثنى الثاني إليه عنان بندقه وتوخاه فيما بين أصل رأسه وعنقه فخر كمارد انقض عليه نجم من أفقه فتلقاه الكبير بالتكبير واختطفه قبل مصافحته من الماء وجه الغدير وقارنته أوزة حلتها دكنا وحلبتها حسنا لها في الفضاء مجال وعلى طيرانها خفة ذوات التبرج وخفر ربات الحجال كأنما عبت في ذهب أو خاضت في لهب تختال في مشيتها كالكاعب وتتأتى في خطوها كاللاعب وتعطو بجيدها كالطير البهير وتتدافع في سبرها مشى القطاة إلى الغدير: إذا قبلت تمشى فخطرة كاعب ... رداح وأن صاحت فصولة خادم وإن أقلعت قالت لها الريح ليت لي ... خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم فأنعم بها في البعد زاد مسافر ... وأكرم بها في القرب تحفة قادم فلوى الثالث جيده إليها وعطف بوجه قوسه عليها فلحت في ترفعها ممعنة ثم نزلت على حكمه مذعنة فأعجلها عن استكمالها الهبوط ورفعها قبل استقرارها السقوط واستولى عليها بعد استمرارها القنوط وحاذتها الغلغة تحكى لون وشيها وتصف حسن مشيها وترى عليها بغرتها وتنافسها في المجالس كضرتها كأنها مدامة قطبت بمائها أو كمامة سفت عن بعض نجوم سمائها: بغرة بيضاء ميمونة ... تشرق في الليل كبدر التمام وان تبدت في الضحى خلتها ... في الحلة الدكنا برق الغمام فنهض الرابع لاستقبالها ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها فجدت في العلو مدة وطارت أمام بندقه ولولا اطراد الصيد لم تك لذة وانقض عليها من يده شهاب حتفها وأدركها الأجل لخفة طيرانها من خلفها فوقعت من الأفق في كفه وفرت من ثنايا واصفها عن صفة وأتت في أثرها أنيسة آنسة كأنها العذراء العانسة أو الأرماء الكانسة وعليها خفر الأبكار وخفة ذوات الأوكار وحلاوة المعاني التي تجلى على الإفقار ولها أنس الربيب وإذلال الحبيب وتلفت الزائر المريب من خوف الرقيب ذات عنق كالإبريق أو الغصن الوريق قد جمع صفرته النهار إلى حمرة الشفق وصدر بهي الملبوس شهي إلى النفوس كأنما رقم فيه النهار بالليل أو نقش العاج بالأبنوس وجناح ينجيها من العطب يحكى لونه المنديل الرطب لولا أنه حطب مدبجة الصدر تفويفه أصناف إلى الليل ضوء النهار لها عنق خاله له من رآه شقائق قد سيحت بالبهار. فوثب الخامس منها إلى الغنيمة ونظم في سلكه تلك الدرة اليتيمة وحصل بتحصيلها بين الرماة على الرتبة الجسيمة وأتى على صياحها حبرج تسبق همته جناحه ويغلب خفق فؤاده صياحه مدبج المطا كأنه خلع حلة منكبيه على القطا ينظر من ذهب ويخطو على عود من لهب: يزور الرياض ويجفو الحياض ... ويشبه في اللون كدر القطا ويهوى الزروع ويلهو بها ... فلا يرد الماء الأخطا فبدره السادس قبل ارتفاعه وأعان قويسه بامتداد باغه فخر على آلائه كبسطام بن قيس وانقض عليه راميه فحصله بحذق وحمله بكيس.

стр. 265

وتعذر على السابع مرامه ونبأ به عن بلوغ الإرب مقامه فصعد هو وترب له إلى جبل وثبت في موقفه من لم يكن له بمرافقته قبل فعن له نسر بقوادم شداد ومناسر حداد وخوافي مداد كأنه من نسور لقمن بن عاد تحسبه في السماء ثالث أخويه وتخاله في الفضاء قبته المنسوبة إليه قد حلق كالفقراء رأسه وجعل مما قصر من الدلوق الدكن لباسه واشتمل من الرياش العسلي إزاراً واختار العزلة ولا تجد له إلا في قنن الجبال الشواهق مزار، قد شابت نواصي الليالي وهو لم يثسب ومضت الدهور وهو من الحوادث في معقل أشب: مليك طيور الأرض شرقاً ومغرباً ... وفي الفلك الأعلى له أخوان له خال فتاك وحلية ناسك ... وإسراع أقدام وفترة وان فدنا من مطاره وتوخى ببندقة عنقه فوقع في منقاره فكأنما قد هد منه صخرا توخى أو هدم به بناء مشمخراً ونظر إلى رفيقه مبشراً له بما امتاز به عن فريقه وإذا به قد أظلته عقاب كاسر كأنما قد أظلت صيدا قد أفلت من المناسر إن حطت فسحاب انكشف وان أقامت فكأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف بعيدة ما بين المناكب إذا أقطعت لجت في علو كأنما تحاول ثارا عند بعض الكواكب: ترى الطير والوحش في كفها ... ومنقارها ذا عظام مزاله فلو أمكن الشمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمت غزاله فوثب إليها الثامن وثبة ليث وثق من حركاتها بنجاحها ورماها بأول بندقبة فما أخطأ قادمة جناحها فأهوت كعود صرع أو طود صدع قد ذهب بأسها وتذهب بدمها لباسها وكذلك القدر تخادع الجو عن عقابه ويستنزل الأعصم من عقابه فحملها بجناحها المهيض ورفعها بعد الترفع في أوج جوها من الحضيض ونزلا إلى الرفقة جزلين بربح الصفقة فوجد التاسع قد مر به كركي طويل السفار سريع النفار شهى العراق كثير الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق لقوادمه في الجو هفيف ولأديمه لون سماء طرأ محليها غيم خفيف تحن إلى صوته الجوارح وتعجب من قوته الرياح البوارح له شية حمراء في رأسه كوميض جمر تحت رماد أو بقية جرح تحت ضماد أو فص عقيق سفت عنه بقايا ثماد ذو منقار كسنان وعنق كعنان كأنما بنوس على عود من أبنوس: إذا بدا في أفق مقلعاً ... والجو في الماء تفاويفه حسبته في لجة مركباً ... رجلاه في الأفق محاذيفه فصبر عليه حتى جازه مخلباً وعطف عليه مصلباً فخر مضرجاً بدمه وسقط مشرفاً على عدمه ولطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون وأصابه القدر بحبة من حماء مسنون فكثر التكبير من أجله وحمله راميه من على وجه الأرض برجله وحاذاه غرنوق حكاه في زيه وقدره وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى حلقه مفقودتان من أذنه إلى مكان سبقه له من الكراكي أوصافه سوى سواد الصدر والرأس إن شمال رجلا وانبرى قائما ألفيته هيئة برجاس. فأصغى العاشر له منصتا ورماه ملتفتا فخر كأنه صريع الأشجان أو نزيف بنت الجان فأهوى إلى رجله بيده وأيده وانقض عليه انقضاض الكاسر على صيده وتبعه في المطا رضوغ كأنه من النضار مصبوغ تحسبه عاشقا قد مد صفحته أو بارقاً قد بدت لفحته: طويلة رجلاه مسودة ... كأنما منقاره خنجر مثل عجوز رأسها اشمط ... جاءت وفي رقبتها معجر فاستقبله الحادي عشر ووثب ورماه حين حازاه من كشب فسقط كفارس تقنطر عن جواده أو وامق احتسب حبة فؤاده فحمله بساقه وعدل به إلى زقاقه واقترن به مرزم له في السماء سمى معروف ذو منقار كصدع معطوف كأن رياشه فلق اتصل بشفق أو ماء صاف علق بأطرافه علق له جسم من الثلج على رجلين من نار إذا أقلع ليلا قلت صبح في الدجى نار. فانتحاه الثاني عشر ميمماً ورماه مصمماً فأصابه في زوره وحصله من فوره وحصل له المحلقة في السماء بسببها وليشكر نعمنا التي أقرت النعم لديه وبسطت في الأرض بالتمكين بين يديه ونوعت له من كرمنا من الخير وخولته فيما تقلدناه من الملك عن سليمان حتى تفقد الطير والله تعالى يجدد سعوده في شطور الصدور تقرا وجوده بها يقرى وعهوده في البطش تارة تريش سهما وتارة تجرد! قرا أن شاء الله تعالى. نظر رجل إلى رام قصير اليد في صنعته فقعد في مواضع الهدف فقال له ما هذا فقال له لم أر منك مكانا سالما ألا هذا.

стр. 266

خرج الحيص بيص الشاعر ليلة من دار الوزير شرت الدين أبى الحسن على بن طراد الزيني فنبح عليه جرو كلب وكان متقلدا سيفا فوكزه بعقب السيف فمات وكان هبة الله بن الفضل القطان بينه وبين الحيص بيص وقائع فكتب رفعة وعلقها في عنق كلبة لها جرو ورتب معها من طردها وأولادها إلى باب الوزير كالمستغيثة به فأخذت الورقة وقرئت على الوزير فإذا فيها مكتوب: يا أهل بغداد أن الحيص بيص أتى ... بفعلة أكسبته الخزى في البلد هو الجبان الذي أبدى تشاجعه ... على جرو ضعيف البطش والجلد وليس في يده مال يفديه به ... ولم يكن لسواء عنه في القود فأنشدت جعدة من بعد ما احتس ... بت دم الابيلق عند الواحد الصمد تقول للنفس يأسى وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم تكد كلاهما خلف من بعد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدى قلت ومن ملح المداعبات ما كتب به الشيخ جمال الدين بن نباتة إلى الشيخ بدر الدين حسن الغزى الشهير بالزغارى صورة إجازة أما بعد حمد الله الذي جعلنا ممن كرم من البشر والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاسئ من فجر وعلى آله وصحبه ما نبح الكلب ضوء القمر فقد قرأ على لازال صائدا للحمد من مكمنه صائلا على القرن من مأمنه نازلاً منازل العواء في أحسن أفق وأحصنه هذه الفلذة من شعري قراءة أبتغ بها الإحسان أثرا ودل على جودة القراءة وطالما دل على جود القرى ووحدته قد فاق جرو لا خطابا وافتخر على الكلبي وابنه نسبا وآداباً وبلفت مفاخر قومه على زعم القائل فلا عمر أبلغت ولا كلابا وعلا ذروة لو سامها ابن كلاب لما قرعها بل ولو نبحها كوكب الكلب المقدم لما بلغها صوته ولا سمعها والتقى صوت الآداب منه كاد ورايح وامتزج عليها بجوارحه فحبذا ما علم من الجوارح وسعى على ظفر سعيه السريع المديد ونام على المجاراة قرناؤه منام أهل الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. وعلمت أن مكاسب آدابه عظام وكثر فوائده لباب إذا اختلفت فوائد أهل اليسار والنظام وأن جل ملابسه من حمده وكل عزائمه زائدة عن طوقه وجهده وكل رافع طوع طلبه وكل خير صحبه من عنده لو قارب كلاب بن ربيعة لسلم إليه زمام المكارم ولو حاور جريرا لما قال للأخطل هجوت كليبا إذا آل دارم ولو دعى الوحش بلفظه لعطف عليه ذوو النفار ولو سابق البرق لما لحق من بديهته الغبار ولو فاخر الدرر وحاكمها إلى البحور لأفامته وأقعد بها عن الفخار ولو ميز حال أضداده لكان الكلب خيراً منها عند ذوى البصائر والأبصار تكاد الحمائم تقول أين ضعف سجعنا من قوة هذا النطق الضارى والتبر في غبار معدنه ينادى أين جوار هذه الطرق من جوار غارى فأجزت له رواية هذه الأبيات وحمايتها وحفظها ورعايتها اتباعا لأسارته وإعجاباً بما امتاز به على أشباهه من زي النطق وإشارته وتمسكا بوفاء بيته الجلية أنسابه المغشية أنديته حتى ما تهر كلابه عالما بأنه المفتش على خبايا الفضائل الحامي لمرعى القول حتى ما يذكر الحمى وكليب وائل المتسرع في تصيد شوارد الآداب الناهض بنصرتها وقد قطع بها الدهر لديه أذناب الكلاب السابق حين يفتر سواه ويلبث المتحمل لأعبائها لا كالقرين الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وذلك عند سفره الحافز وبكوز عزمه الذي هو عن استيفاء القول حاجز وحركته في أوقات الشتاء الجامدة ورحلنه في ليلة من جمادى لا ينبح الكلب فيها فير واحد والله تعالى يجمع له بين الغنيمة والإياب وبفيض على القلوب ثياب مودته الثابت فضلها على كثير ممن لبث الثياب. ذكر أديسم بن إبراهيم صاحب أدريجان قال كنت مجتازاً على قنطرة الري في عسكري فلما صرت في وسط القنطرة رأيت امرأة تمشى وقد حملت طفلاً لها في قماطة فصدمها بغل محمد فطرحت نفسها فزعا ووقع الطفل من يدها في الماء فلما وصل إلى الماء غاض زمانا لبعد ما بين القنطرة والماء ثم طفا وسلم من الحجارة والماء يجري. وأجراف النهر بعيدة عن الماء وفيها أوكار عقبان فحين طفا الطفل رأته عقاب هناك فانقضت عليه ومسكت بمخالبها في قماطه وخرجت إلى الصحراء فأمرت جماعة أن يركضوا خلف العقاب ففعلوا ومشيت أنا فإذا العقاب قد وعلت إلى الأرض واشتغلت بخرق القماط فأدركه القوم وركضوا خلفها حتى شغلوها عن خرق القماط فطارت وتركت الطفل على الأرض فإذا هو سالم يبكى فرددناه إلى أمه.

стр. 267

من إنشاء المجيد أبي علي بن أبي النحناء العسقلاني رسالة طردية نقلتها من خط الوداعي من أصبحت نعمه سوارح واستعبدت منته القلوب والجوارح فأصبح لها المجد مقراً ولرغرائب السودد والثناء مقراً مثل حضرة مولاي أطال الله بقاءه تطلبت له الأنفس النار ونغصت له الملاذ والمسار ومما يظرف به العبد أسنى الله قدره وأعلاه أنه خرج يوماً مع أناس قد وصلوا برهم بايناس كل منهم يهتز للأكرومة ويأوى إلى شرف الأرومة على خيل مسومة مثقفة مقومة من بين جون أدهم أذكى من فارسه وأفهم أغر محجل وعدة معجل كان اسوداد أهابه إذا ضاهى به ليل رمت البلاد شهبه شبهة العين والأرض نهبه إذا زاغ عن سنان أو تعطف لعنان ظننته صد عن مواصله وانفصل عن مفاصله واشقر كالطراف عبل الطراف نهد كريم له سالفة ريم كأنما خرط من عقيق أو تردى برداء من شقيق يجري كهوج ويعلو كموج وينزل كوابل إن قرعت عرفه سابق طرفه وإن أوردته الطراد أوردك المراد وكميت كالطود ذي وطيف كذراع العود يلطم الأرض بزبر وينزل من السما بخبر وهملاج أشهب إن زجرته ألهب أديمه روضه بهار ينظر من ليل في نهار ينساب انسياب الأيم ويمر مرور الغيم لا ينبه النائم لو عبر به ولا يحرك الهواء في مسربه أخفى وطأ من طيف وأوطى ظهراً من مهاد ضيف فلم يزل بنا المسير وكل في طاعة صاحبه أسير إلى أن صادفنا وادياً كان لعيوننا بادياً فما قطعناه عرضاً حتى أتينا أرضاً كأنما فرش قراراها بزبرجد وصيغت أنوارها من لجين وعسجد قد رقرت فيها السحاب دمعها وأحسنت قيعانها جمعها نسيمها سقيم وظلها مقيم وماؤها جورى وتربها شجرى فهي تهدي للناشق أنفس المعشوق إلى العاشق كأن غدرانها في اخضرار رياضها وجداولها في اسوداد بياضها وبدور سماء كملت وبروق في متون غمام تساسلت طائرها مكسال وظباؤها ارسال ذات قرون معقفة كأذناب العقارب وبطون مبيضة كالنهار السارب مضمخة الأجساد بخليط صندل وجساد قد اكتست أطيارها فأغربت وتغنت بلغاتها فأطربت كأن الأماني فتحت لها أبوابها والرياض خلعت عليها أثوابها إذا شنجت للبكاء وأعلنت بالمكاء أبت الطباع على نغمات الموصلى في نفثات البابلي ومجت الأسماع شدو الفريض بمرقق القريض فعند ذلك يممنا ظل شجرة هنالك ذات جدول متكمر في مسلك متيسر وكان أعلاه بطن جان وقرارته مساقط در ومرجان فلما وردنا عليها وأنضفنا إليها حنت علينا أغصانها حنو الوالد وألحفتنا أوراقها بظل خالد وأتحفتنا من ثمارها بطارف وتالد فأصبنا من ثمرها قليلاً ونقعنا بماء جدولها غليلاً ثم نهضنا نطلب الأوابد كوامنها واللوابد وقد يسرنا مقاود الكلاب وشركنا في البحث والطلاب كل كلب منها غلوب ولا رواح الطرائد سلوب ذو خطم مخطوف ومخلب كصدغ معطوف بقوائم مالذوابل ومتن كالغصن الذابل غائب الخصر حاضر النصر كأنما لملمت هامته من فهر وخرط وما دون عينيه بجهر له طاعة تهذيب وإخلاس ذيب وتلفت مريب وحذافة نذريب له من الطرف أوراكه ومن الطرف إدراكه ومن الأسد صوله وعراكه إذا طلب فهو منون وإذا انطوى فهو نون وإذا استرسل فهو خط على الأرض مظنون فسنح لأحدها غزال والمقود عنه مزال فاسترسل عليها وهرب وجد في طلبه فانسرب فأنبرا في أسلوب ما بين سالب ومسلوب إذا مرق الأول كالسهم تبعه الثاني كالوهم فللظبي حد على جناح وحل وللكلب انبساط أمل في سرعة أجل إلى أن جعجعه وبنفسه فجعه دامي الجروح بادي القروح مستسلماً لسلب الروح فعاجلناه بالذكاة وأيقنا بحلول البركات ثم انتحى بعضنا بفهد ذي صدر رحب نهد كأن قرار ثمرته في اختلاط بياضه بسمرته ثوب مصمت معتق مطلق فد فرشت فوقه أقراص عنبر! ففتها يد صانع خبير فنبهه ففج فجيج ثعبان وأطلقه على ظبية تدب دبيب عقران فلما أدركه ناظر الصيبه ومرت مرور عيبه فآت أبصارنا بنفرنه وسبق أفكارنا بظفرته ولطمها عند الإدراك من الكتف إلى فرجة الأوراك فشقها شق المزاد ضاقت أفواهها عن خروج المراد وضرعها يضطرب كأن قوائمها تجترب فبادرنا مهللين وذكيناها محللين ثم ملنا إلى الطيور وجوارحنا مطلقة السيور فقال رجل من أصحابنا أتبعنا عند أصحابنا ذلك الغدير فيه طير يستدير ينظر من خراة ابره ويحتال في بروز خبره فاستدللنا عليه بالبراهين إلى أن ارتكض قوم من الشواهبن أطلقه حامله واقترحت عن شباقته أنامله فمر في الهواء يتصرت في الأهواء يذكى جداً وأعمالاً ويطعن يمينا

стр. 268

وشمالا كأنما أضل فريقا أو جهل طريقا حتى إذا دنى أفق السماء مسامتا للماء كأنه يمسح الفلك أو يطلب شيئا هلك طرق من خوفه فانحدر وهو يسابق القدر كأنه صخرة منجنيق أو حجر أرسل من رأس بيق له درى كدوى الرعد نطق عن الفيث بوعد فانتحى إحداهن وقد قرن مداهن فقنعها بيسراه وقد أضحت من يسراه وشيعها بيفاه وقد بلغ منها مناه فدحاها كأنها كره طوحت بها ضربة منكره فذكيناها تحليلا وأدقناه منها تعليلا ثم ملنا إلى قسى البنادق من كل ناطقة بالوعد الصادق يعطيك المراد لكرم أعراقها ويمنعك الفياد عن استغراقها ذات بطن كالحاجب المقرون وظهر قد أثرت فيه الجنادب القرون قد تعصفر أعلاها فرحا باستعلائه وأحد لرداها أسفا على استيلائه ترن عند الرشق رنين مصابها ويتشكى أليم أو صابها بل يسجع للنبض سجع الحمامة وينظر عند النقص نظر زرقاء اليمامة ألوان أوعيتها مختلفة وأكوان تسيرها مؤتلفة كأنها مجارى أنهار بين طرائق أزهار فسرنا صفوفا فوافينا الطيور رفرفا فلما قطعت في عراضنا وصارت منا كما عراضنا قلبت نحوها القسى أبصارا واتخذت من البندق رسلا وأنصارا فرشقناها مبسملين ولصرع أكثرها مؤملين فجرت تتهافت وأجنحتها تنقبض وتتكافت كأنما أسبقت إلى أقواتها واستنزلتها الفراخ بحسن أصواتها فبادرناها مكبرين ولنعم الله عليها مكثرين وواجرناها غصص المنايا بمدى معوجة كالحنايا وأصليناها ناراً تلظى تشقى بحميمها وتحظى كأنها عبدة أوثان أو متخذة لها ثان فسبحان من أحل سفك دمائها وأحل للبشر سبك ذمابها والسلام. السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين ابن الأمدي في الفهد: إذا طلب الغزلان فهو منون ... وإن دار في طرس الفلاة فنون وكيف يضل الوحش عنه وجلده ... بمسود ذاك النقط فيه عيون وله في الصقور: وكأنما فوق الأكف فوارس ... في الخافقين يجلن بين خوافق أكثرن لبس السابغات أما ترى الص ... دأ الحديد لهن فوق عوائق

стр. 269

من الكلام الفاضلي أنى رغبت إلى مولانا لازالت المرغبات إليه مرفوعة وثمراتها كثمرات الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة في الإحسان بشاهين يجعل وكيل مطبخي لكثرة ما يجلب إليه من الخير واستنيبه عن صاحب صالح فهو قدر الطير لا يعتصم منه بغير فجها ولا تلوذ الحمامة بعوسجها قدر قمت يد القدرة على جؤجؤه ديباج أسطره وعرفت أقلامها نون منسره فكأنما عقد ليحسب ما صاد لمرسله ويوفيه حساب عمله وكأنه منجل أرسل على الطير بحصاد أجله تأتى بالرزق رغدا وتتخذ عند كل فم يدا أن عاش فأجنحته للطيور كالقيود وإن نوى ورث السهام ريشه فهو ولي عهده في الصيود وما أجدر الطير بأن تقول لا تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدما ومن لا يقنع برزقه في الأرض حتى يطالب به في السما، طردية الشيخ جمال الدين بن نباتة التي سماها فرائد السلوك في مصائد الملوك، وزهر يضحك في الأكمام إن كانت الأرض لها ذخائر فهي لعمري هذه الأزاهر قد بسطتها راحة الغمائم بسط الدنانير على الدراهم احسن بوجه الزمن الوسيم تعرف فيه نضرة النعيم وحبذا وأدى حماة الرحب حيث زهى العيش به والعشب أرض السنا وألبها والمرح والأمن واليمن ورايات الفرح ذات النواعير سقات الترب وأمهات عصفه والأب تعلمت نوح الحمام الهتف أيام كانت ذات فرع أهيف فكلها من الحنين قلب وكيف ولا والماء فيها صب الله ذاك السفح والوادي الغرد والماء معسول الرضاب مطرد يصبو بها الرائي فكيف السامع ويحمد العاصي فكيف الطائع إذا نظرت للربى والنهر فار وعن الربيع أو عن جعفر محاسن تلهى العيون والفكر ربيع روضات وشحرور صفر أمام كل منزل بستان وبين كل قرية ميدان أما رأيت الورق في الأوراق جاذبة القلوب بالأطواق فبادر اللذة يا فلان وأغنم متى أمكنك الزمان ولا تعل مشتى ولا مصيف فكل أوقات الهنا شريف كل زمان ينقضى بالجدل زمان عيش كيف ما دار اعتدل أحسن ما أذكر من أوقاته وخير ما أنعت من لذاته مرورنا بالصيد فيه والقنص وحوزنا من مزه أحلى الفرص وأخذنا الوحش من المسارب وفعلنا في الطير فوق الواجب لما دنا زمان رمى البندق سرنا على وجه السرور المشرق في عصبة عادلة في الحكم وغلمة مثل بدور التم من كل مبعوث إلى الأطيار تظلمه غمامة الغبار وكل معسول الرضاب أغيد منعطف عطف القضيب الأملد قد حمد القوم به عقبي السفر عند اقتران القوس منه بالقمر لولا حذار القوس من يديه لغنت الورق على كفيه في كفه محينة الأوصال قاطعة الأعمار كالهلال زهراء خضراء الأهاب معجبة مما نوت بين الرياض المعشبة فاغرة الأفواه للأطيار طالبة لهن بالأوتار كأنها حول المياه نون أو حاجب بما تشاء مقرون لها بنات بالمنى مغدوقة من طينة واحدة مخلوقه سامعة لما تشير الأم مع أنها مثل الحجار صم كأنها والطير منها هارب خلف الشياطين شهاب ثاقب وأهالها شهب كرات تخطف شاهدة بالعزم وهى تقذف حنى نزلنا بمكان مؤنق إخوان صدق أحدقوا بالملق فيا له في الحسن من محلى مراد جد ومراد هزل للطير في أملاقه مواقع كأنها لمائه فواقع فلم تزل في منزل كريم تروى حديث الرمى عن قديم حتى طوى الأفق رداء الورس وألتقم المغرب قرص الشمس وابتدر القوم عن المراصد من صاهر لبل التمام شاهد كالليث يسطو كفه بأرقم والبدو يرمى في الدجى بألحم بينا الطيور في مداها سائرة إذا هم من عينه بالساهرة وأقبلت مواكب الطيور على طروس الجو كالسطور فحبذا السطور في المهارق مسقوطة الأحرف بالبنادق من كل حق أن يسمى ضياؤه للشرقي بدر التم تخاله من تحت عنق قد سجاطرة صبح تحت أذيال الدجى وكل تم حس! ن الوسامة تخاله في أفقه غمامه كي يتبعه أوزه دكنا من دونها لغلغة غرا يقدمها أنيسة ملونة تابعة من كل وصف أحسنه وربما مر عليها حبرج كأنه على نضار يدرج وانقض من بعض الجبال نسر له بأبراج النجوم وكر مضبر الخلق شديد الأيد يبنى على الكسر حروف الصيد يحث مسراه عقاب كاسبه خافضه لحظ الطيور ناصبة إذا مضت جملتها المعترضة تواصلت خيوطها المفترضة بكل كركي عجيب السير كأنه طيف خيال الطير يحسن غرنوقاً لهى المجتلا مقدما على الغرانيق العلا وأبيض الغيم يسمى مرزما كم بات مثل نوئه منسجما يحفه شبيطر قوى معجزه في الطيرة وسوى كم حاش ثعبانا وحم حواه كأنه في يده عصاة هذا وكم من طائر ممتاز ينعث في الواجب بالعناز أسود إلا لمعة في الصدر كأنه نور الهدى في الكفر فلم تزل

стр. 270

قسينا الضواري تصيبها بأعين الأوتار حتى كدت دامية النحور ساقطة منا على الخبير كأنما وهى لدينا وقع لدى محاريب القسى ركع وأصبحت أطيارنا قد حصلت ولم تسأل بأي ذنب قتلت مستتبعاً وجه العشى وجه السحر وكل وجه منهما وجه أغر يا لك من صيد مقر العين مرضى الصحاب وهو ذو وجهين لم يرض ما وفي من الأمان حتى شفعناه بوجه ثان! يد الملوك الصيد بالكواسر والخيل في وجه الصباح السافر ذاك الذي تصبو له الجوارح فهي إلى طلابه طوامح واثقة بالرزق حيث كان تغدو خماصاً وتجيء بطانا سرنا على اسم الله والمباحج نعوم في الأقطار بالسوابح خيل تحاذى الصيد حيث مالا كأنها أضحت له ظلالاً تسعى بها قوائم لا تتبع وكيف لا وهى الرياح الأربع تحففنا من فوقها غلمان كأنهم من فوقها أغصان ترك تريك في سماء الملبس كواكباً طالعة في الأطلس منظومة الأوساط بالسلاح من كل شهم زجل الجناح وكل عضب درب المقاطع يحرف الهام عن المواضع على يد السائر منهم زاده من كل باز قرم فؤاده قد كتبت في صدره حروف تقرى بما تقرى به الضيوف وكل شاهين شهى المرتمى كبارق طار وصوب قد همى بينا تراه ذاهبا بصيده معتصما بأيده وكيده حتى تراه عائداً من أفقه ملتزما طائره في عنقه أفلح من كان على يسراه حتى غدت حاسدة يمناه وكل صقر مسبل الجناح مواصل الغدو والرواح ذو مقلة لها ضرام واقد تكاد تشوى ما يصيد الصائد كأنما المخلب منه منجل لحصيد أعمار الطيور مرسل يا حبذا طيور جد ولعب نهوى إلى الأرض وللأفق تثب من سنقر عالي المدا والشان معظم الأخبار والعيان يصعد خلف الرزق ليس يمهله كأنه من السماء يستعجله ومن عقاب بأسها مروع كأنها للطير حين تصرع كم جليت لطائر ومن وهن فكم وكم قد أهلكت من قرن وحبذا كواسر اللواهي عديمة الأنظار والأشباه مخصوصة بالطرد القويم حدباء ظهر الذنب الرقيم ذاك لعمري جذب للرائي تعدل ملك القلعة الحدباء هذا وقد تجهزت أعداد يجمعها الكلاب والفهاد من كل فهد عنتري الحملة أذراى شخص مهاة عيله مبارك الإقبال والأعراض مستقبل الحال بناب ماض كأنه من حدة اكتسابه قد أخرق الأنجم في أهابه له على مسائل الجفون خط كخط الإلفات الجون ما أبصر الباصر خطا مثله وكيف لا والخط لابن مقلة وكل منسوب إلى سلوق أهرت وثاب الخطا ممشوق طاوي الفؤاد ناشر الأظافر يا عجبا منه لطاو ناشر يعض بالبيض وبخطو بالقنا وشمبق لوهم لإدراك المنى كالقوس إلا أنه كالسهم والغيم يجلو عن شهاب رجم إذا رأى بقر الوحش اندفع كأنه المريخ في الثور طلع قاصرة عن يده عيناه مشروطة برجله أذناه يشفعه من كل عور عارى مغالب الصيد على الأوكار وأهالها من كلب طوارد معربة عن مضمر المصائد قد بالغت من طمع في كسبها ففتشت عن أنفس لم تحبها حتى إذا تمت بها الأمور حفت بنا لصيدها الطيور ما بين روضات صمدنا نحوها وحول آفاق ملكنا جوها واستقبلت أطيارها البزاة معلمة كأنها غزاة فلم نزل تسطو سطا الحجاج على الكراكي إلى الدراج حتى غدت تلك السراة صرعى مجموعة على التراب جمعا على الربى من دمها خلوق كأن كل نبتها شقيق ثم عطفنا للوحوش السانحة فاستقبلت تلك الضواري الطامحة كلاب صيد بينها سناقر يفعل في الوحش الفواقر يخشى بها العفر على نفوسها فالطير لا شك على رءوسها وللكلاب حولها مغار يكاد أن يقدح منها النار من نهم لسانه يلوب يقول هذا كوسج مخضوب يعانق الظبي عناق الوامق ما كان أغنى الطير عن معانق والفهد يشتد على الآجال شد وصى السوء في الآمال لا يهمل القصد ولا يخون كأن كل جسمه عيون وللزغاريات خلف الأرنب حقائق تبطل كيد الثعلب كم مرحت بالهارب الممدود وطوحت بصاحب الأخدود وربما مرت ظباء ومهى للنبل كل في حثاها مشتهى قد تسجت ملاءة من عنبر تخاط من فروتها بالإبر فابتدرت أجنحة السهام صائبة الأعراض والمرامي تجرح كل سانح نفور كأنه بعض شهود الزور كأن أقطار الفلاة مجربره أو روضة من الدماء مزهرة كأن صرعى وحشها كفار الموت عقبى أمرها والنار للمرء فيها منظر أحبه يملأ من شحم ولحم قلبه لله ذاك المنظر المهنا أي معاد عن ذراه عدنا قد ملئت من ظفر أبدينا وقد شكرنا فضل ما حيينا نسير حول الملك المنصور كالشهب حول القمر المنير.

стр. 271

من كلام القاضي زين الدين بن الوردي ﵀ وينهى وصول الصقرين فسر العبد بهذين الجزئين اللذين تحن الجوارح إليهما من وجهين ويعز على ابن المعتز أن يذكر لهما في تشبيهاته شبهين فوقع الصقران من الملوك بموقع يفوق النسر وتأمل نحوهما فإذا هما منصوبان لبناء ما ارتفع وانخفض من الصيد على الكسر مثلهما حمر كسيوفه وأجنحتهما مسبلة كغمائم بره على رعاياه وضيوفه مخالبه كالمناجل لحصاد أعمار أعدائه وأعمار الطير ومناقيرهما كالأهلة المبشرة له ولأوليائه بكل خبر فلسان حال كل منهما يقول بمرسليه تفرقوا فبكسبي أجمعكم وبخطف لهم الخطفة ويعود بسرعة فبينما ينظرون بغيبته قالوا طائركم معكم فما أحسن ما يعود يرجع كل واحد منهما من أفقه وقد التزم طائره في عنقه كم للاقى الطير من حرون وكم أهلكنا في الوحش من قرون فما أحق هذا الخبر بمقابلة الثناء عليه وان تمد المملوك لها بين اليدين كلتا يديه ومن كرامات مولانا أنه أصبح جابرا بكاسرين فمرحبا برسوله الذي إن قدم رسول بأيمن طائر فقد قدم هو بأيمن طائرين والسلام. منقول من كتاب الفوائد الجليلة في الفوائد الناصرية وهو ما جمعه الملك الأمجد من شعر والده الملك الناصر صلاح الدين داود بن مولانا السلطان الملك المعظم شرت الدين أبى المظفر عيسى بن السلطان الملك العادل أبى بكر محمد بن الملك الأفضل نجم الدين أيوب رحمهم الله تعالى: وظباء كأمثال العذارى سنح ... تأوى إلى حزن اللوى وسهوبه فأجابها وهنا وهن رواتع ... ما بين واديه وبين كثيبه والروض كهل قد تضوح نبته ... فشبابه متلفع بمشيبه يبكي تداويه الغمائم رحمة ... والبرق يضحك رحمة بقشيبه مستسبق صحب الجلاجل أجدل ... يرتاح رائيه إلى تقليبه تفنى شمائله وحسن صفاته ... عن نعت مطربه وعن تجريبه ومخصر الخصر اغتدى في عدوه ... ترفاً مختلف ضيائه بوثوبه عاناه في تهذيبه ذو فطنة ... وبصارة فأجاد في تهذيبه فقنصت منها ظبية كانت إلى ... قلبي ألذ من المدام وطيبه أو قبلة ممن أبرنى صده ... خالستها منه بركم رقيبه الباب الرابع والأربعون في خطائر الوحوش الجليلة المقداد المتخذة لنزهة الأبصار القول على بقر الوحوش: قال ابن أبى الأشعب في كتابه الذي وضعه في طبائع الحيوان البقر والأراوي واليحامير والظباء وجميع هذه الأنواع ليس بأرضى خالبة وينبغي أن يسمى الحيوان الهوائي الأرضي لأنه خفيف الحركة متململ شديد العدو على الأرض لان حرارة الهواء ليست فيه ذاتية ولا برودة الأرض كذلك إلا أن برودتها غالبة لحر الهواء لأنها فيه اكثر ولما كان كذلك صار بينه وبين الطائر ممازجة ومناسبة وذلك أنه إذا أراد العدو انتصب في وقفته وطلب مهب الريح ثم استنشقها استنشاقا حال طيرانه ثم زج نفسه مستقبلا للريح وربما أصابه مخيف وكانت الريح تجيء من جهته فيحمل نفسه على الجهة التي فيها المخيف وأيضا فإنه يؤثر الهواء صيفا وشتاء ولا يستتر منه ميلا إليه ومحبة فيه. وأما المها فيقال إن من طباعها الشبق والشهوة وإذا حملت الأنثى هربت من الذكر خوفا من عينه بها وهى حامل والذكر لفرط شهوته يركب ذكرا آخر وإذا ركب واحدا منهما شم الباقي روايح المائية فيبنى عليه ولا يمنع من يثب عليه بعد والبقر الوحشية أشبه شيء بالمعز الأهلية ولذلك تسمى نعاجا وقرونها صلاب جداً وتمنع بها عن أنفسها وأولادها كلاب الصيد والسباع التي تطيح بها، وبقال أن أول من طرد البقر الوحشية ربيعة بن نزار بن معد وأنه لما كدها لجأت منه إلى حالة فاستترت منه بها فرق لها ورجع عنها. الوصف كاتب أندلسي يصف بقرة وحشية عن لنا سرب نعاج يمشين زهواً كمشى العذارى وينثنين زهواً تثنى السكارى كأنما تخلجت بالكافور جلودها وضمخت بالمسك قوائمها وخدودها وكأنما لبسن الدمقس سربالا واتخذن السندس سروالا: من كل مهضمة الحشا وحشية ... تحمى مداريها دماء جلودها وكأنما أقلام خيبر كتبت ... بمداد عينيها طروس خدودها والوصف البديع في سرعة عدوه قول الطرماح: يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد

стр. 272

وأما الإبل فان أصحاب البحث عن طبائع الحيوان يقولون أن ذكره من عصب لا لحم ولا غطروف ولا عظم وأن قرنه مصمت لا تجويف فيه والأنثى تقلق للذكر قلقا شديدا ولهذا لا تثبت لنزوه إلا في الفرط مرة واحدة وإذا حملت لا تضع إلا على السبل والطرق لهرب السباع من الجادة الملوكة وإذا أرضعت أكلت الجعدة لإصلاح لبنها وهى تحب الكينونة في القمر وتأتى بولدها إلى أماكن الماء وتعرفه المواضع التي تهرب إليها إذا احتاجت إلى الهرب وهى خور فيها صدوع وتجويفات ليس لها مدخل إلا من مكان واحد وتقف على ذلك المكان وتقابل بجهدها كل حيوان يطلب ضرر ولدها والإيل يسمن جدا فإذا سمن اختفي في موضع لا يعرف خوفا من أن يصاد لسمنه وهو مولع بالحيات أكلها يطلبها في كل موضع فإذا انحجرت منه أخذ في فمه ماء ثم مجها في الجحر فتخرج له ذنبها فيأكلها حتى ينتهي إلى رأسها فيتركها خوفا من السم وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه يدخل الإصبع فيهما فتجمد تلك الدموع وتصير كالشمع يتخذ درياقا لسم الحيات وهو البازنهر الحيواني وإذا لسعه أكل السرطانات فيبرأ وكذلك جمل التفاح الحامض إن كان زمانه أو ورقه إن لم يكن زمانه فيبرأ ولا ينبت له قرن إلا بعد أن يمضى عليه سنتان من عمره وإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين وفي الثالثة يتشعب ولا تزال الشعب في زيادة إلى تمام سنة وسنتين وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه، ثم بعد ذلك يلقى قرونه في كل سنة مرة ثم تنبت وإذا نبتا له تعرض للشمس لتصلب فإذا صارا كالشجرتين منعا الإحصار ولا يكاد يفلت إذا طردته الخيل وهو إذا ألقاهما ادخرهما حتى ينبت خلافهما لأنهما آلته وليس له سلاح غيرهما يدافع بهما عن نفسه كالترس للجبان لأنه لا بنطح بهما إلا إذا صلحا لذلك. وزعم أرسطو أن هذا النوع يصاد بالصفير والفناء وهو لا ينام ما دام يسمع ذلك والصيادون يشغلونه بالتطريب وبأتون إليه من خلفه وإذا رأوه مسترخية أذناه وثبوا عليه وان لم بكن كذلك فليس لهم عليه سيل، وإذا اشتد عليه العطش من كل الحيات أتى غدير الماء فاشتمه وانصرف عنه يفعل ذلك أربعة أيام ثم يشرب الماء في اليوم الخامس وإنما يمتنع من شربه لخوفه على نفسه من سريان السم في الجسد مع الماء. وأشرف محبوب وأعز موجود وأبهى محدود وكأنما وسمها الكمال بنهايته أو لحظها الفلك بعنايته فصاغها من ليله ونهاره وحلاها بنجومة وإضماره ونقشها ببدائع آثاره ورمقها بنواظر سعوده وجعلها أجل حدوده ذات أهاب منير وقرى محير وذنب مشجر وسوى مسور ووجه مزجج ورأس متوج يكتنفه أذنان كأنهما زجان سجية الاتصاف بلورية الأطراف جامعة شبها بالربيب بين زمن الشبيبة فهي قيد الأبصار وأمد الأفكار ونهاية الاعتبار غنى عن الحلى عطفها مزرية بالزهر حللها واحدة جنسها وعالم نقشها صنعه المنشئ الحكيم وتقدير العزيز العليم.

стр. 273

القول في طباع الظباء من المباهج وهي ألوان تختلف بحسب موضعها فصنف منها يسمى الأورام وألوانها بيض ومساكنها الرمل وهي أشد حصراً وصنف يسمى الغفر وألوانها حمر، وصنف يسمى الأدم وهي تسكن الجبال وفي هذا اللون من أسرار الطبيعة أنه رأى ذا روح إلا ويعلم ما يريده منه من خير وشر وإذا فقد الماء استنشق النسيم فاعتاض به وإذا طلب لم يجهد نفسه في حصره من أول وهلة وإذا رأى طالبه وقد قرب منه زاد في الحصر حتى يفوت الطالب وهو يهشم الحنظل حتى يرى ماؤه يسيل من شدقيه ويرد البحر فيشرب من الماء الأجاج كما تغمس الشاة لحييها في الماء العذب تطلب النوى المنقطع فيه وهو لا يدخل كنائسه إلا مستدبراً يستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وله نومتان في مكنستين مكنس لضحى ومكنس لعشاء وإذا أسن لظبي وبقيت لقرونه شعب تنح وإذا هزل أبيض وهو شنج النساء لا يسمو بالمشي فإذا أراده العدو فإنما هو الفر والوثب ورفع القوائم معاً كما يفعل الغراب فهو أبداً يحجل كما يحجل المقيد وليس له حصر في الجبال ويصاد بنار توقد له فيذهل لها سيما إذا أضيف إلى ذلك تحريك أجراس فإنه ينخذل ويرقد ويصاد بالعطش الشديد بأن يحولوا بينه وبين الماء فينخذل ولا يبقى به حراك البتة وبين الظباء والحجل ألفة ومحبة والحذاق في الصيد يصيدونها ببعضها البعض، ويوصف بحدة البصر ويسمى باليونانية اسما معناه النظارة والمبصرة ويلحق بهذا النوع غزال المسك وهو أسود ولونه أسود ويشبه ما تقدم في القد ودقة القوائم وافتراق الأظلاف وانتصاب القرون وانعطافها غير أن لكل واحد منهما نابين خفيفين أبيضين خارجين من فيه في فكه الأسفل قائمين في وجهه كنابي الخنزير كل واحد منهما دون الفتر على هيئة ناب الفيل ويكون بالتبنت والهند ويقال عن الغزال يسافر من التبنت إلى الهند بعد أن يرعى من حشيش التبنت وهو غير طيب فيلقى ذلك المسك بالهند فيكون رديئاً ثم يرعى حشيش الهند الطيب ويعقد منه مسكاً ويأتي بلاد التنبت فيلقيه فيكون جيداً والمسك فضل دموي يجتمع من جسدها إلى سررها في وقت من السنة معروف بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء وهذه السرر جعلها الله معدناً للمسك فهي تثمره بمنزلة الشجرة التي تؤتى أكلها كل حين فإذا حصل هذا الدم في السرر ورمت وعظمت فتمرض لها الظباء وتألم حتى تتكامل فإذا بلغ وتناهى حكته بأظلاف وتمرغت في التراب فتسقطه في تلمك المفاوز والبراري فيخرج الجلابون ويأخذونه ويقال أن أهل التبنت يضربون لها أوتاد في البر تحتك بها إذا ألمها السرر فتنقطع وتسقط فإذا سقطت عن الظبي كان في ذلك إفاقته وصحته فانتشر حينئذ ي المرعى وورد الماء. الوصف: قد ينبغي أن يعلم هذا قليل جداً لأن الشعراء نقلوا محاسن الغزال إلى الغزال وشرحوا بها حال مكن جد به الحب وهزل والصفة التي يصفون بها الظبي وصفوا بها الجارية والغلام وصرفوا الحقيقة إلى المجاز فيما أراده من الكلام قال بعضهم: فما مغزل تغزل تعطو بجيد كأنه ... يمان بأيدي الناظرين صقيل هضيم الحشا مغضوضة الطرف عالها ... بذات الأراك مربع ومقيل إذا نظت من نحوه أو تفرست ... دعاهم احم المقلتين كحيل بأحسن منها حين قالت صرمتنا ... وأنت صروم للخيال وصول وقال آخر: وصالية بالحسن والجيد عاطل ... ومكحولة العينين لم يكتحل قط على رأسها من قرينها الجعد وفرة ... وفي خدها من صدغها شاهد يسط يخلها من غيرة الجلد وفرة ... ويجمعها من بيض آباطها مرط وقد أدمجت بالشحم حتى كأنما ... ملآتها من فرط ما اندمجت قمط خواص الإيل ومنافعه: من المصائد والمطارد فمنعه أن ذكره من عصب لا لحم فيه وأن دم كل حيوان يجمد غلا دمه ولحمه غليظ مائل إلى كموسوة السواد وليس للأنثى قرن وإذا بخر بقرنه مع كبريت أحمر ذهبت الحيات وكذلك دمه بطحين الكرسنة وقرنه تبخر به الحامل فتيسر ولادتها.

стр. 274

خواص حمار الوحش: الجحش البري أحمدها لحماً ولحم الهرم يولد دماً رديئاً ومن داوم على أكله لم يكن يبرأ وسرته أطيب ما فيه وكثير من الناس يأكلون الحمار مسموطاً ويستطيبون جلده مشوياً ويجدون فيه طعم لحم الدراج وشحمه نافع من الكلف في الوجه إذا طلى به ومن وجع الظهر والكلى العارض من البلغم وإذا أحرق حافره سحق في الكحل نفع من الغشاوة ودفع وجع العين وزبله إذا خلط بمخ وطلي به الجبين قطع الرعاف ويقال أن الخاتم إذا خرط من حافره وعلق على من يعتريه الصرع نفع منه ودماغه يضاف بماء الكرفس والعسل ويغلى ويسقى من به السل في الحمام بماء حار على الريق فيبرأ. خواص بقر الوحش: لحمها غليظ يولد دماً رديئاً قريباً من السود وبطنها أطيب ما فيها ودمها أسرع إلى الجمود من دم سائر الحيوان ويطبخ لحمها بخل فإذا غلي جدد خل آخر وإناثها المها والعين والنعاج وأولادها البراعز والواحد برعز والجآذر جمع جؤذر والذرعان جمع ذرع والبحازج جمع بحزج والفرافر والفرائد جمع فرير وهو ساعة يولد طلاء وأقاطيعها الأجل والرنب والسرب والصوار. خواص الظبي: والظبي أول ما يولد طلاء ثم خشف ثم شادن إذا طلع قرنه فإذا تمت قوته فهو شصر ثم جذع ثم ثنى ولا يزال كذلك إلى أن يموت لا يزيد على هذا وسأل جعفر ابن محمد النعمان بن ثابت أبا حنيفة فقال له: ما على محرم كسر رباعية ظبى فقال: يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية هو ثنى أبدا ولحمه يولد دماً قريباً إلى السواد وهو أقل ضرراً من لحم البقر وطبخه بالماء والملح أحمد والقديد أكثر ضرراً وأكثر لتحريك السوداء لأنه يزداد يبساً ويجود فعله ويقوى وأطيب ما يؤكل يفه كبده مشوية وشحوم الظباء تغدو غذاء كثيراً وزعمت الحكماء أن دم التيس منها عن شطل ماعز من السموم وأنه إذا صب حاراً على الحجر الذي يضرب عليه النحاس فتته وإذا خلط مع الزنجفر صبغ الياقوت ويخلط معه وهو يابس قرطاس محرق ويعجن بشيرج ويضمد به البواسير فتنفع ومرارته تنفع من الغشاء في العين وكبده إذا شويت واكتحل بها وكبد جميع الماعز نفعت إذا دهن الرجل مذاكيره بشحم خصى التيس مع شيء من عسل عند الجماع وجد له لذة ويعجن بعر التيس بخل ودقيق شعير ويضمد به الطحال فينفع وإذا حرق وسحق بالخل نفع داء الثعلب وإن شرب مع الخل نفع من لدغ الهوام ويخلط دمه يابساً بلاذن ويدهن به الشعر فيغلظه ويطوله. القول على طبائع الأرنب من المباهج: تقول أصحاب الكلام أن قضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب أحد شطريه عظم والآخر عصب وربما ركبت الانثى الذكر حين السفاد لما فيها من الشبق وتسفد وهي حبلى وهي قليلة الدرور على ولدها ويزعمون أن يكون شهرين ذكراً وشهرين أنثى وكنت استبعد هذا وأقول أنه من الخرافات حتى وقفت عند مطالعتي للكتاب الذي وضعه ابن الأثير في التاريخ وسماه الكامل على حكاية أوقفتني على الاعتراف بعد الإنكار. ذكر في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة فقال وفيها اصطاد صديق لنا أرنباً فرآه وله انثيان وذكر وفرج أنثى ولما شقوا بطنه رأوا فيه حريفين فإذا كان كما زعموا من أن يكون تارة ذكراً وتارة أنثى فيكون كذلك وإلا فيكون في الأرانب كالخنثى في بني آدم يكون لأحدهما فرج الرجل وفرج الأنثى ثم أعقب هذه بما هو أعجب منه فقال كنت بالجزيرة ولنا جار له بنت اسمها صفية فبقيت لذلك نحو خمس عشرة سنة فإذا قد طلع لها ذكر رجل ونبتت لها لحية فكان لها فرج امرأة وذكر رجل والأرانب تنام مفتوحة العين وربما جاء القناص إليها يأخذها من جهة وجهها وهي لا تبصر وسبب ذلك أن حاجبي عينيها لا يلتقيان فهما مفتوحتان في النوم واليقظة. قلت: ما أحسن ما أنشدني الشيخ بدر الدين البشتكى أحد شعراء العصر بالديار المصرية للشيخ العلامة شهاب الدين بن أبي حجلة مضمناً قول المتنبي: وقوم بالحشيشة ذاب منهم ... فؤاد مايسليه الملام أرانب غير أنهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام

стр. 275

قلت هذا التضمين ما سمع مثله لشاعر ضمن عجز البيت الأول والبيت الثاني بكماله ولم يكن للشيخ شهاب الدين فيها غير صدر البيت الأول فتأمله، ويقال إن الأرانب إذا رأت البحر ماتت ولذلك لا توجد بالساحل وتزعم العرب أن الجن تهرب منها لموضع حيضها قالوا كالمرأة وتأكل اللحم وغيره وتجتر وتبعر وفي باطن أشداقها شعر وكذلك تحت رجليها وليس شيء قصير اليدين أسرع منها حصراً ولقصرهما يخف عليها الصعود والرقل وهي تطأ في الأرض على زمعانها وهي مؤخرة قوائمها مغالظة للطالب حتى لا يعرف أثرها إلا أن الكلب الفاره والقانص الحاذق لا يخفى عليهما ذلك لأنهما لا تفعل ذلك إلا في السهل الذي يثبت فيه الأثر وربما مشت يف الثبج فيقتفى أثرها بكثرة الترداد فيه وإذا قربت إلى الموضع الذي تريد أن تجتم فيه وثبت إليه. خواصه من المصائد لحمها أطيب ما يؤكل بنار لأن النار يضعفها هواء الزمان ولحمها من أخف اللحوم وله خاصية في المالخولياء والصرع وإن طلى بدمها الكلف أذهبه وإن طبخ أو شوى في جوف قرن نفع من القرحة في الأمعاء ويحرق رأسها فيكون سنوناً جيد للجلاء ووبرها يشد به الثريان إذا انقطع وتعلق الاعراب كعبها على الصبيان للعين وأنفحتها تدفع السم إذا شربت بماء السلق وسداب وإذا أخذتها المرأة حملت ومخها ودماغها يمنع الشعر المنتوف من النبات وبعرها يدق بالخل للقوباء ومرارتها تطرح في الشراب فتنوم. الوصف لبعض الأندلسيين من المباهج أفراد حران كأنهن أولاد غزلان بين رواع ينعطف انعطاف البره ووثاب يجتمع اجتماع الكره حال العصب ازاره وصاغ التبر طوقه وسواره قد غلل بالعنبر بطنه وحلل بالكافور متنه كأنما نضح بعبير وتلفع في حرير ينام بعينى ساهر ويفوت بجناحي طائر قصير اليدين طويل الساقين هامان في الصعود تجده ويابك عند الوثوب تؤيده. القول في النعامة: من المباهج وإنما ذكرناه مع ذوات الأربع من الوحوش وإن كان ذا جناح لأنه عند المتكلمين في طباع الحيوان ليس بطائر وإن كان يقنص وله جناح وريش ويعدون الخفاش طائراً وإن كان يحبل ويلد وله أذنان بارزان وليس له ريش لوجود الطيران فيه ومراعاة لقوله تعالى: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني) وهم يسمعون الدجاجة طيراوان وإن كانت لا تطير والنعامة تسمى بالفارسية استرموك وتأويل استرجمل وموك طائر فكأنهم قالوا جمل طائر ولما وجد هذا الاسم ظن الناس أنها نتاج ما بين الإبل والطير وبهذا أجرى عليها المثل في قولهم: قيل للظليم أحمل قالوا أنا طائر قيل فطر فقال أنا جمل، وربما أكد عندهم القول بالتوليد أنهم رأوا فيهمن الجمل الميم والوظيف والعنق والكرش والخف والجرامة، ومن الطير الريش والجناح والمنقار والبيضة ويشبه النعام بالإبل فتسمى الأنثى منها قلوصاً وفي طبعها أنها تحضن أربعين بيضة وثلاثين ومن أعاجيبها أنها تضع بيضها طولاً حتى لو مد عليها خيط لما وجد لشيء منها خروج عن الآخر ثم تعطى كل بيضة منها نصيبها من الحضن إذا كان بدئها لا يشتمل على عدد بيضها وهي تخرج لطلب طعام فتمر ببيض نعام أخرى فتحضنه وتنسى بيضاه ولعلها تصاد ولا ترجع إليه فتهلك ولهذا توصف بالمرق والحمق ويضرب بها المثل في ذلك، وعلى هذا ينشد قول هرمة: فانى وتركى ندى الاكرمي ... ن وقدحاً بكفى زند اشجاحا كتاركة بيضها بالعرا ... ء وتلحقه بيض أخرى جناحا

стр. 276

ويقال أنها تقسم بيضها اثلاثا منه ما تحضنه ومنه ما تجعل صفاره غذاء ومنه ما تفتحه وتتركه للهواء حتى يعفن ويتولد من عفنه دواب فتغدى بها فراخها إذا خرجت وهو من الحيوان الذي يزاوج ويعاقب الذكر في الحضن وهو لا يأنس بالإبل ولا بالطير مع مشاركته لهما وكل ذى رجلين إذا انكسرت له أحداهما استعان بالأخرى ما خلال النعامة فإنها تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعاً، ويقال إن الحيوان الوحشي ما لم يعرف الإنسان لا ينفر منه إذا رآه ما خلا النعام فإنه شارد أبداً وبه يضرب المثل في الشرود وعظامه وإن كانت عظيمة وشديد العدو ها لا مخ فيها ولا مجرى لها وتزعم العرب أن الظليم أصلح وأنه لما كان كذلك عوض عن السمع بالشم فإنه يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه إلى السمع فربما كان على بعد فشم رائحة القناص على أكثر من غلوه والعرب تضرب به المثل في حاسة الشم وفسر بعض المعتنين بتفسير أمثال العرب، قوله أحمق من نعامة، أن من حمقها إذا أدركت القناص أدخلت رأسها في الرمل تقدر أنها قد استخفت منه، وهو قوى الصبر عن الماء شديد العدو وأشد ما يكون عدواً إذا استقبل الريح وكلما أشد لغضوفها كان أشد حصراً وهو في عدوه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح وهو يبتلع العظم الصلب والحجر والدر والحديد فيميعه بحر قانصته حتى يصير كالماء ويبتلع الجمر حتى ينقذه إلى جوفه فيكون جوفه هو العامل على إطفائه ويكون الجمر هو العامل على إحراقه وفي ذلك أعجوبتان إحداهما التغذى بما لا يغدو والأخرى الاستمراء والهضم وهذا غير منكر لأن السمندل وهو كما زعم بعضهم دابة توجد ببلاد الهند وبلاد السند دون الثعلب خليخية اللون حمراء العين ذات ذنب طويل ينسج من وبرها مناديل إذا اتسخت القيت في النار المتأججة فيزول منها الزهم ولا تحترق وببلاد الترك جرذان تسلخ جلودها ويتخذ من وبرها مناديل إذا اتسخت غسلت بالنار بأن تلقى فيها ولا تحترق وزعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض ويفرخ وفيه من الخاصية أنه يدخل بالنار ويخرج منها ولا يحترق ريشه ويعمل من جلده مناديل الغمر فكما أن خاصية هذا الحيوان في ظاهره كانت خاصية النعام في باطنه والباطن في الحيوان كله أنعم من الظاهر. وقد حكى أبو عبيد البكرى في كتاب المسالك والممالك لما ذكر قابس أن بعض البادية دخل على أميرها بطائر على قدر الحمامة ذكر أصحابه أنهم لم يروه قبل وما عهدوه وكان فيه من كل لون وهو أحمر المنقار فأمر بقص جناحيه وأن يرسل في قصره فلما كان الليل أوقد بين يدي الأمير مشعل فلما رآه الطائر قصده وأراد الصعود إليه فلم يستطيع النهوض فلم يزل يجهد نفسه حتى صعد إليه وجلس في وسطه وجعل يتفلى فيه كما يتفلى الطائر في الشمس فلما قضى وطره منه نزل، والنعام تصاد بالنار كما تصاد سائر الوحوش فإنه إذا رآها دهش لها واعتراه فكر فيها فيقف وقوف حيرة فيتمكن منه الصائد. خواصه من المصائد لم يذكر منها شيئاً. الوصف أبو إسحاق ابراهيم بن خفاجة: ولرب طيار خفيف قد جرى ... مثلاً يحار خلفه طيار من كل قاصرة الخطا مختالة ... مشى الفتاة تجر فضل ازار مخضوبة المنقار تحسب أنها ... كرعت على ظمأ بكأس عقار لايستقر بها الأداحى خشية ... من ليل وبل أو نهار بوار قال الزمخشري: ياسائلى أننى أصبحت في بلد ... لا عطلة ترجى لى ولا عمل ولا غريب ولا لى فيه من أحد ... مثل النعامة لا طير ولا جمل

стр. 277

الطاووس: قال أصحاب البحث عن طبائع الحيوان أن الطاووس في الطير كالفرس في الدواب عزا وحسنا غير أن الناس لا يتبركون به ويكرهون في دورهم وفي طبعه العفة وحب الزهور بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه وعقد لذنبه كالطاق لاس يما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه تبيض بعد أن يمضي لها العمر ثلاث سنين وكذلك لا يحصل التلوين في ريش الذكر إلا بعد هذه المدة وهي نهاية البلوغ والأنثى تبيض مرة واحدة في السنة أثنى عشرة بيضة وأقل وأكثر ولا تبيض متتابعاً ويسفد في زمن الربيع ويلقى ريشه في زمن الخريف كما تلقى الشجر ورقها وهي كثيرة العبث بالأنثى إا حضنت وربما كسر البيض ولهذا يحضن بيضه تحت الدجاج والدجاجة لا تقوى على حضن أكثر من بيضتين منها وينبغى أن يتعاهد الدجاجة بجميع ما تحتاج إليه مخافة أن تقوم عنه فيفسده الهواء والفرخ يخرج من البيضة كاسيا كما يخرج الفروج والطاووس من الطير الذي يبيض بيض الريح. ويقال: أن عبث الطاووس بأنثاه وإن حضنها غيرة منه أن يخرج من البيض ما يشبه في حسن ريشه وبهاء خلقه وزعم أرسطو أن الطاووس يعيش خمساً وعشرين سنة وهذا منه حكم لا يعينه الاستقرار. الوصف أبو الصلت أمية بن العزيز الاندلسى: أهلً به بدى فتى مشيه ... يختال في حلل من الخيلاء فالروضة الغناء أشرق فوقه ... ذنب له كالروضة الغناء ناديته لو كان يفهم منطقى ... أو يستطيع إجابة لندائي يارافعاً فوق السماء ولابساً ... للحسن روض الحزن غب سماء أيقنت أنك في الطيور مملكاً ... لما رأيتك منه تحت لواء وله: أبدى لنا الطاووس عن منظر ... لم تر عينى مثله منظرا متوج المفرق إن لا يكن ... كسرى بن ساسان يكن قيصراً في عضو ذهب مفرغ ... في سندس ريشه أخضر نزهة من أبصر في طيها ... عبرة من فكر واستبصر تبارك الخالق في كلما ... أبدعه منه وما صورا

стр. 278

الباب الخامس والأربعون في الأسد النبل والزرافة والفيل وإنما بدأنا به أولاً لأنه أشرف في هذا النوع لأن منزلة الملك المهيب لقوله وشجاعته وقساوته وجهامة خلقه وشراسة خلقه، قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان إن اللبوة لا تضع إلا جرواً واحداً وتضعه بضعة لحم ليس فيها حسن ولا حركة فتحرسه من غير حضان ثلاث أيام ثم يأتى أبوه بعد ذلك فينفخ في تلك البضعة المرة بعد المرة حتى يتحرك ويتنفس ويتفرج الأعضاء ويتشكل الصورة ثم تأتى أمه فترضعه ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام من تخليقه وهي ما دامت ترضع لا يقربها الذكر البتة فإذا مضت على الجرو ستة أشهر كلف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريب وطارد الذكر الأنثى فإذا كانت صارفة أمكنته من نفسها وإن لم تكن دفعته ومنعته ونفته مع شبلها بقية الحول وستة أشهر من الثانى وحينئذ تألف الذكر وتمكنه من نفسها وللأسد من بعد الوثبة واللصوق بالأرض والإسراع في الحصر إذا هرب والصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع وربما سار في طلب القوت ثلاثين فرسخاً ولا يأكل فرسة غيره من السباع وهو إذا شبع من فريسة تركها ولم يعد إليها ولو جهده الجوع ولا يأكلها وإذا أكل يقيم يومين وليلتين بلا طعام لكثرة امتلائه ويلقى بعد ذلك شيئاً بابسا مثل جعر الكلب وإذا بال رفع إحدى رجليه كالكلب وإذا فقد أكله صعب خلقه وإذا امتلأ بالطعام فهو ودع وأكل الخفيف وأحب إليه من اللحم العريض الغض وهو لا يثبت على الإنسان للعداوة ولكن للطعم فإنه لو مر به وهو شبعان لم يتعرض له وهو مع ذلك حريص بهم واسع النحر ينهش ولا يمضغ قليل الريق ولهذا يوصف بالنجر ولحم الكلب أحب اللحوم إليه ويقال إنما ذلك لحنقه عليه فإنه إذا أراد الطواف في جنبات الحى ألح الكلب بالنباح عليه والإنذار به فيرجع خائباً لنهوض الناس عليه فإذا أراد ذلك بدأ الكلب حتى يأمن إنذار ومن شأنه إذا أكثر من حسو الدم وأكل اللحم وحلت نفسه منها طلب الملح ويجعله كالحمضة بعد الحلة فيطلبه ولو كان بينه وبينه خمسون فرسخاً وهو يوصف بالجبن والجراءة فمن جبنه أنه يذعر لصوت الديك ومن نقر الطست وضرب الطنبور والحبل الأسود والديك الأبيض والسنور والفأرة وقد تكون النار من أسباب اغتراره واغتياله لأنه يعتريه ما يعترى الظباء والوحوش عند رؤية النار من الحيرة والعجب بها وادمان النظر إليها والفكر فيها حتى يشغله عن التحفظ والتيقظ ومن حرارته أنه يقدم على المعتب الكبير والجمع الكثير ويقابل ولا يرجع من الضرب والجراح ولا يذله ما يصيبه من ذلك بل يقابل بعضه حتى يموت وهو إذا كر لا يفر وإلا فرا خفيفا مخالسا والأسود أكثر جراءة وجهالة ويقال إن الأنثى أجرأ من الذكر والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول إنما هي أشرف ومن عاداته أنه إذا عاين أحد لا يفزع ولا ينهزم فإن لجأ إلى ذلك وأحسن بالصيادين تولى وهو يمشى رفقا وهو مع ذلك يتلفت ويضمر الخوف ويظهر عدم الاكتراث وان تمكن منه الخوف هرب عجلاً حتى يبلغ مكاناً يأمن فيه فإذا علم أنه أمن مشى مارا وإن كان في سهل والجأ إلى الهرب جرى جرياً شديداً كالكلب وإن رماه أحد ولم يصبه شد عله فإذا أخذه لم يضره وإنما يخدشه ثم يخيله كأنه من عليه بعد الظفر به وإذا شم رائحة الصيادين أخفى أثره بذنبه وفيه من شدة البطش ما أنه يأبى الجمل الهايج البازل فيضربه بيده فيثنى الجمل عنقه إليه ويريد عضه فيضرب بيساره إلى مشفره فيجذبه جذبة يفصل بها بين ذوات عنقه وإن ألفاه قائما وثب عليه فإذا هو ذروة سنامه فعند ذلك يضرب كيف شاء ويتلعب به كيف أحب ومن عجيب أمره أنه لا يألف شيء من السباع لأنه لا يرى فيها ما هو كفؤ له فيصحبه ولا يطأ على أثره شيء منها ومتى وضع جلده على سائر جلودها تساقطت شعورها ولا يدنو من المرأة الطامث ومتى مس قوائمه لحا شجر البلوط حذر ولم يتحرك من مكانه وإذا غمره الماء جاء الصبى حتى يركب على ظهره ويقبض على أذنه ولا تفارقه الحمى ولذلك الأطباء يسمون الحمى داء الأسد وعظامه بعضها ببعض فيخرج منها كما يخرج من الحجارة ولذلك في جلده من القوة والصلابة ما لا يعمل فيه السلاح إلا من مراق بطنه وقد يطول مثوى الواحد منها مع الناس حتى يهرم وهو في جميع حالاته صعب شديد الغرام لا يؤمن شروده إذا انفرد مع سواسه وأبصر غيضة بين يديها صحراء ويبلغ من العمر كثيرا وعلامة ذلك أنه يصاد فيوجد مهتوم

стр. 279

الأسنان وليس ذلك إلا من الكبر. خواصه: يقال إن خصيته إذا ملحت بنورق أحمر ومصطكى وجففت وقليت بزئبق نفعت من البواسير والزحبر ووجع الأرحام ويقال إن من يمسح بشحم كليته يؤمن من أكل السباع ومرارته بغسل تنفع الخنازير ودمه يطلي به السرطان وصيده بأنواع من الحيل فمنها أن تصنع لع العرب الزباء وهي حفائر في نشر من الأرض وتغطى وفي وسطها جرو كلب فيأتى الأسد ليأخذ الجرو فيسقط فيها، ويقال عثمان بن عفان: بلغ الماء الزباء أي أعظمها. الوصف والتشبيه: وصفه أبو زيد الطائى في حكاية حكاها لعثمان بن عفان وقد لعنه فقال أقبل يتضالع ولصدره نحيط ولبلاغيمه غطيط ولطرفه وميض ولأسارغه نفيض كأنما يخبط هشيما أو يطأ صريما ذا هامة كالمجن وخذ كالمن وعينان سحراوان كأنهما سرجان وقصره رمله وهرمه وهله وساعد مجدول وعضد مفتول وكف شبيه البراثن ومخالب كالمجن فم أشدق كالغار الاحرق يفتر عن معاول مصقولة عبر مغلولة فهجهجنا به فرفر وبربر ثم زأر فجرجر ثم لحظ فخلت البرق يتطاير من جفونه عن شماله ويمينه فأرعشت الأيدي واصطكت الأرجل وجحظت العيون وساءت الظنون ولصقت الظهور بالبطون وأنشد عبوس شموس مثل جد مكابر جرئ على الأقدام للقرن قاهر: براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضا في وجهه لشر طائر يدل بانياب حداد كأنها ... إذا قلص الاشداق عنها خناجر وقال أبو الطيب يصفه من أبيات: ورد إذا ورد البحيرة وارد ... ورد الفرات زئيره والنيلا متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا في وحدة الرهبان إلا أنه ... لايعرف التحريم والتحليلا ماقوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا يطأ الثرى مترفعاً من تيهه ... فكأنه أس يحس عليلا ويرد عقرته إلى يافوخه ... حتى يصير رأسه اكليلا ويظنه مما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا قصرت مخافته الخطى فكأنما ... ركب الكمى جواده مسلولا ثم خرج إلى ذكر الممدوح الحسين بن عبد الله بن طغج أمير مصر كان قد خرج متصيداً فرأى أسدا على فريسته فهاجمه فوثب الاسد على كفل فرسه فأعجله عن استلال السيف فضربه بالسوط فألقاه عن كفل الفرس، فقال المتننبي القصيدة التي أولها: في الخدام عزم الخليط رحيلا ... مطر يزيد به الخدود محولا وجاء منها: أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المسلولا وقال عبد الجبار بن حمديس الصقلى: وليث مقيم في غياض منيعه ... أمير على الوحش المقيمة في القفر يوسد شبليه لحوم فوارس ... ويقطع كاللص السبيل على السفر هزبر له في فيه نار وشقرة ... فما يستوى لحم القتيل على الجمر سرجاه عيناه إذا أظلم الدجى ... فإن بات يسرى باتت الوحش لا تسرى له جبهة مثل المجن ومغطس ... كأن على أرجائه صيغة الحبر يصلصل رعد من عظيم زئيره ... ويلمع برق من حماليقه الحمر له ذنب مستنبط منه سوطه ... ترى الأرض منه وهي مضروبة الظهر ويضرب جنبيه به فكأنما ... له فيها طبل محيص على الكر ويضحك في التعبيس فكيه عن مدى ... بنوب صلاب ليس يهتم بالفهر يصول بكف عرض شبرين عرضها ... خناجرها أمضى من القضيب البتر يجرد منها كل ظفر كأنه ... هلال بدا للعين في أول الشهر وأحسن منها كل ظفر كأنه ... هلال بدا للعين في أول الشهر وأحسن ما ورد في قتل الأسد قول بشر بن عوانة الفقعسى يضف ملاقاته للأسد وام اتفق له معه وحكايته أن تزوج ابنة عمه فخرج يبغى مهرها فلما كان ببعض الطرق عارضة أسد فكر بمهره عليه فتقاعس ولم يتقدم عليه فنزل عنه وأقبل نح الأسد مصلتا سيفه فقتله وقال: أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا إذا لرأت ليثا رام ليثا ... هزبر أغلبا يبغى هزبرا تمهس إذ تقاعس عنه مهرى ... محاذرة فقلت عقرت مهرا أبل قدمى ظهر الأرض إني ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا وقلت له وقد أبدى نضالا ... مذربة ووجها مكفهرا يدل بمخلب وبحد ناب ... لمضربه غداة الروع أثرا

стр. 280

ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا وقلبي مثل قلبك لست أخشى ... محازردة ولست أخاف ذعرا وأنت تروم للأشبال قوتا ... وأبغى لابنة الأعمام مهرا ففيم تروم مثلى أن يولى ... ويترك في يديك النفس قسرا نصحتك فالتمس ياليث غيرى ... طعاما إن لحمى كان مرا ولما ظن الغش نصحى ... وخالفني كأنى قلت هجرا دنا دنوت من أسدين راما ... مراما كان إذ طلبا ذعرا يكفكف غيله إحدى يديه ... ويبسطه الوثوب على الأخرى هززت له الحسام فخلت أنى ... هززت له لدى الظلماء فجرا حساما لورميت به المنايا ... لجاءت نحوه تعطيه عذرا وجدت له بخافقة رآها ... كمن لديه مامنه قدرا بضربة فيصل تركته شفعا ... وكان كأن الجلمود وترا فخر مضرجاً بدم كأنى ... هدمت به بناء مشمخرا وقلت له يعز على أنى ... قتلت مناسبى جلدا وقهرا ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم أطق ياليث صبرا تحاول أن تعلمنى فرارا ... لعمر أبى لقد حاولت نكرا فلا تبعد فقد لاقاك حر ... يحاذر أن يعاب فمت بحرا نادرة: قبل تعرض أسد لقافلة وصال على رجل منها فبادروا حتى حالوا بينهما وقالوا للرجل كيف حالك قال صالحة ولكن الأسد قد خرى في سراويلي ولمؤلفه ﵀: سألتك يا جميل الستر سترا ... أغيب به الخصم الظلوم وذاك الستر ستر معنوى ... يرانى منه كالأسد العظيم القول في طبائع الفيل: زعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان أن الفيلة مائية الطباع بالجاموسية والخنزيرية التي فيها وبعضها يسكن الماء وبعضها لا يسكنه وزعم آخرون أن الفيلة ضربان فيل ورند فيلوهما كالبخت والغراب والبقر والجواميس والبراذين والخيل والفأر والجرذان والنمل والذر وبعضهم يقول الفيل الذكر والرندفيل الأنثى وهذا النوع لا يتلاقح إلا في بلاده ومغارس أعراقه وإن صار أهليا وهي تتوالد بأرض السند والهند وهي أعظمها خلقا وبجزيرة سرنديب وينتهى في عظم الخلق إلى أن يبلغ في الارتفاع عشرة أذرع وفي ألوانها الأسود والأبيض والازرق والأبلق وهو إذا غتلم أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى ينضم إبطاه ويتورم رأسه ولم يكن لسواسه غير الهرب منه وربما صار وحشياً وجهل جهلاً شديداً والفيل ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين وإذا حملت لا يقربها الذكر ولا يمسها ولا ينزو الذكر علها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين ولا ينزو إلا على فيلة واحدة وله عليها غيرة شديدة وإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها بالماء لأنها تلد قائمة إذ لا فواصل لقوائمها فتبرك والذكر بعد ذلك يحرسها وولدها من الحيات وذلك لعداوة أصيلية ووضع ذكر الفيل شبيه بالفرس لكنه صغير عنه جثة وهو في الفرس العتيق صغير أيضاً وأنثيا الفيل داخل ذنبه قريب من كليتيه ولذلك يسفد سريعاً كالطير لأن داخلاً قريباً من القلب ينضج المنى بسرعة ويقال أن الفيل يحقد كما يحقد الجمل ويحفظ الشيء الذي يكرهه القيم عليه حتى يقابله عند تمكنه منه وربما قتله وزعم أهل الهند أن لسان الفيل مقلوب ولولا ذلك لتكلم وهو صغير جداً ويجعلون أن قرينه هما ناباه يخرجان مشتطين حتى يخرقا الحنك وعلم ذلك من تسريحه ويوجد فيه الأعقف والمستقيم.

стр. 281

قال المسعودي: وربما بلغ الناب منه مائة وخمسين منا وأكثر من ذلك والفيل يحمل بهما على الجدار الوثيق البنيان فيقلبه على الأرض وقد فتح به محمود بن سبكتكين مدينة الطاق وهي من أعظم الحصون التي ببلاد سجستان فإنه جعل نابيه تحت بابيها فأقلعه وهو ومن أسرع الحيوان الوحشى أنسا بالناس وسرعة الأنس دليل على حسن الطباع ودماثة الأخلاق وخرطومه من غضروف أنفه وهو يده التي يوصل بها الطعام إلى فيه ويقاتل بها وبها يصيح وليس صياحه على مقدار جثته لأنه كصياح الديك يتنزل منه منزلة عنقه وله فيه من القوة بحيث يقلع به الشجر من منابتها وفي طبعه أنه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر واعتراه الفزع والجزع وإذا ورد الغدران والأنهار للشرب وكان الماء صافياً فهو أبداً يثيره ويكدره كالخيل لأنها ترى صورها على سطح الماء فتتوهم أنه غيرها فتنفر منه وهو قليل الاحتمال للشتاء والبرد ويقوم ويسير في الماء منغمساً ما عدا خرطومه لأنه منه يتنفس ولايقدر على السباحة لثقل جثته وفيه الفهم ما به يقبل التأديب ويفعل ما يأمره سائسه من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب وفيه من الأخلاق أنه يقاتل بعضه بعضاً قتالاً شديداً والمقهور منها يخضع ويتعبد للقاهر ويخاف سطوته ويقال: إنه يصاد باللهو والطرب واللعب والزينة وريح الطيب والنساء يصيدونه بذلك وربما احتيل على صيده بأن يترقب حال سكونه وهدّوه وذلك أنه لا ينام إلا متعمدا على ساق شجرة إذ لا يمكنه الاضجاع لكون قوائمه لا فواصل لها لكنها كالأساطين المصمتة والسوارى الوثيقة والصيادون يأتون الشجرة التي غالب أوقاته يعتمد عليها فيضعفون أصلها فإذا أتى على عاداته إليها ليعتمد عليها انكسرت فسقط وبقى عاجزا لا يقدر لنفسه بشيء فيصدونه كيف شاءوا، والهند تعظم الفيل وتشرفه لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة من علو سمكه وعظم صورته وبديع منظره وطول خرطومه وسعة أذنه وطول عموده وثقل حمله وخفة وطئه، فإنه ربما مر بالإنسان وهو لا يشعر به لحسن خطوته واستقامته وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورؤسها فإنه إذا غتلمت عرقت هذه الأماكن عرقا كأنه المسك ويستعملونه لظهور الشبق في الرجال والنساء ويزعمون أنه يشجع القلب ويقوى النفس ويبعثها على الأقدام والفيل يشب إلى تمام ستين سنة ويعمر مائتي سنة وأكثر وحكى ارسطو أن فيلا ظهر عمره أربعمائة سنة. وحكى بعض المؤرخين أن فيلا سجد لابرويز ثم سجد للمعتضد وبينها زمان ذكره ارسطو واعتبر ذلك بالوسم وهذا الحيوان يعتريه من لاأمراض وجع المفاصل لطول قيامه وثقل جثته لأنه لا يضطجع. الوصف والتشبيه، وقال عبد الكريم البهشلى: وأضخم هندى النجاد تعده ... ملوك بنى ساسان إن نابها دهر يجئ كطود جائل فوق أربع ... مصيره يلب كما يلب الصخر له فخذان كالشئين لبد ... وصدر كما أوفى الهضبة الصدر ووجه به أنف كرا وورق خمرة ... ينال ما يدرك الانمل العشر وجنبان لا يروى القليب صداهما ... ولو أنه بالباع منهرب حفر وأذن كنصف الرد يسمعه الندا ... خفيا وطرف ينقص الغب مزور ونابان شقا لا يريد سواهما ... قيامين سمراوين لمعهما تبر له لون ما بين الصباح وليله ... إذ نطق العصفور أو صوت الصقر صلاح الدين الصفدى رحمة الله ملغزا: أيما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الإله حيوان والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه فيك تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكسا يكون في ثلثاه وقد جعل الله في طبع الفيل الهرب والوحشة من النسور وإذا احتملت المرأة من نجوها مع العسل لم تحبل أبدا وكذلك إذا علق على شجرة لم تحمل تلك السنة.

стр. 282

القول على طبائع الكركدن: وتسميه الهند النوسان ويسمى أيضاً الحمار الهندى وهو عدد الزبرقان والفيل ومعادنه ببلاد الهند والنوبة والبجا وهو دون الجاموس ويقال إنه متولد بين الفرس والفيلة وله ظلف واحد غير مشقوف وقرن واحد عظيم على أنفه بارز ولا يستطيع لثقله أن يرفع رأسه وهذا القرن مصمت قوى الأصل حاد الرأس مرهفه يقاتل به الفيل فلا يفيده معه ناباه، ويقال: إنه إذا نشز رؤى في داخله صورة بياض في سواد صفة انسان ودابة وسمكة وما يشاكل ذلك وأهل الصين يتخذون منه المناطق ويغالون في ثمنه ويقال: إن حمل الأنثى من هذا النوع كأيام حمل الأنثى من الفيلة والأنثى تأكل ولدها ولا يسلم منها إلا القيليل والولد يخرج قويا ثابت الاسنان والقرن قوى الحافر وقد زعم أنه إذا كان في بطن أمه وقارب الوضع يخرج راسه من فرجها ويرعى من أطراف الأشجار ما يقوته ثم يرجع به، وقد أنكر الجاحظ هذا لاقول وقد جعله ضربا من الخرافات وتزعم الهند أنه إذا كان في ناحية من البلاد لا يقربها حيوان أصلا ويكون بينهما وبينه من البعد مائة فرسخ من أربع جهاته هيبة له وهربا منه وليس كذى القرن مشقوق الظلف وهو يجتر كما يجتر البقر والغنم والإبل ويأكل الحشيش والهند تأكل لحمه وكذلك في بلادها من المسلمين لأنه نوع من البقر والجواميس ويقال: إنه شديد العداوة للإنسان حتى أنه إذا شم رائحته أو سمع صوته جد في طلبه فإذا أدركه قتله وإن لم ينتفع به لأنه يأكل اللحم وهذا الحيوان لا يبرك ولا ينام ليس له مفصل في ركبته ولا في يديه بل هو من ظلفه إلى أبطه قطعة واحدة. القول في الزرافة: والزرافة في كلام العب الجماعة لأنها اجتمع فيها صفات كثيرة من الحيوان وهي عنق الجمل وجلد النمر وقرن الظبي وأسنان البقر ورأس الابل ولهذا زعم بعض المتكلمين في طبائع الحيوان أنها متولدة من حيوانات وقيل: إنالسبب في ذلك اجتماع الوحوش في حماوة القيظ على شرائع المياه متتساعد فيلقح منها ما يلقح ويمتنع ما يمتنع فربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة فتختلط مياهها فيجيء خلق مختلف الصور والألوان والأشكال، والفرس تسمى الزرافة استر كاويليك فتأويل استر بعر وكاو بقرة ويليك الصبغ وهذا كما رأيت موافق لكلام العرب من كونها مركبة الخلق من حيوانات شتى. والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول إنه جهل شديد لا يصدر عن من لديه تحصيل لأن الله يخلق ما يشاء وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير ومما يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد وهي طويلة اليدين والعنق جداً حتى يكون في مجموعها عشرة اذرع وأكثر قصيرة الرجلين جداً وليس لها ركب وإنما الركب ليديها كسائر البهايم وغذا أكلت مما على الأرض تفحجت لقصر عنقها عن بدنها ومن عاداتها أن تقدم عند المشي اليد اليمنى والرجل اليسرى بخلاف ذوات الأربع فإنها كلها تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى وفي طبعها التآلف والتودد والتآنس وهي تجتر وتبعر. الوصف ابن حمديس: ونوبية في الخلق منها خلائق ... متى ما يرق العين فيها تسهل إذا ما اسمها ألقاه في السمع زاجر ... رأى الطرف ما عنى عناه بمقول لها فخذ أقرم واظلاف قرهب ... وناظرتا ريم وهمامة أيل كأن الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج مصندل ودائمة الأقعاء في أصل خلقها ... إذا قابلت أدبارها غير مقبل تلفت أحياناص بعين كحيلة ... وجيد على طول اللواء المطل وتنفض رأساً في الزمام كأنما ... تريك له هاد على السحب مفتل وعرف رقيق الشعر نبته ... إذا الريح هزته ذوائب سنبل وتحسبها من نفسها إن تبخترت ... تزف إلى بعل عروساً وتنجلي فكم منشد قول امرئ القيس عندها ... أفاطم مهلاً بعض هذا التذلل ومن أبيات الفقيه عمارة اليمنى: وبها زرافات كأن رقابها ... في الطول ألوية تؤم العسكرا نوبية المنشأ تربك من المها ... زرقاء ومن بزل المهارى مشفرا جبلت على الأقعاء من إعجابها ... فتخالها لتيه تمشي القهقرا

стр. 283

الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام قد جرت عادة الكبراء والعظماء بإتخاذ الحمام في منازلهم ولا سيما في أيام الخلفاء فكثر ذلك في ايام الناصر لدين الله احمد بن الإمام المستضئ فإنه اهتم بأمرها وبأمر إنشائها ومازالت الخلفاء والملوك يطيرون الحمام ويسابقون به ولا يختص بذلك بنو العباس قال صاحب روض الأذهان: كان الوزير أبو الفرج يعقوب وزير المعز أجل الخلفاء المصريين وأفخمهم وكان له حمام يسابق فاتفق أنه سابق بها طيور الخليفة العزيز فسبق حمامه فعظم ذلك على الخليفة ووجد أعداء الوزير الطعن عليه من أن هذا الوزير يختار لنفسه من كل شيء ويختار للخليفة الأدنى فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى الخليفة: قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والكوكب الثاقب طائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب فسكن غيظ الخليفة ولما مات هذا الوزير خلف أربعة آلاف مملوك وحارة الوزيرية في القاهرة وتعرف به وبساتين الوزير بالقرب من بركة الجيش ولما مات نزل الخليفة وألحده في قبره وبلغ كفنه وما يدخل فيه عشرة آلاف دينار. قال الجاحظ: وقد تباع الحمامة بخمسمائة دينار ولم يبلغ ذلك شيء من الطير ومن دخل بغداد والبصرة عرف ذلك وتباع البيضة بخمسة دنانير والفرخ بعشرين ديناراً روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه اشتكى إلى رسول الله (الوحشة فقال: "اتخذ حماماً تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها" وروى عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله (: "الحمام فإنها تلهي الجن عن صبيانكم" روى جابر أنه كان رسول الله (يعجبه النظر إلى الحمام والأبراج وكان في منزله (حمام أحمر اسمه ورذان، وكان إبراهيم بن بشار معجباً بالحمام والأبراج وكان إذا ذكرها يقول أن الله جمع فيها حسن النظر وكريم المخبر تكفيك مؤنتها فهي للطارق عدة وللمستوطن لذة تطعم في الصحراء وتعود إليك في السراء يأنس الوحيد بحركاتها وتغنيه عن الأوتار بنغماتها وغيرها من الطير يستعجم وهي ناطقة وتنفر عنك وهي داجنة وفي طبعها السكون إلى الناس والاستئناس بهم وهي طير عفيف يبقى الذكر بعد الأنثى منفرداً والأنثى مثل ذلك مع شدة اتفاقهما على المحبة إن طارا طارا معاً معاً وإن وقعا وقعا معاً لها سرعة الطيران لا تكاد سباع الطير تصيدها إلا بحيلة ولم تزل العرب تستحسن سجع الحمام وتغريد البلبل والورشان وإعراب وادي القرى إذا ظفروا بشباب الطائف أتوا حوائط من النخل عند استواء الظهيرة إذا صارت الوراش والفواخت إلى ذلك الظلال فيشربون ويأنسون بتغريدهن ويقيمون أصواتهن مقام المزامير والأوتار وفي ذلك يقول بعضهم: أحن إلى حوائط ذات عراق ... لتغريد الفواخت والحمام ألم بها وكل فتى كريم ... من الفتيان مخلوع الزمام وقد ألف القاضي محيي الدين بن عبد كتاباً أسماه تمائم الحمائم وذكر فيه أنسابها وأنواعها وغير ذلك ومنه قول القاضي الفاضل لا زالت أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر وكادت تكون ملائكة لأنها رسل إذا نيطت بالرقاع طارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع وقد باعد الله بين أسفارها وقربها وقرها وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما كذبها وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقاً وأذنها من أذنابها أوراقاً فصارت خوافي ةوراء الحوافي وغطت سرها بكتمان سحبت عليها ذيول ريشها الصوافي ترغم النوى بتقريب العهود وتكاد العيون تلاحظها وتلاحظ أنجم السعود وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتى به من الأنباء وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان قيام الخطباء وسماها القاضي الفاضل في مكان آخر ملائكة الملوك فرحمه الله ما كان أقدره على الكلام وما أحسن ملا وصف الحمام وتسميته أيها أنبياء الطير، قال الشيخ تاج الدين بن الأثير من فصل: طالما جارتها الرياح فأصبحت فأصبحت مخلفة وراءها تبكي على السحب وصدق من سماها أنبياء الطير لأنها مرسلة بالكتب وقال الشيخ السديد علو الرؤساء من رسالة في تقدمته بالبشائر يكون المعنى بقولهم أيمن الطائر ولا غرو أن أفارق رسل الأرض وفاتهم وهو مرسل والعيان عيانه والجو ميدانه والجناح مركبه والرياح موكبه وابتداء الغاية شوطه والتشوق إلى أهله وقال الاسعد بن مماتى من صدر رسالة:

стр. 284

أعوامل بالفلات مما يدلنا ... عنى أن معنى القلب من عادة القلب ومن لم يجد شخصاً من الأنس كاملاً ... يثبت له الشكوى تشاغل باللعب بلغنا أن الحضرة قد أطاعت سلطان نفسها واسترجعت شيطان أمسها وعزمت على أنفاق كيس الأيام بالاشتغال بالحمام. وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: وفرضنا أعزك الله أن ذلك الواشي في كلامه مصيب فالمملوك أولى بالتقاط فوائد مولانا ابن أبي حجلة وللطير في دار الكرام مصيب. صلاح الدين الصفدي وكتبها إلى بعض أصحابه: هذي بطاقة قادم ... قد جاء يلهج بالمدح حملها قلبي الذي ... قد طار نحوك بالفرح وقلت ما ألطف قول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: شكرت افتراحي في المديح فلمتنى ... وقلبي أناس كان يشكر ما اقترح ولو كان من شعري المحجل ريشة ... لكل بني الآداب طارت من الفرح القاضي الفاضل: لينهك طائر الفتح المبين ... وما أدى من الخبر اليقين وأشرق في الخيام على رياض ... وخط من الرماح على الغصون وأطرب بالكتاب وزاد حتى ... ظنناه يغني باللحون وسرك باليقين بغير وعد ... ترجيه الظنون بقدوسين بما أسهرت جفن السيف حتى ... جعلت السيف غمداً للجفون وله تغمده الله برحمته: وقد ألف التخليق ريشها وجناحها ... فجاءت الينا في رداء العرائس وما خلقت بالزعفران وإنما ... نضخن دماً من أكل قتلى الفوارس ملائكة الرحمة تزجى كتابها ... اليهم ببشراهم بقتلى الأبالس وله ﵀: بشائر يأتي الطير حامل كتبها ... فيأتي سرور لم يدعه ونفسه غدوت ولا سيف يقر بغمده ... وبت ولا طير يقر بعشه وذكر ابن مسدى في معجمه: قال سمعت أبا الحسن محمد بن نصر الله بن عنين يقول كنت بخراسان بمجلس الفخر الرازي وعادت به على منبره فقنت وأنشدت بديها: يا بن المطمعين إذا شتوا ... في كل مسغبة وثلج خاسف والعاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيح الراجف من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف وافت إليك وقد تدانى حتفها ... فجبرتها ببقائها المستأنف ولو أنها تجبى بمال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف فخلع عليه جبة كانت عليه وكل هذا سبباً لإقبال السعود عليه. من انشاء الشيخ زايد الوردي: فبينما الباز سكران بما بان من البان وإذا بحمامة قد أوقعت أمامه وقالت كم تفتخر وأنت عظم نخر أنت من آلة اللعب والصيد وأنا من آله الجد والكبد أنا مع الطوق والخضاب من جملة حملة الكتاب ومع خوفي من شرك الشرك وحذرى ممن فح الافك حملت الأمانة التي أبت الجبال عن حملها وامتثلت مرسوم (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فلما أوصلت الحقوق أمنت العقوق وتزينت بالبشائر والخلوق ومما أعجب العالمين أننى مخضوبة البنان ولى يمين أقول للملك دع الاهتمام ولا تحزن فإنى أنا الحمام مهما حدث عليك من البعد من أخصامك أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك كتمت عن الناس سرى وأبهمت في الغناء والنوح أمرى: روى خضابي وطرقي ... فاستنكفوا من بكائي ثم ادعوا أن نوحى ... مناسب لغنائي فقلت كفوا فدمعي ... باد بغير اختفاء الخضب من فيض دمعي ... والصبر عقد ولائي قال القاضي علاء الدين الوداعي: كان القاضي الفاضل يسمى الحمام ملائكة الملوك فسميت أنا البريدية شياطين السلاطين.

стр. 285

الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار ما أسخن وقول القاضي الفاضل ووردنا حصين كوكب وهو نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة لها الغمامة عمامة وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لنا قلامة، وقال الشيخ شهاب الدين محمود: حصن قد تفرط بالنجوم وتقرطق بالغيوم وسما فرعه إلى السماء ورسى أصله إلى التخوم وتخال الشمس إذا علت أنها تنتقل في أبراجه ويظن من سها إلى السها أنها ذبالة في سراجه لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السما وزمامه ولا يرمق متبرجات بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه وحوله كل شامخ تهيب عقاب الجو قطع عقابه وتقف الريح حسرى إذا توقلت في هضابه تخفق العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر ويحيل الفكر وصورة الترقي إليه لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأصنافها ولا تعرف فيها الأهلة إلا بأوصافها. قال الشيخ جمال الدين بن نباتة من باب محرم الخاطر وإذا هي سماء يتقاعس الفكر عن محاولة شهبها وحسناء كلما رمت أن تنظر وجهها الحسن فكان قرص الشمس مرآة وجهها تزاحم برجها السماء بالمناكب وتضيء إضاءة نجومها الثواقب وتلقى إذا عطشت كوكب الدلو بأرشية في البروق قليب السحائب لا تسامى ولا تسام ولا يحصل منها قادم سفر إلا على معانقة العوالى ومصافحة السهام، وقال علاء الدين بن غانم: ذات أودية ومحاجر لا ترها العيون لبعد مرامها إلا شزرا ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم مما لها من الأبراج ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر إلا أن هذا أعذب فرات وهذا ملح أجاج ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر وقد توعرت مسالكه فلا يداس فيها إلا على المحاجر وتفاوت ما بين مرات العلا وقراره العميق ويقتحم راكبه الهول في هبوطه فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق، وقال سيدي الأخ العزيز الفاضل تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى في وصف قلعة دمشق عندما حوصرت في الوقعة المشهورة ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا أزفة الأزفة وقد ستروا بروجها من الطارق وهم يتلون ليس لهما من دون الله كاشفة واستجليت عروس الطارمة عند زفتها وقد تجهزت للحرب ولم نرض بغير الأرواح مهر وقد أعقدت على رأسها تلك العصائب وقد توشحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر وغازلت بحواجب قسيها ورمت القلوب من عيون مراميها بالنبال وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالاً كانت السهام لها أميال وطلبها كل من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وشمخ وهو على فرسه بنفسه الغالية وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا أن الطارمة عالية وتالله لقد حرست بقوم لم يتدرعوا بغير آية الحرس في الأسحار وقد استيقظوا لحمل قيسهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار فأعيد رواسيها التي كالجبال الشامخة بمن أسس المحجوج وأحصنها قلعة بالسماء ذات البروج. قلت ويحسن ذكر المنجنيق في هذ١ الموطن نقلت من خط القاضي صلاح الدين الصفدي قال نقلت من خط الزجاج الوراق لنفسه يصف حجارة المنجنيق: ترقى بمكر المنجنيق إلى السها ... وتعود تطلب مركز أرباها وحمت بها الأسوار ثم تكلمت ... لم لا وقد فتحت بها أفواها وتولت السمر الطوال سواكها ... وثغورها لا تنجلى بسوادها وقال ابن النبيه من قصيدة يمدح بها الأشرف ويصف دارا بناها بقلعة أخلاط: سقى الله من أعلام أخلاط قلعة ... يحوم بها نسر السها على وكر ودار على خير الطوالع أسست ... فمن حل فيها في أمان من الدهر تجلى مدى الأبصار لمع بياضها ... فأحسبها قد ألبست بهجة الدر وقد أثبتت أركانها من نقوشها ... تماثيل روض لم يزل يانع الزهر تكاد تشم المسك من نسماتها ... ويقطر من أرجائها ورق التبر تسر وتلهى ساكنيها بحسنها ... فإن شئت أغنت عن غناء وعن خمر إذا فتحت أبواب مستبشر بها ... جلت لك نور البحر والوحش في البر فإن شئت للاخرى فمحراب ناسك ... وإن شئت للدينا فريحانة العمر وإن جمعا فالله ما زال جامعاً ... شتيت العلا للاشراف بن أبي بكر وللشيخ بن أبي حجلة في مدرسة القاضي بدر الدين بن الجزولى بمصر:
следующие страницы →