Полный текст (317 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الباب الأول
في تخير المكان المتخذ للبنيان
قال أرسطاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد، ثم البناء، ثم الفلاحة، وذلك لو أن رجلاً سقط في فلاة لا أنيس بها ولا زرع لم يكن همه إلا حفظ قوام نفسه بالغذاء، فليس يفكر إلا فيما يصيد، فإذا صاد واغتذا يفكر بعد ذلك إلا فيما يسكن فيه وهو البناء، فإذا تم له فكر حينئذ فيما يزرعه ويغرسه.
وقال إبراهيم بن إسحاق المصعبي بمياء الملوك العمارة ولا يحسن بهم التجارة.
وقال ابن كلدة جميع خصال الدار المستخسة أن تكون على طريق نافذ وماؤها يخرج منها وليس عليها مشترف وحدودها لها وتكون بين الماء والسوق ويصلح فناؤها لحط الرحال وبل الطين ووقوف الدواب وإن كان لها بابان فذاك أمثل وينبغي أن يكون أيضاً في طرف البلد لأن الأطراف منازل الأشراف.
وقال البحتري، توفي سنة أربع وثمانين ومائتين:
عجب الناس لاعتزالي وفي الأط ... راف تلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التلفت والأر ... ض لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير إني امرء كفاني مفافي
قيل: وإنما كانت الأطراف منازل الأشراف لأنهم يتناولون ما يريدونه بالقدر ويصل إليهم من يريدهم بالحاجة إليهم.
وقيل لرجل في أي موضع من القرآن الأطراف منازل الأشراف فقال قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجلٌ يسعى يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ فهنا أشرفهم وكان ينزل أقصى المدينة.
وقيل ليس في الأرض بخيل ولا جواد إذا ابتاع داراً إلا بنى فيها شيئاً وهدم شيئاً وإن قل لأن حاجته ومنافعه ومرافق المالك الأول لا يستويان، قال الجاحظ رأيت بخلاء في نهاية البخل يسرفون في الإنفاق على البنيان.
وقال الحكماء لذة الطعام والشراب ساعة ولذة النوم يوم ولذة المرأة شهر ولذة البنيان دهر كلما نظرت إليه تجددت لذته في قلبك وحسنه في عينك.
وقال ناصر بني أمية في مبانيه العظيمة بمدينة الزهراء بالأندلس:
هم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدل على عظيم الشان
ولما دخل الرشيد إلى منبج قال لعبد الملك بن صالح الهاشمي وكان لسان بني العباس هذا البلد مقر لك، فقال يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك، قال كيف منازلك به، قال دون أهلي وفوق منازل غيرهم، قال وكيف صفة مدينتك، قال عذبة الماء طيبة الهواء قليلة الأدواء، قال كيف ليلها قال سحر كله وهي تربة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء وفياف فيح بين قيصوم وشيح، فقال الرشيد والله هذا الكلام أحسن منها.
ولما بنى عيسى بن جعفر قصره بالرصافة دخل إليه عبد الصمد فقال بنيت أجل بناء بأطيب فناء وأوسع فضاء على أحسن بهاء بين صحار وحيتان وضباء، فقال كلامك أحسن من بنائها.
وكان ابن جعفر بن سليمان الهاشمي يقول العراق عين الدنيا والبصرة عين العراق والمربد عين البصرة وداري عين المربد.
وقال بعض أهل التجربة إذا ابتنى أحدكم داراً فليترك في واجهتها ثلمة تقيها شر عين الكمال.
قلت: ولا بأس بإيراد نبذة مما يتعلق بكرى الدار.
فمن ذلك ما حكى أن رجلاً دخل حجرة يكتريها فقال أين المطبخ فقل له في الجيران من يطبخ لك ويكفيك المؤنة، فقال أين المخبز فقيل إذا اختمر العجين خبزوا لك أيضاً، قال فبيت الخلاء فقيل بالقرب خربة تقضي فيها الحاجة، قال فالسطح فقيل على الباب ساحة يطيب فيها النوم في الصيف، قال فأنا في دار وما أعلم بروحي فأستمر ما أنا فيه وأربح الأجرة.
وقال الحكيم بن سعيد قال لي ملك بسرنديب صف لي معايش أهل البصرة فقلت قوم منهم لهم فضول منازل يكرونها وقوم لهم أرقاء يستعملونها وقوم لهم رءوس أموال يغدون إلى أسواقهم فيأكلون فضولها وقوم لهم نخيل يأكلون ثمارها فقال من كان معاشه من كرى فلئام الناس ومن استعمل الأرقاء فكلاب الناس والين يغدون إلى أسواقهم فذئاب الناس ولكن أصحاب النخل، وقال بعضهم:
قد رضينا من الزمان بقوت ... وثبوت ومسكن لا زيادة
ورضينا من الإله بما ير ... ضى ومن غيره تركنا الإرادة
غير أنا نروم خاتمة الخيـ ... ـر فإن يسرت فتلك السعادة
стр. 2
لطيفة: ذكرها الحريري في كتابه الموسوم بتوشيح البيان أن أحمد بن المعدل كان يجد بأخيه عبد الصمد وجداً شديداً على تباين طريقتهما لأن أحمد كان صواماً قواماً وكان عبد الصمد سكيراً خميراً وكانا يسكنان داراً واحدة ينزل أحمد في غرفة أعلاها وعبد الصمد أسفلها فدعا عبد الصمد ذات ليلة جماعة من ندمائه وأخذ في القصف واللات والعزف حتى منعوا أحمد الورد ونغصوا عليه التهجد فاطلع عليهم وقال: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض﴾ فرفع عبد الصمد رأسه وقال: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ .
قلت: وعلى ذكر الغرفة فا ألطف ما ذكره علاء الدين الوداعي في تذكرته قال: رأيت مكتوباً على غرفة يصعد منها إلى سطح قبة الصخرة المقدسة قوله تعالى: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً﴾ فعجبت من اتفاقها وكأني لم أسمعها، ورأيت أيضاً في طاقة زجاج بقبر طالوت ﵇ بسفح قاسيون قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وهذا من عجيب ما يكتب على طاقة زجاج.
نادرة: كان بعضم في دار بكري فقال لصاحبها اعمر لي السقف فإنه يفرقع إذا مشينا عليه فقال لا بأس عليك فإنه يسبح الله، فقال أخشى أن تدركه الرقة فيسجد.
وطلب بعضهم داراً للكرى فدلوه على دار فدخل غيرها فوجد واحداً ينيك أمرد فاستحى وقال هل عندكم دار للكرى فقال له ما أحمقك نحن من الضيق بعضنا على بعض.
كان بعض النحويين له مال كثير وليس له سكن يأوي إليه فقيل ابن بيتاً، فقال والله لا بنيت ما اتفق النحويون على إعرابه.
ومما قاله المرحوم القاضي فتح الدين بن الشهيد الذي كان مولده بالرملة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وقد توفي مقتولاً بالقاهرة سنة ثلاث وتسعين سبعمائة وكتبه على عمارة له:
بنيت على وقف المكارم والعلى ... فللفتح أبوابي وصدري للضم
سناالملك يبدو في موشح زينتي ... ومن أجل ذدار الطراز على كمي
ومما كتبه على الرفرف قوله:
رفعت كماشا الترفه رفرفاً ... أزين سمائي بل أزين سماحي
فلا بدع أن الناس يهوون بهجتي ... ويمشون في ظلي وتحت جناحي
الباب الثاني
في أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما بلغه أن سعداً وأصحابه بنوا بالمدر كتب: أكره لكم البنيان بالمدر فإذا فعلتم فعرِّضوا الحيطان وأطيلو السُّمك وقاربوا بين الخشب.
ولما بنى معاوية داره بدمشق باللبن دخلها وفد من الروم فقالوا ما أحسن ما بناها للعصافير فهدمها وبناها بالحجر.
ورأى بعضهم رجلاً قد بنى حائطاً بالحجر وهو يبيضه فقال هذا يستر الذهب بالفضة.
وحكى أن يحيى بن خالد كان جالساً للقصص فرفعت إليه قصة متظلم من بعض عماله فقربه وسأله عن ظلامته، فقال له إن عاملك فلاناً ظلمني وأخذ مالي واغتصب صنيعتي وهدم شرفي، فقال له فهمت جميع ما ذكرته إلا قولك هدم شرفي فما معناه، فقال له أنا من أبناء فارس كانت لي ضيعة وبالقرب منها قصر على الطريق فيه سقاية ينزلها الناس ويسقون منها ويذكرون بانيها ويترحمون عليه فغصبني الضيعة وهدم القصر فأمر يحيى بالكتابة إلى العامل أن ترد عليه ضيعته وجميع ما أخذته منه وتبني القصر حتى ترده على هيئته كما كان، وقال لبنيه ابنوا فإذن الذكر والشرف باقيان ببقاء البنيان.
وقيل لأبي الدهمان أين دارك؟ فقال إذا دخلت سكة بني العنبر فالدار التي تدل على شرف أهلها داري.
وعلى ذكر السؤال ما أحسن ما ذكره ابن رشيق في الأنموذج أن عبد الرحمن بن محمد الفراسي جلس مع بعض شيوخ يونس وكان الشيخ نهاية في المجون فاجتاز بهم رجلاً يسأل عن دار ابن عبدون فأقبل الشيخ عليه فقال هي في تلك الرابعة حيث يقوم أيرك فقال الفراسي لأنظمنه، فما رأيت مثل هذا المعنى، وأنشد من وقته:
إن شئت أن تعرف عن صحة ... داري التي تعزى لعبدونه
فامش فإن أيرك أبصرته ... قام فإن الباب من دونه
وقد عكس الشيخ صلاح الدين الصفدي (ومولده سنة أربع وتسعين وستمائة ووفاته سنة أربع وستين وسبعمائة) هذا المعنى فقال:
أقول لمن يسائل عن محلي ... تقدم وامش من خلف السواري
ومر فحيثما تلقى حكاكاً+بسرمك لا تعد فثم داري
стр. 3
رجع: خرّج الخطيب الحافظ أبو بكر في تاريخه قال لما بنى المهدي قصره بالرصافة دخل يطوف فيه ومعه أبو البحتري وهب بن وهب بن وهب فقال له هل تروي في هذا شيئاً؟ قال نعم حدثني جعفر بن محمد عن ابنه أن رسول الله ﷺ قال: "خير صحونكم ما سافرت فيه أبصاركم".
وقال المأمون يوماً لجلسائه أتدرون من أهنى الناس عيشاً، فقالوا أمير المؤمنين فال لا قالوا فأمير المؤمنين أعلم، فقال أهنى الناس عيشاً رجل له دار قوراء وامرأة حسناء وكفاف من العيش لا يعرفنا ولا نعرفه.
قال سلمة الأحمر دخلت على الرشيد فيقصره الذي بناه فقلت:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتسع
فجعل يبكي وقيل: أن خالد بن الوليد ﵁ شكى إلى النبي ﷺ ضيق مسكنه، فقال: ارفع البناء وسل الله السعة.
وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر وقد همّ ببناء دار استوسع فإن الهمة في السعة.
سئل بعضهم ما الغنى فقال سعة البيوت ودوام القوت.
وقال بعضهم طيب المساكن بثلاثة: سعة الصحن، وخرير الماء، وشيء من الخضرة.
(يحيى بن خالد) الدنيا ثمانية: الطعام الطيب، والماء البارد، والثوب اللين، والفراش الوطي، والدار الواسعة، والمرأة الموافقة، والخادم الفارة، والقدرة على الأخوان بالإحسان.
وكان يقال جنة الرجل داره.
وذكر الأحنف الدور فقال: ليكن أول ما يشترى وآخر ما يباع.
وقال يحيى لبعضهم ما السرور فقال: دار قوراء وامرأة حسناء وفرس مرتبط بالفناء وينشد:
ومن المروة للفتى ... ما عاش دار فآخره
فما قنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخرة
وكان يقال: دار الرجل عيشه.
قال السلامي في كتابه نتف الطرف الدور للناس الأعشة للطير والأوجرة للوحش والحجرة للحشرات فدار الرجل حال نفسه وموضع أمنه ومسكن قلبه ومجمع أهله ومحرز ملكه ومأنس ضيفه وملتقى صديقه وعدوه ولا شيء أصعب على الناس من الخروج من ديارهم.
وقد قرن الله الخروج منها بالقتل حيث قال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ وقال أحد الأشراف لابنه: يا نبي أحسن أثرك في هذه الدنيا بالبناء الحسن واسمع قول الشاعر:
ليس الفتى بالذي لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار
ولا تنس قول الآخر
إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ومن أحسن ما قيل في بناء الملوك قول علي بن الجمهم المتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين:
وما زلت أسمع أن الملو ... ك تبني على قدر أخطارها
فلما رأيت بناء الإما ... م رأيت الخلافة في دارها
حكي أن أبا العيناء دخل على المتوكل فيقصره فقال له: كيف ترى دارنا هذه؟ فقال الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت لدنيا في دارك.
أخذه اليزيدي فقال:
لما بنا الناس في دنياك دورهم ... بنيت في دارك الغراء دنياها
فلو رضيت مكان البسط أعيننا ... لم يبق عين لنا إلا فرشناها
الباب الثالث
في اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار
وقيل الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق، وقيل لبعضهم أين معك في القرآن الجار قبل الدار، فقال قوله تعالى: ﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة﴾ وقال ﷺ : "من أشراط الساعة سوء الجار نعوذ بالله من ثلاث هن القوافر: إمام السوء إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، ومن جار السوء إن رأى حسناً ستره وإن رأى قبيحاً أذاعه، ومن سوء امرأة إن غبت عنها خانتك وإن دخلت عليها لسنتك.
حكي: أبو السعادات بن الشجري (مولده سنة خمسين وأربعمائة وفاته اثنتين وأربعين وخمسمائة) في شرح الحماسة أن العباس بن الفرج الرياشي قال وفد زياد الأعجم على حبيب بن المهلب وهو بخراسان فبينما هما يشربان ذات عشية إذ سمع صوت زياد صوت حمامة تغني على شجرة في دار حبيب فقال:
تغني أنت في ذممي وعهدي ... بأن لا يذعروك ولا تضاري
إذا غنيتني وشربت كأساً ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فإما يقتلوك طلبت ثأراً ... لأنك في حماي وفي جواري
стр. 4
فأخذ الحبيب سهماً فرماها فأنفذها فقال زياد قتلت جاري، بيني وبينك المهلب فاختصما إليه فقال المهلب أبو أمامة لا يروع جاره، وقد ألزمتك العقل ألف دينار فدفعها إليه من يومه.
ولما بنى كسرى إيوانه كانت بجواره دويرة لعجوز لا يكمل تربيع الإيوان إلا بها فدفع لها جملة من المال، فقالت لا أبيع جوار الملك بملئها ذهباً ولا أخرج من جواره طائعة فإن غصبني إياها فهو قادر على ذلك فعلم كسرى بذلك، فقال تترك ويبنى الإيوان فقيل لا يجيء مستحكم التربيع، فقال يبنى ما اتفق وكان فيه عوج، فكان بعد ذلك يقال لهما أحسن بناء هذا الإيوان ولولا هذا العوج فيقول بهذا العوج تم حسنه.
قلت: وعلى ذكر الإيوان ما أحسن ما أنشدني من لفظه لنفسه أجازه الشيخ عز الدين على ابن الشيخ بهاء الدين الحسن الموصلي رحمه الله تعالى أحجبيه كتب القاضي صلاح الدين الصفدي تغمده الله بالرحمة:
يا من له الطول في المعالي ... وبالمعاني لنا يبصر
إني كما قلت في سؤالي ... ما مثل قولي نعم مقصر
رجع: وكان لابن المقفع بجنب داره دار وكان يستامها من صاحبها وهو يمتنع من بيعها اتفق أن ركبه دين فاحتاج إلى بيعها فعرضت عيه فسأل عن سبب بيعه إياها بعد غبطة بها فأخبره بقصته، فقال ما قمت إذاً بحرمة الجار إن اشتريتها وقد باعها معدماً فحمل إليه ثمن الدار وقال أبق دارك عليك بارك الله لك فيها ورد هذا في دينك.
وقال الأصمعي رأى بعضهم عدي بن حاتم الطائي يفت للنمل خبزاً بفناء داره، فقال له يا أبا طريف ما تصنع؟، فقال جارات ولهنّ حرمة.
قلت: وعلى ذكر حاتم الطائي ذكرت ما أنشدنيه سيدي الجناب المجدي فضل الله بن المرحوم الصاحب الفاضل فخر الدين عبد الرحم بن مكانس سلمه الله تعالى قال: أنشدني والدي من لفظه قال أنشدني صاحبنا الشيخ شمس الدين الواسطي (توفي المذكور قريباً م سنة ثمانين وسبعمائة) لنفسه موالياً:
ما مت حتى جفاني كل من فيالحي ... وملني وقلاني كل من لوشيّ
وأنت ما في العجم والعرب مثلك حيّ ... يا من طوى بالمكارم ذكر حاتم طيّ
قلت: وأنشدني من لنفسه الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس من قصيدة (وتوفي تغمده الله بالرحمة سنة أربع وتسعين وسبعمائة) وذلك بمنزله بقنطرة قدادار بتاريخ عاشر صفر من شهور عام ثلاث وتسعين وسبعمائة:
وكم طربت لما أبدته من ملح ... يصبو له كل ذي عقل وآراء
وجدت بالتبر من مالي ومن أدبي ... فكنت في كل حال منهما الطائي
رجع إلى ما كنا بصدده وقال محمد بن عبد الرحمن الزهري كانت بيني وبين أبي العباس تعلب مودة أكيدة وكنت أستشيره في أموري فجئت يوماً أشاوره في الانتقال من دار إلى أخرى لتأذي بها بالجوار، فقال يا أبا محمد تقول صبرك على أدى من تعرفه خير لك من استحداث ما لا تعرفه.
من غريب الاتفاق أن بشار بن برد كان قد حلف أنه لا يجاور حماد عجرد ولا يضله وإياه سقف بيت ولا مسجد وأنه يهجوه بألف قصيدة، فاتفق أن مات حماد في قرية من سواد البصرة وعرضت لبشار هناك حاجة فمات فيها ودفن إلى جانب حماد عجرد.
وقريب من هذه الحكاية ما حكي أن روحاً بن حاتم بن قبيصة بن المهلب كان والياً على السند وأخوه يزيد والياً على أفريقيا فتوفي بها في سنة سبعين ومائة بالقيرون، فقال أهل المدينة وأعني أفريقية ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين فإن أخاه بالسند وهذا هنا فاتفق أن الرشيد عزل روحاً عن السند وسيره إلى موضع أخيه يزيد فدخل إلى أفريقية فلم يزل والياً بها إلى أن مات ودفن مع أخيه في قبر واحد فعجب الناس من غريب هذا الاتفاق.
عود: وكان لأبي حنيفة جاراً إسكاف بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جن الليل رجع إلى منزله بلحم أو سمك فيطبخ اللحم أو يشوي السمك فإذا دب فيه السكر أنشد:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
стр. 5
فلا يزال يشرب ويردد البيت إلى أن يغلبه السكر وينام وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ويسمع جلبته وإنشاده ففقد صوته ليال فسأل عنه، فقيل أخذه العسس منذ ثلاثة أيام وهو محبوس فصلى صلاة الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير، فقال ائذنوا له وأقبلوا به راكباً حتى يطأ البساط ففعل لك به فوسع له الأمير في مجلسه وقال له ما حاجتك؟ فقال لي جاراً سكاف أخذه العسس منذ ثلاثة ليال فتأمر بتخليته، فقال نعم وكل من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وتبعه جاره الاسكاف فلما وصل إلى داره قال له أبو حنيفة أترانا أضعناك، فقال لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن صحبة الجوار ورعاية الحق ولله علي أن لا أشرب خمراً ابداً فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه.
قلت: وقد ضمن هذا البيت الشيخ برهان الدين القيراطي تضميناً حسناً (ومولده سنة ست وعشرين وشبعمائة، ووفاته سنة إحدى وثمانين وسبعمائة) :
فقال دعاني منيتي لكريه راح ... ورشف الثغر منه عقيب سكر
فقلت له دعوت فتى يرجى ... ليوم كريهة وسداد ثغر
ونقلت من المستجاد في فعلات الأجواد عرض محمد بن الجهم داراً بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشتروا مني جوار سعيد بن العاص وكان بجواره فقالوا وإن الجوار ليباع، فقال وكيف لا يباع ويفرد بثمن وهو جوار من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتدأك، وإن أسأت أحسن فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك عليك دارك.
وعلى ذكر الجار فما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة (ومولده سنة ست وستمائة، ووفاته سنة ثمان وستين وسبعمائة) .
بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري
كأنا للمجاورة اقتسمنا ... فقلبي جارهم والدمع جاري
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب (ومولده سنة ست عشرة وسبعمائة، ووفاته سنة ثمان وثمانين وسبعمائة) وقد انتقل النيل السعيد عن بر مصر إلى البر الغربي شط الجيزة.
يا أيها السلطان إن النيل عن ... مصر تنقل بعد طول جوار
فاحفظ لنا جريانه وجواره ... فالله قد أوصى بحفظ الجار
وأنشدني سيدي وأخي الجناب المجدي فضل الله بن مكانس أبقاه الله_تعالى_من موشحة لنفسه
أجريت ما بين دموعي الغزار*مثل البحار*ولم يدع لي طول دهري قرار
هجر حبيبي وهو مني قريب*مع الرقيب*قد صيراني بين قومي غريب
دأبي النحيب*فآه من جورك يا ذا الحبيب*على الكثيب
وما احتيالي في قريب الديار*ونائي المزار*هو على الحالين يا قلب جار
رجع إلى ما كنا فيه: كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له يا هذا إنك قد اخترتني جاراً واخترت داري داراً فجناية يدك على دونك وإن جنيت عليك فاحتكم حكم الصبي على أهله.
وذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء قال رجل يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني قال انطلق وأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس إليه فقالوا ما شأنك؟ قال لي جار يؤذيني فجعلوا يقولون الله العنه اللهم اخزه اللهم أخرجه، فبلغه ذلك فأتاه فقال ارجع إلى بيتك فوالله لا أوذيك بعدها. وهذه من الحيل التي أباحها الشرع الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده.
وورد أن أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة عرض عليه فرس سابق فقال لأصحابه لما يصلح هذا الفرس؟ فقالوا ليوم الحرب، فقال كلا ولكن ليهرب عليه من جار السوء.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث كن في الجاهلية الإسلام أولى بها: كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف سعى له أهل البيت كبيرهم وصغيرهم حتى ينقلب وهو راض، وكان الرجل منهم إذا طال ثواء امرأته معه كره طلاقها لئلا تذل بعده، وكان الرجل إذا جنى جاره جريمة باع فيها ولو ولده حتى ينقذ جاره.
الباب الرابع
في الباب
الباب يجمع على أبواب وقد قالوا فيه أبوبة للازدواج، وقيل أبواب مبوبة كما قيل أصناف مصنفة، ولبعضهم فيما يكتب عليه.
لذ بذا الباب كلما ... خفت ضيق المناهج
فهو باب مجرب لقضاء الحوايج
وأنشد الأصمعي وفي أبيات المعاني قول بعض العرب:
وذي رجلين لا يمشي عليها ... ولكن في القيام له صلاح
стр. 6
فندفعه إذا احتجنا إليه ... ونجذبه إذا حان الرواح
وقال الحاتمي في باب بمصراعين (توفي المذكور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة) :
عجبت لمحرومين من كل لذة ... يبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا ... وعند طلوع الفجر يفترقان
وقال الشيخ شمس الدين بن دانيال (توفي سنة عشر وسبعمائة) :
قل للوزير محمد بن محمد ... يا من هو المسك الذكي لمن درج
أنت الذي دار السعادة داره ... طول الزمان وبابه باب الفرج
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بشر أمير المعالي باتصال هنا ... يحفه السعد من أقصى جوانبه
واكتب على بابه الغربي معتمداً ... عز يدوم وإقبال لصاحبه
وقال:
أيا دار دار اليمن من كل وجهة ... عليك ولا زال الهنا لك يجاب
ولا عدم القصاد بابك إنه ... لنجح الرجا باب صحيح مجرب
قلت: قوله صحيح على غير طائل وصاحب الذوق السليم يشهد والمعنى يقدم.
وقال:
يا زائري قاضي القضاة لينهكم ... ما صحح التجريب من أبوابه
أقسمت ما الحجر المكرم للغني إلا الذي تغشون من أعتابه
وقال:
يا مالكاً تقصر عن وصفه ... بذائع الشاعر والكاتب
في بابك العلم وفيض الندى ... فلا خلا بابك من طالب
وقال ناصر الدين ابن النقيب في المجون (توفي سنة سبع وثمانين وستمائة) :
قال لي الخارج صف لي ... مثل ما أعرف وصفك
أين باب الخرق قل لي ... قلت باب الخرق خلفك
وعلى ذكر باب الخرق فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل في باب زويلة، فمن ذلك قول إبراهيم المعمار (توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة) :
زويلة بابك هذا سفيه ... يشرب ماء الخمر جهراً بفيه
ولم يزل يألف سفك الدما ... وكل ما يقطعه الشرع فيه
وله فيه:
حاذر زويلة إن مررت ببابها ... وطعامها كن آيساً من خيره
فوسط القتلا يقول به انظروا ... من لم يمت بالسيف مات بغيره
وقال شهاب الدين بن أبي حجلة (مولده سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ووفاته سنة ست وسبعين وسبعمائة) :
برت زويلة إذا أمسى يقول لنا ... باب لها قول صدق غير مكذوب
إذا وعدت حراميا بسفك دما ... في الحال علق من وعدي بعرقوب
وقال الشيخ شمس الدين الضفدع فيما يكتب على الباب (مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ووفاته سنة ست وخمسين وسبعمائة) :
من ذا الذي ينكر فضلي وقد ... فزت من الحسن بمعنى غريب
عندي لمن يخذله دهره ... ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال إبراهيم المعمار:
يا من بباب علاه ... العيش للنا سطابا
أرسلت مدحي غلاماً ... إليك يخدم بابا
وما أظرف قول من قال وإن كان غير ما نحن فيه ولا تحسبه لك وحدك إن كنت راقداً اتنبه كما فتحت الطاقة غيرك يسد الباب.
وقال القاضي مدي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً فيه (مولده سنة عشرين وستمائة ووفاته سنة اثنين وتسعين وستمائة) :
أي شيء تراه في الدور والكت? ... ?ب مجازاً هذا وذاك محقق
يحفظ المال والحريم ولو ... لاه حفيظاً لكان ذلك يسرق
هو زوج تارة وهو فرد ... وهو في أكثر الأحايين يطرق
وطليق في نشأتيه ولكن ... بحديد من بعد ذلك يوثق
وثلاثاً تراه في الخط لكن ... هو اثنان كله إن يفرق
وتراه للحشو ينسب حيناً ... وهو مع ذلك لا يرى يتزندق
وهو في القلب يستوي وتراه ... بان تصفيحه لمن يترمق
فأجبني عنه بقيت مطاعاً ... لست في حلبة الفضائل تسبق
كتب الشيخ شرف الدين عبد العزيز الحموي المعروف بشيخ الشيوخ إلى والده ملغزاً (مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة إحدى وستين وستمائة) :
ما واقف في المخرج ... يذهب طوراً ويجي
لست تخاف شره ... ما لم يكن بمرتج
فكتب إليه والده الجواب ذهاب وجيء وخوف وهذا باب خصومة والسلام.
وكتب الأديب نصر الدين الحمامي إلى السراج الوراق وكان السراج يسكن بالروضة (مولده سنة خمس وعشرة وستمائة، وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة) :
كم قد أردد للباب الكريم لكي ... أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري
стр. 7
وأنثني خائباً فيما أؤمله ... وأنت في روضة والقلب في نار
فكتب الجواب إليه:
الآن نزهتي في روضة عبقت ... أنفاسها بين أزهار وأثمار
أسكرتني بشذاها فانثنت بها ... وكل بيت أراه بيت خمار
ولا تغالط فمن فينا السراج ومن ... أولى بأن قال إن القلب في نار
وقال الصاحب جمال الدين بن مطروح في قصيدة يمدح بها الملك الأشرف مظفر الدين موسى (ولد ابن مطروح سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة تسع وأربعين وستمائة) :
ما كان أشوقني للئم بنانه ... ولقد ظفرت بلئهما فليهنني
ودخلت من أبوابه في جنة ... يا ليت قومي يعلمون بأنني
وقال علاء الدين الوداعي (مولده سنة أربعين وستمائة وتوفي سنة ست عشرة وسبعمائة) :
من أم بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
قلت: أما قرة فهو قرة بن خالد السدوسي وهو ثقة روى عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي، وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي كان من عباد التابعين وهو زوج معاذة العدوية وهي تروي عن عائشة ﵂، وأما جابر فهو جابر بن عبد الله كان صاحب رسول الله ﷺ وليس هو جابر الجحفي لأن جابر الجحفي ضعيف وهو تابعي وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة، وأما حسن فهو حسن البصري كان تابعياً كبيراً رأى من أصحاب النبي ﷺ نحو ثلاثمائة رجل، ولقد أجاد علاء الدين في استعمال هؤلاء الرجال في أوصاف الممدوح ودل على جودة اطلاعه على أسماء رجال الحديث، رحمه الله تعالى.
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى لنفسه الكريمة إجازة من قصيدة.
قصدت باب الحبيب والرقبا ... عليّ من خيفة اللقا حنقه
قالوا: فما تبتغي فقلت لهم ... حتى تخلصت أبتغي صدقه
والشي يذكر بلوازمه ما ألطف وأبلغ ما ذكره ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب الأندلسي في ترجمة شهاب الدين بن رضوان الغرناطي أبو جعفر في تاريخه بالإحاطة (وذكر أن وفاته سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة) :
يا من اختار فؤادي مسكنا ... بابه العين التي ترمقه
فتح الباب سهادي بعدكم ... فابعثوا طيفكم يغلقه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة نثراً: أي والله تخلى الشباب وخمد آب الذهن اللهاب وخلا الفكر الحائم من صوب والفهم الخادم من صواب، واقصر عن نظمه ونثره من كانت له في الإنشاء نشأة وكانت له في الشعر أسباب، وغض بصر القريحة وتقاص ذيلها فما يرفع لها ولا تجر أهداب، واختبى لسان المنشئ المنشد عجزاً وأغلق عليه من شفتيه مصراعي الباب.
وقال القاضي الفاضل نثراً (مولده سنة اربع وعشرين وخمسمائة، ووفاته سنة ست وتسعين وخمسمائة) : لا زالت الملوك ببابه وقوفاً والأقدار له سيوفاً والخلق له في دار الدنيا ضيوفاً ودين دين الحق تعلمه الناس أنه إذا جرد لتقاضيه سيوفاً سيوفى.
ومن نثره: كل لفظة موصولة بأنه وفي كل قلب من حربه وفي كل دار من فضله جنة فروح الله تلك الروح وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما ترجوه من الفتوح.
من رسالة كتبها المرحوم العلامة فتح الدين بن الشهيد إلى بعض أصحابه، وقد طرق عليه الباب فوجده مقفلاً: فما هو إلاا أن قبلت العتبة فأعتبت، وتأدت فريضة الخدمة لما وقفت وتأدبت، وأطلت قرع حلقة الباب فقال الصدى ضربت من حديد بارد وجئت، وقد استقل ركاب المسود والسائد فاذكر حاجتك أبلغ عنك ما تقول وأسبق، يرجع الجواب إليك الرسول قلت محب يراهم بالقلب إن عاقب الحوايج والجوانح ورحت، وقلت إن جئت بجواب فسل عن سايح بن رايح وعدت أمشي بخفي حنين.
وأصغي إلى صوت الصدى عند ذكركم ... فأطرب للمغني وأهتف بالدار
وأسعى بها داراً على مروة الصفا ... أطوف بها سبعاً ولم أقض أوطاري
وما نافعي التطواف في دارة الحمى ... إذا لم يكن في دارة الحي أقماري
وترددت حتى كلل دمعي للطرق بالعقيق ورمت أنفاسي النار في الدار وصاحت الحريق.
وللقاضي الفاضل يصف الستائر من قصيدة أولها:
يا طالب الجود يمم كعبة الكرم ... وقل سلام لها عن كعبة الحرم
стр. 8
كأن أستاره روض سمحت له ... بماء يشرك هذا المخرق السم
غيم يزر على شمس وفي يده ... غمامة لقيته كاشف الغمم
سحب تعود منه فيض أنملة ... والسحب إن سيرت دلت على الديم
لو لم تكن سحباً ما كان ذيلها ... برقا يشام إذا ما البرق لم يشم
بيض كعرضك في طول كطولك في ... لمع كنشرك في سلك حكى كلم
فكنت كالشمس في ثوب النهار بها ... لا كالبدور بأثواب من الظلم
أظهرت عدلك فيها فهي معجزة ... فالأسد ما وثبت والريم لم يرم
قرب سانحة فيه وسارحة ... فأعجب لضدين في بحر من الكرم
تهيم بالصيد آمالي إذا نظرت ... فيها فأذكر منع الصيد في الحرم
كأن أحداقنا ترعى الحدائق من ... جنات عدن وعدل دائم قدم
أقاح روض كأن الورد فرزوه ... فيا لجريه ماء كف بالضرم
والطير في شجرات الرقم عاكفة ... ونبت عنهن في التغريد بالنغم
إن لم يكن ثمر فيها ففي يده ... ثمار جود زهت في روضة الشيم
يود ما مثلوه فيه من صور ... لو أنها استخدمت في جملة الخدم
تلك الستور عجاج والنجوم لها ... عرى وأيدي الظبا فروزنها بدم
أظن بابك خدا غرت من قبل ... عليه حتى منعت اللثم باللثم
إذا رأيت بها الأعلام مشرقة ... رأيت أشهر من نار على علم
مثل السراب ووقت القيظ بيضها ... لكن وردت بعيني حين هم فمي
وللمولى السيد شمس الدين القاسم ابن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي نقلته من خط الوداعي:
ومشعل قام في خشوع ... كراهب شق عنه جيبا
قد فني الجسم منه سقماً ... واشتعل الرأس منه شيبا
وورد على سيدنا ومولانا المرحوم القاضي أمين الدين محمد الأنصاري (المتوفي أواخر سنة ثمان مائة وأخبرني أن مولده سنة إحدى وخمسين وسبعمائة) صاحب ديوان الإنشاء الشريفة بالشام المحروسة كتاب من سيدنا ومولانا أوحد العصر القاضي بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني (الذي مولده في سنة ثلاث وستين وسبعمائة) أنفذ الله أحكامه وذلك من مكة المشرفة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر الله المحرم سنة إحدى وثمانمائة جاء منه وينهي أنه سطرها بمنى وقد سالت بأعناق البدن الأباطح ووقفت الجزر تؤمل سعد الأخبية، فما طلع لها غير سعد الذابح وقد برد الصدر المحرور برمي الجمار وقرت العيون برؤية تلك الآثار وقرع المملوك باب الرحمة عند وصوله إلى البيت الشريف، وقال للزمن تنكر ما شئت فقد حصل التعريف.
وذكر صاحب المباهج أن ستر إيوان كسرى أحرق لمات ملك المسلمون المدائن فأخرج منه ألف ألف مثقال ذهباً، وقيل مائة ألف مثقال.
وطرق رجل على عمرو بن عبيد الباب، فقال من هذا، فقال أنا، قال لست أعرف أحداً من إخواننا اسمه أنا.
وأخرج البخاري من طريق جابر ﵁، قال استأذنت على النبي ﷺ فقال من هذا، فقلت أنا، فقال أنا أنا كأنه كرهه.
وأنشدني الشيخ شمس الدين الجرائحي لنفسه فيما يكتب على ستر:
أنا الستر المجمل بالب? ... ?ها والعز والنصر
فلذ بي أن تجد ضيماً ... وقل يا مجمل الستر
الباب الخامس
في ذم الحجاب
خال بن عبيد الله القشيري كان يقول لحاجبه فلا يحجبن عليّ أحد فإنما الوالي يحتجب لثلاث: شر يكره أن يطلع عليه غيره، أو ريبة يخاف انتشارها، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئاً.
ووقف رجل على باب أبي دلف فأقام به حيناً لا يصل به فتلطف في رقعة أوصلها إليه وكتب فيها:
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه:
إذا كان الكريم قليل المال ... ولم يعذر تعلل بالحجاب
وأبواب الملوك محجبات ... ولا تستكثرن حجاب باب
وقال علاء الدين الوادعي يعتذر إلى بعض أصحابه:
إن كنت يا أكرم الصحاب ... حجبت لما طرقت بابي
فأنت قلبي ولا عجيب ... إذا غدا القلب في حجاب
وقال زين الدين بن الوردي (توفي سنة خمسين وسبعمائة) يلوم نفسه على زيارة أقوام:
مذ زرتهم صحبة وودا ... ألفيتهم مغلقين بابا
سعيي إلى بابهم جنون ... مني فاستأهل الحجابا
стр. 9
وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: لا تمكن الناس من كثرة رؤيتهم لك فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.
وقال آخر كثرة الأذن مجلبة الابتذال وهيبة الملوك في الاحتجاب وكان يقال المبذول مملوك والممنوع متبوع.
ولله در ابن المعتز وما أحسن قوله:
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا يخلق المرء العيون اللوافح
وقيل لبعض الحجاب متى تفرغ ولايتك فقال متى حضر طعام مخدومي وأين هذا من قول القائل:
جزت على باب صديق لنا ... وبابه من دونه مقفل
وحول تلك الدار غلمانه ... قد أحدقوا بالباب واستكملوا
فقلت ما يصنع مولاكم ... قالوا سمعنا أنه يأكل
قلت فلما يفتح مولاكم ... قالوا بلى رأس الذي يدخل
وقيل لبعضهم: هل تغديت عند فلان؟ قال لا ولكنني مررت ببابه وهو يتغدى، قال فكيف علمت؟ قال رأيت غلمانه بأيديهم قسى البندق يرمون الطير في الهوى.
وقال بعضهم:
رأيت أبا زرارة قال يوماً ... لحاجبه وفي يده الحسام
لئن وضع الخوان ولاح شخص ... لأختطفن رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخ ... بغيض ليس يردعه الكلام
فقال وقام من حنق إليه ... بقد لام يزد فيه القيام
أبي وأبو أبي والكلب عندي ... بمنزلة إذا حضر الطعام
فما في الأرض أقبح من خوان ... عليه الخبز يحضره الزحام
وما أحسن قولا القاضي الفاضل:
بتنا علبى حال يسر الهوى ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل فقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح
وله في بواب يلقب بالبحري:
وهب أن هذا الباب للرزق قبلة ... فها أنا وقد وليته دونكم ظهري
وهب أنه البحر الذي يخرج الغنى ... فكل خرافي الشط في لحية البحري
وقال كمال الدين بن النبيه (توفي سنة تسع عشرة وستمائة) لما سمع قول الفاضل:
قلت لليل إذا حباني حبيبا ... بغناء يسبي النهى وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الص? ... ?بح وكن أنت يا دجى برد دارا
وقال ناصر الدين بن النقيب:
ماذا على بواب دراكم الذي ... لا إذن يعطينا ولا يستأذن
لو ردنا رداً جميلاً عنكم ... أو كان يدفع بالتي هي أحسن
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في غير المعنى:
يا رب إن النيل زاد زيادة ... أدت إلىهدم وفرط تشتت
ما ضره لو جاء على عاداته ... في دفعة أو كان يدفع بالتي وأنشدني الشيخ العلامة عز الدين الموصلي لنفسه (المتوفي سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده أربع وعشرين وسبعمائة) :
قد سلونا عن الحبيب بخود ... ذات وجه به الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعنا بالتي هي أحسن
رجع إلى ما كنا فيه: قال الناشئ الأصغر (المتوفي سنة ست وستين وثلاثمائة) :
ليس الحجاب بآلة الأشراف ... إن الحجاب مجانب الإنصاف
ولقل ما يأتي فيحجب مرة ... فتعود ثانية بقلب صاف
وقال أبو الحسين الجزار (مولده سنة إحدى وستين وستمائة، ووفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة) :
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته من خمولي
وصرت لديك أروم الغنى ... فيخرجني الضرب عند الدخول
وألم بهذا الأديب شمس الدين الضفدع فقال:
وافا إلى خدمته العبد كي ... يحظى بتقبيل يد أو قبول
واستأذن الخادم في قربه ... منكم لأن البعد ستر يحول
فكاد أن يخرجه الضرب عن ... غناك بالإيقاع قبل الدخول
٣أوحى إليه منه قولاً فما ... بلغ عنه ما يقول الرسول ونقلت من خط فخر الدين بن مكانس للجمال ابن عبد الغني:
أتيت إلى بابك يا سيدي ... أهنيك بالعيد مع من يهني
فأخرجت من بعد ذاك الدخول ... وقد جئت يعني مدلاً بأني
مغن ويخرج بعد الدخول ... وتأبى الطباع خروج المغني
حكي عن أبي الحسين الجزار أنه جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس كلهم ولم يؤذن له فكتب في ورقة:
الناس قد دخلوا كالأير أجمعهم ... والعبد مثل الخصي ملقى على الباب
стр. 10
فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه اخرج إلى الباب وناد يا خطي ادخل فلما سمع أبو الحسين قول الحاجب يا خصي ادخل فقال هذا دليل على السعة.
وهذا جميعه مأخوذ من قول الآخر:
أيدخل من يشاء بغير إذن ... وكلهم كسيد أو عوير
وأبقى من وراء الباب حتى ... كأني خصيه وسواي أير
وقال بعض الشعراء وقد منعه بواب اسمه بصاقة من الدخول
يا من سما في المكرما ... ت وفاق أرباب الممالك
أعجب لأمر بصاقة ... منع الدخول لباب خالك
وهو المعين على الدخو ... ل إذا تعسرت المسالك
وقال جحظة:
ولي صاحب زرته للسلام ... فقابلني بالحجاب الصراح
وقالوا تغيب عن داره ... لخوف غريم ملح وقاح
ولو كان عن داره غائباً ... لأدخلني أهله للنكاح
وقال آخر:
وكل خفيف الشأن يسعى مشمراً ... إذا فتح البواب بابك أصبعا
وتحن الجلوس الماكثون توقرا ... حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
وأنشدني صاحب الأمالي:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... ويسكن العارفون في ذمته
قد أكثر الحاجب أعداؤه ... وأحقد الناس على نعمته
حكى أبو السعادات بن شجري في شرح الحماسة أن أنس بن زنيم الهذلي وفد على عمرو بن عبد الله بن التميمي في جماعة من الشعراء فصده الحاجب عن الدخول وأذن لغيره من الشعراء فلما طال حجابه كتب إليه أبياتاً منها:
لقد كنت أسعى في هواك وأبتغي ... رضاك وأعصي أسرتي والأدانيا
حفاظاً وإمساكاً لما كان بيننا ... لتجزيني يوماً فما كنت جازيا
أراني إذا ما شمت منك سحابة ... لتمطرني عادت عجاجاً وسافيا
أأقصى ويدنى من يقصر رأيه ... ومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
فلما قرأ الأبيات عنف حاجبه ثم أذن له وقال له ويحك ما هذا، قال فعل حاجبك وطول مقامي وأنت تعطي من أقبل وأدبر، فقال يا هذا أشهدت معي موذاة هجر قال لا، قال ألك من يد تضربني بها أو تستحق علي ما طلبت قال نعم كنت أجلس بين يديك وأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوي مساوئه، فقال وأبيك إن في هذا لما يشكر كم أقمت بالباب، قال أربعين يوماً فأمر له بأربعين ألف درهم.
ولشهاب الدين ابن أبي حجلة:
ألا قل لشمس الدين صاحبنا العبسي ... أتينا مراراً نحو بابك بالأمس
فإن حجبتك الجدر عنا فربما ... رأينا جلابيب السحاب على الشمس
وقال شرف الدين بن عنين (ومولده سنة تسع وأربعين وخمسمائة ووفاته سنة ثلاثين وستمائة) :
أين غلمانك الممطيفون بالبغ? ... ?لة والرافعون للأثواب
ردك الدهر كالنداء على الني? ... ?يل لا حاجب ولا بواب
وعلى ذكر الحاجب فما أحسن قول القائل في مليح قلندري:
بدا في حلق الحواجب فتنة ... فقلت لعقل ذاهل فيه ذاهب
حبيبي بحق الله قل لي ما الذي ... دعاك إلى هذا فقال مجاوبي
وعدت بوصل العاشقين تعطفاً ... فلم يثقوا فاسترهنوا قوس حاجبي
وقال السراج الوراق فيه:
عشقت من ريقته قرقف ... وما له إذ ذاك من شارب
قلندريا حلقوا حاجبا ... منه كنوز الخط من كاتب
سلطان حسن زاد في عدله ... فاختار أن يبقى بلا حاجب
وقف بعض المطابيع على باب بعض الأمراء والطعام قد حضر فخرج حاجب الأمير إلى الباب فقال أيها المطبوع ألك حاجة، قال نعم قال ما هي؟ فقال له إذا دخلت فاقرئ خبر الأمير السلام.
وما أظرف في ذم الحاجب قول السراج الوراق:
لا ذقت ذل حجاب ... ولا وقوفاً بباب
فقد حنقت وقد قا ... م شارب البواب
ورحت أجري وصحف? ... ?ت موضعين لما بي
وقال زين بن الوردي:
يقول بوابه إذا رأى ... بالباب مني وقفة الحائر
له محارلايم بها شغلة ... قلت محاريم بلا آخر
وقال السراج الوراق مضمناً:
وقطب عند دخولي إليه ... فتم له القبح معنى وصورة
ولولا الضرورة ما زرته ... على الرغم مني وعند الضرورة
وقال جمال الدين ابن نباتة:
حجبتني فازددت عندي علبا ... برغم من أقبل كالعاتب
وقلت لا أعدم من سيدي ... من كان عيني فغدا حاجبي
стр. 11
وقال محمد بن العفيف (مولده سنة اثنتين وستين وستمائة، ووفاته سنة سبع وثمانين وستمائة) :
ولقد وقفت ضحى ببابك ارتجي ... باللثم للعتبات حق الواجب
وأتيت أطلب زورة أحظى بها ... فرددت يا عيني هناك بحاجبي
وقال الشهاب فتيان الشاغوري (مولده سنة ثلاثة وخمسمائة، ووفاته سنة خمسة عشرة وستمائة) :
وافيت تهنية الوزير فلم أجد ... لي في الدخول ببابه من مسعد
لم أحظ إلا بالقيام لمن أتى ... فحصلت منك على المقيم المقعد
قصد جماعة من الطفيلية وليمة فقال رئيسهم: اللهم لا تجعل البواب لكازاً في الصدور دفاعاً في الظهور طراحاً للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته وبشره وسهل علينا إذنه، فلما دخلوا تلقاهم المضيف، فقال الرئيس عزة مباركة موصول بها الخصب معدوم بها الجدب فلما جلسوا على الخوان قال جعلك الله كعصى موسى وخوان إبراهيم ومائدة عيسى في البركة، ثم قال لأصحابه افتحوا أفواهكم وأقيموا أعناقكم وابسطوا الأكف وأجيدوا اللقم ولا تمضغوا مضغ المتعللين الشباع المتخمين واذكروا سوء المنقلب وخيبة المضطرب خذوا على اسم الله تعالى.
وقال زين الدين بن الوردي:
ماذا تقولون في محب ... عن غيره أبوابكم تخلا
وجاءكم زائراً عفيفاً ... عن مالكم هل يجوز أم لا
وقال جمال الدين بن نباتة:
ما يقول المقام أيده الل? ... ?هـ ولا زال للسعود يحوز
في ولي ببابكم ترك الخل? ... ?ق ووافى يجوز أم لا يجوز
كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام إذا قرأ عليه الطالب وانتهى يقول اقرأ من الباب الذي تليه ولو سطراً فإني لا أحب الوقوف على الأبواب.
وللنصير الحمامي بيتان كتبهما إلى السراج الوراق على يد غلام يدعى إبراهيم وهما:
عبدك إبراهيم وافى بهما ... وفي بها معنى لمن يعقل
وهو على الباب ومقصوده ... وفيك فهم أنه يدخل
الباب السادس
في الخادم والدهليز
كان يقال أن الخصيان ملكية بني آدم وقيل لأبي العيناء لم اتخذت غلامين أسودين خصيين، قال لئلا اتهم بهما ولا يتهما بي.
وعرض على بعض الملوك غلام صبي خصي فقال هذا يصلح للفراش وللهراش.
وكان بعضهم يتخذ الخدام الخصيان ويختار منهم البيض الحسان، فقبل له في ذلك، فقال لأنهم بالنهار فوارس وبالليل عرائس، وفيهم يقول:
ونساء لمستريح مقيم ... ورجال إن كانت الأسفار
وفيهم يقول محمد الخلوع القاهر:
مبرءون من الشعر الكريه ومن ... حمل الأيور وإخراج المناتين
وهم نساء إذا حاولت خلوتهم ... وهم رجال لدى الهيجاء يحموني
وما أحسن قول الصابي في غلام أسود (مولده سنة عشرين وثلاثمائة، ووفاته سنة ثمانين وثلاثمائة) :
لك وجه كأن يمناي خط? ... ?ته بلفظ يمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه الليالي
وقال الزين بن جبريل المصري:
وخادم قد حباه القلب حبته ... حباله وكسته صبغها المقل
كأن ما هو في خد الجمال لمن ... يراه خال وفي أجفانه كحل
وقال ابن الجوزي في كتاب الأذكياء: قال أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي اجتزت ببغداد وأنا أحدث جماعة من مجان أصحاب الحديث وإذا بخادم خصي جالس على الطريق وبين يديه أدوية ومكاحل ومباضع وعلى رأسه مظلة خرق، فسألت عنه فقيل طبيب حاذق وهو من عجائب بغداد فتقدم إليه شخص من الجماعة وتغاشى وتماوت وتمارض وقال يا أستاذ يا أستاذ دفعات، فقال أي شيء بكى إيش أصابكي قولي لا شفاك الله، فقال أجد ظلمة في أحشائي ومغصاً في أطراف شعري وما آكله اليوم يصبح غداً مثل الجيفة فصف لي دواء فقال وكأنه أعد الجواب أما ما تجد من المغص في أطراف شعرك فاحلقي لحيتك ورأسك جميعاً، وأما ظلمة أحشائك فعلقي على باب حجرك قنديلاً، وأما الثالث فكلي خراكي.
ولإبراهيم المعمار في خادم هندي:
تملك قلبي خادم قد هويته ... من الهند معسول اللما أهيف القد
أقول لصحبي حين يرنوا بلحظه ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي
وقال:
وخادم يعلو على عشاقه ... برتبة من الجمال نالها
واسمه وهو العجيب محسن ... وكم دموع في الهوى أسالها
ولقد أجاد من قال:
стр. 12
إن لمعت ليلاً نجوم السما ... بيضا على أدهم مرخي الإزار
وأوجب العكس مثالاً لها ... في الأرض فالسود نجوم النهار
نادرة: قيل أن بعض أولاد الملوك كان يعشق خادماً يسمى ديناراً وكان من أوحش ما يبكون فاتفق أن أجري عند ذكر مغن جميل، فقال بلغني أن فلسه أسود، فقال له بعض الحاضرين والله يا مولانا فلسه خير من دينارك فأخجله.
ومن ظريف ألقاب الخدام ما لقبه سيدي المقر المجدي فضل الله بن مكانس أحسن اللله له العاقبة لخدمه وهم: إشراق الدين هلال، ونظام الدين لؤلؤ، وسيف الدين فولاذ.
وأنشدني من لفظه لنفسه إجازة سيدنا ومولانا أقضى القضاة بد الدين مجد بن أبي بكر بن عمر المخزومي المالكي أدام الله أيامه ونقلتها من خطه:
علقته خادماً لطيفاً ... لم أصغ فيه إلى الملامه
إليه قلبي انثنى وطرفي ... مذ لاح بين الأنام شامه
وللشيخ جمال الدين بن نباتة في خادم اسمه كافو:
يا لائمي في خادم لي سيد ... قسماً لقد زدن السلو نفورا
ولقد أدرت على المسامع قهوة ... في الحب كان مزاجها كافورا
إبراهيم المعمار:
وخادم قبلت مشروطه ... في خده لكن رأيت العجب
من ناعم حلو فناديته ... ما أنت يا مشروط إلا رطب
وقال ابن نباتة أيضاً:
بروحي مشروط على الخد أسمر ... دنا ووفا بعد التجنب والسخط
وقال على اللثم اشترطنا فلا تزد ... فقبلته ألفا على ذلك الشرط
وقال: أرى لصواب يا أيري صفات ... تحث على الخلاعة والتصابي
فبادرة فأنت خبير ... ومثلك لا يدل على صواب
وقال صلاح الدين الصفدي فيه:
إذا ما قام أيرك في الياجي ... وعندك من تحب فلا تحابي
وقم نحو الطواشي واعتنقه ... ومثلك لا يدل على صواب
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
أأخشى من الأعداء والله ناصري ... بخدام حظ إن دعوت أجابوا
فقلبي مسرور وسعدي مقبل ... وحزبي ناصر والمقال صواب
قلت: وإذا ذكرنا ما ورد في مدحهم فلا بأس بإيراد نبذة من غيره.
стр. 13
قال الجاحظ (توفي سنة خمس وخمسين ومائتين وقد نيف على التسعين سنة) ضيق الصدور وشدة النفور وطول الأعمار وقلة الاصطبار وكبر الأقدام واضطراب الأجسام وإنكار الحرمة وقلة الرحمة وسرعة الدمعة وابتغاء السمعة وطحن المعدة ولطف القيادة واسترخاء السرح وقلة الجرح وسوء الخلق وكثرة الحرق وشدة الحسد وانقطاع الولد والمشي بالتمائم والنظر إلى المحارم وتربية البغول والبغض للفحول خلاف النساء والرجال لا يجوز به الاستحلال مهلوس عبوس غايته طرسوس مؤاجر في صغره قواد في كبره إن ركب ركض وإن مشى مرض مختلف الرأي والعقل متخلق بأخلاق البغل إن لا ينته جمح وإن خاشنته رمح وإن أجعته طمح وإن أشبعته سلح يبول في فراشه إذا عمل النبيذ في مشاشه، إن حرد كفر وإن قدر قهر مختون على غير ملة حاذق بالهريسة والأخلة، إن غضب بكى وإن رضى شكى وإن هزل انطوى وإن سمن التوى معدن للمطائر ألوف للعجائز إن ائتمنته خانك وإن أكرمته هانك وإن أهنته أكرمك وإن أغضبته شتمك صاحب صوارات وجلاهق وحمام وبنادق حاص دجاج وفراريج وطير ما ورد أريج إن أمسكته خسرت وإن بعته ربحت وإن طردته وقفت وإن قتلته أجرت، صالحهم مأبون وطالحهم ملعون، شره عتيد وخيره بعيد معروف موصوف بالجلف مسترخي البدن طويل الحزن بين الموق بادي العروق يأتي العرقوب كثير العيوب طويل الذراع كثير النخاع مسلوب زينة اللحى محروم لذة النساء يتزوج بالأبكار ويهتك بالأستار، يابس المصانع عاري الأشاجع شديد النفاق قليل الإنصاف بين النفاق كثير البقباق شره عند الطعام سفيه هلى الأقوام فقير ذز مال وحيد ذو عيال شرس حسود حرون جحود بعيد الحياء بارد اللقاء يتلقاك بالبكاء، إن قلت نعم قال لا وإن قلت لا قال بلى إن منع فمن حمق وإن أعطى فمن حرق، جريء جبان طويل الأحزوان مظلوم القلفة خالي المعرفة أقلف مختون خائن مأبون ترضيه اللقمة ويخدع بالطعمة أكثر الناس غلمه وأقوده في الظلمة وأحذفه بالإجازة وأعرفه لجاره وأعمله لمزماره وأنحته لمصايد الفار وأبيعه للتكلك وأصيده للسمك، إذا أمن ملعقته غرزها في منطقته مأواه الدهليز وخبزه على الإفريز لهج بالقمار عليه سوء الدمار من قلة مروءته يدخل الفحل على امرأته ويجمع لها بكده وينفقه على ضده لا بد له فيها من شريك فهو مغرم وغيره ينيك يستر عورته عن الأنام ويبدي سوأته للطعام يقطع الصلاة ويمنع الزكاة بيعه الزمارات ونعته في الصورات، يأكل بشدقين، وينفق بيدين فضله محبوس ودعاؤه منكوس.
وقال الجاحظ أيضاً كان من ظريف ما يقص القاضي عبد الأعلى قوله في الخصي إذا قطعت خصيته قويت شهوته وسخنت مقعدته ولانت جلدته وانجردت شعرته وكثرت غلمته واتسعت فقحته وغزرت دمعته.
وقال غيره من جب زبه ذهب لبه.
وفي ذلك قول أبي الطيب المتنبي (ومولده سنة ثلاث وثلاثمائة، ووفاته أربع وخمسين وثلاثمائة) :
وقد كنت أحسب قطع الخصي ... بأن الرءوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقله ... وجدت النهى كلها في الخصى
ونقلت من خط الوزير العلامة المفتن فخر الدين بن مكانس سامحه الله تعالى أنه قال: سافرت مرة سنة إحدى وستين وسبعمائة مع الصاحب فخر الدين بن قروينة رحمه الله تعالى، إلى دمشق المحروسة عندما تولى نظر مملكها ووالدي ﵀، استيفاء بها وكان له دوادار يسمى صبيح ويلقب جودر من عتقاء جده الوزير أمين الدين بن الغنائم وكان كثير النوادر لطيف الدقات، فاتفق أن جمال الدين ابن الرهاوي موقع الوزارة ركب يوماً فتقنطر به الفرس وداسه على رأس أحليله فحمل إلى داره وأقام أياماً إلى أن عوفي وحضر مجلس الوزارة وهو غاص بالناس، فقال له الصاحب فخر الدين ما سبب تأخيرك قال له تقنطرني الفرس وداس رأس إحليلي فكدت أموت والآن قد لطف الله تعالى وحصل البرء والشفاء فقال له صبيح جودر الحمد لله على سلامة الخصى فانقلب المجس ضحكاً وخجل ابن الرهاوي وانصرف.
عود إلى ما كنا فيه: وصف الجماز رجلاً بالرعونة فقال: هو كالخصي يفتخر بزبه مولاه.
قال كشجام في خادم اسود جائر:
يا مشبهاً في فعله لونه ... لم تعد ما أوجبت للقسمة
فعلك من لونك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمة
وقال آخر وأجاد:
جزا مذاكره بحق واجب ... إذا عندهم علم بخسة أصله
стр. 14
لو أنهم تركوه يبقى سالماً ... ملأ البلاد أرذالاً من نسله
وقال بعضهم واصاب:
إن عاينت عيناك ظبياً سانحاً ... مع خادم يرعاه وهو شرود
فاقنصه لطفاً بالزمام ولا تخف ... منه نفوراً فالزمام يقود
نادرة: قيل أن بعض أولاد الملوك كان يعشق خادماً يسمى ديناراً وكان من أوحش ما يبكون فاتفق أن أجري عند ذكر مغن جميل، فقال بلغني أن فلسه أسود، فقال له بعض الحاضرين والله يا مولانا فلسه خير من دينارك فأخجله.
ناردة قيل أن بعض الرؤساء كان له خادم وعبد فدخل يوماً وجد العبد فوق الخادم فضربه وخرج فرأى بعض أصدقائه فسأله عن عيظه، فقال هذا العبد النجس فعل بالخويدم الصغير فقال له مولانا السيد الكبير فخجل منه وأخرجها من مجانه.
وما أظرف من قال موالياً:
ستي الكبيرة لها الخدام والحشمة ... تحلف على النيك بالمصحف وبالختمة
... جاها الطواشي أفحشت لو نال من كلمة ... راحت يمين القواقية على قرمة وقال ابن إبراهيم المعمار:
وإن من الخدام من ليس يرتجى ... مكارمه فالبعد منهم غنائم
فلا تك ممن يتهمهم لحشمة ... فليس لهم بين الرجال محاشم
أهدى بعض عمال مروان بن محمد الجعدي الأموي لمروان عبداً أسود فقال لكاتبه عبد الحميد اكتب إلى هذا العامل كتاباً مختصراً وذمه على ما فعل، فكتب إليه لو وجدت لوناً أشر من السواد وعدد أقل من الواحد لأهديته والسلام.
ومن أحسن ما ورد في ذم السواد لا يحرم فيه محرم ولا يكفن فيه ولا تجلى فيه عروس.
وما أظرف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
كان لي عبد يسمى فرجا ... نصب الغير عليه الشبكا
فأنا الآن كما تبصرني ... ليس عندي فرج إلا البكا
القول في الدهليز بكسر الدار فارسي معرب، والجمع الدهاليز وهو بين الباب والدار وأحسن ما فيه:
ودهليز دار فيه للعين بهجة ... وللنفس فيه لذاذة أوطار
إذا داخل لم يعتبر ما وراءه ... توهمه من حسنه أنه الدار
وقال يحيى بن خالد ينبغي للإنسان أن يتأنق في دهليزه لأنه وجه الدار ومنزل الضيف وجلس الصديق حتى يؤذن له وموضع المعلم ومقيل الخدام ومنتهى حد المستأذن.
وقال بعضهم: إذا كمل للإنسان في داره حسن ثلاثة مواضع لم يبال بما فاته وذكر من جملتها الدهليز.
وللشيخ برهان الدين القيراطي فيه:
أكرم بدهليز سما ... فإذا الكواكب من رفاقه
دهليز مولى سعده ... ما زال يخدم في وطاقه
قلت: من كان له عبد واسمع سعد ففي غاية الحسن.
وقال الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة بيتين وفيهما ما فيهما:
دار ببدرا الدين أشرق نورها ... فبياضها من نوره مجبول
دهليزها حلو البنا يبدو لنا ... طعمية في بابه ودخول
الباب السابع
في البركة والفوارة والدواليب وما فيهن من كلام وجيز
البركة هي الموضوع المبني لاجتماع الماء ويسمى أيضاً الصهريج بكسر الصاد وهو اسم مشتق من الصهروح الذي تبنى به، والصهروج الكاس نفسه يقال: بركة مصهرجة إذا كانت مبنية بالصهروج، وقال الجوهري البركة كالحوض والجمع برك ويقال سميت بذلك لإقامة الماء فيها.
حكى الأدييب أبو الربيع سليمان بن إسماعيل بن أبي الليث المسيحي قال جمعنا مجلس أنس مع الأديب أبي إسحاق إبراهيم بن أبي الثناء المسيحي بالفيوم وكنا في بستان فيه بركة عليه فوارة من الماء فتجاذبنا أهداب وصفها فقال أبو إسحاق:
بركة يصعد الأنابيب منها ... يقعد الماء فوقها ويقوم
فلدا أطلعت فواقع تبدوا ... كالقوارير من زجاج تعوم
وكأن السماء صفحتها الزر ... قاء والياسمين فيها نجوم
قال وقلت أنا:
وبركة تذهل العقول لها ... تحار في حسن وصفها الفكر
كأنها مقلة محدقة ... عبرا من الوجد نالها السهر
تبكي وما فارقت لها وطناً ... يوماً ولا فات أهلها وطر
تخال أنبوبها لصحته ... والماء يعلو به وينحدر
كصولجان فضة سبكت ... فواقع الماء تحتها أكر
قال الشيخ صفي الدين الحلبي (وتوفي سنة خمسين وسبعمائة) :
والريح تجري رخاء فوق بحرتها ... وماؤها مطلق في زي مأسور
стр. 15
قد جمعت جمع تصحيح جوانبها ... والماء يجمع فيها جمع تكسير
ولقد أجاد ابن طباطبا في قوله (ومولده سنة ست وثمانين ومائتين ووفاته سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة) :
كم ليلة ساهرت أنجمها التي ... عرصات أرض ماؤها كسمائها
قد سيرت فيها النجوم كأنما ... فلك السماء يدور في ارجائها
أحسن بها بحراً إذا التبس الدجى ... كانت نجوم الليل في حصبائها
ترنو إلى الجوزاء وهي عريقة ... تبغي النجاة ولات حين نجاتها
تطفو وترسب في اصطفاق مياهها ... لا مستعان لها سوى أنمائها
والبدر يخفق وسطها فكأنه ... قلب لها قد ربع في أحشائها
ولا مزيد من الحسن على قول عبد الجبار بن حمد يس الصقلي يصف دوحة وأسوداً ترى بالماء (توفي المذكور سنة تسع وعشرين وخمسمائة) :
وضواغم سكنت عرين رياسة ... تركت خرير الماء فيه زئيرا
فكأنما غشى النضار جسومها ... وأذاب في أفواهها البلورا
أسد كأن سكونها متحرك ... في النفس لوجدت هناك مثيرا
وتذكرت قناتها فكأنما أقعت على أذنابها للشورى
وتخالها والشمس تجلو لونها ... ناراً وألسنها اللواحس نورا
فكأنما سلت سيوف جداول ... ذابت بلا نار فعدن غديرا
وكأنما نسج النسيم لمائه ... ردعا فقدر سرده تقديرا
وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناك بحر عجائب مسجورا
شجرية ذهبية شرعت إلى ... شجر يؤثر في النهي تأثيرا
قد صولحت أغصانها فكأنما ... قبضت بهن من الفضاء طيورا
وكأنما يأتي لوقع طيرها ... أن تستقل بنهضها وتطيرا
من كل ووقفة ترى منقارها ... ماء كسلسال اللجين نميرا
خرس يقلن من الفصاح فإن شدت ... جعلت تغرد بالمياه صفيرا
وكأنما في كل غصن فضة ... لانت فأرسل خيطها مجرورا
وتريك في الصهريج موقع قطرها ... فوق الزبرجد لؤلؤاً منثورا
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله (مولده سنة سبعمائة، ووفاته سنة تسع وأربعين وسبعمائة) في ترجمة مجير الدين بن تميم (ووفاته سنة إحدى وثمانين وستمائة) وحكى: أنه جلس على بحيرة أشرقت سماؤها وطاف بكعبة المجلس ماؤها والشمس قد توسطت الظهيرة وأرخت ذوائب أشعتها الظفيرة واللجة قد نصبت في كل ناحية حباله وتناومت عينها فما رأت من الشيء إلا خياله والماء قد لبس من شعاع الشمس الغلاة وغابت سباع البركة فلعبت الغزالة فقال:
ولما احتمت منا الغزالة بالسما ... وعز على قناصها أن ينالها
نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة ... عليها فلم نقدر فصدنا خيالها
وذكر هذه الترجمة في كتابه مسالك الأمصار من كلام علي بن طافر العسقلاني قال: جلسنا على بركى ألقى عليها ورد أحمر ملأبكثرة نجومهع فسحة سمائها وصبغ بحمرة شعاعه صفحة مائها وأهدى زمردة إلى مقلتها الزرقاء فصح سرورنا بدائها.
وقال المذكور في كتابه بدائع البداية أخبرني القاضي الأعز بن المؤيد رحمهما الله تعالى قال اجتمعت مع جماعة من أدباء الاسكندرية في بستان لبعض أهلها فحللنا روضاً تثنت قامات أشجاره وتغنت قيان أطياره وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء فنثر عليه بعض الحاضرين ياسميناً زان سمائها بزواهر منيرة وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة فتعاطينا القول في تشبيهه وأطرق كل منا لتحريك خاطره وتنبيهه ثم أظهرنا ما حررنا ونشرنا ما حبرنا فأنشد عباس بن ظريف:
نثر الياسمين لما جنوه ... عبثاً فاستقر فوق الماء
فحسبنا زهر الكواكب تحكي ... زهر الأرض في أديم السماء
قال والذي صنعته أنا:
نثروا الياسمين في صفحة الماء ... فخلنا النجوم وسط الماء
فكأن السماء في باطن الأر ... ض أو الدر طف فوق الماء
وقال مجير الدين بن تميم في مليح يشرب من بركة:
أقدي الذي أهوى بفيه شارباًَ ... من بركة رقت وطابت مشرعا
أبدت لعيني وجهه وخياله ... فأرتني القمرين في وقت معا
نادرة:
стр. 16
اكترى نحوي حمالاً ليحمل له زيراً فلما وصل إلى البيت وفيه بركة قال له النحوي اقفزن، فقفز فوقع فانكسر الزير، فقال ما هذا؟ قال جانب البركة ساكن والنون في اقفزن ساكنة فتحرك الزير بينهما بالكسر، فقال أحسنت ما أنت إلا عالم بيض الله وجهك.
وقال الشريف العقيلي:
وبركة قد افادنا عجباً ... ما ماج من مائها وما انسكبا
من حول فوارة مركبة ... قد انحنى ظهر مائها تعبا
وقال شمس الدين الطيب أحمد بن أبي المحاسن (مولده ببخارى سنة تسع وأربعين وستمائة ووفاته سنة سبع عشرة وسبعمائة بطرابلس) :
النهر وافى شاهراً سيفه ... ولمعه يختلس الأعينا
فماجت البركة من خوفه ... وارتعدت وادرعت جوشنا
وقال مجير الدين ابن تميم مضمناً:
لو كنت إذ أبصرتها فوارة ... للشمس من أمواجها لألاء
رأيت أعجب ما يرى من بركة ... سال النضار بها وقام الماء
وله مضمناً:
لقد نزهت عيني أنابيب بركة ... تقابلني أمواجها بالعجائب
أنابيب زادت في علو كأنما ... تحاول ثأراً عند بعض الكواكب
وله:
يا حسن نوفرة بدت في بركة ... أبداً يفيض الماء فيها ديدنا
ما إن بدت إلا وظللت مفكراً ... في قدنوفر راح ينبت سوسنا
وقال الوجيه المناوي:
فوارة تشبه في شكلها ... سبيكة من فضة خالصه
تلهيك بالحسن فقد أصبحت ... جارية ملهية راقصة
وقد عكس بعضهم هذا فقال:
وقينة ملهية قد غدت ... تستوقف السامع والرائي
جارية راقصة أشبهت ... في وصفها فوارة الماء
وقال ابن حجاج (توفي سنة إحدىوتسعين وثلاثمائة) :
صنعت في دارك فوارة ... أغرقت في الرض بها الأنجما
فاض على نجم السهى ماؤها ... فأصبحت أرضت تسقي السما
وقال ابن تميم في بركة بشاذروان:
ألا رب يوم قد تقضي ببركة ... اقمت بها فيما جرى متحيرا
بعيني رأيت الماء فيها وقد جرى ... على رأسه من ساهق فتكسرا
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:
مذهب شاذرواننا ال? ... ?عالي المقام والرتب
نال الغنى الماء به ... حين مشى على الذهب
وقال فيه:
لحسن شاذرواننا ... كل القلوب تعشق
من أجل ذا الماء له ... قلب به معلق
ومن كملام سيدي تقي الدين أبي بكر بن حجة في الفوارة كأنها سنان تطعن في صدر الظما، أو شجرة كدنا أنها طوبى لما ظهرت وأصلها ثابت وفرعها في السما، أو معترف بندا الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضاء، أو عمود وفاء أشارت الناسي إليه بالأصابع أو ملك طالب السماء بودائع حتى قلنا إن إكليل الجوزاء له من جملة الودائع، أو أبيض طائراً علا حتى قلنا أنه يلتقط حباب النجوم الثواقب، أو شجاع ذو همة عالية تحاول ثأراً عند بعض الكواكب.
وقال شهاب الدين بن أبي حجلة:
وشاذروان ماء بات يجري ... كعين الصب روع يوم بين
إذا ما قيل جد بالماء سريعا ... يقول نعم على رأسي وعيني
وقال شيخنا الشيخ زين الدين بن العجمي (توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة) :
تسلسل مائي وهو لا شك مطلق ... وصح حقيقاحين قالوا تكسرا
وفي قلب مائي للقلوب مسرة ... وقالوا سيجري بالهنا وكذا جرا
قلت: وقد تصرفت الفضلاء متأخر والعصر في هذه اللفظة أعنى وكذا جرى تصرفات حسنة فمنهم القاضي صلاح الدين الصفدي فقال:
أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى
وعلمت يوم فراقكم لا بد أن ... يجري له دمعي دماً كذا جرى
ومنهم الشيخ عز الدين الموصلي فقال:
رب نسيم قد سرى ... يحدو سحابا ممطرا
أذياله بليلة ... تخبرنا بما جرى
وقال أيضاً:
حديث عذار الحب في خده جرى ... كمسك على الورد الجنى تسطرا
فقبلته حتى محوت رسومه ... كأن لم يكن ذاك الحديث ولا جرى
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:
لم يبك حين بكيت من ... هجرانه متحسرا
لكن حكى لك خده ال? ... ?مصقول صورة ما جرى
وقال:
كابرت عدل صبوتي ... في الدمع حين تحدرا
قالوا بكيت صبابة ... فأجبت هذا ما جرى
стр. 17
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبي بكر بن حجة ابقاه الله تعالى لبعض المغاربة:
وتحدث الماء الزلال مع الحصا ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
فكأن فوق الماء شيئاً ظاهراً ... وكأن تحت الماء داراً مضمرا
رجوع إلى ما كنا فيه قال ابن الظافر العسقلاني في كتابه بدائع البدائه: مررنا في بعض العشايا على بعض البساتين المجاورة لنهر النيل فرأينا بئراً عليها دولابان متحاذيان قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس وهما يئنان أنين أهل الشواق ويفيضان دمعاً أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده والأصيل قد راق حسنه فنثر عليه عسجده والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون والسواقي قد أدلت من سلاسل فضتها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضة ورضاب الماء قد قد علاه في الظل ألمى وحيات المجاري حائرة تخاف أن يدركها من زمرد البنان العمى، والبحر قد صقل صقيل النسيم درعه وزعفران العشي قد ألقي في ذيل السماء ردعه فاستحوذ علينا ذلك الموضع استحواذاً وملأ أبصارنا وقلوبنا التذاذاً وملنا إلى الدولابين شاكين أرمزا حين شجت قيان الطير بألحانها أم شدت على عيدانها أم ذكرا أيام نعما وطابا وكانا أغصاناً رطابا فنفيا لذيذ الهجوع ورجعا النوع وأفاضا الدموع طلباً للرجوع.
وقال مجير الدين بن تميم مضمناً:
ودولاب روض كان من قبل أغصنا ... تميس فلما فرقتها يد الدهر
تذكر عهداً بالرياض فكله ... عيون على ايام عهد الصبا تجري
وقال:
تأمل تر الدولاب والنهر إذ جريا ... ودمعهما بين الرياض غزير
كأن النسيم الرطب قد ضاع منهمافأصبح ذا يجري وذاك يدور
وقال بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي (توفي سنة ثمانين وستمائة) :
وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا
في حين ضاع زهرها ... دار عليه وبكى
واستعمل هذا المعنى صلاح الدين الصفدي في غير الدولاب فقال:
أضحى يقول عذاره ... هل فيكم لي عاذر
الورد ضاع نجده ... وأنا عليه دائر
وقال الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة:
أعجب لها ناعورة وقلبها ... للماء منشي العيش والعشب
تعبانة الجسم لكنها ... كما ترى طيبة القلب
وقال سعد الدين بن عربي (ومولده سنة ست وخمسين وخمسمائة، ووفاته سنة اثنتين وستمائة) :
شاهدت دولاباً له أدمع ... تكلفت للروض بالريّ
فأعجب له من فلك دائر ... ما فيه برج غير ماءي
ولآخر:
ابدى لنا الدولاب قولاً معجبا ... لما رآنا قادمين إليه
إني من العجب العجيب كما ترى ... قلبي معي وأنا أدور عليه
قال أبو حنيفة الدينوري الدولاب بضم الدال وفتحها كذا سمعته من فصحاء العرب.
ولآخر:
لله أزهار دوح بات يضحكها ... صوت الغمام بدمع منه منسفك
حكت نجوم السما أزهارها فكاذ ... أضحى يدور بها الدولاب كالفلك
وقال ابن نباتة:
وناعورة قالت وقد ضاع قلبها ... وأضلعها كادت تعد من المسقم
أدور على قلبي فإني فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي
ولآخر:
وذات شجو أسالت ... مدامعاً لم تصنها
تبكي بفرط دموع ... وتضحك الروض منها
ولآخر:
أشبه ما بين القواديس صوتها ... ومن كل وجه ماؤها يتحدر
بأرملة ضمت إليها بناتها ... تنوح بشجو المدامع تقطر
ولآخر:
وناعورة قد ضاعفت بنواحها ... نواحي وأجرت مقلتاي دموعها
وقد ضعفت مما تانَّ فقد غدت ... من الضعف والشكوى تعد ضلوعها
سأل الشيخ نجم الدين القحقيري جماعة من الطلبة المشتغلة عليه عن قول الشاعر (ومولده سنة ثمان وستين وستمائة، ووفاته سنة أربع وأربعين وسبعمائة) :
يأيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج
ابن لنا دايرة ... فيها بسيط وهزج
ففكر بعض الطلبة ساعة طويلة ثم قال هذا في الساقية لأنه أراد بالبسيط الماء والهزج صوت الساقية حال دورانها، فقال له الشيخ: ألا إنك درت فيها زماناً حتى ظهرت لك وهذا الكلام في غاية الطرافة من الشيخ رحمه الله تعالى وقال ابن تميم:
стр. 18
وناعورة قد ألبستها حبالها ... من الشمس ثوباًَ فورق أوراقها الخضر
كطاوس بستان يدور وينجلي ... وينفض عن أرياشه بلل القطر
وله:
ايدت لنا بالعذر ناعورة ... أدمعها في غاية السكب
تقول لما غاب قلبي ... وقد ضعفت بالنوح وبالندب
صيرت جسمي كله أعينا ... تدور في الماء على قلبي
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
ناعورة مذعورة ... للبين ثكلى حائرة
الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائرة
وله:
حالة الدولاب دلت ... أنه في فرط حزن
كان يسقي ويغني ... صار يسقى ويغني
وقال مؤلف الكتاب في مرثيته التي رثى بها دمشق وغيرها عند حلول الواقعة المشهورة من التتار:
أعروسنا لك أسوة بحماتنا ... في ذا المصاب فأنتما أختان
غابت بدور الحسن عن هالالتها ... فاستبدلت من عزها بهوان
ناحت نواعير الرياض لفقدهم ... فكأنها الأفلاك في الدوران
وقال ابن تميم:
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه من الرياض طيور
ودولابها كادت تذوب ضلوعه ... لكثرة ما يبكي بها ويدور
وقال جمال الدين بن نباتة:
وناعورة قسمت حسنها ... على واصف وعلى سامع
وقد ضاع نشر الربا فاغتدت ... تدور وتبكي على الضائع
وقال مؤلفه ارتجالاً جسيماً اقترح عليه والحالة كذا:
كأن البحر إذ يزهو صفاه ... ونور البدر يشرق والسواقي
دموعي ثم وجهك يا حبيبي ... وقلبي إذ شكا ألم الفراق
قلت ومن المداعبات اللطيفة ما كتب به المرحوم القاضي فخر الدين بن مكانس إلى الشيخ بدر الدين البشتكي سلمه الله تعالى (ومولده سنة ثمان وأربعين وسبعمائة) وقد دار قي ساقية الهمائل وهو:
دورة الابدر في سواقي الهمائل ... تركت أدمع العيون هوامل
آه من للرياض نور أديب ... مظهر من كلامه سحر بابل
فاق سعياً على بني عجل في ال? ... ?جود وأغنى عن الولي الهاطل
زاد علماً على أبي ثور لكن ... قال بالدور ماؤه والسلاسل
قد أعاد الجناس حسن نوار ... واتته ثورية فهو كامل
يا سعيد أثرى من النظم والنث? ... ?ر فأنسى الورى زمان الفاضل
قد سقيت الرياض يا شيخ بالدو ... ر فها غصنها من السكر مائل
لم تدع من نباتة لم تجدها ... أنها بالثنا عليك تواصل
وابن قادوس كان طالع في خد ... متك اليوم بالأوامر نازل
وغدا بالظلال كل أديب ... في هجير الرمضاء بفضلك قائل
وبروحي عيون نرجس روض ... يغزل الحسن بالندا ويغازل
أنت شنفتها بشعرك زهراً ... وبعثت المياه فيها خلاخل
كم غضون أينعتها فعليها ... هاج الطير والمحب بلابل
أنت في الحالتين تصريفك الأح? ... ?رف أو كيمياء ذهنك واصل
أنت لو لم تكن بحار علوم ... ما جرت في الرياض منك جداول
كنت عندي أجلى قدراً وقد در ... ت في الثور للوجود الحامل
وغدا قس بين لفظك والرو_ض على الحالتين عندك باقل
أنت يا بدر فقت بلدر الدياجي ... فلهذا تبدو وذاك آفل
يا خلياً أبثه الشجو إن لم ... يك عني كدمع عيني سائل
والأديب المحب يشكو هواه ... للأديب المحب عند النوازل
أنا مغرى بحب أحور اللمى ... نافثي يزري بغصن الخمائل
من بني الترك قده اللدن واللح? ... ?ظ كلا الفاتنين أصبح ذابل
أعين الزهر والغصون تراها ... شاخصات إذا مشى وموائل
لا تقل بي الأعراب تحكم حسناً ... ما ترى للأعراب هذي العوامل
ماس عجباً وقصده يقتل الخل? ... ?ق دلالاً وللدلال دلائل
لا تلم في عذاره هتك شيبي ... أنا قد بعت آجلي بالعاجل
ولعمري أنت الذكي وكلن ... أنت والله عن غرامي غافل
ولئن كنت عاقلاً إنني من ... صبوتي في الهوى عن العقل عاقل
هاك حالي شرحته فاغنني ... إن تكن يا أخي لهمي حامل
وأطرح غتبها فعيش المحبي? ... ?ين محبون والعيش كالظل زائل
دمت يا جامع المحاسن والشم? ... ?ل ولا زال غيث فضلك شامل
стр. 19
أنت بدر أم أنت شمس فإنا ... قد رأيناك غرة في الأصائل
وكفيت الحرار يا أشرف القو ... م ومن جوده ينعي ابن باخل
الباب الثامن
في الباذهنج وترتيبه
قال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في باذهنج مطل على البحر
أنا نعمى من ابتهج ... أنعش الروح والمهج
وعن البحر يا نسي? ... ?م حدث ولا حرج
وقال ابن سناء الملك (توفي سنة ثمان وستمائة) :
وباذهنج علا علاء ... ولكنه قد هوى هواء
دام عليك النسيم فيه ... وكأنه يطلب الشفاء
وقال أبو الحسن عبد الكريم الأنصاري:
ونفحة باذهنج أسكرتنا ... وجدت بروحها برد النعيم
أتينا من أنيق الشكل سمح ... تراه مثل راووق النديم
صفا وجرى الهوى فيه رقيقاً ... فسميناه راووق النسيم
ومما يحسن أن ينشد على لسان الباذهنج قول بعض العرب:
إذا الريح من نحو الحبيب تبسمت ... وجدت لرباها على كبدي بردا
وإني بتهباب النسيم موكل ... طروب وبعض القوم يحسبني
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
يا طيب نفحة باذهنج لم يزل ... بهوائه لنفوسنا تنفيس
مغرى بجذب الريح من آفاقها ... فكأنه للريح مغناطيس
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
وباذهنج لا خلت ... ديارنا من أنسه
كأنه ميتم ... يلقى الهوى بنفسه
وله:
وباذهنج غدا في الجو منظر ... من فوق منظره تبدو على سنن
فانظر فديتك يا محبوب رفعته ... واستنشق الريح من تلقاه يا سكني
وله:
يا باذهنجي كم كذا ... تعلو على بان الحمى
ابديت حمقاً زائداً ... رفعت رأسك للسما
وله مضمناً:
ودار حكت قصر السمؤل فاغتدت ... تباهي ببنيان لها وتقول
أرى باذهنجي في الهواء ارتفاعه ... يعز على من راحه ويطول
وله مضمناً:
يا باذهنجي أما ترثي لذي حرق ... يبدي لهيب الجوى مذبات يخفيها
عودتنا صدقات من لطيف هوى ... فامنن علي بريح منك يجريها
وله مضمناً:
يا باذهنجي لا برحت من الهوى ... مثلي على حب الديار مولها
داري بحبك دائماً مشغوفة ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
وله:
وباذهنج تره كغصن بان ترنح ... يهتز عند العطايا لأنه يتريح
وله ملغزاً فيه:
وذي جناح طوله ... أضعاف ما في العرض
ما جار في شرع الهوى ... وحكمه إذ يقضي
ولم يطر مع كونه ... بين السما والأرض
وقال أبو الفتح بن قادوس يهجوه:
لك باذهنج قلب صب له ... نفس يصاعد لوعة الحرق
مات النسيم به فأجمعنا ... نبكي عليه بأدمع العرق
ولصدر الدين بن عبد الحق (توفي تقريباً سنة ثمانين وسبعمائة) :
في الباذهنج لا تنم ... فما لمرضاه دوى
لا يأمن الشخص الذي ... يسرق في الليل الهوى
ولشهاب الدين بن أبي حجلة:
وباذهنج ريحه ... تضرم نيران الجوى
مدحته جهلاً به ... فراح مدحي في الهوى
وله مضمناً فيه:
هجا الشعراء جهلاً باذهنجي ... لأن نسيمه أبدا عليل
فقال الباذهنج وقد هجوه ... إذا صح الهوى دعهم يقولوا
وقال شهاب الدين السنبلي المالكي (توفي سنة أربع وستين وستمائة) :
وباذهنج إذا حر المصيف أتى ... أهدى النسيم وقد رقت حواشيه
مصغ إلى الجو ما ناجاه فحة ... إلا ونم عليه فهو واشيه
وأكثر الناس ولوعاً بالباذهنج القاضي الفاضل فإنه قال من رسالة: إني من مدة سنتين وما قاربهما وهي المدة من تاريخها فرح بهجرة وكرى وعلو سعر شعري قد نظمت مائتين وخمسين ألف بيت من الشعر بشهادة عيانها وحضور ديوانها مثل قولي في باذهنج شديد الحرور كأنما يتنفس نفس مصدور ما يناهز ألف بيت كل مقطوع منها يخرع العقول اختراعه ويعفي المحاسن بديع ابتداعه.
ومثل قولي في رجل طويل الآذان كأنهما في رأسه خفان أو قد عجل له منهما نعلان، ما يقارب ألف بيت تجاوزت بهما وأوريت وما أدخلت منها الشاعر إلى بيت.
ومثل قولي في رثاء الوطن الذي درجت من وكره وخرجت فلم أخرج عن ذكره ما يناهز عشرة آلاف بيت ومثل قولي:
في مدايح منصوصه ... وأهاجي مخصوصه
стр. 20
وللشيخ برهان الدين القيراطي ملغزاً فيه:
أهواءنا المختلفة ... قد أصبحت مؤتلفة
في شامخ بأنفه ... على العوالي أنفه
وذي جناح لم يطر ... ولك طير ألفه
جناحه طول المدى ... يبدي علينا رفرفة
كم من كئيب عاشق ... أهدى له مشرفه
ولا يزال مرسلاً ... لنجوه ملطفه
في الريح ضاع قول من ... على هواه عنفه
عليله الصحيح كم ... شفى قلوباً دنفة
وروحه لطيفة ... وذاته منحرفة
عن قلبه الدين أرى ... حب الهوى قد صرفه
ولم يكن مع الهوى ... أعطافه منعطفه
هواه تحت طوعه ... كيف يشاء يصرفه
كم عممت غمامة ... هامته المنكشفة
ما زال غير ساكن ... ساكنه مذ ألفه
وكلما لاح له ... من الهواء التقفه
فنى الوليد ذاته ... بذاته مؤتلفه
سكانها سميها ... في الغرب يبدي حيفه
فيه تشتي عصبة ... قد اصبحت مصيفه
ببدر ذو الرشد ولا ... ينسبه إلى السفه
حمدت مع تبذيره ... وبذله تصرفه
وكل ما أسرف في ... بلد شكرنا أسرفه
ونصفه مع جبل ... ملك سطاه متلفه
تصحيف ثلثيه جلت ... فض حديثه الشفة
وثلثه حر فإن بلل ... حرف فدع من حرفه
أنفاسه كم أودعت ... محاسناً مستلطفة
كم رنحت من غصن ... ذي قامة مهفهفة
معلتة وهو الصح? ... ?يح عند من قد عرفه
وثوبه البيض لا ... يزال يبدي صلفه
آخره مصنف ... لعالم قد صنفه
وبيت سلطان غدا ... يصون فيه تحفه
يكنى بسدسي لفظه ... عصابة مستنكفة
وسدسه أرى السما ... والأرض والماء يألفه
فاكشف معمى قلبه ... فمثلكم من كشفه
نهار ذهنكم محى ... من الظلام سدفه
يجري لحل المشكلا ... ت لم يخف توقفه
وبحركم در وما ... صادفت فيه صدفة
وللرقاب قلدت ... هباتك المؤلفة
كل البرايا نكرة ... وأنت فيهم معرفة
وخذ عروساً شنفت ... مذ جليت مشنفة
زهير لو بان له ... زهر جلاها قطفة
أغشى سناء طرفها ... إذا لاح طرف طرفه
حديقة حاسدها ... يرعد مثل السفعه
الباب التاسع
في النسيم ولطافة هبوبه
وإنما ذكرت النسيم لأنه من لوازم الباذهني، والنسيم الريح الطيبة ونسيم الريح أولها حين تقبل بلين قبل أن تشتد، ومنه الحديث "بعثت في نسيم الساعة" أي حين ابتدأت وأقبلت.
وما أحسن قول بعضهم * نسيم الريح بسيب الروح * قال أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي الرياح المعروفة أربع: الصبا: وهي تسلي عن الكروب، والجنوب وهي تجمع السحاب، والشمال: وهي تعصره وتفرقه، والدبور، وهي تهدم البنيان وتقلع الشجر وهي المذكورة في القرآن الريح العقيم وريح عاصف وريح صرصر.
وكل موضع جرى فيه ذكر الريح المراد بها الدبور والمراد بها العقوبة، وكل موضع جرى فيها ذكر الرياح في القرآن فإنه يرجع إلى الثلاثة التي تقدم ذكرها فيراد به الرحمة.
وقيل: الرياح ثمان أربع من الجهات الأربع، وأربع تسمى النكب لميلها، وتنكيبها عن الجهات الأربع فالشمال من ناحية الشام وذلك عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق فهبوبها من تحت بنات نعش، ويقابلها الجنوب وهي باردة يابسة صافية من الكدر تشد الأعضاء وتسد المسام وتحصر الحرارة في الباطن فينهضم الغذاء وتصفو بها كدورة الروح الحيواني الذي في القلب من الأبخرة الدخانية وتديم الصحة وتقوي حواس الدماغ وذلك إن وصلت إلى الجسم باعتدال وهي قليلة الهبوب ليلاً؛ لذلك تقول العرب في أحاديثها أن الجنوب قالت للشمال إن لي عليك فضلاً لأنني أسري وأنت لا تسري، فقالت الشمال إن الحرة لا تسري.
وكان المتوكل بيت مال يسميه بيت مال الشمال فكلما هبت شمالاً تصدق بألف درهم وسمع عمر بن الخطاب ﵁ قول سحيم عبد بني الحسحاس:
وهبت شمالاً آخر الليل سحرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا
فما زال بردي طيبا من نباتها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
فقال عمر: إنك مقتول، فاتهم بعد ذلك بامرأة فقتل.
стр. 21
قال أبو نواس (توفي سنة ثمان وتسعين ومائة) وفيه ثلاث روايات:
هبت لنا ريح شامية ... منت إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي
يحكى أن الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى (مولده سنة ست وعشرين وثلاثمائة ووفاته سنة خمس وثمانين وثلاثمائة) كان إذا سمع هذين البيتين ترنح لهما.
قال الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف القيسي حدثني من دخل سجستان وكرمان أن جميع أرحائهم ودواليهم تدور بريح الشمال قد جعلت منصوبة تلقائها، وأن هذه الريح تجري عندهم على الدوام صيفاً وشتاءً وهي في الصيف أكثر وأدوم وربما سكنت في اليوم والليلة أو مرات فيسكن كل رحى ودولاب بذلك الإقليم، ثم تتحرك فيتحرك وذكر أن هذه الدواليب المنصوبة بها اثنا عشر ألفا وتنقطع بانقطاعها قال والخصب والقحط في بلادهم معتبر بكثرة جريان ريح الشمال وقلته قال ولهم في الرحاء منافس تغلق ليقل ويكثر وذلك أنها إذا كانت قوية أحرق الدقيق فيخرج به أسوداً وربما حمي الرحاء فانفلق فهم يحتاطون لذلك بما ذكرناه.
والصبا تأتي مع مطلع الشمس وهي القبول والدبور يقابلها وهي معتدلة ولا سيما إن هبت قبل طلوع الشمس في زمن الربيع، وهي لطيفة صافية تذكي الأذهان وتبسط الأخلاق ولا سيما إن مرت بمروج أزهار نافعة فإنها تحمل قواها إلى القلب والدماغ.
وإلى نفعها أشار الشاعر:
وصبا أتت من قاسيون فسكنت ... بهبوبها وصب الفؤاد البالي
خاضت مياه النيرين عشية ... وأتتك وهي بليلة الأذيال
وقال سيف الدين المشد (ومولده سنة اثنين وستمائة، وتوفي سنة خمس وخمسين وستمائة)
مسكية الأنفاس تملى الصبا ... عنها حديثاً قط لم يملل
جننت لما أن سرى عرفها ... وما نرى من جن بالمندل
وقال مجير الدين الخياط (ومولده سنة خمسين وأربعمائة، ووفاته سنة أربع وعشرين وخمسمائة) :
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي ... حبذا أنت لو مررت بهند
ولقد رابني شذاك فبالل? ... ?هـ متى عهده يا طلال نجد
وقال المهيار الديلمي وتلطف (توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة) :
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وخزاما
وابعثوا لي في الدجى طيفكم ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
وروى المرزبان بإسناده أن المجنون خرج مع أصحاب له ليمتار في وادي القرى فمر بجبلي نعمان فقالوا: إن هذين جبلا نعمان وقد كانت ليلى تنزلهما، قال فأي ريح تجري من نحو أرضها إلى هذا المكان، قالوا: الصبا، فقال والله لا أبرح حتى تهب الصبا فأقام في ناحية الجبل ومضوا فامتاروا لهم ولهم ثم أتوا فحبسهم حتى إذا هبت الصبا رحل معهم وفي ذلك يقول:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح متى ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها
وضمن البيت الأول الشيخ صفي الدين الحلي في مليح اسمه نعمان فقال:
أقول وقد عانقت نعمان ليلة ... بنور محياه أنار أديمها
وقد ارسلت الياه نحوي فسوة ... يروج كرب المستهام شميمها
أيا جبلي نعما بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها
أقول وعلى ذكر نعمان والكناية عنه فما ألطف ما ذكره الشيخ بدر الدين حسن بن زفر المتطبب الأربلي في كتابه روضة الجليس ونزهة الأنيس وهو أن بعض الرؤساء قال: أخبرني بعض الأصحاب قال كنت جالساً يوماً عند صديق لي بالموصل إذ جاءه كتاب من بغداد من صديقة له فيه نشوق وفيه هذا البيت عتاب وهو:
تناسيتم العهد القديم كأننا ... على جبلي النعمان لم نتجمعا
فأخذ يستحسن هذا البيت ويهتز له، فقلت له بالله عليك يا فلان أسألك شيئاً ولا تخفه عن، قال سل، قلت هذي معشوقتك صاحبة هذا البيت لأنها ذكرتك فيه بجبلي نعمان وجبلي نعمان كناية عند الظرفاء من الناس عن جانبي كفل المليحة والمليح، فقال والله ما أدركت من هذا البيت الذي أدركت.
стр. 22
وكان لبيد بن ربيعة العامري آلى في الجالهلية أن لا تهب صبا إلا نحر وأطعم الناس حتى تسكن وألزم نفسه ذلك في الإسلام فلما كانت أيام عثمان جعل ديوان لبيد في الكوفة، وخطب الوليد بن عقبة الناس في يوم صبا فقال: معاشر الناس إن أخاكم لبيد آلى في الجاهلية ألا تهب صبا إلا أطعم الناس حتى تسكن وقد ألزم نفسه ذلك في الإسلام وهذا اليوم من أيامه فأعينوه وأنا أول من يعينه، ونزل فبعث إليه مائة بكرة وكتب إليه يقول:
أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل
أشم الأنف أصيد عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل
ووفى الجعفري بما عليه ... على الغلات والمال الثقيل
فلما أتاه الشعر قال لابنته يا بنية أجيبيه فقالت:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا
أشم الأنف أصيد عبشمياً ... أعان على مروته لبيدا
بأمثال الهضان كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم بله معاد ... وظني يا بن أروى أن تعودا
فقال أبوها أحسنت لولا أنك استطعمتيه.
ولبيد هذا صحابي قدم على النبي ﷺ مع قومه بني جعفر بن كلاب وهو صاحب إحدى القصائد المعلقات التي أولها: *عفت الديار محلها فمقامها* وإنما أمر ابنته أن تجيب الوليد لأنه لم يقل شعراً منذ أسلم، وقال بعضهم لم يقل في الإسلام إلا قوله
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقيل: هذا البيت لغيره، وهو أصح.
وقيل هذا البيت الذي قاله في الإسلام بيت عجزه: *والمرء يصلحه القرين الصالح * وقال له عمر ﵁ يوماً يا أبا عقيل أنشدني شيئاً من شعرك فقال: ما كنت لأقول شعراً بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران فزاده في عطائه خمسمائة وكان ألفين.
وقالت عائشة ﵂ رويت من شعر لبيد إثني عشر ألف بيت، وقالت أيضاً رحم الله لبيداً حيث قال:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
قلت: كيف لو أدرك زماننا.
وكان لابن الجوزي رحمه اللته تعالى زوجة اسمها نسيم الصبا فاتفق أنه طلقها فحصل له بعد ذلك ندم وهيام أشرف به على العدم فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه فحين رآها عرفها، فاتفق أنه جاء امرأتان وجلستا أمامه فحجبتاها عنه فأنشد في الحال: *أيا جبلى نعمان بالله خليا* وهذا من جملة لطائفه وظرائفه.
ومنها أنه أنشد في بعض مجالس وعظه:
أصبحت ألطف من مر النسيم سرى ... على الرياض يكاد الوهم يؤلمني
من كل معنى لطيف أجتني قدحا ... وكل ناطقة في الكون تطربني
فقام إليه إنسان وقال فإن كان الناطق حماراً، فقال أقول له يا حمار اسكت.
وقال صلاح الدسين الصفدي: وقال عائشة (رويت من شعر لبيد اثني عشر ألف بيت، وقالت أيضاً رحم الله لبيداص حيث قال:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
قلت: كيف او أدرك زماننا.
وكان لابن الجوزي رحمه الله تعالى زوجة اسمها نسيم الصبا فاتفق أنه طلقها فحصل له بعد ذلك ندم وهيام وأشرف به على العدم فحضرت في بعض الأيام مجلس وعظه فحين رآها عرفها، فاتفق أنه جاء امرأتان وجلستا أمامه فحجبتاها عنه فأنشد في الحال: *أيا جبلي نعمان بالله خليا* وهذا من جملة لطائفه وظرائفه.
ومنها أنه أنشد في بعض مجالس وعظه:
أصبحكت ألطف من مر النسيم سرى ... على الرياض يكاد الوهم يؤلمني
من كل معنى لطيف أجتنى قدحاً ... وكل ناطقة في الكون تطربني
فقام إليه إنسان وقال فإن كان الناطق حماراً، فقال أقول له ياحمار اسكت.
وقال صلاح الدين الصفدي:
صدّق خلي نسمات الصبا ... فيما روت عنكم وما شك
قال لا أخبر منها بما ... جاءت به قلنا ولا أذكى
وقال جمال الدين بن نباتة:
يداوي أسا العشاق من نحو أرضكم ... نسيم صبا اضحى عليه قبول
بروحي من ذاك النسيم إذا سرى ... طبيب يداوي الناس وهو عليل
وقال شهاب الحاجبي (توفي قريباً من سنة سبعين وسبعمائة) :
لاتعبثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها
стр. 23
حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشراً فيا لله ما أذكاها
وقال بدر الدين بن الصاحب:
أسكرتم ريح الصبا بالشذا ... حتى أذاعت سمرنا بالبطاح
لاتعتبوها إن أذاعت هوى ... فما على السكرى بهذا جناح
وقال بدر الدين حسن العربي (ومولده سنة ست وسبعمائة، ووفاته سنة خمس وخمسين وسبعمائة) :
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصبا ... فقد أصبحت حسرى من اليسر ظالعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندا ... ومن تعب أنفاسها متتابعة
ولما أنشدتهما السيد القاضي صدر الدين بن الأدمي فسح الله في أجله (مولده سنة ثمان وستين وسبعمائة) قال: لو قال الشيخ بدر الدين: *فقد أصبحت معتلة وهي ظالعة * لكان أحسن من قوله حسرى، ولعمري صدق فيما قاله.
وما ألطف القاضي أمين الدين عثمان بن عطايا في قوله:
أنا أهوى غصن النقا وهولاه ... وفؤادي بحبه في التيه
يا نسيم الصبا ترفق عليه ... وتلطف به ولا تؤذيه
وتحمل رسالة ليس إلا ... كأمين في حملها ارتضيه
وغذا لم يكن رسولي نسيم ... نحو غصن النقا فمن يثنيه
وللشيخ شمس الدين الواسطي، من متأخري شعراء الديار المصرية من موشحه: نسائم الأسحار * بنشرها الفواح * تحرك الأغصان * لأنها أرواح فقم بنا نسعى * لمربع يانع * للماء والمرعى * فيه غدا جامع قد أطرب السمعا *قمرية الساجع كأنما تكرار * غناه في الأدواح * ضرب من العيدان * لمن غدا أو راح ولمؤلف الكتاب لطف الله به:
إن هبت الأرواح من نحوهم ... فانتشتت الأشباح من راحها
لاتعتبونا في الهوى وأسكنوا ... اشباحنا حنت لأرواحها
ولم أر أحداً وصف الريح غير الأديب أبي القاسم أسعد بن علي الكاتب المترسل في قوله:
كأن شكل الهلال قرط ... أو عطفه النون أو قلامه
كأن لون الهواء ماء ... أو سندس رق أو غمامة
حكي أن نور الدين علي بن سعيد صاحب المرقص والمطرب مر مع جماعة من الأدباء المصريين ومنهم أبو الحسين الجزار فمروا في طريقهم بمليح نائم تحت شجرة وقد هب الهوى فكشف ثيابه عنه، فقال أبو الحسين الجزار قفوا لينظم كل واحد منا في هذا شيئاً، قال فما لبث ان قال نور الدين:
الريح أقود ما يكون لأنها ... تبدي خبايا الردف والأعكان
وتميل بالأغصان عند هبوبها ... حتى تقبل أوجه الغدران
وكذلك العشاق يتخذونها ... رسلاً إلى الأحباب والأوطان
فقال أبو الحسين ما بقي أحد منا يأتي بمثل هذا سيروا بنا.
وقال النور الأسعردي (ووفاته سنة ست وخمسين وستمائة) :
تميل الريح بالأغصان لطفاً ... كما مالت بشاربها العقار
وتجمع بينها من بعد بعدٍ ... وأوراق الغصون لها آزار
وتخفق غيرة عند التلاقي ... فهل أبصرت قواداً يغار
وما أحسن قوله وإن كان في غير ما نحن فيه:
أعدي سقام جفونه ... جسمي وأعدمني الكرا
حتى اعتللت بسرعة ... مثل النسيم إذا سرى
وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ العلامة عز الدين أبي الخير علي ابن أبي الشيخ بهاء الدين الحسين الموصلي تغمده الله بالرحمة:
تغمده الله بالرحمة:
ربَّ نسيم قد سرى ... تحدو سحابا ممطراً
أذياله بليلة ... تخبرنا بما جرى
وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي الشيخ وأخي تقي الدين أبي بكر بن حجة الحموي فسح الله في أجله، من قصيدة تنبوية اولها:
شدت بكم العشاق لما ترنموا ... فغنوا وقد طاب المقام وزمزم
وضاع شذاكم بين سلع وحاجز ... فكان دليل الظاعنين إليكم
ولما روى أخبار نشر ثغوركم ... أراك الحمى جاء الهوى يبتسم
وقال القاضي مجير الدين بن عبد الظاهر:
شكر النسمة أرضهم ... كم بلغت عني تحية
كم قد أطالت بل أطا ... بت في رسائلها الزكية
لا غرو أن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذكية
ومن هنا أخذ صلاح الدين الصفدي قوله وهو حسن عندي:
يا طيب نشر هب لي من أرضكم ... فآثار كامن لوعتي وتهتكي
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا نشر ذكي
وقال شهاب الدين أبي حجلة مخاطباً صلاح الدين:
стр. 24
إن ابن أبيك لم تزل سرقاته ... تأتي بكل قبيحة وقبيح
نسب المعاني في النسيم لنفسه ... جهلاً وراح كلامه في الريح
وكان القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى يحب مغنياً اسمه النسيم وله فيه عدة مقاطيع وقد ذكر بعضها الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة من رقعة كتبها القاضي علاء الدين بن فضل الله في منزلة الأهرام قال: وقد كان تقدم من انعامه ثوب صوف أحمر، ونصفه في يوم ماطر ونسأل الله تععالى أن لا يخلى ذوي العارض الممطر من جاه مولانا العريض وحلل أنعامه التي هي كالدنانير الحمر والدراهم البيض ونصف مبيتة في هذه المنزلة التي أصبحت كليلة اتلقدر عندي ذات أندية وخيامها التي ولو طكان طالعة بها سعد الأخبية وبردها اليابس الذي لم يترك منه رطباً سوى لسانه حين يرجع بالغيث فإن شبت من هوله فالهرم أمامي وإن فرزت من نسيمه فهوى ناقتي خلفي وقدامي.
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها
فلو حكم به على القاضي محيي الدين بن عبد الله الظاهر رحمه الله تعالى وقد حمى بهبوبه الوطيس لاشتغل بنفسه ولترك محبوبه النسيم في الريح المريس وذلك بعد أن قال فيه:
إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
فقلت كأني حاضر أخاطبه:
إن كنت في عشق النسيم متيماً ... وزعمت أن هواه ليس بمتلف
فأنا أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر فيمن اسمه نسيم:
يا من غدا لي من عوا ... صف هجره الريح العقيم
أترى يطيب لي الهوى ... ويقال لي رق النسيم
فقلت له مجاوباً:
بالله إن رق النسيم وأخمدت ... نار تؤجهها يد التبريح
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ودع العذول وقوله في الريح
قلت: وعلى ذطكر الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة رسالته المذكورة في ليلة من جمادى ذات أندية ذكرت ما قاله الشيخ المحدث الرحلة فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس رحمه الله تعالى قال: كان القاضي فخر الدين بن نعمان والقاضبي تاج الدين أحمد بن الأثير (توفي تاج الدين سنة سبكعين وستمائة) صحبة السلطان على تل العجول ولفخر الدين مملوك اسمه الطنبا فاتفق أنه دعى لمملوكه المذكور بالطنبا، فقال له نعم ولم يأته وتكرر طلبه وهو يقول نعم ولم يأته، وكانت ليلة مظلمة مطيرة فأخرج فخر الدين راسه من الخيمة وقال تقول نعم ولم أرك فقال تاج الدين:
في ليلة من جمادى ذات اندية ... لا يبصر الكلب في أرجائها الطنبا
وقال بعض العشاق: ألا يا نسيم الريح مالك كلما ... تدانيت منا زاد نشرك طيبا
أظن سليمى خبرت بسقامنا ... فاعطتك رياها فحييت طبيبا
وكان أبو الفرج الوأواء محمد بن أحمد الدمشقي من حسنات الشام وصناعة الكلام وكان مبدأه منادياً بدار البطبيخ بدمشق قال: قال ابن خلدون كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاص من أموره فقال: مرة يا أبا عبد الله لما دخلت البارحة إلى منزلي استقبلتني جارية من جواري فلم أتمالك دون أن قبلتها فوجدت بين شفتيها هوى لو رقد المخمور فيه لصحا، فكان ذلك مما يستملح ويستظرف من الفتح بن خاقان فسمع الوأواء ذلك فقال:
سقى الله ليلاً طاب إذ زاد طرفه ... فأفنيته حتى الصباح عناقا
بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... فلو رقد المخمور فيه أفاقا
وقال علاء الدين الجويني صاحب الديوان دوبيت:
لله مبيتنا بضوء القمر ... والحب نديمنا وصوت الوتر
قد فرق بيننا نسيم سحراً ... ما أبرد ما جاء نسيم السحر
وما ألطف ما قال سيدي تقي الدين بن حجة أبقاه الله تعالى من موشحة امتدح بها سيدنا ومولانا الإمام العلامة المفنن قاضي القضاة أبي الحسن علاء الدين الشهير بالقصا الحاكم بمدينة حماة المحروسة اسبغ عليه ظلاله مضمناً:
بالله يا برق إن أومضت في الثغر ... وحارس اللحظ في شك من الخبر
قف بالثنيات واذكرني إذا عذبت ... مسهلات عذيب الثغر في السحر
وأرسل عليل النسيم خلفي ... معرفاً بالشذا ومشفى
стр. 25
ولا تقل إنه المعتل في شغل ... فربما صحت الأجساد بالعلل
وللقاضي الفاضل:
يا لمعة البرق بل يا هبة الريح ... روحي بجسمي إلى من عنده روحي
خذي لهم من دموعي عنبراً عبقاً ... وأوقديه بنار من تباريحي
ناشدتك الله غلا كنت مخبرة ... عني بأنهم ذكري وتسبيحي
وذكر الوهراني في أول منامه هذه الأبيات ولم أدر هي له أم لغيره (توفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة) :
أيا نفحة أهدت إليّ تحية ... ينم عليها العرف من أم سالم
مشت في أراك الواديين فنبهت ... به كل نشوان المعاطف ناعم
ألا إنما أحكي بدمعي ولوعتي ... بكاء الغواني وانتحاب الحمائم
حكي عن الأصمعي انه قال: كانت امرأة من العرب تأتي بصبية لها قبل الصبح فتقف على تل عال هناك وتقول: أي بني خذوا صفو هذا النسيم قبل أن تكدره الخلائق بأنفاسها.
ولمؤلف الكتاب لطف الله به قصيدة:
ألا يا نسمة الريح ... وفي أيديك تبريحي
قفي أسألك عن قلبي ... وإن شئت أقل روحي
الباب العاشر
في الفرش والمساند والأرائك
ذكر القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد بن القاضي الرشيد بن الزبير في كتابه (العجائب والطرف والهدايا والتجف) أنه لما عزم المتوكل على إعذار المعتز أمر الفتح بن خاقان بالتأهب لذلك وأن يلتمس في خزائن الفراش بساطاً للإيوان في طوله وعرضه، وكان طوله مائة ذراع وعرضه خمسين ذراعاً، فلم يوجد إلا في ما مضى من بني أمية فإنه وجد في أمتعة هشام بن عبد الملك على طول الإيوان وعرضه، وكان بساطاً لم ير لأحد مثله ابريسمى مذهب مقزوز مبطن فلما رآه المتوكل استحسنه وبسطه في الإيوان بعد أن قوم في أوسط التقويم بعشرة آلاف دينار ونصب للخليفة في صدر للخليفة في صدر الإيوان سرير ومد بين يديه أربعة آلاف مرفع ذهب مرصعة بالجوهر فيها تماثيل العنبر والمسك والكافور المعمول على مثل الصور منها ما هو مرصع بالجوهر مفرداً ومنه ما عليه ذهب وجوهر، وجعلت بساطاً ممدوداً أو قعد المتوكل والناس جلوس وهو على سريره وحضرت القواد والأمراء والندماء وأصحاب المراتب وجلسوا على مراتبهم، ووضعت بين أيديهم من الجانبين وللسماط فرجة وجاء الفراشون بزمل غشيت بأدم مملوء دنانير ودراهم نصفين وصب في تلك الفرجة حتى ارتفعت، وقام الغلمان دونها وأمر الناس بالشرب وأن ينتقل كل من يشرب من تلك الدنانير والدراهم ثلاث حفنات بمقدار ما حملت يداه، وكلما فرغ صب فيه الزمل حتى يرد إلى حالته، ووقف غلمان في آخر المجلس فصاحوا أن أمير المؤمنين أمر أن يأخذ من شاء ما شاء فمدوا أيديهم إلى المال وأخذوه، وكان إذا أثقل الواحد ما في كمه ناوله إلى غلمانه ثم يعود إلى مجلسه، وخلع على من حضر ثلاث خلع حسان على مراتبهم، وأقاموا إلى أن صليت العصر والمغرب وحملوا عند انصرافهم على الخيل والنهارى، وأعتق المتوكل عن المعتز ألف عبد وأمر لكل واحد منهم بمائة درهم وثلاثة أثواب، وكان في حصن الدار بين يدي الإيوان أربعمائة مكبة عليها أنواع الثياب وبين أيديهم مكلة فيها أنواع الفاكهة، وتقدم إلى صاحب الباب أن ينثروا على خدام الدار والحاشية ما كان أعد لهم وهو ألف درهم فلم يقدر أحد على التقاط شيء فأخذ الفتح درهماً فاكب الجماعة على المال فنهبوه وكانت قبيحة أم المعتز بالله قد تقدمت بضرب دراهم عليها مكتوب (بركة من الله وأعذار أبي عبد الله) فضرب ألف ألف درهم نثرت على وجوه الغلمان والشاكرية وقهرمانات الدار والخدام والخاصة من الصبيان والسودان.
وسأل أبو العباس الصولي حرملة المزني كم وصل إليك من إعذار المعتزل فقال: صار إلى أن وضع الطعام نيفاص وثمانين ألف دينار سوى المصاغات والخواتيم والجواهر.
стр. 26
وحضر المجلس محمد المنتصر وأبو أحمد وأبو سليمان ابنا الرشيد، وأحمد وأبو العباس ابنا المعتصم، وموسى بن المأمون وابنا حمدون النديم، وأحمد بن أبي رويم والحسين بن الضحاك، وعلي بن الجهم وعلي بن يحيى المنجم وأخوه أحمد، ومن المغنين: عمرو بن بانة وأحمد بن أبي العلاء والحفصي بن المكي وسلمك الرازي وثمرة وسلمان الطبال والمسدود وأبو حشيشة بن الفضل وصالح الدفاف وزنام الزامر وتفاح الزامر، ومن المغنيات: غريب وبدعه جاريتها وشراب وجواريها وندمان وننغم ونحلة وتركية وقديرة ورائك وعرفان.
قال وأقام المتوكل بالقصر ثلاثة ايام ثم صعد إلى قصره الجعفري وتقدم إلى ابراهيم بن العباس يعمل حساب ما أنفق فاشتمل على ستة وثمانين الف ألف دينار وفضل بعد القسم عن الناس وإخراج الخمس مما في المدائن بساط كسرى أنفذه إلى عمر بن الخطاب (فقسمه بين الناس، فأصاب على قطعة منها بعشرين ألف دينار وما كانت بأجود القطع، وكانت الفرس تسميه القطف وكان طوله ستين ذراعاص في عرض ستين حرير فيه طرق كالصور وفيه فصوص كالأنهار، وخلال ذلك في الأفريز وفي حافاته كالأرض المزروعة المقبلة بالنبات في أوان الربيع في قضبان الذهب والفضة ونواره كالجواهر وأشباه ذلك وشبه فصوص ورسمه بالجواهر وزخرفته بحرير وذهب، وكانوا يدخرونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين وأرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض وكان أفضل ما أصيب بالقادسية وكانت قيمته ستة وثلاثين ألف ألف دينار.
ووجد لم المعتز ثلاث دواويج كانت تستعملهنم فقوم الدواج بأكثر من ألف دينار ووجد لها جلود السمور فتحلق ما عليها من الوبر وترمي الجلود فإذا اجتمع من ذلك ما يكفي الدواج تنثر فيه مع فتت من المسك والعنبر وتجعله بين البطانة والظهارة عوضاً عن القطن.
وقال القاضي الفاضل:
بساط يرى التيجان تهوى للثمه ... فما هو إلا قبلة أو مقبل
إذا نشرت من نقشه لك روضة ... بدا فوقها من كفه لك جدول
وأفضل أجزاء الجسوم رؤوسها ... وأرجلها في وطئ بسطك أفضل
دخل محمد بن عمران علي المأمون ذات ليلة فجعل يأمره وينهاه ثم دعا له بمتكأ فقال أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ما كنت لاتكئ في مجلسك، فقال له إن على قلبك من بدنك ثقلاً ومئونة فأردنا أن يستريح بدنك ليفرغ لنا قلبك.
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً في شبرية:
وهندية موطوءة غير أنها ... إذا افترشت أغرتك بالبيض والسمر
تعانق من أعطافها خبزارنة ... وتلمح من أزرارها طالع البدر
وأعجب من ذا إنها إذ تقيسها ... تفوتك طولاً وهي تعزى إلى شبر
وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ الفاضل بقية المتأخرين شمس الدين محمد بن بركة الجرائحي سلمه الله تعالى (مولده سنة خمس وثلاثين وسبعمائة) :
يقول محدثي لما اضطجعنا ... ووسدني حبيب القلب زنده
قصدتم عند طبيب الوصل هجري ... خذوني تحت رأسكمو مخده
وأنشدني لنفسه أيضاً:
بشحانة تطرزت ... قالت بلفظ موجز
على الحرير قد سما ... قدري والمطرز
وقال الشاعر الظريف محمد بن العفيف:
بساط يملأ الأبصار نوراً ... ويهدي للقلوب به سرورا
ويشرح حين يبسط كل صدر ... وخير البسط ما أرضى الصدورا
وقال ظافر الحداد فيما يكتيب على كرسي:
نزه لحاظك في غريب بدائعي ... وعجيب تشبيهي وحكمة صانع
فكأنني كفا محب شبكت ... يوم الوداع أصابعا بأصبع
стр. 27
وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في كتابه (العجائب والطرف) قال الفضل بن الربيع لما ولى محمد الأمين الخلافة في سنة ثلاث وتسعين ومائة أمرني أن أحصي ما في الخزائن من الكسوة والفرش والآنية والآلة، فاجتمعت كتاب الخزائن وأقاموا أربعة أشهر يحصون، فأشرفت على ما لم أتوهم أن خزائن الخلافة تحويه ثم أمرهم أن يعملوا لكل صنف جملة فكان في خزائن الكسوة أربعة آلاف جبة منسوجة بالذهب وعشرة آلاف قميص وغلالة وعشرة آلاف خف وألفا سروال وكثير من أصناف الثياب وأربعة آلاف عمامة وألف طيلسان وخمسة آلاف منديل من أصناف المناديل وخمسمائة قطيفة خز ومائة ألف وسادة ومخدة خز وألف بساط ملون وألف مخدة ميساني وألف وسادة ميساني وألف بساط طبرستاني وألف وسادة ديباج وألف وسادة خز مرقوم وألف ستر حرير ساذج وثلاثماءة ستر مرقوم وخمسمائة بساط طبري وألف وسادة طبري وألف مرقعة وألف مخدة طبري، ومن الآنية ألف طست ذهب وألف أبريق ذهب وثلاثمائة كانون فضة وذهب وألف نور شمع ذهب وألف قطعة نحاس من سائر الأصناف وألف منطقة ذهب، ثم ذكر السلاح وأصنافه وقد ذكرته في بابه.
الباب الحادي عشر
في الأراييح الطيبة والمروحة وما شاكل ذلك
قال أنس بن مالك (: دخل علينا النبي ﷺ فنام عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورةو فجعلت تسلت فيها العرق فاستيقظ فقال: يا أم سليم ماهذا الذي تفعلين قالت عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب.
وما أحق هذا الطيب بقول القائل وهو الشيخ عز الدين الموصلي:
تنشق مسك أصداغي حلالا ... فهذا الطيب من عرق الجبين
وقال عمر بن الخطاب (: لو كنت تاجراً ما اخترت غير المسك إن فاتني ربحه لم يفتي ريحه.
أهدى عبد الله بن جعفر لمعاوية قارورة من الغالية، فسأله كم أنفق عليها فذكر مالاً كثيراً، فقال هذه غالية فسميت بذلك.
وما أحسن قول أبي بكر الخوارزمي (توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة) :
وطيب لا يحل بكل طيب ... يحيينا بأنفاس الحبيب
متى تشمه أنف حن قلب ... كأن الأنف جاسوس القلوب
وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز (مسك للمسلمين فيأخذ بأنفه لئلا يصيب الرائحة ويقول: وهل ينتفع إلا بريحه.
وقال جعفر بن سليمان الهاشمي في الطيب أربع خصال: لذة ومروة ومنفعة وسنة.
ولما دخل عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك بن مروان ابنة عمه أوقد في مسارجها تلك الليلة الغالية فقوم ثمن ذلك فبلغ عشرين ألف دينار.
ناديرة: تبخر بعض الأمراء وعنده مزيد ففطرت منه رويحة خفيفة وأراد أن يدري هل فطن لها مزيد، فقال ما اطيب هذه المثلثة، فقال نعم إلا انك ربعتها.
سئل جالينوس عن منافع الطيب فقال: المسك يقوي القلب، والعنبر يقوي الدماغ والكافور يصلح الرئة، والعود يقوي المعدة، والغالية تحلل الزكاة، والمثلث ينشف العرق.
وقال ضياء الدين المناوي في المسك:
المسك أنفس طيب ... مثل الشباب وزينه
إن كان للطيب عين ... فالمسك إنسان عينه
وله في العود:
المندلىّ كريم ... سقيا له ولغرسه
لما أراد يرينا ... للهند نسبة جنسه
غدا على النار ملقى ... يجود فيها بنفسه
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
تجادلنا أماء الزهر أذكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف
وعبقي ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد حصل الوفاق على الخلاف
ولبعضهم في مبخرة:
عطرت مجلسي بنية طيب ... أعربوا شكلها بحسن البخاري
وإذا اعتل للنسيم بخار ... اسندوا نحوها صحيح البخاري
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة فيها:
ومبخرة تحكي المتيم في الهوى ... تبوح بما تلقاه من شدة الكرب
تقةول وقد نمت بعرف بخورها ... أأكتم ما ألقاه والنار في قلبي
ولمؤلفه لطف الله به وإن كان مقصودنا:
مذ باعني بالآس لا ... بالبان من أعطافه
حكموا بصحة بيعه ... مع علمهم بخلافه
وله:
سرحت مشطي سائلاً ... تصحيف قولي غاليه
إن لم تجد برخيصها ... فالنار منها غاليه
وقال الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا:
حكيت في اللطف نسج العنكبوت على ... أني ظهرت لكم من جوهر قاسي
стр. 28
يكاد أن لا يراني غير ذي نظر ... من اللطافة إلا طيب أنفاسي
صفة غالية لذيذة يؤخذ مسك جيد جزء وعنبر ربع جزء ومسك جزآن وسنبل الطيب جزء يسحق الجميع ناعماً ويعجن بدهن بان ويرفع ويستعمل.
صفة ند له في تفريح القلب أمر عجيب وفعل بالغ غريب. يؤخذ عنبر جيد فيوضع في إناء مسطح من نحاس على نار ويصب عليه شيء يسير من ماء ورد ويترك إلى أن يلين ويدعك ويعلق به وزنه مسك جيد ومثل نصف وزنه عود مسحوقاً ويدعك دعكاً جيداً ويبسط على رخامة ويقطع قطعاً ويبخر به فإنه عجيب في تقوية القلب والقوة وإحداث التفريح صفة ذريرة منسوبة إلى جعفر البرمكي وكان كثير التبخير بها في أكثر ساعات نهاره وليله: يؤخذ سليخة وقرنفل وفاغرة من كل واحد جزء وسنبل الطيبب وقسط مر وصندل مقاصيري وعود وكبابة وفاقلة من كل واحد نصف جزء وزعفران ربع جزء يدق الجميع ناعماً ويوضع في إناء من صيني ويسقى بماء الورد وماء القرنفل والنمام وماء الآس كل يوم مدة ثلاثة أيام، ثم يترك إلى أن يجف ويسحق ناعماً ويضاف إليه كافور ومسك ويتبخر به.
نقلت هذه الصفحة من كتاب (مفرج النفس) تأليف الحكيم الفاضل بدر الدين مظفر بن قاضي بعلبك الذي ألفه للأمير الفاضل سيف الدين عمر بن قول المشد تغمده الله بالرحمة.
القول في المروحة: وهي ثلاثة أنواع: مروحة الخيش، ومروحة الأديم، ومروحة الخوص، ومن أحسن ما سمع فيها قوله عرقلة:
ومحبوبة في القيض لم تخل من يد ... وفي القر يسلوها أكف الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقاً ... أتت بالهوى الممدود من كل جانب
وقال ابن معقل:
ومروحة أهدت إلى النفس روحها ... لدى القيض مثبوتاً بإهداء ريحها
روينا عن الريح الشمال حديثها ... على ضعفه مستخرجاً من صحيحها
وقال نور الدين على ابن صاحب تكريت ولله دره:
يا سائلي عن نسيم طىّ مروحة ... أهدت سروراً بترجيع وترويح
أما ترى الخوص أهدى من مراوحه ... ما أودعته قديم نسيمة الريح
قلت: وعلى ذكر الخوص فما أحسن ما قاله الشيخ برهان الدين القيراطي في وصف النوق:
صاح هذي قباب طيبة لاحت ... وفؤادي على اللقاء حريص
وتبدت نخيلها للمطايا ... فعيون المطي للنخل خوص
قال أبو الفوارس سوار بن إسرائيل الدمشقي (مولد ابن إسرائيل سنة ثلاث وستمائة ووفاته سنة سبع وسبعين وستمائة) : كنت عند صلاح الدين يوسف بن أيوب فحضر إليه رسول صاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ومعه قود وهدايا فلما جلس أخرج من كمه مروحة بيضاء عليها سطران من نساجة السعف الأحمر وقال الشريف لخدم السلطان خذ هذه المروحة فما رأيت أنت ولا أبوك ولا جدك مثلها فاستشاط السلطان صلاح الدين غضباً فقال الرسول: لا تعجل بالغضب قبل تأملها وكان صلاح الدين ملكاً حليماً فإذا فيها مكتوب:
أنا من نخلة تجاور قبرا ... ساد من فيه سائر الناس طرا
شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أقرا
وإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد رسول الله ﷺ ، فقبلها صلاح الدين ووضعها على وجهه.
وقال بعضهم فيها:
إنني أجلب الريا ... ح وبي يذهب الخجل
وحجاب إذا الحبي? ... ?ب ثنى الرأس للقبل
وأما مروحة الأديم فإنها على نوعين أحدهما مستديرة إلا موضع النصاب لا غير، والأخرى مستديرة، ثم يقطع ربع دائرتها التي تلي الوجه.
وفيها يقول ابن خروف:
ومروحة إذا تأملتها ... ترى فلكاً دائراً باليد
وتطوي وتنشر من حسنها ... فتشبه قنزعة الهدهد
وأما مروحة الخيش فقد ذكرها الحريري في المقامات حيث قال: اسمعوا وقيتم الطيش ومليتم العيش وأنشد ملغزا في مروحة الخيش:
وجارية في سيرها مشمعلة ... ولكن على أثر القفول قفولها
لها سائق من جنسها يستحثها ... على أنه في الاحتثاث سليها
ترى في أوان القيض تنطق بالندا ... ويبدو إذا ولي المصيف قحولها
стр. 29
قال الشريشي في شرح المقامات: هذه المروحة تكون شبيه الشراع للسفينة وتعلق في سقف ويشد بها حبل تدير به مشيها وتبل بالماء وترش بماء الورد، فإذا أراد الرجل في القائلة أن ينام جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجيء فيهب على الرجل منها نسيم بارد طيب الريح فيذهب عنه أذى الحر ويستطب وهي فوقه ذاهبة وجائية؛ ولذلك سماها جارية.
ومشمعلة سريعة الذهاب وقفولها رجوعها والسائق الشريط الذي يسوقها إذا جذبت به يستحثها يستعجلها ومن جنسها أي هو من كان مثلها رسيلها أي يرسل معها لزاوية البيت، وترجع معها أو إن القيض وقت الصيف وتنطف تقطر، وقحولها يبسها انتهى. كلام الشريشى.
قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: وهذه المروحة محدثة في زمن بني العباس وكان سبب حدوثها أن هارون الرشيد دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي في قيض شديد فألقاها قد صبغت ثياباً من زعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف فجلس هارون قريباً من الثياب المنشورة فجعلت الريح تمر على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة فوجد لذلك راحة من الحر واستطابة، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثله على الوجه المشروح في كلام الشريشى فاشتهرت واستعلمها الناس.
ومن ملح ألغاز الصاحب بن عباد فيها قوله لأبي العباس الحارث في يوم قيض ما يقول الشيخ في قبله فلم يفهم عنه اراد في قلب الشيخ وهو خيش وقال السرى الرفاء:
وخيش كما نجرت ذيول غلائل ... مصندلة تختال فيها الكواعب
وقد اطلعت فيها الشمائل وأنشدت ... مقبلة في جانبيها الحبائب
الباب الثاني عشر
في الطيور المسمعة
القول على الببغاء وهو طائر هندي وحبشي دمث الخلق ثاقب الفهم له قوة على حكاية الأصوات وتلقى التلقين، تتخذه الملوك في منازلهم لينم بما يقع فيها من الأخبار، وفي لونه الأغبر والأخضر والأسود والأحمر والأصفر والأبيض، وقد أهديت لمعز الدولة هدية من اليمن فيها ببغا بيضاء سوداء المنقار والرجلين وعلى رأسها ذؤابة فستقية وكل هذه الألوان معدومة خلا الأخضر، وفي طبع هذا الطائر أنه يتناول طعامه برجليه كما يتناول الإنسان الشيء بيده وله منقار معقق يكسر به الصلب وينقب به ما يعسر نقبه، يتزاوج ويتعاشق ويسكن الذكر إلى أنثاه وله عفة في مأكله ومشربه ومنكحه، ليس بشره ولا أشر وهو بمثابة الإنسان الظريف، والناس يحتالون على تعليمه بأن ينصب له تجاهه مرآة بحيث يرى خياله فيها ويتكلم الإنسان من ورائها فيتوهم أن خياله في المرآة وهو المتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من صوت الإنسان.
الوصف: كتب أبو اسحاق الصابي إلى أبي الفرج أبياتاً في الببغاء منها (توفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة) :
زارتك من بلادها البعيدة ... واستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوزا والأرز ... والضيف في أبياتنا يعز
تراه في منقاره الخلوقي ... كلؤلؤ بالعقيق
ينظر من عينين كالفصين ... في النور والظلمة بصاصين
يميس في حلته الخضراء ... مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة حذروها الأقفاص ... ليس لها من حبسها خلاص
فأجابه بأبيات منها:
وحسن منقار أشم قان ... كأنما صيغ من المرجان
صيرها أفرادها في الجنس ... بنطقها من فصحاء الأنس
يحكي الذي تسمعه بلا كذب ... من غير تغير لجد أو لعب
ذات غشا تحسبه ياقوتاً ... لاترضى غيير الأرز قوتا
كأنما الحبة في منقارها ... حبابة تطفو على عقارها
أقدامها ببأسها الشديد ... أوقعها في قفص حديد
وهذه المذكورة تسمى في هذه البلاد الدرة.
стр. 30
ومن ظريف ما سمعته فيها قول الشيخ الإمام العالم النحوي المفنن زين الدين عمر بن المظفر أبي الفوارس الشهير بابن الوردي رحمه الله تعالى فبينما الطاوس مصغ إلى الياسمين وهو على ما ساقه الذنب على ساقه حزين وإذا بدرة خضراء لا بل درة عذراء تقول أف لطاوس الطير من طاوس القراء أيها الطاوس اطريد المعكوس الشريد شغلك ظاهر الثياب عن باطن العيوب إن الله لا ينظر إلى الثياب ولكن ينظر إلى القلوب هلا شغلت بمداواة أمراضك عن بساتينك وغياضك ولم لا أفنيت عن ملبوسك وعجبك ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك شاركت آدم في الخروج من الجنة والأسف عليها فشاركه في التوبة والاستغفار والعودة إليها، على أن آدم خرج من الجنة قهراً ليزرع في الأولى ما يحصده في الآخرة وأما أنا أيها الطاوس فإني رأيت نفوس البشر أشرف النفوس كرمهم الرب وفضلهم وخلق الموجودات لهم فشاركتهم نطقاً وزرقاً ونادمتهم ونديم السعداء لا يشقى فسبحان من بيده الخير المؤلف بين البشر والطير ومن أعجب أحوالي أن الصمت محمود أفعالي لأني طائر ضعيف ولا أقاس على البشر في التكليف:
غائب في القلب حاضر ... كاسر للصب جابر
أنا من خوف جفاه ... واقع والقلب طائر
أنا بالمحبوب فخرى ... فانتصب يا من يفاخر
أنا من جودة فكري ... عرفت باسمي الجواهر
ها أنا الدرة فأعرف ... قيمتي إن كنت تاجر
القول على القمري: سمي بذلك لبياضه وحكاية صوته وهو يضحك كما يضحك الإنسان ومن طبعه أنه شديد المودة والرحمة.
أما مودته فإنه يفرخ على فنن من أفنان شجرة كلها أعشاش لأبناء جنسه يصاحبها كل يوم ولا يعتزل اعتزال الغراب.
وأما رحمته فإنه يربي ولده ويعف عن أنثاه مادام ولده صغيراً، وهو يطاعم أنثاه وتطاعمه ويظهر منه عليها، وله وفيه من المروءة أنه متى تزوج لايبتغي بأنثاه بدلاً.
وله اعتناء بنفسه وإعجاب بها ومن عادته أنه يعمل عشه في طرف فنن دائم الاهتزاز احترازاً على فرخيهخ ليلاً يسعى إليه من الحيوان الماشي ما يقتلها.
الوصف قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً فيه: ما معمي رأيته * في عداد المطير * كم له من مترجم * كم له من مشجر كم له من كآبة * ظهرت بالتدبر * كم خواف له بدت * لا لتماح المبصر كله معجم وان * زال بعض له قرى ذكرت بقوله كم خواف له ما أنشدنيه من لفظه لنفسه ونقلته من خطه المعز الأشرف المرحوم أوحد الدهر ونخبة العصر القاضي أمين الدين محمد الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام المحروس من قصيدة امتدح بها المعز الصاحب المرحوم فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس ناظر الدولة الشريفة بالديار المصرية سامحه الله تعالى أولها:
جفون من تأرقها دوامي ... مدامعها تفيض على الدوام
ويقول في آخرها:
قوادمها ينرن ولسن عنه ... خواف تحت أجنحة الظلام
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:
تنفس الصبح فجاءت لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيه
وأطربت في العود قمرية ... وكيف لا تطرب عوديه
وأنشدني سيدي القاشي شهاب الدين بن حجر فسح الله في أجله من لفظه لنفسه بتاريخ ثالث عشر ربيع الأول من شهور عام اثنين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة بمنزله عمره الله ببقائه بحارة بهاء الدين:
تخيرت رسلاً سرنا عندهم خفا ... إليكم وتلك الرسل فهي الحمائم
إذا قدمت مني عليكم فيا لها ... خوافي سر حملتها قوادم
وأما الفاخت فهي عراقية وليست بحجازية وفيها فصاحة وحسن صوت وصوتها في الحجازيات يشبه صوت المثلث وفي طبعها تأنس بالناس وتعشش بالدور وهذا الحيوان يعمر وقد ظهر منه ما عاش خمساً وعرشين سنة وما عاش أربعين سنة على ما حكاه أرسطو.
الوصف: أنشدني من لفظه لنفسه إجازة أوحد المتكلمين العالم المفنن فريد الدهر المرحوم القاضي أمين الدين الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس ملغزاً في فاختة:
وما طائر يهوى الرياض تنزها ... ويسوح في أفنائها ويغرد
هجاء اسمه خمس حروف تعدها ... وخمساه حرف إن تأملت مفرد
وبعدهما تصحيف باقية إن ترد ... بياناً له أفعى يبين ويشهد
وفيه أخ إن تهت عنه فأخته ... تدل على ما قد عنيت وترشد
стр. 31
قلت: أنشأت هذا اللغز الظريف التركيب للشيخ العلامة بقية السلف الصالح زين الدين أبي بكر بن عثمان الشهير بابن العجي بمنزلة بمدرسة الكاملية بشارع بين القصرين عند ارتحالي في أوائل سنة خمسة وتسعين وسبعمائة فأجاب بهذه الأبيات:
ايا من له مجد أثيل وسؤدد ... غدا دون مرماه سماك وفرقد
تفيد يسار المقترين يمينه ... ويسراه من يمنى الغمامة أجود
سؤالك عن أنثى طروب ولم تزل ... على عودها في الروض تشدو وتنشد
وتجذبني بالطوق حين نشيدها ... لنحو التصابي لا أطيق أفند
يطير بها نحو النجاح جناحها ... فتبلغ
ما تختار ثم وتقصد
وفي بطن أنثى لم تصور وإنما ... تصورها من جنسها من يرفد
تذكرني تدركاها أم هانئ ... فتشرف في نفسي إذا وتمجد
ومذ بان منها الطرف أمست بعكسها ... تخاف الردى ممن لها يترصد
وإن حذفت ثاني الأخير فإنه ... على الحذف خاف بل يلوح ويشهد
وأولها مع مايليه وطرفها ... لنا فاه بالمعنى الذي منه يقصد
وحرفان منها فرد حرف لناطق ... وأف لمن للعكس من ذاك يجحد
وتفتح فاها حين يفقد ثالثاً ... وثالثه يخشاه من يتصيد
فخذه مبيناً مغيضاً عن إساءتي ... فإنك للإحسان أهل ومقصد
بقيت بقاء الدهر عزك باذخ ... وفي مفرق الجوزا لوءاك يعقد
ولا زلت في الدنيا سعيداً مملكاً ... حظك في الآخرة النعيم المخلد
وأما الشعين وهو الذي تسميه العامة اليمام وصوته في الترنم كصوت الرباب في الأوتار صوتاً محزوناً جداً وهي متى اختلطت مع أصواتها غيرها حسنت وأما مفردة فلا لأن الزأر مستحسن مع الغناء وغير مستحسن وحده.
وفي طبعه أنه متى فقد أنثاه لم يزل عزباً يأوي إلى بعض فراخه حتى يموت، وكذلك الأنثى إذا فقدت الذكر.
وفي تركيبه أنه إذا سمن سقط ريشه وامتنع من السفاد فهو لذلك لا يشبع نفسه.
وهو طائر ساكن جداً وقد ألهم أنه يحترس من أعدائه بالسوسن يتخذه في وكره.
الوصف: ولنذكر الآن ما وقع للشعراء في أصواتهن جملة لا تفصيلاً فمن ذلك قول الحسام الحاجري (توفي مقتولاً سنة اثنتين وثلاثين وستمائة) :
إني لا اعذار في الأراك حمامة الش? ... ِادي كذلك تفعل العشاق
حكم الغرام الجاجري بأسرها ... فغدت وفي أعناقها أطواق
قال القاضي الفاضل:
لو كنت جاوبت الحمائم نائحاً ... قال الوشاة إذاع سرك بائحاً
سل طائراً صدع الفؤاد بسحره ... أتراه غرد صادعاً أم صادحاً
يا ضعف من أمسى الفريسة في الهوى ... وغدا الحمام له هنالك جارحاً
وقال المناري:
لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحا
شجى قلب الخلى فقيل غني ... وبرح بالشجى فقيل ناحا
قلت: وبعد هذين أبيات فلا بأس بذكرها وإن لم يكن مما نحن فيه:
وكم للشوق في أحشاء صب ... إذا اندملت أجد لها جراحاً
ضعيف الصبر عنك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحاً
كذاك بنو الهوى سكرى صحاة ... كأحداق المهى مرضى صحاحاً
قلت: ولهذه الأبيات حكاية غريبة نقلتها من خط الحافظ اليعموري (ولد سنة ستمائة وتوفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة) روى أن أبا نصر المناري المذكور واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري وهو في الشام في جماعة من الأدباء فأنشده كل واحد من شعره ما تيسر حتى أنشده المناري أبياتاً له في وصف واد وهي:
وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحة فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا ... أرق من المدامة للنديم
يصد الشمس أنَّا واجهتنا ... ويحجبها ويأذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
فقال ابو العلاء: أنت اشعر من بالشام، ثم رحل إلى بغداد فدخل المناري عليه في جماعة من أهلها من الأدباء وأبو العلاء لا يعرف منهم أحداً فأنشده كل واحد ما حضره من شعره حتى جاءت نوبة المناري فأنشده لنفسه الأبيات المتقدمة فقال أبو العلاء ومن بالعراق إشارة إلى قوله من بالشام (توفي المناري سنة سبع وثلاثين وأربعمائة) .
стр. 32
وقال الشيخ صفي الدين الحلي:
وبشرت بوفاة الليل ساجعة ... كأنها في غدير الصبح قد سبحت
مخضوبة الكف لاتنفك نائحة ... كأن أفراخها في كفها ذبحت
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر:
نسب الناس لحمامة حزناً ... وأراها في الحزن ليست كذلك
خضبت كفها وطوقت الجي? ... ?د وغنت وما الحزين كذلك
وقال جمال الدين محمد بن نباتة:
ما لي نديم سوى ورقاء ساجعة ... من بعد مغتبقي فيكم ومصطحبي
إذا أدار إدكار الوصل لي قدحاً ... من احمر الدمع غناني على قدحي
وله:
ناجتك من مغنى دمشق حمائم ... في دف أشجار تشوق لطفها
فإذا أشار لها النديم بلطفه ... غنت عليه بجتكها وبدفها
وقال علاء الدين الوداعي:
وفي أسانيد الأراك حافظ ... للعهد يروي صبره عن علقمه
وكلما ناحت به حمامة ... روى حديث دمعه عن عكرمه
وقال بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي:
وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن اسحاق
قامت تطارحني الغرام جهالة ... من دون صحبي بالحمى ورفاقي
أنا تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقي
وأنا الذي أملى الهوى عن خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
وقال ناصح الدين الأرجاني (ولد سنة ستين وأربعمائة، وتوفي سنة أربعين وخمسمائة) :
من كل أخطب مسكي الإهاب له ... في منبر الإيك تسجاع وتهدار
خطيب خطب وقد أفنى السواد به ... فمن بقيته في الجيد أزوار
قلت: وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى:
مذغنت الورق على عيدانها ... كم خلع الجو عليها من ملح
تدرعت سحبا وخاضت شفقا ... وطوقت أعناقها قوس قزح
وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
ذات طوق وذات ريق تغني ... فتثني بالوجد من ليس يدري
زيفت ثم كاشفتنا فقلنا ... لك زيق وزيق بالقفر
مانراها قد حدثت خاطر النه? ... ?ر بما قد جرى وما منه يجري
وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي وأخي تقي الدين أبي بكر بن حجة:
ناحت مطوقة الرياض وقد رأت ... دمعي تلون بعد فرقة حبه
لكن بتلوين الدموع تباخلت ... فغدت مطوقة بما بخلت به
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:
ناحت حمام البان أن تاهت أسى ... لم أدر ما غناؤها من شوقها
عجماء لا تظهر حرفاً من شجى ... لأنها مخنوقة بطوقها
وقال أيضاً:
وذات طوق على الأغصان تذكرني ... قوام حسنك في ضمى لمعتنقك
قد سودت مهجتي نوحاً فقلت له ... سواد قلبي يا ورقاء في عنقك
وقال الأمير مجير الدين بن تميم:
لم أنس قول الورق وهي حبيسة ... والعيش منها قد أقام منغصاً
قد كنت ألبس أخضرا من أغصن ... فلبست منها بعد ذاك مقفصا
وقال الأمير سيف الدين المشد في قفص:
أنا للطائر سجن ... أقتنى كل مليح
قضب البان ضلوعي ... وحمام الأيك روحي
وله على لسان الطائر:
يا غصون البان ماذا ... بلغ الأحباب عني
ما شجاهم طول نوحي ... ما كفاهم فرط حزني
حبسوني عن مطاري ... لا لمعنى ولفن
غير أني كنت مهماً ... يشرب الراح أغنى
ولمؤلفه لطف الله به من قصيدة:
حمام الأيك أسعدني ... فإني حلف تبريح
وحزني حزن يعقوب ... فأبكى الصب أو نوحي
وأما الديك فمت ورد فيه أن النبي ﷺ قال: الديك الأبيض صديقي وعدو عدو الله يحرس دار صاحبه وسبع دور حوله وكان يبيته معه، وزعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في أهله وماله.
قيل: والفرخ يخلق من البياض والصفرة غذاؤه، وقيل ليس في الدنيا أبخل من أهل مرو حتى إن الديك ينزع الحبة من أفواه الدجاج مع أن العادة خلاف ذلك وكأن ماء مرو يقضي ذلك فيسري في جميع حيوانها.
كان مروان ابن أبي حفصة من أبخل الناس مع يساره وما أصابه من الخلفاء لاسيما من بني العباس فإنه كان رسمه أن يعطوه لكل بيت يمدحهم به ألف درهم.
стр. 33
قال دعبل: كنت عنده في بعض الأيام أنا وجماعة فأخذنا في الحديث وطال المجلس حتى أضر به الجوع فدعاه بغداه فأتى بصحيفة فيها مرق ولحم ديك قد هرم لا تجز فيه السكين ولا يؤثر فيه ضرس فأخذ قطعة من خبز فحسا بها جميع المرق وفقد رأس الديك فبقي مطرقاً ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال له أين الرأس فقال رميت به قال ولم قال لم أظنك تأكله قال ولم ظننت ذلك والله إني لامقت من يرمي برجله فضلاً عن رأسه والرأس رئيس وفيه الحواس الخمسة ومنه يصيح الديك وفيه عيناه التي يضرب بها المثل فيقال شراب مثل عين الديك ودماغه عجب لوجع الركبة فإن كان بلغ من جهلك أن لا تأكله فعندنا من يأكله فانظر أين هو، فقال والله لا أدري أين رميت به، فقال لكن أنا أدري اين رميت به.. في بطنك.
وكان أيضاً لا يأكل اللحم حتى يجوع فإذا جاع أرسل غلامه فاشترى له رأساً فأكله فقيل له لا نراك تأكل إلا الرءوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك فقال نعم الرأس أعرف سعره فلا يستطيع الغلام أن يخونني فيه وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مس عيناً أو اخذ أذناً وقفت على ذلك وآكل منه ألواناً شتى، آكل عينيه لوناً ودماغه لوناً ولسانه لوناً فقد اجتمعت لي فيه مرافق.
نادرة: قال أبو حاتم الأصمعي قدمت بغداد فدخلت مسجداً يحضره جماعة فسألني بعضهم عن قوله تعالى: (يوجد آية) ما يقول للواحد قلت "ق" قال فالاثنين قلت "قيا" قال فللجماعة قلت "قوا" قال فاجمع الثلاثة قلت قِ قيا قوا وفي ناحية المسجد جماعة فمضوا إلى صاحب الشرطة فقالوا له إن هنا قوماً زنادقة يفسرون القرآن على صياح الديك فما شعرنا إلا بأعوان فأحضرونا بين يديه فأعلمته ما سئلت فعنفي وأمر بضرب أصحابي عشرة عشرة.
وما أحسن قول بعضهم فيه:
قد قلت شعراً مليحاً ... فسره لي يا مليكي
أكلت ديكاً وديكاً ... وليس لي غير ديك
وقال ابن المعتز فيه (مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، ووفاته سنة ست وتسعين ومائتين) :
بشر بالصبح طائر هيفاً ... مسترقيا للجدار مشترفا
مذكراً بالصبوح صاح بنا ... كخاطب فوق منبر وقفا
صفق أما ارتياحه لسنا الصب? ... ?ح وأما على الدجى أسفاً
ولله أبو علي بن رشيق (توفي سنة وستين وأربعمائة) حيث مزق عنه جلباب الممادح وتركه من شمل الذم في الزي الفاضح فإنه قال:
قام بلا عقل ولا دين ... يخلط تصفيقاً بتأذين
منبه الأحباب من نومهم ... ليخرجوا في غير ما حين
بصرخة تبعث موتي الكرى ... قد أذكرت نفح سرافين
كأنها في خلفه عضة ... أعضه الله بسكين
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي من رسالة منطق الطير فصاح الديك هاأنا أناديك أنا قد أذنت فأقم الصلاة أنت هذا أوان صف الإقدام ووضع الحياة ومن أحسن قولاً ممن دعى إلى الله كم أوقظك وبانقضاء الأوقات أعظك فأشفق عليك بصياحي وأرفرف عليك بجناحي أقسم لك الوظائف بلا حساب وأعرف المواقيت بغير الاصطرلاب أنهاكم عن معصية الله بخروج الوقت فلا تعصوه والله بقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فمن أدعى حسن الصحبة، فليؤثر كإيثاري ولا يختص من رفاقه بحبه كم منحت أهل الدار أخائي ووليتهم ولائي وهم يذبحون أبنائي ويستحيون نسائي.
الباب الثالث عشر
في الشطرنج والنرد وما فيهما من محاسن مجموعة
стр. 34
قال الشيخ شمس الدين خلكان في تاريخه رأيت خلقاً كثيراً يعتقدون أن الصولي هو واضع الشطرنج وهو غلط وإنما واضعه صصه بصادين مهملتين أحدهما مكسورة والثانية مشدودة مفتوحة وفي الآخر هاء ساكنة وأدزشير بن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة هو الذي وضع النرد ولذلك قيل النردشير نسبوه إليه وازدشير لفظ عجمي تفسيره بالعربي دقيق وحليب فأزد دقيق وشير حليب وقيل دقيق وحلاوة وقيل هو بالزاي لا بالراء وضعه مثالاً للدنيا وأهلها فرتب الرقعة اثني عشر بيتاً بعدد شهور السنة والمهارك ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر والفصوص مثل الأفلاك ورميها مثل تقبلها ودورانها والنقط فيها بعدد الكواكب السيارة كل وجهين منها سبعة الشش ويقابله إليك والبنج ويقابله الجو والجهار ويقابله السا وجعل ما يأتي به اللاعب من النقوش كالقضاء والقدر والجهار تارة له وتارة عليه وهو يصرف المهارك على ما جاءت به النقوش لكنه إذا كان عنده حسن نظر عرف كيف يتأتى وكيف يتحيل على الغلب وقهر خصمه مع الوقوف عندما حكمت به الفصوص.
ولما تم وضعه واشتهرت افتخرت به الفرس وكان ملك الهند يومئذ بلهيث فوضع له صصه المذكور الشطرنج فقضت حكماء ذلك العصر بتفضيله على النرد ولما عرضه على الملك وأوضح له أمره سأله أن يتمنى عليه عدد تضعيف بيوته قمحاً فاستصغر الملك ذلك من همته وأنكر عليه ما قابله من النزر القليل في ذلك فقال له ما أريد غير ذلك فأمر له بذلك فلما حسب أرباب الديوان ذلك قالوا للملك ما عندنا ما يقارب القليل منه فأنكر ذلك فأوضحوا له بالبرهان فأعجبه الأمر الثاني أكثر من الأول.
قال القاضي شمس الدين بن خلكان ولقد كان في نفسي حزازة من هذه المبالغة حتى اجتمع بي بعض حساب الإسكندرية وذكر لي طريقاً يبين لي ما ذكروه وأحضر لي ورقة بصحبة ذلك وهو أنه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر فأثبت اثنين وثلاثين ألف وسبعمائة وثمانية وستين حبة وقال نجعل هذه الجملة مقدار قدح وقد عبرتها فكان الأمر كما ذكروه والعهد عليه في هذا النقل ثم ضتعف السابع عشر إلى البيت العشرين فكان فيه ويبة ثم انتقل من الوبيات إلى الأردب ولم يزل يضعفها حتى انتهى في البيت الأربعين إلى مائة ألف أردب وأربعة وسبعين ألف أردب وسبعمائة اثنين وستين أردباً وثلثي أردب وقال في هذا المقدار شونة ثم ضاعف الشون إلى بيت الخمسين فكانت الجملة ألفا وأربعة وعشرين شونة ثم قال هذا المقدار مدنية ثم إنه ضاعف إلى البيت الرابع والستين وهو آخر الأبيات فكانت الجملة ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربعاً وثمانين مدينة وقال يعلم لأنه ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد انتهى.
قال أبو عبد الله محمد بن الأكفاني إذا جمع هذا هرماً واحداً مكعباً كان طوله ستين ميلاً وعرضه كذلك وارتفاعه كذلك بالميل الذي هو أربعة آلاف ذراع بالعمل الذي هو ثلاثة أشبار معتدلة على أن الأردب المصري مساحته ذراع مكعب وزنه مائتان وأربعون رطلاً وكل رطل مائة وأربعة وأربعون درهماً والدرهم أربعة وستون حبة من القمح.
قال عمر بن الخطاب (وقد ذكر عنده الشطرنج إني لأعجب من ذراع في ذراع يديرها الحكماء مذ وضعت لم يقفوا لها على غاية.
قيل سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يروا القتال فإذا تنازعوا في كورة او مملكة تلاعبا بالشطرنج فيأخذها الغالب من غير قتال.
ذمها: ذكر الصولي في كتابه كتاب شعراء مصر أن خرسان الشاعر كان حاذقاً بلعب الشطرنج فعابها الحسين الجمل مكائده له فقال صاحبها أبداً مشغول بهموم يحلف بالله كاذباً يعتذر مبطلاً ويشتم نفسه ويسخط ربه وكل صناعة يجوز المكاثرة فيها غيرها فإن صاحبها يغلب في ساعة فيقضي دعواه وهو لعب الصائم إذا جاع والعامل إذا عزل والمخمور حتى يفيق وإنما يهزم خشب خشباً ثم عن الرجل يسأل عن غلامه فيقال له هو يلعب فيضربه ولايستحي أن يقول قم حتى نلعب وهو يلاعبه وأن تقول في الكناس ما أحذقه وفي الطنبور ما اضربه وإذا اعترف عن الشطرنج قلت ما ألعبه فما يقول في صناعة العبارة عن الكناس أحسن من العبارة عن صاحبها.
قال الجاحظ: سمعت النظام يقول في الشطرنج غنيان عجزاً عن الأدب فتلاعباً بالخشب.
دخل أبو العبيس على أبي تمام وهو يلعب بالشطرنج وكان وسخاً فقال ما أوسخ هذا الشطرنج فقال أبو تمام واللعب أوسخ.
стр. 35
نادرة: حكي أن بعضهم كان إذا لعب الشطرنج ضارب خصمه فوصف لبعض الظرفاء فقال أنا ألتزم اللعب معه وما يحصل بيننا ضراب فلما أتى به ولعبا قال له في أثناء اللعب شاه استر فقال مليح والله القرنان أنت والقواد أنت فقال يا أخي ما الذي قلت لك قال قلت استر وهي اشتر وما يشتر إلا الجمل والجمل تصحيفه حمل والجمل اسم نجم في السماء يقاربه الجدي والجدي كبش والكبش القرنان هو الذي يقود فقال يا أخي ما رأيت من يضارب بتصحيف وتفسير إلا أنت.
نادرة: سأل بعض الأكابر إنساناً فقال تعرف اللعب بالشطرنج فقال لا والله يا مولانا ولكن لي أخ اسمه عز الدولة وهو أخي لأمي أكبر مني بسنتين وأكبر بشيء يسير كان قد حصل بيني وبينه خصومة غاظته فسافر من مدة عشرة أعوام وسكن مدينة قوص وبلغني أنه فتح له دكان عطر وإلى الآن ماورد على المملوك منه كتاب وهو أيضاً ما يعرف بلعب الشطرنج.
ومشى البيدق مع شاب موسوم بالجمال فقال شمس الدين المنجمة الشاعر أراك يا بيدق تفرزن حول هذا النفس، فقال له وإذا كان ذلك فقال أخشى عليك من ذلك الرخ لايقطعك من الحاشية ويرميك عن الفرس ويقطع عليك الرقعة ولو كان في كفيك الفيل يشير بقوله ذلك الرخ إلى أحد الأعيان كان يحب الشاب المذكور.
نادرة: بعض الأجناد كان كثيراً يلعب الشطرنج مع مخدومه وكان الجندي خليعاً فأعطاه الأمير فرساً وقال له لا تفرط فيها قال نعم وبعد ذلك ألفاه راجلاً وهو لابس جوخة قال ويلك أين الفرس فقال ياسيدي ضربني الشتاشاه مات سترت بالفرس.
وما أحسن قول القاضي الفاضل يصف حصار قلعة وجثا المنجنيق يحاكمها ولسان حبلة يخماصمها والخادم تحت المنجنيق الإسلامي يعرض وجهه للمنجنيق الفرنجي ونقل قطع الستائر نقل قطع الشطرنج جنب التراس بيادق والجنابي رخاخ وجنب القلاع صيد والمنجنيقات فخاخ.
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة وظرف:
أشكوا السقام وتشكو مثله أمرأتي ... فنحن في الفرش والأعضاء نرتج
نفسان والعظم في نطع يجمعنا ... كأنما نحن في التمثيل شطرنج
وله ملغزاً فيه:
وما صامت يمضي ويرجع حائراً ... ويقضي على أوصاله الوصل والصد
كأن الأسى آلى عليه إليه ... فما فيه إلا النفس والعظم والجلد
وأحرفه خمس على أن شطره ... ثلاث أخماس الحروف التي تبدو
وله فيمن يلعب غائباً:
ولاعب يعرب شطرنجه ... عن ذهنه المتقد الصائب
يغيب لكن ذهنه حاكم ... يا حبذا من حاكم غائب
وله:
لله في الشطرنج فكرة لاعب ... إن غاب أو حضر اجتنيت حدايقه
شكرته نفس اللعب أو نفس النهي ... هاتيك صامته وهذي ناطقه
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:
تأمل تر الشطرنج كالدهر دولة ... نهاراً وليلاً ثم بؤساً وأنعما
محركها باق ويفنى جميعها ... وبعد الفنا تحيى وتبعث أعظما
قلت: وهذا يشبه قول القاضي الفاضل وقد أخرج له السلطان الملك الناصر صلاح الدين من القصر من يعاني خيال الظل ليفرجه فقام الفاضل فقال له صلاح الدين عن كان حراماً فما نحضره وكان حديث عهد بخدمته قبل أن يلي السلطنة فما أثر أنه يتكدر عليه فقعد إلى آخره فلما انقضى ذلك قال له السلطان كيف رأيت ذلك فقال موعظة عظيمة رأيت دولاً تمضي ما كأنها ودولاً تأتي ولما طوى الأزار طي السجل الكتاب إذا بالمحرك واحد فأخرج هذا الجد في هذا الهزل.
وللشيخ بدر الدين أيضاً مضمناً:
أميل لشطرنج أهل النهي ... وأسلوه من ناقل الباطل
وكم هذبت طبع لعابها ... وتأبى الطباع على الناقل
وقال:
لعبت بالشطرنج في غاية ... تقصر الأوصاف عن حدها
إن صاح في الأقران لي بيدق ... تموت منه الشاة في جلدها
وقال أيضاً وكان يلعبها غائباً وله يد طولى فيها:
لي في الشطرنج نقل ... أتقن الأدمان حفظه
ألعب الغائب منها ... فأراه طيف يقطه
وكتب إلى شيخنا العلامة عز الدين الموصلي من حماة المحروسة كتاباً وفيه من المتجددات قوله مضمناً:
جاهل شطرنج يناجي وقد ... أمات نفس اللعب من عكسه
ما تفعل الأعداء في أحمق ... ما يفعل الجاهل في نفسه
وقال جممال الدين بن نباتة:
стр. 36
أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعت ... في شكله من معاني الحسن أشتات
عيناه منصوبة للقلب غالبة ... والخد فيه لقتل النفس شامات
وقال صلاح الدين الصفدلي:
ألاعب بالشطرنج بدر ملاحة ... محاسنه تزهى على طلعة الشمس
سترت ضناً جسمي فلما رأيته ... يروم قطاعي خفت منه على نفسي
وقال زين الدين بن الوردي:
لاعبت بالشطرنج من ... أضحى كشمس طالعه
نفسي به ماتت وما ... تعجبني المقاطعه
ومن الاستشهادات اللطيفة ما أنشده الشيخ نور الدين علي بن سعد المعري صاحب المرقص والمطرب وغيره وقد رأى شخصاً يلعب الشطرنج ويضرب بالرقعة القطع ضرباً عنيفاً فقال:
رفقاً بهن فما خلقن حديدا ... أو ما تراها أعظماً وجلوداً
قلت: وهذا البيت أول قصيدة للشريف البياضي في وصف النوق ولقد أجاد نور الدين رحمه الله تعالى.
وعلى ذكر نور الدين فما أحسن ما كتب به إلى القاهرة المحروسة سيدنا ومولانا الفاضل المؤرخ المحدث المفنن شهاب الدين أحمد بن القاضي نور الدين علي الشهير بابن حجر (مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة) فسح الله في أجله وذلك من بعض متجدداته:
مولاي نور الدين صبحك الهنا ... بسعادة تبقى لديك سرورها
لا تحتجب عن مقلتي فأنا أمرء ... إن لم تكن عيني فإنك نورها
ونقلت من خط الشيخ بدر الدين أبي المحاسن محمد بن ابراهيم اليشتكي أحد فضلاء الديار المصرية وبقية متأخريها سلمه الله تعالى في القاء العاشر من الشطرنج على قاعدة الحكاية المشهورة ولم أعلم الضابط في هذه الأعداد له أم لغيره وأنسيت أن أسأله:
موت عدوي يزين حزمي ... وألحق سيف به قتالي
(القاء التاسع)
ولما فتنت بلحظ له ... عذرت فما خفت من شامت
(القاء الثامن)
أبثك يا عز شوقي لعل ... تمنى بعطف به راحتي
(القاء السابع)
يا مليح بت شاكي بثه ... ومتى رق ظلوم لشكي
(القاء السادس)
إن كان في صدك قتلي ... أنا لنى فقد أحبابي
(القاء الخامس)
تنكر في حبه جائراً ... فبات وفوه يبث الحرق
(القاء الرابع)
وفاتن منظره فتنة ... ليس يرى حرف الجفا عاشقة
اللام ألف بحرف واحد.
قال المنقول من خطه أنشدني من لفظه لنفسه صاحبنا جلال الدين بن خطيب داريا سلمه الله تعالى في القاء الثالث.
بك يا خير من
جد يحجب الغ?_?ي إذا قيل أي حصر تصيد وقال القاضي السعيد بن سنا الملك:
ويوم مطير قد ترنم رعده ... وصفق لما أحسن القطر في
ورقعة ماء تحت برد فواقع ... الرقص
وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ (ولد سنة عشر وسبعمائة، وتوفي سنة ست وسبعين وسبعمائة) :
لما غدا بدر الدجى لاعباً ... بالنرد يلقى الفص مثل الشرك
وفاق في الحسن وفي لعبه ... ناديت بالله ما أقمرك
وقال زين الدين بن الوردي:
مهفهفان لعباً ... بالنرد أنثى وذكر
قالت أنا قمرية ... قلت اسكتي فهو قمر
ولبعضهم يوري بأعداد النرد:
ساعدني جاري على شادن ... أعطيته خمساً بمقدار
فما تأتي إليك من يكه ... إلا بهذا البنج والجار
في القاء الخامس من قطع النرد من نظم الشيخ صلاح الدين الصفدي:
لاتبك إن هب ريح نجد ... أنك يا بئس ما بليت
اللام ألف حرفان.
وله في القاء السابع:
قدر شاني بكل شين ... عدمت في ذا صلاح خبري
الباب الرابع عشر
في الشمعة والفانوس والسراج
стр. 37
من رسالة للإمام ضياء الدين محمد بن نصر الله الجزري المعروف بابن الأثير (مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ووفاته سنة سبع وثلاثين وستمائة) وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس وتغني بوجودها عن كثرة الجلاس وينطق لسان حالها أنها أحمد عاقبة من مجالسه الناس ولا الأسرار عندها بملفوظة ولا السقطات لديها محفوظة وكانت الريح تلعب بلهبها وتخلف على شعبة بشعبها فطوراً تقيمه فتصير أنمله وطوراً تمله فتصير سلسله وتارة تجوفه فتصبر مذهنه وتارة تجعله ذا ورقات فيتمثل سوسنه وآونة تنشره فتصير منديلاً وآونة تلفه على رأسها فيستدير إمكليلاً ولقد تأملتها فوجدت نسبتها إلى الفص العسلي وقدها قد العسال وبها يضرب المثل للحكيم غير أن لسانها لسان الجهال ومذهبها مذهب الهنود في إحراق نفسها بالنار وهي شبيهة بالعاشق في انهمال الدمع واستمرار السهر وشدة الإصفرار وكل ذا تجدد لها بعد فراق أخيها ودارها والموت في فراق الأخ والدار.
وقد نزع هذا المنزع في رسالة أخرى فقال وذلك أن لها قد ألفى القوام مشبهاً في نحوله وإصفراره بحال المستهام وهي القلم شيئان في أنها إذا قطع رأسهما صحا بعد السقام ومن عجيب شأنها أن روحها تحيي بفناء جسمها وبالأرواح تكون حياة الأجسام وقد وصفها قوم بأن لها خلقاً كريماً في رعاية حقوق الإخوان وإن بكاها ليس إلا لمفارقة أخيها الذي خرجت معه من بطن ونشأت معه في مكان وهذا الوصف من ألطف أوصافها وهو مما يزيد الأحباب وجدا بأحبابها ويهيج الآلاف شوقاً إلى آلافها وكانت الريح تلعب بلهبها لدى الخادم فتسلطه هلالاً فتارة تبرزه هلالاً ولربما سطع طوراً كالجلنارة في تضاعف أوراقها وطوراً كالأصابع في انضمامها وافتراقها وآونة تأخذه فتلقيه على رأسها كالقناع ثم ترفعه عنها حتى تكاد تزاوله بذلك الارتفاع ثم قال بعد ذلك كلاماً ليس فيه تشبيه فكما كانت الريح تلعب بالشمعة فتنقلها من مثال إلى مثال كذلك الشوق يلعب بالقلب فينقله من حال إلى حال، وهذا الوصف وإن مد باعه لمعانقته الإبداع، وأودع أسرار المعاني في صدور الألفاظ فصانها بالإيداع مأخوذ من موضعيبن أحدهما من قصيدة الأرجاني والآخر من كلام أبي محمد عبد الله بن أبي الخصال فإنه مذكور في آخر هذا الباب عند ذكر السراج.
أما قصيدة الأرجاني فهي:
نمت بأسرار صبح كان يخفيها ... وأطلعت قلبها للناس من فيها
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... إلا برقية نار من تراقيها
سفيهة لم يزل طول اللسان لها ... في الحي يجني عليها ضرب هاديها
غريقة في دموع وهي تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظيها
تنفست نفس المهجور فأدكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يبكيها
يخشى عليها الردى مهماً ألم بها ... نسيم ريح إذا وفى يحيها
بدت كنجم هوى في اثر عقربة ... في الأرض فاشتعلت منها نواصيها
نجم رأى الأرض أولى أن يبوئها ... من السماء فأمسى طوع أهليها
كأنها غرة قد سال سادخها ... في وجه دهماء يزهيها مجليها
أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ... فكلما حجبت قامت تحاكيها
وحيدة وهي مثل الرمح هازمة ... عساكر الليل عن حلت بواديها
ما طنبت قط في أرض مخيمة ... إلا وأقمر للأبصار داجيها
لها غرائب تبدو من محاسنها ... إذا تفكرت يوماً في معانيها
فالوجنة الورد إلا في تناولها ... والقامة الغصن إلا في تثنيتها
قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجني على الكف أن أهويت تجنيها
ورد تشاك به الأيدي إذا قطفت ... وما على غصنها شوك يوقيها
صفر غلائلها حمر عمائمها ... سود ذوائبها بيض لياليها
كصعدة في حشا الظلماء طاعنة ... تسقي أسافلها ربا أعيالها
وصيفة لست منها قاضياً وطرا ... إن أنت لم تكسها تاجاً يحليها
صفراء هندية في اللون إن نعتت ... والقد في اللين إن أتممت تشبيهاً
ما إن تراك الليل لاهثه ... وما بها علة في الصدر تصميها
تحيي الليالي نوراً وهي تقتلها ... بئس الجزاء لعمر الله يجزيها
ورهاء لم يبد للأبصار لابسها ... يوماً ولم يحتجب عنهن عاريها
قدت على قد ثوب قد تبطنها ... ولم يقدر عليها الثوب كاسيها
стр. 38
غراء فرعاء ما تنفك قالية ... تقص لمتها طوراً وتقليها
شيباء شعثاء لا تكسي غدائرها ... لون الشبيبة إلا حين تبليها
فتاة ظلماء ما يتفك ثاكلها ... سنانها طول طعن أو يشظيها
مفتوحة العين تفني ليلها سهرا ... نعم وإفناؤها إياه يفنيها
وربما نال من أطرافها مرض ... لم يشف منه بغير القطع شافيها
وقال القاضي الفاضل:
ولما أراد الليل ينظر وجهه ... تقدم إن يذكي له الشمع أعيناً
وما هي إلا أعين وجفونها ... دجاها وإنسان السعود نهارنا
رياض دجى فتحن عند وقودها ... أزاهر نار تركب الشمع أغصناً
عجبت لروض منه بالنار يزدهي ... وإلا لزهر منه بالعين يجتني
فتكن الدجى والنور فيض دمائها ... غذ النار نصل والشموع لها قنا
وقال فيها:
بكت مثل ما أبكي وفاضت دموعها ... ولم تفش أسراراً كفيض دموعي
إشارة مظلوم وعبرة عاشق ... ووقفة مأمور ولون مروع
أقامت إلى نحر الظلام أسنة ... فلم تلقها إلا بخلع دروع
وقال أيضاً:
والشمع فوق البحر تحسب انه ... من لجة قد أطلع المرجان
والماء درع والشموع أسنة ... ولها إذا خفق النسيم طعان
وقال محمد بن علي الوزير حاجب النعمان:
وطفلة كالرمح شاهدتها ... سنانها من ذهب قد طبع
دموعها تنهل في نحرها ... ورأسها يحيي إذا ما قطع
وقال آخر وأجاد:
إذا مرضت طال منها اللسا ... ن ومد المداوي إليها يدا
ويقطع من رأسها الجلنا ... ر فيرجع أهليلجاً أسودا
وقال ابن خفاجة (ومولده سنة خمسين وأربعمائة، ووفاته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة) :
وصعدة لبست سروال مشتهر ... بالحب منغمس في الدمع والحرق
مازال يطعن صدر الليل يهدمها ... حتى بدا سائلاً منه دم الشفق
وقال آخر وأغرب:
وباكية من غير حزن بأدمع ... تذوب بها أحشاؤها حين تنهمل
دموعاً إذا ردت إليها بكت بها ... ولم أر دمعاً غيره في المقل
وقال سيف الدين المشد:
ولم أر مثل شمعتنا عروساً ... تجلت في الدجى ما بين جمع
كأن عقود أدمعها عليها ... سلاسل فضة أو قضب طلع
وقال محاسن الشوا (مولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ووفاته سنة خمس وثلاثين وستمائة) :
حكتني وقد أودى بي السقم شمعة ... وإن كنت صبا دونها متوجعا
ضناً وسهاداً واصفراراً وزفرة ... وصبراً وصمتاً واحتراقاً وأدمعا
وقال نور الدين بن سعيد:
ومجلس أنس زينته عرائس ... تزيد لنا وصلاً إذا ما قطعناها
إذا طعنت صدر الظلام برمحها ... ترد بسيف الصبح منها فأفناها
الشيخ زين الدين بن الوردي:
ممشوقة مثل صدر الرمح عارية ... قد توجت بنظير الكوكب الساري
تبكي إذا ضحكت جلاسها فرحاً ... فالقوم في جنة والشمع في نار
وقال ابن الجلال وأجاد إلى الغاية (توفي سنة ست وخمسين وخمسمائة) :
وصحيحة بيضاء تطلع في الدجى ... صبحاً وتشفي الناظرين بدائها
شابت ذوائبها أوان شبابها ... وأسود مفرقها أوان فنائها
كالعين في طبقانها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها
مجير الدين بن تميم وقد طفئت شمعة بمجلس فزارهم مليح عقيب طفيها:
ومخطفة أوقدتها جنح ليلة ... وقد زار من أهوى وتم بها أنسى
فأطفأتها إذا أشرقت شمس وجهه ... ومن سفه أن يوقد الشمع في الشمس
وقال ابراهيم المعمار:
لا تنور في مقامي ... شمعة من غير حاجة
قد كفانا طلعة البد ... ر ومصباح الزجاجة
ولما أنشدتها للأمير شهاب الدين الحاجي قال لي لم لا قلت:
أطفئوا ذا الشمع عنا ... ما لنا بالشمع حاجة
فقال ابراهيم أردت مقامي وهذا في غاية الظرافة.
علاء الدين الوداعي وقد أهدى شمعة:
يا من ببعادهم أسا الدهر إلى ... والآن فقد أنعم بالقرب علي
قد أظلمت الأشواق طرفي فلذا ... قدمت إليكم شمعة بين يدي
البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي في مليح يقط الشمع:
وذي قوام أهيف ... بين الندا ما قد نشط
قام يقط شمعة ... فهل رأيت الظبي قط
стр. 39
سيف الدين المشد ملغزاً في طوافة:
لينة الأعطاف لا ... ينكر فضل قدرها
حياتها في طيها ... وموتها في نشرها
وقال ناصر الدين بن شافع في وصفها (مولده سنة تسع وأربكعين وستمائة، وتوفي سنة ثلاثين وسبعمائة) : وشمعة قد استتم نبتها في روض الأنس حتى نور * ولا نمى بدوحة المفاكهة حتى أزهر * أومأ بنان تبلجها إلى طرق الهداية وأشار ودل على نهج التبصر وكيف لا وهي علم في رأسه نار * كأنما هي قلم امتدى بماء ليق من ذهب أو صعدة إلا أن سنانها ذهب وحسبها كرماً أن جادت بنفسها وأعلنت بامتناعها على همود حسها سايلها في الجود بأمثالها مسول ودمعها بالعفو للصفو من سماحتها مطلول تحيتها عمواً صباحاً يتألق فجرها وتمام بدرها في أوائل شهرها قد جمعت من ماء دمعها ونار توقدها بين نقيضين ومن حسن تأثرها وعين تبصرها بين الأثر والعين.
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر: في حين ما شق ريحي الدجى عن ترائبه جيباً ونشر الظلام ظفائره وقد اشتعل رأسه من النجوم شيباً في ضوء شمعة نشرت على الورق ردء الأصيل وأخفت من الدجى سواد دجفنه الكحيل وسترت ذوائبه في معصفر أبهج من وجنتي بثينة لولا أنها في صفرة ةجه جميل.
وكتب الأديب الفاضل الكامل شرف الدين عيسى بن حجاج العالية أحد شعراء العصر بالديار المصرية أبقاه الله تعالى إلى الوزير العلامة فخر الدين بن مكانس تغمده الله بالرحمة يقبل الأرض التي شاقه ترابها المواطئ الفخرية فزاد عجاباً وقال المسك يا ليتني كنت تراباً وينهي أنه أقبل على المطالعة والباقي من العشر ليال خمس واستهدى بنجوم فوائدها حين قامت الشمعة بوظيفة الشمس واستدعى أعواناً من السهر فتخاذلت عنه أعوانه وخشي من غلبة النوم فتغلب عليه سلطانه ولما أغفى على وجه الكتاب لعبت الشمعة بلسانها وتناولت طرف شاشة بيد نيرانها فهب المملوك وأخمد منها ما تصاعد من الأنفاس وقابلها على حرق الشاش بقطع الرأس.
أني جلست بشمعة موقودة ... لأطالع الأسفار للتسبيح
فتناولت شاشي أوائل نارها ... وتمكنت منه بمر الريح
من قبل حرق الشاش كنت مطالعاً ... في الكتب صرت مطالعاً في الروح
وقد توسلت بهذه الرسالة المدونة في باب المنظوم والمنثور ومددت يد سؤلي إلى طلبي ساشاً مقصوراً وأرجو أن يجمع لي بين الممدود والمقصور أبقاك الله للأولياء الذين يحبون وجودك ويستمطرون كرمك وجودك.
وقال مجير الدين بن تميم وقد مر بدار بعض أصحابه ومعه شمعة وقد طفئت فأوقدها من داره:
لما أزرتك شمعتي لتنيرها ... جاءت تحدث عن سراجك بالعجب
وافتك حاسرة فقبل رأسها ... فأعادها نحوي بتاج من ذهب
حكى أن مجير الدين الخياط الدمشقي كان يتعشق غلاماً من أولاد الجند فشرب في بعض الليالي وسكر فوقع في الطريق فمر الغلام عليه وهو راكب فرآه في الليل مطروحاً فوقف عليه بالشمعة ونزل فأقعده ومسح وجهه فسقط من الشمعة نقطة على خده ففتح عينيه فرأى الغلام على رأسه فاستيقظ من سكرته وأنشد مرتجلاً:
يا محرقاً بالنار وجه محبه ... مهلاً فإن مدامعي تطفيه
أحرق بها جسدي وكل جوارحي ... واحذر على قلبي فإنك فيه
وأما الفانوس فمن احسن ما سمع فيه قول مجير الدين بن تميم:
انظر إلى الفانوس تلق متمياً ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهب قلبه لنحوله ... وتعد من تحت القميص ضلوعه
وقال:
أبدي اعتذاراً لنا النفوس حين بدا ... في حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرماً ما بين أضلعه ... نار الجوى فغذا بالثوب يسترها
وقال الوجيه المناوي:
كأنما الليل وفانوسنا ... يجلو دجى الظلمة للحس
لجة بحر قد طما موجه ... تسبح فيه كرة الشمس
وقال شهاب الدين بن أبي جحلة مضمناً:
وكأنما الفانوس نجم نير ... منع الظلام من الهجوم طلوعه
أو عاشق أجرى الدموع بحرقة ... من حر نار قد حوته ضلوعه
وله مضمناً أيضاً:
وباكية من غير حزن بأدمع ... تذوب بها أحشاؤها حيت تنهمل
دموعاً إذا ردت إليها بكت بها ... ولم ار دمعاً غيره رد في المقل
وله فيه مضمناً:
يحكى سناص الفانوس من بعد لنا ... برق تالق موهناً لمعانه
стр. 40
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
وله:
أنا في مقام الناصر السلطان لا ... أشكو إلى محبوب قلبي ما بي
٣فاصبر كصبري في الهوى ولأنني ... متجلد والنار تحت ثيابي مجير الدين بن تميم تضمن:
يقول لها الفانوس لما بدت له ... وفي قلبه نار من الغيظ تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب تنظري ... ضنا جسدي لكنني أتستر
وأما السراج وما قيل فيه فمنه قول ابن أبي الخصال.
عذراً إليك أعزك الله فإني حططت والنوم معازل والعز منازل والريح يلعب باسلراج ويصول عليه صولة الحجاج وطوراً يسدد سناناً وطوراً يحركه لساناً وآونة يطوي جنابه وأخرى ينشره ذؤابه ويقيمه أبرة لهب ويعطفه برة ذهب او حمة عقرب وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات ويتسلط على سليطه ويزيله عن خليطه ويخلفه نجماً ويمده رحماً وتسل روحه من ذباله ويعيده إلى حاله وربما نصبته إذن جواد ومسخته حدق جراد ومشقته خاطف برق بكف ودق ولثمه سناه قنديله ولفت على أعطافه منديله فلاحظ منه للعين ولا هداية في الطرس لليدين.
قال شرف الدين التيفاشي رأيت فيما يرى النائم قائلاً يقةول لي تحفظ في السراج والمسرجة فأنشدته قول ابن الرومي:
وحية في رأسها درة ... تسبح في بحر قصير المدا
إذا تولت فالعمى حاضر ... وإن تجلت بان طرق الهدى
فقال لي هذا في الذبالة وأنا سألتك في السراج والمسرجة فأنشدته قول الصنوبري:
إن سراجاً نوره ظلمة ... كأنما يوقد في قلبي
الحب أضناني فما باله ... بفتى وما يشكو جوى الحب
فقال هذا في السراج وأنا سألتك في السراج والمسرجة فصمت فقال أراك سكت فقلت له ما تحفظ فيهما أنت فأنشد:
مسرجة تسرج من فوقها ... ذبالة في جوف مصباح
كأنها مسرجة فوقها ... تفاحة في غصن تفاح
فاستيقظت وأنا احفظهما.
قال شهاب الدين بن أبي حجلة وهذا التشبيه في المسرجة جيد في مسارج العرب فإن مسرجتهم قضيب أملس أشبه بغصن التفاح.
قلت: لا يخفى ما في هذين البيتين من الحسن وجودة التركيب في قوله في البيت الأول مسرجة ثم في الثاني كأنها مسرجة وقوله تفاحة في غصن تفاح وما أعرف لهما شبيهاً إلا قوال ابن وزير في الحمام.
حكي أن ابن قزمان الوزير أبي بكر صاحب الأزجال المشهورة قام من مجلس انس فمال على السراج فأطفأه فقال في الحال:
يا أهل ذا المجلس السامي سرادقه ... ما ملت لكنني مالت بي الراح
فإن أكن مطفئاً مصباح بيتكم ... فكل من حل فيكم فيه مصباح
قال القاضي كمال الدين بن العديم (مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة تسع وخمسين وستمائة) في تاريخ حلب أن القاضي شمس الدين بن خلكان الأربلي مذهب الشافعي وأنشدني لنفسه ملغزاً في السراج:
أيها العالم الذي ... صار حبراً ممارساً
والذي موضحاته ... يجتليها عرائساً
أي شيء ترى الورى ... جمعهم منه قابساً
إن في السرب نصفه ... حيث ما كان كانساً
ثم صحف تمامه ... تلق خلا مؤانساً
واحذفن منه ثالثاً ... تنظرن فيه فارساً
من يصحفه عاكساً ... يلق في الليل حارساً
وما أحسن قول القاضي الفاضل يعتذر عن كتاب كتبه إلى بعض أصحابه ليلاً كتبها الملوك ليلاً وقد عمشت عين السراج وشابت له الدواة وكل خاطر السكين وخرس لسان القلم وضاق صدر الورقة فإذا وقف سيدنا على هذا الكتاب فليقف على بيمارستان وليقل الباذنجان من هذا لايقل هذا من الباذنجان.
وقال ابن تميم في سراج يوقد من سراج:
أعلمتم يا قوم أن سراجنا ... أمسى وفيه فضليه لاتكتم
يأتي أخوه إليه حاسر رأسه ... فيعيده في الحال وهو معمم
نادرة: اتفق أن أبا الحسين الجزار قام مرة إلى بيت الخلاء فناوله السراج الوراق شمعة فقال الجزار ما عادتي أقضي الشغل إلا على السراج.
وما أظرف قول زين الدين ابن الوردي:
لي صاحب واسمه سراج ... ما قرّ لي عنده قرار
لسانه محرق لقلبي ... إن لسان السراج نار
وممن أكثر من ذكر السراج الأديب الفاضل الكامل سراج الدين عمر الوراق حتى إنه قيل له لولا لقبك راح نصف شعرك، فمن ذلك قوله:
следующие страницы →