Полный текст (317 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعت ... في شكله من معاني الحسن أشتات
عيناه منصوبة للقلب غالبة ... والخد فيه لقتل النفس شامات
وقال صلاح الدين الصفدلي:
ألاعب بالشطرنج بدر ملاحة ... محاسنه تزهى على طلعة الشمس
سترت ضناً جسمي فلما رأيته ... يروم قطاعي خفت منه على نفسي
وقال زين الدين بن الوردي:
لاعبت بالشطرنج من ... أضحى كشمس طالعه
نفسي به ماتت وما ... تعجبني المقاطعه
ومن الاستشهادات اللطيفة ما أنشده الشيخ نور الدين علي بن سعد المعري صاحب المرقص والمطرب وغيره وقد رأى شخصاً يلعب الشطرنج ويضرب بالرقعة القطع ضرباً عنيفاً فقال:
رفقاً بهن فما خلقن حديدا ... أو ما تراها أعظماً وجلوداً
قلت: وهذا البيت أول قصيدة للشريف البياضي في وصف النوق ولقد أجاد نور الدين رحمه الله تعالى.
وعلى ذكر نور الدين فما أحسن ما كتب به إلى القاهرة المحروسة سيدنا ومولانا الفاضل المؤرخ المحدث المفنن شهاب الدين أحمد بن القاضي نور الدين علي الشهير بابن حجر (مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة) فسح الله في أجله وذلك من بعض متجدداته:
مولاي نور الدين صبحك الهنا ... بسعادة تبقى لديك سرورها
لا تحتجب عن مقلتي فأنا أمرء ... إن لم تكن عيني فإنك نورها
ونقلت من خط الشيخ بدر الدين أبي المحاسن محمد بن ابراهيم اليشتكي أحد فضلاء الديار المصرية وبقية متأخريها سلمه الله تعالى في القاء العاشر من الشطرنج على قاعدة الحكاية المشهورة ولم أعلم الضابط في هذه الأعداد له أم لغيره وأنسيت أن أسأله:
موت عدوي يزين حزمي ... وألحق سيف به قتالي
(القاء التاسع)
ولما فتنت بلحظ له ... عذرت فما خفت من شامت
(القاء الثامن)
أبثك يا عز شوقي لعل ... تمنى بعطف به راحتي
(القاء السابع)
يا مليح بت شاكي بثه ... ومتى رق ظلوم لشكي
(القاء السادس)
إن كان في صدك قتلي ... أنا لنى فقد أحبابي
(القاء الخامس)
تنكر في حبه جائراً ... فبات وفوه يبث الحرق
(القاء الرابع)
وفاتن منظره فتنة ... ليس يرى حرف الجفا عاشقة
اللام ألف بحرف واحد.
قال المنقول من خطه أنشدني من لفظه لنفسه صاحبنا جلال الدين بن خطيب داريا سلمه الله تعالى في القاء الثالث.
بك يا خير من
جد يحجب الغ?_?ي إذا قيل أي حصر تصيد وقال القاضي السعيد بن سنا الملك:
ويوم مطير قد ترنم رعده ... وصفق لما أحسن القطر في
ورقعة ماء تحت برد فواقع ... الرقص
وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ (ولد سنة عشر وسبعمائة، وتوفي سنة ست وسبعين وسبعمائة) :
لما غدا بدر الدجى لاعباً ... بالنرد يلقى الفص مثل الشرك
وفاق في الحسن وفي لعبه ... ناديت بالله ما أقمرك
وقال زين الدين بن الوردي:
مهفهفان لعباً ... بالنرد أنثى وذكر
قالت أنا قمرية ... قلت اسكتي فهو قمر
ولبعضهم يوري بأعداد النرد:
ساعدني جاري على شادن ... أعطيته خمساً بمقدار
فما تأتي إليك من يكه ... إلا بهذا البنج والجار
في القاء الخامس من قطع النرد من نظم الشيخ صلاح الدين الصفدي:
لاتبك إن هب ريح نجد ... أنك يا بئس ما بليت
اللام ألف حرفان.
وله في القاء السابع:
قدر شاني بكل شين ... عدمت في ذا صلاح خبري
الباب الرابع عشر
في الشمعة والفانوس والسراج
стр. 37
من رسالة للإمام ضياء الدين محمد بن نصر الله الجزري المعروف بابن الأثير (مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ووفاته سنة سبع وثلاثين وستمائة) وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس وتغني بوجودها عن كثرة الجلاس وينطق لسان حالها أنها أحمد عاقبة من مجالسه الناس ولا الأسرار عندها بملفوظة ولا السقطات لديها محفوظة وكانت الريح تلعب بلهبها وتخلف على شعبة بشعبها فطوراً تقيمه فتصير أنمله وطوراً تمله فتصير سلسله وتارة تجوفه فتصبر مذهنه وتارة تجعله ذا ورقات فيتمثل سوسنه وآونة تنشره فتصير منديلاً وآونة تلفه على رأسها فيستدير إمكليلاً ولقد تأملتها فوجدت نسبتها إلى الفص العسلي وقدها قد العسال وبها يضرب المثل للحكيم غير أن لسانها لسان الجهال ومذهبها مذهب الهنود في إحراق نفسها بالنار وهي شبيهة بالعاشق في انهمال الدمع واستمرار السهر وشدة الإصفرار وكل ذا تجدد لها بعد فراق أخيها ودارها والموت في فراق الأخ والدار.
وقد نزع هذا المنزع في رسالة أخرى فقال وذلك أن لها قد ألفى القوام مشبهاً في نحوله وإصفراره بحال المستهام وهي القلم شيئان في أنها إذا قطع رأسهما صحا بعد السقام ومن عجيب شأنها أن روحها تحيي بفناء جسمها وبالأرواح تكون حياة الأجسام وقد وصفها قوم بأن لها خلقاً كريماً في رعاية حقوق الإخوان وإن بكاها ليس إلا لمفارقة أخيها الذي خرجت معه من بطن ونشأت معه في مكان وهذا الوصف من ألطف أوصافها وهو مما يزيد الأحباب وجدا بأحبابها ويهيج الآلاف شوقاً إلى آلافها وكانت الريح تلعب بلهبها لدى الخادم فتسلطه هلالاً فتارة تبرزه هلالاً ولربما سطع طوراً كالجلنارة في تضاعف أوراقها وطوراً كالأصابع في انضمامها وافتراقها وآونة تأخذه فتلقيه على رأسها كالقناع ثم ترفعه عنها حتى تكاد تزاوله بذلك الارتفاع ثم قال بعد ذلك كلاماً ليس فيه تشبيه فكما كانت الريح تلعب بالشمعة فتنقلها من مثال إلى مثال كذلك الشوق يلعب بالقلب فينقله من حال إلى حال، وهذا الوصف وإن مد باعه لمعانقته الإبداع، وأودع أسرار المعاني في صدور الألفاظ فصانها بالإيداع مأخوذ من موضعيبن أحدهما من قصيدة الأرجاني والآخر من كلام أبي محمد عبد الله بن أبي الخصال فإنه مذكور في آخر هذا الباب عند ذكر السراج.
أما قصيدة الأرجاني فهي:
نمت بأسرار صبح كان يخفيها ... وأطلعت قلبها للناس من فيها
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... إلا برقية نار من تراقيها
سفيهة لم يزل طول اللسان لها ... في الحي يجني عليها ضرب هاديها
غريقة في دموع وهي تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظيها
تنفست نفس المهجور فأدكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يبكيها
يخشى عليها الردى مهماً ألم بها ... نسيم ريح إذا وفى يحيها
بدت كنجم هوى في اثر عقربة ... في الأرض فاشتعلت منها نواصيها
نجم رأى الأرض أولى أن يبوئها ... من السماء فأمسى طوع أهليها
كأنها غرة قد سال سادخها ... في وجه دهماء يزهيها مجليها
أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ... فكلما حجبت قامت تحاكيها
وحيدة وهي مثل الرمح هازمة ... عساكر الليل عن حلت بواديها
ما طنبت قط في أرض مخيمة ... إلا وأقمر للأبصار داجيها
لها غرائب تبدو من محاسنها ... إذا تفكرت يوماً في معانيها
فالوجنة الورد إلا في تناولها ... والقامة الغصن إلا في تثنيتها
قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجني على الكف أن أهويت تجنيها
ورد تشاك به الأيدي إذا قطفت ... وما على غصنها شوك يوقيها
صفر غلائلها حمر عمائمها ... سود ذوائبها بيض لياليها
كصعدة في حشا الظلماء طاعنة ... تسقي أسافلها ربا أعيالها
وصيفة لست منها قاضياً وطرا ... إن أنت لم تكسها تاجاً يحليها
صفراء هندية في اللون إن نعتت ... والقد في اللين إن أتممت تشبيهاً
ما إن تراك الليل لاهثه ... وما بها علة في الصدر تصميها
تحيي الليالي نوراً وهي تقتلها ... بئس الجزاء لعمر الله يجزيها
ورهاء لم يبد للأبصار لابسها ... يوماً ولم يحتجب عنهن عاريها
قدت على قد ثوب قد تبطنها ... ولم يقدر عليها الثوب كاسيها
стр. 38
غراء فرعاء ما تنفك قالية ... تقص لمتها طوراً وتقليها
شيباء شعثاء لا تكسي غدائرها ... لون الشبيبة إلا حين تبليها
فتاة ظلماء ما يتفك ثاكلها ... سنانها طول طعن أو يشظيها
مفتوحة العين تفني ليلها سهرا ... نعم وإفناؤها إياه يفنيها
وربما نال من أطرافها مرض ... لم يشف منه بغير القطع شافيها
وقال القاضي الفاضل:
ولما أراد الليل ينظر وجهه ... تقدم إن يذكي له الشمع أعيناً
وما هي إلا أعين وجفونها ... دجاها وإنسان السعود نهارنا
رياض دجى فتحن عند وقودها ... أزاهر نار تركب الشمع أغصناً
عجبت لروض منه بالنار يزدهي ... وإلا لزهر منه بالعين يجتني
فتكن الدجى والنور فيض دمائها ... غذ النار نصل والشموع لها قنا
وقال فيها:
بكت مثل ما أبكي وفاضت دموعها ... ولم تفش أسراراً كفيض دموعي
إشارة مظلوم وعبرة عاشق ... ووقفة مأمور ولون مروع
أقامت إلى نحر الظلام أسنة ... فلم تلقها إلا بخلع دروع
وقال أيضاً:
والشمع فوق البحر تحسب انه ... من لجة قد أطلع المرجان
والماء درع والشموع أسنة ... ولها إذا خفق النسيم طعان
وقال محمد بن علي الوزير حاجب النعمان:
وطفلة كالرمح شاهدتها ... سنانها من ذهب قد طبع
دموعها تنهل في نحرها ... ورأسها يحيي إذا ما قطع
وقال آخر وأجاد:
إذا مرضت طال منها اللسا ... ن ومد المداوي إليها يدا
ويقطع من رأسها الجلنا ... ر فيرجع أهليلجاً أسودا
وقال ابن خفاجة (ومولده سنة خمسين وأربعمائة، ووفاته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة) :
وصعدة لبست سروال مشتهر ... بالحب منغمس في الدمع والحرق
مازال يطعن صدر الليل يهدمها ... حتى بدا سائلاً منه دم الشفق
وقال آخر وأغرب:
وباكية من غير حزن بأدمع ... تذوب بها أحشاؤها حين تنهمل
دموعاً إذا ردت إليها بكت بها ... ولم أر دمعاً غيره في المقل
وقال سيف الدين المشد:
ولم أر مثل شمعتنا عروساً ... تجلت في الدجى ما بين جمع
كأن عقود أدمعها عليها ... سلاسل فضة أو قضب طلع
وقال محاسن الشوا (مولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ووفاته سنة خمس وثلاثين وستمائة) :
حكتني وقد أودى بي السقم شمعة ... وإن كنت صبا دونها متوجعا
ضناً وسهاداً واصفراراً وزفرة ... وصبراً وصمتاً واحتراقاً وأدمعا
وقال نور الدين بن سعيد:
ومجلس أنس زينته عرائس ... تزيد لنا وصلاً إذا ما قطعناها
إذا طعنت صدر الظلام برمحها ... ترد بسيف الصبح منها فأفناها
الشيخ زين الدين بن الوردي:
ممشوقة مثل صدر الرمح عارية ... قد توجت بنظير الكوكب الساري
تبكي إذا ضحكت جلاسها فرحاً ... فالقوم في جنة والشمع في نار
وقال ابن الجلال وأجاد إلى الغاية (توفي سنة ست وخمسين وخمسمائة) :
وصحيحة بيضاء تطلع في الدجى ... صبحاً وتشفي الناظرين بدائها
شابت ذوائبها أوان شبابها ... وأسود مفرقها أوان فنائها
كالعين في طبقانها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها
مجير الدين بن تميم وقد طفئت شمعة بمجلس فزارهم مليح عقيب طفيها:
ومخطفة أوقدتها جنح ليلة ... وقد زار من أهوى وتم بها أنسى
فأطفأتها إذا أشرقت شمس وجهه ... ومن سفه أن يوقد الشمع في الشمس
وقال ابراهيم المعمار:
لا تنور في مقامي ... شمعة من غير حاجة
قد كفانا طلعة البد ... ر ومصباح الزجاجة
ولما أنشدتها للأمير شهاب الدين الحاجي قال لي لم لا قلت:
أطفئوا ذا الشمع عنا ... ما لنا بالشمع حاجة
فقال ابراهيم أردت مقامي وهذا في غاية الظرافة.
علاء الدين الوداعي وقد أهدى شمعة:
يا من ببعادهم أسا الدهر إلى ... والآن فقد أنعم بالقرب علي
قد أظلمت الأشواق طرفي فلذا ... قدمت إليكم شمعة بين يدي
البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي في مليح يقط الشمع:
وذي قوام أهيف ... بين الندا ما قد نشط
قام يقط شمعة ... فهل رأيت الظبي قط
стр. 39
سيف الدين المشد ملغزاً في طوافة:
لينة الأعطاف لا ... ينكر فضل قدرها
حياتها في طيها ... وموتها في نشرها
وقال ناصر الدين بن شافع في وصفها (مولده سنة تسع وأربكعين وستمائة، وتوفي سنة ثلاثين وسبعمائة) : وشمعة قد استتم نبتها في روض الأنس حتى نور * ولا نمى بدوحة المفاكهة حتى أزهر * أومأ بنان تبلجها إلى طرق الهداية وأشار ودل على نهج التبصر وكيف لا وهي علم في رأسه نار * كأنما هي قلم امتدى بماء ليق من ذهب أو صعدة إلا أن سنانها ذهب وحسبها كرماً أن جادت بنفسها وأعلنت بامتناعها على همود حسها سايلها في الجود بأمثالها مسول ودمعها بالعفو للصفو من سماحتها مطلول تحيتها عمواً صباحاً يتألق فجرها وتمام بدرها في أوائل شهرها قد جمعت من ماء دمعها ونار توقدها بين نقيضين ومن حسن تأثرها وعين تبصرها بين الأثر والعين.
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر: في حين ما شق ريحي الدجى عن ترائبه جيباً ونشر الظلام ظفائره وقد اشتعل رأسه من النجوم شيباً في ضوء شمعة نشرت على الورق ردء الأصيل وأخفت من الدجى سواد دجفنه الكحيل وسترت ذوائبه في معصفر أبهج من وجنتي بثينة لولا أنها في صفرة ةجه جميل.
وكتب الأديب الفاضل الكامل شرف الدين عيسى بن حجاج العالية أحد شعراء العصر بالديار المصرية أبقاه الله تعالى إلى الوزير العلامة فخر الدين بن مكانس تغمده الله بالرحمة يقبل الأرض التي شاقه ترابها المواطئ الفخرية فزاد عجاباً وقال المسك يا ليتني كنت تراباً وينهي أنه أقبل على المطالعة والباقي من العشر ليال خمس واستهدى بنجوم فوائدها حين قامت الشمعة بوظيفة الشمس واستدعى أعواناً من السهر فتخاذلت عنه أعوانه وخشي من غلبة النوم فتغلب عليه سلطانه ولما أغفى على وجه الكتاب لعبت الشمعة بلسانها وتناولت طرف شاشة بيد نيرانها فهب المملوك وأخمد منها ما تصاعد من الأنفاس وقابلها على حرق الشاش بقطع الرأس.
أني جلست بشمعة موقودة ... لأطالع الأسفار للتسبيح
فتناولت شاشي أوائل نارها ... وتمكنت منه بمر الريح
من قبل حرق الشاش كنت مطالعاً ... في الكتب صرت مطالعاً في الروح
وقد توسلت بهذه الرسالة المدونة في باب المنظوم والمنثور ومددت يد سؤلي إلى طلبي ساشاً مقصوراً وأرجو أن يجمع لي بين الممدود والمقصور أبقاك الله للأولياء الذين يحبون وجودك ويستمطرون كرمك وجودك.
وقال مجير الدين بن تميم وقد مر بدار بعض أصحابه ومعه شمعة وقد طفئت فأوقدها من داره:
لما أزرتك شمعتي لتنيرها ... جاءت تحدث عن سراجك بالعجب
وافتك حاسرة فقبل رأسها ... فأعادها نحوي بتاج من ذهب
حكى أن مجير الدين الخياط الدمشقي كان يتعشق غلاماً من أولاد الجند فشرب في بعض الليالي وسكر فوقع في الطريق فمر الغلام عليه وهو راكب فرآه في الليل مطروحاً فوقف عليه بالشمعة ونزل فأقعده ومسح وجهه فسقط من الشمعة نقطة على خده ففتح عينيه فرأى الغلام على رأسه فاستيقظ من سكرته وأنشد مرتجلاً:
يا محرقاً بالنار وجه محبه ... مهلاً فإن مدامعي تطفيه
أحرق بها جسدي وكل جوارحي ... واحذر على قلبي فإنك فيه
وأما الفانوس فمن احسن ما سمع فيه قول مجير الدين بن تميم:
انظر إلى الفانوس تلق متمياً ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهب قلبه لنحوله ... وتعد من تحت القميص ضلوعه
وقال:
أبدي اعتذاراً لنا النفوس حين بدا ... في حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرماً ما بين أضلعه ... نار الجوى فغذا بالثوب يسترها
وقال الوجيه المناوي:
كأنما الليل وفانوسنا ... يجلو دجى الظلمة للحس
لجة بحر قد طما موجه ... تسبح فيه كرة الشمس
وقال شهاب الدين بن أبي جحلة مضمناً:
وكأنما الفانوس نجم نير ... منع الظلام من الهجوم طلوعه
أو عاشق أجرى الدموع بحرقة ... من حر نار قد حوته ضلوعه
وله مضمناً أيضاً:
وباكية من غير حزن بأدمع ... تذوب بها أحشاؤها حيت تنهمل
دموعاً إذا ردت إليها بكت بها ... ولم ار دمعاً غيره رد في المقل
وله فيه مضمناً:
يحكى سناص الفانوس من بعد لنا ... برق تالق موهناً لمعانه
стр. 40
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
وله:
أنا في مقام الناصر السلطان لا ... أشكو إلى محبوب قلبي ما بي
٣فاصبر كصبري في الهوى ولأنني ... متجلد والنار تحت ثيابي مجير الدين بن تميم تضمن:
يقول لها الفانوس لما بدت له ... وفي قلبه نار من الغيظ تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب تنظري ... ضنا جسدي لكنني أتستر
وأما السراج وما قيل فيه فمنه قول ابن أبي الخصال.
عذراً إليك أعزك الله فإني حططت والنوم معازل والعز منازل والريح يلعب باسلراج ويصول عليه صولة الحجاج وطوراً يسدد سناناً وطوراً يحركه لساناً وآونة يطوي جنابه وأخرى ينشره ذؤابه ويقيمه أبرة لهب ويعطفه برة ذهب او حمة عقرب وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات ويتسلط على سليطه ويزيله عن خليطه ويخلفه نجماً ويمده رحماً وتسل روحه من ذباله ويعيده إلى حاله وربما نصبته إذن جواد ومسخته حدق جراد ومشقته خاطف برق بكف ودق ولثمه سناه قنديله ولفت على أعطافه منديله فلاحظ منه للعين ولا هداية في الطرس لليدين.
قال شرف الدين التيفاشي رأيت فيما يرى النائم قائلاً يقةول لي تحفظ في السراج والمسرجة فأنشدته قول ابن الرومي:
وحية في رأسها درة ... تسبح في بحر قصير المدا
إذا تولت فالعمى حاضر ... وإن تجلت بان طرق الهدى
فقال لي هذا في الذبالة وأنا سألتك في السراج والمسرجة فأنشدته قول الصنوبري:
إن سراجاً نوره ظلمة ... كأنما يوقد في قلبي
الحب أضناني فما باله ... بفتى وما يشكو جوى الحب
فقال هذا في السراج وأنا سألتك في السراج والمسرجة فصمت فقال أراك سكت فقلت له ما تحفظ فيهما أنت فأنشد:
مسرجة تسرج من فوقها ... ذبالة في جوف مصباح
كأنها مسرجة فوقها ... تفاحة في غصن تفاح
فاستيقظت وأنا احفظهما.
قال شهاب الدين بن أبي حجلة وهذا التشبيه في المسرجة جيد في مسارج العرب فإن مسرجتهم قضيب أملس أشبه بغصن التفاح.
قلت: لا يخفى ما في هذين البيتين من الحسن وجودة التركيب في قوله في البيت الأول مسرجة ثم في الثاني كأنها مسرجة وقوله تفاحة في غصن تفاح وما أعرف لهما شبيهاً إلا قوال ابن وزير في الحمام.
حكي أن ابن قزمان الوزير أبي بكر صاحب الأزجال المشهورة قام من مجلس انس فمال على السراج فأطفأه فقال في الحال:
يا أهل ذا المجلس السامي سرادقه ... ما ملت لكنني مالت بي الراح
فإن أكن مطفئاً مصباح بيتكم ... فكل من حل فيكم فيه مصباح
قال القاضي كمال الدين بن العديم (مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة تسع وخمسين وستمائة) في تاريخ حلب أن القاضي شمس الدين بن خلكان الأربلي مذهب الشافعي وأنشدني لنفسه ملغزاً في السراج:
أيها العالم الذي ... صار حبراً ممارساً
والذي موضحاته ... يجتليها عرائساً
أي شيء ترى الورى ... جمعهم منه قابساً
إن في السرب نصفه ... حيث ما كان كانساً
ثم صحف تمامه ... تلق خلا مؤانساً
واحذفن منه ثالثاً ... تنظرن فيه فارساً
من يصحفه عاكساً ... يلق في الليل حارساً
وما أحسن قول القاضي الفاضل يعتذر عن كتاب كتبه إلى بعض أصحابه ليلاً كتبها الملوك ليلاً وقد عمشت عين السراج وشابت له الدواة وكل خاطر السكين وخرس لسان القلم وضاق صدر الورقة فإذا وقف سيدنا على هذا الكتاب فليقف على بيمارستان وليقل الباذنجان من هذا لايقل هذا من الباذنجان.
وقال ابن تميم في سراج يوقد من سراج:
أعلمتم يا قوم أن سراجنا ... أمسى وفيه فضليه لاتكتم
يأتي أخوه إليه حاسر رأسه ... فيعيده في الحال وهو معمم
نادرة: اتفق أن أبا الحسين الجزار قام مرة إلى بيت الخلاء فناوله السراج الوراق شمعة فقال الجزار ما عادتي أقضي الشغل إلا على السراج.
وما أظرف قول زين الدين ابن الوردي:
لي صاحب واسمه سراج ... ما قرّ لي عنده قرار
لسانه محرق لقلبي ... إن لسان السراج نار
وممن أكثر من ذكر السراج الأديب الفاضل الكامل سراج الدين عمر الوراق حتى إنه قيل له لولا لقبك راح نصف شعرك، فمن ذلك قوله:
стр. 41
إذا بحت بالشكوى عتبت معاشراً ... بلا راحة في مدحهم أتعبوا ذهني
يريدونني رطب اللسان ومن رأى ... سراجاً غدا رطب اللسان بلا دهن
وقوله بتقاضي زنجبيلاً:
مولاي بدر الدين أن? ... ?ت في المكارم تاجها
ولديك بغية كل نف? ... ?س آمليك وحاجها
ولنور وجهك في الفضا ... ئل قد أقر سراجها
أنسيت سورة هل أتى ... ونسيت كان مزاجها
وقوله:
أقول في يوم شتاء به ... من سحبه ما خلف النيلا
خرجت من بيتي سراجاً وقد ... عدت بحمد الله قنديلاً
وقوله:
سبق السراج إلى امتدا ... حك كل من يتقدمه
وسناك مسرجة لبا ... بك والمهابة تلجمه
ولكن توقد ذهنه ... ما كل شيء يفحمه
وقوله:
كم قطع الجود من لسان ... قلد في نظمه النحورا
وها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا
وقوله:
بنيّ اقتدى بالكتاب العزيز ... فراح ليرى سعياً وراجاً
فما قال لي أف مذ كان لي ... لكوني أبا ولكوني سراجاً
وقوله:
أثنى عليّ الأنام إني ... لم أهج خلقاً ولو هجاني
فقلت لا خير في سراج ... إن لم يكن ذاك في اللسان
وقوله:
قلبي لديك وطرفي طال بعدهما ... عني فلي أبداً سهد وتذكار
ولست متهماً قول السراج إذا ... ما قال من حرق في قلبي النار
وقوله:
بكتبك راح لي أملي وقصدي ... وفي يدك النجاح لكل راجي
ولولا أنت لم ترفع مناري ... ولا عرف الورى قدر السراج
وقوله: وقد اجتمع ببدر الدين بيليك وشمس الدين سنقر:
لما رأيت البدر والشمس معاً ... قد انجلت دونهما الدياجي
حقرت نفسي ومضت هارباً ... وقلت ماذا موضع السراج
وقوله: يمدح ضياء الدين:
أمولانا ضياء الدين دم لي ... وعش فيقاء مولانا بقائي
فلولا أنت ما أغنيت شيئاً ... وهل يغني السراج بلا ضياء
وقوله:
شعيرتي مذ رمدت قد حجبت ... شخصك عني وكان مأنوساً
فالحمد لله زادني شرفاً ... كنت سراجاً فصرت فانوساً
وقوله:
إلهي قد جاوزت سبعين حجة ... فشكراً لنعماك التي ليس تنكر
وعمرت في الإسلام فازددت بهجة ... ونوراً كذا يبدو السراج المعمر
وعمم نور الشيب رأسي وسرني ... وما ساءني إن السراج منور
وقوله:
طوت الزيادة غذ رأت ... عصر الشباب طوى الزيادة
ثم انثنت لما انثنى ... بعد الصلابة كالحجارة
وبقيت أهرب وهي تس? ... ?أل جارة من بعد جاره
وتقول ياستي استرح? ... ?نا لا سراج ولا منارة
وقال فيه بعض شعراء عصره والسراج عمر عالي المنار ويتوقد دكاً ولو لم تمسه نار.
حكى أنه جهز غلاماً ليبتاع له زيتاً طيباً يأكل به لفتاً فأحضر وقلبه على اللفت فوجده زيتاً حاراً فأنكر على الغلام وأخذه وجاء إلى البياع وقال لم تفعل مثل هذا بنا فقال والله ياسيدي مالي ذنب إلا أنه قال لي أعطني زيتاً للسراج.
وحكى عنه أيضاً انه دعى إلى زفة فقالوا له صبيحتها أيش كان حالك يا سراج الدين البارحة فقال أيش حال سراج بين ألف مشعل.
ومثلها ما حكاه لي الوزير المرحوم فخر الدين بن مكانس عن صاحبه سراج الدين القوصي أنه كان حصل له طلوع في جسده فتردد إليه المزين فقال أيش حال سراج فيه سبع فتائل.
وأنشدني لنفسه يداعب المذكور وكان سكندري الأصل:
يا ذا السراج اشتر أيري فأنت به+أولى وذلك للأمر الذي وجبا
سكندري وتدعى بالسراج وذا ... مثل المنار إذا ما قام وانتصبا
وما أحسن قول بعضهم: *ومتى أظلم خطب عمر الله السراجا * فصل في القنديل: قال شمس الدين محمد بن العفيف:
صفا باطني صرفاص كمارق ظاهري ... وناجيت فتياناً من الشرب أكياساً
إذا نهضوا كنت الرفيق لهم إذا ... وإن جلسوا أمسيت في الوسط جلاساً
ولآخر:
وقنديل كان الضوء فيه ... سنا وجه الحبيب إذا تجلا
أشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر ذيله هرباً وولى
ولآخر:
وشادن مرّ والقنديل في يده ... ما بيننا وظلام الليل معتكر
стр. 42
كأنه فلك والماء فيه سما ... والنار شمس يه والحامل القمر
وله:
عجبت لقنديل تضمن قلبه ... زلالا وناراً في دجى الليل تشعل
وأعجب من ذا انه طول عمره ... يجن عليه الليل وهو مسلسل
الباب الخامس عشر
في الخضروات والرياحين
الورد كان المتوكل يقول أنا ملك السلاطين والورد ملك الرياحين فكل منا أولى بصاحبه وكان قد حرم الورد على جميع الناس واستبد به وقال لايصلح للعامة فكان لا يرى الورد إلا في مجلسه وكان أيام الورد لا يلبس إلا الثياب الموردة ويفرش الفرش الموردة يوورد جميع الآلات.
ورفع إلى المأمون أن حائكاً يعمل سنته كلها لا يتعطل في عيد ولا جمعه فإذا ظهر الورد طوى عمله وغرد بصوت عال:
طاب الزمان وجاء الورد فاصطحبوا ... مادام للورد أزهار وأنوار
فإذا شرب مع ندمائه غنى:
اشرب على الورد من حمراء صافية ... شهراً وعشراً وخمساً بعدها عدداً
ولايزال في صبوح وغبوق ما بقيت وردة فإذا انقضى الورد عاد إلى عمله وغرد بصوت عال:
فإن يبقني ربي إلى الورد أصطبح ... وندمان صدق حاكة ونبيط
فقال المأمون لقد نظر إلى الورد بعين جليلة فينبغي أن نعينه على هذه المروءة فأمر أن يدفع له كل سنة عشرة آلاف درهم.
وقال ابراهيم الخواص إذا جاءت أيام الورد أمرضني علمي بكثرة من يعصي الله تعالى فيه.
جلس روح بن حاتم أمير أفريقية يوماً في منظر له ومعه جارية من جواريه فدخل الخادم بقادوس فيه ورد أحمر وأبيض في غير أوان الورد فاستظرفه وسأل الخادم عن أمره فأخبره أن رجلاً أتى به هدية فأمر أن يملأ له القادوس دراهم فقالت له الجارية ما أنصفته قال ولم قالت أتى بلونين أحمر وأبيض فلونه له فأمر أن يخلط دنانير ودراهم فخلط ودفع إليه.
ويقال عن كسرى مر بوردة ساقطة فقال أضاع الله من أضاعك.
خواصه: بارد يابس في الدرجة الأولى يابس في آخر الدرجة الثانية نافع لصاحب المرة الصفرا ومن به حرارة حريقة مسكن للصداع المتولد منها ضار لصاحب المزاج البارد مهيج لعطاسه مزعج لدماغه ومرباه بالسكر والعسل ينفع من البلغم وماؤه المصعد منه بارد وطب نافع من سائر أوجاع الدماغ الحادة ومن الأورام الحارة نقلتها من النور المجتبي من رياض الندماء تأليف الحكيم الفاضل الأديب المعروف بالعنبري وبابن المحلى ذكره الفاضل المؤرخ موفق الدين بن أبي أصيبعة في تاريخ الأطباء وأثنى عليه الثناء البالغ.
وعلى مصنفه المذكور قلت وهذا الكتاب رتبة على فصول السنة كل فصل يشتمل على أربعين باباً عديم النظير قليل الوجود.
القول في استخراجه في غير أوانه: قال صاحب المباهج من احرق السداب في أصول شجر الورد حتى يرتفع وجه الإحراق إلى الشجر في أي وقت كان من السنة التي تورد شجرة الورد فيه وردت بعد أيام ورداً غضاً ومتى جمع الرماد التي احرق وخلط بتراب ونيش أصل الشجرة التي أحرق ذلك في أصولها وطمر الرماد ثم سقيت الماء في الوقت وسقيت بعد ذلك على العادة كان ما ذكرناه أيضاً.
الحيلة في أن يبقى الورد السنة كلها في الفلاحة الرومية: يؤخذ زر ورد الذي لم يفتح بعد فتملأ به جرة فخار جديدة وتطين رأسها تطيناً محكماً لا يتخلله الهواء ويدفن في الأرض فإنك تخرج منها الورد متى شئت إلى آخر السنة كهيئة حين أدخلته فيها فرش عليه ماء ويترك في الهواء فإنه يفتح ورداً طرباً كالذي يقطف من شجره.
وفي كتاب الخواص أن الورد الأحمر إذا بخر بالكبريت أبيض وإذا بخر نصف الوردة صار نصفها أبيض ونصفها أحمر والورد الأحمر إذا بخر بالنورة المطفية أبيض وإذا صب في الشتاء في أصول شجر الورد ماء حار عند كل غداة انفطر قبل انفطار الورد.
стр. 43
غرائب من هذا النبات: حكى صاحب نشوار المحاضرة أنه رأى ورداً اصفر واستغرب ذلك وقد رأيناه كثيراً غلا انه امتاز بكونه عد ورق وردة فكانت ألف ورقة ورأى ورداً أسود حالك اللون له رائحة ذكية ورأى بالبصرة وردة نصفها احمر قاني الحمرة ونصفها الآخر ناصع البياض والورقة التي قد وقع الخط فيها كائنها مقسومة بقلم قال صاحب المباهج وحكى لي بعض أصحابي أنه رأى ورداً بدمشق له وجهان أحد الوجهين أحمر والآخر أبيض لا يشوب أحدهما شيء من الآخر وأخبرت أن بحلب ورداً أحد وجهي الورقة أحمر والآخر اصفر وأما الورد الأزرق فقد حكى لي بعض أصحابي أن رجلاً أخبره أنه رأى أكاراً يجري إلى شجرة الورد ماء مخلوطاً بالنيل قال فسألته عن ذلك فقال إن الورد يكون ازرق بهذا العمل والظاهر من الأسود أنه احتيل عليه كذلك.
وذكر ابن قتيبة أن بالهند شجراً يخرج ورداً عليه كتابة تقرأ لا إله إلا الله، وحدث أن منقذ لما عاد من المغرب وكان قد توجه إليه رسولاً من صلاح الدين أن في مراكش ورداً كل وردة من الثمانين ورقة إلى المائة ورقة.
الوصف والتشبيه قال بعضهم وصدق:
للورد عندي محل ... ورتبة لاتمل
كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل
وقال آخر وظرف:
كتب الورد إلينا ... في قراطيس الخدود
يا بني اللهو صلوني ... قد دنا وقت ورودي
ولبعضهم في باكورة ورد:
ودونك يا سيدي وردة ... يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها رأسها
وقال علي بن الجهم في صبابته:
لم يضحك الورد إلا حين أعجبه ... حسن الرياض وصوت الطائر المغرد
لا عذب الله غلا من يعذبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد
وفيه لجحظلة:
يعز علي بأن يشمك ساقط ... أو أن تراك نواظر البخلاء
وقال محمد بن عفيف التلمساني:
قامت حروب الدهر ما ... بين الرياض السندسيه
وأتت بأجمعها لتغ? ... ?زو روضة الورد الجنيه
لكنها أنكسرت ل ... أن الورد شوكته قويه
وتلطف الشيخ زين الدين بن الوردي في قولاه مويا باسمه:
مهفهف القد إذا ما انثنى ... قال ولا يخشى من الرد
ما أنت حملي يا كثيب اللوى ... ولست يا غصن النقا قدي
لو نلت من خديه تقبيلة ... تزين الريحان بالورد
ما أحقه بقول القائل شاكر نفسه يقرئك السلام.
قلت: أحسن من بيته الثاني ما أنشدنيه من لفظة لنفسه ونقلته من خط المرحوم فخر الدين بن مكانس من أبيات:
اسمران عاين غصن البان ... قال استقم فأنت ذو الوان
يثنيك في الدوح النسيم الواني ... وليس لي في قامتي من ثاني
*فلا تقاسني فلست قدي * رجع وقال أبو الوليد بن الحنان الشاطبي (مولده سنة خمس عشرة وستمائة، ووفاته سنة خمس وسبعين وستمائة) :
فوق خد الورد دمع ... من عيون الحب تذرف
برداء الشمس أضحى ... بعد ما شال يحفف
وقال برهان الدين القيراطي:
إن للروح في دمشق لمأوى ... ذا قرار وذا معين وربوه
وبروضاتها بساتين ورد ... لي بأزرارها صبابة عروة
وقال بعضهم وأصاب:
كم وردة تحمى بسيف الورد ... طليعة تشرعت من جند
قد ضمها في الغصن قرص البرد ... ضم فم لقبلة من بعد
ومن أحسن ما استعمل أوصاف الورد في اعتذاره عن الإصغاء إلى كلام العذول مجد الدين النسائي الأربلي (مولده سنة اثنين وثمانين وخمسمائة، وتوفي في سنة ست وستمائة) شعر:
أصغي إلى قول العذول بجملتي ... مستفهماً عنكم بغير ملالي
لتلقطي زهرات ورد حديثكم ... من بين شوك ملامة العذالى
السرى الرفا يصف ورداً أبيضاً قال:
بدا أبيض الورد الجني كأنما ... تبسم للناس بمسك وكافوري
كأن اصفراراً منه تحت بياضه ... برادة تبر في مداهن بلوري
ولبعضهم في الورد الأسود:
لله اسود ورد ظل يلحظنا ... من الرياض بأحداق اليعافير
كأنما وجنات الريح نقطها ... كف الإمام بإنصاف الدنانير
ولآخر فيه:
وورد اسود خلناه لما ... تنشق نشره ملك الزمان
مداهن عنبر غصن وفيها ... بقايا من سحيق الزعفران
وقال مجير الدين بن تميم مضمناً:
стр. 44
لم أنس قول الورد حين جنيته ... والنار لاستقطاره تتسعرو
ناشدتكم نفسي خذوه وإنما ... لاتعجلوا في قبض روحي واصبروا
من رسالة كتبها الجناب المجدي فضل الله ابن المرحوم فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس إلى سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين محمد بن أبي بكر عمر المخرومي المالكي الشهير بابن الدماميني اسبغ الله عليه ظلاله ملغزاً في ورد وكان سيدنا بدر الدين قد كتب إليه قبلها لغزاً في قدح فحله وكتب إليه هذا اللغز ونقلته من خطه وهو: ما عاطل تتحلى به المجالس ويتفكه فيه المجالس تحمر وجناته من الشرب وتحمر آثاره في البعد والقرب إن قبلته رأيت تاجاً وإن تركته على حاله زادك ابتهاجاً يعذب بالنار وغيره الجاني ويريك إن بدلت أوله برد الأماني يستخرج وهو داخل ويرى دمعه من نار قلبه هاطل لايبرح به في غبطه ولا تجد فيه مع انهماله نقطه إن حذفت أوله وحرفت باقيه وجدته أمراً بالشراب وإن فعلت كذلك في ثانية ما بقي يؤكد للمحبة بين الصحاب وور إن حذفت أخيره كمن ورا وغص في بحر الفكر على عكس ثلثيه لستخرج درا وقد سطره ليحصل له من نظر المخدوم طرفاً ويصير له في الألغاز شرفاً والمملوك يسأل الصفح والامتنان وبسط العذر في هذا الهذيان فإنه لولا المحبة ما أجاب ولا طرق بعد فقد أبيه هذه الأبواب ولا عارض بجد وله البحر العباب فإن بضاعته في هذا الفن مزجاة وهم أبيه غطى على حجاه والله المسئول أن يلطف برحمته ويحسن عاقبته في دنياه وآخرته ويمتع مولانا بزناد ذهنه الواري ويطلعه وبينه في سماء الفضل حتى يهتدي بالنجوم والدراري بمنه وكرمه، فكتب الجواب سيدنا بدر الدين وينهي ورد الجواب الذي شفي الصدور وروده واللغز الذي نسي بورده بأن الحما وزر وده فوجده روض بلاغة عدم العابث والعائب وترعرع زهره حيث أمطرته من أنامل المخدوم خمس سحائب وتمسكت أذيال أنفاسه بالرواية عن أبي الطيب وجاد فكر مولانا على خد طرسه بالعارض الطيب فلو شاهده ابن الوردي لاحمر خجلاً أو صاحب زهر الآداب لتلون وجلاً ثم تأمل حل اللغز فرآه قد كشف المشكل وجلا واعترف بأنه لم يمر بذوقه أطيب من ذلك الحل ولا أحلى وتحقق أن مولانا أوسعه في مقام الأدب بفضله إيناساً وتناول منه قدحاً فأعاده بألفاظه المسكرة كاساً وانتهى المملوك إلى اللغز المخدومي فقال:
مولاي مجد الدين يا من فضله ... يروي وجود كفه يروي الصدا
ألغزت في اسم عاطل حليته ... منك بدر اللفظ أو قطر الندا
إن ورد التحريف في أبياته ... كان لشانيك هلاكا ورداً
وقال أيضاً:
لله لغزك يا مولى فضائله ... قد عطر الأكوان منها أطيب أنفاس
أتى بورد فحياني على قدحي ... به وأبهجني ما بين جلاسي
وقد أسى جرح كسرى حين اقبل لي ... روحي الفداء لذاك الورد والآسي
فاستحلي المملوك بالتحريف ورده وود لو اقتطف من أغصان حروفه ورده فرده ذل القصور عارياً من ملابس عزه وأنشده قول ابن قلاقس وقد تقلى بنار عجزه:
إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشميم
فراج عليه بهرج هذا الرأي الكاسد واقتنع بالشم على رغم أنف الحاسد وعلم أن هذا الورد لايحسن من غير تلك الخضرة وإن هذه الفاكهة لا يخرجها إلا أغصان أقلام لها بندي الراحة المخدومية بهجة ونضرة ومشى نظر المملوك من هذا اللغز في بساتين الوزير على الحقيقة ورأى منه كل وردة واحب الوجنات الحمر فتحير أهي وردة أم شقيقة وتفكر معجباً بثمار غرسه لمن كرر النظر في صفحة طرسه:
عن كنت تزعم ما خده عجب ... قم فانظر الورد في خديه منثوراً
стр. 45
فلقد ظفرت من نفسه بالعنبر وعوذته عند تبديل الثلاثة بالواحد الفرد وتأملت بفتور قريحتي نكتة برد الأماني وانعقد لساني بسحر هذا البيان ونفثات تلك المعاني وتيقنت أنه لا يقوى لفهم هذا البرد إلا كل حديد النظر ووجدت تصحيف هذه الكلمة يا شمس الفضائل للعقول فمر وعلمت إن الفكر لا يجاري من بديهيته من بحار الفضل روية وإن الخاطر الذي هو من ضعفة رعايا الأدب لا يقوى على سلطان هذا اللغز لأن شوكته قوية وقلت للذهن رد بعضه لتنهل شراباً سائغاً وزد تصحيفه ليكون في التعريف بمعناه مبالغاً وتمتعت من ورده الوارد بالشموم ثم تذكرت البعد عن جناب المخدوم فاستقطر البين ماء الورد في حدقي ولمولانا المنة في الصفح عن مقابلة الدر بالسقط وتمر هجر بهذا الحشف الملتقط وله الفضل في إجابة المملوك إلى ما سأله أولاً من الاتحاف بما تيسر من آداب المقر الفخري الوالد نور الله ضريحه وتعاهد بعهاد الرحمة بمنه وكرمه.
ولبعضهم في الورد القحابي:
ووردة جمعت لونين خلتهما ... خدي حبيب وخدي هائم عشقا
تعانقا فبدا واش فراعهما ... فاحمر ذا خجلاً واصفر ذا فرقا
وظرف من قال كأنه وجنة الحبيب وقد نقطها عاشق بدينار انظر إلى هذا وجنة وحبيب ودينار وأين هذا من قول ابن الرومي (مولده سنة إحدى وعشرين ومائتين، ووفاته سنة أربع وثمانين وسبعمائه) :
كأنه سرم بغل حين سكرجه ... بعد البراز وباقي الروث في وسطه
ونقلت من خط شيخنا شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الشهير بابن سمنديار الذهبي لنفسه:
إذا الربيع جيشت أزهاره ... فورده ذو الشوكة السلطان
وأنشدني من لفظه لنفسه ارتجالاً الشيخ الأديب الفاضل بقية المتأخرين شمس الدين محمد بن بركة الرئيس فسح الله في مدته:
شاب ورد الرياض من ... ورد خديك وانفرك
فله الناس أثبتوا ... وانتقى الورد للكرك
النرجس قال أبقراط كل شيء يغدو الجسم والنرجس يغدو العقل.
وقال جالينوس من كان له رغيف فليجعل نصفه في النرجس فإنه راع الدماغ والدماغ راعي العقل.
ويروى عن علي كرم الله وجهه أنه قال تشمموا النرجس ولو في اليوم مرة فإنه في القلب داء لا يبرئه إلا شم النرجس.
وقال الحسن بن سهل من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن من البرسام في الصيف، وكان كسرى أنوشروان مغرماً بالنرجس ويقول هو ياقوت اصفر بين در أبيض علي زمرد أخضر.
وقال إني لاستحي أن أباضع في مجلس فيه النرجس لأنه أشبه شيء بالعيون الناظرة، ومن هنا أخذ من قال:
غضى جفونك يا عيون النرجس ... لعسى أفوز بنظرة من مؤنسي
فلقد تحير إذا أراك شواخصاً ... تروينه بلواحظ المتغرس
حتى كأنك لن ترى قمر الدجا ... بين الأحبة طالعاً في مجلس
نادرة: تحدث رجل مع خاطبة في أن تخطب له امرأة يتزوجها فقالت له عندي امرأة كأنها طاقة نرجس فتاقت نفس الرجل إليها فتزوجها فلما زفت إليه وكشف القناع لقي عجوزاً مكمشة الوجه بيضاء الشعر دقيقة الساقين صفراء الوجه مخضرة الساقين بالشعر فلم يقربها وعاد باللوم على الخاطبة وقال لها كذبتيني وغريتيني فقالت له ما كذبتك ولا غررتك وإنما أنت رجل جاهل قلت لك عندي امرأة كأنها طاقة نرجس فرغبت وماهي طاقة النرجس غلا هكذا.
خواصه حار يابس ينفع من سائر أوجاع العصب من برد وكذلك النسرين ويصدع النرجس الرؤوس الحارة وفعلهما أقل من فعل الياسمين وينفعان من وجع الأرحام من برد ويفتح سدد الدماغ وينفع من الصداع البارد الرطب والسوداوي ودهنه ينفع من أوجاع المفاصل. انتهى كلام ابن المحلي في النور.
стр. 46
وقال صاحب المباهج خاصيته للنفع من الأوجاع الباردة الكائنة في الرحم اصله يدمل القروح وينفع من أوجاع المفاصل وإذا سحق اصله وخلط بدقيق واغتسل به نقى أوساخ البدن والقروح وإذا تضمد به فجر الأورام والدملات وهذا الفعل موجود في أصله وزهره ورائحته مقوية للدماغ للسدد طاردة لما في بطونه من الأرياح وإذا أديم شمه نفع من الصداع الكائن من بخار البلغم ومن الرطوبة المحتقنة فيما بين أعشية الدماغ وإن اتخذ منه شمامة مستديرة في شكل الرمانة ورش عليها شيء من ماء الورد الممسك وبخرت بالند الرفيع أو العود الرطب والزعفران الشعر الطردي اكسبها البخور بذلك نفعهاً عظيماً وإن شوى بصلة في النار أو في الرمادى وقشر وسحق في الهاون وسكب عليه شيء من دهن الحبري وأغلى بالدهن وضمد به على الخنازير والجراحات الفجة الجاستة والدماميل الصلبة ألانها وفجرها.
وفي كتب الخواص قال هرمس إذا وضعت طاقات النرجس التي لم تفتح بعد في ماء البقم حتى ينفخ فيه أبدل من بياض أوراقه حمرة شديدة وبقيت على حالها.
الفلاحة: التنطية إن أوقف ما غرس بصل النرجس في الأرض التي أقام الماء فيها عشرة أيام أو عشرين يوماً ثم نضب الماء عنها وجف وبقي فيها شيء من النداوة يسير فليحفر في همة الأرض حفاير عمقها قدم أو أقل ويجعل البصلة فيها ويغطي بالتراب ويكبس فوقه التراب كبساٍ جيداً فإذا ابتدأ يطلع منه شيء يسير فيسقي سقية خفيفة ويتعاهد كذلك حتى يكمل ورده.
ومن أراد أن يجعل العين منه مضاعفاً فيأخذه بصلة سمينة فيشق وسطها ويغرس فيها سن ثوم غير مقشر ويغرقها في البصلة في التراب فإنها تحمل نرجساً مضاعفاً.
غريبة: ذكرها صاحب المباهج من أخذ من بصل النرجس بصلة كبيرة وأخدشها بالمسلة من ذهب خالص ثم غرز البصلة برأس المسلة باليد اليسرى ثم يدور الماسك في الموضع الذي يريد أن يغرس فيه تلك البصلة خمس دورات وهو يضحك أو يتضاحك ثم يغرسها في مقطع الدورة الخامسة فإن تلك البصلة تحمل نرجساً أحمر مثل الشقيق طيب الريح جداً وصفة غرسه كما يفعل بغيره ومن أراد أن يكون النرجس في غير أوانه فليحرق السداب مع شيء في قشور الجوز على منابت أصله فإنه يسرع إخراج ورقة الوصف وقال ابن الرومي:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلاً يورد عليه شاهد
لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناصله الفصيلة عاند
للنرجس الفضل المبين وإن أبي ... آب وحاد عن الطريقة حائد
فصل القضية إن هذا قائد ... زهر الربيع وإن هذا طارد
شتان بين اثنين هذا موعد ... بتصرم الدنيا وهذا واعد
فإذا احتفظت به فامنع صاحباً ... بجنابه لو أن حيا خالد
يلهي النديم عن النديم بلحظة ... وعلى المدامة والسماع مساعد
اطلب بعيشك في الملاح سميه ... أبداً فإنك لا محالة واجد
والورد إن فتشت في فرد اسمه ... ما في الملاح له سمي واحد
هذي النجوم هي التي ربتهما ... بحيا السحاب كما يربي الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبهاً بوالده فذاك الماجد
أين العيون من الخدود نعاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
وناقضه أحمد بن يونس الكاتب فقال:
يامن يشبه نرجساً بنواظر ... دعج تنبه إن فهمك راقد
أين القياس ولم يصح قياسه ... بين العيون وبينه متباعد
والورد أشبه بالخدود حكاية ... فعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره متأهل ... لخلوده لو أن حيا خالد
إن قلت إن الورد فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمي واحد
فالشمس تفرد في اسمها والمشتري ... والبدر يشرك في اسمه وعطارد
أو قلت إن كواكباً ربتهما ... بحيا السحاب كما يربي الوالد
قلنا أحقهما بطبع أبيه في ال? ... ?جدوى هو الزاكي النجيب الراشد
زهر النجوم تروقنا بضيائها ... ولها منافع بعد ذا وعوائد
وكذلك الورد الأنيق يروقنا ... وله فضائل خمسة وفوائد
وخليفة إن عاب آب بنفحة ... ونسيمه أبداً مقيم راكد
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعدما ... وضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفر لوناً منهما ... وافطن فما يصفر إلا الحاسد
стр. 47
وقال سعيد بن هاشم الخالدي يفضل النوعين:
أيحب النرجس البلدي ودي ... وما لي باجتناب الورد طاقة
كلا الأخوين معشوق وغني ... أرى التفضيل بينهما حماقة
هما في عسكر الإزهار هذا ... مقدمة يسير وذاك ساقه
وقال أبو العلاء المعري الشروي يهجو النرجس:
انظر إلى نرجس تبدت ... صيحاً لعينيك منه طاقة
واكتب أسامي مشبه به ... بالعين في دفتر الحماقة
كرّاثة ركبت عليها ... صفرة بيض على رقاقة
وقال ابن الشلبي البغدادي فيهما:
ونرجس قابل في مجلس ... ورد غلا في نعته الناعت
فخذ ذا يخجل من لحظ ذا ... وطرف ذا في وجه ذا باهت
وقال منصور الهروي يصفه مع البنفسج:
قرن الزمان إلى البنفسج نرجساً ... متبرجاً في حلة الإعجاب
كخدود عشاق غدت ملطومة ... نظرت إليها أعين الأحباب
ولما دخل الأديب الفاضل المؤرخ الرحال نور الدين علي بن سعيد إلى القاهرة المحروسة صنع له أدباؤها صيغاً في بعض منتزهاتها وانتهت بهم الفرجة إلى روض نرجس وكان فيهم أبو الحسين الجزار فجعل يدوس النرجس برجليه فقال ناصر الدين حسن بن النقيب:
يا وطئ النرجس ما تستحي ... أن تطئ الأعين بالأرجل
فتهافتوا بهذا البيت وارموا إجارته فقال زكي الدين بن أبي الإصبع:
فقال دعني لم أزل محنقاً ... على لحاظ الرشاء الأكحل
ثم أبوه أن يجيزه غيره أعني ابن سعيد فقال:
قابل جفوناً بجفون ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل
ثم استدعاه ابن سابق إلى مجلس على النيل مبسوط بالورد قامت به شمامة نرجس فقال في ذلك:
من فضل النرجس فهو الذي ... يرضي بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمته النرجس
وقال مجد الدين بن سحنون خطيب النيرب وقد أهدى نرجساً:
لما تحجبت عن طرفي وارّقني ... بعد ولم تحظ عيني منك بالنظر
أرسلت مشبههاً من نرجس عطؤر ... كيما أراك بأحداق من الزهر
وقال صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
أقول وطرف النرجس الغض شاخص ... إليّ وللنمام حولي المام
أيا رب حتى في الحدائق أعين ... علينا وحتى في الرياحين نمام
وما أحسن قول بدير المجنوي رحمه الله تعالى:
وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لف ثيابه في رأسه
وأظرف من قال:
يغض من فرط الحيا طرفه ... ما أحسن الغض من النرجس
ونقلت من خط المرحوم فخر الدين بن مكانس لنفسه:
بعدك شمس الدين ياما جرى ... من أدمع الطل بخد الشقيق
والنرجس الغض غدا شاخصاً ... فلا تخلي عنه للطريق
زاد على البيتين المتقدمين وأجاد:
ليس جلوس الورد في مجلس ... قام به نرجسه يوكس
وإنما الورد غدا باسطاً ... خداً ليمشي فوقه النرجس
قول أمين الدين الجوتان توفي سنة ثلاث وستين وستمائة:
نفش غض البان أذنابه ... وماس عند الصبح زهواً وفاح
وقال هل في الروض مثلي وقد ... تعزى إلى غصني قدود الملاح
فحدق النرجس يهزو به ... وقال حقاً قلت ذا أم مزاح
بل أنت بالطول تحامقت يا ... مقصوف عجباً بالدعاوي القباح
فقال غصن البان من تيهه ... ما هذه إلا عيون وقاح
وأنشدني من لفظه لنفسه ارتجالاً بحضوري ونحن نتنزه بجزيرة الفيل وقد مررنا بقطعة نرجس نسقي سيدنا المقر المجدي فضل الله ابن مكانس أبقاه الله:
وجدول الماء يجري بين نرجسه ... لذي البصائر جرى الطيف في المقل
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله في كتابه مسالك أبصار في ترجمة ابن تميم وحكى أنه حضر في مجلس بعض الأكابر وقد غض المجلس وبهتت فيه عيون النرجس وقمعت فيه أصابع المنثور وأعطى فيه أمير الحسن ذؤابة شعره المنشور وطال أعمال الكئوس حتى غمضت الجفون ولم يبق دور الكاس خال من الجنون وأن أمنية ابن تميم قد تركه السكر ملقى وخلا خده المصرج محلقاً فنهض غير مرة لتقبيله ثم خاف أعين قتيله فقعد بعد اللجاج ورجع رجوع الصادي والماء يجلي عليه في الزجاج فقال:
كيف السبيل لأن أقبل خد من ... أهوى وقد نامت عيون الحرس
стр. 48
وأصابع المنثور تومي نحونا ... حسداً وتغمزنا عيون النرجس
البنفسج: بارد رطب فيه حرارة يسيرة تتحلل بها الأورام وهو ينفع المحرور وينوم نومات معتدلاً ويذهب الصداع العارض من المرة الصفراء والدم الحريف وهو وشرابه يسهل المرة الصفراء وينفع للصدر والرئة وكذلك مرباه ينفع من ذات الجنب انتهى كلام ابن المحلي في النور.
وقال صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر: البنفسج من الرياحين اللطيفة ومن الخواص الظريفة أن من أراد أن يكون البنفسج على غير سبيل الفلاحة في السرعة أن يأخذ من السداب البستاني شيئاً يكون مقداره في القلة والكثرة بمقدار البنفسج ويكون السداب لم يصبه الماء البتة بل يقطع من منابته ويجفف حتى يزول التراب المتعلق بعروقه عند قلعه ثم يؤخذ لكل طاقة بنفسج طاقة سداب ويعمد إلى أطراف مجاري الماء إلى أصول البنفسج فيجعل فيها السداب ويؤخذ من أغصان خشب التين المجففة شيء ثم يحرق الجميع على مقربة من البنفسج بحيث لايبلغ لهب النار إليه فإنه متى فعل ذلك للبنفسج أهاجه وحمل بعد عشرين يوماً من هذا الفعل.
ومن عجيب أمره أن الإنسان إذا تغوط في مجاري الماء إليه مات ودبل وكذلك إن خرج منه ريح في مزرعته وحاجته إن كان ابتدأ في توريده فإنه يفسده ولا يكاد يجذب من الماء الذي يسقي به شيئاً وأنه إذا دام الضباب عليه يوماً أو نحوه ضعف ومتى توالى نقصت زهرته وصغر ورقه وتغيرت رائحته ومن الأشياء المضار قلة القصب فإنه لا يفلح بقربه ولا ينمو ومن آفاته المهلكة له والمضعفة لقوته لسرعة قبوله للتأثيرات الرديئة أن تقع صاعقة على أربعمائة ذراع منه أو اقل فإنه يهلك سريعاً والبرد يفسده فساد الإصلاح معه وكذلك الرعد الشديد المتابع يضعفه ويوهنه والسمائم أيضاً تتلفه والريح الشمال الباردة والمطر الكثير يذهب به لضعف ساقه وماء الآبار الثقيل يضعفه وربما أهلكه وكذلك الدخان إذا دام عليه ولا ينبغي أن يماسه في منبته تراب من قبور أو ما يقرب من القبور فإن ذلك يضعفه وإن أصابه أهلكه.
الوصف من رسالة لأبي العلاء عطاء بن يعقوب يصفه سماوية اللباس مسكية الأنفاس واضعة رأسها على ركبها كعاشق مهجور ينطوي على قلب مسحور كبقايا النفس في بنان الكاعب أو النقش في أصابع الكاتب أو الكحل في لحاظ الملاح الفاترات الغانيات القاتلات لازوردية فاقت بزرقتها على اليواقيت كأوائل النار في أطراف كبريت.
وأجاد أبو هلال العسكري في قوله رحمه الله تعالى:
ومعذر قال الإله لحسنه ... كن فتنة للعالمين فكأنه
زعم البنفسج انه كعذاره ... حسناً فسلوا من قفاه لسانه
وقال آخر وهو المكيال رحمة الله عليه آمين:
يا مهدياً لي بنفسجاً أرجاً ... يرتاح صدري له وينشرح
بشرني عاجلاً مصحفه ... بأن ضيق الأمور ينفسح
وأنشدني الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه رحمه الله تعالى:
بنفسج الروض تاه عجباً ... وقال طيبي للجو ضمخ
فأقبل البان في احتفال ... والزهر من غيظه تنفخ
وقال مجير الدين بن تميم:
عاينت ورد الروض يلطم خده ... ويقول وهو على البنفسج محنق
لاتقربوه وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو العدو الأزرق
آخر:
بنفسجاً جمعت أوراقه فحكت ... دمعاً تشرب كحلاً يوم تشتيت
كأنه بين طاقات ضعفهن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
ويعجبني قول الراضي بالله وغن لم يكن مما نحن فيه ولكن الشيء بالشيء يذكر:
قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدها وقد اعتلقن خضابا
فظننت أن بنانها من فضة ... قطفت بأرض بنفسج عنابا
حار يابس وإذا غمس في الماء اعتدل وقلت حرارته وشمه ينفع من اللقوة ويضمد به مدقوقاً للسعة العقرب فيسكن وينفع المبرود الدماغ ويضر المحرور. انتهى كلام النبري.
стр. 49
وذكر الشيخ جمال الدين بن بناتة في كتابه شرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون عند ذكر كسرى أنوشروان أنه كان جالساً بالإيوان وإذا بحية قد دنت من عش حمامة في بعض شرف الإيوان لتأكل فراخها فرمى الحية بسهم أو ببندقية فقتلها وقال هكذا نفعل بعدو من استجار بنا فلما كان بعد أيام جاءت الحمامة بحب في مناقرها فألقته إليه فأخذه وقال ازرعوه فنبت ريحاناً لم يكن يعرفه فقال نعم ما كافأتنا به الحمامة نسأل الله الذي ألهمها أن يلهمنا الإحسان إلى رعيته والشكر على نعمته.
قلت: وذكر الشيخ جمال الدين ما خص به كسرى من الأشياء الغريبة فلا بأس يإيراد نبذة منها غذ كان كتابنا هذا يشتمل على مآثرها فمنها الفيل الأبيض لركوبه طوله اثنا عشر ذراعاً والقطعة الياقوت المسماة لسان الثور تضيء أكثر منى السراج والفلهيد المغنى وأضع العود الخراساني على اثني عشر وتراص كل من ضرب به جرح إلا هو وكان يعمل له كل يوم مع طعامه مهر من الخيل وعناق زرقاء مغذاة بألبان النعاج يذبحان بسكين من ذهب ويسجر التنور بالعود ويسمط ما يسمط بالجمر المغلي ويطلي بالمسك والملح ويعلق في سفود من ذهب ورياحين من ذهب فإذا برد حمل ووضع على خوان من ذهب ويقدم إليه فيأكل أكثره ويتحف بالبقية من أحب من ندامائه ويكسر التنور ويجدد كل يوم مثله واجتمع على بابه سبعون ملكاً وكانت له حكايات حسنة في سيرته أضربت عنها لئلا نخرج عما نحن بصدده.
رجع: قال الحسن بن سهل أربعة من الرياحين تقوى بأربعة من الطيب ليكمل ذكاؤها الورد بالمسك والنرجس بماء الورد والبنفسج بالعنبر والريحان بالعبير الوصف قال ابن المعتز:
قضيب من الريحان شابه لونه ... إذا ما بدا في العين لون الزمرد
فشبهته لما تأملت حسنه ... عذراً تدلى في عوارض أمرد
قلت: وأنشدني الشيخ عز الدين الموصلي من لفظه في مليخ معذر:
بخد الحب ريحان نضير ... لاسطره حروف ليس تقري
فراعيت النظير وقلت حبي ... عذارك أخضر والنفس خضري
وقال مجير الدين بن تميم:
ومجلس راق من واش يكدره ... ومن رقيب له باللوم إيلام
ما فيه ساع سوى الساقي وليس به ... بين الندامى سوى الريحان نمام
الآس بارد يابس دهنه يقوي أصول الشعر ويمنع تساقطه ويطليه ويسوده وورقه اليابس ينفع صنان الإبط ويطيب رائحة الجسم وإذا طبخ وتمضمض بمائه قوى الأسنان واللثة ويمنع من الصداع الحاد وشمه يقوي القلب المحرور ويزيل خفقانه وينفع حبه من الإسهال ويقوي المعدة. انتهى كلام العنتري في النور المجتني.
وقال صاحب المباهج أنه يتصرف في أشياء كثيرة عظيمة النفع حبه وورقه وقوته البرودة في الأولى وحبه نافع من الخفقان وضعف القلب وهو بجملته قاطع للإسهال المتولد من الصفراء ومن ابتلع من ورقه من الخمسة إلى السبعة ورقات فإنه يقوي المعدة وينفي ما فيها ويحلل رياحها وأما حبه فإنه لما فيه من الحلاوة والطافة ينفع للسعال العارض من الحرارة من الحرارة من غير أضرار بالصدر والرئة ولما فيه من العفوصة يقطع نفث الدم وحرقة المثانة وينفع الإسهال المزمن وماؤه إذا غسل به الشعر حصبه وقواه من الانتثار وصد اصله وينفع من الأبرية والقروح الرطبة وإذا جفف الورق ودق ونخل وحمل على الآباط والأفخاذ الندية قطع نداوتها ومنع عروقها.
وعن ابن عباس (قال: اهبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء منها الآسة وهي سيدة ريحان الدنيا.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "والحسين بكلتا يديه وردة إن الورد سيد رياحين أهل الجنة ما خلا الآس" وهو ياليونانية المرسين.
الوصف:
خليلي ما للآس يعبق نشره ... إذا هب أنفاس الرياح العواطر
حكى لونه أصداغ ريم معذر ... وصورته آذان خيل نوافر
وما ألطف ما ألم به الشيخ شمس الدين بن الصائغ في قوله:
خط آس العذار في الخد لاما ... عرفتني سفاهة اللوام
أنا في كسرة لبعدي عنها ... جبر مئلي بالآس أو باللام
وقال آخر فأغرب:
أعجب بآس معجب مؤنق ... يعجب منه أي إعجاب
كأنما تقطيع أوراقه ... ما بيننا أنصل نشاب
قلت: في البيت الأول عجعجات كثيرة ولكنه أصاب الغرض في الثاني ويمكن أن يقول: *أحبب بآس أخضر مؤنق*
стр. 50
الياسمين: حار يابس في آخر الدرجة الثالثة نافع من الرطوبة والبلغم صالح للمشايخ ومن كان بارد المزاج ومن الصداع العارض من البلغم والمرة السوداء وعفونة البلغم وكثرة شمه تورث الصفار يفعل ذلك في الحار المزاج ودهنه ينفع من أمراض العصب الباردة والخالص من دهنه يرعف. انتهى كلام ابن المحلي.
وقال صاحب المباهج في الفلاحة إذا أردت ياسميناً أحمر اللون فإنه يشق قصب الياسمين ويخرج ما فيه ويحشى مكانه بالك مسحوقاً ويوضع عليه طين ويلف عليه مشاق ويغرس ويتعاهد بالسقي فإنه يزهر ياسميناً احمر والأزرق بالسلح والأصفر بالزرنيخ مجرب.
الوصف:
ولما خلناها سماء زبرجد ... لها أنجم زهر من الزهر الغض
تناولها الجاني من الأرض قاعداً ... ولم أر من يجني السماء من الأرض
آخر في الأصفر منه:
كأنما الياسمين حين بدا ... يشرق منه جوانب الكتب
عساكر الروم نازلت بلدا ... وكل صلبانها من الذهب
وقال محيي الدين عبد الظاهر رحمه الله تعالى:
وياسمين قد بدت أزهاره لم يصف ... كمثل ثوب اخضر عليه قطن قد ندف
الحيري: وهو المنثور حار يابس في الثانية فيه جلاء وتلطيف وينفع من السدة في الرأس من البلغم وهو داء فائق للأورام وخاصة لما طال لبثه وعسر ويجتذب المشيمة والأجنة الموتى بأن يشم دهنه وتدلك به الأخصار والمغابن وفم الرحم والحيري ألوان مختلفة اصفر ذهبي وهو أرفعها وخمري وبنفسجي وأكحل وملمع وبياض وغير ذلك من الألوان والأبيض هو أردأها والأصفر الذهبي ذكي الرائحة يشم ليلاً ونهاراً وأما سائر أنواعه سوى الأبيض فإنها لا يشم لها بالنهار رائحة مادامت الشمس طالعة فإذا غابت ظهر لهذه الألوان رائحة عجيبة عطرة مشاكلة لروايح القرنفل أو روايح ماء القرنفل المصعد بماء الورد ولا تزال رائحتها تزداد طيباً إلى طلوع الشمس ثم تزول تلك الحمرة والرائحة باقي النهار إلى وقت المغيب وأما الأبيض فلا يؤدي رائحة في ليل ولا نهار وهو أقلها نفعاً وأردأها وفي أصنافه منفعتها واحدة وقد يتخذ من الأصفر منه والخمري والبنفسجي دهن يربى بالسمسم كما تربى أدهان الأزهار فينفع الأورام الباردة ويحلها ولعقد الرقاب والأعصاب المعارضة لهما.
وإدمان شمه ينفع من اللقوة والفالج وذوي الأمزجة الباردة وإذا اخذ من برز الأصفر مجففاً وزن دانقين يسحق مع زهرتين من زهر القرنفل الذكر وأضيف إليهما وزن حبة من مسك أذفر خالص ووزن القرنفل من أنفحة أرنب وسحق الجميع ورتب على الصلابة بالبان المبسوس بالمسك واتخذ منه فرزجات وتحملت المرأة فرزجة منها في ليلة طهرها وواقعها بعلها فإنها تحمل بإذن الله من تلك المواقعة.
وذكر جالينوس أن بزر الحيري إذا سحق مع دم هدهد ودهن زئبق واحتملته المرأة وواقعها زوجها حملت.
وهو من النبات الذي إذا لقطت وردة امرأة حائض فسد وذبل وهلك الخاصية فيه ولا ينبغي أن يعمل أعماله كلها امرأة البتة حائضاً كانت أو غير حائض بل الرجال الذين أسنانهم فوق أسنان الصبيان ويطرح برزه الذي يطرحه وهو طاهر نظيف بعيد العهد بملامسة النساء ويعالج جميع أعماله والقمر زائد في الضوء وإن كان متصلاً بالسعود حيد المكان في الفلك كان أجود، ومما يوافقه أن يذر في اصله شيء من دقاق بعر المعز بعد السقي فإنه ينفعه ويزيد في رائحته زيادة بينه وليس يحتاج إلى الشمس الحارة لأنها تضعفه ولا يكثر عليه الماء إكثاراً فإنه يضره. انتهى كلام صاحب المباهج.
الوصف: قال مجير الدين بن تميم:
حاذر أصابع من ظلمت فإنه ... يدعو بقلب في الدجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضا ... إلا الدعا بأصابع المنثور
وقال متعصباً للورد:
ولم أنس قول الورد لا تركنوا إلى ... معاهدة المنثور فهو يمين
وقال متعصباً له على النرجس:
مذ لاحظ المنثور طرف النرجس ال? ... ?مزور قال وقوله لا يدفع
فتح عيونك في سواي لأنني ... عندي قبالة كل عين أصبع
وقال:
ومذ قيل للمنثور إني مفضل ... على حسنك الورد الجليل عن الشبه
تلون من قولي وزاد اصفراره ... وفتح كفيه وأدمى إلى وجه
وقال ابن حجة:
رأيت من المنثور بعض وقاحة ... ولم أدر ما بين الغدير وبينه
стр. 51
تلون منه ثم مد أصابعاً ... إلى وجهه عمداً وحمر عينه
وقال:
ومذ قيل للمنثور إن الورد قد ... وافى على الأزهار وهو أمير
بسمت ثغور الأقحوان مسرة ... لقدومه وتلون المنثور
وقال:
لما دعى المنثور أن الورد لا ... يأتي وأن يصلي بنار السعير
ودت ثغور الأقحوان لو أنها ... كانت تعض أصابع المنثور
وأحسن التصرف الأمير شهاب الدين الحاجبي في قوله:
ولقد نثرت مدامعي ودمي معاً ... يوم الوداع وخاطري مكسور
لا تعجبوا لتلون في ادمعي ... لا ندع أن يتلون المنثور
الذريون حار يابس منافعه أن يستحق بالخل ويطلي به داء الثعلب ينبت الشعر فيه وينفع سائر السموم لاسيما اللدوغ.
وقال صاحب المباهج أن شرب من أصله خمسة دراهم مع عسل أو سمن أسهل إسهالاً شديداً بلغماً وكيموساً بائياً ويشربه أصحاب اليرقان وينبغي أن يضطجع من يشربه في بيت حار ويغطى بثياب كثيرة فإنه يسيل منه عرق لونه المرة الصفراء والشربة منه ثلاث مثاقيل ونصف بشراب حلوى وبماء العسل وينفع شربه بالطلاء من السم القاتل ولدغ الهوام ومن عجائب خواصه أنه إن دخلت امرأة حامل بيتاً فيه أذريون أسقطت وإن تحملت به امرأة في فرجها ثم جامعها بعلها حملت.
وثقال ديسقور يدس أصل بحور مريم إذا علق على المرأة منع الحبل وإذا خطته للمرأة الحامل أسقطت وغذا أخذ منها وهي جافة وسحق منها مثقال وسقي بماء فاتر وعسل لمن يحب أن يسهل باطنه فإنه يجليه بلغماً كثيراً وينفي كل ما في صدره من البلغم ويخرج ما في باطنه من الخام وإن شربت منه امرأة أسهل حيضها وإن أحشت منه صوفة اسهل حيضها وهي تنزل الولد الميت ويشرب منها لعسر البول وعسر الولد ولمن سقى الولد سماً أو لدغه شيء من ذوي السموم وهي سليمة مأمونة لا يخاف منها نافعة وهي تنفع لوجع الكبد يسقي منها رطلاً وعسلاً وبماء فاتر وعسل وهي نافعة من الشرطان ومن العقد التي تخرج في الأصابع والسلع يعمل لهم منها مرهم ثم يطلي عليها.
والأذريون من الأشياء الصابرة على العطش وهي كبيرة وصغيرة ونباتهما سواء فالكبيرة شجرة مريم والصغيرة إذن العجوز.
وزعم السلف أن الحامل إذا أمسكته بيديها مطبقة إحداهما على الأخرى أن الجنين يناله ضرر شديد فإن أدامت إمساكه واشتمامه أسقطت وإن عسرت الولادة على الحامل فلتمسكه بيديها كما وصفنا فإنها ترمي الولد سريعاً وإذا بخر به هرب الفار والوزع من الموضع الذي بخر فيه وفيه منافع جمة اختصرناها.
الوصف: قال الصنوبري:
كأن آذريونها من فوق تلك القضيب ... خيام مسك فوقها سرادق من ذهب
وقال ابن المعتز وأجاد:
كأن أذريونها والشمس فيه كاليه ... مداهن من ذهب فيها بقايا غالية
قال ابن حجة في الأذريون:
كأن أذريونها ونوره قد أبهجا ... وبيض برق لامع في جنح ليل قد دجا
السوسن بضم السين لحن والصواب بالفتح وزن جوهر وكوثر ولم يسمع بالضم إلا جوذر، وهو حار يابس في أول الدرجة الثانية ينفع من كان بارد المزاج ومن الأوجاع المعارضة في العصب من البلغم ودهنه نافع من وجع العصب المتولد من البلغم ووجع الرحم والاسمانجوي أقل حرارة وأصل الاسمانجوي يسهل الماء الأصفر الشربة منه مثقال. انتهى كلام صاحب النور.
الوصف: قال أبو نواس رحمه الله تعالى:
سقيا لأرض إذا ما نمت نبهني ... على الهدو بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كل شارفة ... على الميادين أذناب الطواويس
قال ابن حجة في السوسن:
بدا سوسن الروض المدبج أزرقاً ... وأصفر يعلو طوله فوق مبيض
كأن الربا أرخت ذويل غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض
اللينوفر وهو أزرق وأصفر وأحمر وأبيض وجميع أصنافه باردة رطبة منوم مخدر للدماغ أقوى فعلاً من البنفسج في التنويم وينفع الصدر والرئة في الأمراض الحارة ويزيل الاحتلام ويقطع شهوة الباه لاسيما أن شرب منه فإنه يجمد المنى لخاصية فيه لاسيما اصله وبزره وشرابه ودهنه نافعات لأمراض الرأس من حرارة. انتهى كلام ابن المحلي.
الوصف: قال ابن صابر:
ياحبذا بركة نيلوفر ... قد جمعت من كل فن عجيب
أزرق في أحمر في أبيض ... كقرصه في صحن خد الحبيب
стр. 52
كأنه يعشق شمس الضحى ... فانظره في الصبح وعند المغيب
إذا تجلت يتجلى لها ... حتى إذا غاب سناها يغيب
يدنو إليها شاخصاً طرفه ... ولا يتحاشى نظرات الرقيب
لا يبتغي وجهاً سوى وجههاً ... فعل محب مخلص في حبيب
وقال ابن حمديس:
اشرب على بركة نيلوفر ... محمرة الأوراق خضراء
كأنما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء
وقال ابن تميم وأجاد:
لينوفر لما تلبَّس ماؤه ... ثوباً فتاه على النجوم بثوبه
لحظته أعينها فنكس رأسه ... خجلاً وغاص من الحيا في ثوبه
وقال أيضاً:
غدا اللينوفر المصفر يحكى الن? ... ?نجوم فلا يغادرها شبيهاً
تغوص العين فيه إذا تجلى الن? ... ?نهار وفي ظلام يغوص فيها
وقال أيضاً:
ولينوفر كالزهر شكلاً ومنظراً ... محاسنه فيها اللواحظ ترتع
وكل نجوم لكن الفرق بينهما ... تغيب صباحاً وهو في الليل يطلع
وقال ابن حجة:
لينوفر الليل مذ أبدى تلونه ... أحمر وأزرق من ساسينا وشكا
قلنا له ذاك لون واحد وبه ... يسمو وأنت بليد وهو فيه ذكا
الباب السادس عشر
في الروضات والبساتين
أجمع جوابو أقطار الأرض على أن منتزهاتها أربعة سفد سمرقند وشعب بوان ونهر الأبلة وغوطة دمشق، قال أبو بكر الخوارزمي قد رأيتها كلها فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على غيرهن كأنها الجنة صورت على وجه الأرض فإما السفد فهو نهر تحف به قصور وبساتين وقرى مشتبكة العمائر ما مقداره اثنى عشر فرسخاً في مثلها، وأما شعب بوان فبقعة من نواحي كورة سابور يكون مقدارها فرسخين قد ألحقتها الأشجار ظلالها وجاست الأنهار خلالها وهذا الشعب لبوان بن أبراج أفريدون وفيها يقول المتنبي:
مغاني الشعب طيباً في المعاني ... بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه والبدن واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان
غدونا نغض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان
فسرت وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان
لها ثمر يشير إليك منه ... باشربة وقفن بلا أوان
وأمواه تصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابتها الأغاني والقياني
ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان
وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاً هما متباعدان
تقول بشعب بوان حصاني ... اعن هذا تسير إلى الطعان
أبوكم آدم قد سن هذا ... وعلمكم مفارقة الجنان
وأما نهر الأبلة وهو من أعمال البصرة وطوله أربع فراسخ وعلى جانبيه بساتين كأنها بستان واحد قد حط على خط مستقيم وكأن نخله غرس في يوم واحد.
وأما الغوطة وهي من خير دمشق فإنها ناحية يكون طولها ثلاثين ميلاً وعرضها خمسة عشر ميلاً مشتبكة القرى والضياع لا يكاد أن يقع للشمس على أرضها شعاع للالتفاف أشجارها واكتثاف أزهارها.
وللشعر في وصفها قصائد كثيرة أضربنا عن ذكرها لتردد العلل فيما يختار منها إذ كلها حسان لو جمعت لحفيت من تسطيرها الأقلام وكلت البنان، وقد روي في بعض الأخبار عن كعب الأحبار أنه قال: غوطة دمشق بستان الله في أرضه، وقال جمال الدين بن نباتة كتبها المملوك ومنظر الروض قد شاق ودمع الغيث قد رقا ووجه الأرض قد راق والغصون المنعطفة قد أرسلت أهواء القلوب بالأوراق وحمائمها المترنمة قد جذبت القلوب بالأطواق والورد قد أحمر خده الوسيم وفكت أزراره من أجياد القضيب أنامل النسيم وخرجت أكفه من أكمامه بأخذ البيعة على الأزهار بالتقديم.
وقال مجير الدين بن تميم:
كيف السبيل بلثم من أحبته ... في روضة للزهر فيها معرك
ما بين منثور وناظر نرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك
وهذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنو إليّ وثغر هذا يضحك
стр. 53
وقال آخر وحللنا موضع كذا فافترشنا من زهره أحسن بساط واستظللنا من شجره بأوفى رواق وطفقنا نتعاطى شموساً من أكف بدور وجسوم نار في غلائل نور إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء.
وقال الشريف على بن دفتر خوان:
ودوحة سكرت أغصانها بصبا ... فللهوى في معانيها إشارات
ماست فنقطها غيث بلؤلؤة ... ففوق أوراقها منه جمانات
فهن في العين هاءات مطمسة ... من اللجين وإن سالت فميمات
وقال علي بن ظافر في منزل قد انقطفت قدود أشجاره وأبسمت ثغوره وذاب كافور مائة على عنبر طيبه وامتدت بكاسات الجلنار أنامل غصونه والنسيم قد خفت واعتل وسقط رداؤه الخفاق في الماء فابتل ووعنت قوته حيى ضعف عن السير واشتد مرضه حتى ناحت عليه نوايح الطير (فخر الترك) أندم المجنوي:
الروض مقتبل الشبيه مؤنق ... خضل يكاد نضارة يتدفق
نثر الندى فيه لآلى عقده ... فالزهر منه متوج وممنطق
وارتاع من مر النسيم به ضحى ... فغدت كمائم نوره تتفتق
وسرى شعاع الشمس فيه فاتقي ... منها ومنه سنا شموس تشرق
فالغصن مياس القوام كأنه ... نشوان يصبح بالنعيم ويعبق
والطير ينطق معرباً عن شجوه ... فيكاد يفهم عنه ذاك المنطق
غرداً يغني للغصون فينثني ... طرباً جيوب الطل منه تشقق
والنهر لما راح وهو مسلسل ... لا يستطيع الرقص ظل يصفق
فتمل أيام الربيع فإنها ... ريحانة الزمن الذي يستنشق
برهان الدين القيراطي في دمشق سمي سهمها على قوس الكواكب وأقبلت من كتائب زهورها في مواكب وتحرك عودها حين غنت عليه من الورق القيان وطفح يزيدها فقلت وهذا مما يعجب أبا سفيان، وقال سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني أسبغ الله عليه ظلاله يصفها عند دخوله إليها في ثامن رمضان المعظم سنة ثمانمائة ونقلتها من خطة فتأملها المملوك فإذا هي جنة ذات ربوة وقرار معين وبلدة تبعث محاسنها الفكر على حسن الوصف وتعين وحسبك بالجامع الفارق بينها وبين سواها والأنهار التي إذا ذكر قتل المحل فما أجراها وإذا سمع حديث الخصب فما أرواها ما أقول إلا منتزهات مصر عارية من المحاسن وهذه ذات الكسوة ولا أن النيل احتراق إلا من الأسف حيث لم يسعده الدهر بالصعود إلى تلك الربوة ولا أظنه أحمر إلا خجلاً من صفاء أنهارها ولا ناله الكسر إلا لتأمله بالانقطاع عن الوصول إلى سقي أزهارها فلو رأى العاشق جبهتها لسلا بمصر معشوقه ونسي ظهور جواريه المتحببة بمقامات غصونها الممشوقة ولو تطاولت المجنونة إلى المفاخرة لتأخرت إلى خلفها متخبلة وأجمحت عن الأقدام حين تحركت لها بدمشق السلسلة وحق مصر أن لايجري حديث المفاخرة في وهمها وأن تتقي شر المنازعة قبل أن تصاب في هذه البلدة بسهمها فسقى الله منتزهاتها التي طرب المملوك برؤية حبكها وطالما اهتزت له المعاطف على السماع ورأى بها كل نهر ذاب عنه الجليد فانعقد على حلاوة شكره الإجماع تروع حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم.
وقال البدر يوسف لؤلؤ الذهبي:
هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همه
نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمه
وقال ابن عمار:
يا ليلة بتناها في ظل أكناف النعيم من ... فوق أكمام الرياض وتحت أذيال النسيم
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تشبيه القمر من خلال الأغصان:
كأنما الأغصان لما انثنت ... أمام بدر التم في غيهبه
بنت مليك خلف شباكها ... تفرجت منه على موكبه
стр. 54
وقال سيدنا بدر الدين محمد بن الدماميني في كتابه الذي وضعه على غيث الأدب الذي انسجم في شرح لامية العجم تصنيف الشيخ صلاح الدين الصفدي وسماه كتاب نزول الغيث عند ذكر هذين البيتين: ظاهر هذه العبارة أن الأغصان شبهت في حال انثنائها أمام البدر في الدجا ببنت مليك تطل من خلف شباكها للنظر في موكب أبيها وذلك عن مظان التوجيه بمعزل ومقصوده أن البدر في حال ظهوره من خلال الأغصان المثنية على الصفة المذكورة شبه ببنت مليك على تلك الحالة تمثيلاً للهيئة الاجتماعية بشبيهها لكن لفظه لا يساعده على هذا المطلوب فإنه جعل الأغصان مبتدأ وأخبر عنه بقوله بنت مليك فلم يتم له المراد وكثير ما يقع له في هذا.
قال يصف خالاً على شفة:
قد شبه الخال على ثغره ... تشبيه من لا عنده شك
كسبحة من جوهر تضمنت ... حق حقيق قفله مسك
وأين هذا من قول الطغرائي:
انظر إلى الجنة في ثغره ... لا ريب في ذاك ولا شك
أما ترى فيه الرحيق الذي ... ختامه من خاله مسك
على أن مقطوع الصفدي الأول مع ما فيه من العيب مأخوذ من قول ابن قرناص.
وحديقة غناء ينتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك
والبدر يشرق من خلال غصونها ... مثل المليح يطل من شباك
وقد عيب هذا البيت وشتان بين ذاك وبينه فتأمله: انتهى كلام الشيخ بدر الدين وقال بعضهم وأحسن: نحن في عب سماء أقلعت بعد الارتواء وأقشعت عند الاستغناء والنبت خضل ممطور والنقع ساكن محصور رش جبين النسيم وابتل جناح الهوى وضربت خيمة الغمام واعرورقت مقلة السماء وقام خطيب الرعد ونبض عرق البرق.
وقال ابن الساعاتي (توفي سنة أربع وستمائة بالقاهرة وعمره إحدى وخمسون سنة) :
ولد نزلت بروضة عبقية ... رتعت نواظرنا بها والأنفس
فظللت أعجب حيث يحلف صاحبي ... والمسك من نفحاتها يتنفس
ما الدوح إلا جوهر والجو إلا ... عنبر والأرض إلا سندس
سفرت شقائها فهم الأقحوا ... ن فرنا إليها النرجس
فكأن ذا خد وذا ثغر تحا ... وله وذا أبدا عيون تحرس
بدر الدين بن يوسف بن لؤلؤ الذهبي رحمه الله تعالى:
وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الربا
ينكسر الماء الزلال على الحصا ... وإذا غدا بين الرياض تشعبا
وقال:
باكر إلى الروضة نستحلها ... فثغرها ياصاح بسام
والنرجس الغض اعتراه الحيا ... فغض طرفاً فيه أسقام
والغصن فيها ألف قد بدا ... والنهر في أرجائها لام
وبلبل الدوح فصيحاً على ... الأريكة والشحرور تمتام
صفوان بن أدريس (توفي سنة ٩٨ رحمه الله تعالى) :
جاد الربا من بانة الجرعاء ... نوآن من دمعي وغيم سماء
يا ليت شعري والزمان منقل ... والدهر ناسخ شدة برخاء
هل نلتقي في روضة موشيه ... خفاقة الأغصان والأفياء
وننال فيه من تألفنا ملوماً ... فيه سخنة أعين الرقباء
في حيث اطلعت الغصون سوالفاً ... قد قلدت بلآلئ الأنداء
وجرت ثغور الياسمين فقبلت ... عني عذراء الآسة الميساء
والورد في شط الخليج كأنه ... رمد ألم بمقلة زرقاء
وكأن غصن الزهر في خضر الربا ... زهر النجوم تلوح في الخضراء
وكأنما جاء النسيم مبشراً ... للروض يخبره بطول نواء
فكساه خلعة طيبة ورمى له ... بدراهم الأزهار رمى سخاء
وكأنما احتقر الضبيع فبادرت ... بالعذر عنه نغمة الورقاء
والغصن يرقص في حلي أوراقه ... كالخود في موشية خضراء
واجتر ثغر الأقحوان بما رأى ... طرباً وقهقه منه جري الماء
أفديه من أنس تصرم وانقضى ... فكأنه قد كان في الإغفاء
стр. 55
ونقلت من خط سيدنا ومولانا بدر الدين محمد بن الدماميني هذا اللغز وكتب به إلى بعض الفضلاء الثغر المحروس ما قول مولانا أبقاه الله تعالى وضاعف إقباله ووالي في ذات ينعم بها الجاني وتطرب في مرابعها الألحان المغنية عن المثالث والمثاني خرساء لاتعرف حديث الأدب المأثور وطالما تأملها الكاتب فوجد بها السجع والمنثور عيونها تذبل إذا شربت وأعطافها ترقص إذا طربت طالما تحركت السواكن وهاجت البلابل ونهر من سأل عنها فاستعذب نهرها السائل وروى منها عن الزهري حديث حسن ولم يعز إليها مع ذلك براعة ولا لسن ورمقت الأعين خدودها وودت الأنفس على الحالين ورودها استحسنت الخواطر حديث راويها إذا اعتل واستروجت لنفسه الطيب إذا اختل إن عرف لفظها كان عاماً لمحل لا يطرقه محل ولا ينكر تأنيثه فحل يحدث المصري بحلاوته ويخبر بلفظه وطلاوته قد سهر من قديم تألقه البسطة وجهل السكر على أنه مازال يقول بالنقطة يعرف المعشوق وآثاره وينال من المشتهي أمانيه وأوطاره وتوطأ فيحمد حمله الأنعال وتقف عنده الجواري على الأرجل فلا تود الانتقال وينشد من شغف بمعانيه وبعث طرفه لتأمل مغانيه وكتب إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر وإلا فعلم على جملة يعرفها الطالب ويحسن ارتكاب المهالك لنيل ما فيها من المطالب قد فتحت لأرباب المقاصد أبوابها ومنحت الإفهام الضالة هديها وصوابها وصحت بما اشتملت عليه من العلل ونسخت مع أنها أحكمت بالسلامة على الحلل:
وقد بسقت منها الفروع وأثمرت ... إلى أن جنا منها الورى ثمر العليا
وفي وصفها يبدو الطباق فضدها ... يموت بها غماً وصاحبها يحيي
الوزير بن عمار:
وليل لنا بالسد بين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جاراً تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح البواسم
تبلغاً أنفاسه فتردها ... بأعطرها أنفاس وأزكى المباسم
تسير إلينا ثم عنا كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وقال القاضي بدر الدين بن الدماميني لنفسه ﵀:
يقول مصاحبي والروض زاه ... وقد بسط الربيع بساط زهري
تعال نباكر الروض المفدا ... وقم نسعى إلى ورد ونسري
وقال أبو جعفر ابن الشعري (توفي سنة إحدى وثلاثين وستمائة) :
يا هل ترى أظرف من يومنا ... قلد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مرقصة كل قضيب وريق
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض إلا بكئوس الشقيق
وقال بعضهم:
في روضة علم أغصانها ... أهل الهوى العذري كيف العناق
هبت بها ريح الصبا سحرة ... فالتفت الأشجار ساق بساق
وقال الشيخ عز الدين الموصلي ونقلتها من خطه رحمه الله تعالى:
منابر الدوح فيها الورق قد سجعت ... فمالت القضيب للألحان واستمعت
وهاجها سحراً مر النسيم فمذ ... هب القبول إلى طيب الصبوح دعت
أبدت فرادى ومثنى من عجائبها ... تلك الرياض التي للحسن قد جمعت
بينا ثغور بها للزهر قد بسمت ... أضحت عيوناً بماء الطل قد دمعت
ومذ تلون وجه الروض قابله ... نهر به أعين في صدره دفعت
وقال الشيخ الفاضل الكامل يحيي بن هذيل التجيبي أبو زكريا كذا ذكره العلامة ذو الوزارتين لسان الدين محمد بن الخطيب في تاريخه الإحاطة بتاريخ غرناطة (وذكر وفاته سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة) :
نام طفل النبت في حجر النعامى ... لاهتزاز الظل في مهد الخزاما
وسقى الوسمي أغصان النقا ... فهوت تلثم أفواه الندامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاماً
يحسب البدر محيا ثمل ... قد سقته راحته الصبح مداماً
حوله الزهر كئوس قد غدت ... مكسة الليل عليهن ختاماً
وقال الوزير العلامة فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس تغمده الله بالرحمة يصف شجرة بشاطئ النيل المبارك بالروضة:
يا سرحة الشاطئ المنساب كوثره ... على اليواقيت في أشكال حصباء
حلت عليك عز إليها السحاب إذا ... نوء الثريا استهلت ذات أنوائي
فغن تبسم فيك النور من جذل ... سقاك من كل غيم كل بكائي
стр. 56
رحماك بالوارف المعهود منك فكم ... لنا بظلك من أهواء أهوائي
وكم نزلنا مقيلاً منك ما حمي الهجير ... إذ حيث لا مرائي لحربائي
يظل من قبل الفضفاض في ظل ... من الغمام يقينا كل ضرائي
يا طيبة بدواء القيض عالمة ... أنت الشفاء لدى الرمضا من الداء
لاصوح الدهر منك الزهر وانبجست ... عليك كل هتون الودق سوداء
عصابة الشرب اموار روض زاهرة ... تعزي لأكرام أخوال وآبائي
خمائل لالروض منشاها ومرضعها ... ضرع النميرين من نيل وأنوائي
فاستمهدت دوحها المخحضل وافترست ... لجم الربا ورقت عرشاً على الماء
قريرة العين بالأنواء باردة ال? ... ?قلب الذي لم تنله غير سراء
مقيل ندمان بل مغني حمائل بل ... كناس أرام بل أفناء درماء
لها مطارف سجسج فمصيفها ... ظل يعادل فيه طيب مشتاء
قديمة العهد هزتها الصبا فصبت ... فهي العجوز تهادي هدى مرهاء
لايدرك الطرف أقصاها على كلك ... حتى تعود له لحظات حولاء
وصوت بلبلها الراقي ذرى غصن ... بحلة من دمقس الريش دكناء
كقرع ناقوس ديري على شرف ... مسبح في سواد الليل دعاء
خلية حين أجنيت الضلوع على ... نار بشجوى بها لاحب لمياء
تهكمت بي فلم تجني أضالعها ... على الهواء وأجنتها على الماء
بديعة الحسن قد فاز الجناس لها ... من المعاني بأفنان وأفياء
وقام عنها لسان الزهر ينشدنا ... للهو كم ارج ما بين أرجاء
كم صفق الموج من أزهارها طرباً ... فنقطته بيضاء وصفراء
وكم طربت لما أبدته من ملح ... يصبو له كل ذي عقل وآراء
وجدت بالتبر من مالي ومن أدبي ... فكنت في كل حال منهما الطاء
كأنها من جنان الخلد قد كملت ... حسناً وحسبك من خضراء العاء
كأن أغصانها اللدان الرشاق إذا ... هصرت أفنانها أعطاف وطفاء
كأن صمغتها الحمرا بقشرتها ال ... ?دكناء قرص على أعكان سمراء
كأنها فوق دعص الموج غذ سفحت ... هضابه سفح وأدرب أفياء
مالت على النهر إذ جاش الخوير به ... كأنها أذن مالت لإصغاء
كأنما النهر مرآة وقد عكفت ... عليه تدهش في حسن ولألاء
ذو شاطئ راق غب القطر فهو على ... نهر الأبله يزري أي أزراء
كأنه عند تفريك النسيم له ... فرند سيف نضته كف جلاء
كأنه شبك من لؤلؤ نظمت ... أو جوهر السن أو تحليل رقشايء
كأنه حين يهدي زرقة وصفا ... رقراق عين بوجه الأرض شهلاء
وكم شدتنا حمامات الأراك على ... أغصانها فأرتنا رقص هيفاء
من كل ورقاء من الأفنان صادحة ... بين الحدائق في فيحاء زهراء
ورق تغنت بحيات رقين على ... عيدانها قاله في مغناه وغناء
باكرتها في سراة من اصاحبنا ... لاينطوون على حقد وشحناء
تداعبوا بمعاني شعرهم فأروا ... ود الأحبة في ألفاظ أعداء
من شيخ مجنون في شباب فتى ... يقري المجون بقلب غير نساء
يسعى إليها على جرداء جارية ... من أيكها كهلال الأفق حدباء
نوحية الصنع والأحكام منشأة ... تسير ما سيرت من غير أعياء
سوداء تحكي على الماء المصندل شا ... مة على شفة كالشهد لعساء
ساجية ألبستها الصانعون لها ... من التدابيج ما يزهو بصنعاء
غريبة ذات الوان وأجنحة ... لم أدر تعزي لروض أو لعنقاء
لم يستطع شاوها إذ سيرها عنق ... عز الجياد على كد وانضاء
كم قد نعمنا بها عيشاً بصافية ... شمطاء تجلي على الخلاء عذراء
مما تخيرها كسرى وأودعها ... رب الخورنق في قوراء جوفاء
راحا إذا ركع يمزجها ... سمعت من صوته تسبيح فأفاء
أم السرور التي أبقى الزمان بها ... جزؤ الحياة وقد ألوى بأجزاء
فعاطيتها على طل الندى سحراً ... فإن ترشافها موتى وأحياء
واستجلها بنت مصر تستطيل على ... بغداد والموصل الحدبا وسوراء
كم بين من قام معتل النسيم بها ... على اعتدال وحدباء وزوراء
من كف ظبي وشاد أو وشادية ... تشدو لنا بين صوت العود والناء
стр. 57
على الحدائق لا الآكام تنقحنا ... ريح البنفسج لانشر الخزاماء
أما أنا لست نواحاً على طلل ... ولا خليط ولا نداب أحياء
تركته لأناس كالتيوس غنوا ... عن المدام بدر الإبل والشاء
يعزون للشعر لكن من جهالتهم ... لم يفرقوا بين إيطاء وإقواء
من كل ألكن عند البحث منقطع ... كأنه واصل والشعر كالزاء
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:
أشتاق في وادي دمشق معهداً ... كل الجمال إلى حماه ينسب
ما فيه إلا روضه أو جوشق ... أو جدول أو بلبل أو ربرب
وكان ذاك النهر فيه معصم ... بيد النسيم منقش وكتب
وإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعب
وشدت على العيدان ورق أطربت ... بغنائها من غاب عنه المطرب
فالورق تشدو والنسيم مشبب ... والنهر يسقي والحدائق تشرب
وضياعها ضاع النسيم بها فكم ... أضحى له من بيننا متطلب
وخلت بقلبي من عسالة حبه ... فيها أرباب الخلاعة ملعب
ولكم طربت على السماع بجنكها ... وغدا بربوتها اللسان يشبب
فمتى أزور معالماً أبوابها ... بسماحها كتب الكرام تبوب
وقال ابن ظافر في بدائع البداية: اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة والأديب أبو العباس بن صارة في يوم جلا ذهب برقه وأذاب ورق والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء واهتزت وربت عند نزول الماء فقال ابن صارة:
هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار
فقال ابن القيطرنة:
فكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب
فقال ابن صارة:
وإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار
فقال ابن القيطرنة:
من أجل ذلة ذا وعزة هذه ... تبكي الغمام وتضحك الأزهار
وقال ابن تميم:
لو كنت إذا نادمت من أحببته ... في روضة تسبي العقول وتفتن
لرأيتها وعيونها من غيره ... مني تفيض ووجهها يتلون
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر: والأغصان قد أخضر نبات عارضها ودنانير ودراهمها وقد تهيأت لتسليم قابضها والمنثور وقد نظمت قلائده وصيغت ولائده والحور وقد جاوز السهى بالبياشير والسرور قد كشف عن سوقها وقالت لها تلك الغدران بهديرها إنه صرح ممرد من قوارير والسوسان وقد لاحظ جفنه الوسنان والورد وقد ورد والبان وقد بان.
وقال الشيخ عز الدين الموصلي ونقلها من خطه رحمه الله تعالى:
وروضة نقشتها للحيا إبر ... فأصبحت بين تطريز وتزهير
مثل السوار لها سور أحاط بها ... من سلسل هي منه ذات تسوير
أو كالخلاخيل للادواح دار على ... سوق لها مطلقا في زي مأسور
تحت الغياض رياض دبجت فبدت ... ألوانها ذات تشهير وتشذير
أغصانها الند والأوراق سوسنه ... والزهر عرق ياقوتا ببلوري
والزهر شعاع الشمس تحسبه ... دراهما نثرت بين الدنانير
والظل ثوب إذا مر النسيم به ... فالروض ما بين مهتوك ومستور
ونهرها زائد بالخصب يدنينا ... كصارم في سبيل الله مشهور
وقال:
وروض نجم الزهر أصبح معجبا ... فتحسده من حسنه الأنجم الزهر
مذ أرجف الماء النسيم تدرعت ... مزردة الأثواب من خوفها الغدر
فللروض تدبيج بألوان زهره ... وللغصن من أوراقه الحلل الخضر
فراع نصيرا من حنان جناسه ... فحلى الضحى زهر وحلى الدجى زهر
وأغربت الألحان في الدوح ورقة ... فكن قيانا دونها أسبل الستر
وأسفر للأصباح خد مورد ... ومن قبله حبى بريحانة الفجر
وقال العفيف التلمساني قدس الله سره:
انظر إلى الأغصان في حركاتها ... الشكرها أم سكرها تتأود
فتقول أرباب البطالة ينثني ... وتقول أرباب الحقيقة يسجد
وقال شهاب الدين بن دمرداش (مولده سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ووفاته سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة) :
انظر إلى الأشجار تلق رءوسها ... شابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامها ... وغدا بأذيال الصبا متمسكا
وقال برهان الدين القيراطي من قصيدة:
تشوقني الفات الروض مائلة ... من النسيم سكارى وهي دالات
стр. 58
ولي من الورق في أوراقها طربا ... كأنهن على العيدان قينات
وقال الشيخ مجد الدين الأرموي (توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة) :
كم للنسيم على الربا من نغمة ... وفضيلة بين الورى لن تجحدا
ما زادها وشكت إليه فاقة ... إلا وهزلها الشمائل بالندى
وقال محيي الدين بن قرناص رحمه الله تعالى:
أظن نسيم الروض والزهر قد روى ... حديثا ففاحت من شذاها المسالك
وقال دنا فصل الربيع فكله ... ثغور لما قال النسيم ضواحك
وقال الفاضل علاء الدين علي بن ظافر العسقلاني في كتابه بدائع البداية قال اجتمعت أنا والقاضي الأعز يوما فقلت له أجز:
طار نسيم الروض من وكر الزهر ...
فقال:
وجاء مبلول الجناح بالمطر ...
قلت: الشيء بالشيء يذكر، ذكرت بقول العسقلاني ما أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلي محاجيا:
يا من له حسن لفظ يثنى عليه المثاني ... ما مثل قول الهاجي أحوى الشفاه جفاني
وذكرت بلطف هذه الأحجية ما أنشدنيه من لفظه لنفسه سيدنا ومولانا الفاضل المفتن المحدث المؤرخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ نور الدين علي الشهير بابن حجر أبقاه الله محاجيا:
يا فاضلا هو في الأحاجي ليس يخلو من ولع ... ما مثل قولك للذي يبكي الحبيب اسكت رجع
وظرف من قال:
وروضة رقصت أغصانها وشدت ... أطيارها وتولى سقيها المحب
وظل شحرورها الفريد تحسبه ... أسويداً زامراً مزماره ذهب
وقال ابن خفاجة في نهر تحف به أشجار:
قد رق حتى ظن درعا مفرغا ... من فضة في بردة خضراء
وغدت تحف بها الغصون كأنها ... هدب تحف بمقلة زرقاء
وقال الرصافي نهر تحف به شجرة:
فاتت عليه مع الظهيرة سرجة ... صدئت لعينها صفيحة مائه
فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالراع يستقلي بظل لوائه
وقال نور الدين علي بن سعيد:
كأنما النهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم ينشئها
لما أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليه الغصون تقرؤها
وقال بعض المغاربة وأجاد الغاية:
ومنمنم الشطين أحكم صقله ... كالمشرق قد اكتسى بفرنده
فخمائل الديباج منه حمائل ... متعانق فيها البهار بورده
ولقد اختفى طرف له في دوحة ... كالسيف رد ذبابه في غمده
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر ﵀:
وبطحاء في روض يروقك روضها ... ولا سيما إن جاد غيث مبكر
تلاحظها عين تفيض بأدمع ... يرقرقها منه هنالك محجر
بها فاض نهر من لجين كأنه ... صفايح أضحت بالنجوم تسمر
كأن حصاها إذ بدا فيه أحمر ... وأبيض دمع في خدود ينثر
وإلا فبرد بالظلال مسهم ... وإلا فطراس بالتجعد يسطر
وما لاح في جنبيه نبت وإنما ... تبدا عذارا منه في الخد أخضر
وكم غازلته للغزالة مقلة ... تسارق أوراق الغصون فتنظر
وتبصر منه كل حسن فينبري ... حياء لديه وجهها وهو أصفر
إذا فاخرته الريح ولت عليلة ... بأذيال كثبان الربى تتعثر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر
وقال علي بن ظافر: مررت أنا والقاضي الأعز رحمه الله تعالى بساقية تتلوى تلوي الأفعوان، وتخفق خفقان قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبتها عقودا فوق أثوابها الممسكة والنسيم يكسوها ويسلبها غلائل معركة فقلت: أساقية أم أرقم فر هاربا فقال: أم الريح قد هزت من الماء قاضبا فقلت:
حصا مثل در الثغر أجرى زلاله ... رضاباً وأبدى نبته النضر شاربا
فقال:
يوشحها زهر الرياض قلائدا ... ويلبسها مر الرياح جلائبا
وقال الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:
ورائحة رباتها تهابها الصبا ... تهادى عطف المترف المتخرر
وقد صقلت من صفحة الماء منصلا ... به من شعاع الشمس رونق جوهر
فمن شبك قد حيك حوك مفاضة ... ومن سمك قد صيغ صيغة خنجر
وقد نظرت شمس الأصيل إلى الربا ... فأضعف من طرف المريب وأفتر
ولاح على بلورة من غديره ... شعاع شراب للعيشة أصفر
وصفرة مسواك الأصيل تروقني ... على لعس من مسقط الشمس أسمر
стр. 59
إلى أن توارت بالحجاب مريضة ... تلفع في ثوب من الليل أخضر
وغازلني جفن من الأفق أنجل ... يدير من الظلماء مقلة أحور
ونقلت من كتاب نزهة الأبصار في نعت الفواكه والثمار تأليف الشيخ الفاضل الكامل محمد بن القاضي المنشئ البليغ ضياء الدين نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الموصلي ولم أزل من الأزهار في سؤال وجواب وأنا منصت إنصات المتعجب لمفاخرات الإعجاب إذ سمعت صوت هاتفة ورقاء على بانة خضرا بلسان فصيح وقلب بفرقة الأحباب جريح وقد أوفت على غصنها الرطيب ومالت وأعلنت بما أسرته من وجد وقالت:
اذكرونا ذكرنا عهدكم ... رب ذكرى قربت من ترحا
اذكروا صبا إذا أغنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا
يا معشر الرياحين التي يزهى حسنها على كل حين لقد جزتم حد الإكثار ولم ينج أحدكم من سقطات العثار هب أنكم نزهة العيون وزينة الأفنان والفنون فهل أنتم إلا أعشاش أفراخنا ومواضع أوساخنا وأعواد خطبائنا وأرائك أمرائنا ومهود أبنائنا وستور نسائنا رءوسكم محط أرجلنا وهاماتكم نعال أرجلنا ونحن المسبحون بحمد ربنا المثنون عليه بالألسن الناطقة والأفواه العذبة الرائقة فلما سمعت كلام الحمام هممت بالانصراف من حيث أتيت لأخبر بما سمعت ورأيت إذا أقبلت غمامة تمشى لثقلها مشى الرداح ويكاد يلمسها من قام بالراح وما أظلمت إلا أضاء البرق في جوانبها فتمثلت ليلا في صباح فلم يزل البرق يأخذ في أذهاب ردائها ويبدو نذيرا لدى أصوات ندائها وهل يلقى على الأرض ما حملته في أحشائها ثم قالت يا ذوات البكاء والنوح المفتخرات على الأك والدوح ألستم الباكين بغير جوى الشاكين ألم الفراق من غير هوى بكم عرف الشقاق واشتهر ذكره في الآفاق قلوبكم خاشعة وعيونكم غير دامعة ومنكم عرف اختلاف الباطن والظاهر وقد أعرب عن ذلك قول الشاعر:
وهاتفة في البان تملى غرامها ... فتتلو علينا من صبابتها صحفا
ولو صدقت فيما تقول من الأسى ... لما لبست طوقا ولا خضبت كفا
ونقلت من خط الشيخ شمس الدين محمد بن سمنديار الذهبي لنفسه الكريمة (توفي قريبا من سنة خمس وثمانين وسبعمائة) وأنشدني من نظمه:
سماع غناء الطير للدوح مرقص ... ومن طرب بالزهر منه ينقط
الباب السابع عشر
في آنية الراح
الشراب في الزجاج أحسن منه في كل جوهر لا يفقد معه وجه النديم ولا يثقل في اليد ولا يرتفع في السوم وقدور الزجاج أطيب من قدور الحجارة وهي لا تصدأ ولا تندى ولا يتخللها وسخ الغمر وأوساخ الوضر وإن اتسخت فالماء وحده لها جلا ومتى غسلت بالماء عادت جديدة ومن كرع فيه بشرب فكأنما يكرع في إناء وماء وهواء وضياء، وما أحسن رسالة سهل بن هارون يفضل الزجاج على الذهب: الزجاج يحلو نورى والذهب متاع سائر والشراب في الزجاج خير منه في كل معدن ولا يفقد معه وجه النديم ولا يثقل اليد ولا يرفع في السوم واسم الذهب يتطير منه ومن لونه مصيره إلى اللئام وهو فاتن قاتل لمن أصابه وهو أيضا من مصائد إبليس ولذلك قالوا أهلك الرجال الأحمران والزجاج لا يحمل الوضر وهو أشبه شيء بالماء وصفته عجيبة ... وهي رسالة طويلة.
ومن أحسن ما قيل في ذمه قول النظام فإنه أخرجه في كلمتين بأوجز لفظ وأتم معنى فقال سريع إليه الكسر ولا يقبل الجبر.
ذكر الرشيد بن الزبير في كتابه العجائب والظرف أنه وجد المتورد بن ربيعة يوم القادسية إبريق ذهب عليه ياقوت وزبرجد فلم يدر ما هو فلقيه رجل من الفرس فقال أنا أعطيك فيه عشرة آلاف دينار فعرف قيمته فذهب به إلى سعد بن أبي وقاص (فباعه بمائة ألف دينار.
ووجد للوليد بن يزيد بعد مقتله بلور كأعظم ما يكون من الجفان قيل إنها تسع ثلاثمائة رطل ولما وقعت الفتنة بين عازم الدولة رقيب بن علي وبين حاج خراسان بمدينة رسول الله ﷺ في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وعازم الدولة يومئذ أمير الموسم ومقدم القافلة المضرية وكانت الهزيمة على الخراسانين فنهبت أموالهم وأتى بعض النهابة إلى عازم الدولة بزبدية فيروزج تسع وزن رطل شامي كأحسن ما يكون من الزباد لا يعلم لها قيمة ودفعها عازم الدولة بعد ذلك إلى الظاهر.
стр. 60
ومن الأشياء النادرة المستظرفة المتجملات في الملابس والمجالس ما ذكره الفقيه الكاتب أبو مروان عبد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون في قصة جبلة بن الأيهم الغساني وهو أن جبلة لطم إنسانا من الناس فلما أراد الإمام عمر إقادته منه فر إلى هرقل وتنصر ثم ندم على تنصره فقال:
تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها اللجاج ونحوه ... فنعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... جالس قومي ذاهب السمع والبصر
ولما تنصر جبلة ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية أقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع وبقي ما شاء الله ثم إن عمر (بعث إلى هرقل رسولا يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية فأجاب إلى الجزية فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل ألقيت ابن عمك هذا الذي عندنا يعنى جبلة الذي أتانا راغبا في ديننا قال ما لقيته قال القه ثم ائتني أعطك جواب كتابك قال الرسول فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجموع مثل ما على باب هرقل الرسول فلم أزل أتلطف في الإذن حتى أذن بالدخول فدخلت عليه فرأيته أصهب اللحية ذا سبال وكان عهدي به أسود اللحية فأنكرت عليه فإذا هو قد دعى بسحالة الذهب فذرها على لحيته حتى عادت سوداء وهو قاعد على سرير من قوارير قوائمه أربعة أسود من ذهب فلما عرفني رفعني معه على السرير فجعل يسألني عن المسلمين فذكرت له خيرا قلت قد أضعفوا إضعافا على ما تعرف قال وكيف تركت عمر بن الخطاب قلت بخير حال فرأيت الغم في وجهه لما ذكرت له من سلامة عمر ثم انحدرت عن السرير فقال لم تأب الكرامة التي أكرمناك بها قلت إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا قال نعم ﷺ ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال على ما قعدت فلما سمعته يقول ﷺ طمعت فيه فقلت له ويحك يا جبلة ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله قال أبعد ما كان مني قلت نعم قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت ارتد عن الإسلام فضرب وجوه المسلمين بالسيف ثم رجع إلى الإسلام فقبل ذلك منه وخلفته بالمدينة مسلما قال ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر بعده رجعت الإسلام قال فضمنت له التزويج ولم أضمن له الأمر قال ثم أومى إلى خادم كان على رأسه فذهب مسرعا فإذا خادم قد جاء ومعه خدم يحملون الصناديق فيها الطعام فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة وقال لي كل فقبضت يدي وقلت إن رسول الله ﷺ نهى عن الأكل في أواني الذهب والفضة فقال نعم ﷺ ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت قال فأكل في الذهب وأكلت في الخلنج ثم جيء بطساس الذهب وأباريق الفضة فغسل يده في الذهب وغسلت في الصفر ثم أومى إلى خادم بين يديه فمر مسرعا فسمعت حسا فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجواهر فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله ثم جاءت الجواري عليهن تيجان الذهب فقعدن عن يمينه وعن يساره على تلك الكراسي ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسناء على رأسها تاج على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه وفي يدها اليمنى جامة فيها مسك فتيت وجامة في يدها اليسرى فيها ماء ورد فأومت تلك الجارية أو صفرت للطائر الذي على تاجها فطار حتى وقع في جامة ماء الورد فاضطرب فيه ثم أومأت إليه أو صفرت فوقع على جامة المسك فتمرغ فيه ثم أومأت إليه فطار حتى نزل على تاج رأس جبلة فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه في رأسه فضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يمينه فقال أضحكننا فاندفعن يغنين يخفق عيدانهن:
لله در عصابة نادمتهم ... يوما بحلق في الزمان الأول
يسقون من ماء البريص نديمهم ... راحا يصفق بالرحيق المسلس
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
стр. 61
قال فضحك حتى بدت نواجده ثم قال أتدري من يقول هذا قلت لا قال حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ ثم أشار إلى الجواري اللاتي عن يساره فقال لهن أبكيننا فاندفعن يغنين يخفقن عيدانهن ويقلن:
لمن الدار أقفرت بعمان ... بين أهل اليرموك فالجمان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر ... مجلى لحادث الأزمان
قال فبكى حتى سالت دموعه على لحيته فقال أتدري من يقول هذا قلت لا قال حسان ثم أنشد الأبيات التي أولها تنصرت الأشراف ثم سألني عن حسان أحى هو قلت نعم فأمر له بكسوة ولي أيضاً كذلك وأمر بمال لحسان ونوق موقرة ثم قال لي إن وجدته حيا فادفع الهدية إليه وأقرئه عني السلام وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره فلما أخبرت عمر بخبره وما اشترط علي وما ضمنت له قال فهلا ضمنت له الأمر فإذا أفاء الله به قضى الله علينا بحكمه ثم جهزني عمر إلى هرقل ثانياً وأمرني أن أضمن له ما اشترط فلما دخلت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته قلت إن الشقاء سبق عليه في أم الكتاب.
وذكر الحكيم موفق الدين بن أبي أصيبعة في ترجمة الحكيم سديد الدين بن رقيعة قال ومن شعره وهو مما كتبه على كأس في وسطه طائر على قبة مجوفة إذا قلب الماء في الكأس دار الطائر دورانا سريعا وصفر صفيرا ومن وقف بإزائه الطائر حكم عليه بالشرب فإذا شربه وترك فيه شيئا من الشراب صفر الطائر وكذلك لو شربه في مائة مرة فمتى شرب جميع ما فيه ولم يبق فيه درهم فإن صفيره ينقطع والأبيات هي هذه:
أنا طائر في هيئة الزرزوري ... مستحسن التكوين والتصوير
فاشرب على نغمي سلاف مدامة ... صرفا تنير حنادس الديجور
صفراء تلمع في الكئوس كأنها ... نار الكليم بدت بأعلى الطور
وإذا تخلف في شرابك درهم ... في الكأس نم به عليه صفيري
قلت: كتبت هذه الأبيات لغرابة هذا الكأس وأما الشعر فإنه ليس بطائل.
قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إنه كان في الزمن القديم امرأة في العراق تعمد إلى الصيني الأبيض فتصير منه الشمشي والأسود والسماقي والأخضر حتى لا يشك ناظر في أنه كان كذلك في الأصل وما علم أحد من الرجال سواها في ذلك وأهل الخبرة بهذا النوع إذا وقع في أيديهم شيء من عمل هذه المرأة عرفوه (القول في الكأس المصور) قال أبو نواس:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من خز الرقاق على الثرى ... وإضعاث ريحان جنى ويابس
تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
فنال بها كسرى وفي جنباتها ... مها قد رمتها بالقسى الفوارس
فللراح ما زرت عليها جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
قال الجاحظ وجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض إلا هذا المعنى فإن الحسين ابتدعه.
قلت: وضمن هذه الأبيات الأديب أبو الحسين الجزار تضمنا حسنا أجاد فيه إلى الغاية وهو:
كتبت بها في يوم لهو وهامتي ... تمارس من أهواله ما يمارس
وعندي صحاب للمجون ترحلت ... عمائمهم عن هامهم والطيالس
فللماء ما زرت عليه جيوبهم ... وللراح ما دارت عليه القلانس
مساحب من خز الرقاق على القفا ... وإضغاث انطاع جنى ويابس
وقال أيضاً:
بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم
فلو رد في كسرى ابن ساسان روحه ... إذا لاصطفاني دون كل نديم
أخذه الباشى فقال:
في كأسها صور تظن لحسنها ... عربا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهبا ودرّا توأما وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك محاسدا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا
وقال ابن المعتز:
وساق يجعل المنديل منه ... مكان حمائل السيف الطوال
غلالة خده صبغت بورد ... ونون الصدغ معجمة بخال
بدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أبلق ملقى الجلال
بكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن ألباب الرجال
وقال ابن قلاقس (ومولده سنة اثنتين وخمسمائة، ووفاته سنة سبع وستين وخمسمائة) :
دارت زجاجتها وفي جنباتها ... كسرى أنوشروان في إيوانه
стр. 62
فخلعت عن عطفيه حلة قهوة ... وشربتها فغدوت في سلطانه
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى:
ومشمولة قد هام كسرى بكأسها ... فأضحى ينادي وهو فيها مصور
وقفت لشوقي من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
وقال المرحوم فخر الدين بن مكانس رحمه الله تعالى:
إذا ما أدبرت في حشا عسجدية ... بها كل ذي ملك وتاج تصورا
فحسبك نيلا في السيادة أن ترى ... نديمك في الكاسات كسرى
قلت: والسبب الموجب لتصويرها ما ذكره الفقيه الكاتب أبو مروان عبد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون وهو أن سابور بن هرمز الملقب بذي الأكتاف لما رجع من قتال بني تميم قصد الروم والدخول إلى القسطنطينية متنكرا فاستشار قومه فحذروه التغرير بنفسه فلم يقبل قولهم وسار متنكراً إلى القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام فدخل في جملتهم وجلس على بعض موائدهم وقد كان قيصر أمر مصورا أتى عسكر سابور فصوره فلما جاء قيصر بالصور أمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة وأتى بعض من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس فنظر بعض الخدام إلى الصورة التي على الكأس وسابور مقابل لها على المائدة فعجب من اتفاق الصورتين وتقارب الشبهين فقام إلى الملك فأخبره فمثل بين يديه فسأله عن خبره فقال أنا من أساورة سابور وهربت منه لأمر خفته فيه فلم يقبلوا ذلك منه وقدم إلى السيف فأقر بنفسه وجعل في جلد بقرة وتمام حكايته إلى أن خلص وعاد إلى ملكه في كتاب سلوان المطاع في السلوانة الثانية منه وهي حكاية غريبة مشتملة على أنواع من الحكم.
وقال صلاح الدين الصفدي ﵀:
كئوس المدام تحث الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشها ... فاحسن ما ذهبت بالطلا
وقال زين بن الوردي رحمه الله تعالى:
دع الكأس من من نقشها ... وصاف بصاف أحب
إذا ذهبت بالمطلا ... فقد طليت بالذهب
وقال: شمس الدين بن العفيف فيما يكتب على كأس:
أدور لتقبيل الثنايا ولم أزل ... أجود بنفسي للندامى وأنفاسي
وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهبا ... فمن أجل هذا لقبوني بالكاسي
الشيء بالشيء يذكر قال شهاب الدين بن أبي جحلة مضمنا:
يا صاح قد حضر الشراب ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالائيناس
وكسى العذار الخد حسنا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكأس
وقال إبراهيم بن الحاج الغرناطي (ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة رحمه الله تعالى) :
يا رب كأس لم يشح شمولها ... فاعجب لها جسما بغير مزاجي
لما رأينا السحر من أشكالها ... جملا نسبناه إلى الزجاجي
وقال الأديب أبو بكر بن مجير وقد اقترح عليه حسود وصف كأس أسود فقال ارتجالا:
سأشكو إلى الندمان أمر زجاجة ... تردت بلون حالك اللون أسجم
تصب بها شمس المدامة بيننا ... فتغرب في جنح من الليل مظلم
وتجحد أنوار الحميا بلونها ... كقلب حسود جاحد يد منعم
стр. 63
القول في القدح قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله في وصفه: تكوّن من جوهر مكنون وتجسد من هواء مظنون واتخذ خدر الآنية العنب وطاف به الساقي فأصبح منه في راحة وهو في تعب قهقه عليه الإبريق فصدح وطار منه شرار المدام فقيل قدح وكتب سيدنا ومولانا بدر الدين محمد بن أبي المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني فسح الله في أجله إلى سيدي الجناب المجدي فضل الله بن مكانس أدام الله عزه وذلك في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسبعمائة وقد تجاسر العبد وتوقا بمكارم الأخلاق المخدومية فأهدى هذا اللغز لينعم مولانا بقبوله ويتفضل بحله عند حلوله فقال ما اسم حبيب إلى النفوس شبيه بالبدر حليف للشموس إن قلب كان لقلبه من العين مكان من المناسبة وإن سقط قلبه مع هذا الفعل كان ضد الأقوال الكاذبة وإن صحف بعد العكس أنبأ عن الذكاء وهذا غاية الشرح وإن غير ثانيا علم ورب الكلام المحرر أنه دال على الطرح حسبناه مع التصحيف آلة للصيد معينة على المكر والكيد إن قلع طرفه كان مزج باقيه قواما وإن عكس كان الطرب بتصحيفه مداما وإن زال أوله كان العكس عتابا المتعاطي إثمه وإن صحف اشتاقت الشفاة إلى تقبيله ولثمه وربما كان الهزل عن تصحيفه الآخر منافيا لاسمه مباينا في الحقيقة لحده ورسمه والمملوك يسأل الصفح عن هذا الهذيان والامتنان بالجواب مع شيء من نظم المقر الصاحبي للوالدي وشيء من نثره ليحلى المملوك بعقوده جيد تذكرته ويتأنس بحسنه الغريب في زمن غربته فكل غريب للغريب نسيب ومدح مولانا أجل من أن يحيطه قلم العبد أو لسانه أو يحصره بيان الأديب أو بنانه ونسأل الله تعالى أن يمتع بقائه ويعلى درجات ارتقائه بمنه وكرمه فكتب الجواب يقبل الأرض التي أطالت بالجفا حرمانه وتداركته بعد إجراء دموعه فعظمت في الحالتين منها شأنه وانتهى إلى اللغز الذي يمتع بمحله ويشرب بقدحه فابتهل شكرا ومالت أعطافه بالقدح الفارغ سكرا فوجده كما قال حبيب إلى النفوس يجتهد في التوصل بماء حاره إلى الرءوس يأتيك بالمعنى اللطيف ويقف حذقك من تصحيفه بعد العكس بين تصحيف وتحريف فحله من ساعته وقابل شمسه المنيرة بذبالته وكتب قرينه لغزا وخالف نفسه إذ قالت لا تتعبني في مجاراة هذا الجواد لذا وقد ذكرته أولا في باب الرياحين وقال القاضي التنوخي رحمه الله تعالى:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهاري
هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جاري
إذا ما تأملتها وهي فيه ... وتأملت نورا محيطا بناري
فهذا النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار
كأن المدير لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمين ... له فردكم من الجلنار
وقال النضير الحمامي رحمه الله تعالى:
أصبحت من أغنى الورى ... مستبشرا بالقدح
عندي خمر ذهب ... أكتاله بالقدح
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبو بكر حجة الحموي لنفسه مضمنا ﵀:
أرى طير أقداحنا نائحا ... يحوم على عذب ورد القدح
فقلت لدر الحباب اجتهد ... ومد الشباك وصد من سبح
وقال ابن تميم:
يا حسنه قدح يضيء زجاجه ... ليل الهموم إذا ادلهم وعسعسا
أهديته مثل النهار فإن حوى ... صرف المداد غدا نهارا أشمسا
الإبريق) قال ابن المعتز:
وكأن إبريق المدامة بيننا ... طبي على شرف أناب مدلها
لما استحثه السقاة حثى لها ... فبكى على قدح النديم وقهقها
وقال إبراهيم بن إسحاق الموصلي رحمة الله عليه:
كأن أباريق المدام لديهم ... ظباء بأعلى الرقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأن رقابهم ... من اللين لم تخلق لهن عظام
صاعد اللغوى:
كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تناول ياقوتا بمنقار
السرى الرفاء الموصلي رحمة الله عليه:
إبريقنا عاكف على قدح ... تخاله الأم ترضع الولدا
أو عابدا من بنى المجوس إذا ... توهم الكاس سرعة له سجدا
السراج المحار (توفي سنة إحدى عشر وسبعمائة رحمة الله عليه) :
يا حبذا شكل إبريق تميل له ... منا القلوب وتصبو نحوه الحدق
يروق لي حين أجلوه ويعجبني ... منه طلاوة ذاك الجسم والعنق
стр. 64
كم قد شربت به ماء الحياة ولن ... ينالني منه لا غص ولا شرق
حتى غدا خجلا مما أقبله ... فظل يرشح من أعطافه العرق
الراووق الجوبان القواس رحمه الله تعالى:
ولما حكى الرواق في العين شكله ... وقد علق العنقود في سالف الدهر
تذكر عهدا بالكروم فكله ... عيون على أيام عهد الصبي تجري
وقال بدر الدين حسن المعزي ﵀:
أعجب ما في مجلس اللهو جرى ... من أدمع الرواق لما انسكبت
لم تزل البطة في قهقهة ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وقال برهان الدين القيراطي ﵀:
باكرت راووقي وبطتي التي ... قد قهقهت ودم المدامة يسفك
وأضعت مالي فيها حتى غدا ... هذا يصغي لي وهذا يضحك
وقال صدر الدين بن عبد الحق (توفي تقريبا سنة سبعين وسبعمائة) :
أسبل الراووق لما صلبا ... أدمعا لكن رأينا عجبا
بينما الراووق يبكي بدم ... ضحك الإبريق حتى انقلبا
وقال سيدي المقر المجدي سلمه الله تعالى وأجاد:
قم واصلب الراووق واشف قلبي ... منه وبلغني بذاك سؤلي
واسفك دم الزق وناد هذا ... جزاء من يلعب بالعقول
وقال محمد بن العفيف في باطية وأجاد:
إنا المجالس والجليس أنيسه ... أزهى بحسن ناضر للناظر
اصفو فاظهر ما أجن ولم يكن ... في باطني شيء يخالف ظاهري
وما ألطف من قال عجلوا:
عجلوا بشرب البواطي ... فالصواب الصواب نيك الخواطي
كان لأبي الحارث خمسون دنا كان يقول إنه لم يفسد فيه نبيذ قط منذ عشرين سنة فأوصى به عند موته للفضل الرقاشي وقال هذا جزاء له فإنه كان كلما اجتمعنا على أمر قال قم فابدأ به (الأمير صلاح الدين الأربلي) فيما يكتب على طبق تحت أقداح (توفي المذكور سنة سبع وثلاثين وستمائة، ومولده سنة اثنين وسبعين وخمسمائة) رحمة الله عليه:
من فرحتي بالندامى واجتماعهم ... حولي وقربهم مني وإيناسي
جعلت صفحة خدي تحت أخمص ما ... قد غادرته الندامى أسفل الكاسي
الباب الثامن عشر
فيما يستجلب بها الأفراح
وهو خمسة فصول:
الفصل الأول في من مدحها من الملوك والرؤساء.
الفصل الثاني في تدبير استعمالها على رأي الحكماء.
الفصل الثالث في آداب منتشيها وما يجب على مستعمليها.
الفصل الرابع في استهدائها واستدعاء الإخوان.
الفصل الخامس في من وصفها من الشعراء الأعيان.
الفصل الأول
قال كسرى النبيذ صابون الهم: قلت من هنا قول الشيخ بدر الدين البشتكي:
وكنت إذا الحوادث دنستني ... قرعت إلى المدامة والنديمي
لا غسل بالكئوس الهم عني ... لأن الخمر صابون الهمومي
وقال أرسطاطاليس الراح كيمياء الفرح، وقال جالينوس الراح صديق الروح، وقال آخر الراح درياق سم الهم، قال عبد الملك بن صالح الهاشمي ما حمشت الدنيا بأظرف من النبيذ وقال الثعالبي لكل شيء سر وسر النبيذ السرور، وقال الدنيا معشوقة ريقها الراح، وقال الجاحظ إن النبيذ إذا تمشى في عظامك ودب في أجرامك منحك صدق الحسن وفراغ النفس وجعلك رجي البال خلي الدرع قرير العين منشرح الصدر حسن الظن وسد عليك باب الغم وحسم عنك خاطر الهم، وقيل لأبي حميد الفضل بن وكيل ما تقول في النبيذ المصفى المروق المعسل المعتق فجعل يتمنطق ويقول أخاف ألا أشتغل بشكر الله تعالى الكريم على نعمه فيه وكان مطيع بن إياس يقول في النبيذ معنى في الجنة موجود لأن الله يقول إخباراً عن أهلها: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" (١) والنبيذ يذهب الحزن، وقيل لأبي عائشة إن فلانا لا يشرب النبيذ فقال قد طلق الدنيا ثلاثا، وقيل للأعمش مثل ذلك فقال دعوه حتى يقتله القولنج.
وقال: يزيد بن المهلب وددت لو أن كأساً بألف دينار وكل منكح في جبهة أسد فلا يشرب إلا جواد ولا ينكح إلا شجاع.
وقال: عبد الملك للأخطل صف لي الخمر فقال أولها صداع وآخرها خمار قال فما يعجبك منهما قال: إن بينهما طربة لا يعاد لها ملكك وأنشأ يقول:
إذا ما نديمي علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل حتى كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير
стр. 65
وقال أبقراط الخمرة صديقة الجسم والتفاحة صديقة النفس.
نادرة: اجتمع محدث ونصراني في سفينة فصب النصراني من ركوة كانت معه في مشربة وشرب وصب فيها وعرض على المحدث فتناولها من غير فكر ولا مبالاة فقال النصراني جعلت فداك إنما هو خمر فقال من أين علمت أنها خمر قال اشتراها غلامي من يهودي وحلف أنها خمر فشربها بالعجلة وقال للنصراني أنت أحمق نحن أصحاب الحديث أفنصدق نصرانيا عن غلامه عن يهودي والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد.
وقال الجاحظ كل شيء من المأكل يكون أوله أطيب من آخره إلا النبيذ فإن القدح الأول ثقيل والثاني أسهل والثالث أسلس والرابع أسوغ والخامس أعذب والسادس ألذ حتى ينتهي إلى غاية السرور.
حكي أن عبد الملك بن مروان امتحن أعرابياً من الشعراء فقال صف لي الخمر فأطرق الأعرابي وقال:
شموس إذا شجت لدى الماء مرة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك الغذاء من دنها وهي دونه ... لوجه أخيها في الوجوه قطوب
فقال عبد الملك شربتها يا أخا العرب ووجب عليك الحد فقال ومن أين لك ذلك يا أمير المؤمنين فقال لأنك وصفتها بصفتها فقال وإني قد رابني من أمير المؤمنين ما رابه بأن يكون أيضاً شربها إذ عرف أني وصفتها بصفتها فضحك منه وأحسن جائزته.
نادرة: جلد مدني في الشراب وكان طويلا والجلاد قصيرا فقال له تقاصر لينالك السوط فقال ويلك إلى أكل الفالوذج تدعوني والله لوددت أني أطول من عوج وأنك أقصر من يأجوج ومأجوج.
كتب رجل إلى ابن قريعة القاضي فتيا (توفي المذكور سنة شبع وستين وثلاثمائة ببغداد) ما يقول القاضي أيده الله في رجل سمى ولده مداما وكناه أبو الندامى وسمى ابنته الراح وكناها أم الأفراح وسمى عبده الشراب وكناه أبو الإطراب وسمى وليدته القهوة وكناها أم النشوة أينهى عن بطالته أم يؤدب على خلاعته؟ فكتب تحت سؤاله لو بعت هذا لأبي حنيفة لأقعده خليفة ولعقد له راية، وقاتل من تحتها من خالف رأيه ولو علمنا مكانه لمسحنا أركانه فإن أتبع هذه الأسماء أفعالا وهذه الكنى استعمالا علمنا أنه قد أحيى دولة المجون وأقام لواء ابنة الزرجون فبايعناه وشايعناه وإن تكن أسماء سماها ما له بها من سلطان خلعنا وفرقنا جماعته فنحن إلى إمام فعال أحوج منا إلى إمام قوّال انظر أيدك الله إلى معاني هذا النثر الذي يعجز عنه البديع والمجون الذي لا يلحقه الخليع.
وقالت دنانير جارية البرامكة من أصبح وعنده قنينة ناقصة وزبدية طباهجة باردة وتفاحة معضوضة ولم يصطبح فهو أحمق فاسد المزاج يحتاج إلى العلاج.
الفصل الثاني
في تدبير استعمالها على رأي الحكماء
قال الشيخ الإمام علاء الدين أبو الحسين علي بن أبي الحزم القرشي المتطبب المعروف بابن النفيس تغمده الله برحمته في الجملة الثانية في قواعد الحبر العلمي من الطب في كتابه المشهور المعروف بالموجز عندما ذكر تدبير المشروب ما هذا نصه:
стр. 66
وخير الشراب ما طاب طعمه وعطرت رائحته وصفى لونه واعتدل قوامه والعلامة الجيدة للشراب الجيد الخالي من الغش أنه إذا ترك المقدار القليل مدة طويلة لم يفسد وبقدر طول المدة تعرف الجودة والرقيق اللطيف أسرع إسكارا وتحللا والغليظ أبطأ إسكارا وتحللا وأدوم خمارا لكنه يسمن وخصوصا الحلو وليكن من تسديده على حذر ويختار للشباب والمحرورين الأبيض الممزوج قبل شربه بمدة بكثير الماء وللمشايخ الأصفر القوي القليل المزج فإن أرادوا الاغتذاء والسمن فالأحمر ودع الشيخ وما احتمله وجنبه الصبيان وعدله في الشبان وإنما يستعمل الشراب عند انحدار الغذاء من المعدة وأما في خلل الأكل أو عقيبه فضار لتنفيذه الغذاء على فجاجته على أن المعتاد به لا ينتفع باستعمال ما يعين على الهضم إلا بمقدار ما يقوى على التنفيذ وما دام السرور يتزايد واللون يحسن والبشرة تلين والجلد يربو والحركة نشيطة والذهن سليما فلا تخف من إفراط فإن أخذ النعاس يغلب والغشيان يقوى والبدن والدماغ يثقل والذهن يتشوش والحركة تسترخي فقد وجب الترك فحينئذ يجب القيء والقيء على قليل منه رديء لأنه يغصب من البدن ما ينفعه والشراب بالأقداح الصغار خير من الكبار والتبعيد بين الأقداح لينهضم الأول قبل ورود الثاني أفضل وينبغي أن يحف مجلس الشراب بالمنظر اللذيذ من الأزهار والمحبوبين من الناس والأراييح اللذيذة والسماع المطرب ورفع كل ما يغم ويقبض النفس كالوسخ والصنان واللباس القذر والكمد وبعد غسل البدن والأطراف ولبس المشرف وتسريح الرأس واللحية وتقليم الأظفار وليكن المجلس مشرفا فسيحا بقرب المياه الجارية ومع الظرفاء من الأصدقاء وذلك لأن الشراب يحرك قوى النفس ويثير كل الشهوات فإذا لم نجد كل قوة مطلوبها تأذت وانقبضت فلا تقبل النفس على الشراب كل القبول ولا تنصرف فيه التصرف الواجب فيقل نفعه وربما فسد فكان شره أكثر من نفعه.
ومنافع الشراب منها نفسية ومنها بدنية.
أما النفسية فلا يمكن أن يساويه فيها غيره وذلك كالسرور وبسط النفس وتفسيح أملها وتشجيعها وإزالة البخل والغم والفكر الفاسد وهو أنفع الأشياء للماليخوليا لتفريحه المضاد لا يحاش السوداء وتحسن الظن وتقوى ذهن قوى الدماغ لأن دماغه لا ينفعل عن أبخرة الشراب المسكر بل عن حده اللطيف فيصفو ذهنه صفاء لا يصفو مثله بغيره فلذلك قوى الدماغ لا يسكر بسرعة وبسرعة السكر وبطئه تعلم قوة الدماغ وضعفه.
стр. 67
وأما البدنية فإنها وإن أمكن أن تستفاد بغيره من المعاجين والمركبات فذلك يعسر وذلك كتحسين اللون وإنارته وتبريقه وإشراقه وتقوية الحرارة الغريزة وإنعاشها وإنضاج الرطوبات وإذلاقها وتفتيح المجاري وإزالة سددها وتفتيح المسام وتقوية الهضم وتكبير الروح وتلطيفها وإنارتها وإثارة الدم وتنقيته وإنضاج البلغم وتلطيفه وإدرار الصفراء وترطيبها وتعديل مزاج السوداء وقمع عادتها وإخراجها ونفعه يتعلق بالقوى الطبيعية والحيوانية أكثر من القوى النفسانية وإدامته تبلد الذهن وترخي العصب وتورث الرعشة والتشنج وكثيرا ما يموت السكران بالسكتة والصرف محرق للدم مفسد لمزاج الدماغ والكبد والمسطار يخاف منه ذو سنطار بالنفحة وإسهاله والسكر المتواتر يوهن قوى الدماغ والعصب ولا بأس به في الشهر مرتين لإراحة قوى الدماغ والفصل والبلد الباردان يحتملان كثرة الشراب وقوته وما أمكن ترك التنقل فهو أولى لكن المحرور قد ينتفع بالتنقل بمثل السفرجل والرمان المز والتفاح والكمثرى والزعرور وأقراص الليمون وحماض الأترج شرابه بل يحتاج إلى التنقل بأقراص الكافور كما يفعل بالمدقوقين والمبرودين بحوارش التفاح والخلنجيين والتمر والفستق والمرطوب بالقرعامة وزيتون الماء والفستق واللوز المملوحين والأشياء التي تبطئ بالسكر التنقل باللوز وخصوصا المز خمسون لوزة يستعمل قبل الشرب فيمنع السكر وكذلك التنقل ببزر القنبيط المملح وأكل القبنيطية والكرنبية قبل الشراب وكذلك استعمال المدرات والثرايد الدهنية وإن أبطأت بالسكر لكنها تمنع كثرة الشرب والمسكرات بسرعة كالتنقل بجوز الطيب ونقعه في الشراب وكذلك العود والشليم وورق العنب والزعفران وكل هذه تسكر مفردة وأما البنج واللقاح والشوكران والأفيون فمفرط وإنما يستعمل لمن يريد أن يعالجه بما لا يحتمله في الصحو ومما يذهب رائحة الشراب الكزبرة اليابسة والرأس ودار صيني العين وأفضل ما يمزج به الشراب الماء وقد يمزج بماء لسان الثور ليزداد تفريحه وهو بذلك يسر سرورا عظيما وقد يمزج بماء الورد فيقوى المعدة والقلب أكثر وقد يمزج بأمراق الفراريج واللحم لمن غشي عليه أو ضعف وضيف عليه أن لا تطول المدة إلى حيث تصل المرقة مفردة والله أعلم.
انتهى كلام ابن النفيس الحكيم الفاضل المؤيد محمد بن المحلى الشهير بالعنتري في كتابه النور المجتنى من رياض الندماء.
واعلم أن الإكثار من الخمرة يحدث الأمراض الباردة الرطبة كالسكتة والفالج واللقوة والخدر والرعشة والاسترخاء والسبات هذا لمن مزاجه مستعد للبرد فأما أصحاب المزاج الحار فإنها تولد الحميات الحارة ولا سيما إن وافقها غذاء حار وفصل حار ومزاج صرف والغرض من الخمرة أن يأخذ منها اليسير بعد الطعام بثلاث ساعات ولا بأس باستعمال النشوة والسكر في الشهر مرتين نافع وكذلك القيء مرتين في الشهر ويجب ألا يؤخذ الغذاء إلا وقت الشهوة وبعد الرياضة ومن أراد الاستكثار من الشراب فلا يستكثر من الطعام ومن أراد أن يطول جلوسه على الشراب فلا يستكثر من الرياضة والحمام ولا يمتلئ من الطعام وإذا كان الغذاء ظهرا كان الشراب عصرا ويبدأ بالأقداح الصغار أولا.
وأما أوقات الاجتماع عليها فيكون ذلك والقمر في برج الزهرة أو عطارد متصلا بهما اتصالا مقبولا ويحذر ثبوت المشتري ونظره إلى القمر والعاقل إذا انقطع إلى الخمرة في يوم مذموم كفى شر ذلك اليوم باشتغاله بها إلا أنه يجب أن يكون خلوه مع نديم مأمون الجانب عاقلا يكفى شر ذلك اليوم إن شاء الله تعالى ومنه صفة تفاحة تسكر سريعا إذا شمت يؤخذ زعفران وميعه وحمام ولقاح وقشور أصل اليبروح ينعم سحقه ويعجن بشراب صرف عتيق ويتخذ منه تفاحة منقشة وتشم والحرمل مفردا ومع الشراب يسكر الشارب سكرا مفرطا ومن شرب خمس سعدات أو عشرة مسحوقة لم يسكر يومه ويجب ألا يفعل ذلك إلا صاحب المزاج البارد وأما المحرور فيجعل غذاءه إذا أراد ألا يسكر بالخل والسماق والحصرم وماء الليمون بلحوم الدجاج والجداء والخرفان ويمتص ماء الرمان المز وأكل السمك الطري بالخل والتنقل باللوز الحلو لا سيما إن وافق ذلك سماع مطرب أو نديم يعجب وينشد:
الخمر طيبة وليس تمامها ... إلا بطيب خلائق الجلاس
ما يقطع رائحة الشراب من الفم:
стр. 68
فمن ذلك سعد وكبابة ودار صيني بالسوية يدق ويستف منه مثقال لا سيما بعد القيء المستقصى وسف الكزبرة والنعناع ومضغ العود الرطب وكذلك السعد وأكل البصل يخفى رائحة الشراب والفوتنج النهري إذا مضغ قطع رائحته. انتهى كلام العنبري.
وقال التيفاشي في كتابه سرور النفس بمدارك الحواس الخمس وهو عدة مجلدات إنني لما رأيت لهج الخلفاء والملوك وشغف جمهور الأمم من العرب والعجم بشرب شراب العنب واختلاف مذاهبهم في استعماله مع الاتفاق على الميل إليه على تباين بخلهم ومللهم وقد ذكر عن الأحنف بن قيس أن رجلا قال له يا أبا بحر ما ألذ الأشربة فقال له الخمر فقال كيف علمت ولم تذقها قال لأني رأيت من أحلت له لا يصبر عنها ورأيت من حرمت عليه يخطئ البهائم ووجدت جل من يستعمل هذا المشروب لا يفي له خيره بشره ولا يقوم نفعه بضره وذلك لجهله بوجه استعماله فإن من المعلوم أن الخمر إنما المقصود من شربها منفعتان إحداهما للنفس بالتفريح ونفي الهموم وأخراهما للبدن بحفظ صحته عليه ونفي الأمراض النازلة به وتحقق عند كل من له أدنى مسكة من عقل أنها إذا استعملت على غير ما ينبغي انعكست هاتان المنفعتان مضرتين فصار عوض السرور هما وغما وضجرا وسوء خلق وعوض الصحة مرضا مزمنا أو موتا فجأة حسبما نشرحه إلا أنه لا يقتصر الأمر على عكس هاتين المنفعتين فقط بل يتعدى إلى مضار أخرى عظيمة إن سلمت المهجة كذهاب العقل والمال والجاه والذكر الجميل بل لا يقف الأمر على ذلك بل يتعدى الضرر إلى الأعقاب فإن الحكماء أجمعوا قاطبة على أن مدمن الخمر لا ينجب وإن أنجب كان الولد أحمق. انتهى كلام التيفاشي.
ونقلت من مجموع بخط بعض الأفاضل قد ذكر الحكماء والأطباء والعلماء والشعراء والفضلاء والبلغاء من مضار الخمر ومنافعها وبهجة عواريها وطوالعها فمن ذلك قولهم الخمر يسخن الجسم ويجود الهضم ويرطب الأعضاء ويسكن القيء والعطش إذا مزجت وتدر البول وتسهل الطبيعة وتسر النفس وتحدث النشاط والطرب والأريحة لا سيما في الأبدان المعتدلة هذا في أخذ القصد فإذا أكثر منها أحدث ذلك السهر وورم الكبد وقلة شهوة الجماع والغذاء والنسيان والبخر والرعشة والدمع وضعف البصر والحميات واختلاط العقل والتبلد والسكتة والصرع وموت الفجأة لأن الخمر تملأ الدماغ فتغمر الحرارة كما يغمر الدهن نار السراج فيطفأ. انتهى.
الفصل الثالث
في آداب منتشيها وما يجب على مستعمليها
ينبغي للمعاشر والنديم المجالس للملوك والرؤساء أن يكون نظيف الكف نقي الظفر متعاهد التقليمة والتخليل بين أصابعه وغسل يده ومعصمه في أوقات وضوئه ومطعمه طيب المعاني عطر البشرة نظيف الوجه والشارب والأنف نقي الجبين مستعملا للسنوت وأخذ السعد بالغدوات وتسريح اللحية وتنظيف الثياب وعمامته خاصة لأن العين كثيرا ما تقع عليها متعطر بالبخور والغالية والدراير على الشعر والثياب وليجلس في مرتبته بحسن أدب وسكون جاشر بغير اتكاء ولا مد رجل ولا عبث بثوب ولا بلحية ولينهض بنهوض الملك ويجلس حيث يشير إليه ويدنو إذا استدناه ويجيبه إذا سأله ولا ينهض عن المائدة أولا ولا يمد يده مبتدئا ولا يلعق أصابعه ويعيدها في الطعام ولا يغمس أنامله ولا يسرع المضغ ولا يكثر الضحك والكلام ولا يعض اللحم بأسنانه ولا يرد ما عض في الصحفة ولا يتناول ما بين يدي غيره ولا يكثر اللقم ولا يفتت الخبز ولا يخلخل الملح ولا يتلقط الدسم بالخبز ولا يكثر من اغتراف الحبوب والأمراق خوفا من أن يسيل على الثياب وينسب إلى الشره وسوء الأدب ولا يفسخ الدجاج بيده بعنف خوفا من الاندلاق وهو أن يكون تحت جلد الدجاجة أو في أوراكها دسم فيطير على ثياب من بازائه بل يقطع بالسكين على تواضع ولا يحصر الزيتونة بشدة فربما طارت نواتها فأصابت وجه جليسه ولا يحمل بيده الحلوى بكثرة ولا يدخل إلى فيه الطعام الحار ثم يخرجه من فيه ولا ينفخ فيه وفي المرقة ليبرد ولا يكثر شرب الماء ولا يتجشى ظاهرا ولا يمشمش العظام ولا ينفض المخاخ ولا يعض الفواكه إن حضرت قبل الطعام ولا يمد يده إلى قطعة لحم مشهورة ولا بيضة منضورة ولا سنبوسجة مشتهاة ولا ما تقع الشهوة عليه ولا ما تسارع النفس إليه ويجب أن يتجنب الخمرة في مجالس الملوك ومن يخاف على عرضه.
стр. 69
حكى أن المتنبي كان يأبى شرب الخمرة ويكرهه فألزمه سيف الدولة بن حمدان فشرب ذات ليلة عنده ففرطت منه فارطة بأن قبل غلاما ومازحه ثم ندم لوقته فقام وانصرف وبقي أياما لا يحضر مجلسه فأكثر بطلبه حتى حضر فأمره بالشرب فامتنع وأقسم أنه لا يشرب أبدا خمرا وأنشأ يقول:
رأيت المدامة غلابة ... تهيج للمرء أشواقه
تسيء من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه
وبالأمس مت بها موتة ... وهل يشتهي الموت من ذاقه
فعفاه من الشرب.
وإذا ألزم العاقل الشرب في مجالس الملوك فلا يشرب فإن غلب لزم الصمت والسكوت وتكلفه إلا أن يسأل فيرد جوابا مختصرا..
وحكي أن نصيبا كان يجالس عبد الملك بن مروان ويؤاكله ويجلس قريبا منه فألزمه بالشرب فقال يا أمير المؤمنين لست لك بقرابة ولا لي عليك يد بيضاء ولا أنا ذو حسب ونسب وإنما أنا عبد أسود قربني منك أدبي وعقلي فيأبى بك أن تسلبني أدبي وعقلي الذي قربني منك فعجب منه وعفاه.
وينبغي ألا يشربها أبدا الحمقى والسفهاء والجهال حتى يخرجون في فجورهم وسفههم وتكثر حماقتهم.
وقال أبو نواس رحمه الله تعالى:
والخمر قد يشربها معشر ... ليسوا إذا عدوا بأكفائها
وقال آخر:
وقد تعرف الجهال من حلمائنا ... إذا ما تعاطينا الكئوس تعاطيا
تزيد حمياها السفيه سفاهة ... وتترك ألباب الرجال كما هيا
وجدت أقل الناس عقلا إذا انتشى ... أقلهم عقلا إذا كان صاحيا
عليك دليل من صحبت فلا يكن ... جليسك من يحكي إليك المساويا
وقال آخر:
على قدر عقل المرء في حال صحوه ... يؤثر فيه الخمر في حال سكره
فيأخذ من عقل كثير أقله ... ويأتي على العقل اليسير بأسره
قال المأمون الشراب ستر فانظر مع من تهتكه وقال الجماز حرم النبيذ على ثلاثة عشر نفسا على من غنى الخطأ واتكأ على اليمين وأكثر أكل النقل وكسر الزجاج وسرق الريحان وبل ما بين يديه وطلب العشاء وقطع اللمة وحبس أول قدح وأكثر الحديث وامتخط في منديل الشراب وبات في موضع لا يحتمل المبيت ولحن المغنى ونقلت من خط الحافظ جمال الدين اليغمودي من مجاميعه المسماة بكنوز الفوائد ومعادن الفرائد ما صورته لما تقلد كسرى أنوشروان مملكته عطف على الصبوح والغبوق فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها إن في إدمان الملك الشراب ضررا على الرعية والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة فوقع على ظهر الرقعة إذا كانت سبلنا آمنة وسيرتنا عادلة والدنيا باستقامتنا عامرة وعمالنا بالحق عاملة فلم نمنع فرحة عاجلة.
قال سليمان أخطأ كسرى من وجوه أحدها أن الإدمان إفراط والإفراط مذموم وآخر أنه حمل أن أمن السبل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق لم يوكل به الطرف الساهر ولم يحظ بالعناية التامة ولم يحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام مع أنه متى كان كذلك دب إليها النقص والنقص باب الانتقاص مزيل للأصل مزعزع للدعامة وآخر أن الزمان أعز من أن يبذل كله للأكل والشرب والتلذذ والتمتع فإن في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها وإبعاد الغي عنها ما يستوعب أضعاف العمر فكيف إذا كان العمر قصيرا وكان ما يدعو إليه الهوى كثيرا وآخر أنه ذهب عليه أن العامة والخاصة إذا وقفت على اشتهار الملك بالذات وانهماكه في طلب الشهوات ازدرته واستهانت به وجذبت عنه بأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير.
وما أحسن ما قال الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن الرفا الرصافي من رصافة قرطبة رحمه الله تعالى وقد مر بروضة نزهة فتذكر جلوسه فيها مع رفقة له كانوا أعزاء على قلبه:
سلى خميلتك الريا بآية ما ... كانت ترف بها ريحانة الأدب
عن فتية نزلوا أعلى أسرتها ... عفت محاسنهم إلا من الكثب
محافظين على العليا وربتما ... هزوا السجايا قليلا بابنة العنب
حتى إذا ما قضوا من كأسها وطرا ... وضاحكوها إلى حد من الطرب
راحوا رواحا وقد زيدت عمائمهم ... حلما ودارت على أبهى من الشهب
لا يظهر السكر حالا من ذوائبهم ... إلا التفاف الصبا في السن العذب
стр. 70
ونقلت من خط سيدنا ومولانا الجناب المجدي فضل الله ابن المرحوم الصاحب فخر الدين بن مكانس هذه الرجوزة وسماها عمدة الحرفاء وقدوة الظرفاء من نظم والده سامحه الله تعالى:
هل من فتى ظريف ... معاشر حريف
يسمع من مقالي ... ما يبهر اللآلى
أمنحه وصيته ... سارية سرية
تنير في الدياجى ... كلمعة السراجى
جالبة السراء ... جليلة الأنباء
ماجنة خليعة ... بليغة مطبوعة
رشيقة الألفاظ ... تسهل للحفاظ
جادت بها القريحة ... في معرض النصيحة
أنا الشفيق الناصح ... أنا المجد المازح
اسلك الجماعة ... في طريق الخلاعة
اجد للأكياس ... عهد أبي نواس
أن تبتغي الكرامة ... وتطلب السلامة
اسلك مع الناس الأدب ... تر من الدهر العجب
لن لهم الخطابا ... واعتمد الآدابا
تنل بها الطلابا ... وتسحر الألبابا
البس حلا الخلاعة ... واخلع ردا الرقاعة
ولا تطاول بنشب ... ولا تفاخر بنسب
المرء ابن اليوم ... والعقل زين القوم
ما أروض السياسة ... لحائز الرياسة
إن شئت تلفى محاسنا ... فلا تقل قط أنا
وإن أردت لا تهن ... إذا اؤتمنت لا تخن
العز في الأمانة ... والكيس في الفطانة
القصد باب البركة ... والخرق داعى الهلكة
لا تغضب الجليسا ... لا تسخط الرئيسا
لا تصحب الخسيسا ... لا توحش الأنيسا
لا تكثر العتابا ... تنفر الأصحابا
فكثرة المعاتبة ... تدعو إلى المجانبة
وإن حللت مجلسا ... بين سراة رؤسا
اقصد رضا الجماعة ... وكن غلام الطاعة
داريهم باللطف ... واحذر وبال السخف
لا تلفين كاذبا ... لا تهمل الملاعبا
قرب الندامى يلجى ... للنرد والشطرنج
واختصر السؤالا ... وقلل المقالا
ولا تكن معربدا ... ولا بغيضا نكدا
ولا تكن مقداما ... تسطو على المنداما
لا تمسك الأقداحا ... تنغص الأفراحا
لا تقطع الظرافة ... لا تشحذ السلافة
لا تحمل الطعاما ... والنقل والمداما
فذاك في الوليمة ... شناعة عظيمة
لم يرتضيها آدمي ... غير وضيع عادم
وقل من الكلامى ... ما لاق بالمدامى
كرائق الأشعار ... وطيب الأخبار
واترك كلام السفلة ... والنكتة المبتذلة
وقالت الأكياسى ... إذا أريق الكاسى
بادره بالمنديل ... في غاية العجيل
فشملة الكرام ... سفنجة المدام
وإن رقدت عندهم ... فلا تشاكل عبدهم
فإن سلمت مرة ... فلا تعد يا عره
لا تأمنن الثانية ... فإن تلك القاضية
والدبدبون احذره حذر ... فإنه إحدى الكبر
فيا لها من فضيحة ... ومحنة قبيحة
فاعلها لا يكرم ... وإن دوى لا يرحم
كم أسكن الترابا ... ذا قوة ذبابا
وكم فتى من ذره ... أصبح مفضي الثقبة
جازوه من جنس العمل ... وصار في الخلق مثل
ليس له من أسى ... كمثل بعض الناس
كفتة تلك شهرة ... ومثلة وعبرة
إياك والتطفيلا ... وشامة الوبيلا
تبالها من محنة ... وثلمة وهجنة
لا تقرب الطاعة ... فإنها دلاعة
ولا تكن مبذولا ... ولا تكن ملولا
وإن دعاك الأخوة ... إلى ارتشاف القهوة
فلا تصقع ذقنكا ... ولا تزرهم بابنكا
ولا بجار الدار ... ولا بشخص طارئ
ولا نجل تألفه ... ولا صديق تصدفه
ولا تقل لمن تحب ... ضيف الكرام يصطحب
فهذه أمثال ... غالبها محال
سيرها الأغراب ... السادة السغاب
قد وضعوها في الورى ... طرا بأولاد الخرا
وإن حللت مشربه ... مع سوقه لا كتبه
فأقلل من المدام ... في مجلس العوام
فكثرة المجون ... نوع من الجنون
والأمر فيه يحتمل ... وكل من شاء فعل
وآخر الأمر الرضى ... وكل مفعول مضى
стр. 71
فعصبة العوام ... ضرب من الأنعام
وإن صحبت تركى ... فاصبر لأكل السكك
هذا إذا تلطفا ... ولم يكن فيه جفا
وإن يكن ذا عربده ... ونزعة منكدة
يقوم للجلوس ... بالسيف والدبوس
أبشر بقتل القوم ... ونحس ذاك اليوم
فاقبل كلامي واعتمد ... وصيتي واصل وفد
ولا تخالف تندم ... ولا تعزز تعدم
فالشؤم في اللجاج ... والحر لا يلاجى
فهاكها وصية ... تصحبها التحية
يحملها الكرام ... إليك والسلام
الفصل الرابع
في استهدائها واستدعاء الإخوان
كتب ابن العميد إلى بعض أصحابه يستهديه خمرا قد اغتنمت الليلة أطال الله بقاء سيدي ومولاي رقدة عين الدهر وانتهزت فرصة من فرص العمر وانتظمت مع أصحابي كالثريا فإن لم تحفظ علينا ما نحن فيه من النظام بإهدائي المدام عدنا كبنات نعش والسلام.
وقال جحظة البرمكي يستهدي نبيذا (توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة ﵀ :
قد زارني اليوم نور عيني ... وكان بالأمس صدّ عني
وليس عندي له نبيذ ... وليس يرضى بذاك مني
فجد علينا بنصف دن ... بربع دن بثلث دنى
لا تنكرن كدني وشحتي ... فإنني شاعر مغني
حالا لو خافا مليكا ... إذا لكدي بكل فن
وكتب عبد الرحيم بن أحمد القاريس خوى إلى أخيه الأكبر:
بلغ جمال الدين عبد الواحد ... صدر الأنام الماجد بن الماجد
برد الهوا زاد في قلبي الهوى ... فانعم علي بقلب ضد البارد
وأنشدني الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس من لفظه لنفسه:
براح ورمان بعثت إليكم ... وبسر وتفاح تضوع كالند
كما حليت بكر على الشرب ناهد ... مقمعة الأطراف قانية الخد
الاستدعاء قال بعضهم:
تفضل بحق الكأس والراح والهوى ... وترجيل أصداغ غدون على خد
وكن غير مأمور جواب كتابنا ... ولا توحشنا بالتعلل والوعد
ولآخر:
جعلت فداك قد حضر الطعام ... وضجت من تأخرك المدام
فإما جئتنا عجلا وإلا ... أخذنا في اغتيابك والسلام
وكتب أحمد بن يوسف إلى صديق له هذا يوم رقت حواشيه وبدت تباشير الحبور فيه والمرء بأخيه كبير وبمساعدته جدير وأنت قطب السرور ونظام الأمور فلا تتأخر عنا فنقل ولا تتفرد منا فنذل.
وقال عبيد الله بن طاهر (توفي سنة ثلاثمائة) :
القدر قد هدرت والدن مبذول ... والروض قد رش والريحان مبلول
وقرت العين قد جاءت بمزهرها ... يصيح في يدها والنائي مشغول
ولا يتم لنا عيش ولا طرب ... حتى نراك فأنت القصد والمسئول
وكل عيش بلا راح ومسمعة ... ولا نديم ولا أنس فتعليل
يوم التلاق قصير كيف طال لنا ... وغيره فيه مع أبعاده طول
وقال آخر نحن في مجلس قد أبت راحته أن تصفو أو تتناولها يمناك وأقسم غناءه لا طاب إن لم تعه أذناك فإما خدود تاريخه فقد احمرت خجلا لإبطائك وأما عيون نرجسه فقد حدقت تأميلا للقائك ونحن لغيبتك كعقد قد ذهبت واسطته وشباب قد أخذت حدته فإذا غابت شمس السماء عنا فلابد أن تدنو شمس الأرض منا فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد ويحصل بقربك في جنة الخلد فكن إلينا أسرع من السهم إلى ممره والماء إلى مقره.
وقال الوزير أبو القاسم بن السقاط يومنا أعزك الله يوم بقيت شمسه بقناع الغمام وذهبت طاسه بشعاع المدام ونحن في قطار الوسمى في رداء هدى ومن نضير النوار على نضائد النضار ومن نواسم الزهر في لطائم العطر ومن غرر الندمان بين زهر البستان ومن سقاة الكئوس ومعاطي المدام بين مشرقات الشموس وعواطي الأرام فرأيك في مصافحة الأقمار ومنافحة الأنوار واجتلاء غرر الظباء الجواري واتقاء درب الغناء الحجازي موفقا إن شاء الله تعالى.
وقال محمد بن أبي محمد بن الفياض كاتب سيف الدولة بن حمدان وقد أجلتنا يومين وهذا ثالث وأعطيتنا عهدين وكنت الناكث فهل ابتدعت ما أتيت أو كان لك عليه باعث فيا قسيم روحي ويا نسيم صبوحي ها قد آن الغبوق إلا أنه يعز بمرشف شفتيك وكأس عينيك ووالله لا شربت إلا على آس عذارك وورد خديك فابرر قسمي ورد الجواب من فمك إلى فمي.
стр. 72
وقال القاضي السعيد بن سناء الملك وقد انتظمنا انتظام الجمان واجتمعنا على رغم أنف الزمان وعندنا فلان وما أدراك ما فلان تارة ينظر فيملأ علينا البيت سحرا وتارة يبسم فيفرق علينا درا.
وقال أبو الوليد بن الحبان الشاطبي نحن في روض أغصانه الندماء وغمامته الصهباء فبالله غلا ما كنت لروض مجلسنا نسيما ولزهر حديثنا شميما وللجسم روحا وللطيب ريحا وبيننا عذراء زجاجتها خدرها وخبائها ثغرها بل شقيقة حوتها كمامه أو شمس حجبتها غمامة إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل.
وقال بدر الدين بن صاحب وكتب بها إلى الصاحب فخر الدين ابن مكانس تغمدهما الله برحمته وسامحنا وإياهم بمحمد وآله هل لك بسط الله آمالك وضاعف نعيمك ودلاك في عذراء مصونة كالدرة المكنونة فتانة مفتونة كأن على خدها فوق ورده ياسمينة مخدرة تدهش العقول لمجتلاها وتغشى العيون لضوئها سناها مظلومة الريق في تشبيهها بالضرب وفي اللثات وفي أنيابها شنب لها من ذاتها طرب يغني عن المزامير بلقسية الجمال لها صرح ممرد من قوارير ضرة للشمس تلبس زي البدور ليلين ويرطب بها عيش السرور ليلها من حسنها نهار وضوء وجهها ليد لامسها سوار الاسم صبية الاستمتاع بكر تستخف الحليم بكشف القناع تعصبت بالدجى طيبا وتلثمت بالصباح وتلطفت حتى مازجت الأرواح كريمة الأصل والفعال حسنة المعاني والخصال أديمها كلما يعنق يغلو ووردها كلما مر بحلو يخلع الوقور في حبها العذار ويطيعها بالسعد فلك اللهو المدار ثملة المعاطف تقهقه قهقهة الرعونة كأنما خلقت نشوانة من الطينة يزداد ثغرها طيبا في ساعة السحر وتعرف عينها المخفية بحسن الأثر حديثها السحر الحلال وعتيقها خلع الدلال أيامها أعياد وأوقاتها أوقات القلوب والأكباد تطيب عيش الجلاس وتفرك أذن الوسواس من القاصرات الطرف في كل قصر وهي على الإطلاق مليحة ذهبية العصر رومية لها بالكيمياء معرفة مع أنها بإدراك المطالب متصفة فتارة تقلب الأحزان أفراحا ومرة تكتال لك الذهب أقداحا نديمها يجد في نفسه تخاييل المملكة ويكاد أن يمد على الدنيا من لؤلؤة حباتها شبكة قينة كأنما غنت الفلك فنقطتها بالنجوم قارية تخلقت بعد أن تقمصت ببياض الغيوم تجمع شمل الأحباب وتهذب الأخلاق الصعاب لو خالطها حبل لماس أو قابلها جماد لقيل أنه كاس أو قتلت ندمائها لما نسبت إلى إياس ولقال لسان حالهم وفيها منافع للناس وتلطف حتى كأن رائيها سامع يطيب ويطرب وحتى يكاد يأكل بالضمير ويشرب تغايرت الاستقصاءات على شكلها النوراني وما نفثت في خلقها الجثماني الروحاني فلم يجد الطير له فيها مدخلا لكن قنع منها بالتلطيخ تطفلا على أنه وارثها بالتعصب وقل جدها للأم بلا تثريب أنفاسها مسكيه وطبائعها برمكية ومكارمها خاتمية وأنسابها قيصرية بكر خاتم ربها وهي ترضع أباها من حلبها فتعيد الشيخ صبيا والمشغول خليا فكأنها استعارت الإرضاع من أمها التي لها ثدي كالنجوم عدة وتعلمت منها المكارم لما رأت أكفها بالندى ممتدة غانية طعم الحياة في ريقها وضيق الموت في مباينتها وتطليقها لا تنزل الحوادث ساحتها ولا يعرف التعب من صافح راحتها حمراء تخلع ثوبها على الندمان بل تكاد تطبق عينها على الإنسان لا ينهض البليغ بوصفها فالعجز عن إدراك لطفها إدراك لطفها.
أخبرني الجناب المجدي سلمه الله تعالى أن والده أجاب عن هذه الرسالة جوابا مجزعا إلى الغاية وأن مسودتها عدمت.
وقال أبو الحسين بن بسام ليستنهض همه نديم (توفي سنة ثلاث وثلاثمائة ﵀ :
ألا بادر فلا تأن سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام
ولا يكسل برؤيته ضبابا ... يظن به الحديقة والمدام
فإن الروض ملثم إلى ... أن توافيه فينحط اللثام
وقال الشهابي الأعزازي من موشحة أولها (توفي سنة عشرة وسبعمائة) : (يوجد شعر)
كأس رؤيه*
جلا علينا النديم*
أم سنا مصباح
أم شمس حسن*
قد توجتها النجوم*
في سماء الأقداح
ومنها:
وأجاد لنا خليل ... نراه منذ ليالي
(يوجد شعر)
غائبا عنا*وماء الشمول ... لذيذه وهو سالي
стр. 73
أيش منا*قل يا رسول ... نائبا في ظلالي
غيره: (يوجد شعر)
دوحه غنى زبرجديه*
ونم شادورنم*
وبقايا راح
ويوم دجن*
وقد دعاك النديم*
فأجب يا صاح
وقال الحكيم شمس بن دانيال يداعب:
شمس الدين قد أبطأت عنا ... لأمر قل لنا ماذا الجفاء
وقلت اليوم بعد العصر تأتي ... وبعد العصر يأتينا الجزاء
ونقلت من خط الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس ما صورته كتبت إلى صاحبنا الأديب الفقيه العالم الحافظ الراوية أبي حفص سراج الدين عمر السكندري الشهير بالقوصي استدعبه وفيها بعض مداعبة: الحمد لله المجيب لمن دعاه:
يا ذا الذي فكره مثل اسمه يقد ... فندت عنا وما من شأنك الفند
بما اعتذارك عن هذا الصدود وما ... هذا وقد ضمنا بالحيرة البلد
عافاك ربك من داء القطيعة بل ... شفاك من كل داء أمره نكد
فيم التواني وشهر الصوم مقتبل ... عن خمرة ضوئها في الكأس يتقد
وفتية مخلصين الود قد جلبوا ... على المحبة لا حقد ولا حسد
إن ذاع وصفك في ناديهم طربوا ... أو جال ذكرك فيما بينهم سجدوا
إن لم تشرف بناديهم فاشرفوا ... أو لم تنفق لهم آدابهم كسدوا
لم ذا هجرت بنى الآداب فابد لنا ... فما اعتذارك لا أهل ولا ولد
قد صرت توحشهم بعد أوان قربوا ... وكنت تؤنسهم قربا وإن بعدوا
تركت عشرتهم لما رغبت إلى ... جاه طويل عريض زانه مدد
ما هكذا تفعل الدنيا بصاحبها ... فالناس بالناس والإخوان تنتقد
وبعد فاحضر فذنب العبد مغتفر ... ولو تطاول من هجرانك الأمد
أولا فعصبة فسق كلهم سبق ... سود غلاظ شداد مالهم عدد
لهم ايور قيام طول دهرهم ... من حين إدراكهم بالحسين ما رقدوا
كأنهم من حديد جمعوا زبرا ... يستوثبون فلا يقواهم الأسد
من كل اير تحك السحب هامته ... يهيج كالبحر إذ يبدو له زبد
مرنفل مكهعر مغضب شرس ... لظهره جملونات بها عقد
مسكرج الرأس في عرنينه شمم ... معشر الدوم في حلقومه غدد
تلك الأيور تراهم في نكورهم ... كأنهم تحت فسطاط السما عمد
ومن قرى رقعتي هذي وليس يرى ... عقبيه حاضرا لم يثنه أحد
مولاي إني محب فاتخذ كلمي ... نصيحة فعليها الخل يعتمد
يا در لنا فبنو الآداب كلهم ... تجمعوا من فجاج الأرض واحتشدوا
وأنت أدرى بقوم إن قلوا سلقوا ... بألسن ما لقتلي حربها قود
فأوعدوك وإن لم تأت نحوهم ... فكل منحر في الحال ما يعد
لازلت ترقى على زهر النجوم علا ... ما حلت الريح أقوام وما رصد
وكتب إليه يداعبه:
يوم عليك سعيد ... يبدي الهنا ويعيد
يا بحر علم خضم ... تأتي إليه الوفود
يا ناقض الود يا من ... شوقي إليه يزيد
ويا رقيق الحواشي ... ماذا الجفا والصدود
يا جامع الشمل يا من ... بما لديه يجود
قد غيرتك الليالي ... والجاه وهو شرود
فكيف تبدي نفارا ... منا ونحن عبيد
لم لا تتيه وتعلو ... على الورى وتسود
وأنت خلفك قوم ... كل قوى شديد
والناس شكوا وقالوا ... ما شاب منه الوليد
والشعر فيك توالى ... طويله والمديد
أصبحت كالبدر مراء ... وهو القريب البعيد
يا أكثر الناس نحبا ... قل لي لماذا العقود
وقد أتى الصوم فالمم ... بنا فقربك عيد
واغتنم شفاءك واشرب ... فقد أتتك السعود
واحضر إلينا إذا ما ... وافاك دن النضيد
فعندنا أن تزرنا ... ما نشتهي ونريد
راح وظبى وشاد ... يشجي الأنام وعود
تزوج الماء بالراح ... والملاح شهود
وأنت جوهر فضل ... به تحلى العقود
لازال عزمك والر ... أي مفلح ورشيد
يستخدم الدهر في ... ما تقره وتبيد
أيامه خدم وبي ... ض والليالي سود
وقال آخر نحن قوم من شيعة الخمر نحب العتيق قد فرضنا عنا يد الهم بسماع الوتر وأقمنا من ناصب الغم وعدك المنتظر.
الفصل الخامس
стр. 74
فيمن وصفها من الشعراء الأعيان
القول في الكرمة: الكرم أكرم الشجر جوهرا وأشرفها محتدا وعنصرا منافعها عظيمة وعوائدها جسيمة وثمرها يزهى على جميع الثمار طيبا ومنفعة ومواد الشرب فيما يستخرج منه مستجععة وينبغي أن يختار لها أرض معتدلة رطبة لا مفرطة الرخاوة ولا صلبة ولا يكثر سقيها فيصير ما يعصر منها رقيقا مائيا ولا يفرط في تعطيشها فيكون يابسا ناريا ويعتمد تزبيل أرضها باخثاء البقر فإنها حافظة لما استودعته دون غيرها من الشجر وألا يغرس ما يضادها في أقرب مواضعها ولا يلاصقها إلا ما يقاربها في طبائعها فيجتنب الدفلى والدلب والخروع وما يشاكلها وتجاور الورد والتفاح واللوز والخوخ وما يماثلها والتفاح أشبهها به.
نكتة حسنة: قال أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة لسليمان بن كثير بلغني أنك كنت في مجلس قد جرى بين يديك فيه ذكرى فقلت اللهم سود وجهه واقطع عنقه واسقني من دمه فقال نعم قلته ونحن في الكرم الحصرم لما نظرت إليه فاستحسن قوله وعفا عنه لسداد جوابه.
القول على ثمرها أجمع العجم والعرب على أن رأس الفاكهة التين والعنب لأنهما بهديان الخصب إلى الجسوم ونفذوا أنهما غذاء غير مذموم وعقيد العنب إذا طبخ نفع من بعض الخوانيق وقطع الرطوبات المضرة بالحلوق وقد ورد في الخبر المأثور ما هو عند أصحاب الحديث مشهور وهو كلوا الزبيب فإنه يطفئ الغضب ويذهب الوصب ويشد العصب ويرضى عن الرب، وأطيب العنب ما اخضر عوده وتسلسل عنقوده وتدفق ماؤه ورق لحاؤه وقل عجمه واستجلاه مستطعمه وأفضل الأشربة ما اتخذ منه وهو الخمر لما فيها من الفضائل ولما انفردت به من شريف الخصائل فالألسنة منبسطة بنشر محاسنها والمدايح مشوقة إليها من أفضل معادنها والنفوس بمحبتها كلفه والقلوب إلى ما تجتنيه منها متشوفة من اعتياد شربها لم يصبر عنها ومن لم يذقها ورآها دعاه نسيمها ولونها إلى الأخذ بحظ وافر منها وما أحسن قول ابن المعتز فيها:
معتقة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل در ما لمنظومها سلك
جرت حركات الدهر فوق سكونها ... فذابت كذوب التبر أخلصه السبك
وأدرك منها الآخرون بقية ... من الروح في جسم أضر به النهاك
وقد خفيت من صوفها فكأنها ... بقايا يقين كاد يذهبه الشك
وقال القاضي الفاضل رحمة الله عليه:
لها متن تصفو على الشرب أربع ... وواحدة لولا سماحتها تكفى
سرور إلى القلب وتبر إلى يد ... ونور إلى عين وعطر إلى أنف
ولما رأينا ياسمين حبابها ... مددنا يمين القطف قبل فم الرشف
وقال مجير الدين بن عبد الظاهر:
خمرة للشقيق أمست شقيقة ... بنت كرم بالمكرمات خليقة
قال قوم من لطفها هي في الكأ ... س مجاز الكاس قالت حقيقة
كيف تغدو عتيقة لدنان ... وهي في قبضة الندامى رقيقة
أنتجت فرحة وجاءت بكاس ... صبغت حمرة فنعم العقيقة
هي مخلوقة من الماء فاعجب ... كيف نار من مزنة مخلوقة
كم تبدت بها معاني سرور ... بسوي الماء لم تكن مطروقة
سلفتنا على العقول وقالت ... يتولى الجناب كتب الوثيقة
حملت همنا فحمدا وشكرا ... لعجوز على بنيها شفوقة
كم بكت بالدموع منها الرواوي ... ق وجاءت جيوبها مشقوقة
أتراني أعصى إلهي فيها ثم ... أخشى من أن يقول الخليقة
وما أحسن قوله ملغزا في شملة وإن لم يكن مما فيه لكن الشيء بالشيء يذكر بلوازمه ومشمولة رقت وراقت فأصبحت:
على الشرب تزهى حين ... تهدى إلى الكاس
معتقة ما شمست بعد عصرها ... لائم وكم فيها منافع للناس
ولا عصرت يوما برجل ولا لها ... إذا ما أديرت من صعود إلى الرأس
وقال ديك الجن عبد السلام بن رعبان الحمصي (مولده سنة إحدى وستين ومائة وتوفي سنة ست وثلاثين ومائتين) :
بها غير معذور فداو خمارها ... وصل بعشيات الغبوق ابتكارها
فقم أنت واحتث كأسها غير صاغر ... ولا تشق إلا خمرها وعقادها
فقام يكاد الكأس تحرق كفه ... من الشمس أو من وجنتيه استعارها
ظللنا بأيدينا نتعتع روحها ... فيأخذ من أقدامنا الراح ثارها
موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
стр. 75
قلت: أحسن ما ضمن هذا العجز الشيخ بدر الدين حسن العربي الشهير بالزعارى:
وبي سامري مربى في عمامة ... قد اكتسب من وجنتيها احمرارها
موردة دارت بوجه كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وقال مجير الدين بن تميم مضمنا:
لو كنت شاهدنا وقد جليت لنا ... في كأسها لما انتشى الندماء
لرأيت أحسن ما يرى بزجاجة ... سال النضار بها وقام الماء
وقال صدر الدين بن غنوم:
قم نفترغ بكر المدامة بكرة ... في روضة حسنت وراقت منظرا
فالراح سيف قاطع لهمومنا ... أوما تراه بالحباب مجوهرا
وقال شرف الدين راجح الحلى:
أعجب شيء رأته عيني ... ما بين عود وحقق نائي
زحف سرور بجيش هم ... وقتل خمر بسيف مائي
وقال محيي الدين المغربي حافى رأسه (مولده سنة خمس وثمانين وستمائة، وتوفي سنة اثنتين وستين وسبعمائة) :
لم يتدر بدر الحباب بكأسها ... إلا لصيد بلابل الأرواح
مزحت فأنجزت الذي وعدت به ... من نفخ روح الهوى في الأشباح
وقال الناشئ:
صفت وأحداق نورها بزجاجها ... فكأنما جعلت إناء إنائها
وتكاد أن مزجت لرقة لونها ... تمتاز عند مزاجها من مائها
تزداد من كرم الطباع بقدر ما ... تؤدي به الأزمان من أحزانها
وقال البديع الهمذاني قال ابن خلكان (كانت وفاته سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة مسموما بمدينة هراه) :
وفتيان كأقران الثريا ... على طرق من العيش الرخيم
بساقيهم من الغزلان أحوى ... كأن بطرفه داء الظليم
تنادوا للمدام وعنفوني ... وقالوا هاك حظك من نعيم
فقلت أخاف عقباها ولكن ... أشيعكم إلى باب الجحيم
وقال أبو تمام الطائي (توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة) وفي وفاته ثلاثة أقاويل:
بمدامة تعدو المنا لكئوسها ... حولا على السراء والضراء
راح إذا ما الراح كن مطيعا ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء
صعبت وراض المزج يبنى خلقها ... فتعلمت من سنن خلق الماء
حرقاء تلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفيال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... فبكت كذلك قدرة الضعفاء
وقال أبو الحسن على بن موسى الغرناطي ضمني وأبا يحيى الكاتب مجلس أنس فتذاكرنا ما قيل في معاقرة الشراب في المشيب فأنشدني لنفسه:
لاموا على حب الصبا والكاسى ... لا بدا زهر المشيب براسي
والغصن أحوج ما يكون لشربه ... أيان يبدو بالأزاهر كاسي
ثم قال هل سمعت في هذا المعنى شيئا لغيري فقلت لا ثم أعلمت حتى عملت فيه وهو معنى غريب قلت:
يلومونني عن شبت في الخمر صلة ... وإنني إذا وافى المشيب بها أحق
إذا شاب رأس الليل بالفجر قريب ... له كئوس الصباء من خمرة الشفق
آخر:
صب في الكاسى عقيق فجرى ... وطفا الدر عليه فسبح
نصب الساقي على حافاتها ... شبك الفضة فاصطاد الفرح
وقال أبو نواس ﵀ عليه:
يطوف بها ساق أغن يرى له ... على مستدار الأذان صدغا معقربا
إذا عب فيها شارب القرم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
وقال ابن المعتز رحمة الله عليه:
قد أظلم الليل يا نديمي ... فاقدح لنا النار بالمدام
كأننا والورى رقود ... نقبل الشمس في الظلام
وقال ابن حمديس المصنفلي رحمة الله عليه:
قم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بسير الصباح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
وقال ابن رشد رحمة الله عليه أيضا:
خليل النفس لا تخلى الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا
مشعشعة كأن الشمس ألقت ... على أيدي السقاة به محاجا
إذا مريخها اتقد احمرارا ... سكبن المشتري فيه مزاجا
وقال ابن حجاج رحمة الله عليه:
ويحكم يا كهول أو شيوخ الفس ... ق أو يا معاشر الفتيان
اشربوها خمرا مما اقتناها ... آل دير الفنون للقربان
بكئوس كأنها ورق النس ... رين فيها شقائق النعمان
اشربوها وكل إثم عليكم ... إن شربتم بالرطل في ميزان
следующие страницы →