← Тараджим

Тараджим · id 5392

لطائف الذخيرة وطرائف الجزيرة

الأسعد بن مماتي

Полный текст (92 стр.). Показаны 71–92 · переход к 76.

стр. 71

قال ابن حيان: وهذه أسماء لا طائل تحتها، وانحل النظام، وقل الدرهم، وتفرقت الأجناد لعدم الكفاية، وحصل التفرق إلى ما يقبح من أمر الرعية. وكان قد أحضر جماعة من وزرائه فلما حصلوا عنده قبض عليهم، وصادرهم على أموال التزموها، وطالبهم، وكان قد أقام شخصاً اسمه نجاح الضاغط فطالبهم، وكان قد تقاعد أكثر أهل الأندلس عن مبايعته ومطلوا بها. وكان من أصحابه رجل يعرف بكر ابن محمد المشاط الرعيني فكان من أسباب هلاكه. وكان قد ورد عليه فوارس من البربر، فأنزلهم معه في دار الملك، فهاج لذلك المسلون العامة والخاصة، وقالوا نحن طردنا البربر عن قرطبة وهذا الرجل يردهم إلينا وعليهم منا، فوثبوا عليه وقتلوا البربر حيث وجدوا. ولم يشعر عبد الرحمن إلا بالرجال قد علوا سقف القصر، وسمع المسجونون بذلك فاستغاثوا، ووقع الاختلاط بالحرم، وأحيط بعبد الرحمن من كل جهة، فعلم أنه مقتول. واستغاث بالوزراء فما قدروا على إغاثته، وشغلوا بنفوسهم ودخلت الرجال عليه. وكان قد ركب لينجو وقصد موضعاً للخروج منه فوجده قد ملك عليه، فترجل عن فرسه وتجرد من ثيابه، واستخف حتى بقي في قميص، واختفى في تنور حمام، واستخفى البربر في الحمام وعثر عليهم فقتلوا وكان جماعة منهم بالجامع فقتلوا فيه. وفضح حريم عبد الرحمن وسبي أكثرهن وجرى عليهم ما لم يجر على حريم سلطان. ثم ظهر ابن عمه محمد ابن عبد الرحمن ابن عبيد الله بن الناصر، وحمل إلى دار الملك بعد ضربها فأجلس في بعض مجالسها مدهوشاً. وافتقد عبد الرحمن المستظهر فوجده في آتون الحمام، فأخرج في قميص مسود بالرماد على أقبح الأحوال. فجيء به إلى محمد بن عبد الرحمن القائم بعده في الثالث من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة فطبش به بعض الرجال القائمين على رأسه، فتهلل وجه عبد الرحمن المستكفي، وشرع في تدبير سلطانه. فكانت إمارة المستظهر إلى أن قتل ستة وأربعين يوماً، لم يمتثل له أمر، ولم تتجاوز دعوته قرطبة. وكانت سنه ثلاثاً وعشرين سنة. وكان فاضلاً عفيفاً متحرجاً به ختم فضلاء أهل بيته. فصل فيما يتعلق بعلي بن حمود وإمارته قال أبو مروان هو علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبد الله ابن عمرو بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم. وذكر العيني أن نفرا من ولد إدريس بن عبد الله بن حسن أيام طلبه للرشيد وحبسه عند جعفر بن يحيى، فروا إلى المغرب فوقفوا ببلاد أفريقية. ثم انحازوا إلى طرف من بلاد العرب فنكحوا إليهم وتبربروا معهم، وعقبهم إلى اليوم هناك. قال ابن حيان وبويع علي بن حمود على باب السدة من قصر قرطبة يومك الاثنين لسبع بقين من المحرم سنة أربع وأربعمائة، ثاني اليوم الذي أدرك فيه ثأر هشام المؤيد ولم يتخلف أحد عن بيعته. ويسمى بالناصر لدين الله، وهو اسم سبقه إليه بالمشرق أبو أحمد ابن المتوكل العباسي، وتبعه فيه عبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس. ولما صارت إليه الخلافة أظهر من القهر والغلبة والإرهاب ما ملأ به القلوب وكف به عادية برابرة العسكر وقادهم قود الإبل المخطومة، وأجرى عليهم الأحكام الشرعية التي كانوا ممتنعين منها، وجلس للنظر في مظالم الناس مرفوع الحجاب للصادر والوارد. ويقيم الحدود على الكبير كما يقيمها على الصغير! فأمنت السبل ورخت الأسعار وانبسطت الآمال وكثر النسل، لأنهم كانوا قد امتنعوا من التزويج لشدة ما كانوا فيه.

стр. 72

ولقي يوماً نفراً من البربر ومعه حمل عنب فسأله من أين لك هذا؟ فقال أخذته كما يأخذ الناس. فأمر به فضربت عنقه، ووضع الرأس في وسط الحمل فطيف به البلد. وكان عيوناً لا يستحسن شيئاً بعينه إلا هلك. وكان يأمر من يستحسنه من نسائه بأن تخفي محاسنها حتى لا يصيبها بعينه! وأقام بقرطبة ثمانية أشهر على أحسن ما يكون مع الرعية. ووقف منهم على كراهتهم لدولته، ويغضهم لأيامه، وبلغه قيام المرتضى بسر في الأندلس، فصمم على إهلاك قرطبة وأهلها حتى لا يعود للمروانية فيها ذكر. وينتقل إلى ساحله ويجمع شمل برابرته فيضرب بهم جميع الأندلس. فانقلب عن جميع ما كان عليه وانصرف إلى جزيرة البربر وتغاض عنهم وبسط أيديهم فيما كانوا عليه من الظلم والحيف. فوقع أهل قرطبة وغيرهم في أشد مما كانوا فيه. وأقبل على أهل قرطبة بما با يطاق من التنكيل والمغارم وانتزاع السلاح منهم وهدم جورهم وقيض أيدي الحكام عن إنصافهم. وعطف على أغنيائهم بما استأصلهم به، وقرب إليه من الأشرار جماعة للسعي عليهم والتنبيه عليهم، وصار أكثر أهل البلد شرطية ليوكلوا على الباقي. فقل ما تلقى من أهل البلد إلا ومعه موكل عليه. وأخذ على الناس الأقطار فاندفنوا فغي البيوت وسكنوا بطون الأرض حتى خلت الأسواق من الناس، وأظلمت الدنيا وما بقي لأحد تصرف إلا تحت الليل! وصودر خلق كثير وامتهن بعضهم بالضرب الشديد، حتى صانعوا عن أنفسهم بالمال الكثير وأمر بإطلاقهم. فلما أحضرت دوابهم ليركبوها قبضت جميعها وانطلق القوم ورجاله إلى بيوتهم فكانت أعظم آفة جرت عليهم. فلما اشتد البلاء واستجيب فيه الدعاء، وسلط الله عليه من أضعف خلقه؛ صبياناً أغماراً من صقالبة بني مروان، كان قد استخلصهم لنفسه، واستقلهم عن تعرض لنكايته، فجسروا على مواثبته في قصره، لا عن مواطأة أحد إلا ما ألقاه الله في قلوبهم. وكانوا ثلاثة يسمى أحدهم بمنجح وكان حسن الوجه، والآخر لبيب، والآخر نجيب فقتلوه ليلاً مستهل ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة. في الحمام ضربه منجح بكوز نحاس ثقيل فشجه وغشي عليه. ودخل صاحباه فضرباه بالخناجر حتى مات، وسدوا عليه باب الحمام وهربوا إلى بعض الأماكن فلما استبطأ نساؤه مقامه في الحمام دخلن عليه، فوجدنه قتيلاً ممزقاً. ثم ظهر أمره وفشا قتله ففرح الناس، وحمدوا الله تعالى على خلاصهم. فاجتمعت زناتة وأرسلوا إلى أخيه القاسم صاحب اشبيلية واستدعوه وخاف أن يكون ذلك حيلة عليه، فأنقذ من رآه وعاد إليه بخبره، وأخرج إليه جسد فصلى عليه، وأمر بإنقاذه على سبته! فدفن هناك وكانت مدة خلافته أحد وعشرين شهراً وسبعة أيام فانقضى أمر علي بن حمود على هذا السبيل. في ذكر الوزير عيسى بن سعيد قال أبو مروان: لم يكن للوزير عيسى بن سعيد بيت يعرف ولا قديم يذكر وكان أبوه معلماً، فاختلف عيسى إلى الديوان، وصحب محمد بن أبي عامر، وقت حركته في دولة الحكم فبلغ به المنازل الجليلة، وكان عنده مشهوراً بيمن النقيبة، وكثر ماله وعظمت حاله، وتفاني في ما اقتناه من الضياع والأدوار، واشتمل على الملك هو وولده وصنايعه حتى صار لهم مع كل عامل نصيب. ولا ينفذ توقيع إلا بأمره، ولا يتم أمر إلا بمشورته. وكثرت أعداؤه وكثرت أعداؤه وكثر تحرزه مكنهم، ووالي كثيراً من وجوه أهل الدولة وصاهرهم بينيه فكثرت جماعته، وعظمت أموره وأخذته الألسن. واتفق أن عبد الرحمن بن المنصور انبسط على أخيه عبد الملك في أول دولته بصحبة طائفة له وسعي عيسى هذا في تقييده فحقد عليه وحسن أيضاً لعبد الملك أن يتزوج بجارية مغنية استحسنها وعفى عنها، فحقدت أمه على عيسى. ثم اتهم من مداخلته لولد أبي بكر هشام بن عبد الجبار بن الناصر، والسعي له في الملك. وكان عيسى لا يحضر مجلس شراب عبد الملك إلا في النادر، لضعف سربه، فأمكن الأعداء القول قيه بما شاؤا لأجل منيته. وزاد الأمر حتى ظهر لعيسى تغير عبد الملك عليه. فأعمل الحيلة في الخلاص وشرع في الغدر بالدولة العامرية، والانقلاب مع المروانية. وأقامه الوليد أبي بكر هشام على الخليفة هشام بن الحكم وأخذ الخلافة منه فدعا هشاماً إلى ذلك ولقيه خفية وقرب له البعيد، وأطمعه ببلوغ الغرض، وأن الأجناد لا تخالفه فاستجاب له هشام.

стр. 73

وأخذ بيعته عليه وساعده جماعة وكاد الأمر أن يتم، وأعد رجالا للفتك بعبد الملك فأشار أحدهم إلى نظيف الفتى الكبير مولى بن أبي عامر فنضح له بقصته فاعلم عبد الملك بها لوقته فاشتغل خاطره وتوقف في أمر عيسى للخشية من أن يكون السعي عليه من عدو له، إلى أن أنهى إليه صاحب المظالم ما أقلقه. ولم يرتب له لثقته. وحدثه أن رجلا يعرف بابن دراج الوزان كان متخصصاً من العامة، وله بالوليد هشام المذكور اتصال، أعلمه نزول عيسى عليه ببعض بساتينه. وأنه سمع ابن عبد الجبار يقول له يا أبا الأصبع، والله إني لخائف والخطر عظيم، فقال له عيسى ومن تخاف أليس الملك بيدي، والخيل طوعي، والناس يرضون بفعلي فلما علم عبد الملك بهذا بطش بعيسى. ووطئ عليه أخاه عبد الرحمن ومن يليه من أصحابه فشد عزيمته وعقد معهم مجلساً للشرب، وبعث عن أكثر أصحاب عيسى، فجلس للشرب بالمجلس الكبير المشرف على النهر لعشر خلون من ربيع الأول سنة سبع وتسعين. ثم أرسل إلى عيسى وقد مضى من الشرب وقت فجاءه رسوله. وقد بدأ أيضاً يشرب مع نفر من أصحابه فدعاه إليه فلم يرتب بذلك وبادر بالركوب إلى عبد الملك، فلما وصل إليه أظهر الاستبشار به وأقبل عليه بوجهه وأعلا مجلسه. فلما دارت الكؤوس أخذ عبد الملك في معاتبته وما قربه به عنده وعيسى منزعج من ذلك إلى أن صرح عبد الملك بما في نفسه، وألقى القدح من يده وأقبل يسبه ويغلظ له، وعيسى يتنصل ويقيم الأعذار ويناشده الله في عدم إراقة الدم. ثم أخذ عبد الملك سيفه من جانبه وعلاه به وخبطه أصحابه بسيوفهم حتى برد وخر رأسه ووضع جانباً وأمر عبد الملك أيضا بقتل صاحبيه ابن خليفته وابن فتح، وقطعا بالسيوف في المجلس. وتهارب أصحاب عيسى فمنهم من ألقى نفسه في النهر هربا من القتل فغرق، وأمر برفع رأس عيسى بباب الزاهرة وما زال هناك إلى أن فتحت الزاهرة على يد ابن عبد الجبار وذهبت الدولة العامرية. فقام عبد الملك من ذلك المجلس ولم يعد مدة حياته، وأمر الحوطة على منازل عيسى وأصحابه وكتابه وأولاده الأكابر واستصفى جميع أموالهم، وسجن أولاده بمطبق الزهراء، وأمر محمد ابنه طلاق أخت عبد الله فطلقها. ولم تزل خليه إلى أن ذهبت دولة قومها فراجعها، فكاد الناس يحسبون أن مال عيسى مثل التراب كثرة فما وجد له منه شيء، ووقع التعجب من ذلك. ولم يزل أولاده فقراء وأعظم الناس قتل عيسى بجلالة قدره وكان أبو العلا صاعد اللغوي منقطعاً إلى عيسى فلما قتل كان أول من أنشد عبد الملك فيه بما دل على سوء عهده شعراً يقول فيه: فتلك هامته في الجو ناطقة ... تحدث الناس من أخباره عبرا مكتوبة الوجه بالهندي يقرؤه ... من ليس يقرأ مكتوبا ولا سطرا فصل في أخبار الوزير أبي محمد بن حزم قال بن حيان: كان ابن حزم صاحب حديث وفقه وجدل وله كتب كثيرة في المنطق والفلسفة. ولم يخل فيها من غلط، وكان شافعي المذهب يناضل الفقهاء عن مذهبه ثم صار ظاهريا فوضع الكتب إليها في هذا المذهب وثبت عليه إلا أن مات. ولان له تعلق بالآداب ثم شنع عليه الفقهاء وطعنوا فيه، وأقصاه الملوك وأبعدوه عن وطنه، وتوفي بالبادية سنة ست وخمسين وأربعمائة. وكان كثير المواظبة على التأليف وكثرة التصنيف. ومن مصنفاته كتاب (الفصل بين أهل الآراء) و (أهل النحل) وكتاب (الصادع والرادع) في الرد على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين، والرد على من قال بالتقليد. وكتاب حديث شرح الموطأ والكلام على مسائله، و (كتاب الجامع) في صحيح الحديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها. وكتاب (التلخيص والتخليص) في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا الحديث وكتاب (منتقى الإجماع وبيانها من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف) ، وكتاب (الإمامة والسياسة) في سير الخلفاء ومراتبها الندب والواجب منها. وكتاب (أخلاق النفس) ، وكتاب (الاتصال إلى أتم كتاب الخصال) ، وكتاب (كشف الالتباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس) ... ومن شعره بعد إحراق كتبه: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري فصل في لمع من أخبار المنذر

стр. 74

قال أبو مروان بن حيان: كان منذر بن يحيى صاحب سرقسطة، رجل من عرض الجند وبرقت به الحال، إلى أن صار قائداً في آخر دولة آل عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى نيل الإمارة، والانضمام من العسكر إلى الثغر إلا علا لمدة وإقطاع وكان أبوه يحيى من الفرسان غير المذكورين، وكان منذر هذا مشكور الفروسية سمح النفس، متعلقاً بطرف من الكتابة إلا أنه كان شديد الغدر قليل الوفاء. وأن هشام قد أحسن إليه واصطنعه وأسلمه لحتفه. وباع دماء عشيرته أهل قرطبة من البرابرة مجاناً من غير ضرورة. واستجاره محمد بن سليمان أميره في نكبته فقتله وهو ضيفه، إلا أنه كان كريماً يهب الأموال العظيمة. وعمرت لذلك سرقسطة حتى أشبهت الحضرة الكبرى قرطبة أيام الجماعة فحسنت أيامه وكثر مداحه وكان كثير التهالك في حب الدنيا والشهوات، فاتخذ الجواري الحسان، وملاح الغلمان، فحصل عنده من ذلك كل غريبة وغريب. وكان في أول ولايته قد ساس عظيمي الفرنجية وهاداهم حباطه الثغر وأهله. وكذلك رؤساء الجلالقة فحفظت أطرافه وكتفه المعمرة عن عمله وربما أوقع ببعض أصاغر القراميس في أطرافهم، وسبى منهم والجلالقة باقون على معاهدته إلى أن مضى لسبيله، والثغر مسدود. وبلغ من استمالته لأرمند وشانجه طاغيتي الفرنج، أن جعل تصاهرهما على يده. وكتب عقد النكاح بحضرته في سرقسطة، في جمع من أهل الملتين. فانبسطت عليه ألسن المسلمين لأجل ما فيه من سوء العاقبة. وقد قيل أن الرأي كان مع منذر في ذلك، وإنما أراد به ستر العورة واختداع عظيمي الفرنجة الطاغيتين المحدثين أنفسهما بمناهضة أهل الأندلس. فألهاهما عن الطاغيتين الحرب فعاش المسلمون في نعمة صافية وعيشة راضية إلى أن مات منذر. وما انتفع الطاغتين بالصهارة وهلكا وكفى المسلمون شرهم. قال ابن حيان وأخبروني الكاتب أبو أمية ابن هشام القرطبي قال: اجتاز بنا القومس بتطيلة، صدر أيام المنذر ووالينا من قبله سليمان بن هود. فسلك مجتازاً طرف الثغر الأعلا للاجتماع بالقومس ريمند صاحب برشلونة، عن علم من منذر، فأنكر أهل تطيلة وذهبوا إلى أخفار أميرهم منذر وانتهى ذلك إلى الطاغية شانجه فلما شارف البلد أرسل يستدعي قوماً من أعيانهم يكلمهم في تخلية سبيله. فدخلنا إلى منزلته فحدسناها ستة آلاف ما بين فارس وراجل. لم يكن احتفل في حشده ووصلنا إلى مضربه، فإذا هو جالس على مرتبته، وعليه ثياب من ثياب المسلمين، ورأسه مكشوف. فكلمنا بكلام لطيف حسن بين فيه حسن وجه، حسن سيرة. وذكر ما وافق عليه والينا من الاتفاق معه فعرفناه كراهة من ورانا لاجتيازه فنهانا عن ذلك وذكر الحرب وعدواها فانصرفنا عنه وأدينا قوله إليهم فلم يقبله عامة الناس، وخرجوا إلى عجل أنطأت في سافنه تحمل أزواد أهل عسكره يريدون نهبها، عاصمين للمشايخ, فانتهى ذلك إليه فنفذ من أصحابه مقدار خمسمائة فارس ثاروا في وجوه الناس. فخرج أهل البلد بأسرهم مدافعة فحمل من الخمسمائة قطعة فولى الناس الأدبار، حتى اقتحموا باب المدينة. ثم كفوا عنهم ومضى لوجهه. ولم يؤاخذهم بما بدا منهم. ذكر الخبر في مقتل منذر قال ابن حيان: فأما مقتل منذر فإنه مكان على يدي رجل مارد من بني عمه يقال له عبد الله بن حكم. وذلك أنه أضمر الفتك به دهراً طويلاً، ودخل عليه يوماً في مجلسه غرة ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة وهو غافل عما يراد به. عليه غلاله، وليس عنده إلا نفر من خواص خدمه الصقالبة قد أكب على كتاب يقرؤه فضربه بسكين كان معه فقتله وهرب الغلمان. وأخرج رأس منذر لوقته من قصره فوق قفاه ينادي عليه: هذا جزاء من عصى أمير المؤمنين هشاماً. فنزلت سرقسطة حادثة عظيمة، وأشرف أهلها على فتنة عظيمة. وطمع فيه أكثر من كان يجاورهم فاضطربوا إلى تمليك البلد له. وكان سليمان ابن هود الجذامي مقيماً بتطيلة بجمعه فسارع إلى سرقسطة رجاء دخولها فمنعه عبد الله منها. ثم جاء إسماعيل بن ذي النون خال منذر فاتصلت الفتنة، وامتنع عبد الله من مقصده ونال أهل سرقسطه جهد شديد. وأقدم عبد الله هذا على ما لم يقدم عليه أحد من قتل منذر في داره وبين كماته.

стр. 75

ولما فرغ منه استدعى قاض البلد ومشايخه فدخلوا إليه ومنذر قتيل إلى جانبه فبسط عذره عندهم، وأمرهم بتسكين من ورائهم وتفرقوا عنه، واختلفوا عليه، وقاتلوه فخرج من باب سر في القصر. واستصحب من فاخر ما اشتمل عليه من ذخائر منذر ما أمكنه ولحق بحصن رنطة اليهودي أحد معاقل سرقسطة المنيعة. وقد كان أعده لنفسه فأقام به يرصد الفتنة. وكان حمل معه إلى هذا القصر أخوي منذر ووزيره وغيرهم من رجال منذر، مقيدين فحبسهم عنده وطالبهم بالأموال. ونهب العوام قصر سرقسطة إلى أن قلعوا منه المرمر وطمسوا أثره لولا تعجيل سليمان بن هود ملك البلد. قال علي ابن بسام: وذكرت بهذه الفتكة ما اتفق من مثلها بقلعة حماد وهي على طرفاً أفريقية الأدنى إلى الأندلس. وذلك أنه لما أفضى ملكهم إلى بلقين بن محمد أحد الجبابرة، وكان شديد البأس، حدث أنه عاد مرة من بعض غزواته فارتاح إلى ما يرتاح إليه الناس من الخلوة والدعه. فجلس لذلك في بعض مجالسه، وقام بإحضار ما يصلح من آلاته، وأمر القهرمانة بإحضار إحدى عقائله من بنات عمه، وكانت بارعة الجمال فائقة الكمال فوافته القهرمانة بها. وقد خطر له ذكر غزوة يشرع فيها فغاص في الفكر والتدبير والكأس في يده وابنة عمه واقفة على رأسه وهو لاه عنها إلى أن طلع الفجر ثم حانت منه التفاته فرآها فاعتذر إليها ووضع الكأس من يده. وختم عليها وركب فغزا غزوته فاس ثم رجع فجلس في ذلك المجلس لعينه وأخذ تلك الكأس المختومة، واستدعى ابنة عمه المذكورة فخلا بها وقضى لذته منها بعد مدة طويلة ولما ظن أن الأمر قد استوثق والدهر قد أصحت قيض له ابن عمه الناصر وكان أصغر خلق الله شأنا عنده وأهونهم عليه. وقد كان بعض نصحائه خوفه منه, وكان لا يركب إلا دارعاً على عادة له قبل ذلك، ومولعاً بالادلاج إذا رحل مؤثراً للانفراد إذا ركب. فأقسم أن لا يدلج إلا حاسراً ليقتلني الناصر قولاً واحداً، وركب فلقيه الناصر كأنه يسلم عليه أو يسير بين يديه فما راجعه الكلام حتى خلله السيف ورفع رأسه على رمح وسير به أمامه. والناس وقال: أنتم تعلمون أن بلقين قتل أخي، وقد شفيت منه صدري وأخذت بثأري، وما حدثت نفسي بغير هذا ولا رأيت الدخول في شيء من أمركم. فردوا عليه جميلاً وظنوا أنه لم يجسر على ما فعله إلا وله أشياع وأتباع فكفوا عنه وعطف على خزائن بلقين فأنهبها للعربان فاستمال بذلك قلوبهم واستخلص به طاعتهم، ورحل تحت جنح الليل على قلعة فوطئ الحرم وتملك الحجر. أبو القاسم الإقليلي فصل قال ابن حيان: كان أبو القاسم المعروف بابن أبي الإقليلي قد تقدم أهل زمانه بقرطبة في العربية والضبط لغريب اللغة. وكان كثير الحسد لأهل هذا الشأن، وكان جاهلاً بعلك العروض. وشهد الفتنة البربرية بقرطبة، وتعلق بخدمة آل حمود ومن تلاهم إلى أن ارتفع قدره وعظم جاهه. واستكتبه المستكفي محمد بن عبد الرحمن بعد ابن برد. فوقع كلامه جانباً من البلاغة ولمك يجر على أسليب الكتابة فزهد فيه. ولم يؤلف سوى كتابه المشهور في شعر المتنبي ولحقته تهمة في دينه في أيام هشام المرواني فطلب وسجن بالمطبق ثم أطلق. أبو عامر بن المظفر قال ابن بسام: لما استوحش أبو عامر بن المظفر من هشام المؤيد ووزيره حكم بن سعيد القزاز، وكان قد اتهم بذنب سليمان بن هشام الناصري، خرج في جماعة من ثقاته، وحمل معه عيون ذخائره وخاصة حرمه، وقطع أرضاً بعيدة فلم يعلم المؤيد به إلى أن جاءه خبر اجتيازه بدير قرطبة، راجعاً على عقبه من شاطبه، إذ لم يتفق له فيها ما أراده وتوجه إلى أن عبد الله بقرمونه مستجيراً به فلم يجره. وتقدم إلى نوابه بمنعه من المرور بشيء من عمله فضاقت به الأرض فألقى نفسه على أبي حمامة بن جرير البصدراني فأجاره وأنزله في حصنه على نهر قرطبة، ولم يزل على ذلك إلى مات عنده.

стр. 76

وحدث ابن عبد الله بن هريرة الكاتب قال: قصد أبو عامر بن مظفر في خروجه من شاطبه إلى مواليه العامريين بعد مراسلة متقدمة فلما وصل ردوه خجلاً خائباً. فرغبت في أن تخرج إليه أخته بنت المظفر المقيمة فيهم فلما خرجت أودعها جوهراً نفيساً كان احتمله وودعها، وعاد على أثره والعبيد يطرده من كل ناحية إلى أن صار إلى البصدراني فكان منه ما كان؛ فلما هلك لم يزل عبد العزيز ابن عمه يخدع أخته عن الجوهر ويعدها بتزوجها إلى أن أخذه منها، وأخلف الوعد في عقد نكاحها فلم يكن في يدها إلا بسط لسانها في شتمه، وكان المؤيد لما آيس من أبي عامر بن المظفر تتبع أسبابه وأمواله ومعارفه بما عظم به البلاء واشتدت به المصيبة. فصل في ذكر مقتل يحيى بن حمود قال أبو مروان: ذكر لي أنه لما كان عيد أضحى سنة ست وعشرين وأربعمائة، وانغمس يحيى بن علي في شربه ولهوه، سرت في جماعة من بني عمي إلى اشبيلية للاجتماع بابن عمنا محمد بن عبد الله والقاضي ابن عباد، فوصلنا وأعلمناهما من خبر لهو ابن حمود بما رأيناه، فجمعوا جيشاً لقتاله رسماً في بيعة هشام بن الحكم. وقدمت سريه قبله وكمن الجيش وتوجهت فوارس إلى سامره بسوق قرمونه فطار الخبر إلى يحيى بن حمود وهو في سرابه وقد سكر، فنعر نعرة شديدة ووثب قائماً يقول: وبياض بختي الليلة وابن عباد زائري، وركب وركبَ أصحابه وغلمانه، وبادروا الخروج على باب قرمونة في نحو ثلاثمائة فارس، أكثرهم فارس مداجون له كارهون فيه. فمضى على وجهه مضطراً فألقى نفسه على العسكر واشتدت الحرب. وعلم أنه لا ينجي منه إلا الصدوق فصدق، القتال وحمل على العسكر حملة شديدة. ولم القتال بالجيشين إلى أن أحاطوا بإسماعيل بن عباد ومن معه من الأندلسيين، فنادوا في وجهه وقف الفريقان ساعة وظهر كمين ابن عباد وشدت الجماعة على يحي وقتل جماعة وهر يحيى بن حمود في القتلى فجز رأسه، وسير به إلى ابن عباد باشبيلية فسجد وسجد من حضر السجود. وفرح الناس بقتله واستمرت الهزيمة على أصحاب يحيى حتى ساء ذلك محمد بن عبد الله وغضب لقومه، وكلم ابن عباد في رفع السيف عنه. وسار محمد بن عبد الله إلى قرمونه راكضاً دون إسماعيل بن عباد، فجاءهما لوقته وقد ملك سودان يحيى أبوابها ودخل من ساعته دار يحيى وحاز جميع ما فيها، واستباح نساءه وأباح حرمه لبنيه واستوى في مجلسه ورد الله عليه ملكه، ثم لم يجده على ذلك شاكراً للنعمة. ولما سقط الخبر على أهل قرطبة بقتل يحيى لم يصدقوه لشدة فرحهم. فصل قال أبو حيان في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنين وستين وأربعمائة، سار الحاجب سراج الدولة ابن محمد باشبيلية، لتأنيس أهلها من وحشة خامرت عامتهم، لأجل عدوان رجل منهم على يهودي، زعم أنه سب الشريعة فبطش به وسط السوق وجرحه. فقبض عليه صاحب المدينة وحبسه، وكثر كلام العامة في إنكار حبسه وزادوا في ذلك ما خشيت عاقبته. فخاطب السلطان بقرطبة بما كان فيه واستأمره في شأنه، فعجل بإنفاذ جيش كثيف للحوطة على العامة. وأنفذ فيه ذا الوزارتين أبا ابن زيدون على بقية وعك كان متألماً منه، ولم يقبل عذره في التوقف من أجله. ثم سير ولده بعده إليه وخلا مكانهما من المملكة، فوجد الأعداء سبيلاً إلى السعي بهما. واستمر بابن زيدون المرض حتى مات في اشبيلية ودفن فيها، في رجب سنة ثلاث وستين، فقام ولده بعده وسرمدة وحفظ عهد والده في معارفه. قال أبو حيان: في سنة اثنين وأربعين وأربعمائة أوقع ابن عباد بابن الأفطس، وكان ذلك بسبب أن فتح ابن يحيى خليفة ابن الأفطس، أظهر موالاة لعباد فكاشفه ابن الأفطس وخافه على ما كان ائتمنه عليه من وديعة، كان حملها إليه. ثم أرسل ابن الأفطس خيله للحوطه على ابن يحيى، فاستغاث عباد فندب إليه من عسكره جماعة منتقاه فلما تراءى الجمعان كرت الخيل الأفطسية على خيل عباد وطردتها وتتبعتها وهي لا تعلم بعباد، فإذا هو في كمين قد خرج عليهم فولوا الأدبار وركبهم السيف، وبدل عباد المال في رؤوسهم فحمل إليه منها ثمانية وخمسين رأساً، ومن خيلهم مثل هذه العدة. فقص جناح ابن الأفطس، وأفنى حماته وجمع رجاله وخيله، وقدم إليها إسماعيل ولده مع زين ابن الإسلام، وخرج نحو بلد ابن الأفطس.

стр. 77

وكان ابن الأفطس قد استدعى خليفة إسحاق بن عبد الله، فلحقت به خيله مع ابنه أبي العز، بعد أن جمع بقايا جيشه، وأخرج كل من قدر على ركوب دابة من البياض من رجال البوادي فحمله، وهم خلق كثير، وأقبل بجيشه لدفع جيش ابن عباد عن بلده. قد كان برابرة خليفة إسحاق قالوا له: لا تتبعهم فمالك بهم طاقة، ونحن قد شاهدناهم وعرفنا حالهم باشبيلية فلم يسمع منهم، ومضى فالتقى الفريقان على طريق من غير نزول فاختلطوا وتجالدوا وحقق العباديون الضراب، وتابعوا الشدات وانحازت عنه برابرة إسحاق فانهزم ابن الأفطس، وحمل السيف على جميع من معه فاستأطلهم القتل. وقتل ولد إسحاق وجز رأسه وبعث بها على اشبيلية مع رأس لابن عم ابن الأفطس ونجا ابن الأفطس، في قطعة من خيله. قال ابن حيان: وذكر أن عدة القتلى في هذه الواقعة يزيد على ثلاثة آلاف رجل. قال حدثني من أثق به أن بطليوس أقامت مدة خالية الدكاكين والأسواق لاستئصال أهلها بالقتل في وقعة ابن عباد وجزع إسحاق بن عبد الله على ولده. فصل فيما يتعلق بأخبار المستكفي قال علي ابن بسام، قال أبو حيان: هو محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الناصري بويع يوم قتل عبد الرحمن الناصر المستظهر، يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة. ولقب بالمستكفي بالله باختيار منه له، وكان كثير التخلف بادي العجز لا أهلية فيه لما ارتقى إليه، وإنما الله أرسله محنة وبلية وسخطة ونعمة. وكان من الفقر المدقع بحيث أنه يسأل الفلاحين بقرطبة في الصدقة عليه بزكاة غلاتهم، ويخاطبهم في ذلك بلسانه، ويلقاهم فيه بوجهه. وقال وأجمع أهل التحصيل على أنه ما ولي الإمارة قط أدنى منه ولا أنقص. ولما اعتقل بنو عمه وأهل بيته في الدولة المحمودية فما رأوه أهلاً للاعتقال احتقاراً له، فأفضى به الأمر إلى الإمارة، وهو ثالث خليفة قام في هذه السنة، الأول القاسم بن حمود، الثاني عبد الرحمن المستظهر، والثالث هذا محمد المستكفي. وانحل في أيامه النظام وأباح الناس بالمحظور وتسمى كل من الأخساء بما أراد من أسماء الأجلاء، وانحطت المراتب واشتدت المصائب، وقبض على جماعة من بني عمه ووجوه أهله، وقتل ابن عمه عبد العزيز العراقي خنقاً، ونعاه إلى الناس ولم يخف عنهم فعله. وفي أيامه كمل خراب قصور جده الناصر. وطمست أعلام قرطبة وقصر الزهراء، واقتلع نحاس الأبواب ورصاص المداري، وغير ذلك من الآلات، فطوى بخرابها بساط الدنيا إذا كانت جنة الأرض. فلما كانت سنة ست عشرة وتحول يحيى بن حمود على قرطبة وضعف أمر المستكفي، اتفق الخلق على خلعه, ودخلوا عليه وقالوا قد علم الله اجتهدنا في تثبيت أمرك واعتياصه علينا واضطررنا إلى مقاومة عدونا وها نحن خارجون إليه ووما ندري ما لعله يحدث عليك بعدنا، فإن تكن لك الكرة فلا تيأس فإن مع اليوم غداً. فأجمل الرد عليهم واستشعر الذل، وعزم على الهروب. فخرج على وجهه، وقد لبس ثياب النساء بين امرأتين لم يميز منهما لغاية التخنث عليه، وخرج من قرطبة فمات بإقليش فكانت دولته سبعة عشر شهراً. فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن الحناط قال ابن بسام، قال ابن حيان: أنه توفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، بالجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم. ثم مات ولده الذي لم يكن له سواه بمألفه فاجتثت أصله وكان أوسع الناس علماً بعلوم الجاهلية والإسلام. والآثار العلوية، والهندسة والطب، والفلسفة والآداب، وتعارف الأحوال، مضطرب التدبير.

стр. 78

قال ابن حيان: كان عبد الرحمن بن محمد من ولد الناصر لدين الله، قد نصب خليفة بشرق الأندلس، فزحف بمن معه من الأندلسيين العامريين وغيرهم إلى عدوة البرابرة بقرطبة وأعمالهم، وأميرها يومئذ القاسم بن محمود. فخرجوا بحملتهم في سنة سبع وأربعمائة وعقدوا مع المرتضى غزوها، فعرجوا بطريقهم إلى غرناطة ليبدؤوا بحرب من بها من صنهاجة، لأجل غدرهم بسلطانهم المرتضى، فاستأصلوا شأفة البرابرة، وتمكن ملك المحمودية. وكانوا جاءوا في جملتهم بمنذر التجيني وخيران الصقلي وقطعه من الفرنج، فخلوا غرناطة في جماعة كثيرة. وأمير البرابرة يومئذ زاوي بن زيري بن مناد وكان محارباً شجاعاً فارتاعت صنهاجه من عسكر المرتضى، وانزووا إلى زيري ليدبرهم. ونشبت الحرب بينهم أياماً فانهزم الأندلسيون أقبح هزيمة، وتركوا معسكرهم بجميع ما فيه، وفقد المرتضى في ذلك المعترك، وأسر جماعة من أصحابه، توجه بهم زاوي إلى القاسم بقرطبة، واستغنى البرابرة بما غنموه. وكان أول من انهزم من ذلك العسكر منذر بن يحيى التجيني وخيران الصقلي، وجيء برأس المرتضى إلى خيران ومنذر وقد لحقا بالمريه, وسلم أخوه أبو بكر بن هشام ولحق بالعامريين وزهدوا فيه فاستقر عند ابن القاسم، ولم يزل مقيماً عنده إلى أن كان من تقدمه للخلافة ما كان، ونفذ زاوي إلى القاسم بقرطبة كتاباً يشرح ما جرى مع نصيبه من الغنية. وفي جملته سرادق المرتضى فضرب القاسم على نهر قرطبة، واجتمع الناس لينظروه، وضاقت صدورهم لأجله، وكرت ريح المروانية وآيس الناس من دولتهم، ولما نظر زاوي كما جرى من الأندلسيين وخاف العاقبة حمل أصحابه على الخروج من الأندلس فخالفوه فلما يأس منهم، ركب البحر بأهله وماله ولحق بأفريقية. وقد كان ذلك من أعجب ما جرى وأغرب ما سمع وأقام بالقيروان وأقره المعز في دولته، ولم يقلد ولا واحد من أولاده شيئاً من أعماله، وكانوا في غنى عن الولاية، بما حملوه معهم. فصل في ذكر عبادة بن ماء السماء ذكر أبو عامر بن شعر أنه مات في شوال سنة تسع عشرة بمالقه. وكان سبب موته أن ضاعت له مائة شقال، فاغتم ومات غماً وهو من عمل الموشحات وجسدها وقيل بل إن ابن عبد ربه صاحب كتاب (العقد الفريد) هو أول من شرحها. فصل في ذكر الخبر عن ولاية القاسم ابن حمود على اشبيلية وانقطاع دولته وتغلب القاضي ابن عباد عليه كما قال أبو مروان بن حيان: بويع القاسم بن حمود بقرطبة، بعد قتل أخيه بست ليال، وأمن الناس، وكف المفسدين، وقتل قاتلي أخيه. وأقصى السعاة، وأقر الناس على ما هم عليه. وكان قد أسرف في اتخاذ السودان وضعف أمره وهان منصبه. ولم يزل الأمر يأخذ ويعطي إلى أن استطال البرابرة. واتفق رؤساء القبائل، وخرجوا لقتاله سنة أربع عشرة، فانهزموا ورحلوا عن قرطبة. والتفت على القاسم جماعة يرجونه ودعوه إلى الرجوع إلى اشبيلية وكان له بها ولد مع وزيره محمد بن خالص، فلما سمعت بخبر هزيمته خاف أهلها معرة من معه، فوثبوا على ولده وأصحابه فأحضروهم بدار الإمارة، ووقع بينهم قتال شديد فوافي القاسم باب اشبيلية، ولاطفهم القول وطمع في خدمتهم، فلم يلتفتوا إليه واشتد الأمر على ولده وأصحابه إلى أن رضي القاسم من أهل البلد بإسلام ولده وأصحابه بأموالهم وأهلهم فعاهدوه على ذلك، وخرج ولده ومن معه، وأفضى الأمر إلى أخذ القاسم وولده وتقييدهما وإبطال أمرهما. فصل في أخبار أبي عبد الملك بن زيادة قال أبو حيان: إنه قتل بقرطبة سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكان قتله بتدبير من أولاده ونسائه لشحه عليهن، وأنه وجد قتيلاً على فراشه مضروباً بالخناجر في وريديه ولبته وأعلى جسده، وأعلن نساؤه بالصياح والنواح يزعمن أنه طرق وظهر أمره. قال أبو مروان: وفي منتصف ذي الحجة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة بعد خلع المعتمد، وقتل وزيره، أضمر أهل قرطبة على تقليد أمرهم للشيخ أبي حزم بن جهور وأبى ذلك فألحوا عليه حتى أجابهم بشرط اشتراك شيخين محمد بن عباد وعبد العزيز بن حسن ابني عنه خاصة من بين الجماعة في المشورة دون التأمير، فرضي الناس بذلك وخلعوا من دونهم. وتمت رياسته عليهم وأحسن التدبير فيهم واقتصر من الجند على أعيانهم. وقطع أسباب البرابرة إلا من صار في البلد من الموثوق بهم.

стр. 79

وأمنت به قرطبة مدة طويلة، وكان إذا حصل شيء من المال أعطي منه المقاتلة فأجلهم وفارسهم، وصير ذلك بأيدي ثقات من أهل الخدمة. فإن فضل شيء من المال أعطي من المقاتلة، تركه بأيديهم مشهوداً به عليهم إلى أن يتبين وجه لصرفه فيه، ولا يدخل إلى داره منه شيء وإذا سئل قال: (ليس لي عطاء ولا منع، وهو للجماعة وأنا أمينهم) ، وإذا أراد أمراً وعزم على تدبيره أحضرهم، ووافقوه وإذا خوطب بكتاب لا ينظر فيه إلا أن يكون باسم الوزراء. وأعطى السلطان قسطه من النظر لنفسه، وأظهر البخل الشديد والمنع الخالص. وكان شديد التواضع عفيف لم تعثر له على حال تدل على ريبه. مقبلاً على القيادة واستمر في تدبير قرطبة وكف البرابرة عنها بالرفق في المعاملة، حتى حصل منهم على السلم، إلى أن توفي في يوم السادس من المحرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده أبو الوليد محمد ولده وتنافس ولداه في خلافته. وجرت في ذلك أحوال تقررت على أن يكونا شريكين، عبد الرحمن ولده الأكبر على أمر الجباية، والنظر في أهل الجزية، والتوقير في الكتب السلطانية في الحل والعقد، وجميع أبواب النفقات. وعبد الملك ولده الأصغر على الجيوش والأخبار والقبض والعطا والركوب فيهم وتجريدهم في البعوث وغير ذلك مما يتعلق بهم. قال ابن بسام: وكان عباد قد خامر صدره فرسان ابن السقا منذ تغلبت دولة بني جهور ما لا يسعه كتمه حسداً لبني جهور. وكان ابن السقا من الاستقلال بحيث لا يتأثر له فبعث عباد بن عبد الملك إلى ابن جهور المقدم ذكره، من أغراه بالفتك بابن السقا. وأغرى ابن السقا بطلب الملك إلى أن جرى من أمرهما ما جرى. فلما تفرد يحيى بن ذي عباد بالأمر بعد ابن السقا، وانقبض ابن عبد الملك، وكان في نفس يحيى بن ذي نون من الشغف بقرطبة، ما سهل عليه إنفاق المال وهلك عباد، وصار الأمر على ابنه المعتمد سنة إحدى وستين. فلما كان آخر سنة اثنين وستين وأربعمائة، وزحف ابن ذي النون إلى قرطبة واحتاج عبد الملك بن جهور إلى الاستنجاد بالمعتمد بن عباد، لعجزه عما كان أسند إليه من أمر قرطبة، فأمده ابن عباد بجمهور أجناده فوافوه قرطبة، ونزلوا بالجانب الشرقي منها، وأقاموا بها أياماً يحمونها وينتهزون الفرصة فيها. فلما طال على ابن ذي النون سفره ورحل، وأظهر أجناد عباد العزم على الرحيل، وتأهب عبد الملك لتوديعهم، لم يشعر عبد الملك بهم، حتى أحدقوا بالقصر وقبضوا عليه وعلى إخوته وسائر أهل بيته. وبالغوا في قتل حرمه واستصفاء نخبتهم، وأخرج أبو الوليد ومعه أشراف الأندلسيين مفلوجاً مغلوباً على نفسه. لم يرعوا له حقاً ولم يحفظوا له حرمة. فلما توسطوا به قنطرة قرطبة وهو على حالة سيئة رفع يديه إلى السماء. وبالغ في الدعاء، وقال فيه: اللهم كما أجبت الدعاء لنا فأجبه فينا فمات بعد أربعين يوماً من نكبته، وزوال نعمته بجزيرة شلطين وأقام بنوه هناك أكثر أيام المعتمد حتى انقرض أمرهم. فصل في ذكر أبي الوليد الفرضي قال ابن بسام كان من العلماء وحكى عن نفسه قال: تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله الشهادة في الحرب، وفكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع، وأستقبل الله ذلك فاستحييت، ثم قتل ﵀ عند دخول البرابرة قرطبة سنة أربعمائة. قال أبو حزم أخبرني من رآه بين القتلى يومئذ في آخر رمق، وهو يقول: لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء وجرحه يوم القيامة يبعث دماً؛ اللون لون الدم والريح ريح المسك، كأنه يعيد على نفسخ الحديث الوارد في ذلك ثم قضى نحبه هناك. فصل مقتل أحمد بن عباس قال ابن بسام كان أديباً فاضلاً كاتباً كافياً إلا أنه ممن استولى عليه العجب، وملكه التيه، واستفزه الفرح، وغطى على عينيه الكبر وأفضى الأمر على هلاكه وهلاك سلطانه زهير مولى بني عامر. قال في كلام طويل وحديث عريض إنه لما ظفر به باديس أخر قتله واعتقله وأطلق من كان أسر معه. وبذل عن نفسه الرغائب فأعرض عنها باديس واشتد جزعه على نفسه. وكان شديد الترفه وعظمت مصيبته وثقل عليه الحديد. لم يزل الأمر يتردد إلى أن قويت نفس باديس على قتله بنفسه مع أخيه بلقين. فلما عاد يوماً من الركوب استدعاه فلما أحضر إليه في قيوده وألح في استعطافه فثار غضبه وزرقه بمزرقته وزرقه أخوه وقطع رأسه.

стр. 80

ووجد في تركته أربعمائة ألف مجلد سوى المجددات. قالوا وكانت له خمسمائة قينة واتهم مع ذلك بعهر الخلوة الذي استهوته وقلة الجماع ومن طرائفه وأخبار فرط نجله ما حاكاه الوزير أبو الوليد بن زيدون عن ابن الباجي كاتب الرسائل. قال دعاني ابن عباس يوماً مع خواص من أصحابه إلى داره فطرنا إلى مجلس ما رأينا قط مثله في جلالة فرشه ومنوره وآلاته، وفواكهه وأنقاله وقد غطى جميع ذلك بمناديل تشف عما تحتها فأخذ يلاعبنا الشطرنج وكانت غالية عليه مالكة لقلبه فاستغرق فيها ولم يزل يلعب بها نهاره كله وبعض ليلته لا يرفع رأسه ولا يدعو لنا بطعام ولا غيره إلى أن سألناه الانصراف وأذن لنا فيه وانصرفنا إلى بيوتنا ولم نتناول شيئاً مما كان قد أعده لنا. فصل في ذكر التاغيدي يوسف اليهودي: قال ابن بسام كان هذا يوسف يهودياً كافياً حسن السيرة تولى لباديس ولأبيه من قبله لغرناطة جباية المال وتدبير أكثر الأعمال. ونجم ولده إسماعيل غلاماً وصباً ومركباً وطياً وكان باديس مفتوناً بحب الغلمان فاصطفاه وتحظاه، وخلى بينه وبين الأموال وأنفذ أمره في الرجال وطغا وبغا تعرض إلى القدح في الملة والعبث بفقهاء القبيلة كالفقيه ابن حزم وغيره، وكانت اليهود تتشائم به وتخاف ما وقعت فيه بسببه ولما استقل، وكر منه ما قل كاتب ابن صمادح عدو باديس سلطانه بتسليمه المريه إليه وأمره ابن صمادح بالمال ودبر على صاحبه تدبيراً عثر عليه المسلمون منه فعاجلوه وقتلوه وقتل من اليهود ما ينيف عن أربعة آلاف نفس وكان قد تسمى بالتاغيد ومعناه المدبر. فصل في ذكر أبي القاسم محمد بن عباد المتغلب على اشبيلية قال كان واسع المال معدوداً من أفاضل الرجال، وملك ثلث اشبيلية ولم يزل يتدرج ويتوصل إلى أم ملكها وسار فيها سيرة ملوك الأندلس. قال ابن حيان: ومن طرائف أخباره أنه انتهى إليه خبر الدعي المسمى بهشام بن الحكم، وكان قد تحدث الناس أنه أفلت من يد سليمان وتوجه إلى المشرق ثم عاد إلى الأندلس، وأنه إنما رجع لرجوع الدولة المروانية. وذكروا أنه ظهر بالمرية سنة ست وعشرين، فأخبر أنه حصل هشاماً عنده، وجمع من بقي باشبيلية من نساء القصر والخدم واعترف له أكبرهم، ووقفوا إلى عتبته, ووجد ابن عباد السبيل بذلك إلى تمام ما دربه من حرب ابن حمود وغيره، وحجبه عن أعين الناس. وكاتب عنه أخلص الرؤساء وشهد جماعة منهم بأن المشار إليه هو هشاماً نفسه. وكان لبعضهم أيضاً في ذلك غرض فحصلت اشبيلية لابن عباد وكان قاضياً يومئذ، وفي حديث طويل وخبر عريض أن ابن عباد ﵀، وجه ابنه إسماعيل مع عسكر إلى أرض العدو بتعاقده بينه وبين ابن الأفطس. فلما أوغل إسماعيل ببلده يريد أرض بلنسية وابن الأفطس يسر الغدر به، أخذ عليه المضيق وابن عباد لا يعلم بشيء من أمره وتدبيره. فلما حصل في الأنشوطة نجا بنفسه أعني إسماعيل وأسلم كل من كان معه من عسكر وغيره واصطلحه ابن الأفطس وكانت حادثة عظيمة شنيعة وجائحة قبيحة. فصل في أخبار المقتصد بالله عباد بن القاسم محمد بن عباد أفضى الأمر إليه في سنة ثلاث وثلاثين وتدبيره قال وكان شديد المراس، كثير التهور، وافتتح أمره بقتل وزير أبيه. قال أبو حيان ومات على فراشه بعلة أصابته واتقى الناس أمره في سنة أربع وستين. فصل في أخبار المعتمد على الله

стр. 81

لما عظم شأنه وقوي سلطانه خرج عليه باديس بن جيوش واستولى على قصبة مالقة وكان أهل مالقة أشاروا على ابني المعتمد حين خلوا بينهما وبين البلد بإذكاء العيون وضبط المعاقل فقفلا وتعسكرا وكان قد وصل بها من السودان المغاربة من يتزيا بشعار باديس. فلما شعر ابنا عباد بالخيل وانبساط الأيدي في القتل والأسر. وجرت خطوب كان آخرها الهروب سباحة وسياحة وإلقاء بالأنفس من شرفات الأسوار. فلما كان يوم الحد العشرين من رجب. دخل المعتمد على البلد بعد قتال شديد ثم أخرج المعتمد منه. وأطلقه نساؤه وأهله، وجعلوا في مركب. واقتحم بهم البحر ورزقهم الله السلامة فوصلوا إلى أمير المؤمنين ناصر الدين ابن يعقوب ابن تاشفين، فبقوا هنالك في كنفه تحت ظله. ولم يزل حتى حضر أجله بعد مرض شديد أصابه فمات ﵀ في شوال سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وكانت جنازته عظيمة والنادر فيها أنهم نادوا عليه بالصلاة على الغريب بعد الملك العظيم والمقام الكريم. وكان لما أحس بالوفاة قال: قبر الغريب سقاك الرائح الغادي ... حقاً ظفرت بأشلاء ابن عباد نعم هو الحق فاجأني به قدر ... من السماء فوافاني بميعاد ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه ... أن الجبال تهادى فوق أعواد فلا تزال صلاة الله نازلة ... على دفنيك لا تحصي بتعداد ورثاه جماعة كثيرة من الشعراء وخصوصاً أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة. فإنه كان وفد عليه محافظة ووفاء ومدحه في تلك الحال وعزاه وابنه ورثاه وصنف في ذلك كتاباً سماه.. نظم السلوك في مواعظ الملوك. وقدح ابن بسام في الكتاب المذكور وأذرى عليه وذكر أنه لم يف بما أشار إليه. فصل في ذكر الفقيه ابن حفص عمر بن الحسن الهوري قال علي بن بسام كان صاحب الصلاة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية, وأفضى أمر اشبيلية على عباد وأبي حفص مدبرها فلما تمكن المعتضد واستقر وأوجس منه خيفة استأذنه في الرحيل فأذن له فتوجه إلى صقلية. ثم توجه إلى مصر فوصل إلى مكة، وسمع الناس عليه البخاري، ثم رجع إلى الأندلس واستأذن المعتضد في الإقامة بمرسية فأذن له بذلك. ثم غلب الروم على ما يجاورها. ورأى أن ينتقل منها فخاطب المعتضد برقعة يحضه فيها على الجهاد باشبيلية. فلما عاد إليها أكرمه واحترمه وفوض إليه الحل والعقد ثم استدعاه ليلة وهو سكران فقتله بيده. ولم تطل مدته بعده في الملك. فصل في ذكر الوزير أبو بكر ابن عمار قال ابن بسام كان شاعراً مغلقاً وفقيراً في مبدأ أمره. ومن جملة أخباره أنه مدح بعض أعيان شلب بقصيدة وقصده بها في آخر النهار فأخذها منه واسر إلى غلامه بشيء فغاب عنه غمز لحظة، وعاد ومعه مخلاة شعير، واعتذر بما حضر فقبلها منه كارهاً. فلما انتهت به الحال إلى الوزارة. وأفضيت به إلى أعظم رياسة، فنجم على منزل ذلك الرجل فقام إليه. وتطارح عليه فأذكره سوء فعله، وقبح جهله وأمره بإحضار القصيدة فأحضرها، وأخذها ثم أمر له بملئ المخلاة دراهم قاسمية. وقال لو كنت أعطيت براً لملأتها لك تبراً ولولا حرمتك لأوجعتك ضرباً لا عتاباً. ولم تزل بعد ذلك حاله تتردد وفساد ما بينه وبين المعتمد يتزايد إلى أن كان من خبره معه ما يأتي شرحه.

стр. 82

فصل، قال أبو مروان كان مبارك ومظفر قد وليا وكالة الساقية ببلد بلنسيه، ثم صرفا عنها فدخلا على الوزير عبد الرحمن بن بشار أيام خدمته بها سنة إحدى وأربعمائة، وقد دعيا للحساب فكلماه ومسحا أعطافه فردهما إلى عملهما. وعند خروجهما من عنده تعلق بهما خادم له، كان بدالاً عليه يطلبهما ببرة يده قبالة إحسان مالكه. ولم يكن معهما ما يعطيانه إياه فخلع الخادم لجام فرس مبارك. وكان قد ركبه فبقي فضيحة لا يقدر على حركة، ثم تخلصا منه. فماذا أدت الأيام حتى صارت الإمارة إلى مبارك ونزلت بابن بشار الوزير محنة قرطبة. وأفضت له الحال إلى قصد باب مبارك يستميحه، فأعرض عنه، ولم يلتفت إليه. وما أنصفه في اللقاء فضلاً عن غيره، قال واستخرجا أول إمارتها مائة وعشرين ألف دينار في الشهر ببلنسيه وشاطئها. وأقبلت الدنيا عليهما، وبالغاً في أذية الناس وإخسار الخلق. وحصل من الأموال العظيمة والخيول والأسلحة والحلل ما لم يحصل مثله لملك. وعظماً وعمراً بلنسية وحصناها وأقبلا على إنشاء القصور والمتنزهات وإسراف في النفقات والخدم والتنعم. قال ابن حيان وكان عبدي مهنة شديدي الجميل واللكنة ولما انتهيا في السعادة والإقبال إلى أبعد غاية هلك مبارك. وكان سبب ذلك أنه تركب فرساً فائقاً مطهماً كان أهل بلنسية قد ضجروا لمال فرضه. فاتفق إذ وقفوا له في ذلك اليوم. فقال اللهم إن كنت أريد إنفاقه في غير منفعة المسلمين فلا تؤخر عقوبتي في هذا اليوم وسار على القنطرة وهي من خشب فخرجت رجل فرسه من حدها فرمى أسفلها، واعترضته خشبة ناتئة من القنطرة فشدخت وجهه، وسقط الفرس عليه فكسر أعضاءه وهلك لوقته وأمن الناس أمره وكفى ظلمه. فصل: قال أبو مروان: تغلب العدو خذله الله على بريشنز قصبة بلد برطانة: وهي تقترب من سرقسطة في سنة ست وخمسين وأربعمائة وذلك أن جيش الأردمنليس نازلها وحاصرها وقصد يوسف ابن سليمان بن هود في حمايتها، ووكل أهلها على نفوسهم وأقام العدو عليها أربعين يوماً وفتح فيما بين أهلها تنازع على القوت. واتصل ذلك بالعدو فشدد القتال عليها والحصار لبها. فدخل العدو المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرع، فدهش الناس وتحصنوا بالمدينة الداخلية وجرت بينهم حروب شديدة، قتل فيها خمسمائة فرنجي. ثم اتفق أن القناة التي كان يجري فيها الماء مكن النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب موزون انهارت، وفسدت ووقعت فيها صخرة عظيمة سدت السرب بأسره فانقطع الماء عن المدين، ويبس من بها من الحياة، فلاذوا بطلب بالأمان على أنفسهم خاصة دون مال وعيال فأعطاهم العدو الأمان. فلما خرجوا نكث بهم وقتل الجميع إلا القائد ابن الطويل والقاضي أبو عيسى ونفر من الوجوه. وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى حتى أن الذي خص بعض مقدمي العدو بحصته ألف وخمسمائة جارية. قال وقدر عدد من قتل وأسر مائة ألف نفس. ومن نوادر ما جرى على هذه المدينة لما فسدت القناة وانقطعت المياه أن المرأة كانت تقف على السور وتنادي من يقرب مننها وتسأله أن يعطيها جرعة ماء لنفسها أو لولدها فيقول لها: أعطيني ما معك فتعطيه ما معها من كسوة وحلي وغيره. قال: وكان السبب في قتلهم أنه خاف ممن يصل لنجدتهم، وشاهد من كثرتهم ما هاله فشرع في القتل لعنه الله، ثم نادى الملك بتأمين من بقي وأمر أ، يخرجوا فازدحموا في الباب إلى أمن مات منهم خلق عظيم. ونزلوا من الأسوار في الجبال للخشية من الازدحام في الأبواب، ومبادرة إلى شرب الماء.

стр. 83

قال وكان قد تحيز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه وحاروا في نفوسهم وانتظروا ما ينزل بهم، فلما خلت ممن قتل أو أسر وأخرج من الأبواب والأسوار وبعد من هلك في الزحمة نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله، وله الأمان، وأزهقوا وأزعجوا. فلما حصل كل واحد بمن معه من أهله في منزله فقسمهم الفرنج لعنهم الله بأمر الملك. وأخذ كل واحد داراً بمن فيها من أهلها. نعوذ بالله من الخطية وكان من أهل المدينة جماعة قد لاذوا برؤوس الجبال وتحصنوا بمواضع منيعة وكادوا يهلكون من العطش فأمنهم الملك على نفوسهم. وبرزوا في صور الهلكى من العطش وأطلق سبيلهم فبينما هم في الطريق إذ لقيهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة فقتلوهم إلا من نجا بنفسه قال وكان الفرنج لعنهم الله لما استولوا على أهل المدينة سكنوا وأسروا من أسروا يغتصبون البكر بحضرة أمها ويطأون الثيب بعين زوجها وأهلها وجرى من هذه الأموال ما لم يشهد المسلمون مثله فيما مضى من الزمان. فصل قال أبو مروان وفي آخر جمادى الأول سنة سبع وخمسين وأربعمائة شاع الخبر بقرطبة بارتجاع برنشتر إلى المسلمين وذلك أن الملقب بالمقتدر أحمد ابن هود الذي كان فرط فيها لأجل سلامة أهلها وأخيه فجرد لها وتوفر على إنعام النظر فيها وصار غليها جماعة من المسلمين ونازلها وصد قوة القتال وفارت الحفايظ وكثرت وتحركت الحسايف وأنزل الله النصر فهوجم البلد وملكوها وما سلم ممن كان فيها إلا من نجا على فرسه واستشهد فيها من المسلمين نحو الخمسين وقتل ممن كان بها من المشركين ألف فارس وخمسمائة بغل. فصل من النوادر أن أحمد بن سليمان بن هود عزم على الفتك بأخيه يوسف، ولم يزل يراسله حتى تقرر اجتماعها على الخيل للمخاطبة فيما يعم به الصلاح. فلما خرجا أعزلين جاسرين واجتمعا أخذا في الخطاب وشرعا لم يشعر يوسف حتى خرج عليه على فرس بيده رمح فطعنه ثلاث طعنات وكان قد استظهر تحت ثيابه بوردية فوقته شدة الطعن. وعلم العسكران بما جرى فاختلطا ونجا يوسف بنفسه مع أصحابه. وبادر أحمد بقتل ذلك العلج وحمل رأسه على رمح، فسكن الناس وعلم الغدر به وشيع عليه بما لا عذر له فيه. وعادت الحال فيما بينهما على ما كانت عليه وأعظما من المباينة في المعاداة. فصل قال ابن بسام كان أبو الفضل بن حسداي شريف اليهود ونجم في أفق سرقسطة وهوى جارية غلبته على عقله فذهبت بلبه وحسن بها فأسلم بسببها وعلم بذلك صاحبه فحملها إليه فردها ولم يقبلها وأنف أن ينسب إسلامه إليها ومن أجلها، فحسن ذكره. وكان مشتغلاً بأنواع التعاليم وعلم لسان العرب. فصل قال علي بن بسام لما هلك المرتضى أمير قرطبة، فوض أمر الإمارة إلى أخيه هشام بنت محمد الناصري وهو ففي سن الشيخوخة. ولا يعلم أن أميراً ولي في مثل سنه وكان معروفاً بالشطارة في شبابه، فأقلع مع شيبته وانقلبت قرطبة سروراً به وركب جيشها لاستقباله فدخل في زي تقتحمه العيون من قلة عدده وعدة واهية، وأبهة على فرس دون مواكب الملوك بجلبة مختصرة، وعليه كسوة رثه، وبين يديه سبع جنائب من خيل الموالي سيروها معه للزينة والناس يمشون ويضجون بالدعاء في وجهه، ولا يعلمون ما سبق لهم من المكروه به، فدخل القصر، وجاء معه في جملة الموالي العامريين، حائك من أبناء الأرذال بقرطبة يسمى حكم بن سعيد الحائك، وكان يحمل السلاح ويعرف بإثارة الفتن. وبات الناس ليلتهم ثم جلسوا من الغد، ووصلوا إليه فظهر من عيه في القول ما لا جناح معه. فكلف بعض الأكابر العبارة عنه ومدحه الشعراء فما اهتز لشيء من مدائحهم، لغلظ ذهنه طبعه. وجلس للمظالم وقرر للناس رواتب لم تجر بها عادة، واعتمد على حكم الحائك في وزارته فأتلف الأموال، وطالب الناس بودائع ولد المظفر ابن أبي عامر، فجر عليهم بسببها شدائد ومصائب.

стр. 84

ولم يحصل سوى اليسير، وباع ما وجده فيها من رصاص وغيره على الناس بطرق الإجبار والإلزام. واعتمد في أذية الناس، وتتبعهم على مرجل يعرف بابن الخباز من خدم الدولة المحمودية، فاشتدت الحال، وعظمت المصيبة. وأفضى ذلك إلى ضعف هشام ونقض أركان خلافته. وظهر من سوء تدبير حكم القزاز المستبد بوزارته ما لا يمكن الاستمساك معه، وتعطلت الأسواق بقرطبة. ولما اتصل الخبر بما عزم الناس عليه في أمره، خاف على نفسه، فأوى إلى دار هشام بأهله وماله. وشرع في استصلاح ما لا يستصلح إلى أن أمكن من نفسه بخروجه من ظل حمايته، فوثب عليه جماعة عند ركن الجامع فقتلوه وأكبوه لوجهه. واجتمع الناس إلى أمية بن عبد العزيز العراقي، وكان أصيلاً في إثارة الفتنة، فبادر إلى القصر، وقد اتصل الخبر بهشام المخلوع، فطلع إلى أعلى القصر، وناشدهم الله وأخذ في الاعتذار إليهم وأروه رأس حكم القزاز وزيره. وقالوا هذا رأس وزيرك الذي سلطته على الأمة. ووصل الناس إلى حرمه، ونهبوه واستباحوه، وأمية ابن عبد العزيز يحرض على أخذه وقتله. وهو قد احتمى بالوقع الذي تحصن فيه وبالغ في مناشدتهم وهم لا يجيبون إلا بما يسوءه. فلما يئس من صلاحهم أقام في موضعه ومعه أربعة من غلمانه، ولم ينزل منه إلا بأمان. فقام الوزراء وصدوا الناس عن النهب، وتحقق هشام من خلعه ذاته. لا يبقيه فيه سوى الله فسكن وسكت وأنزل إلى ساباط الجامع مع ولده وأهله، وتذلل وترسل وسأل أن يلقى في البحر حتى يستشهد وأن يحفظ في أهله وولده، وأظهر من الرقة والذلة والخشوع واشتد بع القلق، فاستولى عليه الفزع، وسأل في كسرة خبز يطعمها لبنية له صغيرة، وأهله حاسرات لا يملك لهن شيئاً ولا لنفسه. وسأل سراجاً يأنس بضوئه فأبكى من كان معه من أعدائه. ولما أصبح الوزراء أخرجوه في صخرة محمود من الشرق واقتصروا على ذلك دون الإشهاد عليه بخلع نفسه والإقرار بعجزه عن تدبير الخلافة. وتحليل المسلمين، فماله في أعناقهم من البيعة على السبيل المعهودة, وكان أمية بن العراقي المبدأ بذكره قد أقام بالقصر طامعاً في الأمر، وسولت له نفسه الخلافة، واستدعى وجوه الجند للبيعة. ولما تفرغ الوزراء من أمر هشام واعتقاله بحيث يأمنون منه فتنه، وأنكروا أمر أمية، وبخوا الجند على الوصول إليه. وألزموهم إخراجه والقبض عليه. فأطلق لسانه في سب الوزراء وأخرج من البلد. فصل في ذكر أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة والسب أن أمه كانت تبيع اللبن فنشأ وتأدب وسافر وتغرب وحسن شعره، وسار ذكره، ووفد على الملوك وآخر من وفد عليه منهم المعتمد على الله فأقبل عليه وأصغى إليه. ولما نكب المعتمد وزال ملكه، وتشتت أمره واعتق، وفد هذا ابن اللبانة عليه ومدحه وأثنى عليه في أيام الجرح كما كان يثني عليه في أيام الفرح ونسب فيه إلى الوفاء وله في المعتمد كتب مؤلفة وأشعار منونة. فصل: قال علي بن بسام: كانت وقعة بطرنة في سنة ست وخمسين وأربعمائة. وذلك أن الفرنج خذلهم الله، انتدبت منهم قطعة كثيفة ممن كان قد اضطغن حقداً لأهلها ونزلت على بلنسية في السنة المذكورة، أهلها جاهلون بالحرب، معتزون بأمر الطعن والضرب، مقبلون على اللذات من الأكل والشرب. وأظهر الفرنج الندم على منازلتها، والضعف عن مقاومة من فيها، وخدعوهم بذلك فانخدعوا، وأطعموهم فطمعوا. وكمنوا لهم في عدة أماكن جماعة من الفرسان وخرج أهل البلد بثياب زينتهم، وخرج معهم أميرهم عبد العزيز ابن أبي عامر. واستدرجهم العدو لعنه الله ثم عطفوا عليهم فاستأسروهم بالقتل والأسر، وما نجا منهم إلا من حصنه أجله وخلص الأمير نفسه. ومما حفظ عنه أنه أنشد لما أعياه الأمر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد أسيراً على اليوم ماتريان. قال ابن بسام: حدثني من لا أرتاب له أن الشاعر قال في أهل بلنسيه لما خرجوا على العدو في ثياب البذلى والترفه: لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم ... حلل الحرير عليكم ألوانا ما كان أٌبحهم فأحسنكم بها ... لو لم يكن ببطرنة ما كان وقال هكذا جرى لأهل طليطلة فإن العدو خذله الله استظهر عليهم وقتل جماهيرهم وكان من جملة ما عنهم الفرنج من أهلها خرجوا إليهم في ثياب الترفه ألف عقارة خارجاً عما سواها.

стр. 85

فصل في الأخبار المتعلقة بالطارئين والوافدين على جزيرة الأندلس من أول السنة الخامسة إلى سنة ٥٠٢هـ قال علي بن بسام: ممن طرأ على الأندلس أبو العلا صاعد بن أبو الحسن البغدادية اللغوي. ولما دخل قرطبة في أيام المنصور محمد بن أبي عامر، عزم المنصور على أن يقفي به آثار أبي علي البغدادي الوافد على بني أمية، فما وجد عنده نمما يرضيه. وأعرض عنه أهل العلم وقدحوا في عمله وعقله ودينه، ولم يأخذوا عنه شيئاً لقلة الثقة به. وكان ألف فيه كتاب (سماه الفصوص) ودحضوه، ورفضوه، ونبذوه في النهر. ومن الغريب ما جرى له إذ المنصور جلس يوماً وعنده أعيان دولته من أهل العلم. كالذبيدي والعاصمي وابن العريف وغيرهم. فقال لهم المنصور هذا الرجل الوافد علينا يزعم أنمه متقدم في هذه الأحوال الني أنتم عيونها، وأحب أن يمتحن فوجه إليه. فلما مثل بين يديه والمجلس قد احتفل خجل فرفع المنصور مجلسه، وأقيل عليه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي. فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه. فبادر العاصمي بالسؤال عن مسألة في الكتاب فلم يحضره جوابها واعتذر بأن النحو ليس جل بضاعته. فقال الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ؟ قال حفظ الغريب. قال فما وزن أولق؟ وضحك صاعد وقال: أمثلي يسأل عن هذا؟ إنما يسأل عنه صبيان الكتب. قال الزبيدي: قد سألناك ولا نشك أنك تجهله. فتغير لونه وقال: افعل وزنه. قال الزبيدي: صاحبكم ممخرق. فقال له صاعد: أخاك الشيخ صناعته البنية. قال له: أجل. قال صاعد وبضاعتي حفظ الأشعار. ورواية الأخبار، وفك العمى وعلم الموسيقى. قال فناظره ابن العريف فظهر عليه صاعد وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا وأنشد عليها شعراً شاهداً. وأتى بحكاية تجانسها فأعجب المنصور ثم أراه كتاب النوادر لابن علي فقال إن أراد المنصور أمليت على مقيدي خدمته وكتاب دولته كتاباً أرفع منه وأجل لا أورد فيه خبراً مما أورده أبو علي. فأذن له المنصور في ذلك وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم بالفصوص. فلما أكمله تتبعه أدباء الوقت. فلم تمر فيه كلمة صحيحة عندهم ولا خبر ثبت لديهم، وسألوا المنصور في تجليد كراريس بيضاء تزال جدتها، فهم المقدم وترجم عليها النكت تأليف أبي الغوث الصنعاني. فترامى إليه صاعد حين رآه وجعل يقبله. وقال أي والله قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان فأخذه المنصور من يده خوفاً أن يفتحه وقال له: إن كنت قرأته كما تزعم فعلى ما يحتوي؟ قال: وأبيك لقد بعد عهدي به ولا أحفظ الآن منه شيئاً. ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر فقال له المنصور أبعد الله مثلك فما رأيت أكذب منك وأمر بإخراجه وأن يقذف بكتاب الفصوص في النهر فقال فيه بعض الشعراء: قد غاص في النهر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيل يغوص فأجابه صاعد عاد إلى معدنه إنما يوجد في قعر البحار الفصوص قال ابن بسام: وما أظن صاعداً يجتري على مثل هذا، وإنما صاعداً اشترط أن لا يأتي إلا بالغريب غير المشهور، وأعنتهم على نفسه بما كان يتنفق به من الكدب ومن أعجب ما جرى له أنه كان بين يدي المنصور حين أحضرت له وردة في غير وقتها لم يستتم فتح ورقها فقال فيها صاعد مرتجلاً: أتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها كعذراء بصرها مبصر ... فغطت بأكمامها رأسها فسر بذلك المنصور وكان ابن العريف حاضراً فحسده، وجرى إلى مناقضته. وقال لابن أبي عامر هذان البيتان لغيره وقد أنشدهم بعض البغداديين بمصر لنفسه وهما عندي على ظهر كتاب بخطه قال المنصور أرينه فخرج ابن العريف وركب دابته حتى أتى مجلس ابن بدر وكان أحسن أهل زمانه بديهة فوصف له ما جرى فقال: عشوت إلى قصر عباس ... وقد جدل النوم حراسها فألقيتها وهي في خدرها ... وقد صرع السكر أناسها فقالت أسائر على هجعة ... فقلت بلى فرمت كأسها ومدت يدها إلى وردة ... عكس لك الطيب أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها رأسها وقالت بحق الله لا تفضحن ... في ابنة عمك عباسها فوليت عنها على غفلة ... وما خنت ناسي ولا ناسها

стр. 86

فطار ابن العريف بها وعقلها على ظهر كتاب بخط مصري ومدار أشقر. فدخل بها على المنصور فلما قرأها اشتد غيظه على صاعد وقال: غداً امتحنه. فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد فلما أصبح أمره فعبأ له طبق أزهار ورياحين وياسمين وبركة ماء حصباؤها اللؤلؤ وكان في البركة حية تسبح، وأحضر صاعد فلما شاهد ذلك فقال له المنصور إن هؤلاء يذكرون أن كلما تأتي به دعوى لا صحة لها وهذا طبق ما ظننت أنه عمل لملك مثله فإن وصفته بجميع ما فيه علمت صحة ما تذكر قال صاعد يديهه: أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من جاراك في الأرض خائف يسوق إليك الدهر كل غريبة ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف وشائع نور صاغها هامر الندى ... على حافتيها عبقر ورفارف ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف كمثل الظبا المستكنه كالنساء ... يظللها بالياسمين لفائف وأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الطرائف وحصباها اللالئ سابح في ... من الرفش مسموم اللقا بين وكان بجانبه مركب بمجاديف ذهب، فقال له المنصور: أحسنت إلا أنك أغفلت ذكر المركب فقال: وأعجب منها غادة في سفينة ... مكللة تصبو إليها المهايف وإذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته العواصف وأتى بعده بأبيات من هذا المعنى فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب ورتب له في كل شهر ثلاثين ديناراً وألحقه بالندماء قال: وكان شديد البديهة في ادعاء الباطل فقال له المنصور يوماً ما الخنبشار؟ فقال حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب وفي ذلك يقول شاعرهم: لقد عقدت محبتها في قلبي ... كما عقد الحليب الخنبشار وقال له يوماً وقد قدم إليه طبق فيه تمر، ما التمركل في كلام العرب؟ فقال الرجل: تمركل الرجل تمركلاً إذا التف قمع كتابه وكان مع ذلك عالماً. قال ابن بسام: وكان لابن أبي عامر فتى يسمى فاتناً أوحد لا نظير له في علم كلام العرب، فناظر صاعداً هذا فقطعه وظهر عليه وبكته فأعجب المنصور، وقال: وتوفي فاتن هذا في سنة اثنين وأربعمائة وبيعت في تركته كتب مضبوطة جليلة مصححة. وكان منقاداً لما يتنزل به من المثلة فلم يتخذ النساء كغيره. وكان في ذلك الزمان جملة في الفتيان المحابيب فيمن أخذ من الأب بأوفر نصيب قال: فرأيت تأليف الرجل منهم يعرف بحبيب، ترجمة بكتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالية وذكر فيه جزءاً من أشعارهم وأخبارهم ونوادرهم، قال ابن بسام: ومن عجين ما اتفق لصاعد أنه أهدى إبلاً إلى المنصور وكتب على يد موصله: يا حرز كل مخوف وأمان كل ... مشرد ومعز كل مذلل عبد جذبت بضيمه ورفعت من ... مقداره وأهدى إليك بابل سميته غرسيه وبعثته ... في حبله ليصبح فيه تفاءلي فقضى في سابق علم اله تعالى أن غرسية ملك الروم أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه بالإبل وسماه باسمه على التفاؤل. فصل - قال علي بن بسام: كان عبد الملك بعد أبيه قد فوض الأمر إلى عيسى بن سعيد القطاع وزيره، واستقل بالأمر فحسده رجال الدولة العامرية، وحملوا طرفة فتى عبد الملك الجزيري على معاداته. فسمت همة طرفة لذلك الفضل: قوة وبسطة أدب له، فاصطفى من أعداء عيسى قوماً منهم عبد الملك الجزيري، فزين له التقدم عليه وأغراه به، وذكر له ما كان تهيأ لكافور مولى محمد بن طغج صاحب مصر من الملك باسم مولاه،، فاحكم طمعه فتحركت عزيمة طرفة ودبر الأمر على عيسى. وحسن لمولاه أن يعتمد على عبد الملك الجزيري في أمر الوزارة، فعارض عيسى في جميع الأشغال حتى كاد يحمله. ثم اعتل المظفر عبد الملك فانفرد طرفة بخدمته، وكثر الأرجاف به فحمله ابن الجزيري على أن يضبط الأمر لنفسه باسم الطفل، بن مولاه على رسم كافور. ثم أمر المظفر عبد الملك فرأى أن يخرج عسكر إلى شرقي الأندلس فهش طرقه لذلك وسأل مولاه أن يخرج معه عيسى الوزير، وقد أسر الإيقاع فأجابه المظفر إلى ذلك. وأخذ في التجهيز والتحمل واستصحب وجوه القواد وكرايم الخيل لم يبق عند مولاه إلى ما لها قدر له.

стр. 87

وخرج في أبهة الملوك. وأخذ الوزير عيسى في الخروج معه وأحس بالشرفى صحبته، وزام الانفراد بالمظفر في ذلك فلم يمكنه لضبط طرفة باب مولاه. فألقى عيسى بنفسه إلى مفرح صاحب مدينة الزاهرة (وثغر) المظفر واستغاث به. وأطلعه على ما اطلع عليه فأوصل له رقعه بذلك إلى المظفر، وبين فيها كلما عزم عليه طرفه. فاستيقظ المظفر لنفسه، وأعفى عيسى من الخروج مع طرفه، وألزم طرفة السير فاختل بذلك طرفه وأتى إليه مأمنه وسأل الإعفاء من الخروج فلم يجبه. وخلا وجه المظفر لعيسى بعده، وذكر له أشياء حنق بها على طرفة وتعجل المظفر الخروج إلى غزوته أثر طرفة فخرج مع وزيره عيسى. وجعل ابن الجزيري يغالطه بالقدح في طرفه وفي قلبه من عيسى النيران المتقدة، وعيسى أعلم الناس بنفاقه وأحرصهم على سفك دمه. فلما سار عند المظفر إلى بعض الطريق دبر عيسى على ابن الجزيري أن ينصرف إلى حضرة، لتحصيل ما بقي من الخراج وتحرير أمر النفقات، ولم يدر بما دربه عليه وعلى طرفة صاحبه. فلما وصل المظفر إلى سرقسطة وطرفة مرتقب قدوم مولاه على قربة منها، ودخل على أعظم هيئة وأحسن همة وسار إلى قصر مولاه مذالاً بمنزلته فعدله به عن مجلسه ولم تقع عين المظفر عليه. وقيد لوقته وأخرج إلى الخزانة الشرقية، فلم يكن بين دخوله سرقسطة أميراً وخروجه منها أسيراً إلا ساعة واحدة. ثم أنفذ المظفر إلى الحضرة بالحوطة على ابن الجزيري وإيداعه المطبق بالزاهرة. وكتب عيسى الوزير إلى مفرج العامري وإلى عبد الله بن مسلمة وكان من أعادي بن الجزيري بقتله والأراحة منه، فأدخلا عليه في محبسيه قوماً من السودان فخنقوه وأشيع موته وأخرج لا أثر فيه يدل على قتله. فصل فيه تلخيص ذكر الدولة العامرية قال علي بن بسام هو أبو عامر محمد بن عبد الله بن عامر ابن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك العامري. وعبد الله جده هو الداخل بالأندلس مع طارق بن موسى بن نصير. قال نقلت منت خط ابن حيان، أنه انتهت خلافة بن مروان إلى الحكم تاسع الأئمة فيها. قال: وكان من فضله قد استهواه حب الولد حتى خالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا دون مشيخة الأخوة وفتيان العشيرة. ومن كان ينهض: الأمر ويستقل بالملك قال ابن بسام: وكان يقال لا يزل ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء، فإذا انتقل إلى الأخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم. ولعل الحكم لحظ ذلك فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك، وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة. وكان فائق قد قال له أن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفر المصفى. فقال له جؤذر: ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا. قال له والله ما أقول لكم ثم بعثا إلى المصحفي ونعيا له الحكم وعرفاه رأيهما في المغيرة. فقال لهما المصحفي: هل أنا إلا تابع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر؟ فشرعا في تدبير ما عوما عليه، وخرج المصحفي وجميع أجناده وقوداه ونعى إليهم الحكم، وعرفهم مقصود جوذر وفائق في المغيرة وقال إن بغينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا وإن بدلنا استبدل بنا. فقالوا الرأي رأيك فبادر المصحفي بإنقاذ محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله، فوفاه ولا خبر عنده فنص إليه الحكم أخاه وعرفه وجلوس ابنه هشام في الخلافة. فقال أنا سامع مطيع فكتب إلى المصحفي بحاله بما هو عليه من الاستجابة. وأجابه المصحفي بالقبض عليه وإلا وجه غيره ليقتله فقتله خنقاً. وكانت علة الحكم الفالج فلما مات الحكم ليلة الأحد ثاني صفر سنة ست وستين، وقتل المغيرة واستوثق الأمر لهشام بن الحكم، افتتح المصحفي أمره بالتواضع والسياسة واطراح الكبر ومساواة الوزراء في الفرس. وكان ذلك من أول ما استحسن منه وتوفر على الاستئثار بالأعمال والاحتياج للأموال وعارضه محمد ابن أبي عامر فتى ماجد أخذ منه بطرفي نقيض بالبخل جوداً وبالاستبداد أثره وتملك قلوب الرجال إلى أن تحركت همته للمشاركة في التدبير بحق الوزارة. وقوي على أمره بنظره في الوكالة، وخدمته للسيدة صبح أم هشام. كانت حاله في تأدية لطيف الخدمة فأخرجن له أمر هشام الخليفة إلى الوزير جعفر المصحفي بأن لا ينفرد عنه برأي.

стр. 88

وكان مريداً له غير متخيل منه سكوتاً إلى ثقته، فامتثل للأمر وأطلعه على سره وبالغ في بره وبالغ محمد بن أبي عامر في مخادعته وإعادة النصح له فوصل المصحفي يدي بيده واستراح إلى كفايته، وابن أبي عامر يمكر به ويضرب عليه، ويغري به الحسدة، ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس، ويقضي حوائجهم. ولم تزل هذه سبيله إلى أن انحل أمر المصحفي، وقوي نجمه، وتفرد محمد بن أبي عامر بالأمر، ومنع أصحاب الحكم وجلاهم وأهلهم وشردهم وشتتهم وصادرهم، وأقام من صنائعه من استغنى به عنهم وصادر الصقالبة وأهلكهم وأبادهم في أسرع مدة بحسب استنفاد أعمارهم. فصل قال ابن حيان وجاست النصرانية بموت الحكم ووصلوا قرطبة. قضى الله بموت الحكم وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة ولم يجدوا عند جعفر المصحفي غناء ولا نصرة. وكان مما أتى عليه أن نفراً من أهل قلعة رباح أمر بقطع سد نهرهم مما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو. ولم تتسع حيلته لأكثر منه وفور الجيوش وجموم الأموال. وكان ذلك من سقطات جعفر فانف محمد بن أبي عامر من هذه الريبة وأشار على جعفر بتجريد الجيش للجهاد. وخرفه سوء العاقبة في تركه. وأجمع الوزراء على ذلك إلا من شذ منهم. واختار ابن أبي عامر الرجال له وتجهز للغزاة واستصحب مائة ألف دينار، وبعد بالجيش ودخل على الثغر الجوفي ونازل حصن الحامة ودخل الربض وغنم وقفل، فوصل الحضرة بالسبي بعد اثنين وخمسين يوماً. فعظم في العيون وخلصت قلوب الأجناد له واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كروه. ومن أخبار كرمه ما حكاه محمد بن أفلح غلام الحكم. قال دفعت إلى ما لا أطيقه من نفقة في عرس ابنة لي ولم يبق عندي سوى لجام محلى تحلية يثقل وزنها ويخف عيارها. ولنا صاحب قصدته في دار الضرب والدهم بين يديه موضوعة. فأعلمته ما جئت له، فابتهج لما سمعه مني وأعطاني من تلك الدراهم وزن اللجام بحدائده وسيوره فملأ حجري وقمت غير مهدتي بما جرى لعظمه، وعملت العرس وفضلت لي فضلة كبيرة. وأحبه قلبي حتى لو حملني على خلع طاعة مولاي الحكم لفعلت. فصل قال أبو حيان: كان بين المصحفي وغالب صاحب كمدينة سالم وشيخ الموالي وفارس الأندلس عداوة عظيمة، ومباينة شديدة، ومقاطعة مستحكمة. وأعجز المصحفي أمره وضعف عن مداراته وشكى ذلك إلى الوزراء فأشاروا علبيه بملاطفته واستصلاحه. وشعر بذلك ابن أبي عامر فأقبل على خدمته وتجرد لإتمام إرادته. ولم يزل على ذلك حتى خرج الأمر بأن ينهض غالب إلى قدمة جيش الثغر. وخرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثانية، واجتمع به وتعاقدا على الإيقاع بالمصحفي. وقفل ابن أبي عامر غانماً ظافراً ببعد صيته، فخرج أمر الخليفة هشام يصرف المصحفي عن المدينة، وكانت يومئذ في يده. وخلع على ابن أبي عامر ولا خبر عند المصحفي. وملك ابن أبي عامر الباب بمولايته الشرطة وأخذ على المصحفي وجوه الخيل وخلاه ولبس بيده من الأفراد إلا أقله. وكان ذلك بإعانة غالب له وأنه ضبط المدينة ضبطاً أنسى به أهل الحضرة من سلف من الولاة وأولي السياسة وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالب ففطن المصحفي لتدابير ابن أبي عامر عليه فكاتب غالباً يستصلحه وخطب أسماء ابنته لابنه عثمان. فأجابه غالب لذلك وكادت المصاهرة تتم له وبلغ ابن أبي عامر الأمر فقام قيامته، وكاتب غالباً يخوفه الختلة ويهيج حقوده وألقى عليه أهل البلاد وكاتبوه فصرفوه عن ذلك. ورجع غالب إلى ابن أبي عامر فأنكحه البنت المذكورة، وتم له العقد في محرم سنة سبع وستين. وأدخل السلطان تلك البنت إلى قصره وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله فظهر أمره وعز سلطانه وكثرت رجاله وصار جعفر المصحفي إلى ما لا شيء. واستقدم غالباً وقلده الحجاب شركة مع جعفر المصحفي ودخل ابن أبي عامر على ابنته ليلة النيروز وكان أعظم عرس في الأندلس.

стр. 89

وأيقن المصحفي بالنكبة وكف عن: اعتراض ابن أبي عامر على شيء من التدبير وابن أبي عامر يساتره ولا يظاهره، وأعرض عنه الناس واتجهوا إلى ابن أبي عامر إلى أن صار يغدو إلى قصر قرطبة ويروح وهو وحده وليس في يده من الحجابة إلا اسمها. وعوقب المصحفي بإعانته على ولايته هشام ثم سخط السلطان على المصحفي وعلى أولاده وأهله لأسبابه وأصحابه وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع الحساب لما تصرفوا فيه وتوصل ابن أبي عامر بذلك إلى اجتثاث أموالهم وفروعهم. وكان هشام ابن أخي المصحفي قد توصل إلى أنه سرق من رؤوس النصارى التي كانت تحمل بين يدي ابن أبي عامر في الغزوة الثالثة، ليقدم بها على الحضرة وغاظه ذلك منه، فبادر بالقتل في المطبق. قبل عمه جعفر المصحفي. واستقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة. وكانت من أعظم قصور قرطبة واستمرت بالنكبة عليه سنتين مرة يحبس ومرة يعزل ومرة يقر بالحضرة ومرة ينفى عنها، ولا يراح من المطالبة بالمال، ويعذبه غالب. ولم ينزل على هذا الحكم إلى أن استصفى ولم يبق فيه ما يحتمل واعتقل في المطبق بالزهراء إلى أن هلك وأخرج إلى أهله ميتاً، وذكر أنه سمه وضع في ماء شربه. قال علي بن بسام: أخبرني محمد بن إسماعيل كاتب ابن أبي عامر قال: سرت مع محمد بن مسلمة فقيه ابن أبي عامر إلى الزهراء، لنسلم جسد حعفر ابن عثمان إلى أهله. وسرنا إلى منزله وكان مغطى بخلق كساء لبعض البوابين ألقاه على سريره، وغسل على فردة باب الجناح من ناحية الدار. وأخرج ولم يحضر أحد جنازته سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه. ومن حضره من داره تعجب من تصرف الزمان بأهله. فصل ووقعت وحشة فيما بين الخليفة هشام وابن أبي عامر كان سببها تضريب الحساد فيما بينهما، وعرف أنه ما دهى إلا من حاشية القصر ففرقهم ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به، أو عجز عنه. قد ذكر له أن الخدم قد انبسطت أيديهم في الأموال المختزنة بالقصر، وما كانت السيدة صبح أخت رائق تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر. وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة. فيها الذهب والفضة, وموهت ذلك كله بالمرى والشهد وغيره من الأصباغ المتخذة لقصر الخلافة. ركبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك ومرت على صاحب المدينة فما شك في أنه ليس فيها إلا ما هو مكتوب عليها. وكان مبلغ ما حملته فيها من الذهب ثمانين ألف دينار. وأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظ الأموال بانهماكه في العبادة، وأن في إضاعتها آفة على المسلمين. وأشار لنقلها إلى حيث يؤمن عليها فيها فحمل منها خمسة آلاف دينار من الدراهم القاسمية ورقاً وسبعمائة ألف دينار جعفرية من الذهب وكانت صبح قد دافعت عما بالقصر من الأموال ولم تمكن من إخراجها، فاجتمع ابن أبي عامر بالخليفة هشام واعترف له بالفضل في حفظ قواعد الدولة فخسرت السنة الأعداء والحسدة. وعلم الحضور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له، إذ كان منهم من لم يره قط. فأبرزه الناس وركب الركبة المشهورة واجتمع لذلك من الخلق ما لا يحصى عدده. وكانت عليه الطويلة والذؤابة مسدلة والقضيب في يده زي الخلافة وإلى جانبه المنصور يسايره، وقدامه الجاجب عبد الملك عيسى. فصل وخرج المنصور للغزاة وقد مرض المرض الذي مات فيه في صفر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة وواصل شن الغارات وقويت عليه العلة واتخذ له سرير من خشب ووطئ عليه ما يرقد عليه. وكان هجر الأطباء في تلك العلة لاختلافهم فيها واقتصر على أوصاف كاتبه الجزيري عبد الملك وأيقن هناك بالموت. وكان يقول أن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح بهم أسوأ حالة مني. واشتغل ذهنه بقرطبة وهو بمدينة سالم فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته، وتفرقت عنه وخلا بولده وكان يكرر وصيته وكلما أراد أن ينصرف يرده وعبد الملك يبكي. وهو ينكر عليه ذلك ويقول هذا من أول العجز، وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر إلى أن يرد قرطبة.

стр. 90

وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي ابن ذكوان فدخلها في أول شوال، وسكن الإرجاف بموت والده، وعرف الخليفة كيف تركه،. ووجد المنصور راحته فأحضر جماعة بين يديه وهو كالخيال لا يبين الكلام، وأكثر كلامه بالإشارات كالمسلم المودع. وخرجوا من عنده وكان أخر العهد به. ومات لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة. وكان أوصى أن يدفن حيث يقبض، فدفن في قصره بمدينة سالم. واضطرب العسكر وتلوم ولده أياماً وفارقه بعض العسكر إلى هشام. وقفل هو إلى قرطبة فيمن بقي معه وأخذه الحزن بموت والده المنصور ولبست فتيانه المسوح والأكسية بعد الوشى والحبر. وقام ولده عبد الملك بالأمر. وأجراه هشام الخليفة على عادة ابنه وخلع عليه، وكتب له السجل بولايته الحجابة. وكانت الفتيان قد اضطربوا، فقوم المنابذ وأصلح الفاسد. وجرت الأمور على السداد، وانشرحت الصدور بما شرع فيه من عمارة البلاد، فكان أسعد مولود ولد في الأندلس. فصل: لما توالت على أهل طليطة الفتن المظلمة والحوادث المصضلمة، وترادف عليهم البلاء والجلاء واستباح الفرنج لعنهم الله أموالهم وأرواحهم. كان من أعيب ما جرى من النوادر الدالة على الخذلان، أن الحنطة لتقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير ولا يؤثر فيها طول المدة. فلما كان في السنة التي استولى عليها العدو, ما رفعت الغلات من البيادر حتى أسرع فيها الفساد فعلم أن ذلك بمشيئة الله لما أراده من شمول البلاء وعموم الضر واستولى العدو على طليطة فأنزل من بها على حكمه، وخرج ابن ذي النون منها على أقبح صورة وأفظع سيرة. ورآه الناس وبيده اصطرلاب يأخذ به وقتاً يرحل فيه، فتعجب منه المسلمون وضحك عليه الكافرون. وبسط الكافر العدل على أهل المدينة وحبب النظر إلى عادة طعامهم فوجد المسلمون من ذلك ما لا يطاق حمله وشرع في تغير الجامع بكنيسة في ربيع الأول سنة ست وسبعين وأربعمائة. ومما جرى في ذلك اليوم أن الشيخ الأستاذ الموامي ﵀ صار إلى الجامع وصلى فيه، وأمر مريداً له بالقراءة، ووافاه الفرنج لعنهم الله، وتكاثروا لتغيير القبلة فما جرأ أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته، وعصمه الله منهم إلى أن أكمل القراءة، وسجد سجدة طويلة ورفع رأسٍه وبكى على الجامع بكاء شديداً، وخرج ولم يتعرض له أحد بمكروه. وقيل للملك ينبغي أن تلبس التاج كمن كان قبلك في هذا الملك، فقال حتى نأخذ قرطبة منهم. وأعد لذلك ناقوساً تأنق فيه وفيما رصع به من الجواهر فأكفره الله وأرغمه، ورد أمير المسلمين، ناصر الدين أبو يعقوب ابن تاشفين فيما أثر من إذلال المشركين وإرغام الكافرين (؟!) واستدراك أمور المسلمين. فصل: كان أبو الحسن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بابن السقا. قد كابر من صعوبة الفقر، وشدة الدهر، ومعاناة الدنيا في طلب الرزق ما لا يزيد عليه، ولما مات أبوه تعلق بخدمة القضاة وشيوخ الفقهاء وترقت به الحال إلى أن تعلق بخدمة الوزير أبي الوليد بن جهور واستعمله في بعض الخدم وتصرف في قهرمة داره، وتعاظم وتكبر وتجبرا واستهان الكبائر، وأطرح الفروض وتعرض لإذلال الناس، واستحوذ على الأمور، وتطاول إلى الأموال. وبسط فيها واستبد وتفرد واستكثر من الغلمان والأصحاب، حتى خضعت له الرقاب، واتصلت به الآمال ونال الإمارة. واستقلت وجوه العسكر والخلق إليه وصدهم عن لقاء إبراهيم بن جهور وعول في أموره على خساس الناس وإسقاطهم ومن لا مروءة له ولا غناء عنده. وأفقر دار الخدمة بقرطبة ونقلها إلى داره، وجعل الصدور والخلق يزدحمون على بابه، ولم يوفقه الله إلى أن يقيم عليه حاجباً، يجمل لقاهم ويرتب قعودهم بدهليزه. فورد على الناس من هذا وأمثاله ما أحرج صدروهم وصغر نفوسهم وبسط غلمانه أيديهم في الامتداد إلى الناس. فهو وزير في قعدة أمير وقاضي في صورة جندي، وفقيه على دين قرمطي. وكان عاهر الخلوة مجاهداً بالغلمان وافرد له داراً أسماها الناس دار اللذة، يخلو فيها بغلمانه المهتمين به إلى آخر النهار، ثم يعود إلى دار عياله.

стр. 91

واشترت عنه أحاديث قبيحة، فلما قطع آمال الناس من بني جهور وأخملهم وتسمى بالسلطان. كان في بني جهور عبد الملك الأصغر من إخوته فأنف منه وعزم على الفتك به، من غير استشارة أحد في أمره. فلما كان يوم السبت سبع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين، أعد له رجاله في قصر أبيه، وأقام هو ينتظره. وأرسل عن أبيه رسولاً كان يوجه إليه. فلما وصل إلى باب ابن جهور وأراد النزول على حجر لاصق قام إليه عبد الملك بخنجر مع أعده لقتله، فضربه به. وخرج عليه الرجالة فأكملوا قتله. وقطع رأسه، وطيف به على رمح ومثل الناس به وركب عبد الملك إلى دار اللذة المختصة به، فملكها واحتوى على كل ما فيها وعلى أصغر غلمانه، واجتاز بالسجن فأطلق كل من كان فيه. وسمع أبوه محمد ابن جهور الخبر، فخرج مدهوشاً فرآه مجتذلاً فارتاع، وركب إلى الجامع وأظهر المسرة بقتل ابن السقا. وأعلنوا الشماتة به وقتل من حاشيته عشرون رجلاً، واعتصم أخوه بمنارة المسجد فنجا من القتل، ونهب مسجد ابن السقا وأخذت ثرياه. ذكر من كان معاصراً لمن ورد على المغرب من المشرق فصل كان أبو القاسم علي المغربي الوزير من أذكياء الناس. استظهر القرآن الكريم وعدة كتب مجردة في اللغة ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار للشعر القديم ونظم الشعر وتصرف في فنون النثر. وبلغ من الحظ إلى ما قصر عنه نظراؤه، ومهر في الحساب واختصر كتاب إصلاح المنطق، وكل ذلك قبل استكماله أربع عشرة سنة. ولما أوقع الحاكم صاحب مصر بأبيه وأهل بيته ونذر دمه، خرج من مصر هارباً، حتى إذا وصل مكة (شرفها الله) تعالى، حمل أبا الفتوح على القيام بها، وقرب عليه ما كان يستبعده وجسره على أخذ ما كان بها من محاريب الذهب والفضة فضربها دنانير ودراهم وفرقها فيمن تبعه من الفرسان. ثم سار يدعو إليه حتى بلغ الرملة وصعد منبرها فتلا من غير تحميد ولا صلاة قول الله تعالى ذكره (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً) وأومأ بيده إلى مصر يعني الحاكم يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم. أنه كان من المفسدين. (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) ثم عاد إلى أبي الفتوح (وهذه) لذلك. فلما رآه عاجزاً فارقه، وخرج إلى العراق ودخل الكوفة على سلطانهم ثم خافه وزير قرواس فتقرب إليه بالمال، وأشار عليه بالرحيل، فسار إلى ميافارقين وأميرها نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي فتقلد وزارته بعد طول مقام وخلع المرقعة والصوف ولبس المسك الشفوف وقال: تبدّل من مرقعة ونسك ... بأنواع الممسك والشفوف وعنّ له غزال ليس يحوي ... هواه ولا رضاه يلبس صوف فعاد أشد ما كان انهماكاً ... كذلك الدهر مختلف الظروف ثم (روسل) في وزارة الموصل فسار إليها وتقلدها، وبالغ في الإجحاف والاعتساف وآذى أعيان الناس. ثم روسل في وزارة بغداد وأميرها يومئذ أبو علي بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة ابن عضد الدولة ابن ركن الدولة ابن علي، فأمر ونهى وولى وعزل ونقض وأبرم، وبلغ إلى أعلا منزلة من سعة النعمة ونفاذ الكلمة. ثم إن أبي علي أوقع ببعض من كان يتهمه من الأتراك، وكان الوزير بن المغربي قد نهاه عن ذلك، وأشار إليه بغيره فما قبل منه واضطربت الأمور اضطراباً اضطرهما جميعاً إلى الهرب والاستجارة بالعرب. وقد قيل إن إخراجه الملك معه إنما كان لغرض في أن لا ينفرد بهجنة التسحب ثم روسل أبو علي في العود إلى باب سلطانه، فعاد وأقام الوزير أبو القاسم بالموصل، وقد كثر أتباعه فأقام بها يسيراً واستشعر تقصيراً به من صاحبها فاستأذنه في الرجوع إلى ميافارقين فدخلها وتلقاه نصر الدولة بالإعظام واقطعه من الأموال والضياع ما أراد. ثم روسل في وزارة بغداد فاستأذن نصر الدولة فخلا به وبين مراده وأعانه على المسير فلما كاد يستقل وكان خوف نصر الدولة عاقبة أمره، وأشير عليه بما كفاية أمره منه، فسقاه شربة كان فيها هلاكه. وكان الوزير لما أحس بالموت أوصى أن يحمل إلى الكوفة، فيدفن في حجرة أعدها هناك بإزاء قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. فسير تابوته في أحسن حالة وأجمل أبهة إلى أن دفن في الموضع الذي أراداه.

стр. 92

فصل كان الفقيه الحافظ عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي من أعيان الفقهاء، وجلة العلماء. ولما استقل ركابه من بغداد، خرج جماعة من أكابرها وأصحاب العلوم بها يودعونه فقال: والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين في كل يوم ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة رطل بدينار، وأنشد: سلام على بغداد في كل منزل ... وحولها مني السلام المضاعف لعمرك فارقتها فيها قالياً لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت على برحها ... ولم تكن الأرزاق فيها بساعف فكانت كخل كنت أهوى وصاله ... وتأبى به أخلاقه وتخالف فصل في ذكرى خراب القيروان والإشارة إلى أخبار آل زيري الغالبين عليها مع ما يتصل بذلك. قال علي بن بسام: لما تغلب آل عبيد الله الناجمين بافريقية على مصر وخلصت لهم، واستقلت بهم وأراد معد بن إسماعيل بن عبيد الله الملقب بالمعز لدين الله أن يتمكن فيها، دعا زيري بن مناد وهو يومئذ من صنهاجه بمكان السنان من الغارب، وكان له عشرة من الولد، وأمره بإحضار أولاده. وكان بلقين بن زيري أصغرهم سناً، فلم يحضره، قالوا وكان عند المعز أمارة من علم الحدثان قد عرف بها مصائر أحواله. وكانت عنده لخليفته على افريقية إذا صار إليه ملك علامة يأنس بها. فنظر في وجوه بني زيري فلم يجدها فيهم. فقال لزيري: هل غادرت من بنيك أحداً؟ فقال: نعم، تركت غلاماً صغيراً وأخذ في تهوين أمره. فقال له المعز: لابد من حضوره. فلما أتاه عرفه بالعلامة. ففوض إليه الأمر من وقته، واستولى على الأمور، واشتهر إلى الملوك ودوخ البلاد وواصل الغزو ووصل إلى سبتة. وانتقل الأمر فيهم إذ انتهت إلى المعز بن باديس وهو آخر ملوكهم. وأول ما افتتح به شأنه، قتل الرافضة، ومراسلته أمير المؤمنين ببغداد. فكتب إليه العهود وجاءته الخلعة واللقب من الخليفة، واتصل ذلك بصاحب مصر وأمر دولته يدور على الجرجرائي الوزير فأضغنها عليه، وكانت بطون عامر ابن صعصعة؛ زغبة وعدي والأنبح ورباح وغيرهم من ألفاف عامر تنزل الصعيد لا يسمح لهم بالرحيل، فتقدم لهم الجرجرائي بأن يسيروا إلى ابن بادريس بالقيروان. فغشية منهم سيل العرم وتهاون المعز بن باديس بهم فشغلهم بخدمته، وهم في خلال ذلك يطلعون على عوراته ويسرعون إلى حماته. ولم يزل الأمر على هذا السبيل حتى هان عليهم سلطانه فجاهروه بالعداوة ووقعت بينهم حروب في أوقات مختلفة كان آخرها وقعة حيدران في سنة أربع وأربعين، ثل فيها عرشه وهدم بها ركنه وأحاط العرب بالقيروان من جوانبها. فلما كانت سنة خمس أعطى مواليه ورغب في الاتصال بهم لكفاية شرهم، فزف بناته إلى زعمائهم وصاروا أصهاراً. ولما استحكم يأسه احتمل غرمه، واحتمى بمن اتصل بهم، حتى بلغ المهدية فأقام بها، وكان من مشهوري الكرم حتى أنه أعطى المنتصر بن خرزون، في دفعة واحدة مائة ألف دينار خارجاً عما وصله به ولم يقم بالمهدية عامين حتى انقضت أيامه وأتاه حمامه. وهذا آخر ما وجدته من (مختصر الذخيرة) ونقلته من مسودة المصنف الأسعد بن مماتي ﵀، وفرغت منها يوم الأحد المبارك حادي عشر من رجب الحرام من شهور أربعة عشر ومائة بعد الألف من الهجرة، وكتبه الفقير يوسف ابن محمد الميلوي غفر الله له.