فتنة الرّجل عن دينه
ذَمَّ اللهُ تعالى مَنْ يُوقِع الفتنة، وجعل فتنة الرَّجل عن دينه والاعتداء على عقيدته أشدّ وأعظم من الاعتداء على نفسه وقتله، قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (١٩١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (٢١٧)﴾ [البقرة] فاحذر أن تُفْتَنَ أو تَفْتِنَ أحداً عن دينه، فالمصيبة في الدِّين من أعظم المصائب، ولذلك كان مِن دعاء النَّبيِّ ﷺ : "لا تجْعَلْ مصيبتنا في دِيننا" (١).
وفتنة الرَّجل المؤمن في دينه سنَّة مطَّردة، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت].
فقد جرت سنَّة الله تعالى واقتضت حكمته ابتلاء أوليائه بأعدائه، ولذلك أنكر الله تعالى على مَنْ لم يصبر على ذلك، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ (١٠)﴾ [العنكبوت].
التّحذير من الفتن
تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ الفِتَنِ عموماً، والحثِّ على تجنّبها واعتزالها والهرب والنَّجاة منها، وعدم ملابستها أو الخَوضِ فِيهَا، وأنَّ شرَّها يكون حسب الدُّخول فيها، فَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (٢٥)﴾ [الأنفال]، وَمَا رَوَاه أبو هريرة عن
شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ طَائِفَةً مِنْ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" (١).
البيان بأن على الإنسان عِنْدَ الْفِتَنِ العمياء أن يكسر سيفه ويكون مقتولا لا قاتلا
روى أحمد عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِراً، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ المَاشِي، وَالماشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، فَاكْسِرُوا قِسِيَّكُمْ وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمْ الحِجَارَةَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ بَيْتَهُ، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ (٢) " (٣).
وروى أحمد عن محمّد بن مسلمة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دفع إليه سيفاً، وقَال: "قَاتِلْ بِهِ مَا قُوتِلَ العَدُوُّ، فَإِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَاعْمَدْ بِهِ إِلَى صَخْرَةٍ فَاضْرِبْهُ بِهَا، ثُمَّ الزَمْ بَيْتَكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ مَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ، أَوْ يَدٌ خَاطِئَةٌ " (٤).
ولعلّ الفتنة الَّتي أمر النَّبيُّ ﷺ باعتزالها، وحضَّ على ألَّا يَلِجَها أَحَدٌ، وأن يكسر الإنسان فيها سيفه ويلزم بيته، ويكون مقتولاً لا قاتلاً، تلك الفتنة العامَّة العمياء الصّماء البكماء الَّتي لا يُعْرَفُ فيها المحقُّ من المبْطِل، أمَّا مَنْ عَرَفَ المحقَّ وكان معه ينصره فقد أصاب، ومَنْ كان مع الباغي فهو مخطِئ، كما قَال تعالى:
стр. 216
﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي (٩)﴾ [الحجرات].وتتأوَّل الأحاديث على غير ذلك، فقد اختلف العلماء في قتال الفتنة، فالمسألة لا تخلو من خلاف وتفصيل وتأصيل.
واعلم أنَّ الإصلاح بين الطّائفتين المؤمنتين مقدَّم على قتال الباغي منهما، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات].
ومَنْ نَظَرَ نَظَرَ مُحْكَم العقل الحَصِيْف إلى الآيتين، عَرَفَ مِنَ الحقائق والدَّقائق ما يشوق ويزهو على الجمان ويفوق، فقد بيَّن الله تعالى في الآيتين عظيم شأن الإصلاح بين الطَّائفتين المؤمنتين، فأمر به ثلاث مرَّات مبالغة في التَّأكيد عليه، وسمّى الطّائفتين مؤمنين مع الاقتتال، ولم يَنْفِ عنهما صِفَةَ الإيمان.
الدعاة إلى الفتن هم الدّعاة إلى النّار
حذّر النَّبيُّ ﷺ من فِتْنَة عَمْيَاء صَمَّاء كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يعمى فيها الإنسان عن رؤية الحقّ، ويصمّ عن سماعه، وفيها مِنَ الظلمات مَا يُلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وعلى تِلْكَ الْفِتْنَةِ جَمَاعَةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِهَا يدعون النَّاس إلى الهلكة.
فمن حديث حذيفة ﵁ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: يَا حُذَيْفَةَ، تَعَلَّمْ كِتَابَ الله وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَنْ
стр. 217
تَمُوتَ يَا حُذَيْفَةُ، وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ" (١).
الفتن لا تزال إلى يوم القيامة
ليس غريباً أن تتآزر نصوص الكتاب والسُّنَّة على الأمر بالإصلاح بين المؤمنين، لأنَّ الفتن لا تزال في أمَّته ﷺ ما بقيت الدُّنيا، وبَأْسهم بينهم واقع إلى قيام السَّاعة، وهلاكهم بعضهم ببعض، وهذا مِنْ أعظم ما يتهدَّدهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ مُنِعَ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فقد سأل الله تعالى ثلاثاً، فأعطاه ثنتين ومنعه واحدة.
قال ﷺ : "سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا " (٢).
وروى البخاري عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (٦٥)﴾ [الأنعام]، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَذَا أَهْوَنُ، أَوْ هَذَا أَيْسَرُ " (٣).
وروى أحمد عَنْ ثَوْبَانَ مولى رسُول الله ﷺ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: "وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٤).
стр. 218
وقد وضع السَّيف فيهم بقتل الخليفة عثمان ﵁، فلم يزل حتَّى يومنا هذا، وسيظلّ إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها، وهذا مِن علامات نبوَّته ﷺ ، فالأمر واقع كما أخبر ﷺ ، فقد عَمَّت الفتن وعَمَتْ، والحال يشهد لذلك.
تغبيط أهل القبور وتمني الموت عند نزول الفتن خشية ذهاب الدّين
عقد البخاريّ في كتاب الفتن باباً بعنوان: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ) وذكر فيه حديثاً عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ" (١).
وقد يقول قائل: كيف يسوغ له أن يتمنَّى الموت الَّذي هو أعظم المصائب
عند ظهور الفتن، مع أنَّه يكره لَه أن يتمنَّى الموت لضرٍّ نَزَلَ بِهِ، لقول النَّبيِّ ﷺ :
"لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ المَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ" (٢).
والجواب، جاء النَّهي عن تمنِّي الموت إذا نزل به ضرٌّ في أمور دنياه ومعاشه، أمَّا إذا خشي على دينه، وكان الموت أَهْوَنَ عليه من ذهاب الدِّين، فلا كراهة في ذلك، والله أعلم. وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن الصَّامت ﵁ أنَّ أبا ذرّ ﵁، قال له: " وَيُوشِكُ يَا ابْنَ أَخِي إِنْ عِشْتَ إِلَى قَرِيبٍ، أَنْ يَمُرَّ بِالْجَنَازَةِ فِي السُّوقِ فَيَرْفَعُ الرَّجُلُ رَأْسَهُ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي عَلَى أَعْوَادِهَا " (٣).
стр. 219
من أسباب الاختلاف وظهور الفتن
واعلم أنَّ وراءَ اعتلال القلوب واختلافها ووقوعها في مضلَّات الفِتَن أسباب، منها: شياطين الإنس والجنّ.
فإيقاع العداوة بين النَّاس مِصْيدة وحِبَالة من حبائل الشَّيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ (٩١)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء]. وجاء التَّعبير بالفعل المضارع: (يوقِع) والفعل المضارع (يَنْزَغ) لإفَادة التَّجدُّد، فهو ما يزال يفسد ويهيّج ويحرِّش بين النَّاس ويجدِّد في حيله ولا يتوقَّف.
ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ :"إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" (١) أي بحملهم على العداوة والفتن، ولذلك فمن عادى مُسْلِماً، فإنَّما استزلَّه الشَّيطان.
والشَّيطان هو من يستحقُّ العداوة، فهو عدو لنا كما أخبر تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (٦)﴾ [فاطر]. ولا يدَّخر الشَّيطانُ وُسْعاً في فتنة بني آدم، ولا يَضنُّ بإضلالهم، قَال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف]، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النّساء]، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ [القصص].
وقد حذَّرنا الله تعالى من إبليس الَّذي يسعى غاية جَهْده في صَدِّ النَّاس عن
стр. 220
الصِّراط المستقيم، فقال مخبراً عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف]. وقوله: (لأقعدَنَّ) تضمين، لأنَّه حَصَلَ معنى في هذا الفعل مِنْ غير ذكر له، وإنَّما تضمَّنه؛ فالفعل (لأقعدنَّ) يتضمَّن معنى لألزمَنَّ، والمعنى: لألزمَنَّ صراطك المستقيم لا أبرحه، والقعود يكون طارئاً متجدِّداً، واللُّزوم يفيد الدَّوام والثَّبات والاستمرار، وهذا المعنى أفاده التَّضمين، الَّذي هو ضرْب مِن الإيجاز البليغ في البيان، وفنّ من فنونه.
فإبليس قاعد على الصِّراط المستقيم ملازم له مواظب عليه مواظبة لا يفتر عنها، فلا يَدَعُ جهداً في إطغاء وإغواء بني آدم، وقد ذكر الله تعالى في غير موضع أنَّ إبليس أخبر بذلك، كقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص] وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النِّساء] وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء].
وأخبر النَّبيُّ ﷺ محذِّراً إيّانا أنَّ إبليس له سرايا، وأنَّ مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في جوانب الأرض لفتنة النَّاس، فقال ﷺ : " إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى البَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً " (١).
стр. 221
وإبليس وجنوده لهم حيل في التَّلبيس على النَّاس وإضلالهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (٢١)﴾ [النّور]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس]. وأعلمنا النَّبيُّ ﷺ أنَّ مع كلِّ إنسان شيطاناً (وهو القرين) لنحذر من فتنته ووسوسته، فقد قال ﷺ يوماً لعائشة ﵂: " مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لي لَا يَغَارُ مِثْلي عَلَى مِثْلِكَ، فَقَالَ: رَسُولُ الله ﷺ : "أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أَوَمَعِي شَيْطَانٌ؟! قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ" (١).
والحاصل التَّحذير مِنْ فتن إبليس ومكايد الشَّيطان ورد في الكتاب والسُّنَّة في غير موضع، فلا يستخفَّنَّكم الشَّيطان: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر].
وقد أمر الله تعالى بالتَّعوّذ مِنَ الشَّيطان عند قراءة القُرآن، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النَّحل] فإذا كان الله تعالى قد أمر بالتَّعوِّذ من شرِّ الشَّيطان عند قراءة القرآن، فكيف في غيره؟!
وقد ورد الأمر بالاستعاذة من الشَّيطان في غير هذا الموضع، قَال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (٢٠٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ
стр. 222
شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [النَّاس].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ يدلّك على تنوّع الشَّيطان، فالشَّيطان نوعان: نوعٌ يَراك وهو شيطانُ الجنِّ، ونوع تراه وهو شيطان الإنس. ولعلَّ شيطانَ الإنس أشدُّ خطراً على بني آدم؛ لأنَّ شيطان الجنِّ إذا ذكرت الله تعالى ولَّى وخنس، بخلاف شيطان الإنس.
وقد جمع الله تعالى بينهما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (١١٢)﴾ [الأنعام].
وأرشد الله تعالى إلى دفع أذى وشرِّ وسوسة شيطان الجنِّ بالاستعاذة بالله تعالى منه، وأرشدنا إلى دفع أذى شيطان الإنس بالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ عنه، والدَّفع بالَّتي هي أحسن.
واعْلَمْ أنَّ المُعْرِضَ عن ذكر الله تعالى يقيَّض له شيطاناً يضلّه عن الصِّراط السَّوي، ويخيِّل له أنَّه على الهُدى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزّخرف] والبحث في هذا يتَّسع ويطول.
ومِن أَسباب الوقوع في الفتن: كيد الكائدين من المشركين والمنافقين والزَّائغين. فكم هم الَّذين يصدُّون عن السَّبيل مِن المشركين ويبغونها عِوجاً: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا
стр. 223
عِوَجًا (٣)﴾ [إبراهيم]. وكم هم الَّذين يسعون لإفساد الصَّفِّ من المنافقين: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (٤٧)﴾ [التّوبة]. وكم هم الَّذين يبغون لنا الغوائل من أهل الزَّيغ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ (٧)﴾ [آل عمران]، والدَّاهِيَةُ الشَّنْعاءُ، والغارة الشَّعواء، أنّه لا يخلو منهم زمان ولا مكان ولا عَصْر ولا مِصْر.
ومن أسباب الفتنة: عدم موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال]. فالله تعالى يخبرنا بأنَّ الكفَّار بعضهم أولياء بعض، وأنَّه إذا لم يوال بعضنا بعضاً كما يفعل هؤلاء، تقع فتنة وفساد كبير؛ لوجود الموالاة والوحدة والقوَّة بينهم، ووجود المعاداة والتَّفرُّق والضَّعف بيننا.
ولذلك امتدح الله تعالى الصَّحابة على موالاتهم بعضهم بعضاً، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧٢)﴾ [الأنفال].
وأوجب الله تعالى على المؤمنين والمؤمنات أنْ يوالوا بعضهم بعضاً، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧١)﴾ [التّوبة].
وقد دعا النَّبيُّ ﷺ إلى الوحدة والتّعاون بين المؤمنين في غير حديث، فقال ﷺ : " إِنَّ المؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَشَبَّكَ ﷺ أَصَابِعَهُ " (١).
стр. 224
ومن أسباب غيظ القلوب واختلافها، ووقوع الفتن: التَّشدُّد والتَّنطُّع والغلو في الدِّين. والتَّشدُّد في الدِّين مخالف لما أمر الله تعالى به من رَفْعِ الحَرَج واليُسْر والتَّخفيف، قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٧٨)﴾ [الحج]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (١٨٥)﴾ [البقرة]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ (٢٨)﴾ [النّساء]، ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (٦٢)﴾ [المؤمنون]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق].
كما أنَّ التّشدّد مخالف لأمر النَّبيِّ ﷺ بالتَّيسير وترك التَّنفير، قَال ﷺ : "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" (١). فالدِّين يُسْر، قال ﷺ : "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ" (٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ : "أحبُّ الدِّين إلى الله الحنيفيَّة السَّمحة " (٣).
والتَّنطُّع في الدِّين هلكة، كما قَال النَّبيُّ ﷺ : " هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ " (٤) قالها
стр. 225
ثلاثاً. أي الغالون في التَّأويل، المتعمِّقون في أقوالهم وأفعالهم.
والغلو في الدِّين، والتَّشدُّد فيه غير الحقِّ نهى الله تعالى عنه، بقوله :
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ (٧٧)﴾ [المائدة] ونهى عنه النَّبيُّ ﷺ ، وبيَّن أنَّ عاقبته الهلكة، فقال ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالغُلُوِّ فِي الدِّينِ" (١). ويقابل الغلوَّ في الدِّين التَّفريط به، ودين الله بين الجافي المقصِّر عن الحدِّ، والغالي المجاوز الحدّ.
ومن أسباب الاختلاف والفتن: أخذ العلم عن غير أهله. قال ﷺ : "إنَّ الله لَا يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِم، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ" (٢) والأحاديث والشَّواهد كثيرة، والعلماء غرباء لكثرة الجهلاء.
ومن الأسباب: القول بالرّأي، واتِّباع الهوى. خلا عُمَرُ بن الخطاب ﵁ ذات يَوْم فجعل يحدِّث نفْسَه، فأرْسَل إلى ابن عبَّاس، فقال: "كيف تختلف هذه الأمة، فكتابها واحد، ونبيُّها واحد، وقبلتها واحدة؟! قال ابنُ عبَّاس:
يا أمِيْرَ المؤمنينَ، إنَّا أُنْزِلَ علينا القُرآنُ، فقرأناه، وعَلِمْنا فِيْمَ نَزَلَ، وأنّه يكون بَعْدَنَا أقوامٌ يقرؤون القُرآنَ لا يعرفون فِيمَ نزل؛ فيكون كلّ قوم فيه رأي، فإذا كان لقومٍ فيه رأيٌ اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. فَزَبَرَهُ عُمَرُ ﵁ وَانْتَهَرَهُ (٣)،
стр. 226
فَانْصَرَفَ ابن عبَّاسٍ، ثمَّ دعاه بعد، فَعَرَفَ الَّذي قال، ثم قال: إيه أَعِدْ" (١).
واعلم مَنْ قدَّم رأيه على ما جاءه مِن الهدى، فإنّما يتَّبع الهوى، ولا يتَّبع الوحي، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النّجم].
واتّباع الهوى ضلال، فقد شَهِدَ الله تعالى لِمَنْ طلب الهداية بغير الكتاب والسُّنَّة واتَّبع هواه بالضَّلال، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية].
وأنَّ مَنْ لا يجيب الرَّسول ﷺ فإنّما يجيب هواه، وأنَّ ذلك غاية الضَّلال والظُّلم والخسران: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (٥٠)﴾ [القصص].
ومن الأسباب: رفع العلم وانتشار الجهل. فلا شكَّ أنَّ مَنْ قلَّ علمه قلَّ إِعذاره للنَّاس، ومَنْ كَثُرَ جَهْلُه كَثُر لغَطُه، ومَنْ كَثُرَ لغَطُه كثُر غَلَطُه، ولذلك ذمَّ الله تعالى الجهل وأهله في غير موضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرّوم].
وشبَّه الله تعالى الجهَّال بالأنعام (الإِبل والبقر والغنم) ولم يقتصر، بَل
стр. 227
وجعلهم أضلَّ سبيلاً من الأنعام، فقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان].
قلت: ولو نظرت إلى الأنعام لوجدت فيها من الوداعة والودِّ والدّفء والمنافع والجمال مَا لا تجده عند كثير مِن الجهَّال، الّذين امتلأت قلوبهم غيظاً وحسداً وحقداً، وهذا بلاء لا يرفع إلَّا بالهداية والعلم.
كما أخبر الله تعالى أنَّ شرَّ الدَّواب عنده الجهَّال، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال]. وأخبر أنَّ كثيراً مِن الإنس والجنِّ يدخلون جهنَّم بسبب جهلهم وغفلتهم وإعراضهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف]. وخاطب الله تعالى نبيَّه ﷺ مُعَرِّضاً بالجاهلين، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام] والخطاب وإنْ كان للنَّبيِّ ﷺ عينه، إلَّا أنَّ المراد به غيره؛ فالله تعالى قد أعاذه، وحاشا للنَّبيِّ ﷺ أن يكون منهم. ووعظ الله تعالى نوحاً ﵇، فقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود]، وقَال موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة].
وأمر الله تعالى نبيَّه ﷺ بالإعراض عن الجاهلين، فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف]. وامتدح عباده بالإعراض
стр. 228
عن الجاهلين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص]، وقَال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان].
وكفى ذمّاً بالجهل وتقبيحه أنَّ كلب الصَّيد الجاهل لا يحلُّ أكل صيده، فقد اشترط الفقهاء لحلِّ الصَّيد أن يكون الكَلْبُ مُعَلَّماً لا جاهلاً، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (٤)﴾ [المائدة].
وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ مِن أَشراط السَّاعة أن يرفع العلم (العلم بالكتاب والسُّنَّة)، ويثبت الجهل، ويكثر القتل، قال النَّبيُّ ﷺ "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّاماً يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالْهَرْجُ القَتْلُ" (١).
وقال النَّبيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لا يَدْرِي القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا المَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قال:
الْهَرْجُ، القَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ" (٢) والبحث في هذا يتَّسع.
وخلاصة القول الجهَّال أموات غير أحياء، لا يهتدون بنصح، ولا ينتفعون بذكرى، ولم يكن على الأنبياء والرُّسل أثقل منهم، فهم أعداء الحقّ، وأعداء أنفسهم، وقد أحسن القائل:
стр. 229
لنْ يَسْمَعَ الأحمقُ مِنْ واعِظٍ ... في رَفْعِهِ الصَّوتَ وفي هَمْسِهِ
لن تَبْلغَ الأعداءُ مِن جَاهِلٍ ... مَا يبلغ الجاهِلُ مِنْ نفسِهِ
وشرّ الجهّال لا ينقضي أبد الآباد، والبليّة لا يخلو زمان منهم، وإذا حدثت الفتنة وكانوا فيها، فإنَّ أعقل العقلاء من العلماء الأجلاء لا يستطيع تسكينها.
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ، أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا " (١).
المنجى من الفتن والمخرج من المحن
أرشدنا الله تعالى في كتابه إلى ما يعصمنا من الفتن، وأوَّل العواصم الاعتصام بالله وبكتابه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النِّساء]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحجّ].
والاعتصام بالكتاب يحتاج إلى أنْ نتدبَّر آيَ القرآنِ، ففيه نبأ ما كان قبلنا وحكم ما بيننا، وأن نَنْظُرَ سُنَّةَ النَّبيِّ ﷺ وما فيهما من بيان، فما عَلِمْناه نعمل به، وما جهلناه نردُّه إلى العلماء الموثوق بدينهم، فليس بعد الإيمان أحسن من الفهم عن الله ورسوله، ولذلك قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النّحل].
стр. 230
والاحتكام إلى الكتاب والسّنّة يحمي المجتمع عند الاختلاف، فهو يحكم الأهواء ويجمع الكلمة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (١٠)﴾ [الشّورى]، وقَال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٥٩)﴾ [النّساء] والرَّدُّ إلى الله تعالى ردٌّ إلى كتابه، والرَّدُّ إلى الرّسول ﷺ هو سؤاله في حياته، والنَّظر في سنَّته بعد وفاته.
والرّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة ليس نافلة، وإنَّما هو حدُّ الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النّساء]. وقد أخبر الله تعالى أنَّه ليس وراء حكمه إلَّا حكم الجاهليّة، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة].
واعلم أنَّ الأمور الَّتي تختلف فيها الأمَّة إذا لم تردَّ إلى الله والرَّسول لا يعرف فيها الحقُّ، ولا يتبيّن فيها السَّبيل، ورحم الله تعالى الإمام مَالِك حَيْثُ يقول: "لَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا".
ومن أهمّ أسباب النّجاة من الفتن: لزوم العلماء ورثة الأنبياء، فهم في النّوازل أئمَّة الهدى، وعند الاختلاف مصابيح الدُّجى؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٨٣)﴾ [النِّساء].
فاسمع واعقل عن العلماء الحُلماء، فتنجو حين لا ينجيك إنسان، ولا تكن
стр. 231
مع هؤلاء الّذين فارقوا العقل وعارضوا النَّقل، وقال الله تعالى حاكياً عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك]، ولذلك نفى الله تعالى عن قوم عَاد الأسماع والأبصار والعقول لمَّا لم ينتفعوا بهَا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ (٢٦)﴾ [الأحقاف].
ومن أسباب النَّجاة: الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة]. فالصَّبر يحمل على كظم الغيظ، والعفو عن النَّاس، والإحسان إليهم، والصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وما اسْتُدْفِع شرٌّ، ولا استُجْلِبَ خيْر، بمثل الصَّبْر والصَّلاة؛ فالصَّلاة صِلة بالله تعالى، والصَّابرون وجبت لهم معيَّة الله تعالى، فظفروا بها بخير الدّنيا وخير الآخرة، وفي التّنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ (٢٠)﴾ [الفرقان]. ولا يخفى خروج الاستفهام إلى معنى الأمر، أي اصبروا.
ومن أسباب النَّجاة: الدّعاء والاستغفار والتّوبة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا (٤٣)﴾ [الأنعام].
فهذا نبيّ الله يونس ﵇ لمَّا التقمه الحوت، ووقع في محنة يا لها مَا أَضَرَّها، دعا الله تعالى بدعاء فكفاه بأسها ووقاه شرَّها، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ
стр. 232
مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء]. وحتّى لا يتوهَّم متوهِّم أنَّ هذا الدُّعاء خاصّ بنبيِّ الله يونس ﵇، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء].
وهذا نبيّ الله تعالى أيّوب ﵇ يدعو الله فيكشف الله تعالى ما به من ضرّ، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ (٨٤)﴾ [الأنبياء].
ومِن أسباب النَّجاة: التَّعوّذ من الفتن. فقد أرشد النَّبيُّ ﷺ أمَّته إلى ما يعصمهم من الفتن، قال ﷺ : "تَعَوَّذُوا بالله مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" (١). ولذلك كان عمر ﵁، يقول: " رَضِينَا بالله رَبّاً، وَبِالإِسلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، نَعُوذُ بالله مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ" (٢). وكان عمَّار ﵁ يقول: "أعوذُ بالله من الفتن" (٣).
والتّعوّذ من الفتن مشروع ومطلوب ولو تيقَّن المرء أنَّه على الحقِّ المبين؛ لأنَّ الفتن قد تفضي إلى أمور يتبرّأ منها.
أمَّا حديث "اسْأَلوا الله الفتنةَ؛ فإنَّ فيها حصادَ المنافقين" فلا يصحّ، فقد أخرجه أبو نعيم وفي سنده ضعيف ومجهول من حديث عليّ ﵁ بلفظ: "لا
стр. 233
تكرهوا الفِتْنَةَ في آخر الزمان؛ فإنَّها تبير (تهلك) المنافقين " (١).
ومن أسباب النَّجاة: إخلاص العمل لله تعالى، والنُّصح لمن ولَّاه الله تعالى
أمرنا، ولزوم جماعة المسلمين، فهذه خِصَال ثلاث تنفي الغلَّ عن قَلْبِ المسلم، قال النَّبيُّ ﷺ : "ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ أَبَداً: إِخْلَاصُ العَمَلِ لله، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ" (٢).
أي أنَّ لزوم جماعة المسلمين سبب في أن تشمله دعوة الإسلام وتكنفه، وتحيط به إحاطة السُّور، فالجماعة رحمة كما قال النَّبيُّ ﷺ : "وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالفُرْقَةُ عَذَابٌ " (٣). وقال النَّبيُّ ﷺ :"الدِّينُ النَّصِيحَةُ (٤)، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ المسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم" (٥).
ومن أسباب النَّجاة: أن نتعاون على البرِّ والتَّقوى، وألّا نتعاون على الإثم
والعدوان؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
стр. 234
وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾ [المائدة].
ولذلك ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إِلَى حُرْمَةِ بَيْعِ السِّلاح زمن الفتنة للبغاة وأهل
الفتنة، لما في ذلك من تعاون على الإثم والعدوان، ومفاسد لازمة ومتعديّة، ومجرّدة ومزيدة، جَرْياً على قاعدة الأمور بمقاصدها، والحكم للغالب، ودَرْء المفاسد مُقدَّم
على جلب المصالح، لاسيَّما إذا كانت المصالح خاصَّة والمفاسد عامَّة مطلقة.
فالمسلم عليه أن يكون مع الخيار لا مع الشِّرار الَّذين لا يُرجى خيرهم ولا يُؤْمَنُ شرُّهم، قَالَ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَخِيَارُكُمْ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ الله تَعَالَى. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَشِرَارُكُمْ المُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، المشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، البَاغُونَ، البُرَآءَ العَنَتَ" (١).
وهذا عثمان ﵁ لمَّا نزل به ما نزل، دخل عليه عُبَيْدُ الله بْن عَدِيّ، وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: "إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ؟! فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا، فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ " (٢).
وفي هذا الأثر التَّحذير من الفتنة، والحضُّ على شهود الجماعة خاصّة في زمن الفتن؛ حرصاً على جمع الكلمة ووحدة الصَّف، فصلاة الجماعة ضاعف الله تعالى أجرها لأنّها من مظاهر وحدة المسلمين. وقول عثمان ﵁ سنَّة متَّبعة ماضية؛ لحضِّ النَّبيِّ ﷺ على اتِّباع سنَّته، وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين من بعده.
стр. 235
فَتَمَثَّلْ أخلاقَ أبرّ النَّاس قلوباً وألينهم جانباً، وتعلَّم كيف تُعامِلُ غيرك، وكيف تسعى في ركاب الحقِّ دَهْرَك، واجعل قول عثمان ﵁ شعاراً لك: "فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا، فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ ". وكن مرحوماً لا محروماً، وأوسع النَّاس حلماً إذا أوسعوك جهلاً، لله درُّك يا عثمان مَا أحْلمك! وصدق القائل:
والنَّاسُ صِنْفَانِ: مَوْتَى في حياتِهم وآخرون بِبَطْنِ الأرض أحَياءُ
ومن أسباب النَّجاة: القولُ الحسن، فالقول الحسن يَسُدُّ مداخِلَ الشَّيطان
ويبطل مكائده، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء].
فالمسلم ينتقي أطيب الكلام وأحسنه، ويتخيّر أجمل الألفاظ الّتي تصفي له ودّ أخيه؛ حتَّى لا يدع للشَّيطان سبيلاً، ولذلك أثنى الله تعالى على المؤمنين، فقال: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ [الحجّ].
وقد ثبَّت الله تعالى الصَّحابة ﵃ على القول الطَّيِّب حتَّى في الخصومة مع أعدائهم، فقد تعلَّموا في مدرسة النَّبيِّ ﷺ ، فيوم بدر، لمَّا أخذ أبو سفيان يَرْتَجِزُ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: الله مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ" (١).
وانظر ما علَّق الله تعالى على التَّقوى والقول السَّديد مِنْ صَلاحِ العمل
стр. 236
وغفرانِ الذّنوب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (٧١)﴾ [الأحزاب].
ومن أسباب النَّجاة: الفرار إلى الله، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (٥٠)﴾
[الذّاريات] فالسّعيد مَنْ فَرَّ إلى الله تعالى، والشَّقي مَنْ فَرَّ مِن الله إلى سواه.
ومَنْ يعصمنا مِنْ أَمْر الله إن أراد بنا ضَرّاً أو نفعاً، وأين المفرّ مِن حكمه
وقدره ولا ملجأ منه إلّا إليه: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾ [الأحزاب]، ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا (١١)﴾ [الفتح].
ومن أسباب النَّجاة: الفرار من الفتن، فهذا نبيّ الله تعالى يوسف ﵇ لمّا دعته امرأة العزيز فَرَّ مِن هذه الفتنة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ (٢٥)﴾ [يوسف].
والفِرَارُ مِن الفِتَنِ مِن الدِّينِ، فقد عقد البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه باباً، قال: (مِن الدِّينِ الفِرَارُ مِن الفِتَنِ) وذكر فيه حديثاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ" (١).
ولمّا استشهد الخليفة عثمان ﵁، نزل الصَّحابيُّ الجليل سلمة بن الأكوع ﵁
стр. 237
البادية فِراراً بدينه مِنَ الفتن؛ لما ورد من الإذن في اعتزالها، أخرج البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ (١)؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ " (٢).
قلت: ولو أنَّ كلَّ إنسان فَرَّ مِنَ الفتن، أو لزم بيته، مَا كانت فتنة، فإذا وجدت النَّاس مختلفين، ورأيتهم يتقاذفون بأرواحهم نحو الفتن ولا جماعة لهم ولا إمام، فاعتزلهم، والزم بيتك حتَّى تنجلي الفتنة، ويطلع قمرُها، فتمشي مبصراً، فذلك أسلم لدينك ودنياك، أخرج أحمد عن عَبْد الله بْن عَمْرو، قَالَ:
" بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ ذَكَرُوا الْفِتْنَةَ ـ أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ ـ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا ـ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ـ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي الله فِدَاكَ؟! قَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ (٣)، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَامَّةِ " (٤).
اللّهمّ إنّي أعوذ بك مِنْ سوء الفتن والبلابل والمحن، " وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ" (٥).
стр. 238
ومن أسباب النَّجاة: تقوى الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطّلاق]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطّلاق]، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا (٢٩)﴾ [الأنفال]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (٢٨)﴾ [الحديد].
ومن تقوى القلوب التَّثبت من الأخبار والتَّحقُّق مِنَ الآثار، وقد سبقت أدلَّته، فأغنى عن إعادته. فإذا ثار الشَّر بين النَّاس، ورأيت النَّاس يتهافتون عليه، ويقعون في الهلكة، فلا تكن إمَّعة تميل حيث الرّيح تميل، وكن ورعاً تقيّاً منَّاعاً للشَّرِّ، داعياً إلى الخير، فرَّاجاً للعسر، جلّاباً لليسر، ليِّن العريكة مع أهل الإيمان.
ومن أسباب النّجاة: التّوكّل على الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطّلاق]، فانظر كيف جعل الله تعالى جزاء التَّوكُّل عليه واللّجوء إليه بأن يكون الله حسبه وكافيه، وكفى بالله حسيباً! لكن لكلِّ شيء وقت لا يتعدَّاه، فلا تستبطئ فرج الله.
ولو عَلِمَ النَّاسُ منزلة التَّوكُّل على الله تعالى ما توكَّل عبد على سواه، فطوبى لعبد سمع ووعى وتوكَّل في كلٍّ على المولى.
والقرآن الكريم مشحون بالآيات الّتي تدعو إلى التّوكّل على الله تعالى في المُلِمَّات والمُهِمَّاتِ والبلاء واللَّأْوَاءِ، قال تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران]، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾
стр. 239
[النّمل]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ [النّساء]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ [الفرقان].
وأثنى الله تعالى على الصّحابة ﵃، فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ [النَحل]، وامتدح المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال]. وقد أحسن القائل:
الله حَسْبُكَ ممَّا عُذْتَ مِنْهُ بِهِ وَأَيْنَ أَمْنَع ممَّن حَسْبُه اللهُ
ومن أسباب النَّجاة: الثّقة بالله . قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ [النَّجم].وقد علَّمنا النَّبيُّ ﷺ درساً في حُسْنِ الظَّنِّ بالله تعالى لمَّا قال لصاحبه أبي بكر ﵁: "مَا ظَنُّكَ يَا أَبا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا" (١) أي بالنّصرة والتأييد.
ولمَّا قال أبو بكر ﵁ يا رسول الله أُتِينا، قال ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (٤٠)﴾ [التّوبة]. ولمّا قال أصحاب موسى ﵇ إنّا لمدركون، قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشّعراء].
ومن أسباب النَّجاة: العودة إلى صادق الأخوَّة الإيمانيَّة، ومن لوازمها أن يوالي بعضنا بعضاً، فإذا رأيت أخوَّة بلا إيمان فاعلم أنَّها مصلحة، وإذا رأيت إيماناً
стр. 240
بلا أخوَّة فاعلم أنَّه إيمانٌ ناقص.
ومن لوازمها ألّا يشوبها شيء من الحقد والضّغن والكراهية والتَّحاسد والتَّدابر لأتفه الأسباب وأهونها، فما أقبح القلب العليل، والفكر الكليل! وما أجمل سلامة الصَّدر، والودَّ القويم! وكفى ناهياً وواعظاً قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشّعراء].
وقد جمع الصَّحابة ﵃ بين الصُّحبة والأخوَّة، ولم يَبْقَ لنا إلَّا الأخوَّة،
فلنكن إخواناً، وأيّ خير فيمن لا أخوَّة له؟! قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (١٠)﴾ [الحجرات]، وقال ﷺ : "وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا" (١).
واعلم أنَّ عباد الله متى كانوا إخواناً، جمع الله تعالى بينهم، وألَّف بين قلوبهم، ومتى لم يكونوا كذلك، فرَّق الشّيطان شملهم، وألقى العداوة بينهم.
من معالم الهدى في الفتن
من معالم الهدى في الفتن اجتنابها والابتعاد عنها، فقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن السَّعي في الفتن، فقال ﷺ : "إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهاً (٢) " (٣).
стр. 241
ويلاحظ التوكيد اللَّفظي، وفائدته تقرير المؤكَّد وتمكينه في النَّفس مبالغة في تأكيد الابتعاد عن الفتنة. وحريّ بمن ابتُلي بها أن يصبر على الأذى، فإن صبر فطوبى له، فليس أطيب حينها مِنْ الصَّبر وسعة الصَّدر!
ويلاحظ في الفتن انشغال النَّاس بها، وترك العبادة، فمن معالم الهدى حينئذ الانقطاع إلى عبادة الله، ولذلك قال ﷺ : "العِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ " (١).
وسبب فضل العبادة في الهرج وكثرة الثَّواب أنَّ أكثر النَّاس ينشغلون عنها
ويغفلون ويذهلون. فمن فرَّ بدينه واعتصم بالله تعالى، ولزم أمراً قد أغفله النَّاس،
فأجره كأجر المهاجر إلى النَّبيِّ ﷺ ، وفيه فضيلة ظاهرة للمهاجرين، وما فازوا به مِن الأجر العظيم.
وقد جاء فضل الهجرة صريحاً في الكتاب والسُّنَّة، فمّما جاء في التَّنزيل، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النّساء]. وممَّا جاء في السُّنَّة ما أخرجه مسلم عن ابْنِ شَمَاسَةَ المَهْرِيِّ من حديث عمرو بن العاص ﵁ عندما جاء يبايع النَّبيَّ ﷺ وأراد أن يشترط أن يُغْفَرَ له، فقال له النَّبيُّ ﷺ :
" أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا،
стр. 242
وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" (١). فهذه الأعمال الثلاثة تُسْقِطُ الذُّنوبَ الَّتي تقدَّمَتْهَا وتجبُّها كلَّها.
ومن معالم الهدى أن يجتنب المسلم العجلة والخفَّة والإسراع إلى الفتن، ويَلْزَم التُّؤَدَة والتَّأني والرِّفق والسَّكينة والأَناة، فالعجول زاده الخطأ، فَقَلَّ مَنْ عَجِلَ في أمر إلَّا أخطأ قصد السَّبيل.
أخرج البخاري في الأدب المفرد وصيَّة للخليفة عليّ ﵁ بإسناد صحيح
عن حكيم، قَال سمعت عَليّاً ﵁، يقول: "لا تَكُونُوا عُجُلاً (٢)، مَذاييعَ (٣) بُذُرَاً (٤)، فَإنَّ مِن وَرائِكُم بَلاءً مُبْرَحَاً مُكلحاً (٥)، وأموراً متماحِلةً رُدُحاً" (٦).
بدأ عليّ ﵁ وصيَّته بالنَّهي عن العجلة في ملابسة الفتن، لأنَّ الفتنة مَنْ تشوَّف وتطلَّع إليها تدعوه إلى الوقوع فيها، وتصيبه بشرورها، قال ﷺ : "سَتَكُونُ فِتَنٌ: القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الماشِي، وَالماشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ" (٧).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنها ستكونُ هَنَات وأمور مشبهات،
стр. 243
فعليك بالتُّؤَدَةِ؛ فتكون تابعاً في الخير، خير من أن تكونَ رأساً في الشَّرِّ" (١).
ومن معالم الهدى والعصمة أن يمسك المرء لسانه سيَّما في زمن الفتن؛ فالفتنة مَبْدَاها باللِّسان، ووقع اللِّسانِ فيها أشدُّ مِنَ السِّنان، وقد سَأَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ النَّبيَّ ﷺ ، وقال له يا رسُولَ الله، ما النَّجاةُ؟ قال: "أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ" (٢).
وعن عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁، قال: "والله الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ" (٣).
ومن معالم الهدى معرفة سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين خوفاً من الوقوع في سبيلهم، وقد فصَّل الله تعالى في كتابه السَّبيلين؛ ليستبين العبد الخير مِنَ الشَّرِّ، والضَّلال من الهدى، والمعروف من المنكر، والسُّنَّة من البدعة، والحلال مِن الحرام، والجاهلية من الإسلام، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى (١١٥)﴾ [النّساء].
وليس لأحد حجَّة، فقد هدى الله الإنسان النَّجدين، وبيَّن له سبيل الخير والشَّرِّ، وطريق السَّعادة والشَّقاء في الدَّارين، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾
فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وَقَالَ الثَّالِثُ: أَلْزَمُ مَكَانِي حَتَّى أُصْبِحَ فآخُذ الطَّرِيقَ فَأَصْبَحَ فَأَخَذَ الطَّرِيقَ.
من شهد الفتنة كارها ومن غاب عنها فرضيها
بكراهية القلب للمنكر تَبْرَأُ ذِمَّة العبد إن لم يستطع الإنكار بيده ولسانه، قال النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا، كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا " (١).
الله الله في الدّماء !
كرَّم الله تعالى بني آدم، فقال الله أكبر: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (٧٠)﴾ [الإسراء] وزاده تكريماً بتقواه، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (١٣)﴾ [الحجرات].
ولذلك عظَّم الله تعالى قَتْلَ المؤمن، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النّساء]. وقال ﷺ : " لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" (٢).
стр. 246
فمِنْ وَرَطَاتِ الأمورِ الَّتي يصعب المخرج منها أن تصيب دماً حراماً بِغَيْر حِلِّه، ولذلك قال ﷺ : "لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً" (١).
فاللهَ اللهَ في الدِّماء، فإنَّها أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ لعظم أمرها، وشناعة شرِّها، قال ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ" (٢). ومَن امتُحِنَ بِإِهْرَاقِ مِلْءِ مِحْجَمٍ مِنْ دَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فسيعرف شناعة ذلك ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق].
فليحذر مَنْ يقترف بجهله إثماً مبيناً وظلماً عظيماً، ويذهل عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً (٩٢)﴾ [النّساء]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (٣٢)﴾ [المائدة].
أفلح من كفّ يده
أفلح وَرَبِّ الكَعْبَةِ مَنْ كَفَّ فكَّيه وكفَّيه في الفتنة، روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: " وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ أَمْرٍ قَدْ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ " (٣) أي في الفتنة.
стр. 247
الخاتمة
مِنْ أَحَبِّ الخُطَى إلى الله تعالى خُطَى تَسْعَى في رَأْبِ الصَّدع، وإصلاح ذات البين، ولمّ الشَّعث، وجمع الشَّمل.
إنَّ الإصلاح مِن عمل المرسلين، قال شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود]، ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف]، وعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ،
فَأُخْبِرَ رَسُولُ الله ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ" (١).
ولا يتصدَّر لإصلاح الحال والمآل إلَّا الَّذين وفَّقهم الله تعالى وَصَفَتْ قلوبُهم. والآيات الكريمة والأحاديث الشَّريفة تدلّ على أنَّ الإصلاح أحبّ إلى الله تعالى ورسوله من الخلاف، وفي مدح النَّبيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ ما يشهد لذلك،
قال ﷺ : "إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٢).
وإذا ذُكِر الإصلاحُ ذُكِرت عائشة ﵂ زوج سيِّد المصلحين وإِمَام المرسلين ﷺ ، فهي تعلم أنَّ الله تعالى نَدَبَ إلى الإصلاح بين النَّاس، وقال: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ (٢٢٤)﴾ [البقرة]، وبيّن ثوابه، فقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ
стр. 248
أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء]. وانظر كيف قَرَنَ الله بين التَّقوى والإصلاح، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ [الأعراف]، وقَرَنَ بين الإيمان والإصلاح، فقال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ [الأنعام] فلا يقوم به إلّا مؤمن تقيّ.
وما زال هناك مَنْ يكذِّب المصلح، ويصدِّق المفسد، وقد قَال النَّبيُّ ﷺ :
" لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً " (١).
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران].
اللهُمَّ اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيَّامنا يوم لقائك، اللهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ.
اللَّهمَّ احشرْنا مع زمْرة نبيِّنا وتحت لواء حبيبنا ﷺ ، واجعل عملنا هذا ذخيرة نجدها: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا (٣٠)﴾ [آل عمران]، وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].
* * *
стр. 249
المصادر والمراجع
١ ـ آداب الزّفاف: محمّد ناصر الدّين الألباني. دار عمر بن الخطّاب، ط ٣.
٢ ـ أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء: ماهر ياسين. دار عمّار، عمّان، ط ٢، ١٤٣٠ هـ.
٣ ـ أحكام القرآن: ابن العربي، تحقيق علي البجاوي. دار إحياء الكتب العربيّة، ١٣٧٧ هـ.
٤ ـ إحياء علوم الدّين: أبو حامد، محمّد الغزالي. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط ١،١٤٠٦ هـ.
٥ ـ أخوّة الإسلام فوق مستوى الخلافات: محمّد الحكمي. مكتبة الإرشاد، اليمن، ومكتبة جدة، السعودية، ط ١، ١٤١٠ هـ ـ ١٩٨٩ م.
٦ ـ إرواء الغليل: الألباني. المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٥ هـ ـ ١٩٨٥ م.
٧ ـ أسباب النّزول: النّيسابوري. دار الفكر، بيروت ـ لبنان، ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٤ م.
٨ ـ استشهاد عثمان ووقعة الجمل: د. خالد الغيث. دار الإيمان، إسكندريّة، ط ٢.
٩ ـ أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، تحقيق د. محمّد الاسكندراني. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤١٧ هـ ـ ١٩٩٦ م.
١٠ ـ أصحاب الرّسول ﷺ : محمود المصري. مكتبة الصّفا، القاهرة، ط ١، ١٤٢٦ هـ.
١١ ـ إغاثة اللّهفان من مصائد الشّيطان: ابن قيم الجوزيّة، تحقيق محمّد الفقي. دارالمعرفة، بيروت، ط ٢، ١٣٩٥ هـ ـ ١٩٧٥ م.
١٢ ـ اقتضاء الصّراط المستقيم: ابن تيمية. دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٤ هـ ـ ٢٠٠٤ م.
١٣ ـ الإتقان في علوم القرآن: السّيوطي. دار الكتب العلميّة بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.
١٤ ـ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصّحابة: بدر الدّين الزّركشي، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٥ هـ ـ ٢٠٠٤ م.
١٥ ـ الأدب المفرد: البخاري، تحقيق علي عبد الباسط. مكتبة الخانجي، القاهرة، ط ١، ١٤٢٣ هـ.
стр. 250
١٦ ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البر، تحقيق علي البجاوى، مكتبة نهضة مصر.
١٧ ـ الإصابة في تمييز الصّحابة: ابن حجر العسقلاني. دار الكتب العلميّة، بيروت.
١٨ ـ الإعراب المفصّل لكتاب الله المرتّل: بهجت عبد الواحد. دار الكتب العلميّة، بيروت، ودار الفكر، عمّان، ط ٢، ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨ م.
١٩ ـ الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة: محمّد الجياني، تحقيق د. محمّد حسن. دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.
٢٠ ـالإمام عليّ رابع الخلفاء الرّاشدين: محمّد رضا، تحقيق د. أحمد عوض. المكتبة العصريّة، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠١ م.
٢١ ـ الأنصار في العصر الرّاشدي: د. حامد الخليفة. مكتبة الصّحابة، الشّارقة، ومكتبة التّابعين، القاهرة، ط ١، ١٤٢٤ هـ ـ ٢٠٠٣ م.
٢٢ ـ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: ابن كثير، شرح أحمد شاكر، تحقيق محمّدصبحي، مؤسّسة الرّسالة، ط ١، ١٤٢٩ هـ ـ ٢٠٠٨ م.
٢٣ ـ البحر المحيط: أبو حيَّان التّوحيديّ. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.
٢٤ ـ البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: ابن عجيبة الأندلسي، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط ٢، ١٤٢٣ هـ ـ ٢٠٠٢ م.
٢٥ ـ البداية والنّهاية: ابن كثير. مكتبة المعارف، بيروت، ط ٢، ١٣٩٤ هـ ـ ١٩٧٤ م.
٢٦ ـ البرهان في توجيه متشابه القرآن: محمود بن حمزة الكرماني، تحقيق عبد القادرأحمد عطا. دار الكتب العلميّة، لبنان، ط ١، ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م.
٢٧ ـ البعث والنشور: البيهقي، تحقيق عامر أحمد. مركز الخدمات والأبحاث الثقافيّة بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م.
٢٨ ـ البيان والتبيين: عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق فوزي عطوي. الشّركة اللّبنانيّة للكتاب، بيروت، ١٩٦٨ م.