أمَّا الشَّر الثَّاني، فقد صرَّحَ بِه ﷺ ، وهو ظهورُ دُعَاةٍ على أبواب جهنَّم، على
اعتبار ما يكون ويؤول إليه حالهم، وكان هذا بعد معاوية ﵁، ولعلَّهم الخوارج، وبعض أمراء الطَّوائف والفرق، وأئمَّة الجور، وعلماء السُّوء في ذلك الزَّمان.
وعلى هذا فكلُّ مَنْ دعا إلى ضلالة، أو دعا إلى غير سنَّة النَّبيِّ ﷺ والخلفاء الرّاشدين من بعده، أو هَدَى بغير هَدْي الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو من الدُّعاة على أبواب جهنَّم.
ويفهم من الحديث أنَّه إذا لم يكن للمسلمين جماعة تجمعهم ولا إمام يأمّهم، وكانوا فرقاً مختلفة متفرِّقة لا ريح فيها، فإنَّه يجب اعتزال هذه الفرق، وقد
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (١٠٣)﴾ [آل عمران].
ومن المعلوم أنَّ النُّصوص الشَّرعيَّة تأمر باتِّباع النَّبيِّ ﷺ ، والأخذ بسنَّتة وعدم مخالفتها لما جاء من الوعيد الشَّديد في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال] وتأمر باتّباع سبيل المؤمنين (الصَّحابةلا إله إلا الله)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النّساء].
واعلم أنَّ مَنْ لم يتَّبع سبيل المؤمنين اتَّبع غير سبيلهم، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النُّور].
واعلم أنَّه لا يقوم إيمانُ عَبْد يؤمن بالله إلَّا على شهادتين: شهادة التَّوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله، وشهادة الاتِّباع، وهي شهادة أنَّ محمَّداً رسول الله.
стр. 177
وكلُّ مُتَّبَعٍ بعده ﷺ فإنَّما اتِّباعه فرعٌ لاتِّباع النَّبيِّ ﷺ ، وخير متَّبِعٍ ومُتَّبَعٍ بعد النَّبيِّ ﷺ أصحابه ﵃، فاجهد في اتِّباع سبيلهم، واقتفاء أثرهم، وترسُّم خطاهم.
واعلم أنَّ هذه الفِرَق الّتي ضربت خيامها ومدَّت أطنابها في كلِّ مكان لم تكن في عهد النَّبِيِّ ﷺ على اختلاف أسمائها، فقد مات ﷺ والأمَّة جميع، كذلك عهد الشَّيخين ﵄، والله تعالى يقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (٧٨)﴾ [الحجّ].
فأخبر الله تعالى أنَّه سمَّى أصحابَ النَّبيِّ ﷺ المسلمين مِن قَبْل القرآن وفي القرآن؛ لِمَا سَبَقَ في علمه أنَّه سيتَّخذهم شهداء على النَّاس يوم القيامة، فهم ورثة
النَّبيِّ ﷺ في البلاغ وإقامة الحجج على النَّاس.
فإذا كان الله تعالى قد سمَّاهم المسلمين من قبل، وارتضى لهم هذا الاسم الجامع المانع، فلماذا نتسمَّى بكلِّ هذه الأسماء؟! فإن قيل: حتَّى نميز أهل الحقِّ. قلنا: حَنانَيْكَ، هذا مقصد نبيل، لكن حَسْبنا ما سمَّانا الله تعالى. فإن قيل: فكيف نُعْرَف؟ قلنا: نعرف بالمسلمين على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃؛ فمفهوم كلمة المسلمين أشمل جمعاً، وأجمع شملاً.
والله تعالى أمَر باتِّباع الصِّراط المستقيم، ولم يأمُرْ باتِّباع السُّبل والفرق، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (١٥٣)﴾ [الأنعام].
ولذلك نقرأ في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
стр. 178
عَلَيْهِمْ (٧)﴾ [الفاتحة] والَّذين أنعم الله تعالى عليهم وَرَدَ ذِكْرُهم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّساء].
أخرج أحمد عن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ خَطّاً، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ الله، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (١٥٣)﴾ [الأنعام] " (١). وقد حذَّر النَّبيُّ ﷺ من شرِّ أئمَّةِ الضَّلال، فقال ﷺ : "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ " (٢) أي الزَّائغين المميلين عن الحقِّ، فإيَّاك أن تغترَّ بهم.
هذا وقد قال الله تعالى في أئمَّة الضَّلال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص] وقال في أئمَّة الهدى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء] فحريّ بنا أن نفرِّق بينهم.
فالنَّجاة النَّجاة باتِّباع آثار الرَّسول ﷺ وسُنَنِه السَّنِيَّة، والانتباهَ الانتباهَ مِن اتِّباع السُّبُل، وحَذَارَيْكَ مِنْ أصحاب الرَّأي والهوى، الَّذين على قلوبهم أكنَّة عن فقه الكتاب والسُّنَّة، قَالَ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ،
стр. 179
وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا" (١).
وإنَّنا نجد ذلك واقعاً في زماننا، لكن مع وجود مقابله، فالمراد استحكام الجهل في علم الكتاب والسُّنَّة، ودُرُوس العِلْم، وذَهَابُ العلماء.
وهذا الحديث الشَّريف قاله النَّبيُّ ﷺ في حَجَّة الوَدَاع، وفيه ذمٌ للَّذين يُفْتُون برأيهم استكباراً وأنفة أن يقولوا لا نعلم، وذمُّ مَنْ يبادر ويسارع إلى الفتوى بغير علم، وفيه الحثُّ على طلب علم الكتاب والسُّنَّة وأخذه عن أهله، وفيه بيان فضل العلماء، وأنَّ ذهابهم نذيرُ شرٍّ، وفيه النَّهي عن اتّخاذ الجُهَّال رؤوساً وأئمَّة.
وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ مِن أشراط السَّاعة رفع العلم، وكثرة الجهل، وذلك بقبض العلماء، وغلبة السُّفهاء، قال ﷺ :"إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ " (٢).
وأخرج البخاري عن مرداس مرفوعاً، قَال: قَالَ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللهُ بَالَةً" (٣).
أي في آخر الزَّمان يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا، وَيَفْنَى الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ
стр. 180
فَالْأَوَّلُ، ويبقى مَنْ لا خَيْرَ فيه، ممَّن لا يَعْرِفُ معروفاً ولا ينكر منكراً، لا يرفع الله تعالى لهم قَدْراً، ولا يقيم لهم وزناً، ولا يعبأ بهم.
فاتَّبع الهدى باقتفاء أثر النَّبيِّ ﷺ وأصحابه لا إله إلا الله، وانهض بحبِّ الصَّالحين؛ خشية أن تكون ممَّن لا يباليه الله تعالى بَالَةً، ولا يكترث به!
أعظم الكذب!
نهى الله تعالى عن الكذب وذمَّ أهله، فقال ﷻ : ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ [الذَّاريات]، وقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾ [الجاثية]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ (١٠٥)﴾ [النَّحل].
والكذب أنواع ومراتب ودرجات، أعظمها الكَذِبُ على الله تعالى، ثمَّ الكذب على رسوله ﷺ ، ثمَّ على سائر الخلق بَدْءاً بالوالدين.
ومِنَ الكذب العظيم على الله تعالى القول عليه سبحانه بغير علم، قَال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف].
فذكر الله تعالى في هذه الآية المحرَّمات، وجعلها أربع مراتب، وبدأ بالأدنى ثمَّ الأعلى فالأعلى، وجعل القول عليه بغير علمٍ في الدَّرجة العليا منها، وهي: الفواحش، والإثم والبغي، والشِّرك، ثمَّ الأعظم تحريماً، وهو القول عليه ـ سبحانه ـ بغير علم، ويعمّ القول في آياته، وأسمائه، وصفاته، وشرعه، وأحكامه.
стр. 181
كما عَدَّ القول عليه ـ سبحانه ـ بغير علم من اتِّباع خُطُواتِ الشَّيطان، وأنَّ الشَّيطان يأمر به، فقال ﷻ : ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة].
ولذلك نهى الله تعالى عن القول عليه بغير علم، فقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء]، فلا يحلُّ أن تقول سمعت ورأيت وعلمت، وأنت لم تسمع ولم ترَ ولم تعلم.
وقد جعل الله تعالى للكاذبين علامة يعرفون بها يوم القيامَة، قال : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ (٦٠)﴾ [الزّمر].
أمَّا الكذب على رسُولِ الله ﷺ فليس كَكَذِبٍ على أَحَد، فقد قَال ﷺ :
" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" (١).
وهذا الحديث متواتر لفظاً ومعنى، فقد جاء بهذا اللَّفظ عن بضعة وسبعين صحابياً، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وجاء بالمعنى عن مائتين من الصحابة كما نقله النَّووي في المقدِّمة. أجارنا الله تعالى من ضلالات الهوى، وفتن المضلِّين، وأكاذيب المتقوِّلين.
فكم هم الَّذين جمعوا بين الكذب على الله تعالى والكذب على رسوله ﷺ ، واختلقوا الأباطيل والأضاليل، ووضعوا الحكايات والأخبار، وولَّدوا الرِّوايات والآثار، وأذاعوها بعد تهذيبها وتشذيبها، وأورثوا ما ابتدعوا، فيا وَيْحَهم حملوا إثماً
стр. 182
وظلماً عظيماً! ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنعام].
واعلم أنَّ من يُحَدِّثُ عن رَسُولِ الله ﷺ بحديث يغلب على ظنِّه أنَّه كَذِبٌ، فهو كمتعمِّد الكذب عليه ﷺ ، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ" (١).
فإيَّاك إيَّاكَ أن تكون سمَّاعاً للكَذِبِ، أو راوياً أو خطيباً أو كاتباً أو ناقلاً أو محدِّثاً له. وامْسِك لسانك عمَّا لا يُحتاج إليه، وعمَّا لا علم لك به، وتثبَّت مِن الأخبار والآثار، وكُنْ كالرِّياح الَّتي تمرُّ على الطِّيب فتحمل طيباً.
وإيَّاك كلما صَاحَ في الجوِّ نَاعِب، أو نَاحَ شَاغِب أن تكون له تَبَعاً، فيضلّك
ويفتنك، فإيَّاك وإيَّاه، فَمَنْ كان الدَّنيء لَه دليلاً، فلا ريب أنَّه يسوقه إلى حَتْفِه، ويصيِّره على نمطه، ويخرطه في سَفَطِه، ولله القائل:
وَمَنْ يَكنِ الغرابُ له دليلاً ... يمرُّ بهِ على جِيَفِ الكِلابِ
فكم من "طبيب يداوي النَّاسَ وهو عليل" كما قال أبو العتاهية:
تَدُلُّ على التَّقوى وأنت مُقَصِّرٌ ... أيا مَنْ يُدَاوِي النَّاسَ وهو سَقِيمُ
إثم من دعا إلى ضلالة أو سنّ سنّة سيّئة
واحذر أن تدعو إلى ضَلالةٍ مِنْ حيث تعلم أو لا تعلم، فما مِنْ أَحَدٍ دَعَا إلى ضلالة أو غيّ أو بدعة، أو أحدث في الدِّين أمراً ليس مِنْه، إلَّا كان عليه مِثْلُ آثام تابعيه إلى يوم القيامة، سواء كان مبتدئاً لهذه الضَّلالة أو البدعة أو مسبوقاً إليها،
стр. 183
وسواء كانت هذه الضَّلالة علماً، أو عبادةً، أو اعتقاداً، أو خُلُقاً.
فلا تسنَّ شرّاً، فتحمل ذنوبك وذنوب مَنْ استنَّ بك إلى يوم القيامة، ولا ينقص ذلك من آثامهم ولا يخفف عمَّن أطاعهم شيئاً، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النَّحل] وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت].
ويشهد لذلك قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" (١)، وقوله ﷺ : "وَمَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بها بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بها، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ " (٢). فَمِن النَّاس مَنْ يموت ولا يموت وزره!
واعلم أنَّ مَنْ دعا إلى غير سُنَّة النَّبيِّ ﷺ أو هدى بغير هديه فكأنَّما يبارز النَّبيَّ ﷺ بالعداوة، لأنَّه قطع عن النَّبيِّ ﷺ وصولَ ثَواب مَن استنَّ بسنَّته إليه، فاحذر أن تكون داعياً لضلالة، أو باعثاً لفتنة.
موعظة النّبيّ ﷺ الّتي ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ !
أخرج أحمد مِن حديث عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَمْرٍو، وَحُجْر بْن حُجْرٍ، قَالَا: " أَتَيْنَا العِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ
стр. 184
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ (٩٢)﴾ [التَّوبة] فَسَلَّمْنَا وَقُلْنَا: أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ، وَعَائِدِينَ، وَمُقْتَبِسِينَ. فَقَالَ عِرْبَاضٌ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟!
فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِياً، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي، فَسَيَرَى اخْتِلَافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بها، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " (١).
هذه وصيَّة جامعة مانعة، أوصى فيها النَّبيُّ ﷺ بتقوى الله تعالى، وهي وصيَّة الله للأوَّلين والآخرين، وأوصى بالسَّمع والطَّاعة لولاة الأمر حرصاً على جمع الكلمة، وَذَمَّ الاختلاف وأهله، وحذَّر مِنْ سلوك سبيلهم، وأرشد إلى المخرج عند الاختلاف والتَّنازع، وهو لزوم سنَّته ﷺ وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين مِنْ بعده، وَقَرَنَ سنَّتَهم بسنَّتِهِ، وأشار ﷺ إلى أنَّ سنَّتهم ترجع إلى سنَّته وتنهل من معينها، فقد أفرد الضَّمير في قوله: "فَتَمَسَّكُوا بها"، وبالغ في الحضِّ على التَّمسُّك بها حتَّى أَمَرَ بالعضِّ عليها بالنَّواجذ، كناية عن شدَّة التَّمسُّك بها على فهم السَّلف، وحذَّر ﷺ من محدثات الأمور، ومضلَّات الهوى.
والحديث من أعلام النُّبوَّة؛ فقد أخبر ﷺ بما يقع بعده في أمَّته، ووقع الأمر
стр. 185
كما أخبر. ولذلك تجد أبعد النَّاس عن الاختلاف أهل الحديث والسُّنَّة؛ لما أقَاموا على هذا الأصل، وتجد أكثر النَّاس اختلافاً وفُرْقَةً أبعدهم عن الكتاب والسُّنَّة وآثار سلف هذه الأمَّة، ولا عجب؛ فمن رَدَّ الحقَّ تخبَّط في خَطْبٍ مَرِيج، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ [ق].
قلت: والعرباض بن سارية ﵁ الَّذي حدَّث بهذا الحديث هو أحد أَعْيَان أهل الصَّفَّة (١)،
وأحد البكّائين، الَّذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التَّوبة] ولو لم يكن له ﵁ مِنْ فَضْل إلَّا نزول هذه الآية لكانت أدلَّ دليل على عَظِيم فَضْلِهِ وفضل الصَّحابة الَّذين نزلت فيهم الآية.
فكيف يجرؤ أحد على أصحاب رسُولِ الله ﷺ بالقَدْح بعد أن نزلت فيهم الآياتُ بالتَّقريظ والمدح؟!
стр. 186
القسم السّابع
الاختلاف
فقه الخلاف في حياة الصّحابة ﵃ -
أكثر ما يوهِن العزم، ويضْعِف القوم، ويمكِّن مِن الرِّقاب الخصم، الخلافُ غير السائغ، لما يترتَّب عليه مِنْ أمور وشرور. ومع أنَّ الإسلام أدعى الأديان للوحدة، إلَّا أنَّ أهله الأشدُّ اختلافاً وتفرّقاً، كما قال القائِل:
بَحَثْتُ عَن الأَدْيَانِ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا وَجُبْتُ بِلادَ الله غَرْباً وَمَشْرِقَا
فَلَمْ أَرَ كَالإِسْلامِ أَدْعَى لأُلْفَةٍ ولا مِثْلَ أَهْلِيهِ أَشَدَّ تَفَرُّقَا
وما أوقع كثيراً مِنَ المسلمين بهذا الواقع الأليم إلّا جهلهم العظيم بفقه الكتاب والسُّنَّة، فقد نظرت في الدَّاء العَيَاء الّذي أوهن الأمَّة لأَصِفَ الدَّواء وأَحْسِمَ البلاء، فوجدت أكثر النَّاس يقدِّمون القول والعمل على العلم، وهذا يجعل بينهم عقبات وأيّ عقبات؛ فحيث كانت الأقوال والأفعال عن غير علم كان البلاء حاضراً.
ولا ريب أنَّ العلم قبل القول والعمل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (١٩)﴾ [محمّد] فبدأ بالعلم، فاعلم.
وإنَّك ترى انشغال أكثر النّاس بالأعمال المفضولة عن الفاضلة، وبالأقوال المرجوحة عن الرّاجحة، وبالفضائل عن المسائل، وبالجدل عن مغيّبات العِلَل، ومدار ذلك على ملابسة القول والعمل قبل العلم، وهذا من جهل فقه الأولويّات.
ولذلك تجد كثيراً مِنَ النَّاس لا يدري كيف يختار خير الخيرين، ولا كيف
стр. 187
يدفع شرّ الشَّرَّين، ولا يميز بين الفرض والنّدب، والأصل والفرع، ولا يدري الآثار الموقوفة من المرفوعة، ولا يفرّق بين الغثِّ والسَّمين واليسار واليمين.
ولا يمكن للمسلم أن يتخطَّى مجاهل هذه المسائل إلَّا بفقه أحكام الشّريعة العمليَّة من أَدلَّتها التَّفصيليَّة المتلقَّاة عن خير البريَّة ﷺ ، كالواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل أي أن يتفقَّه في الدِّين.
والفقه أنواع: فقه الكتاب، وفقه السُّنَّة، وفقه مراتب الأعمال وتفاضلها، والفقه المذهبي، وفقه اللغة، وفقه السُّنن الكونيّة، وفقه الواقع، وفقه الخلاف.
ورأس هذه الأنواع وذروة سنامها فقه الكتاب والسُّنَّة؛ لأنّ الفقه في كثير من المسائل يكون واجباً عينيّاً، أمّا الأنواع الأخرى فمعرفتها واجب كفائيّ.
وقد بيّن النَّبيُّ ﷺ فَضْلَ التَّفَقُّهِ وأمر بِهِ وحثَّ عَلَيْهِ ورغَّب فِيهِ، فقال ﷺ : "مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (١)، وقال ﷺ : "فَخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقهُوا" (٢).
وإلى ذلك دعا الله تعالى أصحابَ النَّبيِّ ﷺ ، فقال ﷻ : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التّوبة].
وضَرَرُ الجهل بمسائل الفقه أشدُّ مِن ضَرَرِ الجهل بغيرها، ويزاد فيه إذا لم يرجع إلى أهل العلم، وقصَّة صاحب الشَّجَّة معلومَة، روى أحمد عن ابْن عَبَّاسٍ
стр. 188
يُخْبِرُ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلامٌ، فَأُمِرَ بِالاغْتِسَالِ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُم اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ" (١). فجعل الجهل مَرَضاً وشفاءَه سؤال أهل الذِّكر.
وأنواع الفقه الأخرى لا تقلُّ أهميَّة عن فقه الكتاب والسُّنَّة، ومن ضروريَّاتها فقه الخلاف؛ نظراً لحاجة الأمّة إليه خاصّة في هذا الزَّمان.
ومَنْ نظر في حياة الصَّحابة أعلام الدِّين وقدوة المتأخِّرين بعد الصَّادق الأمين ﷺ ، وجد أنَّه وَقَعَ بينهم خلاف في مسائِل الاجتهاد، إلّا أنَّ أحداً منهم لم يشنِّع على الآخر، وإنَّما كانوا الأكثر إعذاراً وقبولاً للحقِّ، وآية ذلك استدراك عائشة على الصَّحابة ﵃، وإقرارهم لها في مسائل ومخالفتهم لها في مسائل أخرى.
وَثَمَّةَ اختلافات وقعت بين الصّحابة ﵃ في عهد النَّبيِّ ﷺ إلّا أنّها لم تفرِّق بينهم، منها ما حدث يَوْمَ الأحزاب لِمنْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، وَلِمنْ أَخَّرَهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قال ﷺ : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي؛ لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (٢).
فقد أَخَذَ بعضهم بظاهر كلامه ﷺ وأخَّر الصَّلاة حتَّى يأتي بني قريظة، وبعضهم فَهِمَ أنَّه ﷺ أراد منهم الجدّ والاجتهاد، فبادر إلى الصَّلاة في وقتها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النّساء].
стр. 189
ولم يُعَنِّفْ ﷺ وَاحِدًا مِنْهُمْ دلالة على أنَّ الاختلاف في الاجتهاد معتبر.
أدب الخلاف بين الصَّحابة ﵃ -
رغم ما وقع بين الصَّحابة ﵃ من خلاف في الأحكام إلَّا أنَّ ذلك لم يؤثِّر في سلامة قلوبهم، فهذا ابن عبَّاس ﵁ يختلف مع شيخه زيد بن ثابت ﵁ في مسألة: هل الجدّ يحجب الإخوة؟
وكان زيد بن ثابت ﵁ (كاتب الوحي وأحد الرَّاسخين في العلم) يرى توريث الإخوة مع الجدّ، أمَّا ابن عبَّاس ﵁ (حَبْر الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَان القُرآنِ) فقد جعل الجدّ يحجب الإخوة واستدلّ بالقياس، قال: "لِيَتَّقِ الله زَيْدٌ؛ أَيَجْعَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ؟! " (١).
فأنكر عليه أنَّه يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً، ومقتضى كلامه أنَّ ابن الابن طالما أنَّه يحجب الإخوة، فكذلك ينبغي للجدّ أن يحجب الإخوة.
ومع هذا صحَّ أنَّ زيد بن ثابت ذهب ليرْكَبَ، فأخذ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ: " تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّا هَكَذَا نَفْعَلُ بِكُبَرَائِنَا وَعُلَمَائِنَا" (٢).
فانظر كيف كان الصَّحابة ﵃ يجتهدون ويختلفون في مسائل عظيمة، ولا
стр. 190
تختلف قلوبهم ولا تضيق صدورهم! فما بال أقوام تختلف قلوبهم قبل أن يختلفوا، ويختلفون على ماذا؟! لا يختلفون على معالي الأمور، وإنَّما على سَفْسَفِها، ولا تتصافح قلوبهم مهما طال الزَّمان وكرَّ الجديدان، ولا يدرون أنَّ وراء هذه الدَّار داراً، قَال الله تعالى فيها: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر].
كره الصّحابة ﵃ للخلاف
ممَّا ورد في كراهة الصَّحابة ﵃ للخلاف ورجوعهم عنه حتَّى في مسائل الاجتهاد؛ حرصاً على وحدة الكلمة، ما أخرجه البخاريّ عن عَلِيٍّ ﵁، قال: "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ، أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي" (١).
هذا وقد ظلَّ الخلافُ بين الصَّحابة ﵃ لا يراد به غير الحقّ، حتَّى جاء مِن بعدهم خلف اشتغلوا بخلافهم لمآرب أخرى، ولم تنفعهم تبصرة ولا ذكرى.
فقه الخلاف في النّوازل
تسمحُ لنا النَّوازلُ في الاختلاف بشرط أَنْ تكونَ مِن المسائل الَّتي يَسُوغُ النَّظر فيها ويتَّسع الاجتهادُ معها، ولا يجوز أنْ تفتحَ هذه النَّوازلُ بَابَ الشِّقَاقِ والمنابَذَةِ بين المسلمين.
وفي صحيح البخاريّ قصَّةٌ تبيِّن فِقْه الخلاف في النَّوازل كيف كان أيَّام
стр. 191
الصَّحابة ﵃، فقد التقى ثلاثة مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ أحدهم كان يدعو للخليفة عليٍّ ﵁ وينصره، وهو عمَّار ﵁، والآخران كانا قد اعتزلا الفتن، وهما: أبو موسى الأشعريّ ﵁، وأبو مسعود البدريّ (عقبة بن عمرو الأنصاريّ)، وكان عليّ بن أبي طالب ﵁ قد أَرْسَلَ عمَّار بن ياسر إلى أَهْلِ الكوفة يَسْتَنْفِرُهُمْ للخروج معه إلى البصرة، وملاقاة أمِّهم أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، لتأْمِين عودتها إلى المدينة.
فلمَّا اجتمعا عَابا عليه إِسراعه في الوقوف مع عليّ ﵁ وملابسة الفتن، وعاب عليهما إِبْطَاءَهمَا واعتزالهما، ثمَّ قام أبو مسعود وكان موسِراً وأمر غلامه أن يأتي بحلَّتين، فأعطى إحداهما أبا موسى، والأخرى عمَّاراً!
فانظر إلى هذا الخلاف، انظر كيف يختلفون وَيَتَهَادُونَ! يختلفون في النَّوازل ومع هذا يتهادون، ويعرفون للأخوَّة حرمتها ومعناها، يختلفون ولا يورث الخلاف بينهم العداوة والبغضاء والفرقة.
وهذا هو واجب المسلمين اليوم عند الاختلاف، عليهم أن يتعلَّموا أدب الاختلاف، وفقه الاختلاف في النَّوازل، وكيف كان الاختلاف في الاجتهاد والانتصار للرّأي لا يؤثِّر في سلامة القلوب وائتلافها، ولا يشغلهم عن ما يجب عليهم شرعاً، مِنْ قَوْلِ الحقِّ والتَّواصي به والصَّبر عليه، وبذل النَّصيحة، وحسن الظَّنِّ، والرِّفق ولين الجناح، وعدم القطيعة والتَّنازع.
روى البخاري عن عمرو، قال: سمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ:"دَخَلَ أَبو مُوسَى وَأَبو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ، فَقَالَا: مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْراً أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِن إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ
стр. 192
مِنكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْراً أَكْرَهَ عِنْدِي مِن إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً، ثُمَّ رَاحُوا إِلَى المسْجِدِ" (١).
إنَّ فقه النَّوازل المعاصرة أحوج ما نكون إليه اليوم، ومع هذا تناساه كثير مِنَ النَّاس! فما أشدَّ حاجتنا إلى فقهاء مجتهدين! يفهمون النَّوازل أصولها وفروعها، ظاهرها وباطنها، جليَّها وخفيَّها، ويفقهون الواقع، والواجب فيه، ويقدِّرون المصالح والمفاسد في الحال والمآل، ويستنبطون الأحكام من الكتاب والسُّنَّة، ومِن قياس هذه النَّوازل على ما يماثلها، ليدلّوا العباد إلى طريق الرَّشاد، ومقاصد السَّداد.
أنواع الاختلاف
الاختلاف في الأصل نوعان: اختلاف تنوّع، واختلاف تضادّ. واختلاف التَّنوُّع محمود، كالاختلاف في وجوه القراءات والتَّفسير الَّذي ليس عليه إجماع وغير ذلك من الخلاف المعتبر الَّذي ينبني على الدَّليل، وهو ما وقع به بعض الصَّحابة ﵃، كما في القراءات الَّتي اختلفوا فيها حتَّى زَجَرَهُم النَّبيُّ ﷺ ، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيةً، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا؛ فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، وَلَا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا، فَهَلَكُوا" (٢).
فمن قوله ﷺ : "كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ "يفهم أنَّ اختلاف التَّنوُّع معتبر، ومِن تتمَّة
стр. 193
قوله ﷺ يفهم أنَّ الاختلاف أيّاً كان يُذمُّ إذا صحبه بغيٌ، لأنَّه يفضي إلى الهلاك.
وكاختلافهم في قطع الأشجار، فقد قطع قوم وترك آخرون، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ (٥)﴾ [الحشر].
ومنه اختلاف أنظار الفقهاء فيما اجتهدوا فيه من فروع الأحكام، وفضائل السُّنن، ومسائل الفقه المعتبرة، وفي هذا الخلاف قال رشيد رضا: "نتعاون فيما اتَّفقنا عليه، ويعذرُ بعضُنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".
فالاختلاف في الاجتهاد معتبر، ولذلك قال ﷺ : "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ " (١).
وما شجر بين الصَّحابةلا إله إلا الله بعد استشهاد عثمان ﵁ من هذا النَّوع، فقد اجتهدوا وسعهم، وَسَعوا بين أَجْر وأَجْرين، فَمَنْ أَصَابَ منهم فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، ومَنْ أخطأ فله أجر على جهده في الاجتهاد، وحسن نيَّته.
ويدلّك على أنَّه اختلاف تنوّع أنَّك تجد أصحاب النَّبيِّ ﷺ اختلفوا ولم يتفرَّقوا، ولم يصيروا شيعاً، ولم يكن بينهم عداوة ولا قطيعة، ولم يكن قتالهم يوم الجمل مقصوداً، وإنَّما كان قدراً مقدوراً.
أمَّا اختلاف التَّضاد، فهو اختلاف حقيقيّ مَذْمُوم لا يأتي بخير، وهو اختلاف في الأصول والاعتقاد والتَّأويل ومسائل الإجماع، وغالباً ما يؤول إلى الخصومة والعداوة والافتراق، ويؤدِّي إلى التَّناحر والشِّقاق.
стр. 194
وقد أمضى الله تعالى علينا الاختلاف قدراً، فقال ﷻ : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (١)(١١٩)﴾ [هود].
والاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أخرج الله به أَهْلَ الرَّحمةِ من الاختلاف وَمَدَحَهم، ومقتضى مَدْحِهم ذمُّ أهل الاختلاف. لكنَّ هذا الاختلاف اختلافٌ كونيّ وليس اختلافاً شرعيّاً، فنحن مأمورون بدفعه شرعاً.
النّهي عن الاختلاف والأمر بالاجتماع أصلان عظيمان في القرآن
ذمَّ الله تعالى الاختلاف في كتابه، ونهى عن التَّفرُّقِ، وتهدَّد وتوعَّد مَنْ فَارَقَ جماعة المسلمين، وقصَّ علينا خبر أقوام تفرَّقوا واختلفوا لِنَعْتَبِرَ وَنَنْزَجِرَ عن مثل سبيلهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (١٥٩)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الرّوم]، وقال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون].
стр. 195
كما أخبرنا الله تعالى عمَّن قبلنا أنَّ اختلافهم وسبب هلاكهم لم يكن مِنْ قِلَّة عِلْم، ولكن بَغَى بعضهم على بعض، قَال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (١٧)﴾ [الجاثية].
أي أنَّ الاختلاف والتَّفرُّق مصدره سوء النِّيَّة وفساد الطَّويَّة ورداءة السَّجيَّة في كثير من الأمر، ولا عجب؛ فالإنسان ظلوم جهول، وكم من نفوس ابتليت بالحسد والبغي والفساد والعلوّ في الأرض فهل نَرِثُ أخلاقَ أقوامٍ بقيت قصصهم شاهدة عليهم؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النّازعات].
وقد نبَّه النَّبيُّ ﷺ على ما يخاف على أمَّته مِنْ موافقة الأمم قبلها فيما اختلفوا فيه، حتَّى لا نخوض كالَّذي خاضوا، فنهلك كما هلكوا، روى أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
" لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِساً مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي، وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ الله ﷺ جُلُوسٌ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً (نَاحِية)، إِذْ ذَكَرُوا آيةً مِن القُرآنِ، فَتَمَارَوْا فِيهَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُغْضَبًا قَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ، وَيَقُولُ: مَهْلًا يَا قَوْمِ، بِهَذَا أُهْلِكَت الأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ، بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَضَرْبِهِم الكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، إِنَّ القُرآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضاً، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ" (١).
стр. 196
فالنَّبيُّ ﷺ نهى أمَّته عن الاختلاف، لأنَّ مَنْ قبلنا هلك بأشباه هذا: ضربوا كتاب الله بعضه ببعض. وفي مثل هذا جاء قوله ﷺ : "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيراً " (١).
وفي قوله ﷺ كناية عن تمام بيانه، حيث لم يترك حجَّة بعده يستطيع أحد أن يأتي بها أو برهان، وفيه تحذير من الاختلاف.
ولا يخفى خطر الاختلاف والشِّقاق، فهو يوهن الأمَّة، ويذهب بهيبتها، ويزري بها عند أعدائها. وانظر كيف جعل الله تعالى التَّنازع بين المسلمين من أهمِّ أسباب فشلهم، فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (٤٦)﴾ [الأنفال].
دلالة عطف النهي على الأمر
والنَّهي عن التَّفرُّق في الإسلام، يوجب الاجتماع والوئام؛ لأنَّ مقتضى النَّهي عن الخلاف والافتراق، الأمْرُ بالوفَاقِ والاتِّفاق، ولذلك تجد في القرآن الكريم الأمر بالاعتصام والنَّهي عن التَّشقُّق والخصام، قَال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (١٠٣)﴾ [آل عمران].
وجاء الخِطَاب بعطف النَّهي (ولا تفرَّقوا) على الأمْر (واعتصموا) والغرض توكيد الأمر بالنَّهي، فالأمَّة منهيَّة عن التَّفرُّق مهما كان قليلاً، لأنَّ ذلك يوهنها ويعصف بها.
стр. 197
وأسلوب الخطاب هذا معلوم، ومنه قوله ﷺ : "يسِّروا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" (١) فقد عطف النَّهي عن التَّعسير على الأمر بالتَّيسير، وعطف النَّهي عن التَّنفير على الأمر بالتَّسكين، للإشعار بأنَّ الأمَّة منهيَّة عن أدنى تعسير وأقلِّ تنفير.
هذا وقد أُمِرْنا عند التَّنازع بالرّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة، ولم نُأْمَر بالافتراق والشّغب والتَّشْغيب وتهييج الشَّرّ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٥٩)﴾ [النِّساء].
إخبار النّبيّ ﷺ عن افتراق أمّته والتّنصيص على وحدتها
أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ أمَّة الإجابة سيصيبها ما أصاب الأمم السَّابقة من التَّفرُّق بعد الاجتماع، قَالَ النَّبيُّ ﷺ :"افْتَرَقَتْ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً " (٢).
وهذا لا يؤثّر في وحدة المسلمين، فإنَّما ذكر النَّبيُّ ﷺ ذلك ليحذِّر من الافتراق، لما يترتَّب عليه من الفساد والضَّعف والهوان، وضياع أخوَّة الإيمان، ونقض عرى الإسلام.
كما بيَّن الله تعالى في كتابه أنَّ عامَّة المفترقين المخالفين هَلْكَى بعد أن تبيَّن لهم الهدى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
стр. 198
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النِّساء]، وقَال
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال].
هذا وقد جاء التَّنصيصُ على وحدة الأمَّة في الكتاب والسّنّة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون].
وقال النَّبيُّ ﷺ :"عَلَيْكُم بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَم الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ المُؤْمِنُ" (١).
وقال النَّبيُّ ﷺ :"إِنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ" (٢).
والأمر بالوحدة والاعتصام بحبل الله لم يُنْسَخ، بل هو تكليف قائم إلى قيام السَّاعة، ومصير الوحدة معلّق بأعناقنا جميعاً، فعلى النَّاس القيام بواجبات الوحدة.
стр. 199
التّعصّب إلى الفرق يزيد من الفرقة
لا ريب أنَّ كثرة الفرق والجماعات والتَّعصُّب لها يزيد مِنْ فرقة المسلمين ويعمل على تمزيق الصَّف، وضعف الأمَّة وهوانها، ويجعل أمْرَها إلى بَوَار. فإذا قيل: لكن الجماعات كانت في عهد النَّبيِّ ﷺ فلها أَصْلٌ في الإسلام، فهناك المهاجرون، والأنصار، والأشعريّون، وأهل الصّفّة، وأهل بدر، وأصحاب الشَّجرة (أهل بيعة الرّضوان)، وأصحاب الحديبية، والطّلقاء، والعتقاء؟!
قلنا: فإذا كانت الجماعات في زماننا على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃، فنعمَّا هي. ونحن لا نجهل أنَّ في تاريخنا التَّعدُّد والتَّنوّع فهناك: الشَّافعيّة، والحنابلة، والمالكيّة، والحنفيّة، ولا نجهل أنَّ الله تعالى سمَّى مِنْ أصحاب النَّبيِّ ﷺ المهاجرين والأنصار والأعراب لِحكَم، منها: تشريفهم، والثَّناء عليهم، وبيان فضلهم، وغرر خصائصهم، وطيب مغارسهم، ومكارم أخلاقهم، وكَرَم نِجَارهم، والدَّعوة إلى الاقتداء بهم، وغير ذلك، فهي تسميات مشروعة، ولكن إذا تُعُصِّب لها تصبح مردودة.
أخرج الشَّيخان عن جَابِر بْن عَبْد الله ﵄، قَالَ: " كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ
(ضربه بيده) رَجُلٌ مِنْ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنصَارِيُّ: يَا لَلْأَنصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟! قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" (١). ونحن نقول لمن يتعصَّب لجماعته مَا قاله ﷺ : " دَعُوهَا؛
стр. 200
فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ".
والصَّحابة ﵃ وإن اختلفت تسمياتهم لم يكونوا فرقاً وجماعات، وإنَّما كانوا أمَّةً واحدة، وكانوا خير أمَّة وأكرمها على الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (١١٠)﴾ [آل عمران] وعقيدتهم واحدة، وقلوبُهم على قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لا شحناءَ بينهم ولا بغضاء، اجتمعت قلوبهم وإن تفرَّقت ديارهُم، فَهُم مِن أهل الرَّحمة الَّذين استثنى الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (١١٩)﴾ [هود].
وقد سمَّاهم الله تعالى جميعاً المسلمين: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ (٧٨)﴾ [الحجّ]، وسمَّاهم المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (١٠)﴾ [الحجرات]، فانظر كيف جمعهم بالإسلام وأخوَّة الإيمان.
وفي التَّنزيل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصّلت] فلا أحد أحسن قولاً وعملاً ودرجة عند الله ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال إنَّه مُسْلِمٌ مِن المسلمين، لا مِن جماعة كذا وكذا.
والولاء والبراء لا يعني أن نوالي جماعة ونتبرَّأَ مِنَ الجماعات الأخرى، بل الولاء أن نوالي الله تعالى، ورسوله ﷺ ، والذّين آمنوا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (٥٥)﴾ [المائدة]. وعن عَمْرو بن العَاص، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَاراً غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: " أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي، يَعْنِي فُلَانًا، لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا
стр. 201
وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ" (١).
والبراء يكون من الكافرين، قَال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (٢٨)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة].
وكتاب الله تعالى فِيه النَّهي عن التَّحزُّب في الدِّين إلى فرق مختلفة المشارب والموارد، قال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (١٥٩)﴾
[الأنعام].
وقسَّم الله تعالى النَّاس إلى حزبين حصراً: حزب الله، وحزب الشَّيطان. أمَّا حزب الله فهم الَّذين يوالون الله تعالى ورسوله ﷺ والَّذين آمنوا، ولذلك امتدحهم الله تعالى وأكَّد نصرهم في الدُّنيا، فقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة]، كما أكَّد فلاحهم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة].
أمَّا حزب الشَّيطان، فهم الَّذين اجتمعوا على معصية الله تعالى مِن أهل الأهواء والآراء وأصحاب الملل والنِّحل، ولذلك ذمَّهم الله تعالى وأكَّد خسارتهم
стр. 202
في الدُّنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ [المجادلة].
فكيف نتحزَّب أحزاباً مختلفة المشارب والموارد ونذهب شَذَرَ مَذَرَ، وحزب الله تعالى واحد؟!
وإنَّما نقول هذا ـ وهو أمر معلوم ـ مِن باب التَّذكير استجابة لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذَّاريات] فالمؤمن إذا ذُكِّرَ تَذَكَّر، وإذا رُغِّبَ رَغِبَ، فاتَّبع أحسن ما أنزل الله، وأبشر بخير: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (١٨)﴾ [الزّمر].
وإيَّاك أن تكون مِن أهل الاختلاف، ودعاة الفُرْقة، ممَّن اتَّبعوا السُّبل، وكدَّروا صفو الأخوَّة الإيمانيَّة. واتَّبع سبيل الرَّسول الكريم ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (١٠٨)﴾ [يوسف] فهو خير سلف لنا، وفي الصَّحيحين عن عائشة أنَّه ﷺ قال لابنته فاطمة ﵂ لمَّا رأى أجله قد اقترب: " فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنا لَكِ" (١).
واعلم أنَّ سبيل الرَّسول هو سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النِّساء].
стр. 203
ما ينبغي أن يكون عليه المسلم عند الاختلاف
المسلم وليُّ المسلم، ناصِرٌ له في الحقِّ ولو بالدُّعاء، لا يخذله ولا يظلمه مهما شَجَرَ بينهما، أخرج ابن أبي الدُّنيا بسند صحيح عن شعبة، عن يحيى بن الحصين، قال: سمعت طارقاً، قال: " كان بين سعد ﵁ وخالد ﵁ كلام، فَذَهَبَ رجل يَقَعُ في خالد عند سَعْد، فقال سعد ﵁: مَهْ (١)، إنَّ ما بيننا لم يَبْلُغْ دِينَنَا " (٢).
فانظر كيف يذبُّ سعد بن أبي وقّاص ﵁ عن خالد بن الوليد ﵁ مع أنَّه كان بينهما خلاف؛ فقد تربَّى في مدرسة الرَّحمة المهداة والنِّعمة المسداة، في مدرسة النَّبيِّ ﷺ ، القائل: " مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ، كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يُعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ" (٣) وقرأ فيها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (١٢)﴾ [الحجرات].
فالصَّحابة ﵃ كانوا يتعايشون بالدِّين، ولذلك تراهم لم يُنْفِقُوا عمرهم بتصنيف الكتب وتَدْبِيجها وتَحْبِيرها؛ وإنَّما جعلوا الكتاب والسُّنَّة واقعاً في حياتهم، وتمثَّلوهما خُلُقاً يمشون فيه بين النَّاس؛ اقتداء بالنَّبيِّ ﷺ ؛ فما اندَرَسَتْ آثارهم، وما انقطعت أخبارهم، وما كفَّت الألسن عن الدُّعَاءِ والاسْتِغْفار لَهُمْ.
أتى سَعْدُ بْن هِشَام ﵁ عَائِشَةَ، وسألها، وقال لها: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فقَالَتْ: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ؛ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ الله :
стр. 204
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم]؟ " (١). وعلى هذه الأَخْلاقِ كانت خلائق الصَّحابة ﵃.
هذا وينبغي للمسلم عند الخلاف أن يذلَّ لأخيه المسلم ويرحمه، فقد مدح الله تعالى الذُّلَّ في موضعين، الأوَّل: أن يذلَّ المسلم لوالديه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (٢٤)﴾ [الإسراء] والثَّاني: أنْ يذلَّ لأخيه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ [المائدة]، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (٢٩)﴾ [الفتح].
فحريّ بالمسلم أن يدْرَأ بالحسنة السَّيِّئة، وأن يدفع بالَّتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ (٢٢)﴾ [الرّعد]، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصّلت]، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ [المؤمنون]، وأن يكظم غيظه ويعفو؛ فإنَّ ذلك من عمل المحسنين، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران].
وقد ندب الله تعالى إلى العفو وبيَّن فضله، فقال تعالى: ﴿ا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (٤٠)﴾ [الشّورى]، وهذا نبيّ الله يوسف ﵇ بعد أن لقي مِنْ
стр. 205
أخوته ما لقي، ﴿ا قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف].
وقد جرت سنَّة الله تعالى أن يُبْتَلى الخيار بالشِّرار، والأبرار بالفجَّار، والعلماء بالجهلاء، فلا تَسْتَخِفَّنَّكَ جهالة الجهلاء، فإذا نَالَ منك أخوك فلا تجبه؛ فالتَّقِيُّ مُلْجَمٌ.
الحاجة إلى فقه الخلاف
أوصى النَّبيُّ ﷺ وصيَّة غالية عند الخلاف ـ وكلُّ وصاياه ﷺ غَوالٍ ـ فقال ﷺ : "اقْرَؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ؛ فَقُومُوا عنه " (١).
هذا الحديث عظيم الشَّأن، نهى فيه النَّبيُّ ﷺ عن الاختلاف في القرآن إذا كان لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو تنشأ عنه فتنة أو فرقة أو عداوة أو شجار. وعلَّة النَّهي أنَّ قراءة القرآن فضيلة، ووحدة المسلمين فريضة، فلا يجوز تقديم الفضيلة على الفريضة.
والعبرة ـ كما هو معلوم ـ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فليس المراد في الحديث مناسبته، وإنَّما عموم الخلاف المذموم يجب تقديم وحدة الصَّف عليه.
ومن هنا نفهم لماذا حسم النَّبيُّ ﷺ دواعي الاختلاف وطوى بِسَاطَه، وأمر بالقيام. فما أشدَّ حاجتنا إلى تعليم فقه الخلاف في جامعاتنا، ونشر هذه الآداب
النَّبويَّة في مدارسنا، وتمثّلها واقعاً في حياتنا!
стр. 206
الشفاء من كلّ خلاف مشكل وداء معضل
إنَّ مِن أعظم ما أصيبت به الأمَّة في يومنا هذا الجهل، فما أوقع كثيراً مِن النَّاس في الاختلاف والشِّقاق إلَّا فَرْطُ الجهل ونقصان العقل، وما جعلهم يتَّخذون رؤوساً جُهَّالاً إلَّا ضياعُ العِلْمِ بالكتاب والسُّنَّة.
فإذا تَظَالمَ النَّاسُ واتَّبعوا السُّبل، وكانت الفتن، واختلفت الغايات، وتعدَّدت الرَّايات، فارْضَ لنفسك ما رضي القومُ به قبلك: كتاب الله، وسنَّة نبيِّه ﷺ ، وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين، فهذا الشِّفَاءُ مِنْ كلِّ خَطْبٍ مُعْضِل، ورُزْءٍ لَبَسٍ مُشْكِل: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت].
وفي التَّنزيل نصٌّ قاطع في أنَّ جميع ما اختلفنا فيه يجب أنْ يكونَ حكمه مردوداً إلى الله تعالى، وهو الحاكم فيه وحده، قَال ﷻ : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (١٠)﴾ [الشّورى].
ولا يجوزتحكيم الأفهام والأذهان لقولِه تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (٣)﴾ [الأعراف]، فالله تعالى أمر باتّباع ما أنزل، ونهى عن اتّباع ما عارضه من تقليد الآباء، وتقديم الأهواء، وحكم الجاهليّة الجهلاء. كما أمر نبيَّه بالحكم بينهم بما أنزل، ونهاه عن اتِّباع أهوائهم، فَقَال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (٤٩)﴾ [المائدة].ولذلك قَالَ ﷺ : "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" (١).
стр. 207
فالخلاف يُرْفَعُ بالرّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة، وبفهم سلف هذه الأمَّة، والعلماء المخلصين، الَّذين لا يخلو منهم زمان، والَّذين أحال الله تعالى عليهم في كتابه المكنون بقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٨٣)﴾ [النّساء] وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل].
وقد رأينا كيف أنَّ معاوية ﵁ دعا عليّاً ﵁ إلى كتاب الله يوم صفّين، وأنَّ عليّاً ﵁ لم يتوقَّف، وإنَّما رأى أنَّه الأولى بذلك، أخرج أحمد بسند صحيح أنَّ عَمْرو بن الْعَاص قال لِمُعَاوِيَةَ:
"أَرْسِلْ إِلَى عَلِيٍّ بِمُصْحَفٍ، وَادْعُهُ إِلَى كِتَابِ الله، فَإِنَّهُ لَنْ يَأْبَى عَلَيْكَ، فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنكُم كِتَابُ الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران]، فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ الله" (١).
ومن الأمور الّتي يرفع بها الخلاف التَّحكيم، وذلك بأن يُنْتَدب رجلان مرضيّان فيحكمان فيما شَجَرَ بما أنزل الله تعالى، فيوم صفِّين حكَّموا صحابيّين جليلين، وهما أبو موسى الأشعريّ ﵁، وعمرو بن العاص ﵁.
ومِن الأمور الّتي يحسم بها الخِلاف المصالحة والتَّنازل، فقد صَالَحَ الحسن ﵁ معاوية ﵁ لمصلحة المسلمين، وتنازل له عن الخلافة، قطعاً لدابر الخلاف، وحقناً للدِّماء، وتحقيقاً لِرَجَاءِ النَّبيِّ ﷺ ، فقد قال ﷺ : " إنّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ
стр. 208
الله أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (١). فإذا كان قد تنازل ﵁ عن
الخلافة، أفلا يتنازل أحدنا لأخيه عمَّا دونها مِنْ عَرَضِ الدُّنيا؟!
ومِن الأمور الَّتي تُذْهِبُ الخلاف المناظرة، فقد رأينا كيف أرسل عليّ ﵁ ابنَ عبَّاس ﵁ إلى الخوارج لمناظرتهم، فخرج إليهم وأتاهم، وهم مجتمعون في دارهم قائلون، فسألهم عمَّا نقموه على ابن عمِّ رسول الله ﷺ وصهره والمهاجرين والأنصار؟ وناظرهم وحَاجَّهم؛ فَحَجَّهم، ورجع منهم ألفان.
وهذه المناظرة ينبغي أن تكون بين العلماء من الفريقين، وحينها يجب أن يسكت مَنْ لا علم له، وقد أحسن مَنْ قال: "لو سَكَتَ مَنْ لا يَعْلَم لسقط الاختلاف". أمَّا إذا تكلَّم الرُّوَيْبِضَة، فسيطول كلامه ويقلُّ نظامه، فيأتي آخرُ كلامِه على أوَّله، ويُوسِع شُقَّة الاختلاف.
وممَّا يُعَالج به الخلاف القول الحسن، قَال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (٨٣)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٥٣)﴾ [الإسراء].
وانظر كيف ضرب الله تعالى مثلاً للكلمة الطَّيِّبة بالشَّجرة الطَّيِّبة الَّتي تؤتي
أكلها، فالكلمة الطَّيِّبة لها ثمرها وأثَرُها، قَال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (٢٥)﴾ [إبراهيم].
стр. 209
والكلمة الطَّيِّبة لها فضلها في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (١٠)﴾ [فاطر]، وقال ﷺ : "الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ
صَدَقَةٌ" (١).
وقد طُبِعَ النَّاسُ على الاستئناس بالكلمة الطَّيِّبة، فمن أراد الإصلاح فعليه
أن يأتي النَّاسَ بالعلم والأخلاق معاً، ويسعهم بحُسْنِ خلقه، ويُوَاسِيَهم بِبَسْطِ وجهه.
" اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " (٢).
стр. 210
القسم الثّامن
الفتن
معنى الفتنة
أصل الفتنة الابتلاء، مأْخوذ من فَتَنَ الفضَّة والذَّهب إِذا أَذابهما بالنَّار ليميز الرديء من الجيِّدِ. والفَتْنُ: الإِحْراقُ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ [الذّاريات]، ثمّ استعملت في كلِّ ابتلاء كما قال تعالى في أصحاب الأخدود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج].
وهناك نصوص على ألوان وصنوف من الفتن، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ (٢٨)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً (٢٠)﴾ [الفرقان]. وهناك فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ الّتي تُكَفِّرُ إثمها الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وسيأتي الحديث عنها، والبحث في هذا يتّسع. وعامّة الفتن مردّها إلى نوعين: فتنة الشَّهوات، وفتنة الشّبهات، وقد جمعهما قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ
стр. 211
أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ [التّوبة]. فجمع الله أكبر بين الاستمتاع بالخلاق وهو نصيبهم وحظّهم من الدّنيا وشهواتها، وبين الخوض في الشّبهات داء أهل الأهواء.
والفتنة: خاصَّة، وعامَّة. أمَّا الخاصَّة فهي البلاء الَّذي ينزل بالمسلم، أمَّا العامَّة فهي البلاء الَّذي ينزل بالمسلمين ويعمّهم، وينكِّل بهم، ويستأصل شَأْفتهم، ويقطع دابرهم.
المعاني التي يحتملها لفظ الفتنة في القرآن الكريم
من الفقه في الدِّين معرفة الوجوه والنَّظائر، فالكلمة في القرآن الكريم قد تَنْصَرِفُ إلى وجوه شتَّى، فكلمة الفتنة تأتي على وجوه، نذكر منها أنَّها تأتي بمعنى الشِّرك: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (٢١٧)﴾ [البقرة]، والإضلال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ (٧)﴾ [آل عمران]، والقتل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (١٠١)﴾ [النّساء]، والصَّدِّ والصَّرف: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (٤٩)﴾ [المائدة] والضَّلالة: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ (٤١)﴾ [المائدة] والاعتذار
والمعذرة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام]، والقضاء: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ (١٥٥)﴾ [الأعراف]، والإثم: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (٤٩)﴾ [التّوبة]، والمرض: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ [التّوبة]، والعبرة: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ
فتنة الرّجل عن دينه
ذَمَّ اللهُ تعالى مَنْ يُوقِع الفتنة، وجعل فتنة الرَّجل عن دينه والاعتداء على عقيدته أشدّ وأعظم من الاعتداء على نفسه وقتله، قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (١٩١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (٢١٧)﴾ [البقرة] فاحذر أن تُفْتَنَ أو تَفْتِنَ أحداً عن دينه، فالمصيبة في الدِّين من أعظم المصائب، ولذلك كان مِن دعاء النَّبيِّ ﷺ : "لا تجْعَلْ مصيبتنا في دِيننا" (١).
وفتنة الرَّجل المؤمن في دينه سنَّة مطَّردة، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت].
فقد جرت سنَّة الله تعالى واقتضت حكمته ابتلاء أوليائه بأعدائه، ولذلك أنكر الله تعالى على مَنْ لم يصبر على ذلك، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ (١٠)﴾ [العنكبوت].
التّحذير من الفتن
تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ الفِتَنِ عموماً، والحثِّ على تجنّبها واعتزالها والهرب والنَّجاة منها، وعدم ملابستها أو الخَوضِ فِيهَا، وأنَّ شرَّها يكون حسب الدُّخول فيها، فَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (٢٥)﴾ [الأنفال]، وَمَا رَوَاه أبو هريرة عن