← Тараджим

Тараджим · id 539

الأثر الثمين في نصرة عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (265 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الأثر الثمين في نصرة عائشة ﵂ أمّ المؤمنين دراسات في سيرة عائشة ﵂ أمّ المؤمنين وعدالة الصحابة أجمعين والوقاية من الفتن في كل زمان وحين أحمد محمود الشّوابكة تقديم ومراجعة أ. د. عبد النَّاصر أبو البصل رئيس جامعة العلوم الإسلاميّة العالميّة أ. د. محمود السّرطاوي كليّة الشّريعة ـ الجامعة الأردنيّة أ. د. أحمد نوفل كليّة الشّريعة ـ الجامعة الأردنيّة د. محمّد الملكاوي كليّة الشّريعة ـ جامعة اليرموك أ. د. عبد المقصود حامد كلية الشّريعة ـ جامعة العلوم الإسلاميّة العالميّة ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾

стр. 2

حقوق الطّبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠١٢ م حقوق الطبع محفوظة. لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته الى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من دار الفاروق. دار الفاروق للنشر والتوزيع عمان - العبدلي - عمارة جوهرة القدس تلفكاس ٠٠٩٦٢٦٤٦٤٠٠٦٤ E-mail: daralfarouq@ yahoo.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإهداء إِلى مَنْ أوْصَاني ربِّي بهما خَيراً، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء]. إِلى مَنْ أَسْأَلُ رَبِّي لهما خَيراً، فأقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]. وإلى صفيي وفرطي عبيدة، الّذي أجاب ربّه، وأوجعني فقده! عسى الله أن يجمعني بهم جميعا في مستقرّ رحمته، مع الأحبة: النّبيّ ﷺ وصحبه ﵃. الغَنِيُّ بالفَقْرِ إِلى الله أحمد محمود الشوابكة أبو عبيدة

стр. 4

تقديم أ. د. عبد النّاصر أبو البصل الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا وقدوتنا محمَّد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى أزواجه وأصحابه أجمعين، والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. أمَّا بعد، فلا شكَّ أنَّ الحديث عن خيْرِ القرونِ محبَّبٌ إلى النَّفس، ويلامسُ القَلْبَ، ونتسَّمُ من خلاله عرفاً طيِّباً نديّاً؛ كيف لا وهو ينقلنا إلى بيت النُّبوَّة، فنسمع أَقْوالَ النَّبيِّ ﷺ وتوجيهاتِه وحركاته وسكناته وما يحبّه وما يكرهه، ونعرف أسْلُوبَ حياته مَعَ أقاربه وجيرانه وزوجاته وبناته وأصحابه، نعرف عنه ما لا نعْرفه عن أنْفسنا. نعم إنَّه حديث محبَّبٌ للنّفوس لأنَّه ينقلنا إلى أَرْوقةِ المدينة وميادين الجهاد الَّتي كان رسُولُ الله ﷺ يخوضُ حُروبَهُ فيها، وإلى سَاحَاتِ الأسْواقِ الَّتي يتاجِرُ فيها. وفي هذا الكتاب الَّذي جَعَلَ الباحِثُ الفاضِلُ الأستاذ أحمد محمود الشّوابكة محْوَرَه العامّ الحديث عن الصَّحابة الكرام الَّذين يعدّون الحلقة الأولى الَّتي تلقَّت الوحيَ ونقلته عن الرَّسول ﷺ ، ومحوره الخاصّ الحديث عن إحدى سيِّدات النُّبوَّة عن الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، الّتي كانت تمثِّلُ جانباً من جوانبِ مشاركة المرأة المسلمة في الدَّعوةِ والسِّياسة والتَّعليم والتَّوجيه والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر وفق رؤى اجتهاديَّة منهجيَّة تمثِّلُ مرحلة مِنْ مَراحلِ النُّضج العلميّ والفكريّ وصلت إليها السَّيِّدة عائشة وسائر نساء وسيّدات هذا البيت الطَّاهر.

стр. 5

كما تمثِّلُ السَّيِّدة عائشة ومن معها من الصَّحابة الَّذين كان لهم أثرٌ وفاعليّة في الحياة العامَّة في ذلك الجيل أنموذجاً حيّاً للتربية النَّبويَّة المباشرة؛ فهي زوجه وملازمته، وهي أصْغرُ نساء النَّبيِّ ﷺ سِنّاً، وأكثرهنَّ رواية، ولعلَّ الحكمة من اجتماعِ هذه الصِّفات وغيرها في أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ جليَّة، فَمَنْ سيروي الأحاديثَ المتعلِّقة بالحياة الخاصَّة للرَّسول ﷺ وأسرته، ومن سيلاحِظُ دقائقَ الأمور إن لم يكنْ في مثْلِ سنِّها ﵂، وفي مثْلِ ذكائها، ومَنْ ستكون لها القوَّةُ والجرْأَةُ لِتحاوِرَ وتأْمُر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقول رأيها بكلِّ قوَّة لما تعرفه مِنْ أَمْر النَّبيِّ ﷺ غيرها ﵂؟ إنَّها مسْأَلة اختيار واصطفاء وتقدير من الله . لا أقولُ مِنَ العجب، بل مِنْ غير المعقول ومِنْ أَغْرب الغرائب أنْ ينبري نفرٌ للتَّطاول على هذه السَّيِّدة على أمِّ المؤمنين ﵂ وعن أبيها، غافلين أو متغافلين عن: ـ مكانتها عند الرَّسول ﷺ ومحبَّته الكبيرة لها والَّتي تحدَّث عنها ﷺ بكلِّ صراحة ووضوح؛ ليضرب المثل الأعلى في الكمال البشريّ، حيث سُئِلَ ﷺ : "مَنْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ". ـ أنَّ القرآن الكريم نزل في بيتها بل والرَّسول ﷺ نائم في فراشها ورأسه في حجرها وعلى صدرها. ـ أنَّها بنت الصِّدِّيق ﵁، الّتي حَفِظَ الله تعالى بها كثيرًا من سُنّة رسوله ﷺ -

стр. 6

ـ أنَّه قد ثبت لها وصْفُ لقب أمّ المؤمنين الوارد في قوله الله أكبر: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ [الأحزاب] فلها حقوق أمَّهات المؤمنين. أ. د. عبد النّاصر أبو البصل رئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة ٢٣/جمادى الأولى/١٤٣٣ هـ الأحد/١٥/نيسان/٢٠١٢ م

стр. 7

تقديم أ. د. محمود السّرطاوي الْحَمْدُ لله حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، والصَّلاة والسَّلام على الرَّحمة المهداة سيِّد الأنبياء والمرسلين محمّد ﷺ ، وعلى ذُرِّيَّتِه وأزواجه وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان. وبعد، فما أحوج الأمَّة الإسلاميَّة في هذه الأزمنة الَّتي تموج فيها الفِتَنُ إلى الدُّعاة الَّذين يرفعون لها رَايَاتِ النَّجاة! وتعلو صيحتهم بالحقِّ على الباطل ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ (١٨)﴾ [الأنبياء]. لقد كثرت في هذه الآونة الأبواق التي تدقُّ نواقيس الفتن بين المسلمين، والكل يدَّعي حبَّه لرسُولِ الله ﷺ وآله والتَّمسك بهديه، ولا أدري كيف تستقيم أو تصحُّ هذه المحبَّةُ مع النَّيل مِنْ صحابته الكرام، وأزواجه، وهنَّ أمَّهات المؤمنين بنص القرآن؟! ولم يحسن بعض أهل العلم مُجَادلةَ هؤلاءِ بالَّتي هي أحسن، مع أنَّ الله تعالى قد أمر أنْ يُجَادَلَ أَهْلُ الكتابِ بالَّتي هي أحسن، فكيف بمجادلةِ مَنْ جعلهم الله تعالى أولياء لبعضهم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧١)﴾ [التّوبة]، وبِمَنْ وصفهم الله تعالى بأنَّهم رُحَماءُ بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ .. (٢٩)﴾ [الفتح]. ولا يغرب عن البال أنَّ فريقاً مِنَ المسلمين مِن هذا وذاك لا يقرُّ هذا النَّهج الَّذي يعرفه الخاصَّة والعامَّة.

стр. 8

وإذا كان هذا هو الحال فلا سبيل لِنَبْذِ الفتنة إلا أن يتصدَّى لها نَفَرٌ مِنَ العلماء والدُّعاة المخلصين بالحكمة والموعظة الحسنة، فإنَّها هي الكفيلة بإذن الله بوأْدِها وقطع دابرها. وقد جاء هذا الكتاب "الأثر الثمين في نصرة عائشة ﵂ أم المؤمنين" ليعلي رايةً للإصلاح، ويجيب على ما أُثِير حولها ﵂ وحول الصحابة ﵃ من شُبُهات وافتراءات بالحكمة والكلمة الطيَّبة، معتمداً الحجَّة والدَّليل من القرآن الكريم، وما صَحَّ مِنْ حديث سيِّد المرسلين. فبعد أن بيَّن ما لأزواج النَّبيِّ ﷺ من مكانة وفضل، خصَّ السَّيِّدة عائشة ﵂ وعن أبيها بمزيد من البيان، فهي قطب الرَّحى وواسطة القلادة، وأردف بالحديث عن مكانة الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وذكر الفتن وأسبابها وسُبُلَ النَّجاة منها. ولما كانت هذه هي الغاية مِنَ الكتاب، فإنَّه لا يضيره عدم التَّوسُّع في الحديث عن فقه السيدة عائشة ﵂؛ فإنَّ تناوله يضاعف حجم الكتاب أضعافاً مضاعفة. وإنَّه لمنهج أحكم الباحث سبكه وأحسن نظمه قَصْدَ الدَّعوة إلى الإصلاح والتَّحذير من السَّير في ركاب الفتنة، وقد أتى على موضوعات البحث بعبارة أدبيَّة رصينة تأخذ بالقلوب، وبحجج تستجيب لها العقول، كلّ ذلك مِنْ غير إِيجاز مخلٍّ أو إِطْناب مملٍّ. فالله تعالى أسأل أن يثيب الأخ الأستاذ أبا عبيدة أحمد وأن يجعله في ميزان

стр. 9

حسناته وأن ينفع به وبعلمه آمين، والحمد لله رب العالمين. أ. د. محمود علي السرطاوي أستاذ الفقه المقارن نائب رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية وعميد كلية الشريعة /الجامعة الأردنية سابقاً السّبت/١٠/ربيع الثّاني/ ١٤٣٣ هـ ٤/ آذار/ ٢٠١٢ م

стр. 10

تقديم أ. د. أحمد نوفل الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام رسول الله ﷺ ، وبعد: فقد اطَّلعت على كتاب الأخ أحمد الشّوابكة (الأثر الثّمين في نصرة عائشة ﵂ أمّ المؤمنين)، والأخ أحمد ذو حِرْص وغيرة وهمَّة في طَلَبِ العِلْمِ ونصرة الدِّين والدِّفاع عن حُرُمَات المؤمنين، فكيف إذا كُنَّ أمَّهات المؤمنين، وبالأخصِّ الأعزّ منهنَّ على قَلْبِ نبيِّنا الأمين خاتم المرسلين. ومعلوم أنَّ التَّاريخ يمكن أن يدوَّن وأن يُقرأَ من زوايا عديدة، وأن يُحَمَّل ما يحتمل وما لا يحتمل، فكيف من التَّاريخ الصَّفحات المتحدّثة عن الاختلافات والوقائع الَّتي أثارت الانقسامات بين الطَّوائف والجماعات؟ لكن الذَّي لا يحتمل أن يكذّب القاطع من الأدلَّة، وهل أصدق من القرآن؟ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النِّساء] أفبعد شهادته الله أكبر القاطعة ببراءتها يتقوَّل متقوِّل ويتخرَّص متخرِّص! ألا فليخرس هذا الَّذي أخرج نفسه بهذا من ربقة الإيمان وجماعة المؤمنين. ألا يعلم أنَّ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ اختيار الله تعالى له، فكأنَّ مَنْ يتَّهم منهنَّ واحدة إنَّما يشكِّك في حكمة الله الله أكبر. وقد غلب على الكتاب الرِّوايات الحديثيّة وهذا امتياز، ولكن هناك بعض مواطن الاستطراد فيما يسمّيه أحياناً ما يؤخذ من الحديث. وكنت أودُّ لو بَرَزَ التَّحليلُ أكثر تاريخيّاً ونفسيّاً ولُغويّاً، لكان ذلك تنويعاً مطلوباً.

стр. 11

ومع هذا وذاك فإنَّ الجهد مشكور، والدَّأب الغيور في البحث مقدَّر، واللّغة العالية في الكتاب معتبرة. فاللّغة هي الطَّبق الَّذي يحوي الوجبة الفكريَّة العلميَّة، أو هي الأصداف الَّتي تحوي اللّؤلؤ، فلا يعقل أن يكون المعنى جميلاً، والثَّوب اللُّغويُّ خَلَقاً. أمّا هذا البحث فقد كان ـ إن شاء الله ـ نُوراً على نُورٍ: رصانة في العلم، وجودة في السَّبك واللّغة والصّياغة، هذا بعض حقِّه، تقبّل الله عَمَلَه وعِلْمَه، وتسخيره إيَّاهما في سبيل الله تعالى، ونصرة المؤمنين، وفَّقه الله، ونفع به، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصّافات]. أ. د. أحمد نوفل أستاذ التَّفسير والدِّراسات القرآنيَّة كليَّة الشَّريعة ـ الجامعة الأردنيَّة الأحد/٢/جمادى الأولى/١٤٣٣ هـ ٢٥ /آذار/ ٢٠١٢ م

стр. 12

تقديم د. محمّد ملكاوي يأبى اللهُ تعالى إلَّا أنْ يجْعَلَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ رَبَّانِيِّينَ يدافعون عن دينه وسنَّةِ نبيِّه ﷺ ويحمون أَعْراضَ المؤمنين والمؤمناتِ، وفي مُقَدِّمَتِهم أَصْحَابُ نبيِّه وأزواجُه ﷺ ، فإنَّ مَنْ حمى مؤمناً مِنْ منافق يغتابه حماهُ اللهُ مِنْ نار الآخرة. ومن هؤلاء الرَّبَّانِيِّينَ أخونا الفاضل الأستاذ أحمد محمود الشّوابكة، الَّذي أحبَّ الله تعالى ورسُولَه ﷺ وأصحابَه وأزواجَه والمؤمنين، فقد طَمِعَ الأستاذ الشّوابكة بحُبِّهم أن يستنقذ نفْسَه وأَهْلَه من عذاب الآخرة، وأن يكون رفيق الَّذين أنعم الله عليهم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ والصَّالحين في جنَّات النَّعيم، فسخَّر الأستاذ الفاضل وقته وجهده للتَّبحُّر في سيرة الرَّعِيل الأوَّل لاستخراج الدُّرر النَّفيسة، الَّتي أَذْهل الكثيرين عنها الانشغالُ بمطالب الحياة الدُّنيا، فلم يبق لهم وقتاً للبحثِ والتنقيب، وأغفلَ عنها الكثيرين أيضا دعاةُ الضَّلالة الَّذين اشتروا عَرَضاً دنيويّاً زائلاً بجنَّاتٍ نعيمها مقيم. وكان من بعض دُرَرِ الأستاذ الشّوابكة كتابه " الأثر الثَّمين في نصرة عائِشَةَ ﵂ أمِّ المؤمنين" فقد اقتفى فيه جُلَّ ما دوَّنته الكتبُ الموثَّقةُ في سيرةِ هذه الطَّيِّبةِ المطيَّبة ﵂، ورَدَّ فيه على الشُّبهات التي أُشْرِبتْها قُلُوبُ الحاقِدِين الَّذين سيْطَرَ عليهم إِبْلِيسُ، فأوحى إليهم زُخْرُفَ القُوْل غُرُوراً، فظنَّوا أنَّهم يَفْتِنُون المؤمنين عن الحقِّ المبين، فخاب سعيُهم؛ إذ تَتَبَّعَ الأستاذ الفَاضِلُ شُبُهَاتِهم وَرَدَّها كلَّها بما قاله فيها الطَّيِّبُ ﷺ ، وبما قاله أيضاً أَحْبَارُ الأمَّة من المحدِّثين والمفسِّرين والمؤرِّخين الَّذين شَرَوا أَنْفُسَهم ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله.

стр. 13

فأسأل الله العليَّ القدير أَنْ يجْزِيَ الأستاذ أبا عبيدة خَيْرَ الجزاءِ على نيَّته وإخلاصِه وحبِّه أحباب الله، وأن يُنِيلَه بحُبِّهم شفاعتهم، وأن يُعِينَهُ على تزويدِ المكتبةِ المعَاصِرةِ بمزيدٍ منَ الذَّخائر الَّتي لا يستغني عنها طَالِبُ الحقِّ، ولا يَتَنكَّبُها إلا مَغْبُونٌ، وصلَّى الله على النَّبيِّ الأمّيِّ محمَّد ﷺ وعلى آله وأصْحَابِهِ وأزواجِهِ وأتباعِه ومَنْ تَبِعَهم بإحْسانٍ إلى يومِ الدِّينِ، وآخرُ دعْوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين. د ٠ محمّد أحمد محمّد عبد القادر ملكاوي أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان قسم أصول الدِّين/كليَّة الشَّريعة/جامعة اليرموك الاثنين/ ٢٨ /ربيع الأول/ ١٤٣٣ هـ ٢٠/شباط/ ٢٠١٢ م

стр. 14

تقديم أ. د. عبد المقصود حامد لقد اطَّلعْتُ على كتاب (الأثر الثَّمين في نصرة عائشة ﵂ أمّ المؤمنين) لمؤلِّفه الأخ الأستاذ أحمد محمود الشَّوابكة، فَنَالَ إِعجابي لما يأتي: أوَّلاً: اعتماد الكتابِ على النُّصوصِ الصَّحيحةِ مِنَ السُّنَّة، وحُسْنِ توظيفها فيما قيلت فيه. ثانياً: العرض الهادِئ والهادِف والبنَّاء دون تجريح لأحدٍ مِنَ المخالفين، الَّذي أكسب الكتابَ صورةَ البحثِ العلميِّ. ثالثاً: شمل الكتاب إلى جانب مناقب أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ البحث في موضوعين هامَّين، أحدهما في عدالة الصَّحابة أجمعين، والآخر في الوقاية من الفتن في كلِّ زمان وحين. شَكَرَ الله للمؤلِّفِ، وأعاننا وإيَّاه على كلِّ خير، والحمد لله ربِّ العالمين. أ. د. عبد المقصود حامد عبد المقصود أستاذ العقيدة والفلسفة ومستشار رئيس جامعة العلوم الإسلاميّة العالميّة الأحد/١٨/ربيع الثّاني/١٤٣٣ هـ ١١/ ٣/٢٠١٢ م

стр. 15

المقدّمة الحمدُ لله الَّذي ألَّف بين قلوبِ أهْلِ الإيمان وجعلهم بنعمته إِخواناً، وجمعهم على حُبِّ النَّبيِّ ﷺ وآله أصولاً فلم يتفرَّقوا أغصاناً وأفناناً، ووعدهم من لدنه مغفرةً ورضواناً. والصَّلاة والسَّلام على المبعوثِ رحمة للعالمين ﷺ ، وعلى أصحابه البَرَرَةِ المتَّقين، وعلى أزواجه الطَّيِّبات المطيَّبات الطَّاهرات المطهَّرات أمَّهات المؤمنين ﵅، وعلى التَّابعين بإحسَانٍ إلى يوم الدِّين. وبعد، فَمِنْ حُقوقِ الله تعالى على عباده صَدُّ عاديات الأدعياء وأباطيل الدُّخلاء، عن الإسلام ونبيِّ الإسلام ﷺ وأصحابه الكرام، بالَّتي هي أحسن للَّتي هي أقوم، وبالحجَّة والبرهان، والدُّعاء باللِّسان والقلب والجنان، أن يهديهم الله تعالى لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة]. وقد ألَّف وصنَّف وأرَّخَ وتَرْجَمَ كثيرٌ من الأئمَّة الأعلام وأربابُ الأقلام، ممَّن سَلَفَ وخَلَفَ كتباً عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، فمنهم من أجاد المطلع والمقطع ولم يَأْتَل، ومنهم من عُدَّت سقطاتُه وأُحْصِيت هفواته وحُفِظَت فَلَتاتُه، ومنهم من غَثَّ حديثُه وموَّه باطله حتَّى شبَّهه بالحقِّ، بِلُغَةٍ فيها سِحْرٌ ودهاء، ومكر وبلاء، وَعَدَّ نَفْسَهُ من العلماء الأجلَّاء ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (٢٢٠)﴾ [البقرة]. وكم هم الَّذين يضمرون حقداً وغيظاً، ويظهرون مخالصةً وودّاً، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن اختلاف الأقلام، والكتب الَّتي جرَّت النَّوائب العِظام الجِسَام، وتربَّى

стр. 16

عليها أجيال وأقوام. وأنا أعلم أنَّه لا يخلو زمانٌ من منافقين، فالخير والشَّرُّ له وارثون، فلا عَجَبَ أن نسْمَعَ مَنْ يتحدَّث بالإفك ويلوكه، ويجمعه ويفرِّقه، ويلمّ شَعَثه ويشيعه، ويقْشِره ويخفيه، وينْشُره ويفشيه. ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ (٣٠)﴾ [يس] يجهل أكثرُهم أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم نصيباً من الإثم؛ لمتابعته ومشايعته رأس النِّفاق ابن أبيّ، فلم يكن هذا ليقع إلّا من منافق مارق، أو فاسق هالك ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر]. ويا خَيْبَةَ مَنْ يحبُّ أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (١٩)﴾ [النّور] والطَّامَّة أنَّه لا ينعق ناعق إلَّا وجدت مَنْ يسارع الوثْبَةَ إليه، فلكلِّ ساقطة لاقطة، ولكلِّ ثوب لابس. والله يشهد أنَّني ما وضعت هذا الكِتابَ الصَّادع الرَّادع إلّا لأظهرَ بالحجَّة على كلِّ متحيِّز إلى فئة ترجع إلى الأهواء والآراء: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (٤٢)﴾ [الأنفال]. ولا ريب أنَّ مُفَارَقَةَ أهل الأهواء في الدُّنيا خَيْرٌ من مُرَافَقَتِهم في الآخرة، وقد قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ (٢٢)﴾ [الصَّافات]. وقد جَهَدْتُ جَهْدِي لأقيم حقّاً، أو أهدم باطلاً؛ حتَّى يعرف الحقَّ مَنْ جهله، ويَرْعَوِي عن البَغْي مَن اقترفه، وعذري أنَّه ليس على مجتهد بَذَلَ وُسْعَه في

стр. 17

طَلَبِ الحقِّ مِن عتب: فإنْ لامَنِي القَومُ قُلْتُ أَعْذِروا فليس على أَعْرَجٍ مِنْ حَرَج وأين يذهب مَنْ تزيَّا بزيِّ العلماء، وتعمَّم بعمائمهم، ثمَّ تولَّى عن آيات الله و ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ (٨٣)﴾ [الإسراء] واتَّبع الهوى ليَضِلَّ عن سبيل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص]. كذلك وضعته عظةً وعبرةً وتذكرة لِمَنْ لم يَسْلَمِ الصَّحابةُ من لِسَانه ويده، ولمن بَسَطَ لسَانَهُ في أعراضِهم، وأكل وشبع من لحومهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه] ولا أيأس من رَوْحِ الله، ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق]. ولم آلُ جَهْداً في نظمه وتأليفه، وتَرْصِيفِه وترصيعه، وزبرجته وتحبيره؛ فخراً بلغتنا العربيَّة لغة القرآن، ولغة سيِّد الأنام ﷺ وأصحابه الكرام ﵃. ولم أدَّخِر وُسْعاً ولا سَعْياً ببلاغةِ بلاغه، بل سلكت إليها كلَّ سبيل؛ التزاماً بما ألزمنا الله تعالى بِه، فقد قال ﷻ : ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ [العنكبوت]، ذلك أنَّ البلاغ المبين يكشف كُلَّ شبهة، ويزيل كلَّ لُبْسَة، ويدرَأُ كلَّ مفسدة، ويدفَعُ كُلَّ إشكال، ويجلِّي المُوَرَّى، ويوضِّح المُعَمَّى، ويجعل الحقَّ كَالشَّمْسِ في رَيْعَان الضُّحَى، لا يتمارى فيه اثنان. ولذلك وَصَفَ الله تعالى كتابه بالمبين في غير آية، فقال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزّخرف]، ووصف البلاغ المكتوب على الرُّسل بالبلاغ المبين،

стр. 18

فقال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النَّحل]. ولا ريب أنَّ البَلاغَ المبين من خصائص أسلوبِ النَّبيِّ ﷺ ، الَّذي أَعْجَزَ بَلاغُهُ البُلغَاءَ، وتَبَلَّدَ أَمَامه الفُصَحَاءُ؛ فقد أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِم، قَالَ ﷺ : "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ " (١). وما مِنْ شكٍّ أنَّ الموعظة بالكلمة البليغة لها أثرها وتأثيرها حتَّى على الكافرين والمنافقين، قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النِّساء] فالآية فيها فضل البلاغة والفصاحة. ومع هذا لا يخلو زماننا الَّذي قلَّ فيه العلم وكثر فيه الظُّلم ممَّن رَغِبَ عن بيانه ﷺ ، وزهد في بلاغه، وممَّن استحبَّ العمى على الهدى فناله في أحبِّ النَّاس إليه، ألا بِئْسَ ما قدَّمت أيديهم ليوم الحِسَاب! وأنا أعْلمُ ـ وليتهم يعلمون ـ أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة ﵂ شَغَلَت العُلماءَ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وأثارت برزانة عقلها وغزارةِ علمِها إجلالَ السَّلفِ والخلف، بل لا توجد امرأةٌ بَرَزَ اسْمُها في تاريخ الإِسْلامِ والمسلمين، وحظيت باهتمام الباحثين والدَّارسين عَبْرَ القرون كما حظيت به عائشة ﵂، فهيهات أن يجود الزَّمان بمن يشقّ غبارها، أو يدنو من آثارها، فكيف باللَّحاق بها! وأين في النِّساء مثل عائشة ﵂؟! الرَّاجحة في موازين العقل، السَّابقة في ميادين الفضل؛ فلا عَجَبَ أن أسِيْرَ خَلْفَ السَّلف بِقَلْبٍ بِسِيرَتِها أَسِير.

стр. 19

كما أعلم أنَّ الله تعالى أغناها ﵂ عن دفاع كُلِّ أحد، فقد تولَّى الله الدِّفاع عنها وعن المؤمنين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (٣٨)﴾ [الحجّ]، وأعلم أنَّ الله تعالى حَسْبُها، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال]، وأنَّه وليُّها، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (٢٥٧)﴾ [البقرة] وأنَّه أنزل في إخلاء ساحتها عشر آيات بيِّنات نيِّرات. لكن مضَّني سماعُ ثَلْبِهم وقَرْفِهم لمن زكَّاه اللهُ وقَرَظَه وأَطْرَاه، وأمرضني أن أظهروا العداوة ودَقُّوا عِطْرَ مَنْشِمِ، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (١١٨)﴾ [آل عمران] وصار في صدْري بلابِلُ تقطِّع الأنفاسَ أَسَفاً على ما آل إليه أمْرُ المسلمين! لكن مهما طالت الأيدي وقصرت، فستظلّ دعوتُهم صَرْخَةً في وادٍ، أو ضربةً في حديد بارد، أو نفخةً في رَمَاد، أو سحابةَ صَيْفٍ سُرْعَان ما تنقشع وتتكشَّف، فالحقُّ له مقامٌ ومقال: الحقُّ أَبْلَجُ لا تَزِيغُ سَبِيلُهُ وَالحقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الألبَاب فلا يضرُّ عالماً جَهْلُ جَاهِلٍ، ولا يضرُّ شريفاً عيبُ وضيعٍ، وكفى بالمرءِ شرّاً أنْ يقع في الصَّالحين، وهو ليس منهم! وصدق القائل: ذو العقلِ لا يَسْلَمُ مِن جاهلٍ يسومُهُ عَسْفاً وإِعناتا وقد جعلت هذا الكتاب في أَقسام ثمانية، وضمَّنته من الآيات المحكمات، والأحاديث القاطعات، والحجج الباهرات، والبراهين السَّاطعات، والأخبار المسندات ما يشرح الصُّدور، ويداوي المصدور.

стр. 20

وقد نثرت من نثره النَّظيم كلَّ درَّة تُزِيل ظلْمةَ اللَّيل البهيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة]. وكان صدور هذا الكتاب أُمْنِية قبل أن توافيني المنيَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ (٤٣)﴾ [الأعراف]. وختاماً، اللهَ أسألُ أن يُعِيْنَ مَنْ أعانني في هذا الكتاب، وأن يثيبه النَّعِيمَ المُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وأن يعود هذا الكتاب على مَنْ سعى في نشره بالخير العتيد، والنَّفع الَّذي لا ينقطع ولا يبيد، وأن يجزي خيراً مَنْ أقال الكَبْوة، وتدارك الهفوة، وسَدَّ الخلل، وأصلح الزَّلل، وأن ينفع به من قرأه أو نظر فيه النَّفع العميم، والخير السَّابغ الجسيم، وأن يجعله في صحائف أعماله يوم الدِّين: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار] وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس]. المؤلِّف أحمد محمود الشّوابكة أبو عبيدة

стр. 21

القسم الأوَّل ترجمة عائشة ﵂ - نسبها هي عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق أمّ المؤمنين ﵂، تكنَّى أمَّ عبد الله، والدها عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ القرشي التيمي، أبو بكر الصِّدِّيق بن أبي قحافة، خليفة رسُولِ الله ﷺ . ويجتمع نسب أبي بكر ﵁ مع النَّبيِّ ﷺ في مرَّة بن كعب، وعليه فأمُّ المؤمنين عائشة ﵂ يتَّصل نسبها بنسب خير خلق الله تعالى محمَّد ﷺ ، وهي من قبيلة تيم، ومن أسرة سبقت إلى الإسلام. مولدها ﵂ ولدت عائشة ﵂ في الإسلام بعد مبعثه ﷺ ، وقبل الهجرة بنحو ثمان سنين، كانت تقول: "لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ" (١). أمّها أمّ رومان ﵂ أمُّها الصَّحَابيَّة الجليلة أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرِ الكنانيّة، واسمها زينب، وقيل: دعد. أسلمت قديماً كما يدلُّ عليه كلام عائشة ﵂، أنَّها وجدت أبويها: أبا بكر، وأمَّ رومان منذ عقلت، وهما يدينان دين الإسلام. وقد هاجرت أمُّ رومان ﵂ بعدما استقرَّ أبو بكر ﵁ في المدينة.

стр. 22

إخوتها ﵂ تزوَّج أبو بكر في الجاهليَّة قتلة، أوقتيلة بنت عبد العزَّى القرشيَّة العامريَّة، واختلف في إسلامها، فولدت له: عبد الله، وأسماء (ذات النِّطاقين)، وتزوَّج أمَّ رومان، وولدت له: عبد الرَّحمن، وعائشة. وتزوَّج في الإسلام أسماء بنت عميس، وولدت له محمَّداً في طريق المدينة إلى مكة في حَجَّةِ الوَدَاع كما ثبت عند مسلم في حديث جابر بن عبد الله الطَّويل، وتزوَّج حبيبة بنت خارجة، وولدت له بعد وفاته أمَّ كلثوم. نشأتها ﵂ نشأت ﵂ في بيت أبيها أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، أعلم العرب قاطبة بِأَنْسَاب قريش، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لحسّان ﵁: "لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا ـ وَإِنَّ لي فِيهِمْ نَسَبًا ـ حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي" (١). وقد شابهت أباها في صفات عديدة وخلائق حميدة، فقد ورثت عنه الصِّدق، فهي الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق. وكان الصَّادق الأمين ﷺ قد أطلق على أبيها لقب الصِّدِّيق، حَدَّثَ أَنَسُ ﵁:أنّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ ﷺ : "اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ" (٢). والصِّدِّيق مرتبة دون الأنبياء وفوق الشُّهداء، قال تعالى: ﴿ا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (٦٩)﴾ [النّساء].

стр. 23

فأبوها أبو بكر ﵁ ليس ككلِّ الآباء، فقد شابه النَّبِيَّ ﷺ في خلال محمودة وخصال مشهودة، فإلى جانب صفة الصِّدق، وَصَفَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ في حديث الهجرة بصفات اشتهر بها النَّبيُّ ﷺ ، فقد قال له مستغرباً لمَّا لقيه خارجاً في طريقه إلى الحبشة: "إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ، وَلَا يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ " (١). وهي نظير صفات النَّبيِّ ﷺ الَّتي وصفت بها خديجة ﵂ النَّبِيَّ ﷺ في حديث بدء الوحي حيث قالت للنَّبِيِّ ﷺ :"إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ المعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (٢). ولمّا انطلقت خديجة به ﷺ بعد ذلك إلى ابن عمِّها وَرَقَة، استبعد ﷺ أن يخرجه قومه؛ لما جمع من مكارم الأخلاق، فلمّا قال له وَرَقَةُ: " ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومُكَ، فقال رسول الله ﷺ : أومخرجيَّ هم؟! قال: نعم؛ لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئت به إلّا عودي" (٣). ولعلَّ ابْنَ الدَّغِنَةِ استدلَّ بمكارم الأخلاق الَّتي حازها أبو بكر عَلَى أَنَّه لَا يَخْرُج. ولاعجبَ أن يجمع أبوبكر هذه الأخلاق كُلَّها، فقد كان صاحِبَ صَاحِب الخلق العظيم، الَّذي قال له ﷻ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم]، فلم

стр. 24

يمرَّ يومٌ إلّا ويزوره النَّبيُّ ﷺ صباحاً ومساءً، فطوبى لأعين اكتحلت برؤيتك يا رَسُولَ الله ﷺ مؤمنة! قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ في سياق حديث الهجرة: " وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المسْلِمُونَ خَرَجَ أَبو بَكْرٍ مُهَاجِراً قِبَلَ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ (١)، لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ (٢)، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ، فَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ، وَلَا يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ، فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحقِّ؟! فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَآمَنُوا أَبا بَكْرٍ، وَقَالُوا لِابنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبا بَكْرٍ، فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ، وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ؛ فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَبَرَزَ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ

стр. 25

عَلَيْهِ نِسَاءُ المشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ المشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، قَالَ أَبو بَكْرٍ: إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ الله، وَرَسُولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجَعَ إِلَى المدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ " (١) (. الهجرة لم تبلغْ أُسْرَةٌ في التَّضحية والبطولة والفداء ما بلغته أسرةُ أبي بكر ﵁، فقد بادر جميعُ أفراد هذه الأسرة إلى الإسلام، عدا عبد الرّحمن شقيق عائشة ﵂، فقد

стр. 26

تأخَّر إسلامه. وقدَّمت هذه الأسرةُ أعْظَمَ مثل في الجِهَاد يوم الهجرة، الَّتي تعدُّ نقطة تحوّل في تاريخ الدَّعوة، حتَّى أَمَرَ عُمَرُ ﵁ الصَّحابة في خلافته أن يؤرِّخوا بها، قال عمر ﵁: " الهجرة فرَّقت بين الحقِّ والباطل فأرِّخوا بها" (١)، وقال سهل بن سعد ﵁: " مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ المدِينَةَ " (٢). وقد روى البخاري قصّة الهجرة بطولها، وأقتطع منها دور هذه الأسرة الكريمة، قالت عائشة ﵂: " وَتَجَهَّزَ أَبو بَكْرٍ قِبَلَ المدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ، وَهُوَ الْخَبَطُ (٣)، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْماً جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ (٤)، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَقَنِّعاً فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، والله مَا جَاءَ به فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ

стр. 27

رَسُولُ الله ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ (١) ـ بِأَبِي أَنْتَ (٢) ـ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةَ (٣) ـ بِأَبِي أَنْتَ ـ يَا رَسُولَ الله، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : نَعَمْ، قَالَ أَبو بَكْرٍ: فَخُذْ ـ بِأَبِي أَنْتَ ـ يَا رَسُولَ الله، إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : بِالثَّمَنِ (٤). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ (٥) الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لهما سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ به عَلَى فَمِ الْجِرَابِ؛ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ. قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبو بَكرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ (٦)، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ (٧) بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي

стр. 28

رِسْلٍ (١)، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا (٢) حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ " (٣). هجرتها ﵂ وتحمّلها للمشاق لا شكَّ أنَّ الهجرة أشقُّ على النِّساء من الرِّجال، فالرِّجال من شأنهم السَّعي والضَّرب في أكباد الأرض، فبعد أن أقام النَّبيُّ ﷺ وصاحبه في المدينة مع المسلمين مهاجرين وأنصار، هاجرت عائشة وأسماء معاً مع بنات النَّبيِّ ﷺ ومع آل أبى بكر، فنزلوا جميعاً المدينة. وقد تحمَّلت عائشة ﵂ كغيرها المصاعب في طريق الهجرة، روت عائشة ﵂، قالت: "قدمنا مهاجرين، فسلكنا في ثنيَّة صعبة، فنفر جمل كُنْتُ عليه نُفُوراً مُنكراً، فوالله ما أَنْسَى قول أمِّي: يا عريسة، فركِبَ بي رأسَه، فَسَمِعْتُ قائِلاً يقول: ألقي خِطَامَه، فألقيته، فقام يستدير كأنَّما إنسانٌ قائمٌ تحته" (٤). ولمَّا وصلت عائشة المدينة نزلت مع أهلها في دار بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، ومرضت بالحمَّى حتَّى تمزَّق شعرها، روى البخاري عنها أنَّها ﵂ قالت: " فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ (انْتَتَفَ) شَعَرِي فَوَفَى (٥)

стр. 29

جُمَيْمَةً (١) " (٢). وعند مسلم أنَّها مرضت شهراً كاملاً، تقول عائشة ﵂:"قَدِمْنَا المَدِينَةَ فَوُعِكْتُ شَهْراً فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً" (٣). وكانت المدينة عند قدومهم وبِئَة، فلمّا رأى النَّبيُّ ﷺ شكوى أصحابه، دعا لها أن يصحِّحها وينقل حمَّاها إلى الجُحْفَة فأجاب الله دعوته، تقول عائشة ﵂: "قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: "اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ (٤) " (٥). وفي الحديث من الفقه: جواز التَّداوي بالدّعاء لرفع الوباء وكشف البلاء، وفيه الدُّعاء للمسلمين بالبركة والرَّخاء ورفع الدَّاء، وجواز الدُّعاء على الأعداء لشغلهم عن الدَّعوة، فقد دعا ﷺ بنقل الحمَّى إلى الجحفة وكانت دار شرك فكفى الله المؤمنين. وكان ﷺ قد دعا على قريش لمَّا أبطؤوا عن الإسلام واستعصوا عليه ورأى منهم إدباراً، فقال: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" (٦).

стр. 30

بناء النبي ﷺ بها ﵂ ووصف زفافها كان النَّبيُّ ﷺ تزوَّج من عائشة ﵂ مُتَوَفَّى خَدِيجَةَ ﵂، قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث، وبعد الهجرة بنى بها بالمدينة أوَّل مقدمه في السَّنة الأولى، تقول عَائِشَةُ ﵂: " فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ، وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ الله ﷺ ضُحىً، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ" (١). ومن فقه الحديث جواز تزويج الأب لابنته الصَّغيرة، ومشروعيَّة اجتماع النِّساء لإعلان النّكاح، واستحباب الدُّعاء بالخير والبركة للزّوجين ممَّن حضر الدَّعوة، وأنَّ تهنئة النّكاح لها صيغ مشروعة، فقد نهى النَّبيُّ ﷺ أن يُقالَ للمتزوِّج: بِالرِّفَاءِ (٢) وَالْبَنِينَ، تهنئة الجاهليَّة كما تقول العامّة اليوم على عادة الجاهليَّة. روى أحمد عنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ

стр. 31

بَنِي جُشَمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ القَوْمُ، فَقَالُوا: "بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَقَالَ: لَا تَقُولُوا ذَلِكَ (١)، قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا يَزِيدَ؟ قَالَ: قُولُوا: بَارَكَ اللهُ لَكُمْ، وَبَارَكَ عَلَيْكُمْ؛ إِنَّا كَذَلِكَ كُنَّا نُؤْمَرُ" (٢). هذا وقد قدَّم النَّبيُّ ﷺ لعائشة ﵂ ولصواحبها اللَّبن، ملاطفة لها، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ منه، ففي حديث أَسْمَاء بِنْت يَزِيدَ بْن السَّكَنِ، قالت: وإِنِّي قَيَّنْتُ (زيَّنت) عَائِشَةَ لِرَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ جِئْتُهُ، فَدَعَوْتُهُ لِجِلْوَتِهَا (٣)، فَجَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا، فَأُتِيَ بِعُسِّ لَبَنٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَها النَّبِيُّ ﷺ ، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَانْتَهَرْتُها، وَقُلْتُ لَهَا: خُذِي مِنْ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: فَأَخَذَتْ، فَشَرِبَتْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لها النَّبِيُّ ﷺ : "أَعْطِي تِرْبَكِ" (٤). وقد تغيَّر حال النّساء كثيراً في عهدنا عن عهد النُّبوَّة، وهذه عائشة ﵂، تقول: " لَوْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسْجِدَ" (٥). فإذا كان حال النّساء قد تغيَّر في حياة عائشة ﵂ من لبس الزِّينة وحسن الثياب، فالحال بعد موت عائشة ﵂ أبعد مِنْ ذلك!

стр. 32

إتيان الملك النّبيّ ﷺ بصورة عائشة ﵂ قبل أن يتزوجها في سرقة من حرير قال النَّبيُّ ﷺ لعائشة: "رَأَيْتُكِ فِي المنَامِ يَجِيءُ بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ (١) مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله يُمْضِهِ" (٢). صفة عائشة ﵂ - كانت عائشة ﵂ بيضاء، فلمّا دَخَلَ الْحَبَشَةُ المَسْجِدَ يَلْعَبُونَ، قَالَ لها النَّبِيُّ ﷺ : "يَا حُمَيْرَاءُ، أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ؟ " (٣). أي يا بيضاء، تصغير الحَمْرَاء وهو تصغير إكرام ورحمة. فالعرب كانت تقول لمن علا لونه البياض أحمر، ومنه قوله ﷺ : " بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " (٤). وكانت إلى الطّول أقرب، فقد وصفت صفيَّة بالقِصَر، وقالت: " يَا رَسُولَ الله، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ ـ وَقَالَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَعْنِي قَصِيرَةً ـ، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ، لَوْ مُزِجَ بِهَا مَاءُ البَحْرِ مَزَجَتْ" (٥).

стр. 33

وكانت في حداثة سنِّها نحيفة خفيفة قليلة اللَّحم، وكانت النِّساء عامَّة في ذلك العصر خفافاً لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْم، حتَّى الّذين كانوا يحملون هودجها فارغاً يحسبونها فيه، روى البخاري عنها ﵂، قالت: " وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ (القليل) مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِر القَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ" (١). ثمَّ لمّا كبرت بَدُنْتُ ورهقها اللَّحمُ، أخرج أحمد بسند صحيح عن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا: فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ بِتِلْكَ" (٢). وكانت عائشة ﵂ وضيئة الوجه، وسيمة، حسنة؛ فمن وصيَّة عمر ﵁ لابنته حفصة، في رواية عبيد الله بن عبد الله، قال لها: "وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكَ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبيِّ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ " (٣) وفي رواية

стр. 34

عُبَيْدِ بنِ حُنَيْنٍ عند الشَّيخين: "لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُها حُبُّ رَسُولِ الله ﷺ إِيَّاهَا يُرِيدُ عَائِشَةَ " (١). وفي رواية مَعْمَر عند مسلم: "وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مِنْكِ، يُرِيدُ عَائِشَةَ" (٢). وكانت ﵂ ذكيَّة، قويَّة الذَّاكرة، قويَّة الحافِظَة؛ فقد حفظت عن رسول الله ﷺ شيئاً كثيراً، وحملت عنه الحديث الشَّريف ووعته وأدَّته عن ظهر قلب، لم تَخْرِم منه حرفاً. صداق عائشة ﵂ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشّاً، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ لِأَزْوَاجِهِ" (٣). والصَّداق (المهر) حقّ للمرأة في الإسلام، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً (٤)﴾ [النّساء]. قَسَم النّبيّ ﷺ لعائشة ﵂ ليلتين وليلة لسائر نسائه لمَّا كَبِرَتْ أمُّ المؤمنين سَوْدَة ﵂ وتقدَّمت في العمر وَهَبَتْ يومها لعائشة ابتغاء سُرُور رسول الله ﷺ ، عنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:

стр. 35

" وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ الله ﷺ " (١). وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا (٢) مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ (٣)، قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ، جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ" (٤). حجرتها ﵂ - أسكن المصطفى ﷺ عائشة ﵂ في حجرة ملاصقة للمسجد النَّبويِّ، وكان النَّبيُّ ﷺ قد بنى حجرات لأمّهات المؤمنين بعد بناء المسجد، وقد جاء ذكر تلك الحجرات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات]، وفي الصَّحيح، قال ﷺ : "مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ ـ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ ـ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ" (٥). وكان النَّبيُّ ﷺ إذا اعتكف يمدّ رأسه إلى عائشة ﵂ مِن المسجد ويُدْنِيه منها، فتغسله وتسرّحه، تقول عائشة ﵂: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ

стр. 36

مُجَاوِرٌ (١) فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (٢). وعند مسلم عنها ﵂: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (٣). وقد اسْتُهِلَّتِ السَّمَاءُ ذات ليلة والنَّبيُّ ﷺ معتكف، فَأَمْطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان من جريد النَّخل، فلمَّا أقيمت صلاةُ الصُّبح سَجَدَ ﷺ في الطِّين والماء، فلمَّا فرغ من صلاته رأى بعض الصَّحابة أثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ، قَال أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: "مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً" (٤). ولعلَّ بناء الحجرات كان على نعت بِنَاء المسجد مِن لبن وجريد النَّخل، وفي "الأدب المفرد" بسند صحيح عن دَاوُد بن قَيْس، قَالَ: " رَأَيْتُ الْحُجُرَاتِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ" (٥). وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ بسند صحيح: " أَنَّهُ رَأَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جَرِيدٍ مَسْتُورَةً بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْتِ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ بَابُهُ مِنْ وِجْهَةِ الشَّامِ. فَقُلْتُ: مِصْرَاعاً كَانَ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ بَابًا وَاحِداً. قُلْتُ: مِنْ أَيِّ

стр. 37

شَيْءٍ كَانَ؟ قَالَ: مِنْ عَرْعَرٍ أو ساج" (١). وكانت الحجرات غير متطاولة في البنيان، أخرج البخاري بسند صحيح عن الحسن البصري، قال: " كنتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَتَنَاوَلُ سُقُفَها بيدِي" (٢). وعرفت حجرتها ﵂ بمهبط الوحي؛ لأنَّ الوحي هَبَطَ على النَّبيِّ ﷺ فيها غير مرَّة. وما زالت حجرتها الشَّريفة قائمة تحت القبَّة الخضراء المنيفة تضمُّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةً. صفة أثاث حجرتها ﵂ - كان النَّبيُّ ﷺ متقلِّلاً متخفِّفاً من أمتعة الدُّنيا الفانية، وَصَفَتْ ﵂ أثاث حجرتها وذكرت أنَّ المصطفى ﷺ كان فراشه من جِلْدٍ مدبوغ حَشْوُه قِشْر النَّخل، قالت ﵂: "إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَماً حَشْوُهُ لِيفٌ" (٣). وكان المصطفى ﷺ يكره ما زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنَ الْفِرَاشِ وَاللِّبَاسِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: "فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ" (٤). وكان من أثاث حجرتها وسائد من جلد حشوها ليف، فعنها ﵂: "كَانَ

стр. 38

وِسَادَةُ رَسُولِ الله ﷺ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْهَا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ" (١). وكان لها سرير تنام عليه، قالت عائشة ﵂: "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ" (٢). ولم يكن في حجرتها مصباح تستضيء به، وإنَّما جُلُوساً فِي الظُّلْمَةِ، قالت ﵂: "كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ وَرِجْلَايَ، فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" (٣). ومَا كان عندها زَيْتٌ تَسْرُجُ بِهِ، ولو كان عندها زيت لجعلته إداماً، قالت ﵂: " لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مِصْبَاحٌ لَائْتَدَمْنَا بِهِ " (٤). وكان لها في حجرتها رَفٌّ (شِبْهُ الطَّاقِ) تضع فيه مَا تريد حفظه مِن شعير وتمر، تقول عائشة ﵂: "تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ" (٥). نداؤه ﷺ عليها ﵂ وتسميتها كان النَّبيُّ ﷺ يتلطَّف مع عائشة ﵂ حتّى في ندائه لها ممَّا يشعر بمحبِّته

стр. 39

الكبيرة لها، فقد ناداها (عائش) على التَّرخيم، ففي الصَّحيحين عن عائشة ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا: " يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ " (١). ونادها (يا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيق)، فقد أخرج أحمد عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها قَالَتْ: " يَا رَسُولَ الله، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون] يَا رَسُولَ الله، هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الخمرَ، وَهُوَ يَخَافُ الله، قَالَ: لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يخاف الله " (٢). وناداها (يا حميراء) وهو تصغير حمراء لغلبة البياض عليها ويفيد التَّحبُّب، فعن أمِّ سلمة ﵂، قالت: "ذَكرَ النَّبِيُّ ﷺ خروجَ بعض أمَّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حُمَيْرَاء، ألَّا تكوني أنت " (٣). وناداها (يا موفَّقة) روى أحمد عن ابن عبَّاس، يقول: سمعت رسُولَ الله ﷺ ، يقول: " مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِأَبِي، فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ؟ فَقَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ، قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 40

فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي" (١). والفَرَط: الولد الذي مات قَبْلَ والديه، وفي الحديث بيانٌ لثَوابِ مَنْ مات له ولدٌ، فاحتَسَبَهُ، وَصَبَر على فَقْدِه، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الجنَّةُ " (٢). العلامة الّتي كان يعرف بها النّبيّ ﷺ رضاها وغضبها ﵂ كان النَّبيُّ ﷺ يعلم إن كانت عائشة ﵂ راضيةً عنه أم غضبى، قال لها ذات يوم: " إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ محمّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ والله يَا رَسُولَ الله، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ " (٣). ومن فقه الحديث حسن الهجر، فقد كانت ﵂ تتنكَّبُ ذِكْرَ اسمه ﷺ ، فتهجر الاسم ولا تهجر المسمَّى، وهذا بسبب الغيرة الَّتي جُبِلَ عليها النِّساء، ولذلك فقد يحدث بين الزَّوجين ما يوقع الخلاف، ولكن المرأة العاقلة لا تُعْرِض عن زوجها، ولا تسلقه بلسان حاد، ولا تتجرّأ عليه، وَلَا تَنْسَى الْفَضْلَ بينها وبينه. ومِن فقه الحديث حُسْنُ الخُلُقِ، فلم يكن النَّبيُّ ﷺ يقابِل غضبها بغضب
следующие страницы →