← Тараджим

Тараджим · id 539

الأثر الثمين في نصرة عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (265 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مُجَاوِرٌ (١) فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (٢). وعند مسلم عنها ﵂: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (٣). وقد اسْتُهِلَّتِ السَّمَاءُ ذات ليلة والنَّبيُّ ﷺ معتكف، فَأَمْطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان من جريد النَّخل، فلمَّا أقيمت صلاةُ الصُّبح سَجَدَ ﷺ في الطِّين والماء، فلمَّا فرغ من صلاته رأى بعض الصَّحابة أثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ، قَال أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: "مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً" (٤). ولعلَّ بناء الحجرات كان على نعت بِنَاء المسجد مِن لبن وجريد النَّخل، وفي "الأدب المفرد" بسند صحيح عن دَاوُد بن قَيْس، قَالَ: " رَأَيْتُ الْحُجُرَاتِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ" (٥). وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ بسند صحيح: " أَنَّهُ رَأَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جَرِيدٍ مَسْتُورَةً بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْتِ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ بَابُهُ مِنْ وِجْهَةِ الشَّامِ. فَقُلْتُ: مِصْرَاعاً كَانَ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ بَابًا وَاحِداً. قُلْتُ: مِنْ أَيِّ

стр. 37

شَيْءٍ كَانَ؟ قَالَ: مِنْ عَرْعَرٍ أو ساج" (١). وكانت الحجرات غير متطاولة في البنيان، أخرج البخاري بسند صحيح عن الحسن البصري، قال: " كنتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَتَنَاوَلُ سُقُفَها بيدِي" (٢). وعرفت حجرتها ﵂ بمهبط الوحي؛ لأنَّ الوحي هَبَطَ على النَّبيِّ ﷺ فيها غير مرَّة. وما زالت حجرتها الشَّريفة قائمة تحت القبَّة الخضراء المنيفة تضمُّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةً. صفة أثاث حجرتها ﵂ - كان النَّبيُّ ﷺ متقلِّلاً متخفِّفاً من أمتعة الدُّنيا الفانية، وَصَفَتْ ﵂ أثاث حجرتها وذكرت أنَّ المصطفى ﷺ كان فراشه من جِلْدٍ مدبوغ حَشْوُه قِشْر النَّخل، قالت ﵂: "إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَماً حَشْوُهُ لِيفٌ" (٣). وكان المصطفى ﷺ يكره ما زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنَ الْفِرَاشِ وَاللِّبَاسِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: "فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ" (٤). وكان من أثاث حجرتها وسائد من جلد حشوها ليف، فعنها ﵂: "كَانَ

стр. 38

وِسَادَةُ رَسُولِ الله ﷺ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْهَا مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ" (١). وكان لها سرير تنام عليه، قالت عائشة ﵂: "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ" (٢). ولم يكن في حجرتها مصباح تستضيء به، وإنَّما جُلُوساً فِي الظُّلْمَةِ، قالت ﵂: "كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ وَرِجْلَايَ، فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ" (٣). ومَا كان عندها زَيْتٌ تَسْرُجُ بِهِ، ولو كان عندها زيت لجعلته إداماً، قالت ﵂: " لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مِصْبَاحٌ لَائْتَدَمْنَا بِهِ " (٤). وكان لها في حجرتها رَفٌّ (شِبْهُ الطَّاقِ) تضع فيه مَا تريد حفظه مِن شعير وتمر، تقول عائشة ﵂: "تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ" (٥). نداؤه ﷺ عليها ﵂ وتسميتها كان النَّبيُّ ﷺ يتلطَّف مع عائشة ﵂ حتّى في ندائه لها ممَّا يشعر بمحبِّته

стр. 39

الكبيرة لها، فقد ناداها (عائش) على التَّرخيم، ففي الصَّحيحين عن عائشة ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا: " يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ " (١). ونادها (يا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيق)، فقد أخرج أحمد عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها قَالَتْ: " يَا رَسُولَ الله، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون] يَا رَسُولَ الله، هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الخمرَ، وَهُوَ يَخَافُ الله، قَالَ: لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يخاف الله " (٢). وناداها (يا حميراء) وهو تصغير حمراء لغلبة البياض عليها ويفيد التَّحبُّب، فعن أمِّ سلمة ﵂، قالت: "ذَكرَ النَّبِيُّ ﷺ خروجَ بعض أمَّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حُمَيْرَاء، ألَّا تكوني أنت " (٣). وناداها (يا موفَّقة) روى أحمد عن ابن عبَّاس، يقول: سمعت رسُولَ الله ﷺ ، يقول: " مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِأَبِي، فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ؟ فَقَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ، قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 40

فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي" (١). والفَرَط: الولد الذي مات قَبْلَ والديه، وفي الحديث بيانٌ لثَوابِ مَنْ مات له ولدٌ، فاحتَسَبَهُ، وَصَبَر على فَقْدِه، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الجنَّةُ " (٢). العلامة الّتي كان يعرف بها النّبيّ ﷺ رضاها وغضبها ﵂ كان النَّبيُّ ﷺ يعلم إن كانت عائشة ﵂ راضيةً عنه أم غضبى، قال لها ذات يوم: " إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ محمّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ والله يَا رَسُولَ الله، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ " (٣). ومن فقه الحديث حسن الهجر، فقد كانت ﵂ تتنكَّبُ ذِكْرَ اسمه ﷺ ، فتهجر الاسم ولا تهجر المسمَّى، وهذا بسبب الغيرة الَّتي جُبِلَ عليها النِّساء، ولذلك فقد يحدث بين الزَّوجين ما يوقع الخلاف، ولكن المرأة العاقلة لا تُعْرِض عن زوجها، ولا تسلقه بلسان حاد، ولا تتجرّأ عليه، وَلَا تَنْسَى الْفَضْلَ بينها وبينه. ومِن فقه الحديث حُسْنُ الخُلُقِ، فلم يكن النَّبيُّ ﷺ يقابِل غضبها بغضب

стр. 41

مثله، وإنَّما كان يأخذها بالرِّفق واللُّطف والمودَّة والرَّحمة، وفي التَّنزيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم] وهذا مِن السِّياسة الشَّرعيَّة في الحياة الزَّوجيَّة. غيرتها ﵂ - مَا غارت عائشة ﵂ على امرأة للنَّبِيِّ ﷺ كما غَارت على خديجة ﵂، أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: "مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ الله ﷺ كَمَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ الله ﷺ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أُوحِيَ إلى رَسُولِ الله ﷺ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ لَهَا فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ" (١) أي من لؤلؤ مجوَّف. ولا غرابةَ أنْ يُكْثِرَ النَّبيُّ ﷺ من ذكر خديجة ﵂ بعد موتها، فَمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر ذِكْرَه وفاءً ومحبَّةً له، فكيف بسيِّد الأنبياء والأوفياء ﷺ ! ولذلك كان ﷺ كثيراً ما يذكرها، ويثني عليها أحسنَ الثَّناء، فكانت عائشة ﵂ تأخذها الغيرةُ، روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ؛ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةَ، قَالَتْ فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ (٢)، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ الله خَيْراً مِنْهَا " (٣). أي أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا سمع صوت هالة أخت خديجة تستأذن، تَذَكَّر خديجة؛ لشبه صوتها بصوت أختها، فاهتزَّ لذلك فرحاً، فقالت عائشة ﵂ ما قالت معبِّرة

стр. 42

عن غيرتها، وأمر الغيرة معلوم أنَّه معفوٌّ عنه. وقد فهم بعض أهل العلم من سكوت النَّبيِّ ﷺ على مَقَالَةِ عائشة ﵂ أنَّها أفضل مِن خديجة، وهذا فهم محجوج بما رواه أحمد مِن أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ لأجْلِ ذلك، وَرَدَّ عليها، وقال لها: " مَا أَبْدَلَنِي الله ـ ـ خَيْراً مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِها إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي الله ـ ـ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" (١). وفي الصَّحيحين مِن حديث عائشة قصَّة طريفة تبيِّن شدَّة غيرتها ﵂ وفرط محبَّتها له ﷺ ، حتَّى تمنَّت لو أنَّ عَقْرَباً أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُها، قالت: "كَانَ ﷺ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ القُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ (٢)، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا " (٣). وممَّا وقع لها من الغيرة أنَّها لمَّا كانت ليلتها ذات مرَّة، ورجع النَّبيُّ ﷺ إليها

стр. 43

ليلاً، فوضع رداءَه، وخلع نعليه، واضطجع حتَّى ظنَّ أنَّها قد نامت، فكره أن يوقظها خشية أن تستوحش، فأخذ رداءه وانتعل رويداً لئلَّا ينبِّهها، وفتح الباب فخرج، ثمّ أغلقه رويداً، فظنَّت عائشة ﵂ أنَّه قد خرج إلى بَعْضِ أُمَّهات المؤمنين في ليلتها، فحملتها الغيرة على أن تلحق به ﷺ . وكان جبريل ﵇ قد ناداه وأخبره بأنَّ الله تعالى يأمره أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم؛ فأتى ﷺ أهل البقيع واستغفر لهم، ثمَّ رَجَعَ ﷺ فَرَجَعَتْ عائشة ﵂، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعَتْ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلَتْ، فعَدَا فَعَدَتْ، فسبقته، واضجعت في فراشها، فدخل ﷺ فرأى ارتفاع نفسها وتواتره، فسألها إن كانت هي الشَّخص الَّذي كان أمامه، فأجابته: نعم؛ فجمع كفه ﷺ ودفعها في صدرها، وأخبرها القصَّة، والقصَّة بطولها في صحيح مسلم وغيره. قالت عائشة ﵂:"لمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ (أَغْلَقَه) رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ، حَشْيَا رَابِيَةً (١)، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخْبِرِينِي أَوْ

стр. 44

لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ (١)، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله (٢)؟ قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ" (٣). ولم تسلم عائشة ﵂ إلى يومنا مِمَّنْ شغب، وقَال: إنَّ عائشة لمَّا قَال لها النَّبيُّ ﷺ : "أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: نعم". قلنا: عائشة ﵂ أتقى لله تعالى وأعلم مِنْ أن تخاف أن يحِيفَ الله عليها ورسُولُه! وَمَنْ ذهب إلى أنَّ عائشة خشيت من الجوْر والظُّلم ليس عنده أثارة من عِلْم، ولا بقيَّة من فهم؛ فلم يدرس الأحاديث المشكلة طرقها ومخارجها وعللها. والحَيْفُ في اللّغة: المَيْلُ فِي الحُكم، ولَعَلَّ المعنى: أخِفْتِ الميل في الحكم وتبدّله بإسقاط الشَّرع حقَّك مِن ليلتك؟ فقالت: نعم، أي خفت ميل الشَّرع بأن

стр. 45

يكون أجاز أَخْذَ ليلتي مِن يدي. وهذا ليس حيْفاً، لكن لمَّا كان الحَيْفُ والمَيْلُ بمعنى، أُقِيْمَ مَقَامَه. أو أنَّها جاءت بكلمة (نعم) تصَدِّق نفسها، أي لمَّا قالت للنَّبيِّ ﷺ : "مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ " قالت مصدِّقة نفسها: "نعم". أو أنَّ كلمة (نعم) من كلام النَّبيِّ ﷺ ، فقد أخرج أحمد والنّسائي والطَّبراني كلمة (نعم) في سياق حديث المصطفى ﷺ ، ففي المسند "وَقَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ عَلَيْكِ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ " (١) الحديث. ومن غيرتها، قَالَتْ: "افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي لَفِي شَأْنٍ وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ" (٢). أي لمَّا بحثت عنه في الظلمة ووجدته راكعاً أو ساجداً عجبت من أمر غيرتها. فضل عائشة ﵂ على سائر النّساء اعلم أنَّ لخديجة وعائشة شَأْواً في الإسلام لا يُلْحَق أبداً، وأنَّهما مُقَدَّمات في الفضل على سائر أمَّهات المؤمنين، وأنَّ سبق خديجة ﵂ وفضلها في أوَّل الإسلام من المؤازرة والنُّصرة لم تشركها فيه عائشة ﵂، وقد جاء صريحاً أنَّها خير نساء زمانها، قَالَ ﷺ : "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ (٣) " (٤).

стр. 46

واعْلَم أنَّ فضل عائشة ﵂ في آخر الإسلام، ونقلها ونشرها للعلم، وروايتها وتوثيقها للسُّنَّة، لم تشركها فيه خديجة، فحسبها فضلاً أنَّها عَقَلَتْ منه ﷺ ما لَمْ تَعْقِلْ غَيْرُهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَرَوَتْ عَنْهُ ﷺ مَا لَمْ يَرْوِ مِثْلُهَا كثير مِنَ الرِّجَالِ. وقد فضلت عائشة ﵂ على سائر النِّساء بمزيد محبَّته ﷺ لها، قال ﷺ : " وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ (١) عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" (٢). فالحديث فيه دلالة على زيادة محبّة المصطفى ﷺ لعائشة على سائر أمّهات المؤمنين؛ فتشبيه فضل عائشة بفضل الثَّريد كناية عن مزيد محبَّته لها، فكما أنَّ الثَّريد أحبّ الأطعمة إلى نفوس العرب، كذلك عائشة ﵂ أحبّ نسائه إليه ﷺ . أحب الناس إلى النّبيّ ﷺ عائشة ﵂ - أخرج الشّيخان مِن رواية عَمْرو بْن العَاص أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَه عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاسِلِ، قَالَ: "فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، فَعَدَّ رِجَالًا" (٣). ويظهر أنَّ السّؤال كان عن أهله دون سائر النِّساء من فاطمة ﵂ وغيرها، فقد جاء مقيَّداً من حديث أَنَسٍ الّذي أخرجه ابن حبّان بسند صحيح، قَالَ: "سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ عن

стр. 47

أهلك نسألك، قال: فأبوها" (١). ولعلَّ من جملة أسباب زيادة محبَّته ﷺ لها ﵂ كثرة حفظها وتبليغها عنه ﷺ . الأمر بمحبّة عائشة ﵂ - كَانَ المُسْلِمُونَ يعلمون حُبَّ النَّبيِّ ﷺ لأمِّ المؤمنين عَائِشَةَ ﵂؛ فقد صرَّح بأنَّها أحبُّ النَّاس إليه. فكان أَحَدهمْ إذا أراد أن يهدي هَدِيَّةً إِلَى رَسُولِ الله ﷺ أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ أهدى إليه، طلباً لسروره ورضاه، روى الشّيخان عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ الله ﷺ " (٢). فحملت الغيرة بعض أزواج النَّبيِّ ﷺ أن يطلبْنَ مِنه المساواة في المحبَّة، وأن يأمر النَّاس بأن يهدوا لَه حيث كان. وكلا الأمرين لا يجب على النَّبيِّ ﷺ ، فمحبّة القلب لا يملكها النَّبيُّ ﷺ ، أمَّا طلب الهديَّة فما كان النَّبيُّ ﷺ أن يطلب ذلك مِنْ أصحابه ﵃؛ لأنَّه ينافي كماله ﷺ . فأرسلْنَ فاطمة ﵂ لعظيم منزلتها عنده ﷺ ، فكلَّمته، فقال لها ﷺ : "أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ" يعني عائشة ﵂. روى الشَّيخان عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: " أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ

стр. 48

- ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لها، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ: فَقَالَ لها رَسُولُ الله ﷺ :أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ. قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ الله، فَقُلْنَ لها: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ العَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَالله لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَداً. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي المَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْراً فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لله وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً (١) مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الفَيْئَةَ (٢)، قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَرَسُولُ الله ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ العَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا، قَالَتْ:

стр. 49

فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ الله وَتَبَسَّمَ: إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ " (١). وفي الحديث وُجُوْب مَحبَّة عائشة ﵂ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لقوله ﷺ لابنته فاطمة ﵂ بصيغة الأمر:"فَأَحِبِّي هَذِهِ" أي عائشة ﵂. نزول الوحي ﵇ على النّبيّ ﷺ في بيت عائشة ﵂ دون سائر نسائه قال النَّبيُّ ﷺ : "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ والله مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا" (٢). رؤية عائشة ﵂ للوحي ﵇ على صورة دحية الكلبي ﵁ - من فضائل عائشة ﵂ ما رواه أحمد بإسناد حسن عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَعْرَفَةِ (٣) فَرَسٍ، وَهُوَ يُكَلِّمُ رَجُلًا، قُلْتُ: رَأَيْتُكَ وَاضِعًا يَدَيْكَ على مَعْرَفَةِ فَرَسِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَأَنْتَ تُكَلِّمُهُ، قَالَ: رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، وَهُوَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ، قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ" (٤).

стр. 50

وانظر كيف لم يواجِه عائشة ﵂ بالسَّلام لأجل زوجها، فمن هذه حالتها، كيف يصدَّق عليها كذب الأفَّاكين؟! البرهان بأنّ جبريل ﵇ أقرأ عائشة ﵂ السّلام لعائشة ﵂ من الفضائل المشهورة، والمناقب المأثورة الشَّيء الكثير، روى الشَّيخان عن عائشة ﵂، قالت: قالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْماً: "يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى، تُرِيدُ رَسُولَ الله ﷺ " (١). ومن فقه الحديث أنَّ مَنْ بَلَغَ إليه سلام غائب عنه، عليه أن يردَّ ﵇ كما يردّ على الحاضر؛ فَإِنّ جِبْرِيل ﵇ سَلَّمَ على عائشة ﵂ على لِسَان النَّبِيِّ ﷺ ، فردّت ﵇. ومن فقه الحديث أن النَّبِيَّ ﷺ يرى ما لا يرى النَّاس، وهذا ممَّا اختصَّ به ﷺ . جهادها ﵂ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: " لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ" (٢).

стр. 51

ويوم الخَنْدَقِ خَرَجَت ﵂ تقْفُو آثَارَ النَّاسِ، قَالَتْ: "فَسَمِعْتُ وَئِيدَ الأرْضِ وَرَائِي ـ يَعْنِي حِسَّ الْأَرْضِ ـ قَالَتْ: فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، يَحْمِلُ مِجَنَّهُ. قَالَتْ: فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ، فَأَنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ. قَالَتْ: وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ. قَالَتْ: فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: لَبِّثْ (١) قَلِيلًا يُدْرِكُ الْهَيْجَا حَمَلْ (٢) مَا أَحْسَنَ المَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ قَالَتْ: فَقُمْتُ، فَاقْتَحَمْتُ حَدِيقَةً، فَإِذَا فِيهَا نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَإِذَا فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ تَسْبِغَةٌ (٣) لَهُ ـ يَعْنِي مِغْفَراً ـ فَقَالَ عُمَرُ: مَا جَاءَ بِكِ؟ لَعَمْرِي وَالله إِنَّكِ لَجَرِيئَةٌ، وَمَا يُؤْمِنُكِ أَنْ يَكُونَ بَلَاءٌ، أَوْ يَكُونَ تَحَوُّزٌ (٤)؟ قَالَتْ: فَمَا زَالَ يَلُومُنِي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّ الأَرْضَ انْشَقَّتْ لِي سَاعَتَئِذٍ، فَدَخَلْتُ فِيهَا. قَالَتْ: فَرَفَعَ الرَّجُلُ التَّسْبِغَةَ عَنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، وَيْحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ مُنْذُ الْيَوْمَ، وَأَيْنَ التَّحَوُّزُ أَو الفِرَارُ إِلَّا إِلى الله ؟ " (٥).

стр. 52

سبب كنيتها بأم عبد الله أخرج أحمد بإسناد صحيح عن عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَقَالَ: "هَذَا عَبْدُ الله، وَأَنْتِ أُمُّ عَبْدِ الله" (١). وعبد الله بن الزُّبير أوَّل مولود ولِدَ في الإسلام للمهاجرين، هاجرت به أمّه أسماء بنت أبي بكر حملاً، ووضعته بقباء في السَّنة الأولى من الهجرة. ومن فقه الحديث مشروعيّة التَّكَنِّي حتّى لو لم يكن ولد، وهذا خُلُقٌ إسلاميّ غاب عن كثير من النَّاس، فأمّ المؤمنين عائشة ﵂ كان يُقال لها أمّ عبد الله حتَّى ماتت وما ولدت قطُّ، وعبد الله هو ابن أسماء أخت عائشة، فعائشة خالته. من نعم الله عليها ﵂ تقول عائشة ﵂: " إِنَّ مِنْ نِعَمِ الله عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي (٢)، وَأَنَّ الله جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ الله ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ (٣) أَوْ عُلْبَةٌ، فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الماءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، إِنَّ

стр. 53

لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى. حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ " (١). القدر الّذي مكثت فيه عائشة ﵂ عند النّبيّ ﷺ - أخرج البخاري عَنْ عُرْوَةَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعاً " (٢). أي أنَّ النَّبيَّ ﷺ مات عنها ﵂ ولها نحو ثمانية عشر عاماً، وقد عَاشَتْ بعده قرابة خمسين عاماً. عبادتها ﵂ وخوفها من الله تعالى عاشت عائشة ﵂ في بيت النّبوَّة، ورأت النَّبيَّ ﷺ يقوم اللَّيلَ حتَّى تتفطَّر قدماه، وَقَدْ غَفَرَ الله لَه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه وَمَا تَأَخَّرَ، فكانت ﵂ تقوم اللَّيل، وتداوم على قيامه، ولذلك تراها توصي عبد الله بن أبي قيس، وتقول له: "لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ صَلَّى قَاعِدًا " (٣). وكانت ﵂ إذا صلَّت الضّحى أطالت، قَال عَبْدُ الله بْن أَبِي مُوسَى: "أَرْسَلَنِي مُدْرِكٌ، إِلَى عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ أَشْيَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهَا، فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي الضُّحَى فَقُلْتُ: أَقْعُدُ حَتَّى تَفْرُغَ، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ " (٤). وعنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ

стр. 54

السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطّور]، فَبَكَتْ، وَقَالَتْ: " رَبِّ مُنَّ، وَقِنِي عَذَابَ السَّمُومِ" (١). فصاحتها ﵂ - كانت ﵂ فصيحة اللِّسان عالية البيان، إذا خطبت ملكت على النَّاس مسامعهم، قال مُوسَى بْن طَلْحَةَ: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ" (٢). ولا ريب أنَّ الفصاحة والبيان من أجمل ما يتحلَّى به الإنسان، لمَّا تُوُفِّيَ الصِّدِّيْقُ ﵁ ودفن بجوار النَّبيِّ ﷺ وَقَفَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَلَى قَبْرِهِ، وراحت ترسل كلاماً على سجيَّته، ليس من السَّهل أن تبلغ بلاغته، قالت: "نَضَّرَ اللهُ وَجْهَكَ يَا أَبَتِ، وَشَكَرَ لَكَ صَالِح سَعْيِكَ، فَلَقَدْ كُنْتَ لِلدُّنْيَا مُذِلّاً بِإِدْبَارِكِ عَنْهَا، وَلِلآخِرَةِ مُعِزّاً بِإِقْبَالِكَ عَلَيْهَا، وَلَئِنْ كَانَ أَجَلَّ الْحَوَادِثِ بَعْدَ رَسُوْلِ الله ﷺ رَزْؤُكَ وَأَعْظَمَ المَصَائِبِ بَعْدَهُ، فَقَدْ كَانَ كِتَابُ الله لَيَعِدُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ عَنْكَ حُسْنَ العِوَضِ مِنْكَ، وَأَنَا أَسْتَنْجِزُ مَوْعُوْدَ الله فِيْكَ بِالصَّبْرِ، وَأَسْتَقْضَيْهِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَكَ، أَمَا لَئِنْ كَانُوْا قَامُوْا بِأَمْر الدُّنْيَا فلَقَدْ قُمْتَ بِأَمْرِ الدِّيْنِ لمَّا وَهَى شُعَبُهُ، وَتَفَاقَمَ صَدْعُهُ، وَرَجُفَتْ جَوَانِبُهُ؛ فَعَلَيْكَ سَلَامُ الله تَوْدِيْعَ غَيْرِ قَالِيَةٍ لِحَيَاتِكَ، وَلَا زَارِيَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ فِيْكَ! " (٣). وفاتها والصّلاة عليها ودفنها كَانَت وفاتها في عهد معاوية ﵁، سنة ثَمَان وَخمسين من الْهِجْرَة فِي رَمَضَان لَيْلَة الثُّلَاثَاء لسبع عشرَة خلت مِنْهُ عِنْد الْأَكْثَرين، وصلَّى عليها أبو هريرة ﵁،

стр. 55

وكانت ﵂ قد أوصت عبد الله بن الزُّبير ﵄ أنْ تُدْفَنَ مع صواحبها أمَّهات المؤمنين في البقيع مدفن أهل المدينة، وقالت له: "ادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي، وَلَا تَدْفِنِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي البَيْتِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى" (١). وفي الصَّحيح عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ: " ائْذَنِي لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، فَقَالَتْ: إِي وَالله، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَتْ: لَا والله، لَا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا" (٢). من حقوق النّبيّ الأمين ﷺ توقير أمّهات المؤمنين أوجب الله تعالى تعظيم الفاضل في الدُّنيا على المفضول، مثل تفضيل النَّبيِّ ﷺ على سائر النَّبيِّين، وسائر الصَّحابة على سائر التَّابعين فإذا تقرّر ذلك، فإنّا لا نرى أَوْجَبَ بعد تعظيمه ﷺ من تعظيم زوجاته، اللّواتي أكرمهنَّ اللهُ بصحبة رسوله، وجعلهنَّ أمَّهات للمؤمنين: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ [الأحزاب] فأوجب لهنَّ حقَّ الأمومة على كلّ مؤمن، ولا يخفى ما للأمِّ من عظيم حقّ، فكيف بأمّهات المؤمنين المخاطبات بقوله سبحانه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ (٣٢)﴾ [الأحزاب]! والمحسنات اللّواتي اخترن الله ورسوله والدَّار الآخرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب].

стр. 56

القسم الثَّاني حديث الإفك أذى المنافقين لسيّد المرسلين ﷺ في عائشة أم المؤمنين ﵂ - ما انفكَّ المنافقون يؤذون النَّبيَّ ﷺ حتَّى آذوه في أحبِّ النَّاس إليه، فقد حاكوا حديث الإفك في الَّذين آمنوا وأذاعوه وأشاعوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النّور]. فنزل بالنَّبيِّ ﷺ وعائشة ﵂ مِن الهمِّ ما الله به عليم، حيث تأخَّر نزول الوحي ببراءتها شهراً. لقد كانت هذه الحادثة درساً لأهل الإيمان على مرِّ الزَّمان، فما مِن بلاء يصاب به الإنسان إلّا وأصاب النَّبيَّ ﷺ مثله أو أشدَّ منه. وهذا الحديث تداولته كتب الحديث والتّاريخ والسِّير وغيرها، وتناقله الرّواة وأهل الأخبار والآثار، ولكن ليس كلّ ما نُقِلَ صحيحاً، فهناك الصَّحيح والضَّعيف، والطَّيِّب والخبيث، وهناك أقلام ما زالت تتحامل، وتُسْقِم الصَّحيح، وتبْرِئ السَّقيم. ما أشدَّ ضرر المنافقين على المؤمنين! فالنفاق مضاد للإيمان، قَال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (٦٧)﴾ [التّوبة]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ (٧١)﴾ [التّوبة].

стр. 57

أربعة وردت براءتهم في القرآن الكريم برَّأَ اللهُ تعالى في كتابه نَبِيَّيْنِ وصدِّيقتين، أمَّا النَّبيَّان فهما: موسى ويوسف ﵉، وأمَّا الصِّدِّيقتان فهما: مريم ﵍ وعائشة ﵂. فقد آذى موسى ﵇ مَنْ آذاه مِنْ بني إسرائيل واتَّهموه بعيْبٍ في جِلْدِه، ونسبوه إلى نقص في خِلْقَتِه، ذلك أنَّ موسى ﵇ كان من شدَّة حيائه لا يُرَى من جلده شيءٌ، فأراد اللهُ تعالى أَنْ يبرِّئه ممَّا قالوا، فخرج موسى ﵇ ذاتَ يوم يغتسل في خَلْوَة، فوضع ثيابَهُ على حَجَر، فلمَّا فرغ أقْبَل إلى ثيابه ليأخُذَها، فعَدَا الحَجَرُ بثوبه ومضى مسرعاً، فأخذ موسى ﵇ عصاه في أثره، فجعل يقول: ثَوْبِي يا حَجَرُ، ثَوْبِي يا حَجَرُ، واستمرَّ يتبع الحجر حتّى انتهى إلى ملأ مِنْ بني إسرائيل، وكان فيهم مَنْ قال فيه ما قال، فرأوه عل أكمل خَلْقٍ، فبرَّأه الله ممَّا قالوا، فأخذ موسى ﵇ ثوبَه، فلبسه، وَطَفِقَ يضرب الحجر بعصاه. أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيّاً سِتِّيراً، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ، وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ الله أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ الله، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فوالله إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا، أَوْ خَمْساً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 58

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب] " (١). ويؤخذ من الحديث أنَّ الأنبياءَ أكملُ النَّاس خَلْقاً وخُلُقاً، وأشدُّهم حياءً مِنَ الله تعالى، وأنَّ الأنبياء صبروا على مَنْ آذاهم، فجعل اللهُ العاقبةَ لهم، وأنَّ علينا أن نصبر كما صبر الأنبياءُ ﵈، لتكونَ لنا حسن العاقبة. أمَّا يوسف ﵇ فقد اتَّهمته امرأة العزيز بأنَّه أراد بها سوءاً، فبرّأه الله تعالى ممَّا رمته به من الإفك على لسان الشَّاهد وغيره (٢)، قال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف] وفي نهاية الأمر اعترفت امرأةُ العزيز ببراءة يُوسُفَ ﵇: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ [يوسف]. أمّا مريم ﵍ فقد اتَّهمها قومُها لمَّا جاءَتْهم تحملُ ابْنَها دون أَب: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ

стр. 59

وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم] وهذا الثَّناء منهم على أبويها فيه تعريض بها يقتضي ذمَّها، فقد قالوا عليها ما قالوا من الإفك والبهتان، قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النِّساء] حتَّى برَّأها الله تعالى ممَّا قالوا على لسان ابنها عيسى ﵇، فقد أنطقه الله تعالى وهو في المهد: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم]. أمَّا عائشة ﵂ فقد خرجت مع النَّبِيِّ ﷺ في غزوة غزاها، وكان النَّبِيُّ ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى سَفَرٍ أقْرَعَ بين نسائه، فأصابت عَائِشَةَ ﵂ القُرْعَةُ في غزوة بني المُصْطَلِق، وهي غزوة المُرَيْسِيع، وكانت في شعبان سنة خمس من الهجرة. وكان النَّبيُّ ﷺ قد بَلَغَهُ أنَّ بني المصطلق يجمعون له، فخرج إليهم بالجيش حتَّى لقيهم على ماء من مياههم يُقَالُ له المُرَيْسِيع، فهزمهم اللهُ ونصره عليهم. فلمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ من غزوته، وَقَفَلَ راجعاً، واقترب من المدينة، نَزَلَ مَنْزِلاً فَبَاتَ به بعض اللَّيل، ثمَّ آذَنَ بالرَّحيل، فمشت عائشة ﵂ حتَّى جاوزت الجيش، فلمَّا قضت من شَأْنِها، رجعت إلى مكان رحلها، فَلَمَسَتْ صَدْرَها فإذا عقدها قد انقطع وانسلَّ من عُنُقِها، وهي لا تدري، فرجعت عوْدَها على بَدْئِها إلى المكان الأوَّل، فالتمست عقدها، فحبسها ابتغاؤه، وكان عقدُها مِن خَرَزِ ظَفَار، وهي قرية في اليمن.

стр. 60

فجاء الرَّهطُ الَّذين يُرَحِّلون، فوضعوا رحْلَها على البعير، وحملوا هَوْدَجَها فوقه، وهم يظنُّونها فيه، ولم يستنكروا ثقل الهودج حين رفعوه لخفَّة بدنها ﵂، ولحسن أدبهم؛ فلم ينظروا داخله، ولم يتكَّلَّموا بكلمة، بحيث أنَّها لم تكن في الهودج، وهم يحسبونها فيه. وعُذْرُ عائشة ﵂ أنَّها كانت جارية حديثة السِّن، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل عليها بعد الهجرة في شوَّال، وغزوة المُرَيْسِيع على الرَّاجح أنَّها كانت في شعبان سنة خمس من الهجرة، فتكون عائشة ﵂ لم تكمل أربعَ عَشْرَةَ سنة. ولذلك نراها حريصةً على عقدها، وهو من خرز لا من ذَهَبٍ ولا جوهر، حتَّى استقلَّت بالتَّفتيش عليه، ولم تُعْلِمْ أهْلَها لينتظروها إن أرادوا الرَّحيل، ولم تستصحب معها غيرها، ولم تتفطَّن لعواقب الأمور، وهذا لصِغَرِ سنِّها، ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال]. فذهب الجيشُ، ووجدت عِقْدَها بعدما استمرَّ الجيشُ ماضياً، ورجعت إلى منازل (أماكن) القوم، وقصدت مكانها الَّذي كانت فيه، فلم تَجِدْ أحداً، وظنَّت أنَّهم سيفطنون لها، فيرجعون إليها، ويعودون إلى مكانها الَّذي تركوها فيه، فجلست في مكانها حتَّى غلبها النَّومُ مِن الغمِّ. وكان صَفْوَانُ بن المُعَطَّلِ ﵁ (١)

стр. 61

يسير في سَاقَة الجيش، أي من وراء الجيش، فيقوم للصَّلاة، ثمَّ يتبعهم، فَمَنْ سَقَطَ له شيء ردَّه إليه. وكان صفوان ﵁ قد تأخَّر حتَّى قرب الصُّبح، فركب بعيره لعلَّه يرى شيئاً، فَمَرَّ فرأى شخص إنسانٍ نائم، فَقَرُبَ فإذا هو بأمِّ المؤمنين ﵂، فعرفها لأنَّه كان يراها قبل نزولِ آيةِ الحجاب، فقال رافعاً صوته: "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون"، فأيقظها باسْتِرْجَاعِه، ولم يكلِّمها بكلمة البتَّة؛ صيانةً لها وإعظاماً وإجلالاً، وحسن أدب منه، وفطنة وورعاً. فَسَتَرَتْ وَجْهَهَا عنه بجلبابها، فأناخ بعيرَه بغير كلام ولا سُؤَال، فركبتْه، ومشى قدَّامها حتَّى أدركا الجيش أوَّل الظهيرة. وهنالك قَال في صفوان ﵁ وعائشة ﵂ أَهْلُ الإفك والكذب ما قالوا، فهلك مَنْ هلك في شَأْنِها ﵂ بقول البُهتان، وعُصِمَ مَنْ عُصِمَ بالورع والتَّقوى. وكان الَّذي تولَّى الإفك والكذب عبدَ الله بنَ أُبيٍّ ابن سَلُولَ (١)، رَئيس المنافقين؛ عداوةً للإسلام ونبيِّ الإسلام، فهو البادئ بهذه الفرية، وهو الَّذي اختلقها، وهو مَنْ أَشَاعَ في المدينة ما أَشَاعَ مِنَ الكذب. وانتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وإلى أبوي عائشة ﵂. وكانت عائشة ﵂ حين قَدِمَت المدينة مَرِضَتْ شهراً، وهي لا تشعر بشيء، ولا يذكرون لها شيئاً، ولكن كان يريبها أنَّها لم تكن تجد منه ﷺ الرِّفق الَّذي كانت تجده إذا اشتكت.

стр. 62

فلمَّا أفاقت مِنْ مرضها خرجت مع أُمِّ مِسْطَحٍ (سلمى بنت أبي رهم ﵂)، وذلك لقضاء الحاجة، وبعد الفراغ من شأنها أقبلت وأمّ مِسْطَحٍ قِبَل بيتها، فعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في ثوبها، فقالتْ: " تَعِسَ مِسْطَحٌ! ". ومسطح بن أثاثة ﵁ هو ابنها، وكان فقيراً ينفق عليه أبو بكرٍ ﵁، وهو من المهاجرين الأوَّلين، وشهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، لكنَّه ممَّن تكلَّم. فانتهرتها عائشة ﵂، وقالت لها: " أَتَسُبِّين رَجُلاً شَهِدَ بدْراً؟! ". وفي ذَبِّ عائشة ﵂ ودفاعها عن مِسْطَح فضيلةٌ ظاهرة لأهْلِ بَدْر؛ فليحذر الَّذين يتكلَّمون عليه لزلَّة بَدَتْ، فإنَّها قد غُفِرت، وقد ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لِعُمَرَ ﵁ لمَّا طلب منه أن يضرب عنق حَاطِب بن أَبي بَلْتَعَة ﵁، وهو ممَّن شهد بدْراً، قال ﷺ : " يا عمر، وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ " (١) وفي رواية قال ﷺ : " إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (٢)، فالذّنوب إنْ وقعت منهم تكون مقرونة بالمغفرة. والحاصل أنَّ أمَّ مِسْطَحٍ ﵂ أخبرت عائشة ﵂ بقول أَهْل الإفْك، فازدادت مَرَضاً على مَرَضِها، فلمَّا رجعت إلى بيتها ودخل عليها رسولُ الله ﷺ ، وسلَّم عليها، استأْذَنَتْ أن تأتيَ أبويها، وكانت تُريدُ أنْ تَسْتَيْقِنَ الخبر منهما، فَأَذِنَ لها النَّبيُّ ﷺ .

стр. 63

حديث الإفك وحديثُ الإفكِ هذا في الصَّحيحين وغيرهما، روى البخاري عن عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْج النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنْ المدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ (١) قَدْ انْقَطَعَ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ. وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ (القليل) مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ الهوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ؛ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنِمْتُ.

стр. 64

وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَدْلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يراني قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ (١) حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَالله مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ (٢)، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا المدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي. وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ، فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المنَاصِعِ (٣) وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ

стр. 65

صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي، وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا (١)، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ (٢)، أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضاً عَلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ـ تَعْنِي سَلَّمَ ـ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ (٣)؟ فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ الله ﷺ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ" (٤). موقف أمّ رومان ﵂ من الإفك لمَّا جاءت عائشة ﵂ أبويها سألت أمَّها، وقالت لها: "يا أمَّتاه، مَا يتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَالله لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ الله (٥)! وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟!

стр. 66

قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ (لا ينقطع) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي " (١). وفي كلام أمِّها دلالةُ ذكاءٍ وفطنة، فقد أرادت أنْ تهوِّنَ عليها الأمرَ الجَلَل بإعلامها بأنَّها لم تنفردْ عن نساء العالمين بهذا الأذى، فقلَّما أحبَّ رجلٌ امرأةً حَسَنَة في خَلْقها وخُلُقِها إلَّا قالوا لها ما يَشِيْنُها، تذكرة لها حتَّى لا تستهول نزول البلاء. ولم تقصد بالضَّرائر زوجات النَّبِيِّ ﷺ حاشا لله أن تلمَّ بذلك، فالاستثناء في قولها "إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا " استثناء متَّصل، فقد أرادت أنَّ هذا شأن الضَّرائر، فلم تقصد أمَّهات المؤمنين، لأنَّها لم تذكر قصَّة عائشة ﵂ أصلاً، وأمَّهات المؤمنين لم يقع منْهنَّ في حقِّ عائشة ﵂ شيء ممَّا يقع من الضَّرائر البتّة، وإنَّما أشارت إلى ما وقع من حَمْنَة بنت جحش ﵂ (٢)، وهي من أتباعهنَّ، فهي أختُ أمِّ المؤمنين زينب، وعائشة ﵂ ضرَّة أختها زينب بنت جحش ﵂. وكانت حَمْنَة ﵂ حدَّثت فيمن حدَّث، وكأنَّها أرادت أن ترْفَعَ من شَأْن أختها زينب ﵂، فهي الَّتي كانت تُسَامِي عائشة ﵂ مِنْ أمَّهات المؤمنين فِي المنْزِلَة عِنْد رَسُول الله ﷺ .

стр. 67

موقف أبي بكر الصّدّيق ﵁ - لم يؤثِّرْ حديثُ الإفك في أمِّ رومان ﵂ مثل ما أثَّر في عائشة ﵂، فآنست عائشة ﵂ من أمِّها قوَّة عقيدة وعظيم ثقة بالله تعالى أنَّ هذه الشِّدَّة بعد أن اشتدَّت سيعقبها الفَرَجُ، فسألتها عائشة ﵂ إن كان أبوها وزوجها قد عَلِما بذلك، فأخبرتها أنّهما قد علما الحديث، فَطَفَرَتْ من عينيها الدُّموعُ ﵂. وكان أبوها أبو بكر ﵁ فوق البيت يقرأ، فسمع صوتها، فنزل وسَأل أمَّ رومان عن شأنها، فأخبرته أنَّها علمت الحديث، ففاض الدَّمْعُ من عينيه ﵁، وأقسم عليها أن ترجع إلى بيتها. ففي رواية هشام بن عروة تقول عائشة عن أمّها: " وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَرَسُولُ الله ﷺ ، وَاسْتَعْبَرْتُ، وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي، وَهُوَ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لِأُمِّي: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، فَرَجَعْتُ" (١). وبكاء عائشة ﵂ وأبيها ﵁ حرقة؛ فما قيل لهم هذا في الجاهليَّة، فكيف وقد أعزَّهم الله بالإسلام! وهذا البلاء يؤثِّر فينا، فكيف بمن تجرَّعه صابراً محتسباً. موقف أمّهات المؤمنين ﵅ لم تُنْقَلْ عن أمَّهات المؤمنين مع تعاظم الحال في حديث الإفك كلمةُ شرٍّ ولا أصغر منها ولا أكبر. مَا نُقِلَ إلّا تزكية عائشة، وقَول: " لا نعلم إلّا خيراً "،

стр. 68

فهذا يجزئ في حقِّ من سَبَقَتْ عَدَالتُهُ، والصَّحابة كلّهم عدول لا يحتاج أحدهم بعد تعديل الله لهم المطَّلع على بواطنهم وسرائرهم إلى تعديل أحد من الخلق له. قالت عَائِشَةُ ﵂: "وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ، أَوْ رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْراً، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا؛ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ" (١). ويفهم مِن الرِّواية أنَّ الورع منع زينب ﵂ من الوقوع في عائشة ﵂ كما منع بقيَّة أمَّهات المؤمنين ﵅، وإنَّما اختصَّت زينب ﵂ بالذِّكر لأنَّها كانت تضاهي وتعادل عائشة ﵂ بالحظوة وعلوِّ المنزلة عند رسول الله ﷺ . موقف أسامة بن زيد ﵁ - ولمَّا طَالَ مكْثُ نزول الوحي، دعا رَسُولُ الله ﷺ عليّاً وأسامة ﵄ يستشيرهما في فِرَاقِ عائشة ﵂، وخصَّهما بالمشورة ـ فيما يتعلَّق بأهله ـ لمزيد اطِّلاعهما على أحواله، وعظيم محبَّته ﷺ لهما وقربهما منه، فإنَّ عليّاً تربَّى في كَنَفِ النَّبيِّ ﷺ ، وأسامة بن زيد بن الحارثة، هو الحِبُّ ابن الحِبِّ، مولى رسُول الله ﷺ ، أمُّه أمُّ أيمن حاضنة الرَّسول ﷺ . فأمَّا أسامة ﵁ فأشار على رسول الله ﷺ بالبراءَة لأهله، وأنَّه لا يعلم إلّا خيراً، تقول عائشة ﵂: "فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ

стр. 69

- ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَهْلَكَ (١) وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا" (٢). موقف عليّ بن أبي طالب ﵁ - وأمَّا عليّ ﵁ فأشار على رسُولِ الله ﷺ أن يسأل الجارية بَرِيرَةَ تصدقه، وقد كان متيقِّناً أنَّ بَرِيرَةَ متحقِّقة من براءَتها، ولذلك أحاله عليها، تقول عائشة: " وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله ﷺ ، لَمْ يُضَيِّقْ الله عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَل الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ" (٣). أمَّا من ذهب إلى أنَّ عليّاً ﵁ قد أشار عليه ابتداءً بفراقها، بدليل قوله: "وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ" ففيه بعد؛ لأنَّ الكلام يفهم من سباقه ولحاقه، فلم يجزم عليّ ﵁ بفراقها؛ ذلك أنَّه عقَّب كلامه بقوله: "وَإِنْ تَسْأَل الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ" فيكون فوَّض الأمر إلى النَّبيِّ ﷺ ، وحمله على النَّظر في كلام الجارية بَرِيرَة ليسْكُنَ خاطِرُه. وعلي ﵁ أتقى لله تعالى مِنْ أنْ يَعْرِض لأمِّ المؤمنين بأيّ سوء.

стр. 70

موقف الخادمة بريرة ﵂ - سمعت عائشة ﵂ كلام أبيها وعادت إلى بيتها، ممّا يُظْهِرُ حُسْنَ السَّمْعِ والطَّاعة، وجاءَ رسولُ الله ﷺ بيتها، وسأل عنها بَرِيرَةَ ﵂ (مولاة أمِّ المؤمنين ﵂) سألها عن عائشة، فأخبرته أنَّها ما علمت عليها مِنْ سُوءٍ إلّا أنَّها كانت تعجنُ العجين، وتطلب منها أن تحفظه، فتنام عنه لصغرها، فتأتي الشَّاةُ فتأكله. تريد أنَّ عائشة ﵂ لا تعرف الشَّرَّ أبداً، تغفل عن عجينها لحداثة سنِّها، فطالما أنَّ هذه صفتها فهي أبعد ما تكون عمَّا رُمِيَتْ به، ولا تعدو أن تكون من المحصنات الغافلات المؤمنات. قَالَتْ عائشة ﵂: " فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ (١) عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ (٢)، فَتَأْكُلُهُ " (٣). ما وَجَدَتْ لها عيباً إلّا أنَّها أَمَرَتْها أن تحفَظَ العَجِينَ حتَّى تقتبس ناراً لتخبزه، فنامت عنه، فجاءَتْ الشَّاةُ فأكلته، وهذا من الاستثناء اللَّطيف، فقد أرادت بهذا الاستثناء تخليصها من كلِّ عيب. وفي رواية هشام بن عروة: " فَقَالَتْ: لَا والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا إِلَّا أَنَّهَا

стр. 71

كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا، أَوْ عَجِينَهَا، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ الله ﷺ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (١)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ " (٢). ويظهر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كره أن يصرِّحَ بالأمر، فصرَّحَ به بعضُ أصحابه ﷺ ، فلمَّا تفطَّنت للأمر نَفَتْ أنَّها رأت فيها ما يسألون عنه أبداً، وأنَّها لا تعلم فيها إلّا الخُلُوص من العيب كما يعلم الصّائغُ من الذَّهب الأحمر الخُلُوص من العيب. موقف النّبيّ ﷺ - لم يَشُكَّ النَّبيُّ ﷺ ببراءة عائشة قطُّ، وحاشا للنَّبيِّ ﷺ من ذلك، وإنَّما تعيَّن عليه استشارة أهل بطانته، والتَّنقيب عن هذه القصَّة؛ لقطع دابر الطُّغيان واجتثاث شُبَه أهل الإفك بإقامة الحجَّة عليهم. وإلّا فإنَّ براءة عائشة ﵂ محقَّقةٌ عنده ﷺ ، فالنَّبيُّ ﷺ أعلم النَّاس بعائشة ﵂، وبجميل أحوالها وارتفاعها عن الدَّنايا، فصحبة عائشة ﵂ له آكد مِنْ صحبة غيرها مِنْ نسائه، لكنَّه ﷺ لم يكن يحكم لنفسه إلّا بعد نزول الوحي، ولم يكن ليحكم على عائشة ﵂ برأي؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ (١٠٥)﴾ [النِّساء] وليس له ﷺ أن يتكلم في أَمْر ليس له به علم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (٣٦)﴾ [الإسراء] فالنَّبيُّ ﷺ لا يُثْبِتُ أمراً، ولا ينفيه إلَّا بعلم كما أُمِر.

стр. 72

ثمّ إنَّ الإسلام دين الواقعيَّة، فالنَّبيُّ ﷺ يعلّمنا أنْ نأخذ بالأسباب ولا ننفكّ عنها. وإذا كان أفاضل الصَّحابة يقطعون بكذب أهلِ الإفكِ، ويجزمون ببراءَة عائشة ﵂، ويقولون: " لا نعلم إلّا خيراً " ويقولون: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النُّور] فما الظَّنُّ بالنَّبيِّ ﷺ ! وموقف النَّبيِّ ﷺ لا يختلف كثيراً عن موقف أصحابهلا إله إلا الله، فقد ثبت أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمّا وَقَفَ خطيباً على المنبر واستعْذَر مِن ابن أبيّ، شَهِدَ لعائشة ﵂ وصفوان ﵁ بالخير، قَالَتْ عائشة: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ المسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي (١) مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟! فَوَالله مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْراً، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلّا معي" (٢). وفي رواية هشام بن عروة، قال: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "لمّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا (اتّهموا) أَهْلِي، وَايْمُ الله، مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ؟! والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي" (٣).

стр. 73

موقف أبي أيوب الأنصاري ﵁ - عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: "لمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ، قَالَتْ: "يَا رَسُولَ الله، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النُّور] " (١) والرَّجل الَّذي من الأنصار هو أبو أيوب الأنصاريّ: خالد بن زيد بن ثعلبة، مشهور بكنيته، شهد بدراً، والعقبة، وما بعدهما مع رسول الله ﷺ ، وخصَّه النَّبيُّ ﷺ بالنزول عليه لمَّا قدم المدينة، فأقام عنده إلى أن بُنِيَتْ بُيُوتُهُ ومسجده، وقد لزم الجهاد إلى أن توفيَّ في القسطنطينيّة سنة اثنتين وخمسين في الغزوة الّتي أغزاها معاوية بن أبي سفيان ﵁ ابنه يزيد. ورَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إِسْحَاق، عن أبيه، عَنْ بَعْض رِجَال بَنِي النَّجَّار، أَنَّ أَبَا أَيُّوب، قَالَتْ لَهُ أُمّ أَيُّوب: " أَمَا تَسْمَع مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَة؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الْكَذِب، أَكُنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمّ أَيُّوب؟ قَالَتْ: لَا والله، ما كنت لأفعله، قَالَ: فَعَائِشَةُ والله خَيْر مِنْك" (٢). من ردّ عن عرض أخيه لا يخفى على أبي أيوب ﵁ ولا على مَنْ هو دونه أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَغَّبَ في أن

стр. 74

يردَّ المسلم عن عرض أخيه، قال النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ المسْلِمِ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). وسيأتي بعد أسطار لأمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أن تردَّ عن عِرْضِ حسّان ﵁. الحِكمة من لبوث الوحي اقتضت حكمة الله تعالى أَنْ حُبِسَ الوحيُ شهراً لا يُوحَى لِرَسُولِ الله ﷺ شيئاً في شأن عائشة ﵂؛ ليظهر الله تعالى ما في قلوب المؤمنين من حسن الظَّنِّ بالله تعالى ورسوله وأهل بيته، ويزيدهم إيماناً وثباتاً على الهدى، وليستدرج الله تعالى المنافقين، ويملي لهم، ويكشف سرائرهم، ويزدادوا إثماً، وليُظْهِر الله تعالى قَدْرَ رسول الله ﷺ وأهل بيته عنده؛ فقد تولَّى الله تعالى الدِّفاع عن رسوله وأهل بيته. عائشة ﵂ تتمثَّل آي القرآن في النّوازل كانت عائشة ﵂ تعلم أنَّ الشِّدَّة إذا تناهت كان وراءَها الفرجُ قريباً، فقد قضى الله تعالى أنَّ العُسْرَ بعده يُسْر، وتعلم أنَّ الصَّبْرَ محمودُ العواقب، و أنَّ الأمر إذا ضاق اتَّسع، وأنَّ الصَّبرَ الجميلَ يعقبه الخيرُ الجزيلُ، وأنَّ الصبر وإن كان مرّاً فإنَّ عاقبته حلوةٌ، وما الخير والخيرة إلَّا في التّقى والصَّبر؛ فصبرت واحتسبت، وفوَّضت أمرها إلى الله تعالى وحده، ولذلك تجدها تقول: "والله مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلاً

стр. 75

إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ (١)،قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف] " (٢) وفي ذلك منْقَبة لعائشة شمَّاء، وفضيلة غرّاء؛ حيث صبرت صبراً جميلاً، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج] وفي تمثّلها بآي القرآن في النَّوازل خلق عظيم؛ فيا لهفي ولهف المؤمنين على مَنْ كان خلقه القرآن الكريم! عائشة ﵂ والصّفح الجميل كذلك صفحت عائشة ﵂ الصَّفح الجميل، كما قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر] فلمَّا سمعت ﵂ عروة ﵁ يسبُّ حسان بن ثابت ﵁ بعد أن كثَّر عليها، أنكرت على عروة، وأمرته أن يكفَّ عن ذلك، ودافعت عن حسان بن ثابت ﵁، وذكرت من مناقبه أنَّه كان يدافع عن رسُولِ الله ﷺ ، ويردُّ عنه القول والأذى، فمن طريق أبي أسامة، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ؛ فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتي، دَعْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ " (٣). نعم، فهو شاعر الرَّسول ﷺ ، المؤيَّد بروح القدس، أخرج البخاريّ وغيره عن الزّهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: " أَنْشُدُكَ الله، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ:
следующие страницы →