Полный текст (166 стр.). Показаны 141–166 · переход к 146.
стр. 141
وقد سبق ذكر غدر ابرنس الكرك وهو على طريق العسكر المصري والحاج وكان في الحج حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين ووالدته أخت السلطان وجماعة من الخواص وأقام إلى تلقي الحجيج وذلك في آخر صفر ثم لما فرغ باله حم إلى الكرك استلاله وتقدم بمن معه من العساكر حتى نزل على حصنها فأقمنا هناك حتى أجتث أصولها وفروعها وأستأصل كرومها وزروعها. ووصل العسكر المصري يقوى الاستظهار، وأقمنا على الحالة الحالية والجلالة الجالية، وأما الملك الأفضل فإنه اجتمعت عنده الجنود من كل فريق وأتوه من كل فج عميق وضاق بوفودهم الفضاء وفاض بوفورهم الفضاء انقضى من السنة شهران وطال بهم انتظار السلطان فرأى الملك الأفضل أن يشغلهم بغزوة يعودون منها بحظوة فانهض منهم سرية ورتب على خيل الجزيرة وما جاء من الشرق وديار بكر مظفر الدين كوكبرى صاحب حران وعلى عسكر حلب والبلاد الشامية بدر الدن دلدرم ابن ياوق وعلى عسكر دمشق وبلادها صارم الدين قايماز فأسرجوا الخيل وأدلجوا الليل وصبحوا صفورية في أواخر صفر وصباح النصر قد أسفر، وخرج إليهم افرنج في الدواية والاسبتار والبارونية والدركبولية ووثبوا في وثبات الأساد وحملوا في ثبات الأطواد فلولا أن الله أصحب أصحابنا التوفيق لكاد الكفر ينجو والإسلام لا يدرك ما يرجوا لكن أمراءنا الكرام استطابوا الحمام فلاقوهم بقلوب الصخور وهبوب الصقور وفازوا وظفروا وقتلوا وأروا وهلك مقدم الاسبتار وحصل جماعة من فرسانهم في قبضة الإسار فعادوا سالمين غالبين غانمين وكانت تلك النوبة باكورة البركات ومقدمة ما بعدها من ميامين الحركات وجاءتنا البشرى ونحن في نواحي الكرم فلما قرأنا الكتب عدنا واجتمعنا بالعساكر وانتظم شمل الأوايل والأواخر وخيمنا على عشترا وقد ص بخيل الله الوهاد والذرى وأشتمل المعسكر على فراسخ عرضا وطولا وملأنا الملأ حزنا وسهولا وعرض العسكر في اثني عشر ألف مدجج ولما أنقضى العرض وأقتضى الفرض وسالت بأفلاك السماء الأرض كان السلطان قبل رحيله بيوم أركب العسكر بعدته ورتبه أطلابا وحزبه أحزابا وعين رجال القلب ومن يف بالقلب والميمنة وحماتها والميسرة وكماتها والجناحين وقوادمها من ذوي الأقدام والمقدمة والساقة على سنن النظام وعين مواقف الرجال ومواضع الأبطال وعين الجاليشية من كل طلب بأسمائها ورماة أحداقها وحداق رماتها وقرر هيأتهم في الركوب والنزول وسار يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخرة بالعساكر وسارت على تعبيتها وترتيبها وأناخت ليلة السبت على صفين والكفر مخسوف والشرك مكسوف ونسيم النصر من تربها مسوف وباتوا تلك الليلة فلما بكروا ركبوا وقد أخذ بحرهم في الإلتجاج وبرهم في الارتجاج ونزلوا بثغر الإقحوانة وضربت الخيام وزهى الإسلام وأمكن من الكفر الانتقام وأقام السلطان هناك خمسة أيام إلى يوم الخميس ثم صممنا على الإقدام وسلب لبس السلامة من ملابس (٢٣١أ) عداوة الإسلام.
стр. 142
وأما الفرنج فإنهم لما سمعوا باجتماع كلمة الإسلام ووصول أمداد العساكر المصرية والجزرية إلى الشام فزعوا وشرعوا ف إصلاح ذات بينهم ورجعوا عن التغاير والتنافس وقالوا نحن أنصار الطرسة وأصلاب الملة الصليبية وآثروا صلح القومص ووصلوا على مرادو مطالع أمانيه بالخلص وتزاوروا وتوافدوا وحشدوا وحشروا وجمعوا عنده الناسوت واللاهوت ورفعوا صليب الصلبوت وأصحروا بصحراء صفورية وطما سيل خيلهم على الوهاد والربى ودب راجلهم كرجل الدبا واجتابوا سوابغ واجتنبوا سوابق والمعوا البوارق واسمعوا الصواعق وشبوا نار الفرق وأشابوا المفارق وما زال السلطان مستخيرا ولا عوانه مستشيرا فأشار الأمراء ذووا الآراء بالصدود عن اللقاء والمحافظة على زمار الإسلام وصون الدماء، وقالوا لم يسبقك أحد إلى مضايقة القوم فلا تعركم عقال المعركة ولا تلق بأيديهم إلى التهلكة وهذه بلادهم قد خلت منهم فتشتغل بالإغارة على بلادهم الخالية ونقدهم بأقدامنا عطل أحوالها الحالية. فقال السلطان: الأيام غير مأمونة والأعمار غير مضمونة الجهاد قد تعين فرضه ولا بد لي من اللقاء وقد قال أصدق القائلين: (ولينصر الله من ينصره) فقالوا خصك الله بهذه الفضيلة ونجح الوسيلة وحيث استرخت الله في الإقدام فأنا نبذل المهج بين يديك للإسلام فلما أصبح يوم الخميس سار عنان الحوض عنان الجواد المطلق ولاح سنا الموت الأحمر في السنان الأعرق وأشرف على الفرنج في معسكرها العسكر وقام المحشر وماح البيض والسفور وارتفعت الأصوات بقول الله أكبر فلو برزوا للحصاف لطالت عليهم يد الانتصاف لكنهم ربضوا وما نبضوا وهدءوا وما نفضوا فلما عرف السلطان أنهم لا يبرحون من قرب صفورية أمر أمراءه أن يقيموا على مقابلتهم وقدموا على عزم مقابلتهم ونزل هو في خواصه العشية على مدينة طبرية وعلم أنهم إذا علموا بنزولنا ثاروا للوصول إليها فحينئذ نتمكن من قتالهم ونجهد في استئصالهم فحضر طبرية وجمع العساكر على أحد أبراجها فوقع ذلك البرج وانهزم عنه الفرنج ونصبت عليهم سلاليم الإسلام ودخلوها في جنح الظلام واستضاءوا بما أعلوا من الغرام وعادت ليلة معدودة من الأيام ووقعت النار في مخازن كبار واهراء الأغلال وبقيت الدور فارغة شاغرة وأفواه الأطماع إلى أزواد ما يحويه فاغرة وتحصنت القومصة ست طبرية في قلعتها ومعها بنوها وحموها بسيوفهم وعصموها ووقع الاشتغال بحصارها ونقب جدارها وقصم سورها فجاء من أخبر بأن الفرنج قد ركبوا وارتكبوا وجاءوا في ليل القتام مداجين وغلى حرب التوحيد بحرب التثليث مخرجين فلما سمع السلطان بحركتهم أيقن بهلكتهم وقال: الحمد لله الذي أنجز وعده وأيد جنده ونهض بجباله إلى جبالهم وار لقتالهم وضيق عليهم سعة مجالهم ووقف بصفوفه أمامهم وقد الحر واستشرى الشر وللصدى شعل ولأولئك الكلاب بين الله لهب وفي ظنهم أنهم يردون الماء ويردون الدماء فخلاتهم الحالة الحالية وعالتهم العلة العايلة وذلك في يوم الجمعة ووراء عسكرنا بحيرة طبرية والورد عد ومأمنه بعد ود قطعت على الفتوح طريق الورود وبلوا من العطش (بالنار ذات الوقود) فوقفوا صابرين مصابرين على ضرواتهم وشربوا ما في أدواتهم وشفهوا ما حولهم من المصانع واستنزلوا حتى الماء المدامع، ودخل الليل وسكر السيل وماتوا بظماء برح وقدوا أنفسهم على الشدة واستعدوا بالعزايم المحتدية وسهر السلطان تلك الليلة حتى عين الجاليشية من كل طلب بأسماء رجالها ملأ كتايبها وكان ما فرقه من النساب أربعمائة حمل ووقف سبعين جمارة في حموة الملتقى يأخذ منها من خت جعابه ورغ نشابه من تعالق يفتح من باب الموت والمغلقوتواضيح لخراق المضاعف الفسيح وناوكات ذوات نكايات وزياريات وزنبزركات.
ذكر يوم حطين وهو السبت الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر
стр. 143
قال: وأصبح الجيش على تعبيته النصر على وبرز رجال الجاليش وارتجزت دعاء التحريض والتحريش وقامت (٢٣١ب) الجرب على ساقها ووفت بميثاقها، والفرنج متكاثر العدد متكاثفة العدد آخذة طريق البحيرة بطوارق الحيرة قد أحاط رجلها بخيلها جارية إلى القرار بسيلها فاعترهم سدنا واعتراها صدنا فعرفوا أنه لا سبيل إلى الحياة إلا بسلوك نهج الموت وأنه لا مطمع في اللقاء إلا باستحلاء طعم الفوت والسلطان وقف قلبه ووقف على الوثوق بنصر الله قلبه وهو يمضي بنفسه على الصفوف ويحضهم على حظهم من الفتوح والحتوف وكان له مملوكا اسمه منكورس من شموس الترك قد كمل الله تعالى له حسن الخلق والخلق وصله في الفروسية وهو راكب أمام العسكر وأراد أن يكون له فضيلة السبق في الإقدام فوثب بحصانه وثوب الضرغام وحمل حملة جرى فيها عنانه وشكر لها إحسانه وظن أنه يوافقه في الركضة أعوانه فجذبه لقوة رأسه حصانه وخلاه خلانه فلما رآه الفرنج وحيدا ووجدوا المدد عن نصرته بعيدا رجعوا إليه ورموه عن ظهر حصانه وأحاطوا به في مكانه فأثتت في مستنقع الموت رجله وقاتل إلى أن بلغوا قتله فلما أخذوا رأسه ظنوا أنه بعض أولاد السلطان وزعموا ظهور الكفر على الإيمان وأما عساكرنا فإنها لما رأت استشهاده حمت حميتها وخلصت لله في إرداء أعدائه بنيتها وصممت الجاليشية تلفحهم بلوافحها وتقدحهم بقوادحها وبرح بالفرنج العطش ووجدوا الطرق مصدودة والسبل مسدودة. وكان النسيم أمامها والحشيش قدامها فرمى بعض مطوعة المجاهدين النار في الحشيش فتأجج عليهم أسعارها وتوهج أوارها فوصلوا في ورطة الاحتدام فضايقت ذيابهم منا الضراغم وعارضت صقورها منهم القثاغم ودارت بمساعير الجحيم وداير الشعرا بجواحن، ونظر القومص من مبتدأ الأمر إلى غيته وعلم أن القوم قد تداعى بنيانهم ودعاهم خذلانهم فأفكر كيف ينجو فقال لهم: أنا أسبق بالحملة وأفضلهم بالجملة فأجتمع هو وآزروه جماعة من المتقدمين هم مظاهروه وصحبه صاحب صيدا وباليان بن بارزان فحمل القومص ومن معه على الجانب الذي فيه الملك المظفر تقي الدين ففتح لهم طريقه ورمى من أتباعهم فريقا فمضوا على رعوسهم ونجو بنفوسهم ولما عرفوا أن القومص نفد في الهزيمة هانوا ثم اشتدوا وما لانوا وحملوا حملات راضوا بها جماع الحرب وخلصوا فيها غمار الطعن والضرب وعدموا فيها استطاعة القدر بل طاعة القدر واستعرنا النصر عليهم من النصل المستعر فوعنا فيهم وقوع النار في الحلفاء وصببنا ماء حديد للأطفال فزاد في الأزكاد فحطموا خيامهم على غرب حطين حين رأونا بهم محيطين فعجلناهم عن ضب الخيان بضرب الهام وأزللنا أقدامهم عن مداحض الأقدام وما زالت الجج تغيض والمهج تفيض والنفوس تقع والرعوس تطير حتى كسد أشلاء مشلوليهم عرى العراء وحشت شفاه الشفاء من أفلاء مفلوليهم أحساء الدماء وانكسر من الصليب صلبه وبطل طلبه وحيرت كماته كمته وقبابه وقببه وملك عليهم صليبهم الأعظم وذلك مصابهم الأعظم ولما شاهدوا الصليب سليبا أيقنوا بالهلاك وأثخنوا بالضرب الدراك وما برحوا يؤثرون ويقتلون وللوثوب يحفون وبالخراج يثقلون فنكبوا في أرواحهم وأنفسهم ووصلنا إلى مقدميهم وملكهم وأبرنسهم فتم أثر الملك وأبرنس الكرك وأخذ الملك جفرى ودوا صاحب جبيل وهنغرى وأثر من الأثارة وجبر الإسلام بكثرهم وأسروا بأسرهم فمن شاهد القتل قال ما هناك أثير ومن عاين الأثر قال ما هناك قتيل ومنذ استولى الفرنج بساحل الشام ما شفى للمسلمين كيوم حطين غليل فالله سلط السلطان وأقدره على ما أعجز عنه الملوك ونظم له في حتوف أعدائه وفتوح أوليائه الملوك وخصه بهذا اليوم الأعز والنصر الأبر.
стр. 144
قال: هذه النوبة المباركة كانت للفتح القسي مقدمة ومن عجايبه أن فارسهم ما دام فرسه سالما لم يدم لمصرعه فإنه من لبسه الزردى من فرقه إلى قدمه كأنه قطعة حديد ودراك الضرب والرمي إليه غير مشيد لكن فرسه إذا هلك فرض وملك فلم يغنم من خيلهم (٢٣٢أ) ودوابهم وكانت الوفا فرس سالم وغنمنا ما لا يحصر من بيض مكنون وزعف موضون وبلد وحصون وابتدلنا منهم بهذا الفتح كله إقليم مصون وذلك سوى ما استفتح من مال مخزون واستخرج من كنز مدفون ولما صح الكسر وقضى الأمر وسكن البحر وتمكن النصر ضرب للسلطان في تلك الحومة دهليز السراديق وتوافت إليه فرسان الحقايق ونزل السلطان وصلى للشكر وسجد وجدد الاستبشار بما وجد وأحضر عنده من الاسارى الملك والابرنس وأجلس الملك بجنبه ليزايله الوحشة ويحل له وهيهات الإنس وألفاه يلهث للعطش وينظر مبهوتا نظر المتوحش فأمر له بماء مثلوج فشربه ثم ناول الملك الابرنس القدح فاستشفه ثم حضر الترجمان حتى يعرف جواب ما يخاطبه به السلطان وما زال يقرعه بغدر وبغيه ويذكره بجله وغيه ثم ركب وخلاهما ولم ينزل حتى شاهده ضرب سرادقه وبطست نمارقه وركزت أعلامه وبيارقه ثم نزل وأمر بإحضار الابرنس فقام إليه بالسيف فحل عاتقه وحفظ مع الله في نذر دمه مواثقه وكان عنده جادم ثم فجر برجله بعد أن أخذ رأسه وهد أساسه فلما شاهده الملك يسحب بقدمه ويشحب في دمه طار عقله وثار خلبه واستحضره السلطان فخانت رجله فجاه مرتعبا مرتعشا وظن أنه كرفيقه هالك فقربه وسكنه وأدناه وأمنه وقال: ذاك بصنعه لعهده ضيعه وإصراره على غدره صرعه وأجلسه وآنسه وهيهات يبتعش من الله أتعسه أو يسعد من الكفر أنحسه ثم جمع الأسارى العروفين وسلمهم إلي وغلى قلعة دمشق الناصح وسلمهم إلى أصحابه وأمرهم أن يأخذوا خط الصفى القابض في دمشق بوصولهم ويحناط عليهم في أغلالهم وكبولهم فتفرق العسكر بمن ضمته أيدي السبى على أهل الأحد وسار الناس منهم بالمدد. وعبرت بحطين فرأيتها موضع الاعتبار وشاهدت ما فعل أهل الإقبال بأهل الإدبار وعاينت أعيانهم خبرا من الأخبار ورأيت الرعوس طايرة والنفوس بايرة والجسوم رمتها السوافي والرسوم درستها العوافي ولما أبصرت خدودهم ملصقة بالتراب وقد قطعوا أرابا تلوت قول الله تعالى (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) ولما أصبح السلطان يوم الأحد خيم على طبرية وأرسل القومصية وأخرجها من حصنها بالأمان ووفى لها ولبنيها الفرسان شروط الإيمان فخرجت بمالها وعيالها ورجالها وأقلها وولى طبرية صارم الدين قايماز النجمي فعادت بعادته الجميلة آهلة بأهل اليمن والإيمان معتدلة المحاسن بالعدل والإحسان وسكنت مساكنها وعمرت أماكنها وقبضت مخازنها عرضت دفانيها وعاد الإسلام الغريب منها إلى وطنه والدين الحافل منها إلى مأمنه وأصبح السلطان يوم الإثنين السابع والعشرين من الشهر مغتبط بما شهره الله له من سيف النصر فرأى أنفاذ مقدم الداوية مع الملك وأخيه وجماعة الأكابر إلى دمشق كما سبق ذكره ثم نفذ في الأسارى الداوية والاسبتارية خاصة أمره وقال: لا نفع في ابقائهما وهما جنسان نجسان فلا بد من أبادتهما وأردائهما فما جرت عادتهما بالمفاداة ولا يقلعان من المفاداة فتقدم باحضار كل أسير داوى واسبتارى ليمض فيه حكم السيف ثم علم أن كل من عنده أسير لا يسمح به فجعل لكل من يأتيه بأسير منهما من الدنانير الحمر خمسون فأتوه في الحال بمائين وأمر بإعطابهم وضرب رقابهم وكان بحضرته جماعة من المطوعة المتورعة والمتصوفة ومن تمت بالزهد والمعرفة قد اعتقلوا إلى ضرب الأعناق ووقف كل منهم حاسرا عن ساعد ومشمرا عن ساق فمنهم من أمضى عقبه وأمضى ضربه ومنم ما كبا زنده ونبا جده والسلطان جالس وماله عن انفاذ حكم الله فيهم حابس ووجهه باشر ووجه الكفر عابس فشاهدته الضحوك القتال والمختال المغتال وكان الأسارى قد سبق هم إلى البلاد الناس ولم يقع على عددهم القياس فكتب إلى الصفى بن القابض نايبه بدمشق أن يعجل لطلب الداوية والاسبتارية السبق ويضرب عنق من يجده منهم فامثل الأمر في أزهاقهم (٢٣٢ب) وضرب أعناقهم فما قتل إلا من عرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم ورأى لشدته في كفره أن ينقاد للقتل ولا يستسلم وما أسلم إلا آحاد حسن إسلامهم وتأكد بالدين غرامهم.
ذكر السبب في نذر السلطان دم ابرنس الكرك
стр. 145
قال: وما زلت أبحث عن ذلك حتى حدثني الأمير عبد العزيز بن شدد بن تميم ابن باديس وهو ممن يتولى الأفضال الفاضى من دونه التنفيس ولم يزل له بحاضرته ومحاورته الأنيس وهو من البيت الكبير وكان جده صاحب أفريقية والقيروان وكانوا يتوارثون ملكه إلى قريب من هذا الزمان ذكر أن الأجل الفاضل حدثه بما حدث من مرض السلطان وأنه لما عاد إلى دمشق من حران عد المرضة وذلك في سنة اثنين وثمانين وهو في عقابيل سقمه لا يفارق الأنين وأشفى ذات يوم على الخطر واستسلم للقدر وحضره في يوم الجمعة وهو يوصيه وهو في تفطر أنفاسه المعدودة وترقب قلوص ظلال عمره الممدودة وقد قنط من الحياة وفاته أمكان من الوفاة فقال فأردت أن اشغله عن الوهم والهم وقلت ما معناه قد أيقظك الله وما يعيذك من هذا السوء سواه فانذر أنك إذا أبللت هذا المرض تقوم بكل ما لله من المفترض وأنك لا تقاتل مع المسلمين أحدا أبدا وتكون في جهاد أعداء الله مجتهدا وأنك إذا نصرك الله في المعترك وظفرت باقومص وابرنس الكرك تتقرب إلى الله تعالى باراقة دمهما وأعطاه يده على هذا النذر وأنجاه الله وفريضته وجرى من مقدمات الجهاد ما جرى وخيم السلطان في جموع الإسلام يعشترا وركب يوما في عسكره وأموج بحره وأفواه معشره وقد التقا الطلعة المباركة من الأجل الفاضل فقال ليكن نذرك على ذكرك وستزد نعمة الله بمزيد شكرك ولا تخطر غير قمع الكفر بكفرك فما أنقذك الله من تلك الورطة ونعشك من تلك السقطة إلا لتوفر حظك من هذه الغبطة فتوكل على الله عازما وجاز الأردن حازما وأرعب جأش الكفر وفل جيوشه وثل عروشه ووقع في الشرك ابرنس الكرك فوفى بضرب عنقه نذره وأما القومص فإنه أخذ في الملتقى بالهزيمة حذره ولما وصل إلى طرابلس أخافه في مأمنه القدر وسلمه مالك إلى سقر.
ذكر فتح عكا
стр. 146
قال: ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء والتوحيد ظاهر على التثليث والطيب قد امتاز عن الخبيث ونزلنا بأرض لوبية عشية وأصبح سايرا إلى عكا (فساء صباح المنذرين) ولما أشرفنا عليها بفتحها فما كان فيها من يحميها وما صدقنا كيف نمتلكها ونحويها وظهر أهلها على الأسوار لإظهار الممانعة وخفقان ألويتها يشعر بقلوبها الخافقة وأرواح جلدهم الزاهقة ووقفنا نتأمل طلولها ونأمل حصولها وخيم السلطان بقربها وراء التل ولبث عساكرها في الحزن والسهل وبتنا تلك الليلة وقد هزتنا الأطراب كأنما دار علينا الشراب والسلطان جالس ونحن عنده وهو يحصي جنده ويقدح معهم في اقتباس الآراء زنده ومنا من يستسح رفده ومنا من يستنجر وعده ويواصله بالدعاء ويشافهه بالهناء إلى أن نادانا ابن ذكا فلبينا ونادينا العسكر فعبيناه ووقفنا بإزاء البلد صفوفا وأطلنا على أطلاله وقوفا فخرجوا إلينا رجالا ونساء وأكثروا ضراعة ودعاء وبذلوا الأذعان وطلبوا الأمان فأعطيناهم الأمان على الأنفس من المال والأنفس وخيرناهم بين المقام والترحيل والسكن في وطنهم والتحول فشرع معظمهم لشدة الخوف في التنقل وأرخينا لهم طول التمهل وفتحوا يوم الجمعة في مستهل جمادى الأولى بابها ودخلنا لإقامة الجمعة وزادوا في الدخول عدة من المتطوعة وجماعة من الطمعة وأخياف من الأتباع لا تخاف من التبعة فما منهم إلا من ركن على دار رمحه وأسام فيها سرحه فحطوا على دور أخلاها أربابها وأموال خلاها أصحابها (٢٣٣أ) وجينا إلى كنيستهم العظمى وحضر الأجل الفاضل فرتب بها المنبر والقبلة وهي أول جمعة أقيمت بالساحل وكان الخطيب والأمام فيها عبد اللطيف بن الشيخ أبي النجيب ولما رآه السلطان أتقى وأزكى ولاه مناصب الشريعة في عكا فتولى القضاء والوقف والحسبة والخطبة وفوض عكا وضياعها ومعاقلها وقلاعها إلى ولده الأكبر الملك الأفضل نور الدين علي وجعل للفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهكارى كل ما كان للداوية من معيشة وأقطاع ودور ورباع فتصرف فيها وحصل على حواصلها وعلق بكراميها وعقايلها ووقع في مراعيها المربعة نوابه وأثرى بثراه وثروتها أحابه وولجوا المخازن واستخرجوا الدفاين وكذلك ماليك الملك الأفضل وولاته ونوابه نشبوا المخازن وفتشوا المزاكن واستباحوا الخزون والمدفون والمحروس والمصون ومن جملة ذلك أنهم احتاطوا بغير علمي على دار باسمي فباعوا منها متاعا بسبعمائة دنار فإنها كانت من أنفس العقار وإنما وصفت هذا لعلم ما غنموه وما التهبوا على حيازته والتهموه، وتصرف الملك تقي الدين في دار السكر فاقتفى قنودها واستوعب موجودها وقد أشرت إلى هذا المعنى في كتاب الموسم بالفتح القدسي وقرئ على السلطان منه ليلة ونحن بالقدس سنة ثمان وثمانين وسمع ولو ذخرت تلك الذخاير وجمع لبيت المال المجموع الوافر لكان عدة ليم الشدايد وعدة لنجح المقاصد فقال السلطان: هذه رفيعة على ثلاثة اثنان منهما في جوار الرحمة والآخر باق في مقر العصمة يعني بالاثنين الفقيه عيسى وتقي الدين وبالآخر الباقي ولده نور الدين ولعمري هو كما ذكره لكن الملك الأفضل نور الدين ما حصل له بخاصة بل لذوي اختصاصه بالحالة التي شاهدتها.
عاد الحديث وأقام السلطان بخيمة على عكا أياما وأعلى بالمنى أعلام وكان يوم فتح حطين قد كتب إلى أخيه الملك العادل سيف الدين بما من الله به على الإسلام والمسلمين من الظفر والتأييد والتمكين فوصل بعسكره ورعيله ومعشره وجاء كتابه مبشرا بوصوله ومذكرا بسؤله وأنه فتح في طريقه بمن صحبه من فريقه الحصن المعروف بمجدل يافا وأنه حاز منه الغنايم والسبايا وأنه مجد في طي السهول والحزون وفتح ما يستقبله من الحصون فسطر جوابه وشكر صوابه وأنه يقيم في ذلك الجانب جامعا للكتايب ليجتمع به الواصلون من مصر الآملون معه النصر. وتوجه عدة من الأمراء إلى الناصرة وقيسارية والبلاد المجاورة لعكا وطبرية وأبوا بالغنيمة والسبى خير أوب وجاءونا بكل مليحة مليحة متعبة مريحة مقبلات أوايب طويلات الذوايب ثقيلات الروافد خفيفات المعاطف فكم أجد الله لنا من نعمى هنيئة وأمددنا من حبى سنية فما إلا من أنفض وغضب وفي كل يوم فتح عتيد وتأييد يتبعه تأييد.
стр. 147
قال: وفي هذه السنة نكب الصاحب مجد الدين أبو الفضل عبد الله ابن الصاحب أستاذ الدار العزيز بجزيرة جرت عليه القتل وجريمة ما أطلع عليها وما أقيل عثرتها وذلك ظهر يوم السبت رابع عشر ربيع الأول فجاء القدر من كمينه وفجأة الكدر من معنية وبينا هو في أمر قاطع وفجر ساطع وفخر صادع وشمل جامع إذا بغتة الزمان ومحنة الحدثان وعثر منه على جناية أسعت إلى دمه قدمه ودعت إلى وجود عدمه وإنما أوردت ذكر مقتله في هذا الموضع لأنه جرت العادة منا بمكاتبة من يكون أمر الديوان إليه فيما يسنح من المقصود المتوقع فلما مضى لسبيله قام في موضعه عميد الدين أبو طالب بن زادة فتولى الثاني لما بدأ به الأول الإعادة ووصل كتابه وكتب جوابه وفي بعض الكتب إليه: والبلاد والمعاقل التي فتحت هي طبرية وعكا والناصرة وصفورية ونابلس وحيفا ومعليا وفوله والوطر والشقيف.
قال: وأما الفولة فهي قلعة للداوية حصينة لما خرج سكانها لم يدخلها سكينه فإن الداوية الذين كانوا فيها قد هاجوا إلى الهيجاء وطروا في القتلى والإسراء الحماة وغيل غالت (٢٣٣ب) ليوثه عداتها الهداة وفيها ذخاير كنايسهم وأخا ير نفايسهم وسبايك نضارهم وكرايم أعاقهم ولم يبق في الحصن إلا أحداد من الغلمان وأتباع الفرسان فخافوا على النفوس وارتاعوا من البؤس ومالوا إلى ألاذعان وسلموا الموضع بالأمان وتسلمنا بتسلمها جميع الثغر وأما حيفا فإنها من عكا وقيسارية على البحر وتسلمت لسيف النصر وأما نابلس فإن أهل ضياعها ومعظم أهلها كانوا مسلمين وفي سلك الرعية مع الفرنج منتظمين وفيها أفرنج ونصارى مقيمون مدبرون وقد أقروا منذ استولوا عليها المسلمين على عوايهم في قضائهم وحكمهم ومشاهدهم ومساجدهم وهم يجبون كل عام منهم قرارا ولا يغيرون لهم شرعا ولا شعارا فلما عرفوا كسرهم وأنهم لا يرجون جبرهم وخافوا من مساكنة المسلمين وأشفقوا وأخذوا بالحزم لما فرقوا وتفرقوا وكسبهم أهل الضياع في الدور الرباع وغنموا ما وجدوه من الذخاير والمتاع وطلبها من السلطان ابن أخته الأمير حسام الدين عمر بن محمد بن لاجين وكان الأمير القوي وهو عزيز عند خاله ملى بفضله وأفضاله متقبل شيمة السلطان في بأسه ونواله متفرد من الأملاك بمحاسن خلاله فاقطعه السلطان نابلس وأعمالها ضياعها ومعاقلها وقلاعها متوجه لفتوحهم وصحب جموع جماعة من الأصحاب وسال بالجبال (وهي تمر مر السحاب) أوقعوا بضعفائهم وضايقوا الحصون على أقويائهم وطلبها من السلطا فأول ما أناخ على سبسطية وفيها مشهد زكريا ﵇ وقد أتخذها الأقسام كنيسة منذ فارقها الإسلام وفيها أواني وآلات فضيات وذهبيات وقومتها من الرهابين فيها مقيمة ولا يؤذن في الزيارة إلا لمن معه هدية لها قيمة فدخل الموضع وأغلق بابه وأفرد عنه حجابه وأصحابه وأمر بجمع ذلك المصوغ والملوك والمسبوك والعقود والسلوك كل ما يعز وجوده في خزاين الملوك فاقتناه جميعه لنفسه خاصة وأمن أن يرى عدها خصاصة وصارت له خزانة ثقيلة وذخيرة جليلة وأبقى في الموضع من الفرش والآلات ما لا يستغني عنه المشهد ولا يحسن أن يخلوا من مثلها المسجد وفتح للمسلمين أبوابه وأظهر للمصلين محرابه ولما فرغ من شغله سار إلى نابلس عليها منيحا ولدعاء المسلمين بها مصيخا وطال حصره للفرنج بالحصن ثم استنزلهم بالأمان واستمال من سكانها من ضرب عليه الجزية بعد زمان فعادت بلدة محشوة بساكنيها كالرمان وبقيت إلى آخر عهده وعمرت بعدله وإحسانه ورفقه ورفده قال: وكانت بيني وبينه صداقة بصدق العقيد معقود ومودة أسباب النقص فيها مفقودة فنظمت هذه القصيدة قلت ومطلعها:
أستوحش القلب مذ غبتم فما أنسا ... وأظلم اليوم مذ نبتم فما شمسا
قلبي وصبري وغمضي والشباب وما ... ألفتم من نشاطي كله خلسا
ذكر فتح تبنين وصيدا وبيروت وجبيل
стр. 148
قال: وكان السلطان مدة مقامنا بعكا يندب العساكر إلى الولايات وسير الملك المظفر تقي الدين وأمره بقصد تبنين فمضى إليها واستسهل اجتيازها ووجد بالمنعة اغترارها ورأى إلى وصول الشام ونزوله عليها أغوارها فكتب وتواترت كتبه وافية بالحشد والتحريض والبعث بالتصريح والتعريض فأخذت العزايم في الاقتضاء والصواب في الانتظار ورحلنا يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى رواحا وأعرنا العزم على تأييد الله في منزلة نزلت بها الألطاف وعذبت لمواردنا النطاف وأصبحنا على الرحيل وبتنا ليلة السبت دون تبنين ونزلنا عليها يوم الأحد الحادي عشر فوجدناها قالعة أرضها في السماء وقلعة في جوزها جواز الجوزاء ما يمر السحاب إلا على سفوحها ولا تسترق شياطين الكفر إلا من سطوحها لا جرم جعلنا (٢٣٤) نجوم النصال لها نجوما وأنزلنا الوبال عليهم سجوما وهاج بهم وهج الرعب وأبدوا وجوما وأخرجوا من عندهم من أساري المسلمين قرية وطاعة تبدو بهم للشفاعة منهم ضراعة ثم أمن السلطان أهل القلعة وأمهلهم إلى أن ينزلوا خمسة أيام وخرجوا من مقدميهم جماعة رهابين فضربنا عليهم خيمة إلى أن انتهت المدة وتسلمت القلعة واقتضت العذرة وخلص الحصن بما فيه وترتب وإليه وملكت أباعده ونواحيه.
وأما صيدا فأنا لما فرغنا من شغل تبنين رحلنا على سمتها معدين وعبرنا في طريقنا على صرفند ونشقنا رياح رياحينها ونظرنا نضرة بساتينها وجلنا لحكم الرياضة في رياضها وربضت أسودنا في آجامها وغياضها وافتتحتا بفتحها ثم انصرفنا عن صرفند نحو صيدا صابرين ودخلناها ساعة الوصول وحالة النزول فإن صاحبهما كان ناظرا في العواقب ساترا جرح النوايب فتقدم إلى نوابه أن يفتحوا لنا بابها ويرفعوا أحجابها ويخلوها ويعطلوها حتى يحلها المسلمون فيحلوها فلما جيناها حليت لنا عروسها وجنيت غروسها وذلك يوم الأربعاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى فحان الفتح الميسر على الوجه الأسهل.
وأما بيروت فأنا لما حصلت لنا صيداً سرنا في يومنا على سمت بيروت وبتنا ليلة الخميس دونها وصبحنا بكرة يوم الخميس في خميس بكر للصباح وضايقناهم أياماً ودافعوا أشد دفع ومانعوا أحد منع فبيناهم في أحر حرب وأمر طعم طعن وضرب إذ صاح صائحهم وناح نايحهم أنهم يركبون السفينة وينزلون المدينة فأصبحنا يوماً على العادة المستمرة في المقارعة والمضايقة إلا بحروج واحد يستدعي الأمان ويستدعي الإيمان على أنه يأخذ خط السلطان بجميع شرايط الإيمان واتفق في ذلك اليوم لي تغير المزاج وتعذر العلاج واحتجت إلى مفارقة الخدمة للضرورة والوصول إلى دمشق لمداواة الأدواء المحذورة ولما احتاج السلطان لتأمينهم إلى إنشاء مثال طلبني فاعتالت فعذرني وأحضر عنده كتاب العسكر ومتصرفيه ومن يظن به فضلاً ويعتقد فيه وحسب أن كل من يحمل قلماً كاتب وأنه يستحق الرتبة من له راتب وكل من كتب الإيمان المطلوب تناوله منه وتأمله واستنقصه واستزاده.
فقال السلطان لكل عمل رجال ولكل جواد في حلبة السبق مجال وهنا عرف قدر العماد وأنه موافق موفق للإتيان بوفق المراد، فجاء إلى النجيب العدل بالحديث ووجدني في العارض الكريث وقال: أكتب هذا الأمان فإن هذا الفتح بقلمك مصدوق وقد خصك خالقك بالفضيلة فما يشاركك فيه مخلوق فقلت له: قد غلق رهني وذهب ذهني وحبس قلمي إلي فقال: إن كنت ما تكتب فأمل فقلت: أرجو أن تشملني السعادة السلطانية فاكتب ما يرضي فوفقني الله تعالى للمراد وهداني في الإنشاء لما يجب من الإصدار والإيراد ووقع ذلك التوقيع الموقع الحسن وسلم البلد خطى ثم ارتحلت إلى دمشق وعدت عند إبلالي وحال اعتدالي يوم فتح القدس وسلمت بيروت بحضوري وخرج منها ومن قلعتها الفرنج وامتلأ بهم إلى السور النهج وعاد الإسلام الغريب منها إلى وطنه وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى وكانت مدة النزول عليها إلى نزول أهلها ثمانية أيام.
стр. 149
وأما جبيل فإن صاحبها أود كان في جملة من نقل الملك الأسير إلى دمشق فتحدث مع الصفي القابض في أمره وباح إليه بسره وقال له: ما لكم في أسري فائدة ولا غنيمة على فتح جبيل زايدة وأنا أسلمها بشرط سلامتي فأنهى الصفي حاله فاستصيب ما قاله فأمر بإحضاره في قيده والاحتراز من كيده فوصل به ونحن على بيروت فطلبنا منه الشرط الموعود والأجل الموقوت فسلم جبيل وسلم وربح لخاتمه وغنم ومضى إليها من تولاها وتبعها فتح بيروت وتلاها وانتظمت هذه البلاد المتناسقة بالساحل في سلك للفتوح متسق وأمرها من الاستقامة في متفق.
ذكر ما تجدد في صور من خروج القومص منها
ووصول المركيس إليها قال: وما شك القومص أن السلطان إذا عاد لا يتعدى صور وأنه يجمع عليها العسكر المنصور فأخذ بالحزم ومضي إلى طرابلس ولم يلبث قليلاً (٢٣٤ب) حتى هلك وبتوا من أسفل السافلين في النار الدرك ولما كان من مراد الله بقاء صور وصل إلينا المركيس وهو الذي أغاث الشرك وكان من خبره أنه وصل إلى الساحل هذا العام لفتح بلادها فأربى على عكا مركبه ثم صوت نحوها مذهبه ثم رأى فيها غير الذي بالمعتاد فحداه الارتياب بالارتياع إلى الارتياد فاستخبر فأخبر بالحال فشرع في التخلص والاحتيال وكانت الريح راكدة فنادى من متولي هذا البلد فقيل: الملك الأفضل فقال: هاتوا لي خطة واكتبوا في الأمان شرطة فما زال يرد الرسل حتى طابت الريح فأقلع وطار بجناح شراعه وفات إدراك من يخرج لإتباعه ومضى إليها وقد خرج منها القومص وقد لاح منها الفرص فأقام فيها وهو على تحصينها يحرص ولما عبر السلطان لم يسنح عليها ولم يصح إليها وقال: فتح بيت الله المقدس أنعم ونفعه أتم وأعم وهذه صور ربما طال حصارها واستطال أنصارها والأصواب الأصلح الاشتغال بما هو أنجح وأنجح وكان من قضاء الله تعالى بقاء صور فإنها ضمت من الكفر الجمهور وجمعت الحسود والحسور وما فتحنا بلداً إلا وانتقل أهلها بالأمان إليها ونزلوا حواليها ومجاورتها في هذه النوبة أعادت أرماقها وأرخت خناقها وحفر المركيس لها خنادق أحدثها وغور أعماقها وآوى إليها الواصلون من البحر وملأت آفاقها وكانت لما عبرنا بها على ما حكي أمرها سهلاً ولكن ما لمراد الله مرد وليس مما قضاه الله وقدره بد.
ذكر فتح عسقلان والنزول عليها والاجتماع بالملك
العادل والاتفاق على فتحها قال: كان السلطان على الاجتماع بالملك العادل حريصاً ويرى لمدلولات الآراء بما يشير به وينص عليه تخصيصاً وقد وصل كتابه يستحثه على انتهاز الفرص في فتح بيت المقدس وقصده والاشتغال بما عداه من بعده فإن أوقات الإمكان مغتنمة وأنفاس الأسحار للارتياح باستنشاقها متنسمة.
стр. 150
قال الفتح بن علي بن محمد الأصبهاني منتخب الكتاب: ر حدثني الأمير ظهير الدين غازي بن الأمير السعيد مبارز الدين سنقر الحلبي في محرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة وهو أحد الأمراء السلطانية الملكية المعظمية قال: سمعت الملك العادل بحماة يقول لبعض المؤرخين: ومما شافهت به السلطان صلاح الدين في انتهاز الفرصة في فتح القدس مبالغاً في ذلك أني قلت: إن عادتك أن يأخذك القولنج في بعض الأوقات فلو أخذك الليلة وجرى عليك ما لا بد منه من الوفاة علق رهن بيت المقدس في يد الكفر فاجتهد في ذلك وأقضي حق ما أنعم الله به عليك بواجب الشكر فقال: اعمل ما تأمر به وتشير إليه ولا يخالف ما تحكم به وتنص عليه فما فتح المقدس الشريف وما منح ذلك المجد المنيف إلا بالجد العادلي والجد الناصري قدس الله أرواحهما وسهل إلى الفردوس معدلهما ومراحهما. قال الإمام السعيد عماد الدين: فراح السلطان مغز للغزاة الروح مستفتحاً بما هو حل الفتوح وسار واجتمع بالملك العادل في طريقه وتفاوضاً في شكر ما أنعم الله به من نصره وتأييده وشرعاً بعد ذكر الأشواق وتبريحها في موازنة الآراء وترجيجها وتنقيح أداة الصواب وتلقيحها وقد استخار الله تعالى بالنزول على عسقلان يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة وكان السلطان قد استدعى من دمشق ملك الفرنج ومقدم الداوية المأسورين واستصحبهما محمولين بقيادهما وشرط أنه إذا فتح البلاد بهما أطلقهما فلما نزل على عسقلان راسل الملك أهلها في التسليم فعملوا أنه مستكره فأسقطوا حكمه وعصوا أمره فبسط السلطان عذره وشرع السلطان في مضايقة البلد ونصب عليها من المجانيق كل جاث على الركب جاث للركب جالب معاطن الإبل المعاطن سالب بسكون المساكن وما زال الحجاز ترفض والجدار ينقض والمنجنيقات تضرب وترض حتى خلا السور من حاميه وأمن المقاتلة نكاية مراميه فأقدم النقابون على نقبه ورفعوا عن عروس البلد حجب نقبه وباشروا بالتخريب البواشير ولافح المساعير المساعير ورفعوا عن عروس البلد وقابل المقابيل المدابير فيئسوا من رجاء الانتعاش وتهافتوا على نار الحرب كالفراش فلما أحس الملك بما أحسوا به من الشدايد راسلهم واستحضر منهم عقلاء لا يحملون (٢٣٥أ) قوله على أنه فرد ولا يردون نصحه بالتهمة وقال: أنتم تعلمون أنني لا أريد الخير إلا لأهل ديني وهذا السلطان في عزمه يريدكم ويرديني فإن سمعتم مني أطعتموني في أمري وأنقذتموني من أسري أما إذا خلصت وخلصت وكنت أعلوا عليكم فكيف رخصت وتكررت بينه وبينهم مراسلات وكانوا يلحون ختى علموا أنهم مغلوبون فقبلوا نصيحة الملك وراسلوا في طلب الأمان بشروط اقترحوها والعفو عن جرائم اجترحوها فإن الأمير حسام الدين ابراهيم الحسين المهراني وهو من أكابر الأمراء استشهد على عسقلان فخاف الفرنج أن تثور عليهم الأكراد لثأره فاشتطوا واشترطوا وسروا إلى ما أجيبوا إليه واعتصموا فسلموا البلد بأنفسهم وأموالهم وخرجوا منها برجالهم ونسائهم وذلك يوم السبت لانسلاخ الشهر وكانت مدة الحصار إلى أن تسلمناها أربعة عشر يوماً أبدر لنا فيها قمر الظفر والانتصار وعاد بها بدرهم إلى المحاق والمرار وما برح السلطان مقيماً بظاهر عسقلان حتى تسلم المعاقل المجاورة لها والبلاد المقاربة منها.
أما الداروم فقد حاف من بها فسلمها وكذلك غزة وظهرت بظهورها علينا عزتها وتبدل بالإسلام بعد الكفر ربها والرملة ويبنى ظل بها موقف الضلال يهدم ومربع الهدى يبني وبيت لحم ومشهد الخليل صلوات الله عليه وعليه السلام عاد إلى وطنه منهما الإسلام وأما لد فإنها أخرجت منها خصومها اللد ومعصومها في الشرك إلى التوحيد رد وتسلم كل ما كان للداوية مع غزة كبيت جبريل والنطرون وأخلى منهم تلك الحصون وكان مقدم الداوية معه وشرط أنه إذا تسلم معاقله فك عنه قيوده وسلاسله فما زال معه على الشرط والشرع المضبوط.
стр. 151
قال: ووصل الملك العزيز واجتمع بوالده بعد فتح عسقلان وكان وصوله ببأسه وصوله وقوته من الله وحوله وبأسه ومعشره وقومه وعسكره وولاة بلاده ووراة زناده وآلافه وآحاده وعدده وأعداده فحنا قلب السلطان على كبده ووضع يده في يده فأعدتها الجود فمدده اليوم من مدده. ولما انتظم شمل كتايب البر وكرم وصولها وصلت مراكب البحر وقدم أسطولها وهي شواني شواتي للشتاء زواين للغزاة عقبانها منقضة كالبزاة وغربانها ناعبة بين الغداة جاءت كقطع من الليل أو دفع من السيل كأنها في خضراء الخضرم كواكب ولرجوم الشياطين ثواقب، أعلام في شعار الإعلام العباسية سود وأكام تمدها من أكام الأمواج مدود تولاها حسام الدين الحاجب لؤلؤ منظم سموطها ومهد الأحكام لنصر أسبابها وشروطها واستمرت بالسواحل تكبس وتكسب وتغنم وتجلب ففي كل يوم لنا غزوة صحيحة ونوبة شديدة ونابية لذرى الشرك مبيرة مبيدة والحاجب لؤلؤ مجاهد عظايمها وممضي عزايمها كلما ألقت مركباً للعدو تلقته وألفته وأسعدها الله وأشقته وكيف ما أمكن أحرقته أو أغرقته واجتمعت على جمعه وفرقته ووقع حقها على الباطل فأزهقته.
ذكر فتح بيت المقدس
стр. 152
قال: ورحل من عسقلان على سمت القدس وقصده واستيصال نبات الشرك وحصده من أرض الله تعالى ونقدس بتطهير الأرض المقدسة بإهلاك الطايفة الطاغية النجسة وتقدمه الرعب إلى قلوب الفرنج فوقعوا في الأمر المرتج المضطرب المرتج وكان بالقدس حينئذ البطرك الأعظم وهو الشاني العظيم الشأن وباليان بن بارزان وهو وملكهم في التسلط سيان والذين أغفلتهم حياطة الحطين من الفرسان الداوية والاسبتارية والبارونية من ذوي الكفر والشنان وقد حشروا وحشدوا وقالوا: السمح عند اللقاء بالمهج ونسيح داما الدماء في اللجج وما الذي أصاب عزنا حتى نهون ونحن نشعل عليهم الحرب الزبون فأخرجوا إليهم حتى نلقاهم وهذه رماحنا بأيدينا فاجانأهم فجعناهم وأوجعناهم وأخذنا بثأر يوم حطين إذا صرنا بمراكزهم بدوايرنا محيطين فقال لبيبهم المجرب فارسهم المتدرب عدواً عن هذا الرأي وما بلغتم في الغي إلى هذا الغاي وأنتم عند مقبرة ربكم تحمونها وتقاتلون دونها والقدس لنا جامع وسورة عن السوء مانع (٢٣٥ ب) وإذا خرجنا فما ندري على ماذا نحصل وهل نقطع أو نصل ثم شرعوا في السر وأمروا بالأمر وقسموا على الأسوار الأقسام الأسراء ونشروا على كل قطر منه لواء اللواء على كل نيق منجنيقه وحفروا في الخندق حفراً عميقاً وأعادوا بل نهج واسع بما وعروا به مضيقاً وخرج جماعة منهم على سبيل اليزك وأدلجوا ليلاً وجروا للجرأة ذيلاً واعترضوا عدة من أصحابنا غارة وعلى طريق السلامة مارة، وكان قد شد من المقدمة المنصورة أمير تقدم وما تحرم وهو جمال الدين شروين بن حسن الزرزاري فلما علمه أثبت في مستنقع الموت رجله وشد من الدنيا إلى الآخرة رحله وكان في موضع يعرف بالقبيبات فساء السلطان نعيه وسره سعيه وسار ساراً وللجحفل الجرار حاراً ولم يدع لجفنه في يومه ونومه غراراً ووصل السري بالسير ليلاً ونهاراً ونزل على القدس يوم الأحد منتصف رجب وقد قضى من حق الله في طلب بيته ما جب وفي القدس ستون ألف مقاتل من فارس وراجل. وخيم في أول الأمر على غربيه وأقام خمسة أيام يدور على البلد ويقسم على حصاره أهل الجلد وأبصر في شمالها أرضاً رضيها للحصار فانتقل إلى المنزل الشمالي يوم الجمعة العشرين من الشهر متمكناً من القهر ظاهر القوة بالله قوة الظهر فشرع في نصب المجانيق فما أصبح يوم الأحد إلا على منجنيقات نصبت بلا نصب من كل مغتص برد الردا معتصب يشق الجلمود بالجلمود ويدق الصنجود بالصنجود يقضي ختام التأليف ويرضى هام الشراريف ومازالت المجانيق ترمي وترمي وتدمي وتدمي والنزال دايم والقتال قايم وفي قنطاريات الفرنج من الفرج قنوط ولخطيات اليراع بأيدي كتب الكتايب في الظهور خطوط ولشموس اليزك من أفق الترابك بزوغ ولثعلب العواسل في ضلوع الأساد ولوغ وكان فرسانهم في كل يوم يباشرون دون الباشورة أمام جموعهم المحشورة ويتطاعنون بالذوابل ذوات الذوايب المنشورة ويبرزون يبارزون ويحاجزون وينجازون ومطاعيننا المطيعون لله عليهم يحملون وهم كما قال الله تعالى " يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" وممن استشهد مبارزاً ولم يشهد بينه وبين الجنة حاجز الأمير عز الدين عيسى بن مالك كان أبوه صاحب قلعة جعبر. وكان في كل يوم يفرس فوارساً ويلقي ببشر وجهه وجوه المنون العوابس فاغتم المسلمون من صرعه وهان عليهم في تلف مهجته أتلاف المهج وهاجوا وهجموا أكناف الوهج وهجروا الجلد إلى الجلاد وركبوا أصناف الوهج حتى وصلوا إلى الخندق فخربوه وبددوا جمعه وفرقوه والتصقوا بالسور فنقبوه وعلقوه وحشوه وأحرقوه وصدقوا وعد الله في القتال لأعدائه فصدقوه وأرهقت المنجنيقات وأزهقت وسنحت وسحقت فتمكن رعبنا في قلوبهم وأذنت حربنا بكروبهم وعرف الفرنج إنهم مغلوبون وعن النجاة محجوبون فعقدوا بينه مشورة وقالوا ما لنا إلا الإستيمان فقد أخذ منا بخطه الخذلان والحرمان وأخرجوا كبراءهم ليؤخذ لهم الأمان فأبى السلطان إلا قتالهم وتدميرهم واستئصالهم وقال ما آخذ القدس منهم إلا كما أخذوه من المسلمين منذ أحدى وتسعين سنة فإنهم استباحوا القتل ولم يتركوا طرفاً يستزير وأمعنوا في رجالهم قتلاً ونسائهم سبياً فقال باليان بن بارزان في الحضور مستأذناً مستأمناً وباح بما بان في فكر الكفر من الشر كامناً وقال السلطان: قد رجوناك فلا تخيبنا ووصلنا فلا تصدنا وجئنا فلا تردنا ومتى استوحشنا
стр. 153
وايسنا أسقلنا الهلاك واستقتلنا وما نخرج من منزل حتى نخربه ولا نظفر بدم محقون حتى نسربه فالديار نخربها والدماء نحرقها وقبة الصخرة نرميها وعن السلوان نعميها والمصانع نخسفها والمطالع نكسفها وعندنا من المسلمين خمسة آلاف أسير مابين غني وفقير وكبير وصغير فنبدأ بقتلهم وشت شملهم فقيل للسلطان هؤلاء إن أخرجوا لجواً وأسلفوا الأهوال وأتلفوا الأموال وسفكوا الدماء وقتلوا الإسراء والصواب أن نحسبهم اسارنا فنبيعهم نفوسهم وندخل في القطيعة رئيسهم ومرئوسهم فأذن بعد لأي فيما رآه المسلمون من رأي فما زالوا يتوصلون ويترددون ويتلددون حتى استقر أمرهم على قطيعة اشتروا بها المهج ونفوا دونها عنهم الحرج
(٢٣٦ أ) وهي عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة وعن كل نسمة صغيرة أو صغير ديناران الذكر والأنثى فيه سيان فمن وفى بالحق خلص من الرق ومن عجز بعد أربعين يوماً ضرب الرق عليه ونهج به منهج العبيد والإماء وبذل باليان بن بارزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار وانفصل بما التزمه من قطيعة وقرار وسلموا المدينة في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب أوان وجوب صلاتها وطلعت الرايات الناصرية على شرفاتها وأغلقت أبوابها بعد تسلمها لحفظ ناسها في طلب القطيعة والتماسها وضاق وقت الفريضة وتعذر أدائها وللجمعة مقدمات وشروط ولم يكن استيفاؤها وكان الأقصى بلا محرابه مشغولاً بالخنازير والخنا مملوءاً بما أحدثوا من النسى مغموراً بالنجاسات حتى حرم علينا في تطهيره منا ألوفاً فوقع الاشتغال بالأهم الأنفع وهو حفظهم وضبطهم إلى أن يؤخذ قسطهم فرتب السلطان على كل باب أميراً أميناً فلو أديت الأمانة لملأت الخزانة لكنها اختلفت عليها الأيدي وتعدت إلى التعدي وكثرت الأقلام الضابطة فقل الضبط وتزاحم الرابطون فانحل الربط والنواب الأكابر استنابوا أضاعراً أقاموا في تقصيرهم المعاذر وقنوا لأنفسهم الذخائر وادعى مظفر كوكبوري أن بها جماعة من أرمن الرها وعددهم ألف نسمة فجعل إليه أمرها وكذلك صاحب البيرة ادعى العدة الكثيرة وكذلك كل من استوهب عدة أطلقها وحصل له مرفقها ثم تولى الملك العادل استخراجهم وقوم على الأداء منهاجهم وسهل بأوفى نصيب ورعى منه في مرعى خصيب. وكانت بالقدس ملكة رومية متعبدة مترهبة في دين التثليث موحدة وعندها حول وخدم وعبيد وجوار ووصايف ونواب وأمناء وأصحاب وظائف فلما دهتها الداهية وعراها في تمسكها بكنيستها عراها الواهية عاذت السلطان فأعاذها وأبقى عليها من المصوغات من صلباتها الذهبية المجوهرة جذاذها فخرجت بجميع مالها وحالها ونسائها ورجالها وأسقاطها وأعدالها والصناديق بأقفالها والتفاريق بأحمالها وتبعها من لم يكن من أتباعها وشيعت بشفاعتها من ليس من أشياعها وسارت الملكة الرومية لمرامها مالكة ولمسالك ممالكها سالكة. وكذلك خرجت الملكة زوجة الملك كي ابنة الملك أماري وهي بأبيها بتر وبزوجها بتارى وعزمت على أنها تداوي مرض حالها وتداري وتسأل في شيعتها وعيشتها ورزقها ومعيشتها وحاشيتها وغاشيتها فوهب لها جميع ما سألته وعجل لها نجح ما أملته وكان الملك زوجها مقيماً في برج نابلس من قيده مطلقاً ومن رقه معتقاً لكنه موكل به ليوم تسريحه وقد غلب إلى زوجته لاعج تباريحه فأذن لها في قصده فسرت وسارت بخدمها وجواريها وحليها وحللها وبسطها وفرشها وأحمالها وأوساقها وجواهرها وأعلاقها وأقامت عند زوجاً وبلت بغرته غلة أشواقها. وكذلك خرجت الأبرنساسة أم هنفري وهي زوجة الأبرنس الذي سفك يوم حطين دمه وفاء بالنذر وهي صاحبة الكرك وهي بنوابها محوطة وبرأيها منوطة فجاءت سايلة في ولدها العاني فوعدت بالجميل وشفاء مالها من الغليل وأنها إن سمحت بحصنها سمح لها بابنها ثم سلك لها في الأعفاء والإطلاق سبيل الباقيات وعصمت في نفسها ومالها وأصحابها بالراعيات الوافيات.
ذكر وصولي إلى خدمة السلطان
стр. 154
قال: سبق ذكر ما ألم بي من السقم وانقطاعي إلى دمشق للتداوي فلما سفر وجه صحتي توجهت وللعود إلى الخدمة تنبهت فوصلت إلى السلطان يوم السبت ثاني يوم الفتح فاستبشر بقدومي وخلع على البشير قبل أوبتي، وكان أصحابه يطالبونه بكتب البشائر ليغربوا ويشرقوا ويسيروا في البلاد ويتفرقوا ويقول لهم: لهذه القوس ثأر ولهذه المأدبة نار ولهذا الوادي من سبيل الخاطر الفلاني سيا جار ولعله يفد ولا رواينا يرد ثم اجتمع كتابه في غيبتي وعملوا بالبشارة نسخة منها ينسخ أصلها ويفرع ويفرخ وهم بها مشتغلون وبنارها مشتعلون حتى أقبلت وجاءهم الربح وركدت الريح (٢٣٦ب) وفاح العرار ورمي لاشيح وقالوا: مرحباً بمن صبحنا وجهه الصبيح ولقيني السلطان بكل عرف بهيج وعرف أريج وتقريظ وإطراء وتقريب وأدناء وأنه من كرامة الفتح اتفاق وصولك وإقبال قبولك وقدومك في هذا اليوم وسموك بهذا السوم وهذا ميدانك فأين جوادك وأين أقلامك فهي أقاليد الأقاليم وإذا أعوجت فهي للتقويم واستردا الكتب التي تخيروها واستثقل البطاقات التي طيروها فأجريت ضامري في المضمار وانهيت قمري إلى الأبدار وبريت بقلمي للإيراد والإصدار وكتبت في ذلك اليوم سبعين كتاب بشارة وكل كتاب بمعنى بديع وعبارة ثم أردفتها في تلك الليلة بكتب نابت في سمائها عن شهب استوعبت في كل كتاب الشروح واستفتحت بتعظيم وعظمت الفتوح.
ذكر جلوس السلطان يوم الفتح للهنا بالمخيم
على ظاهر القدس وخطبة الجمعة قال: وجلس السلطان يوم الفتح ونص النصر ظاهر ووجه العز سافر والأمراء والعظماء قيام وجلوس وفي المطالع بدور وشموس وللموائح أنفاس وللمنائح نفوس وهو في كيكته وجلالته كاقمر في هالته والدنيا حالية بحالته والدين مدلول دلالته وأعين الأمثال منتظرة لمراسمه وألسن الإقبال مثنية على مواسمه وقلوب القبول ممتلية تمتار وأيدي الآمال متملية بنبله والجمع حافل والخطب عال ولبضائع الفضل أرباع ولصنائع الأفضال أفراح ولأجسام المكرمات أرواح فلم يتقوض المجلس إلا عن مجد مشيد وحمد عتيد وجد سعيد وسعد جديد ولما كان يوم الجمعة التالية لجمعة الفتح تقدم السلطان ببسط العراص وإخلائها لأهل الخلاص وتنظيفها من الأدناس وكنس ما في أرجائها من الأرجاس وكان قد سبق أمره من مبدأ الأمر بهدم ما هناك من أبنية الكفر فقد كان الداوية بنوا غربية داراً وأدخلوه فيها وخلطوه بمبانيها واتخذوا منه جانباً مستراحاً للأعلال وجانباً هرياً للأغلال فأمر في العاجل بكشف قناعه ورفع الوضيع من أوضاعه حتى ظهر موضع المنبر والمحراب واستظهروا بإقامة أقدامه من الحجاب واجتمع الخلق في ذلك الأسبوع على تفريق ذلك الهدم المجموع وتعاونوا حتى كشفوه ونظفوه ورشوه وفرشوه. وكان قد أمر بإتخاذ منبر في تلك الأيام فنجروه وركبوه ولما أصبحنا يوم الجمعة وجدنا العلل مزاحة والهمم مراحة وهناك فضلاء بلغاء وعلماء أتقياء وكل منهم قد سبق لخطبته الخطبة وأمل الفوز بفضيلة تلك الرتبة وأعد لذلك المقام مقالاً ونشط بشقشقة فصاحته من قرم حصافته عقالاً حتى إذا جعل الداعي وتعين الفرض على الساعي حضر السلطان للصلاة في قبة الصخرة وامتلأت تلك العراض والسكون واستعبرت للفرح بما يسيره الله العيون فعين السلطان القاضي محي الدين أبا المعالي محمد بن علي القرش بن الزكي للخطبة فصعد فسعد وحمد وأحمد وأبلغت بلاغته وأوردت زناد القلوب صياغته وأدت المعاني ألفاظه وأنبه الأقاصي والأداني أيقاظه فاهتزت لمقامه أكناف المنبر واهتزت لكلامه أعطاف المعشر ودعاً لأمير المؤمنين ثم لسلطان المسلمين ونزل وقام في المحراب أمامها أكمل بصلاته الفرض وأرضى بسمت دعواته والطمأنينة في ركعاته وسجداته السماء والأرض. وسر السلطان بنصبه ورفعه وامتلأ صدره حبوراً منه لجلاء بصره وسمعه فقد أخذت أشعة أنوار الخطبة في سواد الأهبة وعظمت أخطار المهابة في خواطر اللجة. ثم رتب السلطان بعده خطيباً يستمر إقامته الجمع والجماعات ويستقر ملازمته لأداء الصلوات.
стр. 155
وكان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في عهده عرف بنور فراسته فتح البيت المقدس من بعده فأمر في حلب باتخاذ منبر للقدس. تعب النجارون والصناع والمهندسون فيه سنين وأبدعوا في تركيبه الأحكام والتزيين وبقي ذلك المنبر بجامع حلب منصوباً سيفاً في صوان الحفظ مقروباً حتى أمر السلطان في هذا الوقت بالوفاء بالنذر النوري ونقل المنبر إلى موضعه القدسي فعرف بذلك كرامات نور الدين التي أشرف سناها بعده بسنين وكان من المحسنين الذين قال الله فيهم " والله يحب المحسنين " ثم أمر السلطان بترخيم المحراب (٢٣٧أ) وتعظيمه وتخصيصه في عمارته بأعم أسباب تكريمه فجاء على ما تشاهده الآن العيون ويتفرع من حسنه وإحسانه الفتون.
قال: ولما قضيت الصلاة تلك الجمعة نصب سرير الوعظ. وتقدم السلطان إلى الفقيه ابن نجا الواعظ لشرع السرير وينفع بعظاته الصغير والكبير وحضر المجلس بمرأى منه وسمع وكان أنور مجلس وأجلى وأشرف جمع ومجمع فحقق ورفق وأشهد وأشهق وذكر الفتح وبكارته والقدس وطهارته وما أعه الله لهذه الطائفة من الطارفة الطارقة وما أنزله من الأمن على القلوب الخائفة ووصف ببلاغته ما لا يبلغ إليه الألسن الواصفة وكان يوماً راجحاً وصوماً رابحاً.
وأما الصخرة المقدسة فإن الفرنج كانوا بنوا عليها كنيسة وأعادوا رسومها القديمة دريسة وستروها بالأبنية وكسوها صوراً هي أشنع من التعرية وملؤوها بتصانيف التصاوير ونبتوها في ترخيمها أشباه الخنازير فتقدم السلطان بكشف قناعها ورفع أوضاعها ومحو صورها ورخص وضرها فحببت بالقبل وفديت بالمقل وغسلت بالأدمع واشتعلت بنار الأضلع ولما ظهرت الصخرة وجدناها قد أبقت بها النوائب حزوزاً فإن الفرنج كانوا نقلوا إلى بلادهم منها قطعاً وأبدعوا فيها بدعاً حتى قيل أنها بيعت بوزنها ذهباً وأفضى الأمر بها إلى أن يكون حجرها منتهياً فغطاها بعض ملوكهم إشفاقاً عليها لئلا تمتد يد ضيم إليها فأبقت جزورها في القلوب حزازات وما حديث جلاتها في الآفاق بروايات وإجازات. وتولاها بعد ذلك الفقيه ضياء الدين عيسى فضلها بشبابيك من حديد وثبت أركانها بكل تشديد وأقام السلطان بها أماماً أحسن التلاوة وحافظاً للقرآن وحمل إليها وإلى المسجد الأقصى ربعات ومصاحف ورتب بها للقراءة أوراده وظايف فافتتح فيها بالختمات وختمت بالدعوات ودعيت بالصالحات والحمد لله الذي شد ظهر الإرشاد إلى صخرته وملأ قلوب الأولياء بمسرة الدين ونصرته أسرته.
ذكر ما شرع فيه الفرنج من أداء القطيعة
قال: وشرع الفرنج في إخلاء البيوت وبيع ما ذخروه من الأثاث والقوت وأمهلوا حتى باعوا بأرخص الأثمان وكان خروجها بالمجان ولا سيما ما تعذر لثقله نقله وصعب حمله وكان كما قال الله "كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قواماً آخرين " فباعوا ما تهيأ على البيع إخراجه وغلبوا على ما في الدروس الماعون والمذخور، وكانت كنيسة قمامة وهي كنيستهم العظمى مبسوطة بالبسط الرقاع مكسورة بالستور من النسيج والحرير الممزوج من ساير الانواع والذين يذكرون أنه قبر عيسى ﵇ محلى بصفائح الفضة العين ومصوغات الذهب واللجين مصفح بالنضار مثقل من نفايس الحلي بالأوتار فأعاده البطرك منها عاطلاً وتركه طللاً ماثلاً فقلت للسلطان هؤلاء إنما أخذوا الأمان على أموالهم فما بال هذا المال وهو بالوف يحملونه في أثقالهم فقال هم يعرفون هذا التأويل ويقولون لم يحفظوا العهد ولم يلحظوا العقد ونحن نجيبهم على ظاهر الامان ونغريهم بذكر محاسن الإيمان وكانت المهلة أنه من عجز بعد أربعين يوماً عن أداء ما عليه من القطيعة ضرب عليه الرق فتولاهم النواب بعد خروجنا من القدس وبقي منهم من ضرب عليهم الرق خمسة عشر ألفاً في الحبس ففرقهم السلطان وتناهيت بهم الممالك وحصلت لي منها سبايا نسوان وصبيان وذلك بعد أن وفي بارزان بالضمان وأدى ثلاثين ألف دينار واخرج من ذكر أنه فقير بحسب الإمكان وكانوا تقدير ثمانية عشر ألفاً واعتقد أنه لم يبق فقير وبقي على أداءه على ما ذكرناه كثير.
стр. 156
وأما النصارى الساكنون بالقدس فإنهم بذلوا مع القطيعة الجزية ليسكنوا ولا يزعجوا ويؤمنوا ولا يخرجوا وأقروا بوساطة الفقيه عيسى واقر السلطان من قسوس النصارى أربعة قوام لقمامة وأعفاهم ولم يكلفهم الغرامة وأقام في مدينة القدس وأعمالها منهم وكانت برسم الفرنج ومقدميهم مجاورة الصخرة وعند باب الرحمة مقبرة وقباب معمرة وأجداث واحداث تعفينا آثارها ورخصنا أوصارها (٢٣٧ ب) وقلعنا صفايحها المخرمة وأعمدتها المرخمة وسوينا بها الأرض وسلطنا عليها النقض وأشير على السلطان بتخريب كنيسة قمامة فلم يترجح في رأيه تخريبها ولا توضح عنده تصويبها.
وقام السلطان بظاهر القدس حتى حقق الآمال وفرق الأموال وقسم الأنفال وعصى في طاعة الله بإفناء تلك النفايس العزال فقد كان أخوه الملك العادل وجماعته يرون وهو من الرأي الصواب إبقاءها للذخائر وإعدادها لما يدور من الدواير وكان ذلك أولى في شرع الحزم لكنه جرى من فرط سماحته على الرسم وسمعت الملك العادل يوماًَ في أثناء حديثه في ناديه وهو يجري ذكر إفراطه في بث أياديه أنني توليت باستيفاء قطيعة القدس فانفذت له ليلة سبعين ألف دينار وقلت قد حصل منه على استظهار فجاءني خازنه بكرة وقال: نزيد اليوم ما نخرجه على إنفاق مما عندنا فما كان بالأمس باق فنفذت ثلاثين ألف دينار أخرى في الحال ففرقها على رجال الرجا بيد النوال ونفد إلى الملوك الذين كانت عساكرهم في الفتوح حاضرة هدايا وتحفاً والطاف جازية.
ذكر الرحيل عن القدس على عزم الحصار صور وهو يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان
стр. 157
قال: كانت صيدا وبيروت مع الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وهما لمجاورة صور معرضتان للخطوب وقد وصلت كتبه محرضة على حصار صور خاصة وعلى بنان التندم لخوف فوات الفرص خاصة وإنها بالمرابطة فيها والصابرة عليها تملك وفي كل يوم فرصة إذا فاتت لا تستدرك وإلى متى البث وحتام المكث ولم يبق في النفس إلا حاجة صور فانهضوا إليها عسكر المنصور فقد أينع في القلوب غرس ضمها وما بقي في كنانه الكفر غير سهمها ولا بد من العزم الجزم في خوض هذا الخضم وكف الملم وكفاية المهم فرحل السلطان عن القدس بالبوارق الملتمعة والفيالق المجتمعة والأفلاك بكواكبها والأملاك بمواكبها وكان الملك الأفضل قد رحل قبله بأيام ليحكم ما بعكا التي يتولاها من أسباب وأحكام ثم تبعه الملك المظفر تقي الدين ثم رحل السلطان في اليوم المذكور وودع ولده الملك العزيز وسار معه منزلة وأعاد إلى مصر عزيزها وجدد بمحاسنه تطريزها وذلك آخر العهد بلقاءه وإن مد الله سبع سنين بعد الفتح في حياة السلطان وبقاءه ثم استصحب معه الملك العادل واستظهر بصحبته ووصلنا إلى عكا يوم الخميس مستهل رمضان وبصور من خبر مصيرنا ما أقعد الكفر وأقامه وكان المركيز قد حفر الخندق للبلد من البحر إلى البحر قدامه ووثق سورة وأسعر عليه مساعيره وبنى بواشيره وأحكم " في التعمير تدبيره " واستكثر إلى جموعه العدد كثر من جنوده العدد ورحلنا إلى صور بقوايم قوية وصوارم ظامية روية ووصلنا إليها يوم الجمعة تاسع الشهر وخيمنا بإزاء السور بعيداً منه على النهر وأقمنا ثلاثة عشر يوماً حتى تلاحقت الأمداد وتكاتفت العدد وتكاثرت الأعداد وهيأنا آلات الحصار وتنكبنا عنها عن نهج الاقتصاد والاقتصار وحول السلطان مضاربه إلى تل قريب من السور مشرف منه على الجمهور " وكان تحوله إليها يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر وأقام مقامه المصابر الصبور" وحجز على السفهاء العدى بالحجازات وضايقهم بالأبراج والمنجنيقات والعرادات والدبابات وقد تكفل كل واحد من الملوك بجانب يكفيه فالملك العادل سيف الدين بدر في جانبه وتحرف الأقران بمضاء مضاربه، وتقي الدين في جانب آخر نازل منازل مقابل، والملك الأفضل خيمته من وراء السلطان قريبة وعزمته لدعاء الصباح مجيبه الأمراء والكبراء وعساكر ملوك الأطراف والحاضرون في الخدمة لا يحصون ولا يحصرون ونحن نرجو من الله أنهم على أعداء الله ينصرون. وفي هذه الأيام وصل الملك الظاهر غياث الدين غازي غازياً وللدين بقيامه وافياً واستظهر السلطان بالظاهر ابنه وركن إلى شدته لشدة ركنه وأنزله بقربه ورتب رجاله في أماكنها وأبطاله في مكامنها وعين لها مواقفها في مياسرها وميامنها وتعاضد أولياء الله على قتال أعدائه وانتظروا نزول نصره من سمائه وكانوا يقاتلون (سماء) صباح مساء وفي كل يوم بل في كل ساعة بأس شديد وقتال جديد ونوال مبيد (٢٣٨ أ) وأما المنجنيقات فإنما شقت حجاب السور بشورة الأحجار وهتكت ما نضدته للستاتر من الستار الأبراج فانقضت على الكفر من النضال نجومها وقذفت الشياطين من القوارير رجومها واستدعى السلطان السطول المصري وكان بعكا فجاءت منه شوان عشر لها على القتال ضم ونشر جبالها "تمر مر السحاب" وهضابها تجرى في الأمواج على الهضاب. وكانت للفرنج في البحر مراكب خفاف وحراريق لها بحريق النصال قذاف وفيها رماه الجروخ والزنبوركات والنكابات بالناوكات فهي تجرى بقرب الساحل موتره للمنايا موثرة للمنايا يرمون من دنا من البحر ويدمونه ويصممون على ماقاتلهم فلما جاء أسطولنا استطال عليها وأبعدها من صور وحواليها فأجترأنا على الدنو من البحر والهجوم عليهم فيه بالقهر، وأحطنا بهم وقاتلناهم براً وبحراً وصدعنا أكبادهم رعباً وذعراً وكاد الفتح لنا يتم والحتف فيهم يهم ونحن نحرص ونحرس ونقتص ونفرس فبينا نحن في أهنأ ظفر وأصفى ورد وصدر إذا أصبنا ليلة وفجعنا بقطع مدده الموصول وذلك ان رئيسه عبد السلام المغربي ومتوليه بدران الفارسي ومقدميه ورجاله ألفوا على الاستقامة أحواله واغتروا بالأقدار ونعسوا ولم يحترسوا عن نوايب الأسحار وذلك أن خمس شوان منها كانت بإزاء البلد في بعض الليالي مرساة بإرصاد العيون على الكفر معراة فنامت بإزاء ميناء صور وقد نسى المقدور وجرت إلى السحر ومالت إلى راحة العين من تعب السهر فما شعروا إلا
стр. 158
بمراكب العدو مالكة وبرجالها فاتكة فدخلوا بها إلى الميناء " وملك الفرنج خمسة من شواني المسلمين وأسروا مقدميها ورئيسهم عبد السلام المغربي ومتوليه بدران الفارسي وأمراءه " وبدر أمراؤها المقدمون وتواقع إلى الماء رجالهم الباقون فمنهم من نجا وخلص تحت ستر الدجى ومنهم من قنط من خلاصه المرتجى فأصبحنا وقد وجمنا من تلك الليلة وبغتتنا نبوة تلك النوبة ثم قلنا هذه المراكب التي سلمت لا انتفاع بعدتها القليلة ولا حاجة إلى بقاء الباقيات الصالحات عندنا وإن الله سينصر بدونها في حماية الدين جندنا فجرنا لنسير إلى بيروت وننجو من المعرة ونفوت فلما أقذف بها ملاحوها بصرت بمراكب الفرنج وراءها فخافت اعتراكها واجتراءها فتواقعت إلى الماء خارجة على الوجوه مشفقة من المكروه وكانت مجمعة بجريد وبجفوة مصرية ونجا منها شيني رئيس جبيل كأنها الجبل وانحدر على البحر كأنه سيل وكانت رجاله منتخبين بالبأس والبسالة منتخبين وأما الشواني التي تخلوا عنها فأنا رفعناها إلى الأرض وبسطنا فيها أيدي النقص وعدنا إلى ما كنا عليه من قتال البر وأطعمت الفرنج شئون تلك الشواني فقالت ما هذا أوان التواني فاستعدت يوماً وقت العصر وخرجت عن الحصر وأقدموا مدججين في بحر اللجاج ماججين يجرون من أبدان السوابغ ذيولها ويجرون من أمواه السيوف القواطع سيولها فما ترى إلا فل الحديد بالحديد وشل العديد بالعديد وهز الصوارم وحز الغلاصم وحطم الموازن وبث المكنون ونقل الكناين ومازالت الرؤوس كالزروع تحصد والعوالي في الضلوع تقصد والقنا في السابري تندق والكلى باليسرى تنشق حتى انفل الحديد وتكسر وانحل السديد وتيسر وكانت الدايرة على الكفرة فانفجرت على نصالها عيون الفجرة وانتكصوا مغلولين مأخوذين وأسر فيمن أسر منهم مقدم كبير قدم سلبه بأموال وعد لحماسته ولبسالته برجال ما سلم نفسه حتى سلمت دونه نفوس وما غل عنقه حتى طارت دون وقوعه رؤوس وتباشر الناس وقالوا أسر المركيس وحصل في القبض إبليس وكل من يتألمه يشبهه بالمركيس ويمثله. وكان الليل قد جن والسيل قد أرجحن فسلمه السلطان إلى الملك الظاهر ليحفظه ويعين الحراسة يلحظه فقدم المقدم وضرب بيده عنقه ولما أقمنا صروحاً تبين أن المركيس في الحياة مهله إبليس وعادت بالحروب في كل يوم يحدد فيها المنون وتدور برحاها الحرب الزبون تجد ويجدون وتشتد ويشتدون ولو أقمنا لرجونا من عون (٢٣٨ب) الله تعالى أن ينصرنا وقلنا قد آن للصبح أن يسفر وللنجح أن يظهر لكن مراد الله أمضى وقدره أغلب وأقضى.
ذكر الرحيل عن صور وبيان السبب فيه
وذلك في آخر شوال
стр. 159
قال: كان أصحابنا قد ألغوا من مفتتح الفتح الحصول من غير تعب على هني الربح فما التقطوا إلا درةً ثمينةً ولا اشترطوا إلا لقمة سمينة فلما حصروا صور وأبصروا الأمور وشاهدوا الشهادة واحتاجوا إلى هجر المعيشة الرحبة المألوفة وأنفقوا الأموال في جلب القوت والعلوفة مشي رجالنا ومالت إلى الزوال أموالنا وفيها جماعة كرهوا الرحيل وقالوا: قد أوهنا العدو ورزقنا الله عليه الغلبة والعلو وقد فرق علينا السلطان من الأموال آلافاً مؤلف٥ة حتى استتبت الأسباب فإذا رحلنا أحبطنا الأعمال وأذهبنا غبنا تلك وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " وإذا امتثلتم هذه الأوامر فإنكم بوعده الصادق تفلحون وتفتحون ومن الناس من هو ساكن ساكت حتى يبصر ما يكون من حكم القدر ويقضي الله أما بالرحيل وأما بالفتح والظفر فجاء الألوف إلى السلطان وقالوا: قد بان تعذر الإمكان وقد أشرفنا على كانون وكل ومل المؤمنون وما ينقضي يوم إلا ويقضي أو يجرح فيه قوم وهؤلاء رجالك فلا تفرط فيهم ولا تحملهم على ما يرديهم وبين أيدينا بلاد أهون من صور فأرح لفتحها عسكرك المنصور فقال السلطان: قد أنهينا في بحر الاجتهاد العوم فكيف يطرق بالرحيل إلينا اللوم وما عذرنا إذا فرجنا عن عداته وخرجنا عن مواقيت عداته وبالصبر ينال الظفر وبتوفيق الله لإتباع أمره يوافق القدر وهذه صور إن بقيت أتعبت وإن نفس كربها أكربت ولم يبق بهذا الساحل مدينة للسوء سواها وما نخاف اجتماع مدد الفرنج إلى الساحل لولاها فإذا فتحنا رتاجها فتحنا كل رتاج وأوضحنا كل منهاج والحصون والمعاقل الباقية في يد الكفر مجاورة لبلادنا في البر وما أهون فتحها إذا يئس رجالها من إمداد البحر وإذا تركنا هذه الجمرة في رمادها وهذه الشعلة المتوارية في زنارها أعصفت بها نكب الرياح وعنت بوريقها الذي للإقتداح فانتشر حريقها واتسعت للطورق طريقها وقد قرب من نار شره الخمود وتعذرت من سوره الحدود وإذا مضينا وتفرقنا فمتى نجتمع ونعود وقد أمكننا الغربة وأنتم الاسود وقد لاحت الفرصة وقد حميت الحمية فماذا الخمود فتأبوا إلى ما رآه وأتوا على رضاه فأقمنا بعد ذلك أياماً نوفي الباصرة حقها والمرابطة صدقها والسلطان يفرق على الرجال الأموال ويحبب إلى أولياء الله في سبيله القتال في انفس المتضجرين بالمقام ما فيها وكم ثبتت متجلدة على ما ينافيها فتمكنت الفترات في عزماتها وتطرقت السكنات إلى حركاتها وصارت تخل بنوب المنجنيق وتدعى سانحات اسباب التعويق ويقول الأمير: رجالي يجرحون فكيف يعدون للنوبة أو يروحون وبقيت المنجنيقات واقفة لا فادح لزنادها بحجارة ولا قابل لسومها بيع ولا إجارة وقد استوفيت شرح ذلك في كتاب الفتح القدسي واديت العنى باللفظ القسي فعزم السلطان على الرحيل وأمر بنقض الابراج والمنجنيقات ونقل الأثقال والآلات فحمل بعضها إلى صيدا وبيروت في البحر والبر وأحرق بعضها لئلا يحصل بها نفع للكفر وانتقل السلطان إلى المنزلة الأولى وشرع جمع العسكر في الإفتراق كأنهم قد أطلقوا عن الوثاق ورحل الملك المظفر تقي الدين وسار إلى دمشق على طريق هونين واستصحب معه عساكر الشرق وجموع الجزيرة والموصل وسنجار وديار بكر وماردين ثم استقل السلطان راجلاً وسلكناً بالخيل في خدمته ورأى الباقين فوق الجبل في ثلاث مراحل حتى انخنا بظاهر عكا عند التل وخيم السلطان (٢٣٩ أ) هناك وأقر الفضل وأرف الظل وعين يوم رحيله أمراء يقيمون على صدر إلى أن يعرفوا عبور النقل فإن طريق الناقورة في الجبل المطل على البحر ضيقة المسلك لا نعبر بها إلا جمل جمل فعبرت بها الأثقال والأحمال في أسبوع وسار الملك العادل إلى مصر والملك الظاهر إلى حلب واستأذن أيضاً بدر الدين دلدرم الياروقي في المسير وصار هاولا في الجم الغفير والجمع الكثير.
стр. 160
وفي هذا التاريخ استشهد سيف الدين أخو عز الدين جاولي في عفربلا كبسته فرنج حصن كوكب آخر ليلة من شوال وكان محمود السيرة منتبه الغريرة طاهر الذيل من الدرن ظاهر الميل إلى الأثر الحسن وكان قد تخلف من الحصون التي لم تملك حصناً كوكب وصفد وإنما طال أمد فتحهما لأن في كوكب جمهرة الإستبار وفي صفد جمهرة الداوية فرأى السلطان الحاجة في فتحهما إلى المطاولة والمحاجة من غريمهما بالمماطلة فوكل بهما أميرين أمينين فأصلت على أشقياء صفد سيف الدين اللصتي مسعود ورأى أن يوكل بكوكب غير محمود وكلاهما استشهد وحكم مراد الله غير مردود فأما محمود فإنه أقام في حصن عفر بلا وهو قريب من حصن كوكب ونغص على المقيمين فيه المطعم والمشرب وضيق عليهم حتى ضاق خناقهم وحاق إرهاقهم وآن أن ينصال أرماقهم فدخل الشتاء واعتل الهواء واغتر محمود بجمود القوم وخمودهم وترك النوم واشتغل بعادته في حصنه ولما كان آخر ليلة من شوال وهي ليلة راعدة بارقة خلا محمود خلاله المحمودة وسهر وحرض إلى السحر وهو في غرة في غار الغير وأخل أصحابه الاحتراس ومالوا ((فغلبهم النعاس)) فما استيقظوا إلا وفرنج كوكب عليهم باركة وللبنة حياتهم هاتكة فمازالوا يدافعون عن أنفسهم حتى استشهدوا ونقل الفرنج إلى كوكب ما وجدوا من عدة ومتاع وسلاح وكراع. ووافق نعيه رحيل السلطان من صور فتقدم إلى صارم الدين قايماز النجمى أن يرابط كوكب في خمسمائة فارس ولم يزل عليها منيخا حتى تسلمنا الموضع في أواخر سنة أربع على ما سيأتي ذكره.
وفي هذه السنة كان فتح حصن هونين أيام مقامنا على حصار صور وذلك أنه لما فتحت تبنين امتنعت هونين فوكل بها من الأمراء من رابطها وصابرها ولم يزل مقاتلا لها حتى راسلوا في طلب الأمان وتسليم المكان وجاء الخبر إلى السلطان فأمر الأمير بدر الدين دلدروم الياروقي في التوجه إلى هناك وخرج الفرنج منها آمنين والحمد لله رب العالمين.
ذكر دخول السلطان إلى عكا
قال: وأقام السلطان بظاهر عكا في سرادقه ناظرا في غاية حقوق الدين وحماية حقايقه واتفقت في تلك الليالي رياح مختلفة وعواصف مرجفة وكان الملك الأفضل في برج الداوية مقيما فسكن السلطان بالقلعة في محل الرفه والرفعة واستقر بها إلى أن دخلت السنة الأخرى ورتب الأمير عز الدين جرديك واليا وأعاد به عاطل الولاية حاليا وإنما عول عليه لنزاهته ونباهته فسدد المختل وشفى المعتل وأقام السياسة وأدام الحراسة ووقف دار الإسبتارية نصفين نصفاً على المتصوفة ونصفاً على المتفقهة وأهل المعرفة من الطائفتين ووقف دار الأسقف إلى جمال الدين بن أبي النجيب المتولي بها أمور الشريعة وأدت الحال بتفريق رياضها الوسيعة.
ذكر حسن خلق السلطان
قال: كان أيام حصار صور قد فرق أمولاًُ كثيرة على الولاة في البلاد لجمع الرجال فلما قضى الله بالارتحال ذكر بتلك الأموال فأضرب عن ذكرها ولم يخرج أمره في أمرها وكان والي أعمال عكا حينئذ شمس الدين علي بكريسان وقد سير إليه ألف دينار قبل الرحيل من صور بأيام فلما حم الرحيل كوتب برد المال فقلت للسلطان: أنه من الكماة الكفاه فأنعم عليه بما عنده فلم يعد لذكره بعده واحتسب تلك الأموال للآخرة ذخراً ولم ير لما جبره من كنز إنفاق كسرا.
(٢٣٩ ب) ذكر الرسل الواردين في هذا التاريخ
стр. 161
قال: فأول رسول وصل وسؤله حصل رسول الديوان النبوي منزل الرسالة ومحل الجلالة وهو أخي تاج الدين أبو بكر حامد بن محمد بن حامد وكان وصوله ونحن على صور فحين وردت البشرى بقربه أمر بعض الأمراء بتلقيه ويحميه في المنزلة التي يبيت بها ويقيه ولما بكر أمر الأمراء بالتبكير لاستقباله والتوقير لجلاله وتلقاه الملوك الحاضرون الملك العادل والأفضل والظاهر وعقدت بمحاسن ذلك المقدم المشهود المحاضر ثم ركب السلطان آخراً وتلقاه وقام بحق الخدمة الأمامية ووفاه واستصحبه معه إلى موقف القتال ومقام مناصب الأبراج ومراكب الأمواج ثم أنزله بقربه وحباه بحبه ثم عبر يوماُ لحضوره وأدى الرسالة النبوية بحقها وأبدى الجلالة المنيفة في أنفتها. وكانت معه تذكرة مشتملة على العتب والتقريع فيما مر به الأعداء من السعي الوضيع والوشي الشنيع فقابل العتاب بالأعتاب ورد الخطأ إلى لصواب وبين أن الحسود اخترع الزور وشهد أنواره رام أن يستر بظلامه الفلق ومضى أخي إلى القدس وزاره وشهد أنواره وأقام إلى آخر السنة ومنزلته موقرة معظمة ثم كتبت على يده ما استقام به على جدده.
وكان من جملة الواصلين الفقيه كمال الدين الشاشي قاضي أرز الروم فأسهمه السلطان خصوص أنعامه والعموم واتفق وصولنا أو إن رحيلنا من حصار صور وسار معنا إلى عكا ولقيته وقد أنجز أمره وهو يشكي وسألته عن شكواه فذكر لي اقتراحاً يسيراً وشكى تقصيراً فقلت حقك يقضي وتلوت " ولسوف يعطيك ربك فترضى " ثم استأذنت له تلك الليلة على السلطان وأحضرته ووفيته حق تبجيله وقربته وقلت: لعل مولانا ما عرف أنه فقيه عن النظراء ومتميز وفي المناظرة مبرز فهل يؤذن في حل مشكلة والكلام في مسألة فبش لذلك القول وهش بالطول فقال: مبارك يشرع ويجيد ونسمع ويفيد فشرع في مسألة مستدلاً معللاً وأصغيت له مبجلاً وهززت له عطف الاستحسان وأعززت قدره ومكانته بقدر الإمكان وقربته إلى قلب السلطان ثم اعترضت على كلامه وأعدته أحسن إعادة وذيلته من المعاني البديعة.
قلت للسلطان: هذا من الفقاء الأعيان يعود إلى تلك البلدان ويتحدث بأخبار فتوحك وأنباء غدوتك في الجهاد وصبوحك وقد رغب في التبرك بما يستصحبه معه من عدتك في الغزو والملبوس فإن لها قبولا في القلوب ونفاسة في النفوس فأدناه منه تأنيساً ووهب من كل عدة خاصة لها علقاً نفسياً حتى أعطاه قميصه المزرور عليه وملأ بعوارفه يديه فخرج وودعه وودعته وأشاع حمدي وبالحمد شيعته هذا ولم يزل أدبي وقضاء حقوق الكرام من أنجح آدابي والسلطان يقلدني في مذهب سماحه ويقلدني في المنن في الإرشاد مقصد معارفي هذا وإنجاحه. قال: ومن جملة الواصلين في التاريخ رسول الأتابك مظفر الدين قزل أرسلان.
ذكر نبذة من أحواله
стр. 162
كان هذا مظفر الدين قزل أرسلان وهو عثمان شمس الدين أيلدكز مستولياً على بلاد العجم بعد أخيه يهلوان وهو عم السلطان السلجوقي ليس معه أمر نافذ ولا بيده في الملمات منه آخذ وقد حكم على البلاد جميعها أرانيه وأذربيجان والري واصبهان ومن حد حلوان إلى حد خرسان وقد هرب السلطان السلجوقي ليخرج من تحت حكمه ويتسلط على عادة كل سلطان ورسمه ثم قوي وعاد ولم ينتظم لسوء تدبيره أمر ولم يرتفع له قدر فإنه كان كثير التحيل من خواصه يرتاب بغش ذوي استخلاصه فإذا أوهموه في أعظم أمرائه أمراً عظيماً لم ير في الإيقاع بهم تهويناً ولا تهويماً فما يشعر به الواقف على رأسه إلا ورأسه طاير ودمه ماير فخانه مقربوه وانتزحوا فكل منهم نافر ومازال قزل أرسلان يتتبعه ويرده تارة ويردعه حتى ظفر به وسيره إلى بعض القلاع وحبسه وهذا قزل أرسلان كان يجد لي أمراً في السماح والأموال في أنامله كالهشيم على مهب الرياح ومن جملة سجاياه الكريمة أنه تبقى عنده رسل الأطراف مقيمين في ظل الإسعاف مشمولين من تفقده بكرا يم الألطاف (٢٤٠ أ) فلو أقام الرسول سنة أقام بتبجيله وتشريفه حتى تستغني بدقيق أنعامه وجليله فإذا استأذن في العود أجزل له عطاءه ووفر له الاءه وأعاده مملوء الحقائب مطوق الجنائب مثقلاً بالنضار وكان إذا عرف اجتماع الرسل عنده من الأمصار وأقاصي البلاد وأداني الديار أحضرهم في إيوانه وغمرهم بإحسانه فمن وافقته على أنسه أقام ومن عف عن القعود في ذلك المجلس قام. وكان على مذهب ملوك العجم في إدمان الشرب وسمعت أنه أنهب آلات مجلسه الذهبية والفضية وكانت ألوفاً لندماه مراراً وكم مرة لم يبق في خزانته غرضاً ولا درهماً ولا ديناراً وكانت هذه شيمته في دولة أبيه وهو يحبه إذا افتقر ويغنيه فلما اتسع ملكه وتوحد واتسق سلكه وتفرد ولم يخل خليفته ولم يزل طريقته وكلما سنحت الدنيا له سخاً بها ووهب الدرر بسخائها والدرر لسحابها. وإذا ركب تعد له المواكب وتمد له الجنايب والمراكب مثقلة بالسرقسات المدثرة والأطواق والسحوت العسجدية المجوهرة وهو راكب أزهاها حلياً وأبهاها جرباً. وحكى أنه أنعم على أحد الرسل بمركوب غال فجاءه كل سابح كأنه بحر ساطع كأنه فجر ضامر كأنه صقر ذي حافر كأنه صخر وقد ركب الأمير وهو يسايره ويحادثه ويحاوره وتحت الأمير مركوب في كون مركوبه بعينه بطوقه وسحته ونضاره وتحته مد فرس الرسول وترح وتجهد فقال: ما بال جوادك إلينا يسهل وعلينا يحمل فقال: يطلب رفيقه وينادي شقيقه وهو من فراقه على فرق ومن اشتياقه على قلق فنزل الأمير عن حصانه ووهبه له بقلايده وعقبانه وركب غيره وصان ببذله خيره وقبل سايره قاض من قضاة تلك البلاد وهو على بغلة عاطلة هزيلة والأمير على بغلة فارهة جميلة بمصوغات التبر في الحلي ثقيلة فقال يا قاضي: ما لبغلتك قد عجفت فقال: أدمغتها الغيرة من أختها فما هي على تختها ولا في طوقها وسحتها فأعطاه البغلة بسرجها وطوقها وأمر لبغلة القاضي بمثل زينتها لتقرن بها بقرينتها وزاده عطية لأجل علفها وإزالة هزلها وضعنها فاستغنى القاضي بها بقية عمره ووجد جده وعدم عدمه.
ومن جملة مكارمه أن الأثير الأخسيكي شاعر دهره وساحر عصره مدحه بستة أبيات من شعره فجاد له بستة آلاف دينار من تبره وقال: لو زادني زدته. وحكى أيضاً أنه وصل إلى المعسكر شاب أديب قد حوى من كل فضل طرفاً وحاز من كل غريبة طرفاً لكنه فقير قد أدركته حرفة الأدب وأحوجه الأضرار إلى الاضطراب وأخرجه الاغترار بالاغتراب فلما وصل إلى المعسكر اجتمعوا حوله وسمعوا قوله وعرفوا معرفته ووصفوا صفته ونما الخبر إلى الأمير على ألسنة ندمائه فأمر بإحضاره ولما حضر فاكهه وشافهه واستطرف أدبه واستوصف آدابه ونظم في وصف الحال رباعية بالفارسية فأحضر له ألف دينار حمر وقال: خذ هذه واتسع بها وشفع وقد وصلناك فلا تنقطع فلما بسط الكف وقبض الألف طار من الفرح كالفرخ إلى وكره وأبعد الدموع إلى تلك الدنانير عن ذكره ورجع إلى البلد وقرت عين الوالدين بالولد وطلبه مظفر الدين قزل أرسلان فأخبر بانفصاله وأنه قنع بما تهيأ به من أفضاله فقال: ما كان أدنى همته ولو عرفنا لاجزلنا عطيته.
стр. 163
ومن جملة انحرافه في سماحته أن المجير البيلقاني الشاعر بالفارسي تعلق له أمل بجمل فكتب إلى قزل أرسلان مقطوعاً في أحد وعشرين بيتاً لم يخل كل بيت عن لفظه الجمل بمعنى ليس في البيت الآخر بديع وسبك نصيع فوهب له أحد وعشرين بازلاً نجيباً. قال: وهذه نبذ من مكارمه ليقتدي بها الكرام ولأنوب في الشكر عمن شمله الأنعام وهو من الملوك الذين سيرت إليهم البشارة من المملوك وسار بالبشائر والهدايا والتحف والأساري إليه ابن أختي جمال الدين أبو الفتح إسمعيل بن الحسن بن عبد ربه وكان ينوب عني في الكتابة وهو سهم كاف كثير الإصابة فاختاره السلطان لهذه السفارة وجعله أميناً في أداء أدوات البشارة ومضي سفيراً فقوبل وفوده من القبول بالوفور وأرسل معه أعز من عنده وحمله مشافهة وشكره وهو عز الدين الطالبي فوصل وأوصل الهدايا والتحايا وأحضر لما حضر نفود المكرمات والثنايا وكنا حينئذ بعكا وهي بالأولياء معمورة وبالآلاء مغمورة فأنزلنا في أكرم منزل وشاهد مواقف الكرام ومفامات الأقدام وأقام في (٢٤٠ب) إقامة هنية وكرامة مضية وفي كل يوم إهداء مركوب وعطاء غير منسوب فلما آن انفصاله وحان ارتحاله أغناه وأعطاه مل لم يخطر في مناه وعين لصاحبه من أنواع الهدايا ما جاوز تقويمه الألوف وأطاع في سماحة طبعه الألوف وأخذ الهدية القزلية من الجواهر الثمينة والمستعملات المصرية والثياب المعدنية والعتاق العربية وكل ما حاز به يد الأيد في جهاد من طريف التلاد وعقابل الطرف والتلاد والخوذ والنزول والعقود والسلوك وغير ذلك مما يصلح للملوك وسلم جميع ذلك إلى جمال الدين نسيبي وجعل له تلك الرسالة من نصيبي وأهدى لأمرائه وخواصه وذوي قربه واختصاصه هدايا على أقدارهم ومنازل كبارهم وصغارهم وتوجه وتوجه الرسول ومعهم رسولنا وقد شملنا اقبالنا وقبولنا وكتبت على أيديهم بالفارسية كتباً بالبدايع مشحونة فلما وصلتهم الكتب والرسل تواصلت بيننا وبينهم الصلات وتهادت المهاداة واسترسلت المراسلات وانقلبت إلى المصافات الصفات.
قال: وسأذكر نبذاً من تخرقه في السماحة وأغفلتها ثم تندمت كيف أهملتها أصبح يوماً في عنفوان هبوب صباحنا وقد وهب جميع ماله من لبسه وثيابه واصطبله بآلاته ودوابه وخيمته بما فيها من سبده ولبده وقعد على الأرض متجرداً عن كل ملك شاذاً من كل عقد وسلك وذلك في زمان أبيه فلما نما الخبر إليه بما سخا به وأنه صفر يده أحضره وزجره واستجهله فيما عرف منه وأنكره. قال: ومن أنت ومن يقال لك ومن لهذا الطريق الذي سلكه سلك فقال ما معناه أنا أبي خير من أبيك وأشرف وأعظم. أنت الأتابك شمس الدين إيلدكز والدي فمن كان والدك ولا تنكر إذا وردت مواردك وأنت تخاف وتسعد عنه وأخلف عليه أفضل ما كان له وأوفر.
ومن حكايات مغنية في مجلس أنسه والتهاب طربه في طيب نفسه فقالت مالدو أيرى علف وما لما أنفقه على علفها خلف فقال سراً لخادمة خذا غراره فأملأها بثياب ديباج وحرير وأطلى رأسها بحشيش وشدها وأعدها وإذا طلبناها أحضرها فأما أحضرت قل لها هكذا هذا العلف خذوني هذه الساعة إذا كان هذا جودك وموجودك فكنت تخل مجلسك من إحضاره وتبقيه عارياً من عاره فقال لها وحلف أنها تتولى أخذ الغرارة المحشوة وتفريغ الفرد المملوة فقامت كرهاً على القدم لأجل إجلال القسم فأخرجت منها غنى الأبد فخرت ساجدة وفخرت واجدة وعاد منها غنى الإحسان بإحسان الغنى وأخذت في الإطراب والإطراء.
ومن حكاياته أن شاعراً مدحه بقصيدة سبعين تناهزت أعطافه فقال يحكم على فيما أعطيك ولا ترضى إلا بما يرضيك فقال: قد قنعت بسبعين ديناراً عدد أبياتها فقال له: ما أدنى همتك لو طلبت مني سبعين ألف دينار ولا حرمتك منها ولا حظرتها ثم أعطاه ألف دينار وحلا وجه أمله وصفح نجحه بسفور وأسفار. قال: وهذا كله لا يكون في بحر سلطاننا جدولاً ولا لأحد أمليه في سماحته منهلاً وكان مهذب المذهب طاهر المحفل والموكب وقد خصه الله بالصدر الأرحب والعرق الأطهر الأطيب للخالق تقواه وللمخلوقين جدواه وإنما يريد للآخرة دنياه فلا جرم ختم الله بالحسنى عقباه. قال وفي هذه السنة سنة ثلاث وثمانين استشهد الأمير الكبير شمس الدين بن المقدم وهو محمد بن عبد الملك يوم عرفه في عرفات.
ذكر السبب في ذلك
стр. 164
قال: لما وقع الفراغ من فتح القدس دنا الحج واستقام منه المفلحون على النهج وقالوا نحرم من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام ونفوز مع إدراك فضيلة القدس في هذا العام بأداء فريضة الجهاد وحج ركني الإسلام فاجتمع جمع من أهل ديار بكر والجزيرة والشام وسار بهم الأمير شمس الدين بن المقدم شيخ أمراء الإسلام الكرام فودعه السلطان على كره من مفارقته واستمهله ليحج في السنة الأخرى على موافقته فقال ما معناه: إن العمر قد فرغ والأمل قد بلغ والشيب قد أنذر والقدر قد حذر واغتنم فرصة الإمكان قبل أن يتعذر فمضي والسعادة تقوده والشهادة تروده حتى وصل إلى عرفات وما عرف الآفات فشاع وصوله وسالت سيوله وحالت حيوله وضربت خيامه وخفقت أعلامه واشتغلوا ليلة عرفة بالمناسك فلما أصطبحوا نقرت على العادة نقاراته ونعرت (٢٤١أ) بوقاته فغاظ ذاك أمير الحاج العراقي ففاض غيظه وغاض برد رضاه ولفح فيضه وركب إليه في أحرابه وكماة طعانه وضرابه فأوقع به وبأصحابه وأبلاهم بخراجه ونهابه وجرى حكم الله الذي كان ضرب الطبل أوكد أسبابه وقتل جماعة من حاج الشام وجرحوا وهتكت أستارهم ونقل طاشتكين شمس الدين بن المقدم إلى خيمته وهو مجروح وفيه روح وحمله معه إلى منى فقضى ودفن بالعلى وارتاع أمير الحاج بما اجترمه وكيف لم يراقب الله وأحل حرمه وكيف عدا على العائذ بالله وسفك دمه فكتب محضراً على ما اقترفه بعذره فيما اجترحه وألزم أعيان الحاج على ما عينه من المراد فكتبوا مكرهين ووقعوا له على الأنفس والأموال وسلكوا معه طريق السلامة في الأحوال وكان عذره أنه أنكر عليه ضرب الطبل فأبى وثبت عليه من الحرب السبا فلما انتهت إلى الغرض الأشرف تلك الحالة وان العثرة أخطأتها الأقالة أنكرها إنكاراً شديداً ونسبها إلى طيش طاشتكين ولم يجد له رأياً سديداً فلا جرم وضع عنده قدره ووهى أمره حتى نكبه بعد سنين وحبسه وأطال سجنه ثم عفا عنه بعد مدة مديدة وشدة جرت عليه شديدة وولاه حرب بلاد خوزستان وخراجها وأوضح بسياسته منهاجاً ولما وصل إلى السلطان خبر استشهاد ابن المقدم وجماعته لامه على ترك الحزم وإضاعته واحتسبه عند الله غازياً شهيداً ساعياً إلى الجنة بقدمه سعيداً وأقام ابنه عز الدين إبراهيم في بلاده مقامه وأقر عليه أنعامه ووجده على سمت أبيه وسمده وهديه وهدوه وكبر قدره وعلوه ومثلث يوم الحضرة الكريمة الفاضلية فتجاذبنا أطراف العوايد وتناولا أقطاف الفوائد فوجدت بحر خاطره يتدفق لإلقاء الدرر وسنا رأيه يتألق لإبداء الغرر فتفاوضنا في همة السلطان وغزواته وعزمته وفتكاته ومعجبات كراماته ومعجزات مكرماته فارتجل الأجل الفاضل بديهيه في صفة سيوفه مقطوعاً علقت بحفظي من أبياته بعض قطوفه وهي:
ماضيات على الدوام دوام ... هن في النصر نجدة الإسلام
في يمين السلطان أن جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام
تنثر الهام كاحروف فما أشبه ... هذي السيوف بالأقلام
في محاريب حربه البيض صلت ... وركوع الظبي سجود الهام
ودعا للسلطان فقال: أدام الله استعباده الأحرار وتحريره العبيد وتبعيده من التوب القريب وتقريبه من الأمل البعيد. ووصف بحالي أنوار سعادته أثمار إرادته وقال: طلب مونعها فما مونعها ومن التحنيس قوله: فيم وقوفنا على قوم وقوفنا.
ومنه: لولا كرك بالكرك لما عدمت شوبك بالشوبك وأنشأ مرتجلاً:
أحرق مني كبدي في ... خده الحمر الندى
قال: نكت من مكاتباته. فمنها:
أبا الاسكندر الملك أفتديتم ... فما تضعون في أرض وسادا
وإن من النصرات إلى مجرى ... الفرات إلى فريق مستزادا
والله يصون الحضرة العالية عن عدواء السكر ورعشائه ويحملها على سهل الطريق ومثابه ويمتع بأقوالها التي شفع الناس نيلها وأقوالهم ترهب ذهاب غيابه.
قال: ووصف كتب إليه ووقف منها على البلاغة المسرودة الموصوفة والجواهر الثمينة المكنونة والثمرات التي اجتنيتها من شجرة اللاغة الطيبة ومن الناس من يجتني ليجنيها من الشجرة الملعونة.
стр. 165
فصل من أخرى وقفت منه خاطري الحيران على ما هداه لقصده وقلبي الظمآن على ما جمع بينه وبين ورده ويسرت حللل الإنس ورقعت ولولا القلق لقلت له ورياض القدس وأشرفت على أيام الأعياد وليالي العرس فلا عدمت ذلك الفضل الواسع والخلق البارع والأطناب (٢٤١أ) والمعنى النافع واللفظ الناقع والمعنى الواقع والسرو الطالع والحديث الذي بث في الأرواح شعاع الروح والعلم الذي يذبح الطروس بوشي الوشائع والقوافي التي إلى هذه الحلى وأحل لها عقدة الحبي واهتز لقطرها كما يهتز لحب القطر الربي وأنني أقراها معاوداً ثم لا أقضي منها إرباً وقد تمادت الفرقة والشوق متماد وهام خاطري ومنه
في كل واد إلا وادي السلو ... ليس له بواد ولا هو له بواد
أما في صروف الدهر أن يرجع النوى ... بهم ويدل القريب فيهم على البعد
بلى في صروف الدهر كل الذي ... أرى ولكنما أغفلن حظى على عمد
وأما الأخبار الطيبة بتلك السياقة المستعذبة فقد أوردها بلسان الإحسان وأحسن فيها العبارة عن الزمان وهو ترجمان الزمان وهو المعيد لبنائه لمل يملأ الملوان ولقد جئت أن ذلك البيان مما زين للناس من الشهوات وما حظر عليهم من حوادث النشوات بل هو من نعيم الجنة الذي كلما نفد جدد ومن ثمراتها الذي كلما أريد ردد لأعدمت الدولة الناصرة من قلمة ناصراً ومن رأيه ناظراً ومن فكره جيشاً لجيش الأعداء كاسراً.
ومن أخرى أقلام المجلس السامي إذا صفاها صوب فكره أطفأت كل نار وإذا أنجدها جد عزمه أخذت كل ثار وأدام الله أسفار وجوه كتبه ورسله وسأذكر ما حضرته من قوله الحسن والإحسان والروح والريحان وثبوت ذهنه على أن الطبع شجاع والفكر صاع وقلمه في كرسي مملكة يده نافذ الأمر مطاع، قال: وقد سبق ذكر أخي تاج الدين رسولاً من الديوان العزيز في هذه السنة بتذكرة غلظ فيها القول واحفظ منها الصول وأتت إلى العلم الكريم الفاضلي فوصل منه جواب.
فصل
وقفت على ما أشار إليه من حديث التاج أبقاه الله وتأويل التذكرة وما جدده تأملها من مغائظ وضبائط وما أشار إليه الحاضرون وما نظر فيه الناظرون واستنجاده برأيي واستمداده بكتابي وانتظاره لما يسفر عنه من السلطان عن بصره جوابي وقد علم سيدنا أنني أمللت الأقلام فيما كتبته وأخفيتها فيما أردته وحررت المشورة في دمج هذه القضية وسير هذه الحلية والإمساك أما على معنى التخصص أو معنى التربص فرب صبر استقل بحمود العاقبة ورب مكروه الفاتحة أدى إلى محمود الخاتمة. وأصل هذه التذكرة مبني على جواب الباطن والتعاطي الظاهر ومن كان صلاحه التوقي فتساعده عليه ومن كان رضاه القول فنرشده إليه وقد كتبت الآن بما اتسع لي أن أكتبه وسألت أن يدفع هذا الغيظ فما جاء ما أوجبه وأنا واثق من حسن النية أن المولى التاج أبقاه الله يخرج من هذه القضية سالماً غانماً لا راغماً غارماً فإن حريته وفضل سجيته يجردانه من الذنب ولا يجعلان لقلبه بهذا الأمر شغلاً فما رأيت قط الثأر العثار إلا حيث لا يستقيم إليه ولا يخلص الطوبة.
جواب مكاتبة أخرى
وقفت على كتاب كريم يتضمن من أحوال المولى تاج الدين إلا من جهتين من جهة المودة ومن جهة إطراح ما يردد في حقي من المهودة وبالله أقسم لقد بذلت المجهود وما من شرط بذله بلوغ المقصود وودت لو اطلع على الكتب التي كتبتها فإن فيها عذراً ونصحاً يقتضيان قبولاً ونجحاً وقد جددت في هذا الوقت الذي كشفت فيه وجه النصيحة وأوردت فيها قضية الرأي الصحيحة وأرجو أن يسرد على أصغار ولا يرد على ما ورد عليه ما قبل من إلغاء ومن فقرة الأسدين فلا بأس فنزل الأنس الدين. أخرى هو مغض على كل مغضب ومجد على كل مجدب يستقل بكل مضلع ويكشف كل معضل وقد علم قاصده أنه مفض منه إلى مفضل.
قال: وقال استلامت البلاغة بزرد أحرفه فقلت واستنت المعاني في طرق طرفه. قال وفي التعزية لشهيد وليس من السنة أن يرتع في رياض الرضا ونحن نسخط في جنان الجنان ونحن في الأسى نتورط فإن الله لا حكم على علمه ولا علم لنا بحكمه. وله والحر أصبر قلباً والعبد أصبر جسماً. وله: كتابي يملي على القلم ويكاد يستمد من الدم. وله: وصمته بما استوى فيه نطقه وصمته ألفت منه ود اللام للألف والواو للحلف.
(٢٤٢ أ) وله في التوسط بين الأصدقاء
стр. 166
ما أدخل بينكم إلا كدخول المرود في الأجفان بيد لها ما ذهب من النور والغمض وكالنسيم بين الأغصان معطف بعضها على بعض وله: لمجت لواهج التصغير برويد والضرب بزيد.
ومن دعائه للسلطان: جعل الله الأرض التي يملكها مبقلة والأرض التي يطأها مقبلة والأرض التي يجر عسكره مثقلة والأرض التي يلاقي عدوه بها مقتله.
استفدته من محاضرة السلطان صلاح الدين
قال كان يعدل في البذل فقال: أحسن ما سمعته في حب العدل للفقيه زين الدين بن الحكيم.
من ذم عاذله فإني شاكر للعذل ... أيقاظه فاهتزت لمقامه أكناف المنبر واهتزت
مبتصثبتصثبتصأأسيلللسيلصبصبقففغاقفما ضرهم إغراؤهم بالعدل إن لم أقبل
تعبت الملام عليهم وحلاوة التذكار لي ... لهم القلب من ذكر الأحبة ممتلي
وكان نقاداً للشعر جيد الفكر ولكنه يلوم أهله على أظهار النظم ويقولون يتعرضون للذم. وجرى عنده يوماً حديث وحيش الشاعر من أهل عصرنا فقال: استحسنت أبياته في القاضي كمال الدين الشهرزوري وقد مطله:
سنة تمر وتتلوها سنة ... شهر يكر وبعده شهر
والمدح مني غير مقتصر ... ونداك لا قل ولا كثر
وأروح بالإحسان مشتملاً ... حتى كان عطيتي كفر
واستحسن لحسان الكلبي من أهل عصرنا في وصف دمشق:
لشام شآمة وجنة الدنيا ... كما أن إنسان مقلتها الغضيضة جلق
من روضها لك جنة مال تنقص ... ومن الشفيق جهنم ما تحرق
قريب الخطو يحسب لو رآني ... ولست مقيداً لي بقيد
وأنشده عنده:
كان بزاته أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع
واستحسن الفاضل قول الشاعر في معنى اقتضاء الوقت:
شر من عاش ماله ... فإذا حاسبه الله سره الإعدام
وجرى بالمجلس الكريم الفاضلي ذكر حب الصغير وان القلب الضيق ربما ضاق عنه فارتجل في الحال هذه الأبيات:
طفل كفاه القلب داراً له ... كأنما القلب له قالب
ويوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما تم له صاحب
أصبح والقلب لباس ... له لا قاصر عنه ولا ساحب
وهو كعيني وهو إنسانها ... وهي له من الخارج حاجب
ضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العايب
تام الجزء الأول من كتاب سنا البرق الشامي ويتلوه في الثاني
ودخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة ...