← История

История · id 5400

مختصر سنا البرق الشامي

البنداري

Полный текст (166 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال: وكان الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو السلطان على عادته في تولي الديار المصرية مستمرا ولأمورها بفضل سياسته وحسن رعايته ممرا، وهو مستقل بالأمر والنهي يولي ويعزل ويعلي وينزل وهو سلطان الديار المصرية على الحقيقة ومرتب أمورها الجليلة والدقيقة. والسلطان بالشام في مهام الإسلام وهو بأخيه كثير وبحسن أثيره أثير وهو يمده بالرجال والمال ويجري الأرزاق والآجال فلما ملك حلب كتب الملك العادل لها طالبا وفيها وفيما يجري معها من البلاد والمعاقل راغبا فكتب إليه لسؤاله مصيبا ولسؤاله مجيبا وواعده إلى الإجماع به على الكرك ليفوز من بغيته بالدرك واستصحب معه الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه ليوليه في مصر ويستنيبه وكل ذلك بمشورة الأجل الفاضل وعنايته بالساير والواصل فإن السلطان ما يزال يأخذ بإشارته ويعطي ويصيب ببركات آرائه ولا يخطئ ولما آب السلطان من الغزوة جعل مآب الجهاد إلى جهة مآب من اقليم الشراوة ونزلنا بادرادر واستأمن إليها أهلها المسلمون فأذقناهم بحلية الدين حلاوة الأمان وساكنوا تلك الأعمال مسلمون من قديم الزمان وتربى أولادهم في حكم الفرنج فألفوا ما ألفوه وخافوا منهم على ظهور حبهم لنا فأخفوه ثم خيمنا على الرية ثم حصرنا الكرك وحصرناها وكانت المناجيق (٢١٥ب) تراوحها وتغاديها وتعاودها وتباديها وتحول السلطان إلى الربض ملازما للغرض وأقام بدار الرئيس ليقرب من المناجيق المنصوبة ويشاهد مواقع النكاية في القلعة المحصورة وكانت سبعة قد فتحت لأهل جهنم سبعة أبواب وفغرت أفواهها وكشرت عن انيابها وفصلت أوصال السور بسوء خطبها وخطابها وقد رتب السلطان نوب الرملة على رجال الأمراء في الصباح والمساء ولم يزل يرجم الحصن ويهدم والسلطان في هذه الأثناء منشغل من جانب بتعمير البلاد وترتيب الممالك ومن جانب بتدمير الكفر والتدبير له في المهالك. ثم انقضى شهر رجب وعلم باجتماع الفرنج في الموضع المعروف بالوالة فقالوا هذا حصر يطول ومسألة تعول وقد أضعفنا الحصن ومكنا منه الوهن، وهذه نصرة قد أحكمنا أسبابها ولا خوف من فواتها وما نزال نعاود بالإضعاف حتى نفوذ بالفتوح ونحوز ذخر الظفر الممنوح وهذا جمع الفرنج ملتئم وحمرهم مضطرم وقد اجتمعوا فنحن نقصدهم ونلقاهم ونقدم عليهم ولا نتوقاهم وسيأتي ذكر عودنا في موضعه. ولما وصل الملك العادل أظهر عن حب مصر سلوه وطلب من حلب وأقطاعها مرجوه فعول السلطان على تقي الدين في تولي الديار وزاد منه اقطاعه بالشام اقطاعا في مصر وأنعم عليه بالأعمال اليومية وساير نواحيها بجميع جهاتها وجواليها وزاده القبيبات وبوش وأبقى عليه بالبلاد الشامية مدينة حماه وقلعتها وجميع اعمالها وجمله بصحبه سيدنا الفاضل حتى إذا وصل تقي الدين إلى مصر اقتدى بالتدبير الفاضلي واهتدى بسنا رأيه الجليل الجلي. وكان السلطان لا يؤثر مفارقته ولا يحضره أنس إذا فارق حضرته ولما لم يجد من توجه تقي الدجين إلى مصر بدا وكأنه سيكون بالأعمال مستبداوكانت في تقي الدين إلى مصر جدة لم تكن في الملك العادل احتاج إلى تقويمه إلى تدبير الأجل الفاضل فأذن له في السفر بشرط الاسراع في العودة والمبادرة إلى الاجابة عند تحقق الدعوة فسار بمن في صحبتهما وعاد السلطان بالملك العادل وكتبت لهما منشورتين في شعبان سنة تسع وسبعين،

стр. 107

قال: وكتبت إلى سيدنا الأجل الفاضل عند الرجوع من وداعه وكان رحيله من الكرك في منتصف شعبان: رجع المملوك من الوداع وداعي الأسى يحفزه وعاد الأسف يزعجه ويعجزه فعدم الشمس التي تفيض عليه والظل الذي يفيء إليه. لا مجيب لاستدعائه ولا مجير لاستعدائه ولا قابل له ولا قايل به ولا منفق لنقده ولا موثق لعقده ولا مروج لرجائه وظل كضالة لا ينشد وكالضال لا يرشد وكالفقيد لا يفتقد وكالزيف لا ينتقد وكيف حال من حالت كيفيته أياسه بأسوة أم نيته أمنيته ياليت المولى قبله صاحبا لركابه وراكبا في صحبه متلاشيا في أشعة آلائه متعاشيا في سابغ لألايه وضيعا مع الشرفاء ثقيلا مع الظرفاء سقيما مع الأصحاء هجينا مع الصرحاء والعقد الثمين ربما أنتظمت فيه لصرف العين الخرزة وسدت بالخرزة ثلمتها المعوزة على أنه إذا أقامه في كنف الرعاية مرعى الكنف غبطة السايرون وتحاماه الضايرون ولم يثر إليه الثايرون ولا غنى بالملوك في كل وقت لاستزادة محقه واستزالة مقته عن تجديد جاهه وتوجيه جده واسعاد رجائه وإجراء سعده فالفارس يستثمر بالتربية غرسه ولا يضيع المملوك الذي ملك رقه بإحسان عشر سنين " إن الله لا يضيع أحر المحسنين ". ذكر الرحيل إلى الشام ولما رأينا أمر الكرك يطول، ودافعنا عن حقه القدر المطول جهز السلطان العسكر المصري في الخدمة التقوية التي بالصحبة الفاضلية يقويها ومن آرائها في كل ما ينادي له تلبيتها وتربيتها وانصرف بعسكر الشام عايدا إلى دمشق عود الحيا الهاطل إلى الثرى الماحل، وألقينا بها العصا واجرينا ذكر من أطاع وعصى، وعدنا من فرض الجهاد إلى فرض الصيام إ ووقع الشروع في إراحة العساكر عند استقبال العام واستيناف الجمع لنصرة الإسلام وتولى الملك العادل سيف الدين أخو السلطان حلب وقلعتها وجميع أعمالها وجميع قلاعها، ومدينة منبج ومعاقلها وصار إليها وتسلط بها سلطانه وتمكن منها مكانه، وتحكمت ولايته وتولتها أحكامه، ونفذنا أوامره في أمورها نقضه وإبرامه ودرت على مراده أخلاقها بوضوح مذهبه في الزفاق خلافها وانصرف نواب السلطان إلى دمشق في خدمة الملك الظاهر ظاهرين بصفو الموارد والمصادر. (٢١٦ أ) ذكر وصول شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير في الرسالة الشريفة الأمامية ووصول محي الدين الشهرزوري معهما رسولا من الموصل قال: ولما استقر بنا في دمشق المقام وتم الصيام جاء من رافد نعم الله التمام ووصلت رسل امير المؤمنين ﵇ فوفيناهم في الاستقبال كل حق وذكرنا من الإسراع إلى الاستسعاد بهم كل سبق. ولقي السلطان الرسل فنزل ونزلوا وأقبل عليهم وأقبلوا ثم قدم لهم المراكب التي أعدت لهم فركبوا وسايرهم السلطان واصطحبوا ونزل شيخ الشيوخ بالرباط على المنبع ونزل القاضي محي الدين بن كمال الدين الشهرزوري في جوسق بستان الخلخال ونزل شهاب الدين بشير جوسق صاحب بصرى على الميدان. قال: وكان بيني وبين شيخ الشيوخ قرابة قريبة فإنه اتصل إلى ابنة عمي عز الدين أبي نصر أحمد بن حامد وقد كانت عقيلة بيت السؤدد، وكان مز راء الزمان وعظماء دولة السلطان يخطبونها رغية في طيب النجار ونزاهة العنصر واتفق حضور هما بالكعبة المعظمة في سنة خمس وأربعين وتكررت منه الخطبة وصحت الرغبة فأجيب لدينه وأصله وتقواه وفضله وبارك الله منها في ذريته ونسله، وكان له منها أولاد نجباء أستأثر الله بهم في ريعان شبابهم وبقي الذي اصطحبه في هذه الرسالة وكان منعوتا مكنى مسمى بما كان لجده العزيز أبي نصر أحمد فمرض في الطريق واصطحبه معه في محفه فوصل ونفسه رهينة بنفس وقد جاء الأجل وذهب الأمل وانقضى العمر وقضى الأمر. وجلس ثاني يوم وصوله للعزاء وحضر السلطان وجماعة الأمراء وصلى عليه ودفن بالمقبرة بمحاذية الرباط وبردت حرارة الرسالة وشغلت حادثته عن محادثته حتى انقضت ثلاثة أيام موسم التعزية ولم يقدر على التسليم والتسلية. ذكر السبب المقتضى لهذه الرسالة في هذه السنة

стр. 108

قال: لما عرف صاحب الموصل ما تسنى لنا من فتح آمد وحلب وتيسر كل ماأراده السلطان وطلب خطر بباله خطر البلوى وعود العدوى فمال إلى الإستعطاء والإستعطاف وشرع في استعساء رسله للإستعساف واستدعى من الديوان العزيز إرسال شيخ الشيوخ للإستشفاع لعلمهم أنا لا نرى إلا الإئتمار بالطاعة للأمر المطاع وندب قاضي القضاة محى الدين أبا حامد محمد ابن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزورى للرسالة من جانبه وأناط بسعيه نجح مطالبه فجاء في جاه أنيق ولسان دليق وترفع وتعزف وتقنع وتقشف وترق في ذروة الخطاب بحلو اّية على سريرة نبرة الخطابة ولو تخلق بخلق مرسله في الدفع بالتواضع لكفي الغرض وشفي المرض فإنه لما وصل لزمه ناموسه وأطال في محل بستانه جلوسه واظهر كأنه الأمين نزل بالوحي من السماء وجاز بالعطارد في بيته بالجوزاء ولم يأخذ في طريق الاستحذاء وظن أن ذلك لمخدومه نصيحة وخدمة وبغية صحيحة على أنه السلطان قابل شدته باللين وأعطى يمينه على أخذ اليمين فاشتط واشترط وكلما قاربناه شحط وكلما أرضيناه سخط وكلما توخينا جامعا للمصالح أبى ألا مراده المارد ولم يوافق مصادره الموارد ولو أنه تلطف واستعطف حصل المخطوب ووصل المطلوب وتأكدت العقود وتمهدت العهود لكنه الزم ما لا يلزم وجزم ما لا يجزم وعين شرطا له مانع وفيه منازع. ذكر كشف الحال

стр. 109

قال: كانت قد وصلت رسل صاحب الجزيرة وكان صاحب أربل وصاحب تكريت والحديثة يشكون من صاحب الموصل وتكليفاته وأثقاله الكثيرة الكبيرة فأما صاحب الجزيرة فهو معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي وهو خايف من صاحب الموصل عمه وأنه يلزمه أن يدخل تحت حكمه ويخشى أن يكشف ضياء حاله ظلمة ظلمه وأما صاحب اربل فهو زين الدين يوسف (بن بكتكين) بن علي بن كوجك وهو أيضا شفق من أمره محترق بجمره وكذلك صاحبا الحديثة وتكريت يرهبان وفي الاعتزاز بنا يرغبان وكل أخذ من السلطان عهدا على أنه يحميه ويقيه ويسعده ولا يشقيه، وانصرف رسلهم على هذا القرار. ثم كان وصول شيخ الشيوخ صدر الدين ومحى الدين الشهر زورى ووقع الشروخ في حديثهم وحادثهم وإجازة دواعيهم وإجابة بواعثهم. وكان القاضي محي الدين الشهر زورى سالفا في المدرسة النظامية ببغداد رفيقي وآنفا في الأيام النورية صديقي فصدفوه في هذه المرة عن مشاورتي وصرفوه (٢١٦ ب) عن محاورتي ولو استشارني لعرفته النهج وسلكت به طريقنا للمصالح جامعة وللعواقين رافعة فصرت عن سره بمعزل حتى استقرت قاعدته ولم يبقى إلا عقدة للتأليف تقرر ونسخة التحليف تحرر فاستدعاني السلطان ذات يوم غدوة وقال: اكتب لنا شرطا ليكون لنا في الوفاق قدوة فقلت له: كيف تستثنى أولئك الذين وثقوا بعهدك، وسكنوا إلى وعدك وهؤلاء لايرضون بالاستثناء وكيف تنسب إلى ترك الوفاء فقال: اكتب ما ينزهني عن الخلف وينبهني على صدق الحلف فقلت تحلف لصاحب الموصل على موصله ونجح مؤمله وتعجل أمر أصحاب تلك البلاد إلى اختيارهم عمن اختارنا تم منا له مناله ومن اختاره فله عنده سؤله وسؤاله، وهو يشرع في استدعائهم واسترضائهم على وفق آرائهم فأن صح لنا في عودهم إليه أمرهم بسط عذرنا وقبض عذرهم. فقال: امض الآن إلى شيخ الشيوخ وعرفه بالقضية وأرضه بهذه الحالة الرضية وألم أيضا بمحى الدين وأنا قد أجبناه على هذه الشريطة إلى اليمين. فأما شيخ الشيوخ فإنه عرف واعترف وأسعد بالمراد وأسعف، وأما محى الدين فإنه أبى ألا الأباء وأنكر الأستثناء وقال: هذا مستحيل ولا ينقطع به القال والقيل وأولئك في بلادنا ونوابنا وفي ولايتنا ولاتنا وأصحابنا وفي خروجهم علينا ما لا خفاء به من تفريق الكلم وتشتيت الشمل المنتظم، وإذا علموا أنكم لهم توثقتم وعليهم أشفقتم خرق إجماعهم، وزاغت عنا أسماعهم وأبصارهم فاتركونا وإياهم زاعتذروا إليهم بأنا إنما قبلناكم أيام السخط واللآن فقد كمل الصلح فاجروا على العادة ولا تخالفوا في الإرادة فقلنا تأخذ الآن عهدا كما شرحنا وشرطنا وحفظنا به الجوانب واحتطنا وأنتم أشرعوا في الاستمالة وتنبكوا طرق الاستحالة فما قبل الرسول ولا تم بقبوله السؤل. ثم استأذنوا في الانصراف والاستيمار على ما تقرر في الاستحلاف فاكرم الرسل الكرام وقضيت حقوقهم بكل تشريف وعطية وتحفة وهدية وكان شيخ الشيوخ كبير الهمة أثيراً لا يقبل قليلا ولا كثيرا فإذا حمل له الطعام فرقة على الأجناد الذين معه من الديوان العزيز الأمامى، وعصم أحواله بالخلق العصامى فما زلت به حتى أجاب كل يوم إلى رغيف وباجة متخذة من دجاجة. فلما خرجوا من دمشق عازمين على المسير وعرف السلطان أنهم خيموا بالقصير قال السلطان: قد استحييت من صدر الدين شيخ الشيوخ، وقد عولت على أن أركب لوداعه وأقابل مقاله بامتثاله وأقبل مقاله لأجله ولإجلاله، ويكتب نسخة اليمين كما يمليه بعبارته. فسبقت إليهم منم أمر السلطان، وعرفتهم بسرعة وصوله، فلما وصل نزل في خيمة الصدر منشرح الصدر متضح البشر ثم كشف له في القناعة ما سأله القناع وسأله بالرسول في عقد الإجماع الاجتماع. فأرسل إليه من يعلم بالأمر ويقفه على السر وضيق عليه سعة العذر فلما رأى تواضع السلطان ترفع وقال: أنا بعد ما جرى من الحال لا رغبة لي في الاسترسال حتى أنهى إلى من خصني بالإرسال. ولعلكم اعتقدتم انه ليس لنا مظاهر ولا مظافر ولا موازر بل لنا من يشتمل علينا ويعصمنا ويميل إلينا ونحن نكاتبه. ونستشير به ولا نتوخى خلاف مذهبه وأشار إلى سلطان العجم والبهلوان فأذن هذا القول منه بنفار السلطان وترك ما عزم عليه وودع وركب، وبعد الأمر الذي كان قد قرب وكان قد أرسل للإطفاء فأسعر وللاستحذاء فتكبر.

стр. 110

وقال السلطان فاتر العزم في العود إلى الموصل فهاجمه وحرف إليها مزاجه ولو تمسك منه بظاهر يمين لفاز لمرسله في مكانه بتمكين وكأنه ذكر بما نسي واستعجل فيما أنسى، فخطب خطابه خطوباً وغير تغير قلبه قلوباً وجر ذنبه تجريه ذنوباً، وحدثت كوارث، وكرثت حوادث كلها إلى هذه الحالة منسوب ومن هذه المقالة محسوب وسيأتي ذكر ذلك في مكانه بشرحه وبيانه. قال: ووصل رسسول عماد الدين زنكي صاحب سنجار فاتخذ توخي المصلحة في المصالحة وعاد فعرف ما أفضى إليه الأمر وما جرى عليه رسل الموصل من الآباء والعود إلى عادة الاعتداء. وانا في هذه السنة المقبلة قد عزمنا على الكر إلى الكرك وأنا راغبون في جهاد قال: (٢١٧ أ) وكثرت الأمطار في شتوة هذه السنة والثلوج وتعذرت الحركة والخروج. ودخلت سنة ثمانين والبرد قد تقوض اساسه وانقرض بأسه وسقطت جمرانه وسخطت غمراته فتتقاضى السلطان عزم الجهاد وحزم الاجتهاد فاستدعى الأجناد واستعد وخرج إلى مرج الدلهمية من عمل البقاع وقد أذن مرعها بالأمراع وغضب الشعاب ورضت الأعشاب وأمكن الرعي وتمكن السعي وشرع الجند في الاجتماع والجد في الارتفاع وتواصلت الرسل وتراسلت الوصل، وجاء رسول نور الدين بن قرا أرسلان يظهر لما يومئ به الانقياد والاذعان وهو وزيره قوام الدين أحمد بن سماقه وهو حاكم ملكه وناظم لسلكه وأخص خواصه وأخلص ذوي استخلاصه ودخل إلى السلطان من بابي واستفتح خطابه بمفاتحة خطابي وفرق على الخواص والعوام تحفاً وهدايا خصت وعمت، وطرفاً وسنايا مقاصده بها استتمت. ورده السلطان سريعاً وأتحفه إحساناً وسيعاً وشيعاً وسامه بالوصول بمخدومه في خصوص عسكره وعمومه وأقمنا حتى وصلت البشرى بقدومه. وركبنا وتقليناه على فراسخ وشاهدنا منه الطود الراسي الراسخ وأنزله السلطان في سرادقه وعام فيالقه في فيالقه واستصحبه إلى دمشق فأبدى بمنتزهاتها العشق وأضافه وازاره الطافة وأدنى من فضله قطافه ولاعبه بالكره في ميادينها وداعبه بالطرف في بساتينها. ولما تم عبير الربيع في عبوره ونمنم حبي الحبير في حبوره تقاضى غريم الغرام بقضاياه وأعلن العزم السلطاني بخفاياه وأخرج خباياه وأيقن الإسلام بأمانيه ولاكفر بمناياه. واجتمعت العساكر برأس الماء على الملوك والأمراء والأكابر والعظماء، وأشفق السلطان من تكليف ابن قرا أرسلان تجشم المشاق فأنزله في مقام الأرقاد والآفاق وتقدم إلى أخيه الملك العادل سيف الدين بالإقامة معه لا يناسبه. وكان قد قدم كتباً إلى الأجل الفاضل بالوصول العاجل، وإلى تقي الدين نايبه بالديار المصرية بإقباله منها بالجحافل، وسار على سمت الكرك واستصحب عدد الحصر وعدد الأبصار والعسكر اللجب والمنظر المعجب.

стр. 111

فصل في كتاب إلى صدر الدين شيخ الشيوخ ببغداد في شهر ربيع الأول سنة ثمانين قد توافدت العساكر الشامية والجزرية والديار بكرية ووصل نور الدين بن قرا أرسلان في عسكره المجر وجنده المصحوب بالنصر، وعسكر صاحب ماردين في جمع كثيف ومطلع في السعد منير منيف وصاحب داراً وشهاب الدين أخو صاحب سنجار، وكل منهم ماضي العزم شديد السهم لما مهدنا له من المهم. ونحن متوجهون إلى الكرك يسر الله فتحه وقرن بمتجرنا في سبيل ربحه وقد استدعينا العساكر المصرية وتواعدنا بالوصول إليه والحصول عليه فأنا كنا أضعفناه وخربناه وخبرنا القتال عليه وجربناه وأن فتحه يستدعي تكرير العود إليه بالحصر وتكرير صفو العيش على أهل الكفر ولعل بمهمة سيدنا يتخذنا في الملتقى ويسعدنا في نيل الفتح المبتغي، قال وسرنا بالنصر واثقين وفي العزم صادقين ووصلنا الأساد بالتأويب والخبب بالتقريب حتى أنخنا في خامس ربيع الأخر بأعمال الكرك على أدر وما منا إلا من شرح الله له الصدر. ووصل الخبر بقرب العسكر المصري بالنصر الناصري والبأس العمري فتشوقنا إلى اللقاء وجينا إلى الكرك ونزلنا قبالة الحصن علة واديها وعادتها منا عواديها ووصلت العساكر المصرية ووصل الأجل الفاضل ثم وقع التظافر وكمل التظاهر على مضايقة الحصن بإعادة قوتها إلى الوهن فعبر السلطان إلى الربض ليقرب سهمه من الغرض وسكن دار الرئيس ونصب تسعة من المنجنيقات الكبار ورتب عليها نوب الليل والنهار وكان نصبها صفا قدام الحصار مبنية والأستار موثقة بأسباب الاستظهار فزارت الأسوار ورامتها بالداهية الدهياء حتى هدت اركانها وهدمت بنيانها وجردت من العمارة جدرانها وعمرانها، ولم يبق بيننا وبين الحصن مانع إلا الخندق الواسع العميق وقد تعذر فيه الطريق وكان من الأودية الهائلة والمهاوي والمهالك الغايلة ولم يكن في الرأي إلا طمسه وملوه بكل ممكن وردمه فبعد ذلك من الأمور (٢١٧ب) الصعاب وتعذر لحزونة الأرض وتمخرها إليه حفر الأسراب فأمر السلطان يوم الخميس سابع جمادى الأول بضرب اللبن وجمع الأخشاب وبناء الحيطان المتقابلة من الربض إلى الخندق وتسقيفها. وتسفيف ستايرها وتأليفها ولما تمت دروبها ومنافذها وكانت شعاب واسعة لا يزحم فيها الجاي الذاهب ولا يصدم فيها الماضي الايب وتوافدت رجال العسكر على ذلك وأتباعه وأشباعه على نقل ما يرمى في الخندق ويخشى به عرض ذلك المخرم وعمق ذلك المخرق فتمادى على ذلك تتابع الأيام والليالي وكاد أن يتساوى بالهدم والطم مخارم الأسافل والأعالي وكاد الفتح يقرب والنجح يكتب حتى عرض الونا وعنا وما عنا ودنا القدر بما دنا. فصل من الكتاب إلى ابن قرا أرسلان وهان طم الخندق بالدبابات التي قدمت والأسراب التي بنيت وأحكمت فوجد الناس إليه طريقا مهيعا فهم يزدحمون آمنين من الخراج عاملين على الإفراج وقد أمتلأ الخندق حتى أن أسيرا مقيدا رمى بنفسه من السور إليه ونجا بعدما توالى من الفرنج رمي الحجارة عليه. قال: ووصل كتاب الملك العزيز وكان مقيما بدمشق بوصول رسل الديوان العزيز صدر الدين شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير ومن معهما فكتبت من السلطان جوابا منه: وما أسعده حين فاز بخدمة سيدنا صدر الدين ولقد وفق في حضور حضرة جلاله كل يوم والتيمن بأنوار عزته والتبرك بإيثار أدعيته وقد ظهر أثر قدومه المبارك وبشرت ببشر وجهه وجوه الممالك فلنا كل يوم نصرة ومبرة من الله مبرة ومسرة معلنة بالمنايح مسرة.

стр. 112

من كتاب فاضلي إلى الديوان العزيز: أصدر الخادم هذه الخدمة من الكرك يسر الله فتحه وعجل فدحه وتوجه إليه عقب منصرفه من بلاد الساحل وبعد قضاء مفترضه وأعرض عنه أولاً وهو قصده أعراض الرامي عن مراده وغرضه فأنه لجى في الحناجر وقذى، ورصد الطرقات المسلوكة وصير في السبل المشكوكة وقد أخذ من الآمال محققها وقعد بأرصاد العزايم وطرقها وصار ذنباً للدهر في ذلك الفج وعذر التارك فريضة الله من الحج وجلس من هام الاسلام بمكان عمامته وختم على أنفاس الحجاز فما يدع نفساً يصعد من تهامته وخف بهذه القطيعة مدينة قد عقل الجبل حبوتها وأزلق الغراب أن يطأ ذروتها وعصم سوار الوادي القوي بعصمها وحمت عزة الجبل المطل أدهمها والخيل تصعد منه أنجماً في فلك بين طالع طالعها وغارب في واديه لغاربها وجناً المنجنيق بحاكمها وقامت كف كفنه تزاحمها ولسان حبله للنضض يخاصمها. قال: واستمر مقامنا واستحر غرامنا وقد آن أن يفتح الفتح المرتجى بابه المريج ويحد الحد المبتغى المنهج البهيج وما في الفرنج من أهل الحصن من رأى له مخرجاً وفرجاً وتطايرت كتبهم إلي من ورائهم بالاستصراخ واستأيس روع الكفر من الأفراخ. ذكر القفول من الشام واجتماع الفرنج في الموضع المعروف بالواله قال: وصل الخبر ونحن على حصار الكرك وقد ضايقناها أشد مضايقة وعالقناها أحد معالقه بأن الفرنج قد أقدموا مجتمعين ولنداء المحصورين مستمعين وقد جاءوا مدججين وفي بحر الموت ملججين فلما سمعنا بجمهم طمعنا في وقعهم وقلنا متى رقمنا القوم وعاودنا السوم في مجمعهم وربضنا للكريهة كارهون، وكانت مسالك الدخول إليهم صعبة وعرة وطرق التطرف نحوهم متعمقة متقعرة فقلنا نحصرهم ونصبر عليهم ونصابرهم حتى يخرجوا فيخرجوا إلى مفازة البلقاء فيفوزونا للقاء وأطاف العسكر بهم أياماً فلم يطق أقداماً فرحل عنهم لخناقهم منفساً فبقى الأمير عز الدين جاولي هناك مقيماً للاطلاع على أحوالهم مستديماً حتى إذا عرف بحركتهم للخروج وأعلمنا بحالهم وأقدمنا على قتالهم فأصبح وربعهم خال ورسهم بال وأنهم لم ينالوا بركوب الخطر في طريق لم يخطر ببال فاتخذوا الليل حملاً ورجعوا القهقرى وسلكوا في المضايق سبلاً وفروا من الشرك وكروا إلى الكرك فأسفنا على فوت الفرص وإفلات الطاير من القفص، واجتمعت العساكر في عماق بالأثقال وركزنا زرق الأسنة الزرقاء وقربنا بلقيا الخير قرى البلقاء وعدنا بالسلامة نذكر سلامة الأعداء.

стр. 113

ولما رأى السلطان أن الفرصة (٢١٨ أ) فاتت استدراك الفارط بغزوة قدمها وخطوة اغتنمها وجاب نابلس وأجرى إليها الخيل وجر عليها الذيل وسبى وسلب وغنم وغلب وأقام بها بياض يومه بسواد قومه حتى استخرج العسكر المغانم من المغاني وتفرقوا في أقاصي شعابها والأدانى. وفي طريق عوده نزل على سبيطه وفيها مشهد زكريا ﵇ وقد اتخذه الفرنج كنيسة وأودعوها أقمشة نفيسة وبها من الفرنج سكان وأقساء ورهبان فغدوها بأسارى مسلمين ولاذوا بالأمان معتصمين. ثم أناخ على جنين فأهبط أوجها وهدم برجها وآب بالنهاب والسبايا والمراع والصفايا فاجتمعنا على الفوار وبادرنا بالوصول إلى دمشق للاستسعاد برسل الديوان العزيز وبرؤية شيخ الشيوخ وكان البحر متوهجاً وضرام الجو متأججاً وفشت الأمراض ووشت بالجواهر الأعراض ومرض شيخ الشيوخ فتعفف عن مواصفة الأطباء واستمر في ذلك على شيمة المتوكلين الأتقياء وقال: إن المبلى بالمرض هو المنعم بالشفاء. ومرض أيضاً شهاب الدين بشير وأصحابه وخواصه وحجابه فضجوا ومجوا وأبوا الإقامة وأبدوا السآمة وظنوا في الرحلة السلامة وقضى كثير من أصحابهم فتشا عموا بمصابه وأسفوا على شبابه والسلطان يستمهلهم خوفاً على مزاجهم ورجاء نصح علاجهم فأشفق أصحاب بشير لشدة مرضه من وفاته وأساءوا الظن بعده بعطايا السلطان وصلاته فأرادوا أن يستعجلوا نقودهم ويستعملوا نفوذهم ويجتابوا خلعهم ويرحلوا ويأخذوه معهم فما عليهم بعد ذلك ما يقضي به القدر ويقضي به بعد قضاء وطر الورد الصدر فحملوا لأجله المطمع في نفعهم مخدومهم على القدر وساء حظه الخطر وحسنوا له أن الهواء وبى وبيل وأن رسم الصحة في هذا المحل محيل فطلب بشير الإذن في الرجوع بعد استماع جواب قوله المسموع فقضى السلطان حق إكرامه وأدى فرض إجلاله وإعظامه ومد له حصناً عراباً وحجوراً عتاقاً وأطلق لأصحابه أعنة جوده على حسب اقتراحهم إطلاقاً فلما كمل لهم العطاء وكشف لهم عن ستر الراحل الغطاء رغبهم في المقام رفقاً بذوي السقام فلم يكن للأصحاء بعد استيفاء حظوظهم في اللبث حظ ولا لزمهم لأجل مرضاة مرضاهم حفظ وأصبحوا وقالوا لمريضهم الثقيل أنت اليوم في خفة وحملوه راحلين به في محفة وأجاؤا شيخ الشيوخ وهو في بحرانه للعوم في بحرهم ولفح حر وجهه في وجههم لحرهم فلم يرى أن يقعد عنهم وأن كان مرضه مقعداً وقال: إن القضاء المحتوم أن لم أدركه اليوم أدركه غداً وعاده السلطان بل تردد إليه كل يوم وليلة في الرباط بالمنبع ثم استقل مودعاً وداع الأبد ولم يعلم أن الأمل فيه منقطع الأمد وكان من سنجار حسام الدين طمان مقدم عسكرها معناً في الجهاد فأذن له السلطان في عوده إلى مقره بعسكره وأمره بمرافقة صدر الدين والرسل معه والرفق بهم في مسيرهم ومذهبهم فساروا على سمت الرحبة واغتنم الأمير طمان بركة تلك الصحبة فواجهوا مهاب السموم ودبت الأمراض فيهم مدب السموم ولما بلغ بشير إلى السخنة ووصلوا بشيخ الشيوخ إلى الرحبة وهناك لقى ربه وورد من الكوثر شربه فهو ممن رفع سريره الملايك ووضعت له في عليين الأرايك. ولما جاء السلطان نعيه ساء وعيه ولم يزل يجري على قلبه ولسانه ذكره وشكره ولم يصف لا حد كما صفا له بشره وكانت وفاته في شعبان بوأه الله الجنان. ذكر الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه ووصوله مع عمه إلى دمشق وعوده إلى مصر منتصف شعبان قال: كان تقي الدين نايب عمه السلطان بمصر ولما استدعاه مع عسكرها للغزاة رتب بالديار المصرية نوابه ووصل لعمه موازراً مظاهراً وبمضاء مضاربه له مظافراً فلما وصلنا إلى دمشق حضر بها معناً وأبدى مكارمه وأبدعها بما وسعنا وبث الزند وبث الحمد وكانت بيني وبينه صداقة لصدق الاعتقاد معقودة وأثمان صنايعي في سوق صنايعه مفقودة وأنا أثبت في هذا الكتاب قصيدة ثائية مدحته بها في سادس رجب سنة ثمانين بدمشق حرصاً مني على تخليد ذكره وتعمير مجده قلت ومنها: إذا شئتما من غير قلبي تحدثاً ... فما حل فيه الهم إلا ليلبثا حذا شاهدي صدق على صحة ... الهوى ضناً ساكناً مني ودمعي محدثاً (٢١٨ ب) رثى لي عدوي من جفا عيني رنا ... هيك من حال عذرى لها ممثلا غدت دمعتي في هدب عيني كأنها ... وقد علقت فيه غريق تشبثا

стр. 114

واهيف حزني في أرث في الحشا ... من النار ما في خده الحسن وارثا يقول خليلاي الشقيقان لو مشى ... على غير متن الهوى ما توعثا رأيتم طريق الحب وعثاً وإنني ... أرى طرقات الصبر عندي أو عثا قال: وخرجنا من دمشق في شعبان وخيمنا على الفقيع ودعا السلطان تقي الدين فأمره أن يرجع بالعسكر إلى مصر بعد ما ودع في منتصف شعبان وعاد إلى القاهرة ثم رجعنا من فرض الجهاد إلى فرض الصيام وأجدنا شهر رمضان في دمشق راحة المقام ورجع كل عسكر إلى مركز ملكه وكل تبر إلى أربع فلكه. ذكر الشيخ العالم زين الدين أبي الحسن علي بن نجا الواعظ المقيم بمصر

стр. 115

قال زين الدين هذا من أهل دمشق ومن ساكني مصر ذو لهجة في الوعظ صحيحة وبهجة في الفضل صبيحة وقبول من القلوب وفصول في فصل الخطاب الخطوب، وكان السلطان يستشيره ويروقه تدبيره ويتيمن بندبه واستحبائه ويمده بميراته ويوده بمكرماته. ووصل في هذه السنة منه كتاب إلى السلطان يتضمن برح لوافح الأشواق وشرح فوادح الفراق ويشوق إلى مصر ونيلها ونعيمها وسلسبيلها ودار ملكها ومدار فلكها وملتقى البحرين ومرتقى الهرمين وريفها الريف وصيفها الخريف وأن شتاءها ربيع وشتاتها في الفضل جميع وذكر في كتابه ما دل به على فضيلة تلك الديار من الآيات والأخبار فكتبت إليه في جوابه عن السلطان بتفضيل دمشق على مصر: وردت مكاتبة الشيخ الإمام زين الدين أطال الله تعالى على ما تضمنه من النعم المستمرة والمواهب المستقرة المستدرة وعرفنا طيب الديار المصرية ورقة هوائها وترفرف آلايها وضحك أرضها من بكاء سمائها وبعد شهادة زين الدين بزينة مشهدها واجتلاء العيون برسمها مقام أثمدها قد حكمنا بفضلها وفضيلتها وحفظ وسيلتها وصدق محلتها ونحن نسلم له المثلة في طيبها وتوفر نصيبها ورقة نسيمها ورايق تسببها لكن لا ريب أن الشام أفضل وأن أجر ساكنه أجزل وأن الزلال البارد به أعل وأنهل فإن الهواء في صيفه وشتائه وأن الجمال فيه أكمل وأن الجمال فيه أجمل ودمشق حديقته الناضرة ومنه: لا سيما وقد تمسكنا بالآية والسنة والإجماع وغنيناً بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع أما قسم الله بدمشق في قوله " والتين والزيتون " والقسم من الله بها أدل دليل على فضلها المصون أما قال رسول الله ﷺ خيرة الله من أرضه يسوق إليها خيرة من عباده وهذا أوضح برهان على أنه خير بلاده. أما الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار السكن بالشام. أما فتح دمشق بيكر الإسلام وما ينكر أن الله ذكر مصر وسماها أرضا فما الذكر والتسمية في فضيلة القسم ولا الأخبار عنها دليلا على الكرم وإنما اكتسب الفضيلة من الشام بنقل يوسف الصديق إليها عليه أفضل السلام ثم المقام بالشام أقرب للرباط وأوجب للنشاط وأين قطوب القطب من سنا ينير وأين ذرى منف المشرف من ذروة الشرف المنيف المنير وأين الهرم الهرم من الحرم المحترم وبينهما فرق ما بين الفرق والقدم وهل النيل مع طول نيله وطول ذيله واستطالة سيله برد بردا في نقع الغليل وما لذلك الكثير طلاوة هذا القليل وسبيل هذا السلسبيل ونحن ما نجفوا الوطن كما جفاه ولا نأبى فضله كما أباه وحب الأوطان من الإيمان ومع هذا ما ننكر أن مصر إقليم عظيم الشأن وان مغلها كثير وأن ماءها نمير وان ساكنها ملك وأمير ولكن نقول كما قال المجلس السامي الأجلي الفاضلي أسماه الله أن دمشق يصلح أن يكون بستان لمصر ولا شك أن أحسن ما في البلاد البستان وزين الدين وفقه الله قد تعرض للشام فلم يرضى أن يكون المساوى حتى شرع وعد المساوى ولعله يرجع إلى الحق إن شاء الله تعالى. قال: وذكرت بما أنشأته في تفضيل دمشق كتابا كريما أصدره مولانا الفاضل إلى السلطان يشوقه إلى مصر وأولاده بها ويصف طيبها وذلك في سنة أربع وسبعين وهو (٢١٩ أ) أدام الله سلطان مولانا الملك الناصر وأعلى ولائه في صدور الأولياء ومكن أسنته من ظهور الأعداء ولا عدمت السنة منه أمداد التعماء ولا زالت بادية لعين صوابه وجوه الآراء باسمة إلى قلوب رجال رجائه أسارير السراء المملوك يقبل الأرض وينبئ أنه وردت المكاتبات الكريمة والتشريفات البارة والشروح الشارحة المسار السارة وتسلم منها حصته التي لا تتبع حظه فيه بملء الأرض ذهبا ولا تأخرت عنه أسار خلقها بنفسه طلبا وجمع بين خطاب المولى وسمعه وخطه وقلبه طامعا أن يجمع الله بين عينيه ووجهه وذلك يوم يكون فيه كما قيل: رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فما أسأل الدنيا ولا استزيدها أو مما قال قيس: متى بات هذا الموت لا يلف حاجة ... وقيل الإجابة عند الفضول فبشر بما جرت العادة به لا قطع الله تلك العادة من سلامة وصحة وعافية شملت أولاد السادة أطاب الله الخير إليهم عن المولى وإلى المولى عنهم وعجل لقاءه بهم ولقاءهم له فإنه من يلق منهم فلك دستة برجه وفارس مهده سرجه فمن الذي لا يصلح له منه السرح: فهل لدى منهم ما محالة الميدان ... والدرج تبين فيهم ميسم المجد

стр. 116

تبين فيهم ميسم المجد والعلى ... وليدا يفدي بين أيدي القوابل لم يستهل بلى ولكن وحشه ... لم لا تعد له الدروع لفايفا فهم والله بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها وريحان الحياة وزهرتها، وإن فؤادا وسع فراقهم لوسع، وأن قلبا قنع بأخبارهم لقانع وأن طرفا ما نام عن البعد عنهم لهاجع، وأن ملكا ملك تصبره عليهم لحازم، وأن دهرا جاد بهم لسخى ثم إذا أبعد عنهم الظالم، وإن نعمة الله فيهم لنعمة بها العيش ناعم إنك إن أبصرتها مرة أكبرتها أن يتمناها فدعونا من تعليل البلد الأعسر وملعبها الملعب الأصفر وشتائها العذاب الأكبر، ومن رأس عينها الضيقة المحجر، ومن ثلجها الذي مقسى الجبال بعينه ومن بردها الذي لا يشفع الخمر عنه إلا بإذنه. وعود إلى ما أترفتهم فيه من مساكنكم فإنها قد علتها وحشة لعطينها وسالت مطالع رسومها عن أقمار سلاطينها، واذكروا النيل الذي وفي لكم هذه السنة بنقصه وإلى أن يكون ماءه ذخيرة لغير جودكم الذي أحصاه الله ولم يحصه، واذكروا فرطها فقد بلغ شطاطه إلى الجناد وعلت أفراطه إلى أن يكاد يصافح أفراط اللحم متمكنا، واذكروا ما طوبتها فقد كاد يقيم الحجة على ملك الشام ووجمه ويتغلغل برده فيسرى إلى قلب العليل وكأنه جار على غير طريق فمه واذكروا صحة هوائها وتقضيته لآمالكم حتى أنعم الله عليكم قبل صحة أجسامها بصحة أجسامكم ولولا أنكم أهنتم الذهب الأحمر وألبستموه للروع من جودكم الشعار الأصفر لقلنا واذكروا ذهب مصر لكن قد أهنتموه وأذهبتموه مجانا حتى غلب همم العافين فأسقلوا منه بما اتخذه الأملاك تحايا واذكروا رياحين القلوب من زهرات أولادها، وقطعات أكبادها أما يشتاق جيد المولى بدررهم أما تظمأ عينيه 'لى أن يتروى بنظرهم. كم ذا التجلد والأحشاء راجفة ... أعيذ قلبك أن تسطو على كبدي وللمولى أبقاه الله أن يقول: وما مثل هذا الشوق تحمله مضغة ... ولكن قلبي في الهوى بقلوب فلو أطيع المملوك وقبل رأيه المسئول لكانت كنية المولى إلى الأملاك فإنها كنية حققها القدر وما يحليها ووسمه بها أولاده لا كتابه وساق بها كتاب الله ومن المملوك وما كتابه وقد كان الرشيد ﵀ يسمى أبو الأمناء لمكان أولاده الأمين والمأمون، وإذا كانت الكنية لثالثة فلا يكون أبا ثلاثة عشرة أنا بنت القناة وعثمانهم كسنانها وكليالي البدر ولأنها ليلة سرار نقصانها. والمملوك في هذا الفصل رسول مصر وما هو عنها في البلاغ بلاغ لا صاغ عنها من القول إلا ما ساغ، وهو ينتظر جواب الرسالة وقد خالطها بإنشاد وما هجروا أوطانهم عن ملالة وللآراء العالية فضل الشمول. ذكر صاحب أربل الأمير زين الدين أبي سعيد يوسف نيالتكين بن زين الدين علي بن بكتكين وانتمائه إلى الخدمة قال: كانت أربل من ولايات الموصل معدودة وايالتها بايالته مشدودة فأراد صاحب أربل أن ينفرد بالاستبداد (٢١٩ ب) ويستقل بالبلاد فكاتب السلطان بالاعتزاز به والاعتزاء والانحياز إلى حوزته والاشتداد بقوته فترددت كتبه ورسله ووضحت في الموالاة والمشايعة سبله وأخذ اليمين على حفظه وصيانة حقه ورعاية حظه ولزم عقده وحزم عهده. وكاشف بالمواصلة بالمقاطعة وأظهر المناب عن المتابعة وترادفت رسا يله في حظه بالحض وإقامة جداره المنقض فإن المواصلة قامت قيامتهم بقيامه فما أقعدتهم غير المهابة والخواطر المرتاعة من الأخطار المرتادة فداروا أعراضهم بالاستعطاف وداووا أمراضهم بالاستلطاف فعز عليهم وعزف وركب الأنف وغنى عن السواقي بالبحر الخضم وأعاد نشر أمره بالانضمام إلينا إلى الضم ونفذ يطلب المنشور ببلاده وتحكيمه باستبداده وانفراده فأجيب إلى مراده، وكتبت له منشورا وفق أربه وفق طلبه في مستهل المحرم سنة ثمانين وتفصيل ما كتب في منشوره: أربل وقلعتها وأعمالها وجميع ما قطعه الزاب الكبير شهرزور وأعمالها، معايش بيت القرايلي الدشت والزاوية.

стр. 117

قال: وممن لجأ إلى السلطان واحتمى بحمايته معز الدين سنجر شاه ابن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الجزيرة فنفذ فقيه الجزيرة مع حاجبه في استحلاف السلطان فأكرم الرسول وأبرم السول وكان يحث على قصد الموصل وكان هو ولي عهده والموصى له من بعده فلما فل شبا شبابه ونقل من بين أترابه إلى ترابه خلفه أخوه عز الدين مسعود وقنع ابن أخيه هذا سنجر شاه بالجزيرة وكان بعد ذلك على عمه من الجزيرة فرجا من السلطان وأمل أن يحدد له من العز منهجا مبهجا. ذكر صاحب ماردين قطب الدين ايلغازي بن تمرتاش ابن ايلغازي بن ارتق وفاته في هذه السنة قال: هو من جملة أمراء الارتقية ممن رتق أولوهم فتوق الإسلام ووقفوا في نصرة الدين مواقف الكرام ولهم في مبادئ خروج الفرنج غايات في الجهاد لا تدرك وملكوا من قياد المصاعب وعاد المطالب وما لا يكاد يملكوا وحفظوا حلب وأبطلوا من الفرنج عنها الطلب، ونزلوا البيت المقدس قبل استيلاء المصريين عليه وحموا ببأسهم ما حواليه فما أخذه الفرنج إلا من المصريين في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وبقيت تلك الخطة وبلاد الساحل مع أهل الشرك وعجز عنهم ذووا الملك إلى أن يسر الله سبحان فتحها للملك الناصر صالح الدين والدين يوسف بن أيوب في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وسيأتي ذكر ذلك في مقامه عند ورود عامه. فبقيت ديار بكر وبلادها في أيديهم وتفردوا فيها يتوليهم وذبوا عن محصنات معاقلها ومحصنات عقايلها فبهم بقاء بقاعها وبها يتم ضياء ضياعها وبأمرهم أمور ولاة قلاعها يتوارثها كابر عن كابر وماجد عن ماجد. وقد تقدم في عصرنا هذا ملكان أحدهما هذا قطب الدين ايلغازي صاحب ماردين ومعه ميافارقين وتلك الولايات والبلاد التي تجاورها والأعمال والمعاقل التي تقاربها والأخر نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق وهو صاحب حصن كيفا وخرتبرت والبلاد التي تناسبها فلما ملك سلطاننا الشام ولزم أمره النظام فأول من لاذ ببابه وعاد بخبابه نور الدين بن قرا أرسلان فإنه خاف من حمية قلج أرسلان كما سبق فقصده السلطان ودخل حدود بلاد قلج أرسلان وخيم على كوك سو حتى زال الخوف وأمن السوء وذلك في سنة ست وسبعين وقد مضى ذكره وشاع في ذلك أمره فلما خرج من مصر سنة ثمان وسبعين راسل هذا نور الدين وابن عمه قطب الدين صاحب ماردين في مساعدته على قصد الموصل فأجاب نور الدين دعاه ولبى نداه وسار إليه وقدم عليه ونبا قطب الدين وأبى فأن صاحب الموصل ابن عمته وما لاق خذلانه بكرم سيمته ولكون شاه أرمن صاحب خلاط خال صاحب ماردين ثبت على مؤازرته بمضاء عزيمته فلا جرم سعى السلطان في نصرة نور الدين وفتح آمد ووهبها له وأناله من المال والجاه ما أناله. ثم راسله صاحب ماردين بالوفاق وتنكب نهج الشقاق فأثبت عذره ونفى ذعره ولم يزل عيشه رغيداً والظل مديداً إلى أن قلصه القضاء المحتوم والقدر المعلوم ونعى شبابه ونعب غرابه وخلف عيالاً وأولاداً أطفالاً وله ابنان صغيران أكبرهما ينيف على العشر سنة فسفرت بولايته (٢٢٠أ) بعد قطوبهما الوجوه وكفل به في ماردين أحد الأعيان من مماليك أبيه نظام الدين البقشي وتولاه تولية المشفق النبيه واستقامت الأحوال واستنابت الآمال وافتقروا إلى إشفاق السلطان وأشباله وإبدال أعراضه بإقباله وإيوائهم إلى وافر أفضاله ووارف ظلاله. ذكر ما اعتمده السلطان في باقي هذه السنة

стр. 118

قال: أقام السلطان في دمشق حتى دخل الشتاء وعارضت عارض نداه الأنداء وجادت كجوده السماء ومنح في خصب السنة كما منح في إحسانه الرجاء وتفرقت بأيدي أوليائه كأمواله الأعداء وأقام حتى انقضى رمضان ولم يرض بالمقام في كن كانون وآثر الدنو من أعدائه الذين لا يدينون ولا يدنون فهمت همته وحميت حميته وأخذ بالحزم ونفذ بالعزم واستحض واستحث وحظر اللبث وأصبح في يوم أصحت سماه وصحت في الحسن والطيب أسماره فأخرج مضاربه على سمت بعلبك وضربت خيامه من دمشق على فرسخين وهو يركب كل يوم لصيده وقنصه واهتبال فرصه. وأقام أياماً حتى اجتمعت إليه الشداد واتصلت بتوامها الأقداد وشد زمام الزماع للأسراء والإسراع وسار على طريق البقاع وفزعت تلك الجبال بفوارع الجبال وأصحرت الأساد الخوادر من الفيافي الأغيال وسالت أودية الشعاب ببحر الجيش ذي العباب وسرنا حتى خيمنا على بعلبك بظاهرها ودخلت البلد هناك في العشرين من ذي القعدة مفارقاً للمخيم بسبب المرض الملم وشق على السلطان انقطاعي وتوجع لما راعه من أوجاعي فانقطع أملي واتصل ألمي. ورحل السلطان إلى حمص فسير إلى طبيبها ابن الصوري وسمع المخدوم الأجل الفاضل بخبري وكان بدمشق فجمع الأطباء وخاطبهم في تدارك حالي فندب من وقته الموفق بن المطلوب وسار في يوم وليلة إلى بعلبك من دمشق فرأيت منه عمل من طب لمن حب فشفيت بعدما أشقيت وعجلت أوبتي إلى دمشق وكان وصولي إليها في ثامن ذي الحجة وأخرست بحضوري شقاشق المرجفين وأقمعت بأوبتي مناشق المتشوقين وأقمت إلى أن عاد النشاط وتيقن على المزاح الاحتياط والسلطان لحماه يرقب قربي ويطلب أوبي وجاءه عند استشعار اليأس مني من بذل له في منصبي بذولا فما استحسن عني إليهم عدولاً وخلع على البشير بسلامتي. وحين استقام مزاجي استقمت على منهاجي ووافيته وما برح من حلب حتى جئته وما لقيت السعادة حتى لقيته وما أمر بالرحيل حتى وضعت بمخيمه رجلي وأبدى لي أن مقامه من أجلي. قال ودخلت سنة إحدى وثمانين والسلطان بظاهر حماه مخيم وللعزم على قصد الموصل مصمم والثناء قد انكسر والنور قد انحسر ووصلت إلى السلطان يوم عزمه على الرحيل وإذن وصولي بأحياء رسم منصبي المحيل ورحلنا لأرب منتبهون وإلى حلب متوجهين ولما قربنا من تل السلطان تلا السلطان سورة الحمد وتلاه السلطان السعد وجاء أخوه الملك العادل سيف الدين صاحب حلب لتلقيه وقد أقبل بالإقبال وجلا وجه الجلال ومعه عسكر حلب في هيئة رايقة وهيبة رائعة فاستبشر السلطان بلقائه ودعا له بلقائه. ولما وصلنا إلى حلب در حلبها وتلقانا عجمها وعربها وخرجوا وتبرجوا وتنزهوا وتفرجوا وخيم السلطان بظاهرها ظاهر المخيم طاهر الأديم مستقيماً من أمر الله على المنهج القويم وأقام أمامها إلى أن سأل عن الأحوال ومال نحوه بالنوال وأطلع بدور البدور في آفاق الانفاق وأطلق قيود النقود بالإرفاد والإرفاق وتوجه للمسير ماطر السماء سامي المطار سامي الإقتداء قوي الاقتدار. وكنت في ستة من مماليكي وخدمي وأشياع أملي وأتباع عملي والمحتدين إحسان السلطان والمعتفين سلطان إحساني. ولما تكاملت جموع الجنود وتواصلت وفود الحشود رمي قبل العشية دهليز النوبتية في صفر وفض الختام وقوض الخيام. وأصبح السلطان راكباً في عسكره ساحباً ذيل عشيره وهو قمر هالته وشمس جلالته ووصلنا إلى مضيق جبلان ثم سرنا في سهول وأوعاث في مراحل ثلاث حتى خيمنا على الفرات ببحر المبرات ونزلنا بمكان تحت البيرة على فرسخين نعرف ترتيباً. والفرات قد تحاجزت مدوده وتجاوزت حدوده ومحت من جسوره سطوره وأعجزت ورده وصدره إعجازه وصدوره (٢٢٠ب) وهو متلاطم الأمواج متزاحم الإثباج وكان السلطان قد سير إلى معاقل الفرات وقلاعه ونواحيه وضياعه وأمر عليها بعمارة كل سفينة ومركب وزورق فحالت جواريها كالجبال الرواسي فعلونا آكامها ورفعنا أعلامها " بسم الله مجريها ومرساها " وأقمنا ثلاثة أيام للعبور وأحمدنا مصبحها وممساها وأخضنا الخيل الماء فغامرت الداء فسبحت السوابح في تياره وتسابقت السوابق في مضماره ولما وقع العبر توقفنا حتى ضم النشر فأخذنا على سمت حران في طريق برج علوة والبيضاء وقد ضايق بالعسكر واسع الفضاء ووصلنا إلى حران في عدة مراحل وخيمنا بظاهرها ظاهرين وبإمداد نعم الله مظاهرين.

стр. 119

ذكر الأمير المظفر الدين كوكبوري صاحب حران قال: قد مضى ذكر الأمير مظفر الدين كوكبوري زين الدين على كوجك في سنة ثمان وسبعين عند توجه السلطان إلى الموصل ووصوله إلى الخدمة وحلوله محل المشاركة في الدولة والنعمة ولم يفارق الخدمة على الموصل وسنجار وكان معنا على آمد عند افتتاحها واختتم كل خدمة نجاحها وحلب على حلب أفاويق الوفاق وظاهر في الغزوات وظافر على العزمات ولم يزل بأخيه زين الدين يوسف بن علي صاحب اربل يستعطفه ويستجديه ويحسن له الالتجاء إلى الخدمة السلطانية ويرغبه. وصار مظفر الدين لكل من يرغب في الخدمة قدوة ونال بذلك من القرب والزلفى حظوة وعاد من يهتدي به يقتدي وبوسيلته يحتذي وبخطابه يبتدي ولما عدنا من غزوة الكرك في سنة ثمانين وأفام السلطان بدمشق لأداء فرض الصوم وظن أنه يريح ويستريح. وتواصلت كتب مظفر الدين بالحض والحث وتتابعت رسله على هوى الهواده عادلين وللمعونة بالمئونة باذلين وبذل رسوله الخاص ابن ماهان عن صاحبه ما عز وما هان وقال: أن مظفر الدين إذا عبرتم الفرات يستدرك كل ما فات ويقول بكل ما يحتاج إليه في تلك اليلاد ويقدم يوم الوصول إلى حران خمسين ألف دينار وكتب خطه بما أفصح به من قول وأوضحه من قرار وأرغب الأمراء والحجاب والخواص في البذول فسرنا على ماسبق ذكره على البلاد والإقامة بها بارزة الاستعداد حتى خيمنا على حران بالشرح الذي تقدم وسكت السلطان عن طلب ما كان من البذول وما تكلم فإن شيمته الحياء وسجينته السخاء لكنه لما وجد مظفر الدين غير منبعث لحركة ولا متحرك في مملكته وهو غير مبد للاهتمام ولا مجد بالتزام أرتاب بسكوته وسكونه وتواجهت مختلف ظنونه ووشى الوشاة وسعى السعاة وقيل لولا عمارة الحال بينه وبين المواصلة لبقي على حميته وتحقق بفعله ما تبرع بقوله وسيرني السلطان ومعي شمس الدين بن الفراش قاضي العسكر وقال: احضرا لديه واكشفا عن حالتيه وأخبراه بما أخبر عنه رسوله وبما سبق به بذوله وبما أستأنفه من الإعفاء والأغفال دون الاحتفاء فلما بصر بنا مظفر الدين أنبأته الفراسة بما جئنا فيه وشرع في إثبات ما ينافيه وقام قبل أن يقعد وجاء بمصحف كريم وأقسم به قسم بر على الولاء مقيم. ولما فتح المصحف ووضع عليه يده ليحلف قرأت منه " يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود " فقلت له:

стр. 120

يا أمير هذا يأمرك بالوفاء وقد أتى القرآن لكل مرض بالشفاء فما رفع يمينه حتى استوفى يمينه واستحسان أمينه وكذب رسله وجحد ما اعترفوا به من قوله وبذله كله ثم صرف وزيره وادعى عليه تزويره ولولا ذلك ما هان ابن ما هان ولم يصدق على إن ما كان. فجئنا واخبرنا السلطان بحلية الحال وأن ما سبق من القول كان محالا على محال فتذمر وتذمم وتلون وتلوم وتعجب من القضية وأنها ليست على الحالة المرضية ثم سكت عن شأنه مطرقا حتى أصبح وركب الميدان وفرغ من اللعب بالصولجان استصحب معه مظفر الدين إلى سرادقه على العادة وأطاع فيه حكم الإرادة ونقله إلى خيمته ووكل فيها به ومنعه من أصحابه فوقع الخبر بخفضه وشاع سر قبضه وهاج العسكر وماج المعشر وقام المحشر واجتمع الأمراء عند السلطان وأشاروا عليه بخلات العفو والإحسان وأجمعوا على أن ينقلوه إلى قلعة حلب وخافوا أنه إذا خلى سبيله هرب وفات الطلب فلما انصرف الأمراء وتصرفت بهم الآراء وخلا وجه السلطان وأنا عنده والفقيه ضياء الدين عيسى وقاضي العسكر وعرفنا منه سجية (٢٢١ أ) الإحسان فقلنا له انتهز فرصة الإمكان وقلد المذكور طوق الامتنان وما بلغ الأمر إلى الإيحاش وما فقد العثار مهلة الانتعاش والذي أشاروا به ليس من الصواب ولا يحكم فيه بظن الارتياب وكان هذا رأيه فوافقه وعلم أنه قد ما خصه ومازحه وناصحه وما نافقه وانه بالغبن مصاب وبالمنن مغتاب، وقال: امضوا إليه فاكتنفوا ضمايره واستوضحوا سرايره وسكنوا من روعه وأعيدوا أفقه حلقة عادتى ضوءه وضوعه فوافينا وهو مرتاع مستشعر فاجتلى منا وجوه المعارف وهش بهشاشتنا وسر ببشر أسرتنا وقلنا له لا تغتم لما بك فإن السلطان يطلب بعتبك أعتابك وإنما أجلسك ليقرب عليه المراسلة والمخاطبة. فقال: هو مالك رقي وعارف حقي وأنا أسمح بما معي من البلاد وأخرج إليه من الطراف والتلاد وأخدمه ويبين له صدقي الذي أعزمه فقلنا له بل تسلم إليه قلعتي الرها وحران وتظهر بذلك له الأذعان. فقال: كل ما تتسيرون به فهو مقبول وعلى الرأس والعين محمول، وعدنا إلى السلطان ولم يبرح من المكان وأمر من الخزانة بتشريف يليق فقد شفعه التأييد والتوفيق، واستدعى به فقبل الأرض وتقبل الفرض وعاد إلى بيته بالحمد جديد السعد سعيد الجد وتسلمت منه القلعتان ثم أعيدتا إليه غي آخر السنة ومحيت سبة توهموها بكل ما استمحاه من الحسنة. ذكر الرحيل من حران وما جرى بعده قال: وأقمنا بحران في صفر ووجه المنى قد صفر ودخل شهر ربيع الأول في أوائل الربيع واغتنمنا مرعى المراد في المراد المريع. وقال السلطان: لا مكث بعد اليوم ولا لبث في قصد القوم فصممنا على الرحيل وجينا إلى رأس عين فملأنا سهولها وحزونها وكدنا نشفه عيونها وعبرنا على بلاد رمت إلينا بأكبادها وملكنا طوعاً وكرهاً أزمة قيادها ونزلنا بداراً لنا أميرها ووصل إلى الخدمة وامتزج بنا وأنشج بالود وانتسج وكان قد وفد بعساكر ديار بكر عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان بسبب مرض نور الدين أخيه فشكرنا على تهديه في توخيه. وأقمنا بنصبين ريثما قضينا الأشغال ونضونا الأسمال ثم سرنا وخبب الفلق على نسيج الفيلق مزرور وطرف الشمس الأرمد بكحل العجاج مذرور وأقبل صاحب الجزيرة معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي وكان قران النيرين والتقاء البحرين بين النهرين فأصبحنا لإقباله حامدين ولاستقباله عامدين والتفيناه بدراً طالعاً في هالات أعلامه وأسداً خادراً في سلات آجامه واختليناه قمراً في نجومه وسررنا بقدومه فانتظم في السلك واحتكم في الملك وفاض الجود له ولأصحابه حتى دنت كل شاحط ورضيت كل ساخط. واستدركنا بالإحسان كل فارطة لأجل تراكم الجحافل والتزاحم على المناهل قصدنا دجلة من اقرب الطرق وتركنا طريق الدولعية والمرق ونزلنا على بلاد دجلة على بلد وكان وصولنا إلى هذه المدينة في آخر شهر ربيع الأول ثم حدنا على الشاطئ للتنقل والتحول حتى تصل إلى الموصل ثم خيمنا على الإسماعيليات وهناك ألقينا العصا

стр. 121

واستقرت بنا الهوا وتلونا سورة " والنجم إذا هوى * ماضل صاحبكم وما غوى " وضربت الخيام إلى المع رقه مغربه ومشرقه ومجتمعه ومتفرقه، وقد هزتنا إلى النصر الأشواق وأستفزتنا إلى ممالكها الآفاق وطارت الأخبار إلى الأطراف ورجفت الأداني والأقاصي بالإرجاف. وأول ما بدأ به يوم نزوله ببلد قبل الإسماعيليات تقديم ما هو آثم الواجبات وألزم المفترضات وندب القاضي ضياء الدين أبا الفضايل القسم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري في الرسالة إلى المواقف الشريفة النبوية وسدة المنيفة الأمامية الناصرية وإنهاء الأحوال وذكر الأسباب المقتضيه للنهوض وإن أهل الموصل مواصلون الأعاجم وخاطبون لسلطانهم القايم وناقشوا أسمه في الدنانير والدراهم وإنهم يتعززون بالبهلوان وإنهم يرسلون إلى الفرنج ويقوون أنفسهم على قصد الثغر وتفريق الجمهور وإنه ما جاء طمعا في استضافة ملك ولا قلع بيت قديم (٢٢١ ب) ولا قطع أصل كريم وإنما مقصوده الأصلي ومطلوبه الكلي ردهم إلى طاعة الإمام ونصرة الإسلام وقطعهم عن مواصلة الأعجام وإلزامهم بما يجب عليهم من حفظ الجار وصلة الأرحام. فهذا صاحب الجزيرة وهو أبن أخي صاحب الموصل ولي عهد أبيه ولم يرع فيه ذمة أخيه وأبعده عما أستحقه بالإرث والتوليه وأجاز حربه وطح رحمه ولو تمكن منه لأطاح دمه ولولا خوفه من جانبه لما التجأ إلى هذا الجانب وما أختار الأجانب على الأقارب. وهذا صاحب إربل جار الموصل أبوه زين الدين على هو الذي حفظ بيتهم وخلف في أحيائهم ميتهم وهذا ولده في جوارهم يشكوا جورهم ولا يعرف في المكيدة عليه غورهم وقد استجار وهو جارهم الأدنى حديث صاحب الحديثة في حديثه لا يخفى وقد أشرف على الضرار وأشفى وعين من تكريت من مخافتهن لا تكره وهلم جره من نوايب وصروف لا تحصى وضرايب ومكوس عنها لا يستقصي أهل الشرك في تفريق الكلمة وتبديد السلك وعود في ذكر هذا كله مشافهة الرسول وعلى ما يراه من علاقات الود والقبول وكتبت إلى الديوان العزيز وإلى الصاحب كتبا برسالته والحواله على مشافهته وكان ضياء الدين الشهرزوري الوزير يشير بمدحة أسيرها إلى الصاحب واستدرار ما في الديوان باسم من رسوم المواهب فأصبته كلمة مطلعها: قضى الوجد لي أن لا أفيق من الوجد ... فيا ضله اللاجئ إذا ظن أن يهدي أيا حادي الأظعان خل زمامها ودعها ... على خد بظعنهم تحدي وما كنت أدري قبل صارم حتفه ... وقبلي أن السيف يقتل في الغمد ولا صبح إلا وجهه الواضح السنا ... ولا شمس ألا زايد الثاقب الزند ما رعوس الأعدا إلا سنابل ... وما نبتت إلا لسيفك والحصد كان لثام الزعف من فوق وجهه ... عام لبدر التم وفراقه مبدي بدرع كان البحر في البحر ذاخر ... وطرف كان البرق يومض في لبد تساور أفواه الجراح رماحه ... مساورة الأميال للا عين الرمد وما لأمير المؤمنين كيوسف ... فتى في مراضيه بمهجته يفدي قال: وشرع السلطان في إقطاع البلاد والتوسع بها على الأجناد وسيل الأمير سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب الهكاري ومعه الأمراء من قبيلته والأكراد من شيعته إلى بلد الهكاريه وجماعه من الأمراء الحميديه إلى العقر وأعماله لاستفتاح قلاعها واستغلال ضياعها ونصبنا الجسر وعبر مظفر الدين صاحب حران وخيم بالجانب الشرقي ووافقه جماعه من الأمراء في العزم الماضي المضي وجاء أخوه زين الدين من أربل بجنوده وبنوده وجموعه وحشوده وترفت بالأقاليم أقلامه ونفذت في تلك الممالك أحكامي وكان السلطان قد خصني بما كان للوزير الجواد جمال الدين بالموصل من الخواص فاغتنمت فيه نهزة الافتراص وشحنت على صنيعي بأحد يداه وغيرها ورد على مدة مقامنا حلب خيرها وناقشني نواب الديوان فيها وكتبوا إلى السلطان أن يأخذ ما بذل فيها خمسة عشر ألف دينار وأنتم تحتاجون في إجرائها إلى إستيمار فرمي الرقعة إلي وقال: تأمل هذا الهذيان فقمت له وشكرت الإحسان وتسلطت على أدوات الديوان بالسلطان. ذكر ما رآه السلطان من ترك القتال

стр. 122

قال: ولما نزلنا بالبلاد وجدنا الحر قد وفدت ناره ولفح أواره وقد وقد شهرا ناجرا والهجير غير هاجر وجاشت الجيوش وشاقت الجيوش فأشفق السلطان على رجاله من لبس الحديد ومن أوار الحر الشديد وقال: نستمهل ولا نستعجل ونقيم ولا نرحل ونسكن إلى أن تحل الحركة وتحل البركة وكفى بأهل الموصل أنهم فيه مسجونون وبما هم فيه محزونون (٢٢٢ أ) ، والغرض من التصرف في الممالك حاصل والمدد من ألطاف الله متواصل فسلكنا وهدانا واشتغلنا بما به بدأنا وكان حينئذ ماء دجلة في نقصانه ونضوب بحرها في بحرانه، فجاء من زعم أنه يمكن سد دجلة وسكرها وفق فرصة أخرى وكسرها ونقلها أو تحويلها إلى دجلة نينوى ويعطش الموصل إذا الماء عنه انزوى فضحكنا من هذا القايل وقلنا له ومالك ولهذا الرأي القايل فأصر على القول وطول في ادعاء حقيقة الطول. وكان الفقيه العالم فخر الدين أبو شجاع بن الدهان البغدادي حاضرا فجعلناه في الأمر ناظرا، وكان وحيد عصره وفيلسوف دهره ومهندس زمانه موسوس إحسانه وإنسان عين الفضل وعين إنسانه وله الحظ الوافر من جميع العلوم ولاسيما في المنثور والمنظوم والحكمة والهندسة والنجوم. وكان من عهد قديم سكن بالموصل ولما سمع بكرم السلطان تفيأ بظله وتعرف إلى فضله فركب في خدمة السلطان ووقف على المكان وشاهد ما توهموه من سدد دجلة ومأخذه وفتحها للتحويل ومنافذه. وقال هذا يمكن ولا يتعذر وصدق القائل على رأيه وآمن بأيه ولم ير خلاف مذهبه في در خلف مطلبه ثم وصل الخبر بوفاة شاه أرمن صاحب خلاط فتحول إليها العزم وترجح بها الحزم. ذكر شرح ذلك قال: ولما كان يون السبت العشرين من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بوفاة شاه أرمن صاحب خلاط وأنه توفى يوم الخميس تاسعة وحينئذ ترددت الآراء وتنوعت الأواب واختلفت في المشورة الأمراء والأصحاب فمنهم من أشار بسلام إلى حصول المرام ومنهم من رأى المصلحة في البدار إلى تلك الديار ومنهم من قال نجمع بين الأمرين فنترك ههنا من العسكر بقدر ما يحصل به مضايقة القوم من الجانبين ويعجل بالمسير بالعسكر الباقي إلى تلك البلاد والله كفيل بالمراد. وبيتنا في هذه الأقسام الثلاثة منزوين بإرشاد الله في استخارته متقدين فلما أصبحنا وردت كتب الأولياء بالولايات بخلاط وبدليس واظهروا المماحضة والموافقة والتأنيث ثم رأينا من أمراء خلاط وقد وصل عماد الدين بابل وقال للسلطان: أدرك أوليائك وأحباءك وهذه خلاط خلا طريقها فارق إلى قبولك بالقلوب فريقها وإن أهلها بالأعاجم لم يخلصوا من المظالم فعجل بدارك وأحسن إلينا بآثار إيثارك فما زال بالسلطان يحرك همته ويحرض عزمته ويذكر حلو العرضة ويخوف من فوت الفرصة وهذه الموصل مأمونة القوات مأمولة في ساير الأوقات وهي إليك واصلة وفي اليد حاصلة فأصبح السلطان ورأيه في الرحيل راجح في الرحيل وغدا الرسول وسعبه في التأمين ناجح وأمر الأمراء بالتأهب للرحيل وعرفهم ماتصمم في عزم التدبير ثم أرسل إلى زين الدين صاحب أريل بالعود إليها وقواه بالأمير سيف الدين على بن أحمد وأمره بنصرته والمقام عليها. فصل من كتاب أنشأته إلى الديوان العزيز

стр. 123

ومما ينهيه الخادم وفاة شاه أرمن أورث الله المواقف المقدسة أعماق الخلايق ونصر ألوية أوليائها في المغارب والمشارق ولم يخلف أحدا وبلاده سايبة شاغرة وأفواه المطامع من الأعاجم نحوها فاغرة وكذلك ديار بكر جميعها قد خلت واختلت ومعاقد الاستقامة بها قد حلت. فصاحب ماردين توفى وخلف ابنين صغيرين أحدهما في عمر عشر سنين والأخر في عمر سنتين، كذلك صاحب حصن كيفا توفى وله ولد في عمر عشر سنين ودولتشاه صاحب أرزن وبدليس موجود في حكم العدم ومن علة الصرع كلحم على وضم وخلاط الآن قد صار طعمه العاجم وابنة بهلوان فما زوجها أبوها من صاحب خلاط إلا طمعا في مملكته وأن يحتوى بعده على ولايته. والخادم منذ نزل على الموصل لم يشتغل بالحصر لما اشتغل من وقد الحر ورأى الصابرة إلى يطيب الزمان وشرع في تحويل دجلة الموصل عنها واحضر المهندسين فوجدوه هينا والنفع لسهولة الفتح بينا وأحضرت الآلات وشرعت في حفر المحولات فلما وصل خبر وفاة صاحب خلاط (٢٢٢ ب) تردد عزمه في الإقامة والرحيل ثم وردت كتب المقدمين هناك في مسيره راغبين وللأعاجم كارهين فتعين حينئذ أن يجيب المستدعي ويجر المستدعى. أما الموصل فما يفوت أمر هؤلاء يعيد بعد العود إليها بمشيئة الله حصرها. ومنه وقد عرف أنه لم بق لتلك الممالك خصم سوى البهلوان وما مقابلته إلا الخادم وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وهو يسأل من العوارف الجزيلة ويرغب إلى العرايد الجميلة في مثال شريف يجمع ديار بكر وخلاط والموصل حتى يفتتح بتقاليده الأقاليم ويسلك بهدايته في النصر على الأعداء. ذكر رحيلنا إلى ديار بكر قال رحل السلك كان بعسكره عن الموصل في أواخر شهر ربيع الآخر سيرا ببحر جحافله الزاخر جامعا بالبأس والفأل وشمل المفاخر، يتقدم إلى أبن عمه ناصر الدين بن شيركوه أن يسير في المقدمة إلى الخلاط ثم قواه بمظفر الدين صاحب حران فلما وصلوا هناك وجدوا من المتغلبين بها الحران. وكان سيف الدين بكتمر من مماليك شاه أرمن قد دخلها وحمى معقلها فوقف ناصر الدين دونها وحبس على طيور سكانها وكونها، وكان قد جاور بدليس إلى الطيطوانه ولو سبق إلى المكان لم يسبق إلى المكانة لكن وزير خلاط مجد الدين بن رشيد كان يظهر للسلطان فناصحته ويسر مشايعته ويبدي الإشفاق ويذكر الوفاق وهو في ذلك صاحب عثار وطالب إيثار فكتب إلى ناصر الدين للإقامة على القرب لتحقيق الهيبة به والرعب وجاء بهلوان في عساكر الشرق وهو شمس الدين أبو جعفر محمد بن أيدكز متولي البلاد بقضه وقضيضه وسمره وبيضه ونزل بقرب خلاط من الجانب الآخر وقيل أن الوزير أيضا كاتبه وأطعمه وأفضى إليه بسر خلوصه وأستودعه وهو في أثناء ذلك يثقل الموازين حتى آل الأمر إلى ما آل وتولى بكتمر وأنصرف الحاج والمعتمر وسيأتي ذكر ذالك.

стр. 124

عاد الحديث: وأستشعر ملوك ديار بكر حركتنا وقالوا صلاح الدين مذ عين رغبته إلى مملكتنا وكانا صاحبا أمد وماردين صغيرين يقوم بأمرهما أمراؤها المقدمون فخافوا من الانتهاء إليهم والاستيلاء عليهم. فأما متولي ماردين وهو نظام الدين البقشي فإنه أحترز وكشف وجد الحزن في التحصين وأما من بآمد فإنه خاف أن يستدرك السلطان الفارط ويستعيد آمد التي فتحها ووهبها إذا لم يجد كما قرر الشرائط فقد كان عند وفاته نور الدين قرا أرسلان يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول أشير عليه باسترجاعها وقيل له إنما سلمتها إلى نور الدين محافظة على مرات خدمته موثوقا بمعدلته وحفظا لمنزلته وقد انتقل الآن منها وخلاها خالية وابنه يتيم وهؤلاء الكافلون بأمره قد عرفت سيرته وعلمت سريرته فكيف يحل لك أن تقلدهم وتجراهم على الرعية وتجردهم فقال: هذا أمر لا يفوت استدراكه وقدمنا ما يجب تقديمه ويازم بعد الشروع فيه تتميمه ونحن نقدم أنفاذ من نثق به على وجه الرسالة لشامل ما هم فيه من الحلية والحالة وكانت بيني وبين وزيرهم القوام بن سماقه معرفة صدقت به الصداقة فكتبت له أن يبادر بالوصول مع مخدوميه جاريا من استصحاب المحمول والمبذول على رسومه. وندب للرسالة إلى آمد القاضي شمس الدين محمد بن محمد ابن الفراش فمضى إليهم فوجدهم على جادة العزم جادين فحثهم على الحضور وجاء قدامهم بخبر وصول ولد نور الدين محمد وهو قطب الدين سكمان وشيمته الطاعة والإذعان ولما وصلنا في أول جمادى الأول إلى ميافارقين وكان دخلها من أمراء ماردين أسد الله يرتقش فتنمر وتشمر وشغل البال وأشعل القتال ونصب المنجنيقات وجود العرادات وملأ الأبراج بالأعلاج والأسماع بالضجاج متعاليا بأمره واشتعلنا بجمره وأبصرنا ما لم نكن نظنه واستصعبنا ما كنا نستسهله ودام قتالها صباح ومساء وسام نزالها من الجرح والقتل كل ما سل وساء وخرجوا مرارا وأحرقوا منجنيق فكم دم أريق وأصر حمل وما أطيق وشاجانا ذاك الشجب وجاء الأمر كما لايحب وأستشهد يوسف منجنيقي وكان بالرجال ولم يزل له في مواقف الجهاد كل مجال وندمنا على ما قدمنا من حصر البلد وقصر الجلاد على ما ليس في الجلد وكانت الخاتون ابنة قره أرسلان زوجة قطب الدين صاحب ماردين متوفى في المدينة مقيمة وعلى سنن حفظها مستقيمة وهي ذات يتامى وإلى لطف الله بهم مستقيمة وللصوم والصلاة برفع يدها في الدعاء مستديمة وأنها أيم مالها قيم متقنعة بكفافها متمتعة بعفافها حاضنه من بناتها لعدد (٢٢٣ أ) الثريا ساليه بدينها عن الدنيا يحميهن أميرهن في المدينة حماية الغيران وتضرم من دون حماهن جواحم نيران ظلماء لج الحصار.

стр. 125

وراسلنا الأمير المذكور بمن يستلبنه ويستكشف نهج الصواب من جانبه ويستبينه فذكر أنه يقضى حق من وجب عليه حقه وكان له ملكه ورقه وأن قطب الدين مذ أدرج في كفنه درج أفراخه إلى كنفه ولا يزال في عونهن ويبزل روحه في صونهن، والخاتون مالكة الأمر ونحن لأمره نطيع ولخلافها لانستطيع فراسلنا الخاتون وتردد الذاهبون إليها والآتون وقلنا نحن أولى بحفظ بيتك وأحق برعاية حق ميتتك وهذه المدينة إذا دخلناها فلا خروج عن رضاك ولا دخول إليها إلا وفق هواك ونصاهرك في إحدى عقايلك ويبقى على الإبرام لك معاقدة معاقلك، وقلنا للأمير الأسد سرا: فد مالت الخاتون إلى المقاربة فلا تصر أنت على المجانبة وأتخذ عندنا قبل أصحاب جماحها يدا وكن في الانقياد لنا مقتدا. وقيل للخاتون: إن أسد الدين لانت عريكته ودانه أريكته وأحمد أمره وأخمد جمره، وأستقر بعد ذالك الأمير أسد الدين، وأن بتقطع إلى الخدمة ويتصل بالنعمة ووفور الحرية ويخص بولاية جليجور وأعماله ويقطع عدة نصيبهم من خواص رجاله وتقرر مع الخاتون أن يبقى عليها كل ما باسمها وباسم خدامها وجواريها وأيتامها وسألت أن يفرض لا حضن الهتاخ ليكون لها عشا للأفراخ. وخطبنا إليها إحدى كرايمها لأبن السلطان الملك المعز فتح الدين أسحق، والتمست اليمين مؤكدة بالحجج والعتاق وأخذت اليد السلطانية أبرام العقود وأحرز نسخ المواثيق، والسلطان يسارع إلى بزل كل ما يقترحونه علية مخافة التعويق، وأعيان البلد حاضرون وفي الأحوال ناظرون. ولما أصبحنا يوم الأربعاء آخر جماد الأول تقدم السلطان إلى موالى القاصي نجم الدين بركات أبن عبد الله أبن أبي عصرون ومعنا جماعه مقدمون أن ندخل البلد لعقد نكاح على ابنة قطب الدين لإسحق أبنه وأن نبتدئ الأمر بنجاح ذالك المقصد ويمنه، فدخلنا المدينة وأنا وكيل السلطان لأبنه في قبول العقل، وأذنت الخاتون أم اليتيمة لأبن عصرون لها في تعيين المهر وتسلم النقد فتم النكاح وعم الصلاح وكمل بالفتح وال استفتاح. وجلس السلطان في سرادقه وخرج إلها أعيان البلد من المقدمين والأمراء والأماثل والكبراء، وسير السلطان إلى الخاتون برسم حمولا وهدايا وبذولا وعطايا ومصوغات ذهبيه ومستعملات عراقيه مغربيه وحصنا وحجورا عربيه وسلم إليها الهتاخ بصياغة وأجرى خدمها وخواصها على أقطاعاتهم ومكنهم من تسلم ارتفاعاتهم وأخذ الأسد المنشور بجليجور وألف الله القلوب ونظم الأمور وسألت الخاتون أن يخلى القاضي أبو الفرج يوسف بن هبة بن بام الجبلي على قضائه فكتب له منشورا في مستهل جمادى الآخر وأجريناه على تولية حكم والقضاء والاحتساب بميافارقين ونواحيها وما يجري معها من الحصون والبلاد، والهتاخ وجلجور وذى القرنين استجابة إلى أمانته ووثوقه بعلمه وأمانته. ذكر وصول صاحب آمد ونحن على ميافارقين في جمادى الأولى قال: قد سبق ذكره وذكر صغر سنه ومخافته وأمنه وذالك أن وزيره القوام كان عارفا بالمصلحة فأنتقل بالأمر ووصل بمخدومة قطب الدين سكمان أبن محمد بن قرا أرسلان قادما بالسادة الرابعة والبشارة الرايعه وأرسى خلاص الولاء من أبيه متقربا باستصحاب صحبه ومقربه. ولما ورد خبر إقباله أمر السلطان باستقالة فتلقيناه على مرحله فتلقاه السلطان بعد أمرائه بالقرب وأقبل عليه وحياه بالقبول والحب وأكرمه وبجله ووقره وعجله وأفاض عليه جوده حتى أخ٠جله وعجل إعادته إلى آمد بعد أن شرفه واجباه ثمار عواطفه وأقطفه وخلع على أمراء دولته ومقدمي مملكته واسهم بإحسانه أكابر ديوانه وأصاغر غلمانه فعاد إلى آمد وقد تزينت له وتعلقت وتألفت بتآلف شمل أبن نورها وتألقت وتمكن الوزير وأمر ونهى وأدرك من منصبه المشتهى. ذكر النزول على شاطئ قرامان ومراسلة بهلوان

стр. 126

قال: ولما أستتب الفتح وخلصنا ميافارقين تجدد لنا ذكر خلاط وكيف كثر انشغالنا بسواها النشاط ولما تمادى الزمان وقرب (٢٢٣ ب) منها البهلوان راسله بكتمر وحمل إليه مع أبنته زوجة شاه أرمن الأموال التي أودعه المخزون وندب السلطان إليها الفقيه ضياء الدين عيسى فدخلها وتكلم مع الوزير وشاوره ظنا بصدق فناصحته في التدبير فظهر له من فحوى خطابه ما مخضت به الزبدة ونتجت به لواقح الآراء المستجدة وأحال الحال على البهلوان وأنه جاء ليملك المكان ولو استعجلتم لسهل ما صعب وهان وكان الفقيه عيسى قد صار صاحبا له إلى المعسكر البهلواني للتجسس ومعرفة الأحوال بلتفريس فلما حضر هناك أدعى أنه رسول وأن قوله فيما يريده ويصدره مقبول فقالوا له أن صاحبك إن جاءنا تحقق في المصلحة والمصالحة رجاؤنا فكتب إليه الفقيه عيسى يعلمه بما ذكروه وأن بحضوره تسكن الدهماء ويؤمن المكروه فكتب إلى السلطان بأن القوم قد طلبوه وله مع ما سنح من الخطوب خطبوه فكتبت إلى أتابكة شمس الدين بهلوان كتابا بإرسال الفقيه إليه عن السلطان فتوجه الفقيه رسولا وصادف إقبالا وقبولا ووجد كل ما يقترحه مبذولا وكانوا منا مستوحشين فأنسوا ومن قصدنا إياهم مستشعرين فأمنوا، ومن حركتنا حذرين فسكنوا، وبجلوا ضياء الدين وعظموه وكفلوه بالأمر وأطلعوه على السر وصيروه بالأحوال محيطا وجعلوه بيننا وبينهم وسيطا. فعاد إلينا نشيطا يدرس من شرح حشرهم وجيزا وبسيطا، وأتانا من عند أتابك بهلوان رسل مكرمون وخواص مقربون، وفتحت أبواب الرسالة وسنحت أسباب الاستعطاف والاستمالة، وعرفنا أن خلاط قد حمى عسلها نحلها، وأن غابة عقرها قد ذب عنها فحلها وأنها أعرضت بعدما تعرضت وأبلست بعدما تمرضت ففارقنا قصدنا بعدما فات انتهاز فرصة الإمكان وخلو عرضة المكان من عسكر البهلوان ولا رغبة في إيذاء الإحن وإذكاء الفتن، فتركنا الدست قايما والخصم خايفا خايما، ولبثنا أياما لترتيب ذلك الإقليم ومباشرة ضعفها وأمنها بالتقوية والتقويم وفوض السلطان ولاية تلك البلاد إلى مملوكه حسام الدين سنقر الخلاطي فحسم بايالته داء الشر ومحاسنا محاسنه بالعرف سنة النكر وأقام السياسة وأدام الحراسة. ولما دخل رجب أصحت السماء التي أضحت تحجب وجاء نذير البراد مسمعا صوت الرعد وسعا من البرق الودق بالودق فرأى السلطان أن يعجل إلى الموصل أمامه ويحكم هناك أحكام العزم وأسبابه وقال: نقضي بها هذه الشتوة وتستتم بالإقامة الخطوة فقوضنا المضارب وفوضنا إلى الله المآرب وجبنا السبايب وعبرنا السور ونكبنا مزورين عن ماردين الزور وألمنا بدار وأقمنا مسترحين ثم نصبنا الأعلام على أعلام نصيبين وورد كتاب من آمد مضمونه أن سيف الدين مايفارق قصد ميافارقين وأنه على قصد أن ينهض إليها فما رفعنا بهذا الخبر رأسا ولارأينا باسا وعرفنا أنه مع سكوننا لايتحرك ولحجرنا لايتحكم ثم انفصلنا عن نصيبين للوصول إلى الموصل وفكرنا فيما نقيم به من المنزلة بحيث يسهل على من بالجزيرة أمدادنا بالإمداد فوقع الاختيار على كفر زمار فقطعنا إليها نواحي البقعة حتى وصلنا وقررنا منازلنا بها ونزلنا في شعبان وأغلقت الموصل أبوابها وكثرت للنكاية أبوابها وأرتجت ارتجفت مغالقها وكان السلطان يركب في بعض الأيام ويشرف عليها، وهي ترفع أيدي الضراعة رجاء عاطفته إليها وهو مقيم في منزلته لا يريم ومقدم على غرامته لا يخيم، ودجلة تمد بفلكها وأفلاكها واكلاء عينا وأكلاها، والعزم مصمم على الهدو والمكث والسكون واللبث إلى أن ينقضي البرد ويقتضى بالرى والورد.

стр. 127

وأصبحنا ذات يوم وكانت يأتينا في الرسالة قوم بعد قوم فقيل قد أقبلت محفات فيها مخدرات خواتين أتابكيات لا عهد لشموسهن بشروق ولا لنفوسهن بخفوق، ولا لمطالعهن بهبوط ولا لمطالبهن بقنوط فخرجن يستشفعن ويستفعن فانزلن خير منزل وأوردنا من الإكرام أعزب مورد واصفا منهل. وقال السلطان: إنما جينا لتأليف كلمة الإسلام وإعادة الأمور بإزالة الخلف إلى النظام وقد قبلة شفاعتكن ورأيت في عصيان العزم طاعتكم ولكن لابد من مصلحة تتم ومصالحه نفعها يعم فأستقر الأمر على أن يكون عماد الدين صاحب سنجار أخوا صاحب الموصل وسيطا في البين وحكما فيما يعود بمصلحة الجانبين فإنه كانت شفاعته سابقه ومسألته قي ذالك صادعة صادقه فرأى بهذا الرأي قضاء الحقين ووقف السداد (٢٢٤ أ) فيه على الطريقين وتعطف تلطف لأجلهن ولإجلالهن وأتى من الكرامة والمبرة بما يليق بأمثالهن وكنا ظنن أنه لايقين بحرمة قصدهن ولا يشتغل بأمر يؤذن بما ردهن فدخلن المدينة متلومات متزممات وبلطف الله لايزات معتصمات. ذكر وصول عماد الدين في الوساطة وما عرض من مرض السلطان قال: وكان السلطان لما دخل شهر رمضان داوم قراءة القرآن وحفظه والإتقان واشتغل بالصيام والتقليل من الطعام، وظهر انزعاجه وتغير مزاجه وطال مرضه وأمتد وحال مضضه وأشتد ومبدأ ذالك أنه أصبح يوم الأربعاء ثامن رمضان محموما وقي أياما سقامه مكتوما رجاء أن يزول ولا يطول ثم سار خبره وطار شره وقدم على رد الشوافع وردع الشوارع، وسير إلى عماد الدين صاحب سنجار في إنفاذ رسوله ليوعز بكل ما يعود بسؤله فوصل وزيره الكافى شمس الدين بن الكافى وكان من قل قد سق القول في تسليم بلاد شهرزور وقلاعها وحصنها وكذالك ما وراء الرأس من البوازيخ والرستاق وتلك بلد القرابيه وبني قفجاق فدخل أبن الكافي وأن الفراش قاضي العسكر من جاننا إلى الموصل لإجراء العهد على هذا الملتزم المستقبل، ورحل السلطان قبل عيد الفطر بيوم وهو من بحر بحرانة في عوم وخيمنا على نصيبين في شوال ولم نترقب عود الرسل نجاز الأشغال ثم أستمر الصلح وصلح الأمر وخلص ما بينهم وبينه السر والخر وخطب في جميع بلاد الموصل للسلطان بعد قطع خطبه السلجوقية وفي ديار بكر أيضا والديار الارتقيه وضرب اسمه الدينار والدرهم وأنحل الإشكال وانكشف المبهم. ولما تسلمنا البلاد منهم نفذ السلطان إلى شهرزور مملوكه مجاهد الدين اياز شريك فتمنى بها وتملك وكان التركمان الأيوانية مستولية فشتت شملها وفتك وند للنظر في تلك الأعمال القاضي شمس الدين بن الفراش فمضى وحل وعقد وأصدر وأورد، وأقطع لبعض خواصه المماليك البوازيخ وسير إلى البلاد نوابه ورتب فيها أصحابه، ورتب ضيعة بالبوازيج تعرف بباقلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد، وأقام السلطان على نصيبين أياما قلايل ثم رحل مستقلا في منازل ومراحل حتى القينا بظاهر حران عصا النوى والقلوب لمرض السلطان متخاذلة القوى وأجتمع عندنا من البلاد الأطباء وللمرض ضرم يفلح وللسقم قسم لا يبرح والأمل مرتعب والجدل محتجب والسماح يقول هذا أوان كسوف سمائي ونضوب مائي والدين يندب والملك يصخب والأيدي إلى الله مرفوعة والنيات بالإخلاص مشفوعة والأنفس متوجعة متولجه والأنفس بالدعاء مبتهلة والرجاء تحت الخوف والبلاء فوق الوصف وفي الغيب أسرار وللقمر أدار تارة وسرار الدموع منا غزار والضلوع حرار وما كنا نعلم أن النعمة في سر تلك البلية وأن الصحة ظاهرة في تلك السريرة الخفية وان لهذه الترحه فرحة وأن لهذه الغمة فرجه وأن لهذه الليلة دلجه وأن العافية عافيه وأنت كفاية الله كافيه وسيأتي ما من الله تعالى به من الرجاء في الشفاء بعد الإشقاء. ذكر شيمة السلطان في مرضه

стр. 128

قال: وكلما زاد ألمه زاد في لطف الله أمله وكل ما بان ضعفه قوى على الله توكله وأنا ملازمه ليلا نهارا وهو يملي على وصاياه ويفرق بقلمي على إعفائه عطايا، واشتدت به الحال ليلة أيس منه فيها الأطباء فلما أصبح المعتقون والوافدون إلى بابه وضجوا ضجة ارتجت منها الدهماء ولانت لسماعها الصخرة الصماء فسأل عن تلك الرجة وما موجب هذه الضجة فقيل له هؤلاء وفدك ورجائهم رفدك، وقد أشرفوا على الخيمة وخرقوا لأجلها حجاب الهيبة فدعاني وأمر بكتب أسمائهم وتفريق ما أجتمع في خزانته من المال على أقدارهم وتحقيق رجايهم وأعطى كل سايل وأغنى كل آمل فوجد بتلك السماحة راحة ترجى لعلته بها إزاحة واستمر مدة استمرار مرضه على بزل جوهر ماله وعرضه وكان خلقه أحس ما كان في حال الصحة يخاطبنا بسجاياه السهلة السمحة ولا يخلوا مجلسه من ذوي فضل وأولا نباهه وهم يتجاذبون بحضرته أطراف الفوايد ويهزون لمكارمه أعطاف المحامد فتارة في أحكام شرعيه وآونة في صناعات شرعيه ومره في أحاديث الأجواد وشيم الأمجاد ودفعة في ذكر فضايل (٢٢٤ ب) الجهاد ينزر أنه إن خلصه الله تعالى من نبوة هذه النوة أشتغل بفتح بيت المقدس ولو يبزل نفايس الأموال والأنفس وأنه لا يصرف بقية عمره إلا في قتال الأعداء الله والجهاد في سبيله وإنجاد أهل الإسلام والإقبال على قبيلة وأنه لا يترك شيمة الجود والسماحة بالموجود وربما استراح في بعض ساعات الليل والنهار إلى السماع إشارة الأشياء لأجل التفريح والانتفاع فإن ظفرنا بمفرد مغري ومطر ومطرب وصانع صوت وحسن لحن أحضرناه عنده فربما راقه وشاقه ووجد به أفراحه. ذكر الملك العادل سيف الدين ووصوله إلى حران قال: ولما سمع الملك العادل في حلب بمرض أخيه ووصوله إلى حران بادر بالوصول وقام بضبط الأمور وسياسة الجمهور والجلوس كل يوم في النوبة السلطانية لتولي مصالح الرعية وإقامة وظيفة السماط والعمل في كل مهم وبالاحتياط والتعدي لكشف المظالم وبث المكارم وسماع مشافهات رسل الجوانب وإبلاء كل عزر وإجلاء كل ذعر وتيسير كل عسير ورفع كل خرق ورتق كل فتق ولقد عصمنا إذ كنا على خوف من إرجاف يقوى وانتشار خبر سوء لا يخفى ولا سيم إذا خرج الأطباء وقالوا ما فيه أمل ولكل عمر أجل فهناك ترى الناس يستشعرون وبإبعاد ما يعز عليهم من أعلاقهم ودوابهم يستظهرون ما أراك من المهملين لا من الموقنين فقلت له: أنا لا أخاف إلا على سلطان فإذا ذهب فلا شداد لساني والذي يفوت أعز من المال والدواء ولأخاف على ذلك مع ذهاب الأصل من الذهاب فزال بالحضور العادل كل مخافة وسلم الله برأفته من كل آفة وكان الملك العزيز عثمان ولد السلطان مع أبيه مقتد بمعاليه مقتف بمراضية وكان من جملة وصاياه عند أشقائه أن أدرنني المحتوم ودنا اليوم المعلوم فقد خلفت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وكلهم أراه بمراد في إقامة الجهاد مليا يعنى بأبا بكر الملك العادل أخاه وبعمر تقي الدين بن أخيه وبعثمان وعلي ولديه الملك العزيز والملك الأفضل ورأى عليهما بكفالة سيف الدين وتقي الدين في مصر والشام العون وأقام الملك العادل إلى أن وضح المنهاج وصح المزاج وطابت القلوب وغابت الكروب ثم وصل مع أخيه إلى حلب وتم معه إلى حمص ودمشق وهب له نسيم مصر فاستجد لنشره النشق. وبدى له من بعد ما اندمل ... الهوى برق تألق موهنا لمعانه وسيأتي ذكر مضيه مع الملك العزيز إلى مصر في سنة اثنتين والثمانين ووصول الملك الأفضل من مصر وبعده الملك المظفر تقي الدين. قال: وكان الأجل الفاضل في هذه السنة بدمشق مقيما والى إحسان منابى عنه في الحضرة السلطانية مستنيما فلما وصلنا في هذه النوبة إلى حران أول ما فتحت عيني عمى الملوك الفاضلي سافرا مسافرا وقد اصحبه لي تشريفا شريفة ووفرا أوفرا وأحضرني رزمة ثياب أرزمت لي ركابها بنجح منى ومنيح كل غنى وناولني كتابا وأوقفني على البحر بجواهره والفلك بجواهره. ذكر نوع من المكارم السلطانية

стр. 129

قال: لما نزلنا على الموصل في النوبتين اجتمع شعراء البلاد وحضر الحاضر والبادي ومابقى من ينظم وهو قعيد بيته بيتا ويجري في مضمار فروسيته كمينا إلا وقد أتى بمدحه ليعود بمنحه فتناولها فقيه ضياء الدين عيسى وكان معينا في كل نعمى وبؤس وجرح الكرام بكرمه يوئس وحملها إلى السلطان ولعلها مئة قطعة أو قصيدة لمواهب مستريدة ولعوارفه مستزيدة فقال سلمها إلى العماد ليتأملها ويعرف أصيلها ومنتحلها فمن استحسن شعره حسن بالتشريف شعاره وأكثرها درهم ودينار فإن نجود لمن يجود ومن أفاد يستفيد فسلم الفقيه تلك الأوراق وعرض مافيها على فما استملحت أكثر مااستملحت وفيها منتحل ومنتحل ومقول ومنقول وصحيح وسقيم ولاقح وعقيم معووج ومستقيم وسمين وغث وجديد ورث فلو حملنا أمرهم على مقتضى الأمر لقل من استقل بالنفع وباء الباقون بالضر فضممت نشرها وطويت خبرها وسترت عيوبها وزررت جيوبها ودرجتها في دووجها وأبقيت نجومها في بروجها وجئت إلى السلطان وقربت تلك المقروبات بسروجها وقلت ماهذا أوان الانتقاء (٢٢٢٥ أ) والانتقاد وطارد الرجاء فيك للكساد ومامن هؤلاء إلامن استفرغ وسعه وقطع في الطريق شعثه وأحال على نضو أمله نسوه وأتى بجهد المقل وهم وفدتك وقد هديه نارك وحددتههم أخبارك فجد لهم على أقدارهم ولاتشعرهم بشعار أشعارهم فقال: مابه أشرت ولنشره بعرفنا عرفت ونشرت ثم أحضر الأكياس وأجرى في تفريق جمعها القياس وأوجد الرجداء وأعدم اليأس وأغنى الوفد وزخر الحمد. ذكر حكاية أخرى وقال: من معارفي فقيه قد تأدب وأعجم قد تعرب وعن له أن ينظم في السلطان قصيدة كانت ألفاظها مضحكة وكلماتها بالعربية والعجمية مستدركة فأوصلها إلى لاوصلها إلى السلطان وأهز بها منه عطف الإحسان فارتقبت لعرضها ليلة موافقة لأداء فرضها وجئت إلى السلطان بها وقد سر بشفائه وقر بما أقر الله عينه من أماطة أدوائه فأنشدها من جلسائه من صوته أندى ونشاده أجدى والسلطان يضحك من سماعها وتعجب من أعاجيب إبداعها وجلسائه يوافقونه على ضحكه وينظمون النظم المسموع في مسلك الاستغراب وسلكه وأنا ساكن لاابدي حركة فتعجب السلطان من سكوتي وسكوني واستغرابهم الضحك فقلت إنه استعان بي في إحسان المناب فلا اقل أن لاأسهمه بالارتياب والاغتياب فلما كان موسم أرضاء الوافدين وإغناء القاصدين وحررت ورقة بأسمائهم وتجردت لتفرقة عطائهم عين لصاحب ذلك النظم ثلاثون دينارا وجعلها له إدرارا فقلت له بل تضعفها وتجعلها ستين فإنكم ضحكتم لثلاثين وجائزة قصيدته ثلاثين فقال: أنصفت وأحسنت النيابة ولو كانت الجائزة بمقدار القيمة لم يبلغ خمسة صداق تلك اليتيمة فاستغنى ذلك المعلم وحصل له في مظنه المغرم المغنم. ذكر الصدقة في المرض قال: لما مرض قال لي اكتب إلى الولات والنواب بالديار المصرية والشامية أن يتصدقوا على الفقراء والمساكين من المال المعد للحمل على قدره في التعيين ولم يبق في المماليك إلا من وصل إليه نصيب ودعا بالصالحات لمن الله في دعائه مجيب ومن جملة تلك الصدقات أنه أمرنا أن اكتب إلى الصفي القابض أن يتصدق بخمسة ألاف لنفوز من الثواب بأضعاف. قال: ولما امتد زمان مرضه أمر ببناء دار عند سرادقه وحمام في أربعة أو خمسة أيام وكان من استحضر من دمشق ولديه الصغيرين تورانشاه وملكشاه وأمهما فأسكنهم فيها مدة مقامه فسماها دار العافية البرء فيها من سقامه ثم خلاها لمن يترك بها ضيوفه وجعلها للآوين إليها وقف فلله وطن وطر عمرت بعمارته الأوطان وبيت سرور خرجت بدخوله إليه من بيوت الكرام الأخوان وبنيان سلطان شاد مبان السلطنة ومكان عز تفاضل بفضله عز الأمكنة ومربط أسد تقشعر من بأسه الأسود ومجثم سداد يترافد إلى رفده الوفود وكان مثل السلطان في تلك المنزلة وهو مقيم كما قال الله تعالى في حق يونس ((فنبذناه بالعراء وهو سقيم)) فيها ألق حبل الحياة وأزجا النجاة وخص الله السلطان بفضيلة فتح القدس وقضى حاجته التي كانت في النفس وسيؤتى إن شاء الله تعالى شرح كل فتح في موضعه وكيف أشرق سنا النصر في مطلعه. ذكر من توفى في هذه السنة من أكابر الدولة

стр. 130

قال: توفيت الخاتون العصمية بدمشق في ذو العقدة وهي عصمة الدين ابنة معين الدين أنر وكانت في عصمة الملك العادل نور الدين ﵀ فلما توفى وخلفه السلطان بالشام في حفظ بلاد الإسلام تزوج بها في سنة اثنتين وسبعين وهي من أعف النساء ولها أمر نافذ ومعروف بأيدي المعروفين آخذ وجناب مايزال يلوذ ويعوذ به لائذ وهي في الدولة حاكمة ولها صدق وصدقات ورواتب للفقراء وإدرارات، وقد بنت للفقهاي والصوفية بدمشق مدرسة ورباط وذلك سوى وقوفها على معتقيها وعوارفها وأياديها وكان السلطان حينئذ بحران في بحر المرض وبحرانه فما أخبرناه بوفاتها خوفا على زايد علته ووقد غلته وهو يسدعى كل يوم درجا ويكتب إليها كتابا طويلا حتى سمع نعى (٢٢٥ ب) ناصر الدين محمد ابن شيركوه ابن عمه فنعيت إليه الخاتون وقد تعدى عنه إليهما المنون وكانت وفاة ناصر الدين بحمص في تاسع ذي الحجة من هذه السنة من غير مرض أشعر بها ولاعلة أضيف حكم الحمام إلى سببها فجأته المنية فجأة فوجدنا من القدر ببقاء السلطان إحسانا وبوفاة ناصر الدين إساءة وكادت مطالع الأنس تظلم اولا أننا استأفنا لها بالشفاء السلطاني لها إضاءة وكان ناصر الدين هذا إلي محسنا وبفضيلي معلنا ولي فيها مدايح وله عندي منايح وإن أوردتها طالع الكتاب وأول مامدحته بها في الأيام النورية سقاها الله كلمة منها. قد أذل الكفر قاهره ... وأعز الدين ناصره كم ساع في الزمان ... له كرمت منها عشايره وعلى دون الملوك له ... عقدت فيها محاصره وفي هذه السنة في جمادى الآخر توفي الأمير سعد الدين مسعود ابن أنر ونحن قد فتحنا ميافارقين ولقد كان من الأكارم الأكابر ولم أرى أحسن منه خلقا وأزكى عرقا ولم يزل في الدولتين النورية والصلاحية أميرا مقدما وعظيما مكرما ولسفور فضا يله ووفور فوا ضله رغب السلطان وهو زوج أخته أن يكون هو زوج أخته وواصله السعد تحقيقاً لنعته بالتي تزوج بها مظفر الدين كوكبرى بعده وجدد بها إسعاده وسعده. قال الفتح بن علي بن محمد الأصبهاني منتخب الكتاب وهذه الجهة المصومة بقية شعب الدوحة الأيوبية وهي الآن ساكنة بدمشق وقدمتها في سنة عشرين وستمائة والملك المعظم أبو الفتح عيسى بن السلطان الملك العادل هو القايم بشرايط تعظيم قدرها وتفخيم أمرها وهي التي توسطت بين السلطان وبين زوجها مظفر الدين في اتصال الملك الناصر أبي سليمان داود بن السلطان الملك المعظم حتى يميره من دمشق إلى إربل في رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة وهو الآن متملك تلك البلاد والمتكفل فيها بأموال العباد والله تعالى يبلغه تحت ظل أبيه غاية الطلب ونهية المراد. قال: ولم يزل سعد الدين لي متعصباً ولسعودي متقرباً ولقربه من السلطان يتحجب عنده في مطالبي وينوب عني في تقرير مراتبي. قال: وفي هذه السنة رد السلطان قلعتي الرها وحران إلى مظفر الدين كوكبري لتوفره في الخدمة على حفظ القوانين وظهر منه كلما حقق الاستظهار وأوجب لأمره الإمرار ورغب في مصاهرة السلطان وقلده وطوق الامتنان. وفي هذه السنة توفي عز الدين جاولي وهو أكبر الأمراء الأسدية ولم يزل في الجهاد يحسن بلاؤه ويصدق غنائه. ولما عدنا بعد فتح ميافارقين إلى الموصل طرقه البلاء وأوقعه القضاء وقفز لحصانه بعض السواقي فعثر به وأكسرت رجله ثم اشتد ألمه وطال سقمه وانتقل إلى دمشق وتوفي بها في أواخر هذه السنة أو في أول سنة اثنتين وثمانين.

стр. 131

وفي هذه السنة يوم الأربعاء ثامن رمضان قتل بآمد وزير قرا أرسلان وهو قوام الدين أبو محمد عبد الله بن سماقة قتله مماليك مخدومة غيلةً ومحلوا في مباغتته في الفنا حيلة. والسبب في ذلك أنه كان قد تمكن من الأمر وسكن إلى قوة نفسه وركن وكان أحد الأمراء الكبار المعروف بالصلاح فبلغ أنه تولى الأعراض وأنف من الوزير ولم يرض أن يتبعه وكلاهما مستشعر من صاحبه فتسبق الوزير إلى قبضه وحبسه واشتغل في التدبير بنفسه وتدانى أمسه وسيثق بقوم به يفتكون ولدمه يسفكون وكأنه تعلق بما في الغيب مكتوم وفي اللوح المحفوظ مكتوب محتوم فإنه وصل الخبر بقتله على ما تم من ختره وختله فإن جماعةً من المماليك المفردين تآمروا بينهم على الفتك بالوزير فجاء واحد إليه وهو جالس في ديوانه وإيوانه في الدست الأشير وعنده الأكابر والأماثل وهم ينتظرون الإذن على العادة فقال: الملك يدعوك وحدك يسألك عن حديث عندك فقام يسحب ذيل اختياله ولم يدر بما يستصحب من ويل اغتياله فدخل الدهليز وقد أغلقوا الباب الذي يصل فيه إلى الأمير وأغلقوا وراءه الباب الآخر لما تصوروه من التدبير فاغتالوا وفتكوا به وقتلوه ثم أخرجوا الصلاح من حبسه فلما تمكن قبض وسط وشرك أصحاب الوزير وقتل منهم من أدركه واستولى على كل ما ملكه ثم قتل أولئك القاتلين وكانوا به واثقين وعن مكره غافلين وبقي متولياً للدولة إلى أن أدرك الأمير رشده وإلى أن يبلغ أشده فاستبد بملكه وأخرجه من سلكه. وفي هذه السنة توفي الفقيه المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي بحمص وكان المدرس وكان علامة زمانه في علمه ونسيج وحده في نظمه وقد أوردت في صدر الكتاب ما يستدل به على فضله. ذكر العزم على الرحيل من حران قال: وكان السلطان قد كمل علاجه واشتد مزاجه وأراد أن يكون حركته بعد استكمال السكون واستيفاء الحظ من السهول قبل الحزون ولأنه في وسط الممالك وعلى جواز المسالك فتواترت في البلاد أخبار أبلاله وأنباء استبداده واستقلاله وكان عنده ولده الأعز الملك العزيز وأولاده الصغار الأعزة، والملك الظاهر بدمشق مقيم والأمر هناك مستقيم فلما ورد نعى الخاتون وناصر الدين وخلا شبله أسد الدين بعده في العرين وخيف على بلاده لصغر أولاده واحتج أيضاً إلى الاحتياط على ما في خزائنه واستخرج ما خلفه من ورثته من دفاينه. وكذلك الخاتون عصمة الدين خلفت أملاكاً وتراثاً وأوقافاً واسعةً وأثاثاً ولم يكن من الحركة بد ولم يكن إلا بحضور السلطان لتلك الخلات والاختلالات تسديد وسد. قال: وفي هذه السنة لما كنا على ميافارقين وقد فتحناها ورد للسلطان مثال شريف امامي ناصري بتفويض ولاية ماردين وحصن كيفا إليه تاريخه غرة جمادى الأول. قال: ودخلت سنة اثنتين وثمانين والسلطان ساير بعساكر مفاخر عساكره وخيم على شاطئ الفرات وقد مشط البؤس وصفا من الصحة العبوس، وودعنا مظفر الدين صاحب حران من الفرات مصحوباً بالقوة والثبات مشحوناً وفلك آماله بالمكرمات، ورحلنا صوب حلب والملك العادل سيف الدين سلطانها على المقدمة وقد هيأ لقدومنا أسباب التكرمة ونزلناها في العشر الأوسط من المحرم فألفيناها كما ألفناها بالعدل آهلةً ومن الفضل ناهلةً والخطوب عنها زاهلة والقلوب بحب الدولة عامرة والنفوس بنعمة ربها متحدثةً ذاكرةً. واحتفل الملك العادل بأخيه السلطان وحمل عنه وله وأظهر مجمل جميله ومفصله وقام بكل فرض وسنة في الخدمة وتقبله وما خلى أحد من خواصه إلا خولة ومولة. وأضافنى الصنيعة ابن النحال كاتب الملك العادل واستضاف معي قوماً وفيهم نجم الدين بن المجاور الوزير العزيزي وقد بعثتني على مصاحبتي إليه وده العزيزي. وكان سكن الضيعة من قلعة حلب في برج من أبراجها وكانفي ذلك مذعوراً معذوراً فإنه كان بالإحتراز من المخالطة مأموراً وكان قد نفق على مخدومه واختص بسره واطلع على مكنونه ومكتومه. وكان نصرانياً من القبط ثم اضطر إلى الإسلام بسبب امرأة هوى بها وعشقها وحظى بها ورضيها وما سلمت له إلا بالإسلام فأذن سعده في إسعادها بتمامه واستقر أمره على نظامه وأفضى به التوفيق إلى التمكين ولم يزل معه حتى انتهى عمره في سنة تسعين.

стр. 132

قال: ولما قضينا بحلب الأرب رتب الملك العادل فيها نوابه وأحكم أحكام الملك العادل وأسبابه، وصحب أخاه السلطان منفذاً لأوامره ومدبراً لعساكره اشفاقاً من تعب يلحقه وإرفاقاً به في نصب يرهقه كأنه كان في غب وعتكة ولا يؤمن من مضرة حركته، ووصلنا إلى حماه في مراحل طاب مراحها وأسفر بحمد مسراها صباحها وتلقانا النايب عن الملك المظفر تقي الدين بكل جمال وجميل وحسن وإحسان جلي جليل وتقي الدين حينئذ نايب السلطان في الديار المصرية وقد عول في حماه على نظر ناصر الدين منكورس بن ناصح الدين خمارتكين وفيه السماحة والحماسة والحجى الصحافة وكان تقي الدين منذ تولى حماه حصن قلعتها وعمق خندقها وأدام بعمارتها اشتهاره وبإرادة إدارتها استظهاره فلما ندبه السلطان للنيابة عنه في مصر سأله أن ينزل عن حمص فأبى فوافقه على مراده وأبقاه لما عرف من اجتهاده فسلمها إلى ناصر الدين منكورس وشكرته الرعية. وكانت بيني وبينه صداقة بصدق الاعتقاد معقودة. واتفق أن سرقت لي في طريقها إلى حمص ثلاثة جمال بمالها من عدة ورجال وكنت قد سلوتها وتمكن عندي فوتها، فجاءنا هذا الأمير بعد يومين بقطارين من الجمال المسروقة وقال: لما سرتم عرفت أن وراءكم لصوصاً فرتبت أصحابي في المواضع البعيدة من العمارة ليترصدوا أهل الذعارة فوجدوا هذه الجمال التي أحضروها فتأملتها فإذا هي جمالي نفسها فشكرت همته الكريمة على إحسانها ولم تزل الثغور لسداده مسدودة والرعايا بسياسته محروسة ورايات الكفر بنكاياته منكوسة. فصل قال: وهؤلاء الذين قرضتهم ووصفتهم تنكرت معرفتهم بعد الأيام السلطانية وهم صدقوني لصدق الحاجة فلما استغنوا عني حملوا معرفتي وأنكروا عارفتي وهذه شية أخلاء الدنيا في دين الإخلال وملة الملال واستحالة الحال. ذكر الوصول إلى حمص وتقرير أمر أسد الدين أبي الحرث شيركوه بن محمد بن شيركوه مكان أبيه

стр. 133

قال: كان قد وصل صاحب أسد الدين إلى الفرات لتقرير ما يجري له من الولايات فأمر السلطان بنظم منثوره وضم نشره وكتاب منشوره فأجرى عليه جميع ما كان لأبيه وجئنا بعد ذلك إلى حمص وأقمنا واستعرضنا خزاينه واستخرجنا دفاينه وقسمنا ميراثه. وكانت أخت السلطان الحسامية زوجة ناصر الدين وهي مستحقة للثمن والباقي بين البنت والابن وخلفت عيناً وورقاً ومجتمعاً ومفترقاً ومبلغ التراث في الملك والعين والأثاث أناف على ألف ألف دينار فما أهاره السلطان طرفة ولا أمتري خلفه بل تركه على أهل التركة وأبقاه برمته لهم وأسد الدين مع صغره وإن كان شهماً لبيباً وسهماً مصيباً احتاج إلى أمير أمين يتقدم على أصحابه ويتولى مصالح بابه فرتب أميراً من الأسدية يعرف بأرسلان بوغا فولاه وأرلاده ولم يزل مستقلاً بالولاية إلى أن تفرد الأمير بالأمر لسداده وبلغ في السن مدى رشاده ونعت بالملك المجاهد وفي نسخة منشورة: وأنعمنا عليه بكل ما كان لوالده ﵀ من البلاد والضياع والمعاقل والإقطاعات والولايات وقررناه عليه مستمراً على الدوام مصوناً من الأحداث معصومة سرايره المحصنة من الإنكاث وذلك حمص، سلمية، تدمر، وادي بني حصين، الرحبة، زلبية. واعتمد على الأمير الحاجب بدر الدين ابراهيم بن شروة الهكاري في ولاية قلعة حمص وما رأيت من الأكراد مثله ديناً ومروةً وكرماً وقوةً فأقام بها مدة حسنت فيها آثاره وشاعت بالخير أخباره إلى أن نقله السلطان إلى قلعة حلب فكان كما رغب ثم طلبه الملك العزيز في آخر عهد السلطان ورتبه في قوص. ولما فرغنا بحمص من إشغالها مرتبنا ولاة ولاياتها ونواب أعمالها عادنا هوى جلق وطيب هوائها وموافاة أندية أندائها ومعاودة جنا جناتها ومواعدة لذاة لذاتها فلما ترتبنا واستطبنا لها النشر والنشق قال لي السلطان: جرد القلم فأبد مشق دمشق واكتب إلى الأولياء وبشرهم بوصولنا فقد هبت لهم قبول إقبالنا باقبال قبولنا والحمد لله الذي أعادنا ورد إلينا برد البلاء بلادنا ولما شاع بدمشق خبر دنونا احتفل أهلها واجتمع بالمسار شملها وطلعت أعيانها ونبعت عيونها ووافت أكبارها وعونها وتطبقت على سنة الأمن بقدومنا جفونها وراقنا تلقي أود الأمل وملقى أخلاء العمل فاتفقت المتعشقة وسمعت الطليقة ودخلنا المدينة وزينة الدنيا خارجة وسكينة النعمى فارجة وكان الناس قد ساءهم خبر المرض فسرهم عيان السلامة وما ألذ الرجاء بعد الإبلاس والثراء بعد الإفلاس وانهم ظفروا في الإيحاش بالإيناس وامنوا بمشاهدة الأنوار السلطانية حنادس الوسواس واجتمع السلطان في القلعة بأهله واقلع الزمان عن جهله وشاهدنا الفضل والكرم بالمشاهدة الفاضلية وعدنا إلى السعادة القديمة واجتمع السلطان به فبثه أسراره وزاره مرة واستزاره ودخل جنته وجنى ثماره وراجعه في مصالح دولته واستشاره وعمل بما أشار به بعد أن شاء الله واستخاره وعاد الهوى وعدنا وزاد الحجى وزدنا ووفينا بما نذرنا وانجزنا ما وعدنا وأحيى السلطان سنتي السعاف والإنصاف وأجنى قطاف الألطاف وجلس في دار العدل لكشف المظالم وبث المكارم واحياء المعالم. ذكر ما استأفه السلطان من نقل الولايات

стр. 134

قال: وكان السلطان لملازمه أخيه العادل له ما قد مال إلى رأيه وغنى بغنائه ووثق بنفاذه في الأمور ومضائه وهو يشير عليه بما يتمكن في نفسه ويقترن بأنسه ويتصور في حدسه. وكان الملك الأفضل نور الدين علي بمصر وهو ولده الأكبر قد بدأ يظهر وقد مالت إليه بمصر جماعة وله منهم طاعة وربما نقم تقي الدين النائب هناك من واحد أمراً فوقعت فيه منه شفاعةً فكتب يشكو من اختلال أمره وأنه لا يسعه خلاف من استبد بحكمه ولا يمكنه أيضاً ما يقع من المصلحة برغمه في عزمه. وكان في نفس السلطان أن ينقل ولده الملك العزيز عثمان إلى مصر ليكون عزيزها وليحرز ملكها ويحوزها وهو مفكر في وجه تقريره وطريق تدبيره حتى بدا له نقل الأفضل بخطه بكل ما يستميله إلى بلاد الشام فإذا وصل نظر حينئذ في إتمام ما يؤثره من المرام فكتب من الأفضل بخطه يستميله٦ ويضمر بالنجح تأميله ويذكر له فرط اشتياقه وأنه لا افراق من ألم فراقه فليصل بجميع أهله وجماعته ووالدته وحشمه وأصحابه وسحره بمعاني الترغيب كتابه فلما قرأ كتاب والده وثق بنجاح مقاصده وأيقن بنجاز مواعده فودع مصر وداع القالي وأزمع عنها ازماع السالي واعتمد في الرحيل على أمر الله تعالى وسار بالهمم العوالي والأحوال الحوالي وجاء البشير بوصوله يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الأولى فأمرنا السلطان بتلقيه في خواصه وحشمة وحواشيه فركبنا سحرة هذا اليوم المبارك وخرج معنا الأمراء والولاة والقضاة وكان العوام والخواص، ودخل في زي موكب السلطان وجاء به وأنزله في القلعة في دار رضوانة ومكن مكانه وكتب إلى تقي الدين أنه قد ازلجت علته وشفيت في الاستبداد بمصر غلته فابتهج تقي الدين بتفرده وانتهج سر توحده ولم يدر أن الوهن بطرق إلى وثوقه أن الكساد يسوقه إلى سوقه وإن كان في ذمة ولد السلطان وعصمته وأن تمام حرمته بحرمته فلو استمسك به واعتصم بسببه وقال: لا ولاية لي في بلدك إلا بولاء ولدك وأنني في التربية كفيلة وفي التولية وكيله لصعب تحويله وما أمكن تبديله لكن قضاء الله ماض وقدره قاض. ذكر تسليم حلب إلى الظاهر قال: ولما دخلنا دمشق كان بها من أولاد السلطان غياث الدين غازي فزار عمه العادل وهو صهره وقد اشتد بمظاهرته ظهره فقال له قد نزلت عن حلب لك وخليت بها عطلك وأنا اقنع من أخي بإقطاع أين كان والزم الخدمة ولا أفارق السلطان وأطلبها من أبيك أن كانت ترضيك وجاء إلى السلطان فقال: هذه حلب مع رغبتي فيها أرى أن أحد أولادك بها أحق وملكها به أليق وولدنا الملك الظاهر أحب أنني بها أوثره وملك الدنيا فملك حلب له لا استكثره وأنا مع ملازمتي لخدمتك ومساهمتي في نعمتك لا يعوزني بلد وقال السلطان: مالنا الآن لها عوض ولا لنا فيما ذكرته غرض المهم الآن تدبير أمر ولدي العزيز فان مصر لا بد أن يكون لي بها ولد اعتمد عليه واسند ملكها إليه والصواب خروجنا إلى البلقاء ونخيم على الزرقاء ونرتب معه من يمضي إلى مصر من الأمراء. فرحنا ومعنا الملك العادل والعزيز والظاهر والأمراء والخواص وسرنا حتى خيمنا على الزرقاء وأرعبنا بقربنا مكن الثغور قلوب الأعداء (٢٢٧ب) وكان مضى أن الملك العادل قد زهد في حلب وطلبها الملك الظاهر والتمس عوضها بلاداً عينها ونواحي بمصر بينها وكان قد مال الملك العزيز إليه لإشفاقه عليه فسأل إياه أن يسير معه الملك العادل فانه نعم الكافي الكافل وحلف انه عن عمه غير عادل ومازالت الرسالات تترد والاقتراحات تتحدد حتى أعطاه السلطان بمصر البلاد المعروفة بالشرقية واعتمد عليه في ساير المماليك المصرية وسمع تقى الدين في مصر هذا الخبر فنبا ونفر وإذا تولى ابو بكر فلا عمر فعبر إلى الجيزة مظهراً انه يمضي إلى بلاد المغرب ليملكها وكتب إلى السلطان أن لا يمنعه من سلوك مسلكها وسمت همته إلى مملكة جديدة وأقاليم ذات ظلال مديدة وقد كان أحد مماليكه المعروف بقراقوش قد جمع من قبل الجيوش وسار إلى بلاد برقه وهدته الأمنية إلى النفايس في بلاد نفوسة ف فإدركها وتجاوز إلى أفريقية وهو يكتب إلى تقي الدين مالكه برغبته في تلك المملكة ويقول أن البلاد سايبه وعرايسها لكفوها منها خاطبة فلما تجدد ما تجدد عبر تقي الدين بعسكره وجنده ومالت إليه عساكر مصر لبذوله ومخالفة عدوله وقدم مملوكه يوازبه ليكون في المقدمة.

стр. 135

ولما انتهى إلى السلطان خبر عزمه قلق بتغربه وعلق بتقربه وقال لعمري أن فتح المغرب مهم لكن فتح البيت المقدس أهم والفايدة به أتم وإذا توجه تقى الدين واستصحب رجالنا المعروفة وأبطالنا الموصوفة ذهب العمر في اقتناء الرجال وإذا فتحنا القدس والساحل طوينا إلى تلك الممالك المواحل وعلم لجاج تقي الدين في ركوب اللجة واحتجاجه في سلوك تلك المحجة. قال: ولكننا نكتب إليه بالوصول ليشافهه بوصايا ويطلعه على خفايا وحينئذ يعزم ويصمم فإذا وصل إلينا شغلناه وإذا استقالتا عثره أقلناه فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه. ولما استقر أمر الملك العادل في المعيشة التي بها توحد الولاية المصرية التي بها تفرد استدعى نجاز أمر العزيز للسير معه فقرر السلطان لولده قوص وأعمالها ومرافقها وأموالها وأضاف إليه أجنادها ورجالها ورتب له رواتب ووظف له وظايف وعين له من خواصه حجاباً ومن ذوي استخلاصه أصحاباً ودون له ديوان وكتاباً، وودعه في العشر الأول من شعبان، وكان دخولهما إلى القاهرة في خامس رمضان. وأما الملك الظاهر فان السلطان سيره إلى حلب وانعم عليه بها وببلادها وساير قلاعها وأقاليمها وضياعها وأمر أمرائها يطاعته ومتبوعيها بتباعته، وندب معه شجاع الدين عيسى بن تلاشوا، ولم يزل الملك الظاهر من أيام صغره كبير القدر نسيج الدهر شديد التيقظ، سديد التحفظ بعيد المنال قريب النوال. وأما الملك المظفر تقي الدين فانه لما وصل كتاب عمه بالاستدعاء سارع إلى تلبية النداء، فجاء يغذ السايرين نداء وخلى بمصر أصحابه وأسبابه فوصل الخبر بوصوله في العشر الاخير من شعبان وخرجنا لتلقيه، وخيم السلطان على كنف المصري فوق قصر أم حكيم فلما قرب ركبنا إلى موكبه وقرت عينه بلقيا عمه وظفر من السعادة وما في قسمه ونسى ذكر المغرب لإنارة مشرق سعده فلم يرجع إلى ذلك الحديث من بعده، وخاطبه السلطان بكل ما عاد بانسه النافر والسلو عن أمسه القابل ودخل إلى دمشق في آخر شعبان فابصرنا على وجهه هلال رمضان وعاد إلى ما كان له من البلاد ومنبح والمعرة ثم أضاف إليه ميافارقين وجميع ما في ذلك الإقليم من المعاقل وخصه من ممالكه بالكرايم والغنايم وكتب إلى مصر باستدعاء رجاله وإعلامهم بتأخر عزم المغرب بل إبطاله فامتثلوا الأمر وفارقوا إلى الشام مصر سوى ملوكه زين الدين يوزبه فانه رتب له عسكراً إلى المغرب فأخذه مأسوراً ثم اغزاه مع الغز في ثغرة من الثغور فألفاه مشهوراً مشكوراً فقدمه على الغزية الغزاة ولهم بلاء حسن في تجمع الكفر ولا قدر للبغاث مع البزاة. ذكر مكرمة لتقي الدين قال: أجلسني عنده يوم قدومه بالمخيم على المصري يبثني أسراره ويذكر لي في الحسن والإحسان آثاره وأطال معي حديثه عتيقة (٢٢٨ أ) وحديثه فجاءني من سارني بخبر أزعج خاطري وذلك انه أخبرني احتراق دكان في جواري غلبت عليه النار حتى أشرقت بها الدار فسألني تقي الدين عن المبارك فقد كان العصر القديم وقوع لنار في القربان إمارة قبوله وعنوان حصوله فأثر هذا القول في أريحيته ونفذ إلى يوم وصول إلى دمشق مائتي دينار وقال رم بهذا ما تشعث من هدم أو نار ولم يكن العهد بعيد بإنفاذ رسمي من مصر ودنانير مصرية مائتين ولم يستكثر فيكون الضنين وكم له عندي من أياد مبتكرة وكان يسمع لي قصيدة إلا استأنف لها جايزة جديدة ومما مدحته به في هذه الدفعة قصيدة سينية تشتمل على مائة وأربعين بيتاً أنشدتها إياه في ثالث رمضان من هذه السنة ومطلعها: عفا الله عنكم من ذوي الشوق نفسوا ... فقد تلفت منا قلوب وأنفس أما لكم ببلواى سلوة ... ولا لكم إلا بهمي تأنس جرحتم فؤادي بل هدمتم تجلدي ... فهلا بعثتم طيفكم يتحسس لم أنس أنسى بالحمى سقى الحمى ... عيشة لي مجنى ومجلس ولي فيه من ثغر الحبيب وخده ... ومقلته راح وورد ونرجس طننتم إنها تألف الكرى ... فهلا بعثتم فؤادكم يتحسس ومنها في المدح: بتوقيعه تجرى المواهب بحراً ... فهل قلم في كفه أم قلمس وهل بظما الراجى مكارم ماجد ... عيون الندى من كفه يتحيس تشكى إليه الغرب جور ملوكه ... فأشكيته والجور بالعدل يعكس يستر بالنقع السماء كأنها بخو ... في فتاكم بالعجاج يترمس

стр. 136

شموس ظبي تغدوا لها الهام ... سجداً فلله نصرانية تتجمس وكم كفى الإسلام سوءاً بملككم ... كفيتم على رغم المعاذير كل سو إذا ما تقى الدين صال تساقطت ... لإقدامه من عصبة الشرك أرؤس بانمار شكري غرس نعماك مثمر ... وتزكوا ثمار الغرس أن طاب مغرس ذكر ظهور كذب المنجمين في شعبان هذه السنة قال: كان المنجمون في جميع البلاد يحكمون بخراب العالم في هذه السنة في شعبان عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في ساير البلدان وخوفوا بذلك من لا وثوق له باليقين ولا أحكام له في الدين من ملوك الأعاجم والروم وأشعروهم من تأثير النجوم فشرعا في حفر مغارا وتعميق بيوت في الأسراب وتوثيقها وسد منافسها على الريح وقطع طريقها ونقلوا أيها الماء والازواد وانتقلوا إليها وودعوا الطراف والتلاد وانتظروا الميعاد وكلما سمعنا بخبارهم ضحكنا من عقولهم الواهية العقود وسلطاننا يسخف آراء أولئك الملوك وكيف خص الله بصايرهم بالإظلام والحكوك فلما كانت الليلة التي عينها المنجمون لمثل ريح عاد ونحن جلوس عند السلطان في فضاء واسع وناد للشموع الزاهرات جامع وما يتحرك لنا نسيم ولا يسرح للهوا في رعى مناقب الأنوار مسيم فذاكرنا ما ذكره المنجمون وشرعنا في رواية أحاديث الرسول وذكر ما يدل على بطلان أقاويلهم من المنقول والمعقول فما رأينا ليلة مثلها في ركودها وركونها وهدوها وهدوئها. ذكر الحوادث في هذه السنة قد سبق ذكر أتابك شمس الدين محمد بن أتابك ايلدكز المعروف ببهلوان وعساكرهم وانهم وصلوا إلى قرب خلاط عام أول في جمادى الآخرة (٢٢٨ب) ونحن على ميافارقين فلما انصرفنا انصرف وتصرف بهلوان وجرى بما قدره الله الحدثان ومرض مرضاً أعيى الأطباء دواؤه وأعضله داؤه وآيسه عن الصحة أطباؤه وانقطع رجاؤه من الثرا إلى الثرا ومن البراءة إلى السرا وجاءنا نعيه في أول سنة اثنتين وثمانين فما ندري أكانت وفاته في هذه السنة أم قبلها وكانت حياته متصلة للجد والجدى إلى أن جذ القدر حبلها واضطربت م بعده تلك الممالك وتطرقت إلى البلاد من بلائها المهالك وأحربت أصفهان والى اليوم من سنة أربع وتسعين ما وضعت أوزارها وما ببالي أزور عنها من استولى بها أوزارها. قال الفتح علي بن محمد الأصفهاني مختصر الكتاب والى اليوم من سنة اثنتين وعشرين وستماية الحروب في اصفهان قايمة على ساقها وافتن مميحة فيها على سكانها بأوراقها والله تعالى يفرج عن أهلها ويبدل حزن أحوالها بسهلها. قال: وتولى بعد بهلوان أخوه قزا أرسلان فازال مهابة الملك السلجوقي وسلك بالسعيد الشقي إلى أن تضع السلك وطمعت خراسان في العراق وعدمت الأفاقة من الآفاق. عاد الحديث: قال: واتصلت المواصلة بننا وبين المواصلة واستمرت المراسلات بالصلات وفقدت الحقود في الحقوق وجاء البر من العقوق وأعد السلطان لاتابك الموصل هدايا وتحفاً ومستعملات مصرية وثياباً وحصوناً وحجوراً عراباً وطيباً أهداه أخوه سيف السلام من اليمن وكذلك لوالدة الاتابك وصاحبته ولابنة نور الدين ﵀ عليه ولأترابهن ما يليق بهن من البدلات الثمينات والمفاخر الذهبيات وقلايد العنبر الأشهب ونفايس الملبس المذهب. وأعد لمجاهد الدين قايماز مدبر ملكهم ما يعز نظيره من الخلع النضارية والهدايا الكثيرة والمركوب العرب وقوم ما سيره إليهم بما يربي على عشرة آلاف دينار سوى الخيل والطيب والشيء البديع الغريب ورخص وضر ما نزع به الشيطان ورفع الشنان وارتفع الشأن واستظهر بمظاهرتهم السلطان. ذكر جمال الدين محاسن بن محمد المعروف بابن العجمي ووصوله إلى الخدمة السلطانية

стр. 137

قال: قد أجريت حديثه لما نزلنا على الموصل في النوبة الأولى وانه المتردد في لرسالة وانه ذو رأي وبصيرة وفضل وفطنة وهو أمين الأمير مجاهد الدين قايماز وحاجبه ومهديه التي تتضح بسنا رأيه مذاهبه. وفي تلك الدفعة عند حضور شيخ الشيوخ على الموصل في لشفاعة يخرج كل يوم هذا محاسن بحديث ويحضر وهو عاد في ذي مستعد مستغيث حتى بردت تلك الحرارة بطبه وفلت عن الموصل حدود بأسنا بحده وعزمه، ولما رحلنا عنهم تلك الكره وفتحنا بلادهم بالخابور وسنجار واشتغلنا بحصار آمد في اوايل سنة تسع وسبعين وجئنا إلى حلب وحلبنا درها ونظمنا في سلك الفتوح أمرها جاءنا الخبر بدمشق أن أتابك الموصل قبض على مجاهد الدين وحبسه وأخفى موضعه الذي فيه أجلسه وكان من قبل اعتقاله له قد توجه الحاجب محاسن إلينا بإرساله فعلم بحاله وكان قد قرب من حلب فأبعد عنه ممن وراءه الطلب وكتب إلى السلطان وأمره بالوصول وأعطاه حتى أغناه وحقق له من الإقطاع والاصطناع كل ما اقترحه وتمناه ثم استخلصه لنفسه واستخلصه لأنسه وأنساه بجوده الموصل والاتابك وقال الحمد لله الذي آتى بك وهو من جميل دأبه وحسن آدابه كل يوم في زيادة وحسن وسعادة دين ودنيا. وكان يعتمد عليه في المهام العظايم وأرسله مرات إلى قزا أرسلان والى السلطان السلجقي بهمدان وأما مجاهد الدين فانه طال اعتقاله اشهراً وآيس صديقه لما لم ير له مظهراً ثم رأى صاحب الموصل بعد حين انه من أمر مملكته في تهويم وتهوين واستيقظ وإذا أموره بسواه مختلة وعقوده منحلة فعرف وانف واستدرك ما فرط وكان مجاهد الدين عنده مكرماً ولم يزل له مستشيراً معظماً فأخرجه يوماً بعد اليأس منه إلى مرتبته وسر السلطان بما سمعه من خلاصه فانه لم يزل من مريدي الخير وخواصه ولما نزلنا في المرة الثانية في سنة إحدى وثمانين على الموصل صحبنا جمال الدين محاسن من جملة خواصه الأمراء ومن المعدودين في المشاورات والآراء واقطعه من أعمالها باوشنايا وانفصلت بتوصله وتوسله هناك القضايا ولما صالحناهم اعتمدوا على محاسن في حفظ مصالح الجانبين فاستقرت الألفة وكفايته (٢٢٩أ) طوارق الفساد وتخيروا في النصرة الناصرية على ما سيأتي شرحه إلى الجهاد ونقل جمال الدين محاسن أهله وولده إلى الشام ووفرت حظوظه من الإكرام والإنعام. قال: وكان مجاهد الدين قايماز في أيام الملك العادل نور الدين محمود ابن زنكي ﵀ وهو يتولى اربل يتوفر على مصالحي ويؤثر مناجحي زلما جاءت الدولة الصلاحية وانتقل هو إلى الموصل جرى معي على إحياء تلك المعرفة فلما تنفس صبح الصلح حررت عهداً عمرت به معاهد الأحرار واسوت بإبراء إساءة كلمي كلم الأبرار وقصدت التحقيق وأحكمت المواثيق وقضيت حق الكلم فقضوا حق الكرم وأنفذوا إلى بغلة مسرجة ومائتي دينار وثلاثين ثوباً من مقدمات أنواع الوشى. ولما أقمنا بدمشق سنة اثنتين وثمانين أنفذوا على يد جمال الدين محاسن ذلك الرسم بل أضعفوا فان مجاهد الدين تقرب من خاصة بما أحرزته قصب السبق وأبقى إلى انقضاء بقاء السلطان صداقه الصدق، قال: واشتغل السلطان في بقية سنة اثنتين وثمانين في استقراره بدمشق ومقامه إشفاقاً لنكس سقامه في بعض أيامه بالصيد والقنص فكان يركب إلى تل راهط بالبزاة والشواهين مع مماليكه الخواص الميامين وله شاهين يجري كأنه بحر، وإذا حلق فشرار، وإذا أحرق فجمر فكلى المدار ملكي المطار شهاب ثاقب في الديجور عذاب واصب على الطيور وكم صاد ليوسف يعقوباً وعقر في إنجاز وعد صيده عرقوباً ولما رأيت للسلطان هذا الجارح غبطته عليه وطلبته إليه وقلت له هب لي هذا الشاهين فتعجب من سؤالي المستغرب فقال أنت للقلم والدواوين والحجج والبراهين فمالك وللبزاة والشواهين فقلت: يكون في ملكي وكل ما يقتنصه يأمر لي به المولى وهذا أربح لي وانفع وأولى. فقال: نعم وهبته لك ولما أصبح وعاد من القنص سيرلي سبعة عشر قطعة من طير ماء حجل وقال: سنين والسلطان يصطاد به ولى قنصه فمازال لى على هذا الحق محافظاً ولهذه النكتة ملاحظاً إلى أن ولى أن أودى الجارح في الله دره من سلطان خاطره بهم الممالك مشغول وعلى قلبه عبء الدنيا والآخرة محمول ولا ينسى ذكر هذه القضية التي أعاد مزاجها جداً والشدة لى حقاً معيداً فدون حقه على مثله انه يوسف ومن حقنا بعده أن نتلوا: "يا أسفي على يوسف".

стр. 138

ذكر ما انعم به في شهر رمضان من هذه السنة قال: لما دخل شهر الصيام نوع أقسام الأنعام وأصل وفرع وأعرب وأبدع وأتفق أن بعض التجار كانت بضاعته بياقير رفيعة مالها نفاق ولا له في إخراجها ارتفاق فحملها إلى الخزانة السلطانية وهي أكثر من مائة قطعة فقال خذوها واكتبوا أثمانها إلى مصر. فاشتريت منه وكتبت له بذلك توقيع على ما في مصر من المال الحاضر وكان من كرم شيم السلطان إذا عرف في خزانته موجوداً انه لا يستطيب تلك الليلة حتى يفرقه جودا فقال لي قد اجتمعت لنا بياقير وعمايم فقد تقاضتني نفسي بجعلها على أهل الفضل والمكارم فنبدأ بأهل الدين والتقوى ونجعل لهم أوفر خط من الجدوى وكان في الوافدين ومن اهل البلد وعاظ وعلماء وحفاظ فيكون كل يوم بكرة نوبة لمن يتكلم على المنبر ثم يخلع عليهم وعلى القراء ويفضل بعدهم على الشعراء فاشتغل مدة أسبوعين بالمواعظ وسماعها وضع المنبر في ايوان القلعة للناس واجتماعها ولما فرغ الزعاظ من شغلهم وأتوا بظلهم ووريفهم قلت: قد قضينا حق الوعاظ وبقى حق الفقهاء وهم العارفون بأداة الشرع ناقلون حكم الأصل والفرع ولابد من إحضارهم في الأيام الباقية من هذا الشهر وسماع مناظرة أئمة العصر فقال: أنهم يقضي بهم الخلاف إلى التشاحن والتضاغن فقلت: أنا أضمنهم ولا أحضر إلا أوقرهم وأوزنهم فقال: أنت تتعصب لهم لأجل إجلالهم لا يمهلهم ولا تغفل عنهم فحضر أول يوم في ذلك المحفل جماعة أكابر من مشايخ أهل أفضل فجرت مناظرة مفيدة ومباحثة مبدية للفضل معيدة فأول من أشار إليه السلطان بالاستدلال من هو منظور بعين الاستقلال وهو مدرس الحنيفية في المدرسة النورية برهان الدين مسعود فتأبى وتنكب وخاف أن يعرض عليه من لا يباريه في نظاره ولا يجاريه في مضماره فقلت له أبدر إلى الميدان منطلق العنان فما يقوم برهان إلا بالبرهان فقال: أن كنت تعرض فأنا بحكمك افترض فأجبته إلى مراده وأمنيته أن يجاريه سواي في ميدانه (٢٢٩ب) وبجلته بان أكون في أقرانه فشرع إلى الدليل وقضى حق السايل في السؤال والجواب ثم نص السلطان علي في الاعتراض فباشرت إبكار أفكاري بالاقتضاض ونفيت العلة وشفيت الغلة وحللت الأشكال وأعدلت ما مال وبنيت فيه الاختلال. وكان تمسكه بحديث ثم شرع في إثبات الحكم بالقياس فألزمته الانتقال فشرع فقي الجواب واحسن بما أمكن وتعوض النادي وسال بالفوايد الوادى. كان في اليوم الثاني محفل أحفل واستدل فيه أكبر مشايخ الحنفية بدر الدين عسكر واعترض عليه من أصحابنا القاضي محي الدين بن الزكى ففاض الفضل ودر الحفل، وكان السلطان يجلس كل يوم لطايفه ويجدد ذكر كل تالدة بطارفه فلما دنا العيد وقرب من الأمل البعيد أمر بإثبات ما يخص بالخلع فكانة أكثر من مائتين وخرجوا عن عدة المعينين فأمر بابتياع العمايم وإحياء سنة المكارم ونقل جميع ما في الأسواق إلى الخزانة للإنفاق وكنت قد أخذت رسم التشريف في أول شهر رمضان فسحبت في العيد بالدخول في زمرة العلماء بالخلع المستجدة الأردان وكان قد اجتمع الوفود والرسل من الأطراف فدخلوا في عموم الإسعاف بخصوص الألطاف. قال: وفي هذه السنة بنيت داري بدمشق مقابل القلعة وكان السلطان لا يكاد يقيم في بلدة ولا يستقيم على أحد ينتقل في البلاد أما للجهاد وإما للاستكبار من الممالك وإخراج الملوك إلى الانقياد فلما أقام في هذه السنة سنة اثنتين وثمانين بدمشق للاستراحة كان يستدعيني ليلاً ونهاراً ويستكفيني في المهمات والملمات سرا وجهارا فبنيت داري للقلعة مجاورة ليقرب طريق قصده وأدخل داري إذا خرجت من عنده فهي الآن مربعي ومناخي وبه أفراحخي وهي حقه دري وحقه دري وبيت عطاردي ونظم أو أنسى وشواردى. ذكر ما تجدد من الخلف بين الفرنج

стр. 139

قال: كان قومص طرابلس ريمند بن بيمند الصنجلي تزوج بالقومصية صاحبة طبرية وجعل بها لأجلها سكناه وقصر على تملك الفرنج مناه فان الملك المجذوم لما هلك اصى لابن أخته وهو الذي بعده ملك ولأجل صغره كفله القومص وهو على تربيته يحرص وبثوب الاستبداد يقمص وهو بالقوة والرأي مسلسل ويزعم انه بالأمر مستقل فهلك الصغير وبطل عليه التدبير فان الملك انقل إلى أمه وبطل ما كان في زعم القومص وزعمه فوقعت عينها على أحد المقدمين العرب فاستخلصته للقرب وأنكحته نفسها وبدت لسهمه قوسها ومكنته من مزرعتها لسقيها وحرثها وأدنته من خلوتها لإدناء خلخالها من رعاتها وقالت: أن الفرنج ذكورها أقوم بالملك من إناثها ثم جمعت المقدمين والبارونية والاسبتار والداوية وقالت: هذا زوجي قد نقلت إليه ملكي وعقدت به مسلكي فوضعوا على رأسه التاج فزجر بحره وعب وماج فسقط القومص في يده وخرج من جلد جلده وعمى عليه واضح جدده وطولب بحساب ما تولاه فنفر منه وأباه وناداه الملك وما لباه وادعى أن ذلك الفقه في الملك الصغير والذي رباه ثم حل حباه وسل ظباه واختزل واعتزل ومن ذورة العتو ما نزل ولاذ بسلطاننا وأنفذ رسله ببذل الاستطاعة في الطاعة والجري على حكم التباعة وأنه وإن دعى أجاب وإن رعى أهاب فأعجب السلطان قوله وقالوا ربما كان هذا ختلاً وختراً وخداعاً ومكراً فقال: أليس قد وقع بين الكفر اليأس وحمل لهم من إصلاحه البأس فيجري به مجرى المؤلفة القلوب وكان الأمر على ما تفرسه والعقبى الحميدة على ما جد منه فان ذلك كان من أسباب وهن الكفر ومنزل نص النصر، وكان في الأسر خيالة من أًحاب القومص قد قررت عليهم قطايع ثقيلة فأجاب سؤاله في المن والإطلاق وأخرجهم إلى عز السراح من ذل الاسترقاق حتى كاد القومص لولا خوف أهل ملته يسلم وصار بدولة السلطان وملكه يقيم ومال إليه من الفرنج جماعة وظهرت له منهم للطاغية وأمن الثغر وسكن الدهر ودخلت جانبهم إلى بلادهم السبايا وخرجت الغنائم والسنايا وللقومص قوم صدق يساعدونه في كل باطل وحق فغل بهم أهل الساحل وبلوا منه بالشغل الشاغل. (٢٣٠أ) ذكر غدر ابرنس الكرك قال: كان هذا الابرنس أرناط أغدر الفرنجية وأخبثها وأفحصها عن الردى وأبحثها وأنقضها للمواثيق المحكمة وأنكثها وهو على طريق الحجاز ومن نهج الحاج على المجاز. وكنا في كل سنة نغزوه وبالبوايق نعزوه وقد ألجأنا إلى مضايق المضايقة والإضاقة فأظهر أنه في الهدنة والهدوء شديد الفاقة فتعرض للتضرع وجنح للسلم وأخذ الأمان لبلده وأهله وبقى الأمن شاملاً والقفل من مصر في طريق بلده متواصلاً وهو يمكس الجاي والذاهب ويحيى من الضروب والضرايب وينكب النواكب حتى لاحت له فرصة في الغدر فانتهزها وقطع الطريق وأخاف السبيل ووقع على قافلة ثقيلة ونعمة جليلة فاجتاحها واستباحها وكان معها من الأجناد فأوقعهم في الشرك وحملهم ال الكرك فأرسلنا إليه وذممنا فعاله وقبحنا احتياله فأبى إلا الإضرار والإصرار وأضرم الشرار وأضرى الشرار فنذر السلطان دمه فأظفره الله به يوم حطين فقدمه ووفى في إراقة دمه بما التزمه. وأقام السلطان بقية سنة اثنتين وثمانين بدمشق وقد شغل الفرنج بعضهم ببعض وعسكر الجهاد في العرض ونحن بين عداد الأعداد واستمداد الإمداد في إقامة سنة وأداء الفرض. قال الفتح بن علي الأصفهاني مختصر الكتاب: قد أورد الصدر السعيد عماد الدين ﵀ ههنا رسايل لفضلاء العصر مبينة على حروف معينة أكثرها وإن اشتملت على الألفاظ البارعة والمعاني البديعة لا تخلو من نكلف تمجه الأسماع وتعسف تنبو عنه الطباع فتركناها وأضربنا عن ذكرها صفحاً وطوينا دون وصفها كشحاً وساكنا طريق الاختصار وأعزناها جانب الازورار واختصرنا على إيراد هذه ابتداءات الفاضلية بين كتبه الجليلة الجلية فمنها:

стр. 140

وقفت على كتابه الذي توالت فيه سجعا الصاد ولسيدنا فخر كل من ينطق بها كما قال أبو الطيب وتناسقت محاسنها تناسق قطرات السحاب الصيب وهو يتناول الألفاظ والمعاني من مكان قريب وإن مد باعه فمن سحاب وإن اغترف فمن قلب والله لا يخلي الأنفس من أنفاسه المستطابة والدولة من آرائه المستصابة. أخرى سلام له من صاحب وأهلاً بكتابه ومتى نقول أهلاً بالكاتب وفداه من يعرفه وإن أبوا فأنا والطالب الغالب وسبحان من خصه بمعجزة بنوته فسيح القلم بين أصابعه وتفجرت الحم من ينابعه وجعله إماماً ومن الذي لا يفخر بأن توسم تتابعه. أخرى: أدام الله توفيقه والتوفيق به وصرف عنه كل مكروه من صروف الدهر ونوبه ولا أخلى المملكة من كريم مرتبته وشريف منصبه ولا زالت مسرات الخلق مضمونة على رسله وكتبه وعين الله كالية له في منصرفه ومنقلبه. أخرى: أحظى الكتب أدام الله سعادة الحضرة العاليةوأحضر التوفيق لمقاصدها وأعلن اللسان على فروض محامدها والقلب على شجون تباعده وأجراها على جميل عوايده لديها كما يجري الأصدقاء على أحسن عوايدها وفسح في مدتها ومدة محييها حتى تستدركوا فوايت فوايدها عند عبدها وأدعها إلى تملك رق الحر من شكره وأولى المطلة فإن تحت المحظور من نشعره سكره ما كان قريب العهد بمواطر خواطرها مذكراً بأيام الربيع من لقائها التي فيها ذكرى لذواكرها فلذلك لا يقرأ منها حرفاً إلا قرأناه من الثقيل ولا يبين منه صدرا إلا قال أن من البيان لسحرا وهي أدام الله نعمتها إذا أرسلت نسها على السجية أتت بالمطبوع التي تقصر عنه الطباع ف إذا جاءت بالأمور المهمة أتت بالمصنوع الذي يملأ الأسماع فلها الفضلان مسترسلة ومختزلة والصوابان مرية ومرتجلة والأحسانان متأنية ومستعجلة كيف ما شاءت جاءت وكيف ما أرادت وفي أي حلة برزت قال ﵀. ودخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهي السنة الحسنة المحسنة والزمان الذي تقضت على انتظار إحسانه الأزمنة وطهر فيه المكان المقدس الذي سلمت بسلامة الأمكنة وخلصت بمنحة الله من المحنة الأرض المقدسة الممتحنة ونصرت الدولة الناصرية وخذلت الملة النصرانية وتميز الطيب من الخبيث وانتقم التوحيد من التثليث وشاع في الدنيا بمحاسن الأيام الصلاحية حسن الأحاديث. (٢٣٠ب) قال: وقد وصفت في الكتاب المرسوم بالفتح القدسي الأحوال ووسعت ووشعت الأقوال وحليت التوح وأثببت الشروح وأنا أورد في الكتاب مما أوردته جملته الجميلة الجليلة. ذكر مقدمة لذلك مباركة قال: كان السلطان قدم الكتب لاستقدام الكتايب وقرب جانبه لأجانب والأقارب وواصل الموصل وسنجار ونصيبين وآمد وديار بكر من البر بالإمداد بعد الإمداد واستدعى لذلك ممالك الشام من الأطراف والأوساط وأمرهم بالاحتياط وبرز من دمشق يوم السبت أول المحرم في العسكر العرمرم والعزم المصمم ومضى بأهل الجنة لجهاد أهل جهنم فلما وصل إلى رأس الماء وجعلها محط مضارب سرادقه ومجرى صوانعه ومجرى سوابقه وأمر ولده الملك الأفضل نور الدين عليا بالإقامة هناك ليستدنى إليه الأمراء الواصلين والأملاك وسار السلطان إلى بصرى وخيم على قصر السلامة وقد استقبل من الله الكرامة والاستقامة. ذكر سبب ذلك

стр. 141

وقد سبق ذكر غدر ابرنس الكرك وهو على طريق العسكر المصري والحاج وكان في الحج حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين ووالدته أخت السلطان وجماعة من الخواص وأقام إلى تلقي الحجيج وذلك في آخر صفر ثم لما فرغ باله حم إلى الكرك استلاله وتقدم بمن معه من العساكر حتى نزل على حصنها فأقمنا هناك حتى أجتث أصولها وفروعها وأستأصل كرومها وزروعها. ووصل العسكر المصري يقوى الاستظهار، وأقمنا على الحالة الحالية والجلالة الجالية، وأما الملك الأفضل فإنه اجتمعت عنده الجنود من كل فريق وأتوه من كل فج عميق وضاق بوفودهم الفضاء وفاض بوفورهم الفضاء انقضى من السنة شهران وطال بهم انتظار السلطان فرأى الملك الأفضل أن يشغلهم بغزوة يعودون منها بحظوة فانهض منهم سرية ورتب على خيل الجزيرة وما جاء من الشرق وديار بكر مظفر الدين كوكبرى صاحب حران وعلى عسكر حلب والبلاد الشامية بدر الدن دلدرم ابن ياوق وعلى عسكر دمشق وبلادها صارم الدين قايماز فأسرجوا الخيل وأدلجوا الليل وصبحوا صفورية في أواخر صفر وصباح النصر قد أسفر، وخرج إليهم افرنج في الدواية والاسبتار والبارونية والدركبولية ووثبوا في وثبات الأساد وحملوا في ثبات الأطواد فلولا أن الله أصحب أصحابنا التوفيق لكاد الكفر ينجو والإسلام لا يدرك ما يرجوا لكن أمراءنا الكرام استطابوا الحمام فلاقوهم بقلوب الصخور وهبوب الصقور وفازوا وظفروا وقتلوا وأروا وهلك مقدم الاسبتار وحصل جماعة من فرسانهم في قبضة الإسار فعادوا سالمين غالبين غانمين وكانت تلك النوبة باكورة البركات ومقدمة ما بعدها من ميامين الحركات وجاءتنا البشرى ونحن في نواحي الكرم فلما قرأنا الكتب عدنا واجتمعنا بالعساكر وانتظم شمل الأوايل والأواخر وخيمنا على عشترا وقد ص بخيل الله الوهاد والذرى وأشتمل المعسكر على فراسخ عرضا وطولا وملأنا الملأ حزنا وسهولا وعرض العسكر في اثني عشر ألف مدجج ولما أنقضى العرض وأقتضى الفرض وسالت بأفلاك السماء الأرض كان السلطان قبل رحيله بيوم أركب العسكر بعدته ورتبه أطلابا وحزبه أحزابا وعين رجال القلب ومن يف بالقلب والميمنة وحماتها والميسرة وكماتها والجناحين وقوادمها من ذوي الأقدام والمقدمة والساقة على سنن النظام وعين مواقف الرجال ومواضع الأبطال وعين الجاليشية من كل طلب بأسمائها ورماة أحداقها وحداق رماتها وقرر هيأتهم في الركوب والنزول وسار يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخرة بالعساكر وسارت على تعبيتها وترتيبها وأناخت ليلة السبت على صفين والكفر مخسوف والشرك مكسوف ونسيم النصر من تربها مسوف وباتوا تلك الليلة فلما بكروا ركبوا وقد أخذ بحرهم في الإلتجاج وبرهم في الارتجاج ونزلوا بثغر الإقحوانة وضربت الخيام وزهى الإسلام وأمكن من الكفر الانتقام وأقام السلطان هناك خمسة أيام إلى يوم الخميس ثم صممنا على الإقدام وسلب لبس السلامة من ملابس (٢٣١أ) عداوة الإسلام.

стр. 142

وأما الفرنج فإنهم لما سمعوا باجتماع كلمة الإسلام ووصول أمداد العساكر المصرية والجزرية إلى الشام فزعوا وشرعوا ف إصلاح ذات بينهم ورجعوا عن التغاير والتنافس وقالوا نحن أنصار الطرسة وأصلاب الملة الصليبية وآثروا صلح القومص ووصلوا على مرادو مطالع أمانيه بالخلص وتزاوروا وتوافدوا وحشدوا وحشروا وجمعوا عنده الناسوت واللاهوت ورفعوا صليب الصلبوت وأصحروا بصحراء صفورية وطما سيل خيلهم على الوهاد والربى ودب راجلهم كرجل الدبا واجتابوا سوابغ واجتنبوا سوابق والمعوا البوارق واسمعوا الصواعق وشبوا نار الفرق وأشابوا المفارق وما زال السلطان مستخيرا ولا عوانه مستشيرا فأشار الأمراء ذووا الآراء بالصدود عن اللقاء والمحافظة على زمار الإسلام وصون الدماء، وقالوا لم يسبقك أحد إلى مضايقة القوم فلا تعركم عقال المعركة ولا تلق بأيديهم إلى التهلكة وهذه بلادهم قد خلت منهم فتشتغل بالإغارة على بلادهم الخالية ونقدهم بأقدامنا عطل أحوالها الحالية. فقال السلطان: الأيام غير مأمونة والأعمار غير مضمونة الجهاد قد تعين فرضه ولا بد لي من اللقاء وقد قال أصدق القائلين: (ولينصر الله من ينصره) فقالوا خصك الله بهذه الفضيلة ونجح الوسيلة وحيث استرخت الله في الإقدام فأنا نبذل المهج بين يديك للإسلام فلما أصبح يوم الخميس سار عنان الحوض عنان الجواد المطلق ولاح سنا الموت الأحمر في السنان الأعرق وأشرف على الفرنج في معسكرها العسكر وقام المحشر وماح البيض والسفور وارتفعت الأصوات بقول الله أكبر فلو برزوا للحصاف لطالت عليهم يد الانتصاف لكنهم ربضوا وما نبضوا وهدءوا وما نفضوا فلما عرف السلطان أنهم لا يبرحون من قرب صفورية أمر أمراءه أن يقيموا على مقابلتهم وقدموا على عزم مقابلتهم ونزل هو في خواصه العشية على مدينة طبرية وعلم أنهم إذا علموا بنزولنا ثاروا للوصول إليها فحينئذ نتمكن من قتالهم ونجهد في استئصالهم فحضر طبرية وجمع العساكر على أحد أبراجها فوقع ذلك البرج وانهزم عنه الفرنج ونصبت عليهم سلاليم الإسلام ودخلوها في جنح الظلام واستضاءوا بما أعلوا من الغرام وعادت ليلة معدودة من الأيام ووقعت النار في مخازن كبار واهراء الأغلال وبقيت الدور فارغة شاغرة وأفواه الأطماع إلى أزواد ما يحويه فاغرة وتحصنت القومصة ست طبرية في قلعتها ومعها بنوها وحموها بسيوفهم وعصموها ووقع الاشتغال بحصارها ونقب جدارها وقصم سورها فجاء من أخبر بأن الفرنج قد ركبوا وارتكبوا وجاءوا في ليل القتام مداجين وغلى حرب التوحيد بحرب التثليث مخرجين فلما سمع السلطان بحركتهم أيقن بهلكتهم وقال: الحمد لله الذي أنجز وعده وأيد جنده ونهض بجباله إلى جبالهم وار لقتالهم وضيق عليهم سعة مجالهم ووقف بصفوفه أمامهم وقد الحر واستشرى الشر وللصدى شعل ولأولئك الكلاب بين الله لهب وفي ظنهم أنهم يردون الماء ويردون الدماء فخلاتهم الحالة الحالية وعالتهم العلة العايلة وذلك في يوم الجمعة ووراء عسكرنا بحيرة طبرية والورد عد ومأمنه بعد ود قطعت على الفتوح طريق الورود وبلوا من العطش (بالنار ذات الوقود) فوقفوا صابرين مصابرين على ضرواتهم وشربوا ما في أدواتهم وشفهوا ما حولهم من المصانع واستنزلوا حتى الماء المدامع، ودخل الليل وسكر السيل وماتوا بظماء برح وقدوا أنفسهم على الشدة واستعدوا بالعزايم المحتدية وسهر السلطان تلك الليلة حتى عين الجاليشية من كل طلب بأسماء رجالها ملأ كتايبها وكان ما فرقه من النساب أربعمائة حمل ووقف سبعين جمارة في حموة الملتقى يأخذ منها من خت جعابه ورغ نشابه من تعالق يفتح من باب الموت والمغلقوتواضيح لخراق المضاعف الفسيح وناوكات ذوات نكايات وزياريات وزنبزركات. ذكر يوم حطين وهو السبت الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر

стр. 143

قال: وأصبح الجيش على تعبيته النصر على وبرز رجال الجاليش وارتجزت دعاء التحريض والتحريش وقامت (٢٣١ب) الجرب على ساقها ووفت بميثاقها، والفرنج متكاثر العدد متكاثفة العدد آخذة طريق البحيرة بطوارق الحيرة قد أحاط رجلها بخيلها جارية إلى القرار بسيلها فاعترهم سدنا واعتراها صدنا فعرفوا أنه لا سبيل إلى الحياة إلا بسلوك نهج الموت وأنه لا مطمع في اللقاء إلا باستحلاء طعم الفوت والسلطان وقف قلبه ووقف على الوثوق بنصر الله قلبه وهو يمضي بنفسه على الصفوف ويحضهم على حظهم من الفتوح والحتوف وكان له مملوكا اسمه منكورس من شموس الترك قد كمل الله تعالى له حسن الخلق والخلق وصله في الفروسية وهو راكب أمام العسكر وأراد أن يكون له فضيلة السبق في الإقدام فوثب بحصانه وثوب الضرغام وحمل حملة جرى فيها عنانه وشكر لها إحسانه وظن أنه يوافقه في الركضة أعوانه فجذبه لقوة رأسه حصانه وخلاه خلانه فلما رآه الفرنج وحيدا ووجدوا المدد عن نصرته بعيدا رجعوا إليه ورموه عن ظهر حصانه وأحاطوا به في مكانه فأثتت في مستنقع الموت رجله وقاتل إلى أن بلغوا قتله فلما أخذوا رأسه ظنوا أنه بعض أولاد السلطان وزعموا ظهور الكفر على الإيمان وأما عساكرنا فإنها لما رأت استشهاده حمت حميتها وخلصت لله في إرداء أعدائه بنيتها وصممت الجاليشية تلفحهم بلوافحها وتقدحهم بقوادحها وبرح بالفرنج العطش ووجدوا الطرق مصدودة والسبل مسدودة. وكان النسيم أمامها والحشيش قدامها فرمى بعض مطوعة المجاهدين النار في الحشيش فتأجج عليهم أسعارها وتوهج أوارها فوصلوا في ورطة الاحتدام فضايقت ذيابهم منا الضراغم وعارضت صقورها منهم القثاغم ودارت بمساعير الجحيم وداير الشعرا بجواحن، ونظر القومص من مبتدأ الأمر إلى غيته وعلم أن القوم قد تداعى بنيانهم ودعاهم خذلانهم فأفكر كيف ينجو فقال لهم: أنا أسبق بالحملة وأفضلهم بالجملة فأجتمع هو وآزروه جماعة من المتقدمين هم مظاهروه وصحبه صاحب صيدا وباليان بن بارزان فحمل القومص ومن معه على الجانب الذي فيه الملك المظفر تقي الدين ففتح لهم طريقه ورمى من أتباعهم فريقا فمضوا على رعوسهم ونجو بنفوسهم ولما عرفوا أن القومص نفد في الهزيمة هانوا ثم اشتدوا وما لانوا وحملوا حملات راضوا بها جماع الحرب وخلصوا فيها غمار الطعن والضرب وعدموا فيها استطاعة القدر بل طاعة القدر واستعرنا النصر عليهم من النصل المستعر فوعنا فيهم وقوع النار في الحلفاء وصببنا ماء حديد للأطفال فزاد في الأزكاد فحطموا خيامهم على غرب حطين حين رأونا بهم محيطين فعجلناهم عن ضب الخيان بضرب الهام وأزللنا أقدامهم عن مداحض الأقدام وما زالت الجج تغيض والمهج تفيض والنفوس تقع والرعوس تطير حتى كسد أشلاء مشلوليهم عرى العراء وحشت شفاه الشفاء من أفلاء مفلوليهم أحساء الدماء وانكسر من الصليب صلبه وبطل طلبه وحيرت كماته كمته وقبابه وقببه وملك عليهم صليبهم الأعظم وذلك مصابهم الأعظم ولما شاهدوا الصليب سليبا أيقنوا بالهلاك وأثخنوا بالضرب الدراك وما برحوا يؤثرون ويقتلون وللوثوب يحفون وبالخراج يثقلون فنكبوا في أرواحهم وأنفسهم ووصلنا إلى مقدميهم وملكهم وأبرنسهم فتم أثر الملك وأبرنس الكرك وأخذ الملك جفرى ودوا صاحب جبيل وهنغرى وأثر من الأثارة وجبر الإسلام بكثرهم وأسروا بأسرهم فمن شاهد القتل قال ما هناك أثير ومن عاين الأثر قال ما هناك قتيل ومنذ استولى الفرنج بساحل الشام ما شفى للمسلمين كيوم حطين غليل فالله سلط السلطان وأقدره على ما أعجز عنه الملوك ونظم له في حتوف أعدائه وفتوح أوليائه الملوك وخصه بهذا اليوم الأعز والنصر الأبر.

стр. 144

قال: هذه النوبة المباركة كانت للفتح القسي مقدمة ومن عجايبه أن فارسهم ما دام فرسه سالما لم يدم لمصرعه فإنه من لبسه الزردى من فرقه إلى قدمه كأنه قطعة حديد ودراك الضرب والرمي إليه غير مشيد لكن فرسه إذا هلك فرض وملك فلم يغنم من خيلهم (٢٣٢أ) ودوابهم وكانت الوفا فرس سالم وغنمنا ما لا يحصر من بيض مكنون وزعف موضون وبلد وحصون وابتدلنا منهم بهذا الفتح كله إقليم مصون وذلك سوى ما استفتح من مال مخزون واستخرج من كنز مدفون ولما صح الكسر وقضى الأمر وسكن البحر وتمكن النصر ضرب للسلطان في تلك الحومة دهليز السراديق وتوافت إليه فرسان الحقايق ونزل السلطان وصلى للشكر وسجد وجدد الاستبشار بما وجد وأحضر عنده من الاسارى الملك والابرنس وأجلس الملك بجنبه ليزايله الوحشة ويحل له وهيهات الإنس وألفاه يلهث للعطش وينظر مبهوتا نظر المتوحش فأمر له بماء مثلوج فشربه ثم ناول الملك الابرنس القدح فاستشفه ثم حضر الترجمان حتى يعرف جواب ما يخاطبه به السلطان وما زال يقرعه بغدر وبغيه ويذكره بجله وغيه ثم ركب وخلاهما ولم ينزل حتى شاهده ضرب سرادقه وبطست نمارقه وركزت أعلامه وبيارقه ثم نزل وأمر بإحضار الابرنس فقام إليه بالسيف فحل عاتقه وحفظ مع الله في نذر دمه مواثقه وكان عنده جادم ثم فجر برجله بعد أن أخذ رأسه وهد أساسه فلما شاهده الملك يسحب بقدمه ويشحب في دمه طار عقله وثار خلبه واستحضره السلطان فخانت رجله فجاه مرتعبا مرتعشا وظن أنه كرفيقه هالك فقربه وسكنه وأدناه وأمنه وقال: ذاك بصنعه لعهده ضيعه وإصراره على غدره صرعه وأجلسه وآنسه وهيهات يبتعش من الله أتعسه أو يسعد من الكفر أنحسه ثم جمع الأسارى العروفين وسلمهم إلي وغلى قلعة دمشق الناصح وسلمهم إلى أصحابه وأمرهم أن يأخذوا خط الصفى القابض في دمشق بوصولهم ويحناط عليهم في أغلالهم وكبولهم فتفرق العسكر بمن ضمته أيدي السبى على أهل الأحد وسار الناس منهم بالمدد. وعبرت بحطين فرأيتها موضع الاعتبار وشاهدت ما فعل أهل الإقبال بأهل الإدبار وعاينت أعيانهم خبرا من الأخبار ورأيت الرعوس طايرة والنفوس بايرة والجسوم رمتها السوافي والرسوم درستها العوافي ولما أبصرت خدودهم ملصقة بالتراب وقد قطعوا أرابا تلوت قول الله تعالى (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) ولما أصبح السلطان يوم الأحد خيم على طبرية وأرسل القومصية وأخرجها من حصنها بالأمان ووفى لها ولبنيها الفرسان شروط الإيمان فخرجت بمالها وعيالها ورجالها وأقلها وولى طبرية صارم الدين قايماز النجمي فعادت بعادته الجميلة آهلة بأهل اليمن والإيمان معتدلة المحاسن بالعدل والإحسان وسكنت مساكنها وعمرت أماكنها وقبضت مخازنها عرضت دفانيها وعاد الإسلام الغريب منها إلى وطنه والدين الحافل منها إلى مأمنه وأصبح السلطان يوم الإثنين السابع والعشرين من الشهر مغتبط بما شهره الله له من سيف النصر فرأى أنفاذ مقدم الداوية مع الملك وأخيه وجماعة الأكابر إلى دمشق كما سبق ذكره ثم نفذ في الأسارى الداوية والاسبتارية خاصة أمره وقال: لا نفع في ابقائهما وهما جنسان نجسان فلا بد من أبادتهما وأردائهما فما جرت عادتهما بالمفاداة ولا يقلعان من المفاداة فتقدم باحضار كل أسير داوى واسبتارى ليمض فيه حكم السيف ثم علم أن كل من عنده أسير لا يسمح به فجعل لكل من يأتيه بأسير منهما من الدنانير الحمر خمسون فأتوه في الحال بمائين وأمر بإعطابهم وضرب رقابهم وكان بحضرته جماعة من المطوعة المتورعة والمتصوفة ومن تمت بالزهد والمعرفة قد اعتقلوا إلى ضرب الأعناق ووقف كل منهم حاسرا عن ساعد ومشمرا عن ساق فمنهم من أمضى عقبه وأمضى ضربه ومنم ما كبا زنده ونبا جده والسلطان جالس وماله عن انفاذ حكم الله فيهم حابس ووجهه باشر ووجه الكفر عابس فشاهدته الضحوك القتال والمختال المغتال وكان الأسارى قد سبق هم إلى البلاد الناس ولم يقع على عددهم القياس فكتب إلى الصفى بن القابض نايبه بدمشق أن يعجل لطلب الداوية والاسبتارية السبق ويضرب عنق من يجده منهم فامثل الأمر في أزهاقهم (٢٣٢ب) وضرب أعناقهم فما قتل إلا من عرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم ورأى لشدته في كفره أن ينقاد للقتل ولا يستسلم وما أسلم إلا آحاد حسن إسلامهم وتأكد بالدين غرامهم. ذكر السبب في نذر السلطان دم ابرنس الكرك

стр. 145

قال: وما زلت أبحث عن ذلك حتى حدثني الأمير عبد العزيز بن شدد بن تميم ابن باديس وهو ممن يتولى الأفضال الفاضى من دونه التنفيس ولم يزل له بحاضرته ومحاورته الأنيس وهو من البيت الكبير وكان جده صاحب أفريقية والقيروان وكانوا يتوارثون ملكه إلى قريب من هذا الزمان ذكر أن الأجل الفاضل حدثه بما حدث من مرض السلطان وأنه لما عاد إلى دمشق من حران عد المرضة وذلك في سنة اثنين وثمانين وهو في عقابيل سقمه لا يفارق الأنين وأشفى ذات يوم على الخطر واستسلم للقدر وحضره في يوم الجمعة وهو يوصيه وهو في تفطر أنفاسه المعدودة وترقب قلوص ظلال عمره الممدودة وقد قنط من الحياة وفاته أمكان من الوفاة فقال فأردت أن اشغله عن الوهم والهم وقلت ما معناه قد أيقظك الله وما يعيذك من هذا السوء سواه فانذر أنك إذا أبللت هذا المرض تقوم بكل ما لله من المفترض وأنك لا تقاتل مع المسلمين أحدا أبدا وتكون في جهاد أعداء الله مجتهدا وأنك إذا نصرك الله في المعترك وظفرت باقومص وابرنس الكرك تتقرب إلى الله تعالى باراقة دمهما وأعطاه يده على هذا النذر وأنجاه الله وفريضته وجرى من مقدمات الجهاد ما جرى وخيم السلطان في جموع الإسلام يعشترا وركب يوما في عسكره وأموج بحره وأفواه معشره وقد التقا الطلعة المباركة من الأجل الفاضل فقال ليكن نذرك على ذكرك وستزد نعمة الله بمزيد شكرك ولا تخطر غير قمع الكفر بكفرك فما أنقذك الله من تلك الورطة ونعشك من تلك السقطة إلا لتوفر حظك من هذه الغبطة فتوكل على الله عازما وجاز الأردن حازما وأرعب جأش الكفر وفل جيوشه وثل عروشه ووقع في الشرك ابرنس الكرك فوفى بضرب عنقه نذره وأما القومص فإنه أخذ في الملتقى بالهزيمة حذره ولما وصل إلى طرابلس أخافه في مأمنه القدر وسلمه مالك إلى سقر. ذكر فتح عكا
следующие страницы →