← История

История · id 5400

مختصر سنا البرق الشامي

البنداري

Полный текст (166 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكان في آخر عهد نور الدن فغلب عليه وهو أكر خواصه وخلصه بمبلغ مائة وخمسين ألف دينار، وفكاك ألف أسير اتفق هلاك ملك الفرنج في أول هذه السنة فتكفل بالملك بين يدي ولده المجذوم فلما نزل السلطان على حلب وجد فيما طلب كاتب الحلبية الحشيشيه فجرى منهم ما ذكروا ثم كاتبوا القومص بطرابلس وقالوا له أنت طليقنا، وكنت رفيقنا في الأسر والآن أنت عتيقنا وحقنا عليك متعين وبرهان ذلك فجاء الخبر بتوجه القومص في الإفرنجية إلى حمص فرحل عن حلب مستهل شهر رجب فرجع الملعون ناكصا على عقبيه خوفا مما يقع فيه ويتم. وأقام السلطان على قلعة حمص شهرا، وقد أستشهد من الجانبين عدة وجرت شدة والسلطان مقيم في بيت في أعلى المدرسة يشاهد منه الحرب حتى هاجم رجالة يوما باب القلعة وهجم عليها الرجال من فوق فقبضهم أهل القلعة ثم راسلوا السلطان في طلب الأمان فهاب لأجل الرجال المقبوضين عليهم فأعطاهم الأمان، وسلموا الحصن وسلموا وتجاوز عما أجرموا ثم نهد إلى بعلبك وفيها خادم يعرف بيمن فسلم الموضع بسلم وهدنه وذلك يوم السبت رابع شهر من رمضان. قال: ووجدت كتابا عن السلطان إلى أخيه الإسلام وهو بدمشق يبشره بفتح قلعة بعلبك وهو بالمثال الفاضلى ومنه: نحن نبشر الأخ أدام الله طروق البشاير سمعة ونزول المسار ربعه بفتح قلعة بعلبك بالسلم الذي أغمدت فيه السيوف وقرت به من الأولياء العيون ورغمت من الأعداء الأنوف وكتابنا هذا إله وسنجقنا فوق قلعتها مستقل، ومعتمدنا من أعلى شرفاتها مطل، فالحمد لله الذي قرب كل بعيد وسهل كل شديد وجعلنا حيثما كنا مقصودين بعادات نصره محفوظين بمعقبات أمره، والأخ يضرب نوبة البشارة ويظهر اثر موهبتها السارة ليزيد الله العدو هوانا ويعلم كل من حالف سلطاننا أن الله لم يجعل له سلطاناً. قال ﵀ في ذكر ما آل إليه أمره وهو بالموصل: قال فوصل نجاب وذكر أنه فارق صلاح الدين بالكسوة فهاجنى الطرب لقصده لسابق معرفته، وقديم وده، وخرجت من الموصل رابع جمادى الأولى وعبرت الخابور في مخاضه المجدل وجئت إلى الرقة ودخلت إلى دمشق في ثامن من جمادى الآخر، وصلاح الدين نازل على حلب، فنزلت في مدرستي، وعدت إلى منزلي، وألغيتها وفيها مدرس يتولاها وقالوا أن العماد خلاها. فدخلت إليها وأخرجته وأبعدته عن النهج الذي نهجه وكنت في غبر ألمى وعقاييله أرتقب اعتدال مزاجي، فأقمت حتى استقمت وصبرت إلى أن عاد السلطان إلى حمص وانتظرت طيب الزمان ومطاوعة الإمكان، وقصدت السلطان وقد تسلم قلعتها في شعبان قال وهنأته في فتح بعلبك بأبيات منها (١٧٩ب) فتح تسنا في الصيام كأنما ... شكرا لما منح الأنام صيام من ذا رأى في الصوم عيد ... سعادة حلت لنا والفطر فيه حرام باليمين هذا الشهر مشهور ... كما قد عم بالبركات هذا العام قال: ولزمت خدمته أرحل برحيله وأنزل بنزوله، وأواصل حضرته وأنشده شعري وأقول ليت شعري إلى ما يؤول أمري. أحضر في كل وقت على سبيل المجالسة ونهج الموانسه لا أمت بمعرفة ولا انبس ببنت شفة ولمى كثر ترددي إليه وتوددي وتصبري على العطلة وتجلدي اقترحت على قرائحي الإكثار للسلطان من مدايحي، واحتجت إلى أحياء الموات والأذكار بسابق الحرمات فهام به الفهم وكثر فيه النظم إلى أن دخلت في خدمته وصرت كاتب حضرته فشغلني إنشاء الرسايل عن إنشاء المدايح، فغلب النثر وقل النظم ولو ذكرت مدايحي في هذه السنة لكبر حجم الكتاب وخرج عن حد الإسهاب. قال: وكنت ليلة عند السلطان وهو يذكر جماعة من الشعراء وعنده ديوان الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، وهو به مشغوف وقد أستحسن قصيدة له طائيه ولو عاش السلطان لأقر بفضلها فنظمت في مدح السلطان كلمة أولها: عفا الله عنكم مالكم أيها الرهط ... قسطتم وفي قلب المحب لكم أقسط شرطم له حفظ الوداد وخنتم ... حنانيكم ما هكذا العهد والشرط ذكر الوقعة الأولى مع المواصلة والحلبيين

стр. 37

قال ﵀: لما تسلم السلطان قلعة بعلبك عاد إلى حمص وخيم ثامن رمضان بظاهرها وخيمنا في عاشره على حماه. وكان قد وصل عز الدين مسعود أخو سيف الدين غازي صاحب الموصل نجدة لها ولما عرفوا أن السلطان مشغول بالحصون تركوا وجاءوا إلى حماه فحصروها فعرفوا أنهم لا ينالون منها فرحلوا عنها. وراسل مقدموا حلب المواصلة النايب السلطاني في حماه قبل وصوله إليها أننا وصلنا للصلح والاجتماع فيما يعود بين الجانبين بالنصح والنجح فكتب إلى السلطان وهو ببعلبك يحثه ويحضه لعله يتم عقد صلح لا يتأتى نقضه فمضى السلطان في خف وجمع غير وجف وجاء للايتلاف وتنكب مذهب الخلاف فجاء من الحلبيين الأمير سعد الدين كمشتكين وشهاب الدين أبو صالح العجمي واجتمعوا بالسلطان لما طلبوا أن يرد عليهم الحصون، واستقر أن يقنع بدمشق نايبا عن الملك الصالح وله خاطبا وعلى الانتماء إليه مواظبا، وأن يرد كل ما أخذه من الخزانة وأن يسلك فيه سبيل الأمانة. فلما رأوه لكل ما يلتمس منه مجيبا، ولكل ما يستبعدونه من مرام قريبا، ورأوه في عسكر خفيف ومطمع عفيف ومجمع لفيف قالوا خبره صحيح وإن الذي يعرض له من عجزه صريح، وهو في قافلة ما أهون أخذها، فشرعوا في الإشتطاط، وجاوزوا حد الاشتراط، وطلبوا الرحب وأعمالها فقال هي لابن عمي ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكيف ألحق به في رضاكم المكروم فقاموا متغضبين ونفروا وارتحلوا ونفذوا وراءهم من يردهم فما اكترثوا به ولا احتفلوا وذهبوا، وهم يقولون كيف نرتاح لقول هؤلاء والى متى نصبر على البلاء، وفارقنا إلى مخيمهم وربضوا تلك الليلة في مجسمهم، وأصبحوا على الرحيل إلى جانب العاصي وأظهروا أنهم على المصاف وعزم الانتصاف فعبر السلطان إلى سفح قرون حماه خيامهم وركز في مقابلتهم لمقاتلتهم أعلامه وقد أجتمع عسكر الموصل والجزيرة وحلب والسلطان ينتظر وصول أمرائه الواصلين إلى دمشق من مصر قال: فوصل في ذلك الوقت لتوفيق الله ومساعدة قدره العسكر المصري في عشرة من المقدمين الأكابر وهم تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه أبناء أخي السلطان، وشهب الدين محمود بن تكش خاله وخواص رجاله ووصلوا إلى المعركة أمام الزحف واقتسموا ميمنة وميسرة تقدموا زحفا وسدا واستدنوا ما ظهر بعيدا فأبصروا أولئك ما لم يبصروه وأنكرا ما لم يعرفوه، واسودت الدنيا في عيونهم وأحسوا بإخفاق ظنونهم، ونحن وقفنا وراء الصفوف نبصر عجاجهم ونسمع ضجا جهم ثخم رأينا الغبرة تبعد عن صوبنا فقلت أن النصر لحزبنا فإن الهزيمة لو كانت علينا لثارت الغبرة إلينا فكان الأمر كما ظننته، فإن السلطان لما هزمهم طردهم الخيل حتى طرد النهار الليل وسار حتى زحزحهم عن أثقالهم وأحمالهم ودوابهم ورجالهم. وحقن الدماء وسكن الدهماء ونزل في منزلتهم واستقال الدين من ذلتهم ثم سرنا ونزلنا بقرأ حصار من أعمال حلب وهناك عيدنا عيد الفطر وشكرنا (١٨٠ ا) الله على أداء فريضة الصوم واقتناء فضيلة النصر.

стр. 38

كتاب فاضلي إلى زين الدين الواعظ في المعنى أوله: لله الحمد عندنا عوايدهم قد صارت كالأمر المعروف، والواقع المألوف والضياء اللازم للصباح، والعرف المتضوع مع الرياح فلا تستغرب غرايبها وإن كانت بديعة ولا تبهر عجائبها وإن كانت وسيعة وشيعة. وكان الحلبيون والمواصلة قد صاروا بنيانا مرصوصا في الخلاف، وعقدا واحدا في الشقاق والانحراف، وحصروا حماة أياما وهم فيها المحصورون، وأن جندنا جند الله وهم المنصورون ثم ارتحلوا عنها ولم تزل المراسلات تكرر والمعاقدات تنقض بعد أن تقرر إلى أن كان آخر رسا يلهم ما بيننا إلا السيف فرضينا به حكما وأرسلنا حبلهم على غاربهم، وعلمنا أن البغي معترض دون مطالبهم ولما كان يوم الأحد التاسع عشر شهر رمضان ركبنا والعساكر قد انتظمت عقودها والاطلاب قد أطرد مسرودها، والسيوف قد كادت تلفظ غمودها، والرماح ساقها إلى الأوراد ورودها فلما تصافحت أطراف القنا مع النحور ووصلت صدور الرماح إلى الصدور، تخور له الصخور وأنزل الله نصره علينا فلاذوا بالفرار، وذموا عواقب الاغترار، واستولت على أبطالهم حلقات الإسار وحاز العسكر المنصور من القوة والعتاد وآلات الحرب والطراد ما ملئ كل يمين وشمال حتى لم يبق فارس إلا قاد الجنايب ولا راجل إلا سب الراكب بما أستكثر من المراكب وكان المقام كريما واليوم عظيما، وكان هذا الفتح لفتوحنا أميرا وهذا اليوم بما بعده من سعادات الأيام بشيرا، وكتابنا ونحن على أثر المنهزمين سايقون إلى مستقر القرار الذي يسترجون سابقون. قال ونظمت في هذه الوقعة في مدح ناصر الدين محمد بن شيركوه قصيدة أولها: وكتيبة مثل الرياض كأنما ... راياتها منشورة أزهار وكأنما خض البيارق للقنا ... ورق وهامات العداة ثمار وكمايم الأغمار عن زهر الظبا ... فتقت فكل صقيلة نوار وعلى شعاع الشمس لمع حديدها ... يبدو كما يعلوا الجبين نضار عبيتها بعزيمة مشفوعة بالنصر ... منك تعينها الأقدار ومنها: أهلا بجلق والعراق مراقبوا ... حالي وطرف رجائهم نظار وقطعت أبواب الملوك إليكم ... ليكون منك إلى النجاح بدار بادرت نحوك بالرجاء مؤملا ... والصفو تهجر دونه الأكدار قال: فنزل السلطان قرأ حصار بنية الحصار فجاءت رسلهم بالاقتياد وأجابوا إلى المراد وقالوا: اقتنعوا بما أخذتموه إلى حماه ولا تشمتوا بنا العداة فاسترد عليهم كفر طاب والمعرة على أنا لا نسومهم المضرة والمعرة واستوفينا عليهم الإيمان المستقرة وأحضرني السلطان في ذلك اليوم لتحرير نسخة اليمين ورآني الحلبيون اللذين فارقتهم أني إلى جانب السلطان جالس وبأمره مستأنس فنظروا شزرا وعظموا ما ظنوه نزرا فما وقف السلطان في عرض ولا شاب صحة قولة بمرض وسألهم في المعتقلين أخوة مجد الدين فأجابوا وفرجوا عنهم وتم الصلح وعم النجح ورحلنا ظافرين ظاهرين ونزلنا بحماة يوم الاثنين ثاني عشر شوال وهناك التقينا العصا فما استقرت بنا النوى ونوينا إلى حصار بعرين. ذكر وصول رسل دار الخلافة قال: ولما وصل السلطان إلى حماة تلقاه رسل دار الخلافة بالتشريفات السنية والأمثلة الرضية والجنايب العربية والتحف الأمامية والتقليد والتمليك والتحكيم والتفويض فأفاضوا على السلطان وأقاربه الخلع واتبعوا في التشيع به الأتباع والشيع ولبس الأهبة السوداء كأنه بدر التمام تجلى أنواره في الظلام، وكأنه إنسان عين الإسلام نظر من سوادها، وصحيفة السعادة تلألأت إمدادها من مدادها، وركب ولواء الحمد فوقه خافق والمركب الخاص تحته سابق وأفيض على ناصر الدين محمد بن شيركوه بن عم السلطان تشريف مقارب للتشريف السلطاني منير منيف وخص من الديوان العزيز بالتفضيل والتمييز.

стр. 39

قال (١٨٠ ب) ولم يبق في ذلك الصوب إلا حصن بعرين مع الأمير فخر الدين مسعود الزعفراني، ولما وصل السلطان إلى الشام لجأ إلى ظل الإكرام، ولازمه ظنا منه أنه يقدمه على العساكر ويجريه على عادته في العهد النورى سقاه الله فإن نور الدين ﵀ قدمه على العساكر في آخر عمره، وأقطعه الرها وحماه وكفر طاب وحمص وسلمية وبعرين فعرف أنه لايتم له هذا المراد ولا يصح عليه الاعتماد فأصبح يوما مفارقا ولحجاب الحجى خارقا، فنزل السلطان على بعرين فأخذها سلما في العشر الآخر من شوال وانتظمت تلك الفتوح على تواتر ونوال. قال: واذكر إنا عبرنا نهر العاصي عايدين وقد انكسفت الشمس وادلهم النهار وغلب القلوب الاستشعار، وخفيت الرسوم، وظهرت النجوم، وجينا إلى حمص ثم إلى بعلبك ثم إلى البقاع بعزم العودة إلى دمشق، وأقطع حماه خاله وصهره شهاب الدين محمودا، وأنعم بحمص على ابن عمه ناصر الدين مجمد بن شيركوه ووصلنا إلى دمشق في هذا الشهر برايات الفتح والنصر. ذكر ما أسفر عنه حالي ومال آمالي قال: قد قرر حسادي عند السلطان، وقالوا: شغله الكتابة وهي منصب الأجل الفاضل، وهو يستنيب فيه من يراه من الأفاضل، وهذا (تصرفه برفد جزيل) ووجه جميل، والسلطان مع رغبته في متوقف وإلى ظهور وجه النجاح في أمري متشوف وكنت قد آنست مدة مقامي في المعسكر بالأمير نجم الدين بن مصال وهو ذو فضل وأفضال وله يد عند السلطان في النوب التي قصدوا فيها مصر لا سيما عند كونه محصورا بالإسكندرية، فلما ملك أحبه وأختار قربه فلزمت له التردد إليه، وجعلته الوسيط بيني وبين الأجل الفاضل والخدمة من أنجح الوسايل ووقفت خاطري على تقاضيه نظما ونثرا فدخل الأجل الفاضل إلى السلطان وعرفه أنه في راغب وأنه في ترتيب حاجب فقال له أنت كاتبي ومدبر ملكي وصاحبي ولو رتبت كاتبا لظن أن في الحال نقصا. فقال أنا لا يمكنني أن الملازمة الدايمه في كل سفره وغدا تكاتبك ملوك الأعاجم ولا يستغني في ذلك عن عقد الملطفات وحل التراجم، وأنا ما أحضر في كل أوان والدولة مفتقرة إلى كافل بها غير متوان والعباد يفي في الوفاء باختراع كل بكر اختراع كل عوان، ولك أختاره وقد عرف في النوبة ألنوريه مقداره، والجواد عينه قراره، فوافق قوله مراد السلطان وعرف أن الأجل الفاضل أجل فضلى وحلى عطلى وأخذ خط السلطان بما قرر لي من شغلي فاعتل كبت من حسد وأنحل عقد ما فسد، وراح من الفضل ما كسد، وعاود الروح منه الجسد. ودخلت سنة إحدى وسبعين والسلطان في مستهل المحرم في مرج الصفر من دمشق بالمخيم والإسلام وافي المغنم بادي المغرم والعساكر على حظوظها من العز وخاصته والسلطان حاف ولسر عزمه باث فبينا نحن في تصميم عزم وتتميم حزم إذا وصل رسل الفرنج وقد جنحوا للسلم وغرضوا بسوم الهدنة وضرعوا في تقلد المنة وفيهم ماجد غلام هنفري وهو يثق بقولة السلطان فما زال يرددهم حتى دخلوا تحت كل شرط وقربوا من المراد كل ما شحط وتقبلوا بكل ما فيه للإسلام غبطه، فترجمت الفايدة ووضحت في المصالحة المصلحة الزايدة. ولما تمت الهدنة أزن السلطان لعسكر مصر في الانصراف وأستجدد العدد منها والاستئناف والإقامة ريثما يستوعب المغل ويخرج في المهام الدخل وسار الأجل الفاضل ليزول به هناك الشواغل ولما تم مع الحلبيين الصلح لم يقطع المواصلة مواصلتهم بالعتب والرسل والكتب فحملوهم بالبعث بعد البعث على النقب والنكث وحالفوهم في الباطن وهم مستمرون معنا على الوفاق الظاهر، وأتفق أن المواصلة نفذوا إلى الحلبيين من أخذ عليهم المواثيق وتوجه ذلك الرسول منهم إلى دمشق ليأخذ للمواصلة من السلطان عهده ويكشف ما عنده فلما خلا به لخلابه طالبه بنسخة الرأي المقتدح والشرط المقترح فغلط وأخرج من كمه نسخة يمين الحلبيين لهم ناولها إياه فتأملها وأخفى السر وما أبداه وردها إليه وقال لعلها قد تبدلت وما أعلمه بالقضية التي عليها اشتملت فعلم الرسول انه غلط ولم يمكنه تلافي مافرط وقال السلطان: كيف حال الحلبيين للمواصلة ومن شرط إيمانهم أنهم لا يعتمدون أمرا إلا بمراجعتهم لنا واستئذانهم، وعرف من ذلك اليوم أن العهد منقوض والوفاء مرفوض والغدر عندهم مفروض.

стр. 40

قال: وفي أول هذه السنة وصل إلى دمشق الجماعة الذين خرجوا (١٨١ أ) من بغداد موافقة لقطب الدين قايماز وما بدا لأنفسهم بالالتجاء إلى السلطان والاحتراز. ذكر السبب في ذالك قال: كان قطب الدين قايمار محكما في الدولة الإماميه من أول الأيام المستنجديه، وهو الآمر والناهي، والمفاخر والمباهي وقد بلغ في التحكم إلى أقصى غايات التناهي، والإمام المستنجد توفاه الله وهو عنه غير راض واجترأ عليه والقدر عنه متغاض، وبسط يده في الدولة المستضيه، وصل وعقد وأصدر وأورد، وقرب وأبعد وصوب وصعد ثم تجبر وتكبر، وقوي على وزير الخليفة عضد الدين بن رئيس الرؤساء وأخافه وراما أتلافه حتى أستعاد منه برباط شيخ الشيوخ وسلم بحمايته من أذى المذكور فأرتكب مخالفة الخليفة وخرج عن أمر السنة الشريفة وعن له أن يحيط بالدار إحاطة الحصار وحسب أنه فاز من القوة والجند بالاستظهار فلما نجح الخليفة في إزعاجه وإعجازه لم تفي حقيقة عزه بمجازه وحكم بإذلاله القدر الذي حكم بإعزازه، ولم ينج لما أحيط بداره إلا بفتح باب في جداره وركب وخرج مفلتا غير لافت، وحل بالحلة الزيدة في أوائل ذي القعدة سنة سبعين ففارقها متوجها نحو الموصل متشوشا أمره متشورا فكره قد خلاه خلانه وخانه إخوانه وأحاط به غمد إحسان الإمام وغفرانه وجذبه إلى الأجل نهاية زمانه، ومرض وعانى المضض وتوفى في قرى الموصل بقربها وتحول إلى تربها، وتفرق من صحبه من أصحابه في البلاد، فمنهم من رجع إلى بغداد على سبيل السداد ومنهج الرشاد، ومنهم من جاء إلى الشام والتجأ إلى ظل الإكرام، ومنهم حسام الدين تميرك بن يونس وكان في قديم الدهر للسلطان المؤمل ففرج بلقائه وابتهج بروائه، ومنهم عز الدين أقبوري بن أرغش، وطالما إليه تعطش فإنه كان صهره قديما وعنده كريما، وأسف عز الدين على ماتركه من ماله وكان ذا خزائن مملوءة، وآلاف مؤلفة من بدر النضار وعقود الجواهر والخيل المسومة، فخرج بفرشه منهلا خاليا وعنها ساليا فآواه واعز مأواه وكتب في حقه إلى الديوان العزيز كتب شفاعة فما كان الذنب الذي ارتكبوه مما يقبل الصفح، ومازال السلطان يسعده ويسعفه حتى صح وزنه ومسح حزنه وهون عليه ذهب مصر ذهاب ما سواه ولكن أين الترب الذي تولى بعدما تولاه. وكان عز الدين أقبورلي عند السلطان أعز الأعزة وعزمه في مصالحة غضب المهزة والسلطان خال بنته وهي زوجة عز الدين فرخ شاه ابن أخيه وصعب عليه من محل عزه فحاجه ولزمه بحكم القرابة والمروءة والسماحة حاجة وكثر على الديوان العزيز لحرمانه ومواته وخدماته احتجاجه. قال: وهذا فصل من كتاب في المعنى إلى نجم الدين نجاح عن السلطان وهل تكون الشفاعات إلا لأهل الكباير، يسع عواطف الأيام الالذوي الجراير وعفو أمير المؤمنين وهو أرأف بأوليائه وأرحم، ولاغنى عن جذبة من جذبات همته المباركة في التكفل بأمر المذكور لازالت مكارمه متكفلة بإنجاح الأمور. قال: ولما سار الأجل الفاضل إلى مصر اعتمد علي في تنفيذ الأوامر والتفرد الإصدار والإيراد في الأمر. وواظب السلطان على الجلوس في دار العدل والقيام بدار البدل لكشف المظالم وبث المكارم. ومن جمله ماحصل في خزانته بمصر من الاعلاق النفسي دوى محلاة نضارية وفضيه ثقيلات الأوزان غاليات الأثمان فتسلط عليها يد أياديه وفرقها على جماعة موالية فقال لي يوما اكتب لأمين الدين قاضي حماه إلى مصر بدواة محلاة فقلت بل أكتب بدواتين أحدهما للطالب والأخرى للكاتب فتبسم أستبشارا بالسؤال واهتزازا للنوال ووقع بهما في الحال. وكتبت إلى الأجل الفاضل رسالة في صفة الدواة، ومنها قد أحاط العلم الأشراف بأن الكاتب معظم أدواته دواته، وها يتوفر وتحيا حرماته ومواته وهي صاحبته التي لا يؤثر طلاقها ومعشوقته التي لا يحب فراقها، المرضعة لبنها الهيف الهيم، الملحفة النهار ليلها البهيم. قال: ومدحت في مستحل شهر ربيع الأول الملك تقي الدين وكان قد فوض إليه ولاية دمشق بقصيدة أولها أحاط بورد وجنته الجنى ... بنفسج خط عارضه الطرى وجال وشاحه في الخصر منه ... مجال الوهم في السر الخفى وجاذب حقفه غصن قصيف ... فيا ويح الضعيف من القوى ١٨١ب) يواخذ طرف بالذنب قلبي ... فيا جور السقيم على البرى ومنها:

стр. 41

يفيد العاقل اليقظ التغابي ... فيا جور السقيم على البري ولم يصب السهام على اعتدال=بها لولا اعوجاج في القسى قال: وشاع الخبر عن المواصلة بالخروج في الربيع، وحشد الجموع وحشر الجميع، وإطلاق ألسنتهم بالتشنيع. وكنا في كانون ونحن لبيوت المغاني في دمشق بانون وأمرني السلطان بأن أنشئ عنه إلى الملك العادل سيف الدين وهو بمصر ما يشيع له السر، ويعرفه الأمر، وأن يلمز الأمراء بالاستعداد لوقت الاستدعاء قال ثم ظهر من المواصلة الخلاف وصح عنه الإرجاف وجاؤوا إلى نصيبين بجنودهم وبنودهم وحشدوهم فكتب السلطان إلى الأمراء بالإستدعاء والاستبطاء، فوصل من مصر من وقع على حضوره التنصيص، ونفذ بالأمر التعميم والتخصيص. ووصل الأجل الفاضل وشملت الفواصل ونجحت الوسائل. ولما تحقق اجتماع الموصلية والحلبية وباتفاقهم بالهمم الأبية أيقنا منهم صدق القصد وضلالهم عن نهج الرشد فرحلنا من دمشق في شهر رمضان فما عرجنا على بلد، ولا انتظرنا ما ورآنا من مدد حتى جزنا حماة، وخيمنا بقرب بو قبيس في فرجه وعث النصر في أوجه وبحر الظفر في موجه فألقينا ذلك الشعب مشعبا فاسمنا الخيول وضممنا الذيول فركب السلطان عند استكمال إمداده، واحتفال أجناده ففرض وفرض وحرض وحرض وصرح بالجد وعرض وجاءنا الخبر أنهم في عشرين ألف فارس سوى سوادهم وما وراءهم من إمدادهم أنهم موعودون من الفرنج بالنجده، وإنهم يزيدون كل يوم في القوة والشده وما كان أجتمع من عسكرنا سوى ستة آلاف فارس فقال الصواب مسيرنا إليهم والأقدام عليهم. ونحن بالقعود لانستزيد عددا وهم كل يوم في زيادة جموع، وما بقى وراءنا من أنا ننتظر وبقدومه نستظهر فرتب عسكره ميمنه وميسره وقوى بقلبه قلبه، وأمد الله بحزب ملائكته حزبه. ذكر الوقعة مع المواصلة والحلبيين يوم الخميس عاشر شوال قال: وأقمنا بقية شهر رمضان بالمرج القبيسي فقد الحرب النسى ونقول قد وصلوا إلى حلب وما عرفنا منهم الطلب فإن خرجوا في الطلب إلى حدودنا خرجنا إليهم بجدودنا وذكرناهم بعهودنا. ولما وصلت المواصلة إلى حلب أطلقوا من كان في الأسر من ملوك الكفر وفيهم أبرنس الكرك وجوسلين خال الملك وقرروا معهم أن يدخلوا من مسعدتهم في الدرك. وكان وصولنا إلى مرج أبو قبيس في الخامس والعشرين من شهر رمضان فلما عيدنا ووصل الخبر بوصولهم إلى تل السلطان عبرنا العاصي عند شيزر ورتبنا العسكر وأعدنا الأثقال منها إلى حماة وجردنا الكمت والكماة وسار يوم الثلاثاء بعزم اللقاء وتفرق الخيل على الجباب والمصانع يوم الأربعاء، وأخذ حظها من الارتواء ثم أدلج ليلا وصبح القوم بكرة الخميس بالخميس وعرس بقربهم الأسد مع العريس. ولما طلع الفجر نظروا وإذا الخيل عليهم مطلة وبوارق البيارق فوقهم مستهله، والصواهل محمحمة والقنا طل مدمدمة والجاليشية دايرة والجاوشيه فاغره والخبايا مرنه والمنايا مرجحنة فحين غامرهم الجيش خامرهم الطيش وقالوا ما أوقع هؤلاء أما عرفوا أنهم عند بحارنا جداول وعند جبالنا جنادل وعند صقورنا بغاث وعند ذكورنا إناث فأمتطت جبالهم الرماح وهزوا بالمراح الرماح وشاموا بوارق القضب وأنقضوا بشهب الشهب، وسلوا من النبل الجعاب ومن الزعف العباب وصف سيف الدين غازي صاحب الموصل أمام قلبه وتراكمت قدامه سحب صحبه وقد فوق إليهم السهم كأنه مستوى بيت القوس وشمس برج الأسد للفرس يخطب كفو الكريم لإقامة العرس ملابس وللجمال جميل اللبس، شاب حوله الشباب، وشهاب تجلله من لثام الزرد سحاب بعزه معتز وبغرورة مغتر، وبعطف اللدن مثل رمحه إلى اللقاء مهتز بعمره غير مبال لا يخطر الخطر له ببال والملك الصالح مع الحلبيين في خلابه بارز في أطلابه وقد جمع كل بطل كمي وأجدل مضرحي ومن ساير قبائل الأكراد ومن المماليك الأتابكيه (١٨٢ ا) كل كميش وهجان وأكديش وكان الأمير مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك على ميمنته وهو في كتيبته الشهبا وداهيته الدهيا ودهته الحشا، وفي مقابلته ميسرتنا وفيها شمس الدين صاحب بصرى ومعه جماعة مجمعة فحمل عليهم مظفر الين ففلجها وطحنها وأوهى عقودها وأوهنها وساق أثقالها وقتل رجالها فظنوا أنهم ظفروا وفازوا وكثروا وحازوا.

стр. 42

وكان السلطان في قلبه وراء التل وهم لايبصرونه فتحين إليه فل الميسرة المكسورة فهاج نحوه بالهمم الموتورة، وساق وأشرف من التل على القوم، وقال: لاونية بعد هذا اليوم وبدر من أصحابه أميران بالجملة واختلطا مع الجاليشية فأحاطوا بهما ولم يفلتا واتلفا، وحينئذ ظهر البرج مبرح الغطا وكانوا حلفوا أنهم لايبقون على أحد ولايقرون من الصلاحية روحا في جسد. وقويت أطماعهم بظفر الميمنة وقتل من لقوه في المقدمة فحملوا حملة واحدة راكضة إلينا طاردة والسلطان واقف في صفه ألف بالفه، واثق بزحفه، مايح بحره في غدير زعفه. وكانت حملتهم من مسافة بعيدة وشقة مديدة فقال لأصحابه تثبتوا وقفوا دعوهم يتعبروا ويركضوا وينقضوا قواهم ويرفضوا وإذا قربوا منا أبعدناهم، واذاوصلونا قطعناهم فنحن نعطيهم الأشواط، ونوليهم الإفراط، وهم يصلون متسابقين متفرقين فإذا دنوا من بنيان صفنا المرصوص أنقض عليهم جداره، ولفح وجوههم أواره. وكانت حملتهم وقدام الألوف مائون وإمام المائين عشرات وقد سبقتنا آحاد منتشرات، فلما حملتهم حملتنا وصدمتهم صدمتنا عكستهم وأركستهم وردت أولهم على آخرهم وسيارهم إلى سايرهم، ولم يعرف ساقيهم ماتم على مقدمهم، ووقع التخاذل والتفاشل في ميمنتهم وميسرتهم، وركب السلطان أكتافهم حتى أخرجهم من خيامهم ووكل بسرادق سيف الدين غازي عز الدين فرخشاه، وركض وراءه حتى علم أنه تعداه، ووقع في الأسر جماعة من الأمراء المقدمين ثم من عليهم بالخلع والتشريفات بعد نقلهم إلى حماة، وأطلقهم وأعتقهم بعد أن أسترقهم. ثم نزل في السرادق السيفي فتسلم خزاينه واصطبلاته ومطابخه ورواسي عزه ورواسخه، والقدور على المواقد رقود، والندامى المواعيد قيام وقعود، والخمور مقدمة، والزمور مقدمة، والملحنون والمرقنون جلوس وبأيدي البدور شموس، والخيل على طايلها صفون، وما نطول الحديث فللحديث شجون، فبسط في جميع ذلك أيدي الجود وفرقها على الحضور والشهود وأبقى منها نصيبا للرسول والوفود، ورأى في بيت الشراب بل في السرادق الخاص طيورا من القمارى والبلابل والهزاز والببغاء في الأقفاص فاستدعى أحدى الندماء هو المظفر المعرى الأقرع وهو مما به يتجشى ويتجشع فقال له: طب نفسا فاستبدل من الوحشة أنسا وخلع عليه وقال له: خذ هذه الأقفاص واذهب إلى سيف الدين وأوصلها إليه وسلم عنا عليه وقل له: عد إلى اللعب بهذه الطيور فهي سليمة لا توقعك في المحذور. ولما كسر القوم وولوا مدبرين ركضوا إلى حلب فلم يقف بعضهم على بعض، وظنوا أن العسكر ورائهم ركضا وراء ركض، وما سار ورائهم عسكر لكنهم لشدة رعبهم قطعوا نياط القلب، وما صدقوا كيف يصلون إلى حلب فيغلقون أبوابها ويسكنون اضطرابها. وأما سيف الدين فأنه ركض في يومه من تل السلطان إلى بزاعة، وجاوز في سوقه الاستطاعة، وفرق وفارق الجماعة. ومن الإنشاء ألفاضلي في هذه الوقعة إلى الأستاذ جلدك بدمشق كتاب منه نشعرك أيها الأستاذ الجل بكسرة المواصلة والحلبيين والديار بكريين يوم الخميس عاشر شوال على تل السلطان بعد أن وقفوا وواقفوا، وأخلف الله ظنونهم بما نكثوا وعصوا وخالفوا فأظهر الله فيهم القدرة ودمر عليهم بهذه الكسرة، وأخذهم من أمرهم على غرة، وأجرانا على أفضل عوايدنا من الاستظهار والنصرة. ولم تزل الجيوش بعقب المنهزمة فإذا طرح الراكب إلى الأرض عفت عنه السيوف المتضرمة، وكذلك عودنا الله أن نغفر مع الاقتدار، ونقيل عظيم العثار، والحمد لله الذي مكن لنا الأرض، ولم يجعلنا ممن يفعل في العباد ما لم يرض. قال ﵀: (١٨٢ أ) ذكر وصول شمس الدولة تورانشاه أخي السلطان من اليمن ودخوله إلى دمشق في سابع شوال فكتب السلطان بخطه من الإنشاء ألفاضلي: ((قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين)) فالحمد لله الذي أذهب الحزن ووهب الحسن وأغاث الشام بسحاب منشؤه من اليمن، وأرضانا باللقاء اليوم كما أسخط أمس بالفراق على الزمن. نفسي الفداء لغايب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه لولا تمتع مقلتي بلقائه ... لوهبتها لمبشري بايابه

стр. 43

واسعد الله المجلس السامي في مقدمه، وأسعد هذه الأعمال بموطىء قدمه، وأجرى الأرزاق بحكمي سيفه وقلمه وأعاد الإسلام وأهله بنعمه وجوده عن نقمة عدمه ويقسم الخادم أنه لو جاز أن تسافر نفس عن جثمانها، وترحل عن أجفانها لسرت مهجته إلى لقاء آمالها، واهتدت مقلته إلى مجلسه الكريم بما أفاض من الأنوار على مسالكها، والحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله قول الشاكر الذي قدر النعمة حق قدرها، وعلم بعد الطالة أنه عاجز عن شكرها، وانهض الله بركاتها حمله وسقى الله طريقا أوصله وان نحلت سحب عليها فا جفاني ن واهلا بليلة قدر لقاؤه في صبيحتها بقدر وصبيحة عيد الفطر هلالنا فيه نير وجهه الأكبر، ولو أن اليوم يصام فيه الفرض لنذر كلما كررته الجمعة صيامه، ولولا الشغل بالعدو الذي لا مشغل للقلب إلا به لا لقيناه من حيث كان في مقامه الجليل مقامه وما انطوت في الغسولة ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شهر رمضان . عاد الحديث إلى ما جرى بعد الكسرة قال: أما صاحب الموصل فإنه أسرع إليها أوبته وشكر سلامته واستأنف اللهو واللعب، وأكل وشرب ولعن الحرب واصطنع الطعن والضرب وأما الحلبيون فأنهم أوثقوا الأسباب وغلقوا الأبواب واسقطوا في أيديهم حين أفرطوا في تعديهم، وتصرفوا بالاستبصار وتهدفوا للحصار، وأما السلطان فإنه عبر بحلب ولم يعرج عليها ولم يعج إليها ونزل على حصن بزاعه. وتسلمه وفي سلك ملكه نظمه وذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من شوال. وأما منبج فإنه كان فيها الأمير قطب الدين ينال والسلطان لاينال منه الإحسان، وكان في جر عساكر الموصل إليه أقوى أقوى سب ولا يحفظ معه شرط أدب، ويواجه بما يكره فلما قرب من بلده آثر أن يثيره منه ويأخذه من يده فسلط النقابين على حصنه فنزل مستأمنا، وسلم القلعة بما فيها والذخاير التي تحويها فقوم ما تسلم بلثماية ألف دينار وساومه على أن يخدم ويأخذ بلدة وذخيرته وعدده فأبت نخوته ونبت حميته، وأنفت غيرته وغارت أنفته، وسهل عله عسيرة وأمر أمره، ومال عليه في ماله دهره، وكأنما جمع ذالك المال ليفرقه هذا الجود، ومطل بديون المكارم ليقضيها هذه النقود. ومضى إلى صاحب الموصل فأقطعه الرقة وبقي فيها إلى أن أخذها السلطان منه مرة ثانية في سنة ثمان وسبعين. وعادته عادة منبج وصاروا بحاله الذي جمعه متفرقين، ثم عاش بعد ذلك أحوالا وأثث أحوالا، وجمع مالا وانتهت به صروف الدهر وأحداثه واستحقه من بعده وراثه فأقرضوه السلطان على أن يقتنوا به أملاكا، وينالوا به من فارطهم استدراكا، فانقضى عصر السلطان ونعب بالتفرق غراب البين ولم أدر كيف جرى حديث ذلك البين. قال: ثم سلم منبج إلى من بجده عمرها وبجوده غمرها، وبسياسته ساسها وأنس ناسها. ذكر النزول على عزاز في ثالث ذي العقدة قال: ولما كان حصن عزاز أعز الحصون، والإسلام ضاحك عن ثغرة المصون وهو من الثغور الإسلامية التي يتعين سدادها، ويجب بأمداد الرجال أشفق السلطان لموافقة الحلبيين للفرنج من هذا الحصن فانه إن تسلمه الفرنج عادت معاقد الإسلام في معاقلها إلى الوهن، فنزل عليها وقطع بين الحلبيه وبين الفرنج وكان حصارها (١٨٣ أ) حصار حلب على الحقيقة، وخيم عليها وأخذ بمضايقها القوادم والأجنحة، وهي غير ملبيه لدعاتها، ولا مباليع بعداتها لا ته اذعانا، ولا تهاب سلطانا فخطب السلطان كيف تسلط خطبها، وقدم نصبه في تقديم منجنيقات ونصبها، ورجم الحصن رجم الزاني المخصن، وأستشهد عليه وفيه جماعة، وصعب الأمر وأستمر الحصر وعيل الصبر، وضجر المقاتل وحرض بالباسل الباسل. وأخرج السلطان مناطق الذهب ونقوده، وقلايد العقيان وعقوده يعني أن من أغنى أغناه، ومن أبلى فقامت هناك للموت أسواق واشتريت بأعلاق النفوس من النفايس أعلاق. ذكر قفز الحشيشة على السلطان ليلة الأحد حادي عشر ذي العقدة

стр. 44

قال: وكان الأمير جاولي الأسدي خيمته قريبه من المنجنيقات، وكان السلطان يحضر فيها كل يوم لترتيب المهمات وحض الرجال، والحث على القتال ليكون المقاتل إذا كان بمرأى من السلطان أحتد وأشتد وبذل الجهد، وهو غار يناديه بار يبث أياديه. والحشيشه في ذي الأجناد وقوف والرجال عنده صفوف إذ قفز واحد منهم فضرب رأسه بسكينه فعاقته صفائح الحديد المدفونات في كمته عن تمكينه، ولفحت المديه خده فخدشته، وساحت قطرات دم غشته، فقوى السلطان قلبه وثبت لبه وحاش رأس الحشيشي وجذبه ووقع عليه وركبه وأدركه سيف الدين يازكوج فأخذ حشاشة الحشيشي وبضعه وقطعه وجاء آخر فأعترضه الأمير داوود بن منكلان فمنعه فجرحه الحشيشي في جنبه بحد سكينه، وكانت منيته بعد أيام في تلك الضربة. وجاء آخر فعانقه الأمير علي بن أبي الفوارس وضمه من تحت أبطيه وبقيت يد الحشيشي من وائه لايتمكن من الضرب فنادى أقتلوني معه فقد قتلني وأذهب قوتي فطعن ناصر الدين محمد بن شيركوه بطن الجارح بسيفه ومازال يخوضه حتى ألقاه لحتفه وخرج آخر من الخيمة منهزما وعلى الفتك بمن يعارضه مقدما فصادفه الأمير شهاب الدين محمود فتنكب عن الطريق ووافقه حسني التوفيق فثار على الكلب أهل السوق فقطعود إربا إربا. وأبن السلطان فإنه ركب وجاء إلى سرادقه وصوته جهوري وزهوه قسوري، ودم خده سايل وعطف روعه مايل، وطوق كراغنده بتلك الضربة مشكوك مفكوك لكن نهج سلامته بوقاية الله وعصمته مسلوك فما أفرج روع روعه حتى علم أن جرح خده سالم، وأن صبح جده باسم فإنه كان سلا سلامته وأقام القوم قيامته من بعد دين رغب ووهب واحترز واحتجب، وضرب حول سرادقه على مثال خشب وبرز للناس كالمحتجب وما حدث إلا من عرفه ومن لم يعرفه صرفه، وما قرب إلامن يثق باعتقاده ويعتمد على سداده وإذا ركب وأبصر في موكبه من لايعرفه أبعده ثم سأل عنه فإن كان مستشفعا أو أشفعه وأسعده. قال: وانس بي فمن عرفته قربه ومن أثبت على كفايته استكفاه وندبه وقد اصطنعت أقواما فرعوا المراقب، وافترعوا المراتب فجحدوا من بعده عارفي ومعرفتي، وانكروا صفوتي وصفتي، وليتني خلصت من شرهم ونجوت من ضرهم، وكان السلطان ألي مستنيما ولصحبتي مستديما حتى لايؤثر غيبتي عن ناد يحضره وكل ما أسوغه من أمر يحضره. ذكر مكرمة فاضلية قال: قال الأجل الفاضل للسلطان تنبيها له في حقي على الإحسان أن الذي عينت للعماد من الجامكية بدمشق حوالته ولم يتسع به عندنا ضائقته، فإن الطرق مقطوعة، والسبل ممنوعة فعين له من الخزانة في الصحبة كل شهر ما ينفقه فقرر لي مثل ما كان لي من قبل واستمر المبلغان وتقلدت بهذه العارفة طولي الامتنان ومن تمام إنعامه أني هنيته بعزاز يوم عيد الأضحى على العادة ثم جئت إليه العصر مسلما ولبعض الأحوال مستعلما فقال ما جئت اليوم مرتين إلا لأمر باعث وقد فهمت المعنى. وقع له أني لتشريف السلطان متقاضى وأننى عليه إلا بما يرضاه لي منه غير راض. وأرسل إلى الخزانة وأخذ لي أحسن وأثمن ثوب وعمامه واتبع ذلك نفقة مشفوعة بكرامة سوى ما قرره للعيد من وظيفة وإقامة. ذكر فتح عزاز يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة (١٨٣ ب) قال: وأقام السلطان عليها ثمانية وثلاثين يوما يسومها القتال سوما حتى وجت جنوبها، وكثرت ثقوبها، ونحبت قلوبها، فاقتصر من فيها بعد طول النزال على النزول وانتهت مدة وقوفنا منها على الطلول وسلوا القلعة كرها، قال: وقلت فيها قصيدة أولها: سلطت المطل على نجازها ... وضيعت حقي في مجازها وصالها من الحياة منيتي ... من لي بالفرصة في انتهازها وجنتها الوردة في احمرارها ... وقدها البانة في اهتزازها شمس الضحى في الحسن لم تضاهها ... بدر الدجى في التم لم يوازها ومنها: تمل من فتح غزاز نصرة ... أوقعت العداة في اغترارها اليوم ذلت حلب فإنها ... كانت تنال العز من غزازها ذكر خلاص رجل مسلم من نكبه عظيمة بشفاعة كريمة قال: كان عسكر حلب مدة مقامنا على عزاز يطلب من عسكرنا غرة فأعارها يوما على العلاقة وبلغ إلينا ضريح المخافة، فركب السلطان والعساكر معه نحو الصارخ وأخذ الحلبيون ما وجدوا وعادوا فما أدرك أصحابنا إلا فارسا فأخذوه وسيروه إلينا.

стр. 45

وجاء السلطان وهو مغتاظ ومعه من أصحاب الموتورين قوم غلاظ فأحضر وأمر بقطع يده، وكان المأمون بإقامة تلك السياسة حسام الدين سنقر الخلاطي روهو كامل الكياسة فقلت له بمسمع من السلطان سهل ساعة لعله يقبل مني شفاعة، ثم هلت هذا لا يحل وقدرك بل دينك عن عهدا بحل وما زلت أكرر عليه الحديث حتى تبسم، وشاهد عبوسي فنشر، ورجع عما به ثم أمر بحبسه، ودخل ناصر الدين بن أسد الدين وكلح وبسر ودمدم وزمجر وقال لما لا يقتل ولماذا أعتقل فوعظه السلطان وسكن غيظه ثم أطلق سراحه وتم نجاحه. ذكر النزول على حلب منتصف ذي الحجة قال: ولما أمنا من جانب عزاز وجدنا من الله في عدته النجاز سرنا إلى حلب ونزلنا عليها عند حاضر الياروقيه، والسلطان يركب كل يوم مع العسكر، وربما طاف حول البلاد وتأمل أسواره، وأستوضح بعيانه أسراره، وأقمنا نتصرف في الأعمال ونصرف العمال لجباية الأموال، والبلد في ضجيج وأجيج وأمر مريج، وسب تشنيع وتجنيس في القد وتطبيق وتنويع فما تم إلا ألسنه تعيث وطبول تستغيث والمراسلة بالقول العنيف، ومواصلة بالتنفيذ والتعنيف والسلطان لا يهمه غمهم ولا يغمه همهم ويزيد بحمد الناس له ذمهم، وقد علم أنهم جاهلون بنيبهم ذاهلون وأنه سوف ينبوا حدهم ويخبو وقدهم قال: وكان حصن حارم قد تولاه سعد الدين كمشتكين وأشفق عليها، ومضى إليها خوفا من النزول عليها وما ظن أن السلطان يعجل من عزاز النجاز فلم يرى منها إلى حلب الجواز فلما حضرناه وحصرناها ضاق كمشتكين بالمقام في حارم ذرعا فعاد يمتري في الضراعة إلينا ضرعا ويقول: لوفسحتم لي في دخول حلب لقضيتم من وفائي بشرط خدمتكم العجب وهو يخشى أنه إن أستمر هنا مقامه بطل في سلك جماعته انتظامه، وتفردوا دونه بما يصدرونه ويوردونه، وهو على النار الحاميه وعساكرنا قد أخذت عليها الطريق فكتب إلى السلطتن يسأله أن يرفع عن نهجه الحجر، وكتب إلى الحلبيين يسألهم أن يراسلوا في أمره فراسلوا السلطان في شأنه وأن يقلدهم من إجازته طوق امتنانه فإنه أول حضوره يبتدئ بالوصول إلى حضرته والمثول لخدمته وقرروا على أنفاذ معروف رهينه تقيم عنده إلى أن يدخل عليهم ويستوفي عليهم في اليمين عقده ونفذوا بحكم الرهن نصرة الدين بن زنكي حتى يدخل الرسول ويخرج فأمرني بالدخول بصحبة الرسول وهو شمس الدين الوزير أبي المضاء فلما دخلوا أبعدوا عنا الغلمان وأفردوني ورفيقي في مكان ضيق بغير اسراج ولا مرفق ولا بساط ولا كساء ولا خبز ولا ماء وبتنا بليلة الغدر ونحن جياع عطاش ولا لحاف ولا فراش وعندنا جماعة يحرسون فإنهم يشتمون ويشمتون، ويلعنون ويطعنون، وما أنسنا حتى تبسم الفجر وقلنا لعله يرتفع الحجر. (١١٨٤) فأحضرنا عند الملك الصالح وعنده ابن عمه عز الدين مسعود أخو صاحب الموصل وكان عملوا نسخة يمين فما نظرت في شرط ولا تعيين فحلفناهم كما أرادوا وسكتنا فيما نقصوا وزادوا وخرجنا إلى غلماننا ودوابنا وهم في أخر نفس وخرجنا إلى السلطان كأن قد نشطنا من قيد وعر ضنا النسخة وقلنا له كل من حلف بهذه اليمين يمين ولا كانت حلب ولا كمشتكين. قال: وجاء كمشتكين وعبر أمنا ولم يزل منافقا مداهنا وعاتبني السلطان وعصب بي جرمهم وألزمني حكمهم ثم عرف الحال وألان المقال وعاد أليهم رهنهم. وتوبتنى تلك النوبة وصحت الإنابة وما حدثت نفسي بعدها برسالة ولا تعرضت لعثار يحوجني إلى استقالة، ورفهت قدمي ووجهت قلمي أتوسل بالخط لا بالخطى واسطوا بقلمي الداري على نوى السطى وأرسل الرسل برسايلي ولا أخرج من فضاء فضايلي ولا أدخل في لواذع عواذلي قال: ودخلت سنة اثنتين وسبعين والسلطان بظاهر حلب مقيم وللمصابرة في حصرها مستديم، وكنتا نؤثر أن تصير الكلمة واحدة، والألسنة لسنة الجحود جاحدة، والملك الصالح من حكم الخارجين خارجا حتى يتولاه السلطان بالتربية ويبادر إلى ندائه بالتلبية. لكن قومه قاموا بالإصرار على الإصرار، وسدوا عن مطالعة سبيل الأنوار ثم عادوا إلى السلطان مستعطفين وللاحسان مستسعفين وعرفوا أن العقوبة أليمة، وأن العاقبة وخيمة فدخلوا من باب التدلل والتذلل ولاذوا بالتوصل والتوصل واظهروا التودد، وأكثروا التردد، وحضروا بأذهانهم بعدما غابوا واعترفوا بأنهم أخطأوا وما أصابوا.

стр. 46

وصفى السلطان وصفح، وأصلح واصطلح، ولما ملك انتجح وأبقى للملك الصالح حلب وأعمالها، وأستقرى كل عثرة فأقالها ورد إليه عزاز واعتذروا عن كل ما أسخطه وحلفوا له على ما شرطه، وكان الصلح لهم وللمواصلة وللديار بكريه عاما، ولشمول المصالح الجامعة ضاما وكتبت نسخ أيمان بأسامي ملوك ديار بكر والروم وصاحب الموصل على الشرط المعلوم وهو أنه إن غدر منهم واحد وخالف ولم يف بما عليه حالف كان الباقون عليه يدا واحدة حتى يفي إلى الوفاء والوفاق ويرجع إلى مرافقة الرفاق. وسار بهذه الرسالة إليهم سعد الدين أبو حامد وكان جلدا كافيا وبتدبير الأمور وافيا فمضى إلى الملوك ونظمهم من سلك نهج الموافقات في السلوك. ذكر الرحيل من حلب قال: ولما أنتظم بحلب الصلح وتم النحج ذكر السلطان ثأره عند الإسماعيلية وكيف قصدوه بتلك البلية، فرحل منها يوم الجمعة لعشر بقين من المحرم مصمما على الجهاد الأعظم وأناخ على حصنهم مصيات فانهض إليه الرجال وحرض الأبطال وأمر بنصب المنجنيقاي الكبار. وأقام أياما واستطال عليهم فريقه واستطار فيهم حريقه، وشرع العسكر يخرب ديارهم ويقرب دمارهم حتى جاء خاله شهاب الدين الحارني وهو صاحب حماة وشفع فيهم لأن بلده جار نواحيم، أراد الأمن من خوف عواديه وكانوا قد راسلوه وأرغبوه وأرهبوه. ولكن شهاب الدين مقبول مأمول الطول ورأى أيضا من أمرائه ميلا إلى الانكفاء وأبت تركهم همته الأبية لولا الشفاعة الشهابيه ورحلنا وقد انتقمنا منهم. ذكر كسرى على الفرنج قال: كان شميس الدين بن المقدم متولي بعلبك وأعمال هو مدبر أحوالها فعرف أن الفرنج قد أغاروا على البقاع فكمن لهم عند العياض وأوتر عليهم حنايا المنايا لتفريق التوفيق في الأنباض وأسر منهم سوى من قتل أكثر من مائتي أسير وأحضرهم عندنا ونحن على مصياف، ولولا هذا الحادث لم يصرف عنها الأحداث. وكان قد خرج الملك المعظم شمس الدولة أخو السلطان حين سمع أن الفرنج على الخروج وباسطهم عند عين الجر في تلك المروج ووقع عدة من أصحابه في الآسار منهم سيف الدين أبو بكر بن السلار وأجترا الفرنج في تلك الجوله واغتروا بتلك الصولة وانبسطوا في تلك العياض وانهاضوا بما قدم أبن المقدم من الأنهاض. ووصل السلطان إلى حماة فاجتمع فيها بأخيه شمس الدين يوم الثلاثاء ثاني صفر وهو أول يوم لقائه بعد ما أزمع عنه إلى اليمين السفر، وتعانق الأخوان في المخيم في الميدان وتحدثا في الحدثان. وكان قد وصل إلى السلطان من أخيه هذا عند مفارقة اليمن كتاب ضمنة هذه الأبيات من شعر أبي المنجم. المصري قلت ومنها: (١٨٤) أبدى التجلد والجوانح تلتظى ... وأرى التصبر والحشى تتقطع وحملت من فقد الأحبة مفردا ... ما ليس يحمله الأحبة أجمع وإلى صلاح الدين أشكو أنني ... من بعده مضني الصبابة موجع جزعا لبعد الدار منه ولم أكن ... لولا هواه لبعد داري أجزع ولا ركبن إليه متن عزائمي ... ويخب بي ركب الغرام ويوضع حتى أشاهد منه أسعد طلعة ... من أفقها صبح السعادة يطلع قال: فسألني السلطان أن أكتب في جوابها على وزنها ورويها فقلت أبياتا منها: صب تولى حالتيه في الهوى ... جلد له عاصي ودمعي طيع ذو ناظر ربع الكرى في جفنه ... صبح السيادة من سناه يطلع لولا ترجى قرب عودك لم يكن ... لي في الحياة لأجل بعدك مطمع قسما ببيت أمه زواره ... والطايعون الساجدون الركع أن لي سواك من الحوادث ملجأ ... أو لي سواك من النوايب مفزع قال: ولما رآني بالمخيم بميدان حماه عند أخيه مخصوصا بتوقيه وتوخيه بشرلى وبش، وشرع في تقريظي والثناء على قريضي. ثم سرنا إلى دمشق ووصلنا إليها في سابع عشر صفر، ووجه النجح قد سفر، وفوض ملك دمشق إلى أخيه الملك المعظم وعزم على السفر إلى مصر. ذكر ووفاء القاضي كمال الدين بدمشق في سادس المحرم وما آل إليه أمر القضاء

стр. 47

قال: كان القاضي كمال الدين بدمشق في الأيام النورية الحاكم المطلق وكان صلاح الدين حينئذ يتولى في دمشق أسباب الشحنكية، وكمال الدين يعكس مقاصده بالأحكام الشرعية، وربما كسر أغراضه وأبدى عن قبوله إعراضه وأهدى إلى صحته أمراضه إلى أن نقله الله من نيابة غالشحنكيه إلى الاستقلال بالملك فصار كمال الدين من قضاة ممالكه المنتظمة الملك وكان في فليه منه ما فيه وما فرط منه فات تلافيه. فلما ماك دمشق أجراه على جملته وأحترم نوابه وأكرم أصحابه وفتح لشرع بابه وأذهب بحقوقه حقودة وأعرض عن عقوقه عقوده. وكان أبن أخيه ضياء الدين القاسم بن تاج الدين الشهرزوري قد هاجر إلى صلاح الدين بمصر في ريعان ملكه، فأذنت هجرته في درك المراد بإدارة فلكه، وأنعم عليه هناك بجزيرة الذهب، ومن دار الملك بمصر بدار الذهب، ووفر حظه من الذهب وملكه دارا بالقاهرة جميلة جليلة، ورتب له وظايف، وخصه بلطيف. ووصل مع السلطان إلى الشام وأمره جار على النظام ولما اشتد بكمال الدين المرض، وكاد يفارق جوهره العرض أراد أن يبقى في ذويه فوصى مع حضور ولده بالقضاء لضياء الدين بن أخيه علما منه بأن السلطان يمضي حكمه لأجل سؤاله فيه وتوفي في سادس المحرم من هذه السنة وعمره ثمانون سنة لأن ولده كان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وفارق ولم يخلف مثله، ومن شاهده شاهد العقل المكنون والفضل المدون، وكان بارا بالأبرار مختارا للأخيار. وإذا كان له صاحب حفظه ونبه له ناظر حظه وأيقظه، وقد قواه نور الدين ﵀ وقلده الحكم في أيامه سدد مرامي مرامه، وهو الذي سن دار العدل لتنفيذ أحكامه بحضرة السلطان حتى لا يبقى عليه مغمز ولا ملزم لذوى الشأن فيما دبره من الشأن. وهو الذي تولى بناء أسوار دمشق ومدارسها والمارستان، واستقرت قاعدته في دولة السلطان. وتوفي ونحن لحلب محاصرون. وجلس الضياء ابن أخيه مكانه فأثبت وأمضى وأغضب وأرضى وأشهد وسجل وجرح وعدل. وكان الفقيه شريف الدين (١٨٥ أ) أبو سعد عبد الله بن أبي عصرون قد هاجر من حلب إلى السلطان وقد أنزله بدمشق، وهو شيخ المذهب الشافعي وأقوم العلماء بالفتيان وأعرفهم بما يقتضيه (١٠) الشريعة من مصالح الدين والدنيا. والسلطان يؤثر أن يفوض إليه منصب القضاء ولا يرى عنه عزل الضياء، وأفضى بسر مراده إلى الأجل الفاضل، وكان الفقيه ضياء الدين عيسى يتعصب لشيخه ويجد في رفع الحكم الضيائي بفسخه، واستشعر القاضي ضياء الدين من عزله وتزلزلت قدمه في شغله ولو قوى نفسه ونفسه وثبت على الإناء المحض أسمه لما خرج القضاء على حكمه ولا واجه السلطان بصرفه عن منصب عمه. وأشاروا عليه بالاستعفاء، وإنه كاره لمنصب القضاء فكتب يستعفي فقيل لأوجه لاستعفائك فلح القول فاستفهم عن معنى طلبه وإبداء سببه فقال: ما أوثر إلا فراغ الشر والخلاص من تبعات هذا الأمر فأصيب ٍسؤله وأجيب سؤاله وهنئ بأنه مجدد قبوله وإقباله وأبقى غليه الوكالة الشرعية عنه في بيع الأملاك واستجد عليه الإقبال السلطاني بعطلته وعزا عنده بعزلته وزاد في أعلاء منزلته. ذكر وفاة شمس الدين بن أبي المضاء الوزير قال: كان رسولا كافيا وبما يمضي فيه من مهم وافيا، وهو أول خطيب بالديار المصرية في عصرنا للدولة العباسية، وفيه ترفع وتكبر، يعجبه الناموس ولا بوحشه إلا الجاه المأنوس وإذا مضى إلى الديوان العزيز قصده الشعراء فأكثر خلعهم وجوازيهم وبعث على مدحه سريرهم وربما عاد وعليه ديون تراه في هيأته وهيبته كأنه وزير، وكلامه إذا خاطبته نذر يسير وهو الذي ضوع للسلطان وعرف عرف ظهير الدين منصور العطار وشد به ظهر الاستظهار، وحصل للسلطان بصدق صداقته الانتفاع والارتفاع، وتزايدت له في القوة والحظوة الأشياء والأشياع. فوصلنا إلى دمشق وقد قضى نحبه وأتى ربه، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثاني عشر من صفر فحمل السلطان غمه، وقرب ولده وجبل بتربية يتمه. ثم تعين ضياء الدين الشهروزرى بعده للرسالة إلى الديوان العزيز واستتبت له على أخر العهد السلطاني هذه وتمهدت بتردده في الجانبين العمارة، وذاك بعض المضي إلى مصر والعد إلى الشام فإنه بعد ذلك خاطبت في هذا المرام. ذكر مؤيد الدولة أبي الحرث أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ وعوده إلى الشام عند علمه بوصول السلطان

стр. 48

قال: كان من الأمراء الفضلاء، والسادة القادة العلماء، قد متعه الله بالعمر وطول البقاء، وهو من المعدودين من شجعان الإسلام وفرسان الشام ولم بنو منقذ ملاك شيزر، ولما تفرد بالمعقل من تولاه لم يرد أن يكون معه فيه سواه فخرجوا منه سنة أربع وعشرين وسكنوا دمشق وغيرها من البلاد وكلهم من الأجاود المجاد وما فيهم إلا ذو فضل وكمال ونبل، ومامنهم إلا من له نظم مطبوع وشعر مصنوع وهذا مؤيد الدولة أعرقهم في الحسب، أعرفهم بالأدباء وكانت جرت له نوبة في أيام الدمشقيين وسافر على مصر وأقام هناك سنين في دولة المصريين وعاد إلى الشام لم يمكنه نور الدين من المقام وصار إلى حصن كيفا وتوطن وأبتنى هناك الدار والعقار ولما سمع بالملك الصلاحي نبا إلى دمشق وذلك في سنة سبعين. قال: وكنت اسمع بفضله وأنا بأصفهان وأنشدني له مجد العرب العامري بها سنة خمس وأربعين هذين البيتين وهما من مبتكرات معانيه في سن قلعه: وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد قال: فلما لقيته في دمشق سنة سبعين أنشد فيهما مؤيد الدولة لنفسه مع كثير من شعره المبتكر من جنسه. وشاهدت ولده عضد الدين أبو الفوارس مرهفا وهو جليس صلاح الدين وأنيسه وبابن حمدون النديم ليقيسه. وقد كتب ديوان شعر أبيه لصلاح الدين وهو لشغفه به مفضله على ساير الدواوين ولم يزل هذا الأمير (١٨٥ ب) العضد مرهف صاحبا له بمصر والشام إلى آخر عمره. وتوطن بمصر فلما جاء أبوه أنزله أرحب منزل وأورده أعذب منهل، وملكه من أعمال المعرة ضيعة زعم أنها قديما تجري في أملاكه وأعطاه بدمشق دارا ووظف له غيثا من فواضله مدرارا فإذا كان بدمشق جالسه وآنسه وذاكره في الأدب ودارسه. وكان ذا رأي وتجربه وخلال مهذبه يستشيره في نوابيه ويستنير برأيه في غياهب وإذا غاب عنه في غزواته كاتبه وأعلمه بواقعاته ووقعاته ويستخرج رأيه في كشف مهماته وحل مشكلاته وبلغ عمره سبعا وتسعين سنه فإن مولده سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومات سنة خمس وثمانين. ومن أبيات أوردها عماد الدين لنفسه في هذا الموضوع قوله نفسي فدا شادن ... على الدل نشا وأتى زيف قهره ... بحملهما مرتعشا وخده من أثر الثم ... كأنه قد خدشا وكاد يمحوا لثمه ... عذارة المنتشا كأنما وجنتيه ورد ... بطل رشتا رأيته فكدت من عجبي=به أن أدهشا هممت أحيانا به ... لولا التقى أن أبطشا ذكر تفويض القضاء إلى أبن أبي العصرون قال: ولما أستعفي القاضي ضياء الدين لم يبقى في منصب القضاء إلا فقيه ينعت بالأوحد كان ينوب عن كمال الدين فأمره السلطان بأن يجري على الرسم ويتصرف في الحكم، وكان السلطان لإحياء القضاء في البيت الزكوي مؤثرا ولذكر مناقبه مكثرا وقد سبق منه الوعد للشيخ شرف الدين أبن أبي عصرون ففوض إليه القضاء والحكم والإمضاء على أن يكون محيي الدين أبو المعالي محمد بن زكي الدين والأوحد داود قاضيان يحكمان، وهما عن منابته يوردان ويصدران، وتوليهما بتوقيع من السلطان. فاستمر الأمر ولم يزل الشيخ شرف الدين متوليا للقضاء سنتي اثنتين وثلاث وسبعين في ولاية أخي السلطان المعظم فخر الدين. فلما عدنا إلى الشام إلى ابنه محيي الدين أبي حامد مجمد كأنه نايب أبيه واستمر القضاء إلى القضاء اسمه من سنة سبع وثمانين. وفوض ديوان الوقوف بجامع دمشق وغيره من المساجد إلى القاضي الأجل مجد الدين بن الزكي فتولاه إلى أن انتقل إلى موقف من عمل الأعمال وتولاه بعده أخوه محيي الدين على الاستقلال إلى أخر عهد السلطان وبعده. وبنى على قاعدة الشريعة فيها حلة وعقدة ثم تولى القضاء بدمشق بعد صرف من قبله واحيي بما اعتمده بيته وفضله. ذكر وصلة السلطان للخاتون العصمية بنت الأمير معين الدين في أخر صفر

стр. 49

قال: كانت هذه الخاتون المنعوتة بعصمة الدين في عصمة نور الدين فلما توفى ﵀ أقامت في منزلها في دمشق بالقلعة مستقلة بأمرها ونهيها. ساكنة في إحدى حجرها أمنة في خفارة خفرها. صادقة في إخراج الصدقات صالحة في الاستكثار من الأعمال الصالحات، فرأى السلطان أن يحلى عطل الملك بخطبتها، ويصل جناح النجاح بوصلتها فاحضر الشيخ شرف الدين والقضاة وأخوها لأبيها سعد الدين مسعود بن انر حاضر وعقد بإذنها وتمت عقدة النكاح ودخل عليها وبات عندها ثم خرج بعد يومين لدمشق مودعا وعلى عزم المسير إلى مصر مزمعا. ذكر الخروج من دمشق بكرة يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول قال: ولما استتمت بالشام للسلطان أمور ممالكه، وامن على مناهج أمره ومسالكه وبلغ حساب النصر إلى فداكه ازمع إلى مصر الإياب وسحب إليها وقد أمحلت بعده السحاب، وعاود بحر نيله بحر نيلها وأعاد من عساكره الأسد إلى غيلها، وبرز مضاربه من أول الشهر وتقدمه الأمراء والملوك إلى المنازل، وخرج بكرة يوم الجمعة رابع الشهر بمرج الصقر، ثم رحل منه قبيل العصر إلى قريب الصنمين قال: وكنت أقمت حتى أديت فرض الجمعة فخرجت بعد الصلاة ووصلت إلى (١١٨٦) المخيم السلطاني وقد مضى من الليل هزيع وقبلى إلى الأهل ولمفارقتهم جزوع ولشدة أشواقي مازلت منزلا إلا ونظمت أبياتا فمن ذلك ما قلت يوم المسير: بعت بمصر دمشق عن غرر ... منى فيا غبن صفقة البائع وقلت بالزرقاء: أعدتك يا زرقاء حمراء أنني ... بكيتك حتى شيباؤكم بالدم فياليت شعري هل أعود إليهم ... وهل ليت شعري نافع للمتيم قال ونظمت في طريق مصر قصيدة مشتملة على ذكر المنازل بالترتيب واتفق السلطان في بعض السنين سير الملك المظفر تقي الدين إلى مصر، وكان لا يستدعي منى شادية لإنشادها في ناديه، ويطرب لسماعها، ويعجب بإيقاعها وأولها: هجرتكم لا عن ملال ولا غدر ... ولكن لمقدور اتيح من الدهر واعلم أني مخطىء في فراقكم ... فعذرى في ذنبي وذنبي في عذرى أسير إلى مصر وقلبي أسيركم ... ومن عجب أسرى وقلبي في اسر تذكرت أحبابي بجلق بعدما ... والمشتاق يانس بالذكر ومن فارق الأحباب مستبدلا بهم ... سواهم فقد باع المرابح بالخسر قال: وكان الدخول إلى القاهرة يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الأول، وتلقى السلطان أخوه الملك العادل سيف الدين، وتلقانا خير مصر وجنت النا ثمراتها، وجلبت علينا زهراتها، وحلقت أنظارها وعلقت أقراطها، وزينت أطرافها وأوساطها، ودخل السلطان داره، وراجع الفلك مداره ووفق الله في جميع الامرو إيراده وإصداره. قال: ولم يبق لي من الشغل الا الكتب التي إلى الشام ولم يكن ذلك على الدوام فان في كل دوام ديوان كتابا وفي كل عمل نوابا فتوفرنا على الاجتماع في المغازي لاستماع الأغاني والشعر في الجزيرة والجيزة والأماكن العزيزة والاستمتاع بالجواهر والأعراض، والحضور في المدارس للاستدلال والاعتراض والتدريس للطلبة ورواية الأحاديث النبوية والمباحثة تارة في المعنى الأدبية وتارة في المسائل الفقهية، والحضور عند السلطان في كل ليلة للمشاورة الملكية والمحاضرة الإنسية، والمذاكرة النسكية. وكان مشغوفاً بمجالسة خواصه من العقلاء وموانسة ذوى اختصاصه من الفضلاء فإذا أراد الانصراف بعد هزيع الليل قام إلى صلاة العشاء وإذا فرغ من الصلاة جماعة تفرق الجمع ورفع الشمع فإن كانت له حاجة إلى إنشاء كتاب أو البوح بسر صواب أجلسني وأملى علي مقاصده وقمت وسهرت تلك الليلة لتحرير الكتب ثم أبكر إليه وأعرضها عليه فإن رأى الزيادة فيها أو تبديل شيء من معانيها وصل بي إلى مقاطعها ووفقني على مواضعها فما أبرح حتى أسوي قوامها وأروي أوامها وإذا إستصابها وقد أتممت نصابها توجها بتوقيه ويقول توجهها ولا تعوقها وتسددها إلى الأغراض وتفوقها. قال: ذكر نموذج من أنعامه علي بمصر

стр. 50

كان لبيع الكتب في القصر كل أسبوع يومان, وهي تباع بالمجان وأرخص الأثمان, وخزانتها بالقصر مزينة البيوت مقسمة الرفوف مفهرسة بالمعروف فقيل للأمير بهاء الدين قراقوش متولي مصر, والحال والقاعد للأمر هذه الكتب قد عاث فيها العث وتساوى سمينها والغث, ولا غنى عن تهويتها ونفضها وإخراجها من بيت الخزانة إلى أرضها وهو تركي لا خبرة له بالكتب, ولم يدر أن في نفضها أنفاضهاوإن في تصحيحها أمراضها, وهي مبوبة في مقاصيرها معينة في محاجيزها, مثبتة بخطوطها المنسوبة وإعدادها المحسوبة في دساتيرها. وكان المقصود دلالي الكتب أن يوكسوها ويخرموها ويعكسوها فأخرجت وهي أكثر من مئة ألف من أماكنها وغربت عن مساكنها وخربت أوكارها وذهبت أنوارها وشتت شملها فاختلط أدبيتها بنحويتها, وشرعيتها بمنطقيتها, وطبيها بهندسيتها, وتواريخها بتفاسيرها ومجاهيلها (١٨٦ب) بمشاهيرها. وكان فيها من كتب الأمصار والتواريخ الكبار ما يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين مجلدا إذا فقد منها جزء لا يخلف أبدا فاختلطت واختبطت فكان الدلال يخرج عشرة عشرة من كل فن كتبا متبرة فتسام بالدون وتباع بالهون. والدلال يعرف كل شدة وما فيها من عدة ويعلم أن عنده من أجناسها وأنواعها وقد شارك غيره في ابتياعها حتى إذ١ ألفى كتابا قد تقوم عليه بعشرة باعه بعد ذلك لنفسه بمائة. فلما رأيت الأمر حضرت القصر واشتريت كما اشتروا ومريت الأطباء كما مروا, واستكثرت من المتاع المبتاع, وحويت نفائس الأنواع ولما عرفت السلطان ما ابتعته وكان بمائتين انعم بها علي ثم وهب لي أيضا من خزانة القصر ما عينت عليها. ودخلت عليه يوما وبين يديه مجلدات كثيرة انتقيت من القصر وهو ينظر في بعضها فبسط يدي لقبضها وقال لي كنت طلبت عينتها فهل في هذه منها فقلت كلها وما استغنى عنها فأخرجتها من عنده بحمال. وكان هذا منه بالإضافة إلى سماحته أقل نوال وأهنا رفد بغير سؤال. قال: وكتبت إليه رقعة ذكرت فيها أنني غرمت في طريق مصر ما يقارب ثلثمائة دينار وأنني من تعويض عنه على أمل وانتظار فأمر بطلاق ذلك من بيت المال. وشملني النعام الفاضلى في تحصيله وتعجيله للحال, ورتب لي بمصر وظيفة دارة وميرة بمصالحي بارة, واقطعني من الأنعام ما بقي بعده على الدوام ومرور الأيام مستمرا مضافا إلى ما هو مقرر بالشام فما يزال يتبع الأنعام بالأنعام ويقرن الفرد منه بالقوام, ويعلم أن الدنيا قليلة اللباث كثيرة الأحداث فتناهز فرصه بالاغتنام وادخار حمد الكرام. ذكر القاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري قال: وكانت للقاضي ضياء الدين بالقاهرة دار جميلة, هي دارة بدره ودايره قدره ومجال جماله وفضل أفضاله, وبمصر له منزل هو قطعة من دار الذهب بدار الملك القديم مقيمة على قواعدها المستقيمة, فهو تارة يضيفنا في داره بالقاهرة بمقاريه الباهرة وتارة يقرينا في منزله بمصر بألطافه الظاهرة, ونحن عنده في أرب وجد وسماع وغناء واستمتاع واستغناء. قال: وعملت في تلك الأيام أبياتا يغنى بها ومنها: إن لم تجد بالوصل مت بحسرتي ... إن الفراق منيتي يا منيتي لك ناظر ذو صحة في علة ... ما صحتي إلا لديه وعلتي كم منة لك في الوصال قوية ... وأراك في البحران تضعف منيتي ومنها: قلبي العليل فكيف سوغ ... وصف طرفك بالعليل وأنا المحب المستهام ... فما لحضرك والنحول سلبت شمايلك العقول ... فما يراد من الشمول وسلاف ثغرك ليس يشفي ... غير رشفتها غليلي ولقد ظميت فسل سبيلا ... نحو ذاك السلسبيل

стр. 51

قال: واقترحنا على القاضي أن يفرجنا في الأهرام فأضاء وجه بشره لهذا المرام. وكانت له جزيرة الذهب في طريقها فعبر بنا إليها وتحمل من الكلف ما هو غير مطيقها فبتنا فيها ومعنا فلك ومراكب, وملك ومواكب وشداة وحداة وولاة وحماة, وقصدت تلك الليلة لطيبها, وأخذ كل نفس بمصيبها. وبكرنا وسيف الصباح قد شق برد الظلماء وابن ذكا قد جلا وجه السماء, وقدمنا المراكب وعدينا الجنايب فلما انتهى العبر وانقضى الصبر جزنا بالجيزة فرأينا أرضا رضية وبقعة فضية فيها قوم قعود في حلق متطلسون وبزى فقهائنا في العراق والشام متلبسون فظننتهم طلبة علم يدرسون فلما أحسوا بنا طاروا وصاروا إلى حيث صاروا وقيل لهم شاربوا المزر وحاقبوا الوزر فقلت لهم ما بال كل منهم بطرحة فقالوا هذا زي هذه البلاد ولا لوم على العرف المعتاد. ثم مضينا ودفعنا إلى المخاض وارتفاع بعد انخفاض فخاضت بغلة القاضي وعثرت وتوحلت (١٨٧ أ) والقلوب لاجلة توجعت وتوجلت فخرج سالما ولتطييب أنفسنا باسما فاستأنفنا قصد الأهرام وقد سبقنا إليها غلماننا بالخيام فنزلنا ودرنا حول الهرمين وطاف عليها القاضي من حسن خلقه وحسن تخلقه بكرمين. وكان معنا القاضي شمس الدين أبو فلان فما منا إلا من هو زهير وقد ظفر بهرمين وشب لنا هناك المكان والزمان وطالما كانا في تلك الرمال هرمين (وقد ظفر بهرمين) ودرنا في تلك البراري والرمال والصحاري, وهالنا أبو الهول, وضاق في وصفه مجال القول. ورأينا العجائب وروينا الغرايب واستصغرنا في جنب الهرمين كل ما استعظمناه. وتداولنا الحديث في الهرم ومن بناه فكل يأتي في وصفه بما نقله وعقله واجتهد في الصعود إليه فلم يوجد منهم من يوقله وحارت العقول في عقوده, والأفكار في توهم حدوده ولما أتممنا الفرجة عزمنا العودة وما أرفق تلك الشيمة وأهنأ وأسنى تلك الصنيعة النصيعة. ذكر بناء السور على القاهرة ومصر قال: ولما ملك السلطان مصر وأتاه الله على الأعداء بها النصر رأى أن مصر والقاهرة لكل واحدة منهما سور لا يمنعها, ولا قوة لأهلها تحميها وتردها وقال: ولو أفردت كل واحدة بسور احتاجت إلى جند مفرد ونظر مجرد والرأي أن أدير عليهما سورا واحدا من الشاطئ إلى الشاطئ ثم يتكل في حفظها على الله الكالئ. فأمر ببناء قلعة في الوسط عند مسجد سعد الدولة على جبل المقطم فابتدأ من ظاهر القاهرة ببرج في المقسم وانتهى به إلى أعلى مصر ببروج وصلها بالبرج الأعظم. ووجدت في عهد السلطان ثبتا رفعه النواب, وتكمل فيه الحساب وهو داير البلدين مصر والقاهرة بما فيه من ساحل البحر والقلعة بالجبل تسعة وعشرين ألف وثلثمائة ذراعا. شرح ذلك قياس ما بين قلعة المقسم على شاطئ النيل والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة ألف وخمسمائة ذراع, ومن الربعة بالمقسم إلى حايط القلعة بجبل مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم سبعة ألف ومائتي ذراع قياس داير القلعة بمسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتي وعشرة أذرع, وذلك بطول قوسه وأبدانه وأبراجه من النيل إلى النيل على التحقيق والتعديل وذلك بالذراع القاسمي بتولي بهاء الدين قراقوش الأسدي, وبنى القلعة على الجبل وأعطاها من حقها من أحكام العمل وقطع الخندق وهناك مساجد يعرف أحدها بمسجد سعد الدولة اشتملت عليها القلعة ودخلت في الجملة. وحفر في رأس الجبل بئرا ينزل فيه بالدرج المنحوتة من الجبل إلى المعين, وتوفي السلطان وقد بقيت من السور مواضع, والعمارة فيها مستمرة وأمر بناء المدرسة بالتربة المقدسة الشافعية وتولاها الفقيه نجم الدين الخبشاني وأمر باتخاذ دارا في القصر بيمارستان. وقال: وخرج السلطان من القاهرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان وقد استصحب من أولاده الأفضل عليا والعزيز عثمان, وجعل طريقه على دمياط, ورأى في الحضور بالثغر المذكور ومشاهدته الاحتياط. وكان له بها سبى كبير جلبه الأسطول فامتد بظاهر البلد يومين ليتبعه النزول قال: ووهبت منه جارية اخترتها وآثرني بثمنها لما اشتريتها. ثم وصلنا إلى ثغر الإسكندرية وترددنا مع السلطان إلى الشيخ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن السلفي الأصفهاني, وسمعنا عليه ثلاثة أيام يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت رابع شهر رمضان. قال ونظمت في الطريق مقطوعات ومنها.

стр. 52

يوما بجى ويوما في دمشق وبالفسطاط ... يوما ويوما بالعرافين كان جسمي وقلبي الصب ... ما خلقا إلا ليقتسما بالشوق والبين ومنها أحبكم حب النفوس نقاها ... واشتقاقكم شوق الظماء للورد ترحلت عنكم والفؤاد بحاله ... صبور على البلوى مقيم على الوجد (١٨٧ ب) فإن رمتم عذرى فإني على الوفا ... وإن خنتم عهدي فأني على العهد ذكر اللسان الصوفي قال: وكان حينئذ بمصر شيخ صوفي من أهل بلخ قد جرب الدهر وعانى العقد والفسخ، وعاين الإثبات والنسخ وجاور بغداد والكرخ، ظريف طريف، عفيف، لطيف لا يأكل وحده ولو انه رغيف. له مع نجم الدين أيوب صحبة قديمة ومودة كريمة وقد ملك من قلوب الملوك قبولا، ولم يزل بشمول عارفتهم مشمولا فبنى دارا على شاطئ النيل وفتح بابه لمن يضيفه من أبناء السبيل، وفيها بركة وبستان وروح وريحان، ومن كل شهى ولذيذ ألوان وللحلاوات على شيمته الحلوة حوالات، وللحاجات عند سجيته السمحة ناجات له فيما يدخل السرور في أنفس أصدقائه اخراجات. وما زال يدعونا إلى داره ولا يخلينا في ليالي الجمع من انتظاره، ويضيفنا مفردين ومجتمعين، ويحضرنا المستمعين والمغردين. وكان محبا للأدب ولدفاتره مستنسخا ومؤثرا للفضل ولمعاشرة معاشر مصرحا فإذا عرف ميلنا إلى كتاب قدمه وقدم على تقديمه قسمه ويحلف انه لا يأخذ ثمنه وانه لأجلنا ادخره وخزنه ثم وقف على الصوفية من بعده وانتقل بعد سنتين إلى النعيم وخلده. عاد الحديث قال: ولما عدنا من ثغر الإسكندرية صمنا بقية الشهر في القاهرة، والسلطان متوفر على نشر العدل وإفاضة الجود وسماع أحاديث الرسول ﷺ . وهناك لسماطه سموط وخوان مبسوط وكلنا بما هو فيه من النعمة مغتبط مغبوط، وكان إذا فرغ من الطعام، وخف ثقل الزحام تخلف عنده من جرت عادته من الجلساء وخواص الأمراء ثم قضينا فرض العشاء ووصلنا بالتراويح والاستغفار والتسبيح. ثم أن شاء جلس وبمن يقربه استأنس وإذا أراد البكور قاس وجلا من نشره القس وبكر وركب "والصبح قد تنفس". ذكر وصول الرسل ووقوع بعضهم في الأسر قال: قد سبق ذكر انفاذ سعد الدين أبي حامد رسولا إلى الأطراف للاستحلاف ورفع الخلاف وتأليف الكلمة العايدة بالإسعاد والإسعاف. ومضى أبو حامد وسرنا نحن إلى مصر ثم وصل الخبر بأنه قد عاد بعد ما استفاد وبلغ في تبليغ الرسالة المراد. ووصل ومعه من صاحب الموصل القاضي عماد الدين بن كمال الدين الشهر زاوي والحاجب ضياء الدين أبو بكر البغدادي ورسولان احدهما من نور الدين قرا أرسلان يقال له المظفري والآخر من قطب الدين صاحب ماردين وهو الضياء الرحبي، وحضروا بدمشق عند الملك المعظم شمس الدولة أخي السلطان واستحلفوه ودخل لهم تحت ما كلفوه، واستوفوا عليه اليمين بالموافقة على ما شرطوه ووصفوه. فأما القاضي الشهرزوري فانه عاد إلى الموصل واستبعد طريق مصر واستعمل الوقار فما خف وعاف وعف، فأما الباقون فانه حسن لهم سعد الدين ركوب الخطر وكروب السفر ووعدهم بالغنى وأخذهم على طريق في بلد الفرنج، أن قطعوه في يومين على غرة منهم نجوا فما جاء أمرهم كما رجوا بل شعر بهم القدر فاعرضهم وأخرجهم بالمضايقة وأحرضهم فسبق أبو حامد والضياء أبو بكر بمن معهما في نهج وعر، وحصل رسولا الحصن وماردين في اسر الملاعين الماردين ووصل الناجون إلى مصر واجروا حديث حادث السفيرين الأسيرين فاغتم السلطان واهتم ثم فكهما من الأسر بعد سنين حين فتح حصن بيت الأحزان.

стр. 53

كتاب فاضلي إلى صاحب الموصل في هذه النوبة مع رسوله: أحق المودات أدام الله أيام المجلس وأنفذ عزمته وأعلى كلمته وأتم نعمته وشرف همته وحفظ ذمته وسدد حكمه وحكمته بان يؤكد أسبابها ويقصد استثباتها ويحافظ وجود استقامتها مودة ارض الله سبحان انتظامها وأتم النعمة على أهل الإسلام تماما وعادت على مسرات الأولياء بتخليصها وعلى جموع الأعداء بتمحيصها وعلى الملة الحنيفية بأفرادها بمزية النصر وتخصيصها وعلى عباد الله ورعايا أوليائه بسبوغ ظلال الإلفة بعد تقليصها ووعدت في انتظام المصالح واتصالها، وفل شافة الكفر واستيصالها وسددت إلى نحور الكاشحين ما كان طايشا من مناصل الأولياء ونصالها وتلك المودة هي التي تلقى الدعوة إليها بالتامين وتلقى الراية (١٨٨أ) المنصور منها باليمين. ورفع الكتاب الواصل بسببها على الجبين وعلم أن الخير ماى أشتمل عليه نجواه والصواب ما دل عليه فحواه. قال سبحانه في كتابه الكريم "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقه أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف بؤتيه أجرا عظيما". وأحلى الصفو ما تبع الكدر وأجلى الصحو ما كان غب المطر، واهنا الراحات ما كان في اثر تعب السفر. والآن وقد حفظت المودة مجراها، وألقت الثقة عصاها، ولاح لعين السرى دجاها بل أشرقت شمسها وضحاها، وجرت عمدة الله الإيمان " وقد افلح من زكاها وقد خاب من دساها " سورة الشمس آية رقم ٩- ١٠ ووصل الحاجب أبو بكر كتب الله سلامته وأحسن صحابته بعد أن عاد القاضي عماد الدين إلى مستقر عزه من الحضرة، وقنع بحضوره واستيفاء اليمين الملكية المعظمية البرة. وكانت القناعة في موضوعها والثقة في مستقرها ومستودعها فان النفس واحدة ولكنها ساكنة في جسدين والمصافحة لازمة واليد منها كاليدين ووصل هذا الحاجب بعد أن لقى من سفره نصبا، وكانت سلامته مع اخذ المضيق عليه من طريقه اية عجبا فأنها شقة بعيدة ومشقة شديدة وبلاد مطموحة ومسالك تكاد يكون فيها أسباب العطب مرجحة. ولم يكن التزم من مقصده إلا الكتاب الذي كان على يده فان التعظيم بحسب قدر المناسب إلى قدرة العلى ومجده وشرفه الأولى، وعن الذي هو أبلا أعيان الأوصاف عين الملا، فسرت فيه نعمة السلامة وتوفرت عليه مزية الكرامة ونظمت اليمين التي احتفل بمحضرها واقترنت الأحكام بظاهرها والصفاء بمضمونها وأقام إلى أن أستكرم له التوفيق واختبرت له الطريق, وتوجه مصحوبا بلطف الله وأمانه داخلا في حرز كنايته وضمانه, ونسخة اليمين على يده سايره والمشافعة له تستولي على المقاصد الباطنة والظاهرة. وقد سرى هذا الاتفاق من الألسنة إلى القلوب وتأكدت فيه قضايا سفرة الوجوب مؤكدة الرجوب, واستبشرت الأنفس بأن الله سبحانه يجعله أحد ما ينجز به وعد نصره المكتوب ولزم للمنة به شكران يحمله الله فقد "ضعف الطالب والمطلوب". وكذا للأمير مجاهد الدين قايماز أدام الله تأييده في ذلك السعي المشكور والأثر المأثور وتجارة الخير التي لا تبور, والعزم الذي يتوضح في ظلام الخطب منه " نور على نور" فهو شكور بلسان إحسانه, معدود إذا اتسع ميدان الفضل من سبقه وفرسانه. وأما الكنب الكريمة الاتابكية فإنها نعمة لا يخفى قدرها, ومنه لا يمطل شكرها, وحسنة تتقدم الحسنات ذكرها, ولو أن المودة قد تأكدت لقيل أنها مما يتأكد به عهدها, وينتظم به عقدها ويشرق به في آفاق الخواطر سعدها وبحسب ذلك نرغب في أن نجعل قوت الأنفس منها إدرارا وسماء أأنعام بها مدارا مع يودع من أخبار نعمة الله سبحانه لديه على أنها نعمة ظاهرة آثارا متظاهرة إيثارا. لا زال الجناب السامي لتحايل الصدور مستخلصا, ولنهر المكارم مستفرصا, ولصفقات المودات مسترخصا, وللقلوب على ما يجب من الموالاة مستحرصا ولا برحت الأيام بحسناته موسومة وأتم الله نعمه فإنها بينه وبين الخلق مقسومةوهو تعالى فاعل ذلك بكرمه أن شاء ذكر خروج السلطان إلى مرج الفاقوس في ذي الحجة من السنة . قال: وخرج السلطان إلى الفاقوس وخيم بمرجها وزجرت بحار عساكره هناك بفوجها وموجها. وكان مقصوده إرهاب العدو في ثغره وإزعاجه بذعره وهو يركب للصيد والقنص والتطلع إلى أخبار الفرنج لانتهاز الفرص. ولم يخل يوم من إنهاض سرية سرية واعتراض البرية الكافرة في كل معقل وبرية.

стр. 54

وكان مرحبا رضيا, وفضاء مضيا, وصحاري واسعة, وبراري شاسعة وهو مصطاد وسيع ومصطاف وشيع, ومراد مريع كله ربيع, وشملنا فيه جميع ولكل رجاء من الجود السلطاني شفيع, ولكل توقيع توقيع. ودخلت سنة ثلاث وسبعين والسلطان بمرج الفاقوس من أعمال مصر الشرقية, والإسلام زاهر زاه والكفر واهن واه, والنصر مضمون, والعصر ميمون, وسر التوحيد سار, وقلب الشرك محزون, وذخر المال مبذول, وكنز الحمد مذخور ومخزون ونحن في اجتماع واتساع وارتفاع وامتناع لاشيم كهام ولا رنة شاك ولا أنة باك, ولا شكاية مظلوم, ولا حكاية محروم, والأيام ظاهرة الأيامن باهرة المحاسن, وقد طابت للزمان وأهله أنفاس ونفوس ودارت على الدنيا من ألطاف الله كئوس. قال ونظمت في الأجل (١٨٨ ب) الفاضل قصيدة ميمية في منتصف المحرم وأولها: يم هضيم يروم هضمى ... من سقم عينيه عين سقمي د نقطت شمس وجنتيه ... للحسن من خاله بنجمي اهي مناط الوشاح حلت ... فيه بوجدي عقود عزمي طاقة في القياس نطق ... يدور من خصره بوهمي ومنها ندي مواعيد للمعالي تمطل ... دهري فيها برغمي نتيجة النجح منك تقضي ... أن المواعيد غير عقمي ذكر علم الدين الشاتاني قال: قد سبق ذكره في الأيام النورية, وهو من أدباء الموصل وشعرائها بل من فصحائها وظرفائها وله نتف وطرف. ووفد سنة اثنتين وسبعين إلى مصر واصطنعه الملك عز الدين فرخشاه وأنزله في داره, وقرر له إحسانا دارا, وجمع له من رفده ومن الأمراء ذوي الفواضل مبلغ ألف دينار, وأذن صبح نجح أمله منه بأسفار, وكان عندنا في المخيم في المحرم من هذه السنة وقد مدح السلطان بكلمة مطلعها: إذا النصر معقودا براياتك الصفرا ... فسر وافتح الدنيا فأنت بها أحرى وأقام حتى اجتاب خلعة الاحتباء وعقد له السلطان حبى الباء. قال: وكتب الأجل الفاضل من عنده مكاتبه إلى عز الدين يحمده على اصطناعه ورفعه من حضيض حظوظه إلى بقاع ارتفاعه. فصل منها: لولا حق وجب على الملوك أداؤه, وسر خدمة تعين عليه إبداؤه لامتثال الأمر في أن يدوم سرور المجلس السامي بالحباية, وأن لا يعارض صفو عيشه بكدر كتابه. لكن لم يتسع له مع عود القاضي الفقيه الإمام الرئيس الكامل علم الدين وهو ينهي أن المذكور صايغ حليه الذكر وفارس خلية الشكر وخطيب الأيادي, والعالم بما يورده في كتب محاسنه (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وما برح مذ فارق الركاب العالي في هذه الأيام التي طالت عليه ببعده فكأنها أعوام كما قصرت عليه تلك الأيام بقربه فكأنها أحلام إذا ذكر المولى سبح بحمده وبادر من غير تشيع بتعفير خده وصلى على ذكره وسلم وأورد من آيات مجده ما كان بإيراده أقوم ولا نقول أعلم فإن الخلق قد أشركوا في هذا العلم وامتروا في هذا الحكم. عرف العالمون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد بل لا يقول أحد بالتقليد في فضايله لما عندهم من فواضله: فإن مر من يثني عليه حقايب ... فأنت الذي تثنى عليه الحقايق وكل سحاب يمطره فالمولى منشئ أفواجه, وكل بحر يغمره فهو باعث أمواجه, والمولى مقفو أثر الإحسان متبوعه, ومن الذي يتبعه فيستطيعه, فمن أعطاه أوادنا فإنما عرفه بتعريفه واستشرف ناظره إليه بتقريبه له وتشريفه والمولى كما قال حبيب الأدباء حبيب: ففي كل نجد في البلاد وغاير ... مواهب ليست منه وهي مواهبه وفي هذه القصيدة بيت يليق بأوصاف بيته الكريم وهو: إلى سالب الجبار بيضة ملكه ... وأمله عاد عليه فسالبه والمملوك لايستزيد الإحسان لأنه ناقص عن غاية ولكنه يشاركه في الشكر وإن كان المذكور أشهر اياه وأظهر آية. ذكر بروز السلطان بقصد الغزاة إلى غزة وعسقلان ونوبة الرملة .

стр. 55

قال: وعاد السلطان إلى القاهرة وأقام بها ثم تقاضته عزمته واهتمت بالغزاة وجد بالجهاد وجده وجهده وجردت سربجياته وأسرجت جرده وقلقت بغرارية أجفانه وفاضت على النحور غدرانه, وتلبست بالأجسام أبدانه, وصافحت أشجع الشجعان صفاحه, وأسفر في ليل العجاج من غرر وهمه صباحه وخرج من القاهرة يوم الجمعة ثالث (١٨٩ أ) جمادى الأولى بعد الصلاة وخيم بظاهر بلبيس في خامسها بخيمته لقصد الغزاة, ثم تقدمنا إلى السرير وخيمنا بالبرز, قال: ونودى خذوا زاد عشرة أيام أخرى زيادة للاستظهار, فقلت لغلامي قد بدأ وقد خطر الرجوع ببالي وأنا صاحب قلم لا صاحب علم وقد استشعرت نفسي في هذه الغزوة من عاقبه ندم, والمدى بعيد والخطب شديد والطريق كله في الرمل وجمالي وبغالي لا تقوى على الحمل وهذه نوبة السيوف لا نوبة الأقلام والواجب على كل منا أن يلزم شغله ولا يتجاوز محله لاسيما ونواب الديوان قد استأذنوا في العود وأظهرت سرى للمولى الفاضل فسره إشفاقا علي. وكان السلطان أيضا يؤثر إيثاري ويختار اختياري فقال أنت معنا أو عزمت أن تدعنا فقلت العزم للمولى وما يختاره لي فهو أولى, فقال تعود وتدعو لنا وتسأل الله أن يبلغنا في القصر سؤلنا. قال وكنت كتبت إلى المجلس الفاضلي أبياتا ونحن بالمبرز يوم الاثنين العشرين من الشهر مما على سبيل المداعبة ومنها: قيل لي سر إلى الجهاد وماذا ... بالغ في الجهاد جهد مسيري ليس يقوى في الجيش جأشي ... ولا قوسي يرى موترا إلى موتور قال: وما انقطعت عن السلطان في غزواته إلا في هذه الغزوة, وقد عصمني الله فيها من النوبة. قال: وكنت لما فارقت القاهرة استوحشت وتشوقت إلى أصدقائي وتعطشت. وكتبت من المخيم ببلبيس إلى القاضي شمس الدين محمد بن محمد موسى بن الفراش اذكر له لوا عج الاستيحاش وكان أصدق صديق وأشفق شفيق وقد تصاحبنا من الأيام النورية واستشرته في التأخر عن السلطان فكتب في الجواب وقال: رافقه ولا تفارقه فإنه يعرف لك حقك فكرهت رأيه وتلوت سور الخطر وأية وضمنت الكتاب هذه الأبيات: إذا رضيتم بمكروهي فذاك رضا ... لا أبتغى غير ما تبغون لي غرضا وإن رأيتم شفاء القلب في مرضي ... فإنني مستطيب ذلك المرضا أنتم أشرتم بتعذيبي فصرت له ... مستعذبا أستلذ الهم والمضضا إن رممتم عوضا في محبتكم فحاشى ... لله أن أبغي بكم عوضا الله عيش يقضي عندكم ومضى ... وكان مثل سحاب برقه ومضا قد أظلم الأفق في عيني بغيبتكم ... فإن أذنتم لشخص في الحضور أضا ما كنت أعهد منكم ذا الجفاء ولا ... حسبت أن ودادي عندكم رفضا قال فكتب إلى في الجواب أبياتا منها: أرسلت سهم عتاب قد جعلت له ... قلبي وإن لم تكن عينته غرضا لا تنسبوني إلى إيثار بعدكم ... فلست أرضى إذا فارقتكم عوضا عاد الحديث قال: ثم ودعت السلطان وعدت وما تأخرت إلا إلهاما من الله تعالى بالنجاة من تلك الورطة حيث حكم في تلك النوبة بالعثرة, ورجعت وأنا بين عادل وعاذر وناه وآمر ثم رحل في سلطان مقدما ولعزمه في الجهاد مصمما وسار في جيش مجر من سواد القتام في ليل ومن بياض البيض في فجر, ومن حب الغزو في وصل ومن سلو الحياة في هجر فنزل على عسقلان يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى وسقاهم من الموت فسبى وسلب وغنم وغلب وجمع من كان معه من الأسارى هناك فضرب منهم الأعناق وسقاهم من الموت الكأس الدهاق, وتفرق الفرق في الأعمال مغيرين ومبيدين ولما رأوا أن الفرنج نايمون خامدون استرسلوا وانبسطوا (١٨٩ ب) وناموا وأقاموا وتوسط السلطان البلاد وسلط عليهم البلاء.

стр. 56

واستقل يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة بالرملة راحلا ليقصد بعض المعاقل فاعترضه نهر عليه تل الصافية فازدحمت على العبور العساكر المتوافية فما شعروا إلا بالفرنج طالبة بأطلابها حازبة بأحزابها مصحرة, حادرات أسادها في غابها, زايرة بزئيرها في مساعير سعيرها وذلك يوم الجمعة أول الشهر وقد تفرق الجمع وأمن الروع وسرنا والضياع مغبرة ولرحى الحرب عليهم مديرة فوقف الملك المظفر تقي الدين وتلقاهم بصدره, وسبك الرجالة بنيران سيوفه, وصدهم عن الحملات وقوفه ثم حمل على الخيالة بخيله وجرفهم بسيله فاستشهد من أصحابه عدد من الكرام انتقلوا إلى نعيم دار المقام, وهلك من فرسان الفرنج أضعافها. وكان لتقي الدين ولد يقال له أخمد شاب أول ما طر شاربه وهو في ريعان شبابه الطري فقال له يا ولدي قد جاءت نوبتك فأين سطوتك فأقر عيني بأقدامك وأحسم داء الفزع ببراعتك وحسامك, فحمل وبلغ الطعان وراع تلك الرعان فأردى فارسا وفرسه وصد العدو وحبسه وخرج سالما إلى أبيه يعتقد أن تلك النهضة تكفيه. فقال له: عد يا أحمد فأن العود أحمد وقسا قلبه حتى كان مراده أن يستشهد فقدم الولد طاعة الله وطاعة والده على هوى نفسه وغامر وحشة الروع بأنسه, وأذنت الحملة الثانية بكسوف شمسه فأستشهد. وكان له ولد آخر اسمه شاهان شاه في الأسر, وسبب ذلك عزته الداعية إلى الاغترار فإنه خدعه بعض مستأمني الفرنج بدمشق وقال له تجي إلى الملك وهو يعطيك الملك, وزور له كتابا واستحضر على لسان بعضهم خطابا فسكن إلى صدقه وصحبه ولم يدر أنه خدعه وسلبه فلما تفرد به شد وثاقه وغله وقيده وضيق خناقه إلى الداوية, وأخذ به مالا وجدد عندهم له حالا وجمالا وبقي في الأسر أكثر من سبع سنين حتى فكه السلطان بمال كثير وأطلق للداوية كل من كان عنده لهم من أسير. قال ولو أن لتقي الدين رداء لأودى القوم وأغلى السوم لكن الناس لما عرفوا الوقعة تفرقوا وراء أثقالهم ثم نجوا برجالهم دون رحالهم, وضربوا مجملتهم على السلطان فثبت ووقف على مقدمته من تخلف. وسمعته يوما يصف تلك النوبة ويقول رأيت فارسا يحث نحوي حصانه وقد صوب إلى مجرى سنانه ومعه آخران قد جعلا شأنهما شأنه فرأيت من أصحابي خرج كل واحد منهم إلى واحد فبادروه وطعنوه وقد تمكن من قربي فما مكنوه وهم إبراهيم بن قنابر وفضل الفيضي وسويد ابن غشم المصري واتفق بسعادة السلطان أن هؤلاء وأمثالهم من فرسان العسكر وافقوه وما فارقوه ومازال السلطان يسير ويقف حتى لم يبق من ظن أنه يتخلف ودخل الليل وسلك الرمل ولا ماء ولا دليل ولا كثير من الزاد واعلف ولا قليل وتسعفوا السلوك في تلك الرمال والأوغاث والأوعار حتى وصلوا إلى الديار المصرية وأذن ذلك بتلف الدواب وفقد كثير ممن لم يعرف له خبر ولم يظهر له اثر. وفقد الفقيه ضياء الدين عيسى وأخوه الظهير ومن كان في صحبتهم فضلوا عن الطريق وكانوا سايرين إلى وراء فأصبحوا بقرب الأعداء فاكتمنوا في مغارة وانتظروا في بلد الإسلام على عمارة فدل عليهم الفرنج من زعم انه يدل بهم فأسروا وما خلص الفقيه عيسى وأخوه إلا بعد سنين بستين أو سبعين ألف دينار وفكاك جماعة من الكفار عندنا من أسار وما اشتدت هذه النوبة بكسرة ولا عدم نصرة وأن النكاية في العدو وبلاده بلغت منتهاها وأدركت كل نفس مؤمنة مشتهاها لكن في الخروج من تلك البلاد تشتت الشمل وتوعر السهل وسلك مع عدم الماء والدليل الرمل, وقبض من ضل به الطريق الأسر والكبل. ومما قدره الله تعالى من أسباب السلامة استظهار الأجل الفاضل في دخوله إلى بلاد الأعداء باستصحاب الأدلاء وأنهم ما كانوا يفارقونه في الغداء والعشاء وينفق عليهم ويقوم بكل ما يحتاجون إليه فلما وقعت الوقعة بدوابه وغلمانه وأصحابه وأثقاله وجماله وثب أصحابه في تلك الرمال والوهاد التلال حتى أخذ خبر السلطان فقصده وفرق ما كان معه من الأزواد على المنقطعين وجمعهم في خدمة السلطان (١٩٠أ) أجمعين وكان الناس في مبدأ توجه السلطان ودخول الأجل الفاضل معه إلى البلاد ربما تحدثوا وقالوا لو قعد وتخلف كان أولى فإن الحرب ليست من دأبه. ثم عرف أن السلامة والبركة والنجاة في استصحابه.

стр. 57

قال: وجاء الخبر إلى القاهرة مع ناجين فخلع عليهم وأركبوا وأشيع بأن السلطان نصره الله وأن الفرنج خذلهم الله, وأنهم كسروا وغلبوا وركبت لأسمع حديث الناجين وكيف نصر الله المسلمين, وإذا هم يقولون أبشروا فإن السلطان وأهله سالمون وأنهم واصلوا غانمون فقلت ما بشر بسلامته إلا وقد تمت كسرة وماتم سوى بسلامته نصره وكان كما حررته. ولما قرب خرجنا إلى تلقيه ودخل القاهرة يوم الخميس منتصف الشهر ونابت سلامته مناب النصر وسيرنا بها البشاير وأنهضنا ببطاقاتها الطاير لإخراس ألسنة الأراجيف وأبدال التأمين من التخويف, فقد كانت نوبتها هايلة ووقعتها غايلة. كتاب فاضلي عن السلطان إلى بعض الأمراء يذكر مما دفعه الله في نوبة الرملة من البلاء, نعم الله سبحانه في كل ما تصرفنا عليه توجب أن نصرف إليه شكرنا, وألطافه الجميلة في كل ما يفضي بنا إليه يقتضي أن نبلي في حبها عذرنا. ومكاتبنا إلى الأمير صادرة في يوم الخميس الخامس عشر من جمادى الآخرة عند قفولنا من الغزاة التي صرفنا الله فيها عن الكفار ليبتلي صبرنا. والعساكر المنصورة سالمة بجمهورنا مقسومة نعم الله في الكافة بين آمرها ومأمورها. وقد كانت هذه العساكر جاست خلال ديار الكفار وقاتلت البلاد وأهلها بالسيفين الحديد والنار, وحكمت القتل تحكيما عجل فيه الارتياح إلى أمر الله عن مهلة الأسار واستباحت لهم معاقل وأصابت لهم مقاتل, وشغلت العساكر كسرتها وفيها للعساكر دوما شغل شاغل. وكانت العدو رامها مستيقظة فلم يطقها وبارزها على باب عسقلان فلم يثنها من غاية ولم يعقها بل ولاها ظهره عجلا وفر تحت الليل وجلا ثم طرقها في حال انبثاث منها وانتشار وشغل بالنهب والاغترار وتباعد من الأطلاب وخفة من رجالها وخلو من الأسلحة التي احتاجت في لباسها إلى أثقالها فقتل من العدو أضعاف المقتولة من المسلمين وكانت البادرة للكافرة والعاقبة كما وعد الله للمتقين, وسلم الله الخلق من المهالك الموحشة والمجاهل المعطشة, والظلم المدهشة والافتراقات التي منها تفلل الجيوش المجيشة حفظا لدينه ونعمة يجب شكرها على كل مسلم وإلا فإن الأعمال موبقة والسيئات موثقة والكثرة أعجبت وأعجلت والثقة بغير قادر أخجلت. ولم يفقد مع البعد في المسافة والتتبع بالمحافظة فقد الماء في القفز وعدم الأدلاء وكثير من أظهر من أمراء العسكر وأكابرها وأصاغرها إلا نفر قليل أكرمهم الله بالشهادة مقبلين غير مدبرين ومتقدمين غير متأخرين وليس منهم من لاسمه في الأسماء شهرة ولا من يعتقد العدو أن له بقتل مثله كثرة وعدنا فحملنا الضعيف والمنقطع ورفقنا في السير حتى لحق المفترق بالمجتمع والأمير يتلو كتابا على بياض الثغر وذوي هيأته ويستدعي شركتنا في شكر الله الذي هو أيسر واجباته ليسكنوا أن الأمور قايمة والعساكر سالمة والغزوات تتصل ولا تنقطع والطلبات للعدو بإذن الله تسهل ولا تمتنع وراية هذا الدين ترتفع ولا تنخفض, وأنوار هذه الملة تتسع ولا تنتقض. ولا فلت لنا والحمد لله هذه النبوة عزيما ولا أحالت منا عن طلب الكافرين غريما وما عدونا ما قال الله سبحانه (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. قال: وحيث كانت للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب في هذه الغزوة اليد البيضاء أنشدته قصيدة في سابع رجب وأولها: جفون البيض أم بيض الجفون ... وسمر الخط أم هيف الغصون ألا يا عاذلي دعني وشأني ... وما يجري المدامع من شئوني فإن صبابتي داء دفين وكم ... أبقي على الداء الدفين وحايلة الوشاح رأت جمالي ... على هوجاء حايله الوضين (١٩٠ ب) بكت شجوا وأرزمت المطايا ... وهاج أنينها الشاجي أنيني فلي ولها وللانضاء شجوا حنين ... في حنين في حنين وقالت ما ظننتك قط تنوي ... مفارقتي لقد ساءت ظنوني فقلت سراي للعليا وأني ... تخدت لها أمينا من أموني إلى عمر بن شاهنشاه قصدي ... ثقي بغناي منه وارقبيني ولست أرى سوى علياك تاجا ... يليق بدر مدحتي الثمين واهتم السلطان بعد ذلك بإفاضة الجود وتفريق الموجود وانتقاد الناس بالنقود والنسايا الصادقة الوعود وتعويض ما وقف من الدواب ونفق من الغراب حتى حصلوا على أحسن منها وأجود وأحمى وأحمد.

стр. 58

ذكر ما في هذه السنة بالشام قال: وقعت المنافسة بين الحلبيين مدبري الملك الصالح واستولى على أمره ابن العجمي أبو صالح, وكان مرهوب الشداة مشبوب الشباه مخوف البطش مخشي النهش ولا يلزم طوره ولا يعرف أحد غوره ولا يرض أمرا فوق أمره ولا يريد إلا الاستبداد بخيره وشره. وكان سعد الدين كمشتكين الخادم مقدم العسكر وأمير المعشر وكبير المحشر وهو صاحب حصن حارم وقد حسده أمثاله من الأمراء لأنه مستقل بالإدارة فسلموا للعدل الاستبداد والتمكين من منافسة كمشتكين فصار يبرئ ويقسط ويرفع ويحط وبرأيه يتسلط وفي المخاوف يتهور ويتورط فقفزت عليه الإسماعيلية في جامع حلب بعد الصلاة وفجعوه في الحياة وشغلوه بمرارة المنون عن المنى الحلوة المشتاة. ومن بعده انبسط كمشتكين بعد انكماشه, واغتر بوفور ريشه ورياشه, وترك المبالاة بأوشاب الملك وأوباشه فقالوا هو الذي قتل العدل وحسن للإسماعيلية الفتك به والقتل, وحسنوا للملك الصالح وهو صبي وعلموه وهو غبي وقالوا: أنت السلطان ولا حكم إلا لك وقد استكملت الحجر ارفع عنك الحجر وهذا كمشتكين يحتقرك وأنت كثير ويستصغرك وأنت كبير وبالأمس تقلد وزر وزيرك وأشار بالفتك بمشيرك, ومازالوا به حتى بسطوا يده على قبض المذكور وطالبوه بتسليم قلعة حارم وارتكبوا في تعذيبه المحارم فكتب إلى نوابه بها فنبوا وأصروا على الامتناع وأبوا فحملوه ووقفوا به تحت القلعة فلما طال أمه قصر عمره فتركوا رقبته وفكوا رقبته واستبد الصغار بعده بالأمور الكبار وامتنعت القلعة عليه ونزل عليها الفرنج ودافع عليها الكمشتكينية ولزموا في حفظها النخوة والحمية ثم رحل الفرنج عنها بقطيعة بذلها لهم الملك الصالح, ونزل أصحاب كمشتكين عنها وهم رزايا طلايح, وولى بها مملوكا لأبيه يسمى سرخك. ذكر نزول الفرنج على حماه يوم الأحد العشرين من جمادى الأولى ورحيلهم عنها بعد أربعة أيام قال: قد وصل في هذه السنة إلى الساحل من البحر كند كبير يقال له كند أفكنت من اكبر طواغيت الكفر. ونايب السلطان بدمشق أخوه الملك المعظم شمس الدين فخر الدين تورانشاه وقد بذل الفرنج ما آمنت به البلاد من معراتهم وسلمت الغلات من غاراتهم، وهو خايض في أمره وانفاد غايض في بحر ملاذه، واشتغل كل من الأمراء في ثغره بهزله وجده وبدا للكافر الواصل ضعف العاقل وخلوها من الجند المقاتل ومن جمله شروط هدنة الفرنج إنهم إذا وصل لهم ملك كبير ما لهم في دفعه تدبير إنهم يعاونونه ولا يباينونه ويحالفونه ولا يخالفونه فا ذا عادت الهدنة كما كانت وبحكم هذا الشرط حشدوا الجنود وجندوا الحشود. ونزلوا على حماه في العشرين من جمادى الأولى وصاحبها شهاب الدين محمود محموم، والملك بمرضه مهموم مغموم. وكان سيف الدين على بن احمد المشطوب بالقرب فدخلها وخرج للحرب، واجتمع إليه رجال الطعن والضرب وجرت ضروب من الحروب، وكاد الفرنج تهجم على البلد فأخرجوهم من الدروب وواصلوا الاشتجار وقطعوا الأشجار، وكشفوا الأسوار وابعدوا (١٩١ أ) في الإنجاد والأغوار، فأعجزهم القدر الغالب وتجمعت على كتبهم الكتايب، وهم في كل يوم يقلون، والمسلون يكثرون ثم سقطت مهابتهم فما صدقوا كيف يرحلون، فكسفت أدبارهم وكسحت آثارهم وكثر قتلهم واسارهم ثم تجمعوا بعد حين ونزلوا على حارم وقالوا رجالها على صاحب حلب عاصية، وهي من نجدة المسلمين قاصية، وصاحبهم قد قتل وهم موتورون فحاصروهم شهرين وجرح أكثر من في الحصن وغلب وهن الوهن. ثم تسامع الحلبيون برحيلنا من مصر لقصد الشام، وقالوا أول ما يصل صلاح الدين يتسلم حارم فراسلوا الفرنج وارهبوهم وقالوا صلاح الدين واصل فتنازلوا عن النزال بما قرروه من قطيعة المال وعدة من الاسارى فرسان القتال ورحل الفرنج وما انفصلوا عن حارم إلا بعد انفصالنا عن مصر. وأما الحلبيون فإنهم راسلوا من بقي بحارم، وقد قتل وجرح مقاتلوهم، ولما فرج الله عنهم تركوا في طاعة الله العصيان، وخرجوا، ومضى كل واحد في طريقه (وحصلت القلعة للحلبيين)) .

стр. 59

قال: وقد مضى ذكر شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي خال السلطان وصهره ومرضه عند نزول الفرنج على حماه وقد مرض أيضا ولده الأمير تكش وهو شاب في ريعان أيامه وعنفوان حسنه وإحسانه فمات يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة ومات شهاب الدين يوم الأحد بعده بثلاثة أيام وانتقلا إلى جوار الواحد الأحد وافق ذلك وقت وقعة الرملة فأصيب السلطان في الشام بخاله وابن أخته منه وكان هذا شهرا طويلا أورث عويلا وحزنا طويلا، وسلم السلطان إلى القضاء الله وقدره وعلم أن كل صفو مردف بكدره فانفق أموالا استوعبت الآمال، وأعادت بعد الاعوجاج والاعتلال الصحة والاعتدال فشد الرحال وعزم الترحال. ذكر الخروج من القاهرة والتوجه إلى بلاد الشام قال: وخرجنا لقصد الشام من القاهرة يوم السبت السادس والعشرين ورحلنا بالخميس بعد صلاة عيد الفطر يوم الخميس. وكان الخبر قد وصل بان الفرنج حين انفصلوا عن حماه نزلوا على حارم فحث السلطان العزايم سابع الشهر وقطعنا عقبة ليله يوم السبت العاشر واروينا الخوامس والعواشر وهناك على الساحل يحفر الرمل فيخرج الماء العد العذب ويروى منه الركب وتحمله الصحب. وههنا سألني السلطان أن اعمل أبياتا خفيفة لطيفة يكتب بها إلى أخيه بدمشق فارتجلت. الشوق ابرح ما يكون ... إذا دنا أمد اللقاء وتزيل أيام التداني ... جور أيام التنائي العبد يخدم بالسلام ... وبالتحية والدعاء للسيد الملك العظيم ... ذي الجلالة والعلاء قال: وكنا سايرين في رفقة من أهل الأدب فعبر بنا مرموق في صورة ملك اسمه شاه ملك فاقترح على لغزفي اسمه فارتجلت. اسم محبوبي سد أسى إذا سقط=الثلث فعكس الكلمة وإذا قدم ثاني شطره فهو ... سلطان لنا ذو عظمة عربي عجمي نصفه كله ... معنى لمن قد فهمه قال: وإنما أوردت هذه اللمعة لأعلم إني في ظعني وإقامتي ما خلوت ممن يقترح زناد قريحتي ويقترح ما ينشره من فضلتي. قال: وما زلنا نسير حتى وصلنا إلى دمشق يوم السبت الرابع والعشرين من شوال فاستقبلنا أهلها بنعم ذات نوال، وامددنا من فواكهها برخايص وغوال وجددنا العهد يلقيا أصدقائنا من أديب ولبيب وطبيب وأمين وأمير ووال قال: تذكرت في جلق داركم بمصر ... فيها بعد ما بيننا وما أتمنى سوى قربكم ... وذلك والله كل المنى (١٩١ب) كتاب فاضلي إلى السلطان ورد على الملوك أدام الله أيام المجلس العالي الملكي الناصري ونصره على أعدائه، وملكه أرضه بعدل حكم سمائه، ولا اخلي من نعمتي نظره وخيره قلوب وعيون أوليائه، واعز الإسلام ورفع عن أهله البلوى بلوائه. الكتب الكريمة التي تسر الناظرين بشعارها الأصفر وتبشر الأولياء إن كانوا غايبين مع الغيب بان خطهم حاضر مع الحضر. وقد كانت الفترة قد طالت أيامها واستطاعت آلامها، والطرقات التي سبق إلى الأنفس اتهامها (الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن) وأولى من النعمة ما اشترى الحمد عنا بلا ثمن، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ووعده سبحانه منتظر إذ يقول في كتابه (وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا وصدق ﷺ واله في قوله: أم اختيار الله للمؤمن خير من اختياره، وان مواقع أمله خير منها مواقع امضية الله وأقداره. فقد كانت حركة احتاجت إليها البلاد التي انفصل عنها, والبلاد التي قدم عليها أما المصرية فبكونها على عدة من نجدته آجلا, وأما الشامية فبكونها على تقدة من نصره عاجلا فقد تماسكت من المسلمين الأرماق وقد انقطعت عن المشركين الأعناق. تهاب بك البلاد تحل فيها ... ولولا الليث ما خيف العرين وعرض المملوك جميع ما وصل إليه من مكاتبات المولى على العلم العادلي, فأدركها تحصيلا وأحاط بها جملة وتفصيلا. والمولى خلد الله ملكه فكل ما أشار إليه من عزيمة أبداها ونية أمضاها فهو الصواب الذي أوضح الله مسالكه, والتوفيق الذي قرب الله مداركه ومن أطاع الله أطاعه كل شيء ومن استخاره بين الرشد من الغي فالله يجعله من كل حادثة بنجوة ويكتب أجره في كل حركة ونفس وخطوة.

стр. 60

ومنه قد كان العدو خذله الله نهض ووصل إلى صدر فوجدها أمنع من عقاب لوح الجو, وعاد متخلف النية مخلف النو وكفى الله أمره وصرف شره. ومنه المملوك ينهى أنه وقف على نسخ الكتب العراقية المباركة وهي دالة على جميل النية, ووقوع الاهتمام بهذا الجانب وحمل إليهم بما يجري له مع الأعداء, والمشاركة المشكورة في (السراء والضراء) وأوهب أن يتلقى هذا الإحسان بغاية الاعتداد, ويجرد فيه لسان الشكر والاحماد وتوسع القول في أن جميل الآراء الشريفة هو العدة والعمدة والمرجو في الدنيا والآخرة, والعاجلة والآجلة، وتعجل إعادة الرسول فما يكون كلفته إلا واسعة والمطالب بإقامته متشتتة. ومنه في صفة الرسول ومن يختار للرسالة وشروطها، إن كان ولابد من رسول فيلمح المولى من أمره النزاهة حيث لا يثقل تثقيلا لا ينفعنا، ويستثقل به من نفد إليه، والعقل حتى يعرف ما يأتي ويذر، والصدق فانه لاراى لدرب والاستقلال بالقول فان غيبة الحجة في وقتها خذلان عظيم والمولى يعرف من طلب فما ينبغي إن يقال مع معرفته خذ فلانا ودع فلان ولو أن عندنا عرضا مهما لكان إنهاض الفقيه قطب الدين النيسابوري واجبا لان حرمته كبيرة ومعرفته ثاقبة فلا يعدل عن استشارة ظهير الدين فقد تجرد لقضاء الحق والانصباب إلى هذا الجانب والتشهي بمحبته والخطب في جله. ومنه في معنى شرف الدين بن عصرون وكان قد كف بصره، وحديث قاض قضاة دمشق لا يعجل في أمره ولا يستبدل به الأبعد ظهور الخيرة فيمن تقدمه فالمنصب كبير وجمع شروط الاختيار عسير وإيلام قلب رجل شارف منتهى عمره مع كونه لم يظهر منه ما يذم من اثر مما لا يحتاج إليه. ومنه ونوبة العدو في الرملة فقد كانت عثرة علينا ظاهرة، وعلى العدو باطنها ولزمنا ما نسى من اسمها ولزمهم ما بقي من عزمها، ولا دليل أدل على القوة من المسير بعد شهرين من تاريخ وقعتها إلى الشام نخوض بلاد الفرنج بالقوافل الثقيلة والحشود الكثيرة، والذي تضمنه صاحب منبج عن الحلبيين والمواصلة فما هو إلا ظن توهمه اون نقلة ناقل يجب أن يتفهمه فأي سبب يحمل قوما افردتهم الأيام بلذاتهم، وقام المولى بينهم وبين أهل معاداتهم يسهر وهم ضاجعون ويتعب وهم وادعون، ثم إنهم قد جربوا ولدغوا وطلبوا فما بلغوا ما هو عنها بالحديث المرجم. عاد الحديث قال: لما دخلنا دمشق وجدنا رسل دار الخلافة قد وصلوا بأسباب العاطفة والرأفة، وكان حينئذ صاحب المخزن ظهير الدين (١٨٢أ) أبو بكر منصور بن نصر العطار وهو من ذوي الأخطار وله التحكم في الإيراد والإصدار وقد توفر على محبة السلطان وتربية رجائه، وتلبية دعائه فوصل كتابه ورسوله بكل ما سر السرير، وكان الكتاب بخطه واقترح على السلطان أبياتا يكتبها في كتاب إليه بخط فقلت ما ضمنه الكتاب وهو: وأفاض في شكر العوافر عارفا ... بقصور باع الشكر عن نعمائه وتأمل الخط الكريم فأشرقت ... أنوار حسن من أثنائه أضحى ظهير الدين أفضل صاحب ... يستمسك الداجي بصدق ولائه مكاتبه فاضلية في التهنئة بمولود. الملوك يبل الأرض بالمقام العالي الناصري، نصر الله الإسلام بمقامه واهلك أعداء الحق بانتقامه ويهنىء المولى بنعمة الله عنده وعند الإسلام وأهله من زيادة في ولده وكثرة في عدد وهو الأمير أبو سليمان داود أنشاه الله نشوة صالحي خلقه، وجعله كما جعل أباه من أنصار حقه، وكانت ولادته في الساعة الرابعة من ليلة الأحد لسبع بقين من ذي القعدة ومن الله بكمال خلقه ووسامة وجهه وسلامة أعضائه وتهلل عزته وابتسام أسرته ودل على أن هذا البيت الكريم فلك الإسلام لا يطلع فيه إلا بدر البدور كما دل على عناية ربه بابيه فانه تعالى قال: " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور". وهذا الولد المبارك هو الموفى لاثني عشر ولدا بل لاثني عشر نجما توقد فقد زاد الله في أنجمه عن أنجم يوسف ﵇ نجما ورآهم المولى يقظة ورأى هو تلك الأنجم حلما ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق له سجودا وهو سبحانه قادر على أن يزيد حدود المولى حتى نراهم آباء وجدودا.

стр. 61

ومن كتاب فاضلي آخر. أدام الله دولة مولانا الناصر وخصه بتشييد بناء السلطان ولا أخلى منه عيون الأولياء فأما القلوب فإنه لها ساكن وأنها له أوطان, وأوزعه أن يشكر ما به من نعمة وألهمه أن يخلف محمدا ﷺ بأحسن الخلافة في أمته, وحفظ عليه كل عمل, بيده قاضيته, ولقاء كل خير بيده ناصيته: وإن أكثر الداعون فيما دعوا له ... فلا تلحين من بات يدعو لنفسه كتبت هذه الخدمة بعد انقضاء عيد النحر على ما شرع فيه من سنة واستحب من قربه وعلى نيابة المولى الملك العادل أوفى نيابه وعلى هذا فإن الخلق لغيبة المولى. تراهم كبيت غير الكسر وزنه ... فألفاظه نثر ومعناه قايم * * دنا العيد أو تدنوا كعبة المنى ... وركن المعالي من ذوابة يعرب فيا عجبا للدمع يرمى جماره ... ويا بعد ما بيني وبين المحصب كتب المولى عند المملوك كالجنة التي قال الله تعالى واصفاً لها: " وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون " وإن لم يخلد المملوك فيها جسما فقد خلده الفخر فيها اسما ونعمة المولى بها وبخيرها تجل عن الوصف. وما عمت لساني كل عن صفة ... وما علمت إلا فوق ما أصف والله ما يهيج البروق اللامعة, والحمايم الساجعة والنسيم في الأصال والخواطر إذا خطر بها أيام الوصال ما يهيج هذه الكتب وأنها لتلفح من سحب العيون ما تلفحه مراقات السحب وبالجملة كل دم حقنة المولى لجهاده قد أجراه دمعا وذكر المولى أنشودة وأنها ربما كانت للقاء ميعادا: متى أن يكن حقا أحسن المنى ... يابرد ذاك الذي قالت على كبدي فسوغوني المنى حتى أعيش بها وقد ينعش الفتى بعد عثرة ... ويصطنع الحسنى سراة بني عجل * * * سقى الله دارا شوقتك بغيرها ... وأذنتك نحوي يا زياد بن عامر أصايل قرب ارتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن برد الهواجر * * * والمملوك الآن يعالج من الأشواق غريمين كريمين غريم ينزع به إلى كعبة الحزم وغريم يرجع به إلى كعبة الأمم. لو سرت من ذا إلى هذا وكيف به ما=ما سرت من حرم إلا إلى حرم وحديث ما يلزم الخزانة من المغارم فقد قال أحد وزراء الرشيد له وقد أراد سفرا إلى إحدى غزواته يا أمير المؤمنين تكثر الكلف قال ومتى قلت: (١٩٢ ب) لا يستقر بكفه أمواله ... فكأنما هي عابرات سبيل وما ضاع ورث الحمد أهله. ومنه المولى أولاد صاروا رجالا ويجب أن يستنجد للقلاع رجالا كما فعل السابقون أعمارا وأعمالا, وقيل القلاع أنوف من حملها شمخ بها ما في الرجال على النساء أمين. وزهدني في الناس معرفتي ... وطول اختياري صاحب بعد صاحب ولا كنت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا إحدى النوايب ومنه عز الدين أقبوري يطول المولى عنان صبره, ويودعه بلطف خلقه وتحمل جفوة ظاهرة, مع السلم بسلامة باطنه, ومن كان يخص أيادي الموت عنده تسفيره بستة آلاف دينار فلا بد من احتماله لتناسب أسباب المعروف عنده ومنه من أبيات في ذكر السلام وتبليغه إلى ولده الملك العزيز عثمان: وغريبة قد جئت فيها أولا ... ومن اقتفاها كان بعدي الثاني فرسولي السلطان في إيصالها ... والناس رسلهم إلى السلطان

стр. 62

ومن إجابة السلطان عن بعض الكتب الفاضلية بالإنشاء العمادي. وردت المكاتبات الكريمة الصادرة عن الحضرة السامية الأجلية الفاضلية ضاعف الله سمو ظلالها ونمو أفضالها وبلوغ آمالها وسبوغ ظلالها مؤرخات بثالث عشر شوال ورابع عشر ومنتصفه نظام سطر الطرس وظلام ديجور النفس في صدفة وسدنة متضمنات شكر ما من الله به من سلف الإحسان مبشرا بما أعده لنا من مونيقة مهديات للنصائح الفصايح, فأضاءت بطلوعهن مطالع المطالب عن سنا النجح, ووصلت مناهج المسار ومباهج المبار سافرة الوجه مسفرة الصبح وتضاعف من الأنس بمطالعة الكتب الوحشة لما ينوب من مشاهدة طلعة القرب. فأما ما أنهاه المجلس السامي بعد رحيلنا من بزاعة المقيم فإنه شرح ما تجدد لنا بغيته, وأوضح طرفا مما وجدناه من الوجد عند عدم الاستيناس بكريم حضرته أحاط علم الكريم بأن اليمن مقرون بحضوره وأن استقامة الملك في أموره بحسن تدبيره ولولا متابعة إرادته ومطاوعة بغيته لما سمعنا على الكرة بغيته, ولكننا ضننا به لكننا ظننا أنه يجد من ذلك التعب الدايم راحة ويكون حمام موارد الإحجام له مستباحة مستماحة. إني والمملكة بارئه وآلائه متسقة العقود, مشرقة السعود, فايزة العهود, ناجزة الوعود لا زالت أقلامه لمقاصد النجاح محررة وأحكامه لقواعد الصلاح مقررة والأيام بميامنه المباكرة مباكرة والممالك لمشاركة تدبيراته المشكورة مشاركة. ومنها وتلقينا رسل الخلافة المعظمة بألطاف البشرى وأصناف اليسرى والرسالة المباركة مشتملة على ثلاثة فصول ضامنة لإجابة كل سؤال وإصابة كل سؤل. فأول الفصول إظهار الاغتمام بما جرى من نبوة تلك النوبة, وثانيها عرض المال والرجال الذين بهما مال الرجا إلى دار الحظوة, وثالثها قبول الشفاعة في عز الدين أقبوري والاعتداد بها وعدها من المنن الحلوة والمنح الصفوة. عاد الحديث قال: وخرج السلطان للصيد في ذي الحجة نحو قارا فشكوت ضرسي وعدمت أنسي, واتفق رجوع عز الدين فرخشاه لحمى عزته ورجعت معه أحاضره وأسامره ليلا ونهارا وأجتني من رياض أخلاقه المونقة أزهارا فأنشدني بيتي المتنبي: وزايرة كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام إذ ما فارقتني غلتي ... كأن عاكفان على حرام فقال: وحماتي بالصد منها فإنها لا تزور إلا نهارا ولا تهجم إلا جهارا ولا بفرقتي يفرق ولا أخلص من نارها بعرق فنظمت فيه كلمة طويلة في صفة الحمى. (١٩٣ أ) وزايرة وليس بها حياء ... فليس تزور إلا في النهار ولو عرفت لظي سطوات عزمي ... لكانت من سطاي على حذار أحماك استعارت لفح نار ... لعزمك لم تزل ذات استعار وما أحمى مزاجك غير لطف ... ليوقد ناره عند الغوار ولفح العارض السارى دليل ... من الغيث الملث على انهمار وما إن حم ليث الغاب إلا ... لخلقك سالب لب العقار ذكر استشهاد عضد الدين وزير الخليفة في العاشر من ذي القعدة في هذه السنة قال: ولما صفى للوزير عضد الدين أبي الفرج بن المظفر رئيس الرؤساء موارد النعماء، وامن من صروف الدهر نوايب الاعتداء تفرد بشغله وفاض عدله وفيض فضله واستكمل الري من نهله وعله، وتغاشت أبضار الملوك عن الصعود إلى محلة. وذهل وغفل والخطب غير فأفل وعزم على الحج لأداء فرضة وارتقى بحركته إلى سمائه وقد قرب سكوته تحت أرضه وكان من أمره فيما باح القضاء بسره انه سير الأثقال وقدم الرجال، وحسب الأرزاق ولم يحسب الآجال وخرج في موكب تعنوا له وجوه نجوم الأملاك وتخبوا لشمسه نجوم الأفلاك وهو يتجلى في بهو جلاله وهو حليته حالته كالبدر في هالته. وأمر أن لا يحجب عنه مظلوم ولا يمنع عنه مهضوم ولا يبعد ذو غصة ولا رافع قصة. فانه قد خرج من بيته إلى الله مهاجرا وإلى بيته الحرام سايرا فوقف له في مضيق غربي دجلة كهل فيه جرأة وكفر وجهل، وفي يده قصة عليها يتحدث وبها يتغوث وهو يصرخ ويقول لا اسلم قصتي من يدي إلا إلى يد مولانا الوزير فهو كهف المضيم، ومويل المستجير. فقال: دعوه ولا تمنعوه فاوما ليوصل قصته فانتهز فرصته وقرب نحوه وضربه بمدية وهتك حجاب روحه وغادره لقي بجرحه.

стр. 63

وبدر كمال الدين أبو الفضل بن الوزير فقتل قاتل أبيه بسيفه وكان مع ذلك الجاهل رفيقان فخرجا ومعهما سكينان فجرح أحدهما صاحب الباب بموافقة الوزير في شهادة الوفاة فعثا الملاحدة وقطعوهم واحرقوهم قبل دخولهم النار بالنيران وختم الله للوزير بالشهادة وفاز في عليين بالشهادة فاستقل ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر العطار صاحب المخزن بالدولة وكان لسلطاننا ظهيرا، وللملك الناصر نصيرا وكان الرسل قد مضوا إلى الوزير فلم يصادفوه وتولى ظهير الدين أمرهم فألفوه في الاعتناء بالأمر كما ألفوه. وكان المندوب في الرسالة القاضي ضياء الدين الشهرزوري فانه كان يترشح وبادريتها يتوشح ورأى السلطان فيه يترجح فتعين للرسالة وسار بقوة القلب والبسالة فلقي من ظهير الدين ما دنا به من الظهور وحصل منه على الوفر الموفور والعرف المشكور واقتضت المهام مقامه هناك عدة من الشهور، وكانت من الأنعام الامامى وظيفة داره، ومبرته به وبمن معه باره. وكانت ميماومته بالدنانير الأمامية تبلغ العشرين فازا انقضى الشهر تضاعف مائين وذلك سوى وظايف الطعام والعلوفة والأغنام وسوى التحف والهدايا والتشريفات وما وصله من الصلات سفر به وشرف من نقود النفقات كان السلطان قد نفذ معه على عادة انفاذه كل سنة إلى أعيان العراق وأمثاله واكارمه وأفاضله والعلماء والشعراء والمتصوفة من الفقراء عطايا وهدايا وخلعا وتشريفات وسنايا. وربما بلغ المبلغ الوفا يسري بها إلى ذوي المعروف معروفا. ذكرى مكرمة ههنا قال: جئت إلى الصفا بن القابض المتولي والخازن وقلت له أطلعني على أسماء الذين سيرتم إليهم العطايا على يد الرسول فتلقى قوله بالقبول فلما تأملت الدستور فقدت له: ههنا خمسة أسماء جماعة من الأصدقاء قد أهملت في العطايا فقلت له: ههنا خمسة أسماء لم يجر ذكر (١٩٣ ب) ويغتنم لهم حمد ودعاء وشكر فقال: كم نصيبهم فقلت مبلغ مائتي دينار فلم يقابل قولي بإنكار فوزنها وحدها وسلمها إلى عدنان النجاب وقال: الحق بها الرسول وخذ منه بها الوصول. فقلت له هلا استأذنت السلطان فقال قولك المقبول والسلطان لا يقول في هذا ما لا تقول. فصل من إنشاء الفاضل في مطالعة إلى السلطان النوبة الحادثة للوزير عضد الدين نوبة نابية راجعة فاجعة واعظة رادعة " وما ربك بظلام للعبيد" فقد كان عفى الله عنه قتل ولدي الوزير ابن هبيرة ﵀ وأزهق أنفسهما وجماعة لا يحصى. من ير يوما يريه والدهر لا يغتر به وهو من ذرية لم تزل قاتلة مقتولة وما زالت السيوف عليها ومنها مسلولة فهم في هذه الحادثة المسمعة المصمة كما قال: دريد أبى القتل إلا آل صمة والأبيات المولى يحفظها وهي في الحماسة ومنها: أبى القتل إلا آل صمة أنهم ... أبوا غيره والغدر يجري إلى القدر قسمنا بذلك الدهر شطرين ... بيننا فما ينقضي إلا ونحن على شطر وقد ختمت له السعادة بما ختمت به له الشهادة لا سيما وهو خارج من بيته إلى بيت الله قال سبحانه " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ". أن المساءة قد تسر وربما ... كان السرور بما كرهت جديرا أن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان الوزيرا هذان البيتان قالهما شاعر في أيام السفاح أبى العباس أول خلفاء بني عباس في وزيره أبى سلمى بن الخلال، وكان دعامة دولتهم وقام دعوتهم ولذلك قصة طويلة. ذكر عز الدين اقبورى وعوده قال: قد سبق ذكر الأمير عز الدين اقبورى بن ارغش وانه في نوبة قطب الدين قايماز خرج وخلى ببغداد من أمواله وذحايره القناطر المقنطرة فاعتنى به السلطان وكرر الشفعة في حقه ورد سناه من رضاء الديوان العزيز إلى افقه، وسفره بأمواله وسيره بإجلال، وسمع في طريقه باستشهاد الوزير فجبنت نفسه وزال بالعودة إلى بغداد انسه فلما وصل كتابه اخلف في أمره حسابه. من كتاب فاضلي في معناه. وما للمماليك حاصل الاهتمام به واستثبات النظر في أمره أمر الأمير عز الدين اقبوري وعودته وضعف نفسه وكان سبيله أن يتوكل ويقدم فان ذمة المولى ما كانت تخفر فيه والقاتم الآن مقام الماضي صاحب غير متهم المودة وبالجملة المخاطر كثير الخواطر ومالي غير هذا الرأس رأس.

стр. 64

ولقد ضربنا في البلاد فلم بجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشدنا إلى من نذهب وقال: فلو كنت تحصى ما وهبت من الندى ... تبينت ما تجنى عليك المكارم قال: ولما وصل الرسول إلى الموصل بلغه استشهاد الوزير فتوقف ووافق وصوله إليها وفاة ابن عمه القاضي عماد الدين احمد بن القاضي كمال الدين الشهرزوري. فصل من كتاب فاضلي في ذلك كله مكاتبة ضياء الشهرزوري بالإتمام لطيته والنفوذ لوجهته صواب، وعلم أيضا وفاة ابن عمه فسبحان من قارب بين الخلق في الأرزاق والآجال. يدلى ابن عشرين في قبره ... وتسعون صاحبها راتع اغتبط الولد مع نضا ... رة الشباب المقتبل وعمر الوالد مع ذبو ... ل المشيب المشتمل ليعلم أن الشباب ليس بمسلم ... وان الشباب الغض ليس بمانع وليكون العبد حذرا من نعيات الآجال في كل الأحوال، والله تعالى يطيل للمولى العمر كما أطال له في القدر ويسمع منه ولا فيه ويبقيه سندا للدين الحنيفي فان بقاءه يكفيه. (١٩٤أ) ذكر الأمير شمس الدين بن المقدم قد سبق ذكره وانه من أكابر الأمراء المقدمين وله سوابق وموات وشوافع وحرمات، وهو السابق إلى مكاتبة السلطان في تصويب رأيه إلى الوصول إلى الشام وتدارك أمر الإسلام، وان السلطان لما تسلم قلعة بعلبك انعم بها عليه فأقام بها مستقرا، ولما وصلنا في هذه نوبة إلى الشام لم يحضر كما جرت العادة للخدمة والسلام فانه انتهى إليه أن الملك المعظم شمس الدولة طلبها من أخيه وانه لا يمكنه الرد في نحر مباغيه وعلم انه إذا احضر حظر عليه العود وكوتب مرارا سرا وجهارا فأبى إلا الإباء وشارف السلطان منه ومن أخيه الحياء، ومكث طويلا عسى إن يجمع بين القلوب ويدفع ما لزم من الخطوب وهو في ذلك يستعين بالله في هدايته إلى الصواب. وفي هذه السنة اربعنا عن مخيم السلطان بتل حارم من الشعراء ونزلنا منها بالعراء والعشب واص والخطب قاص والزمان غير عاص، ونجح الآمال غير متعاص والمرعى مريع وشمل المسار جميع ولله في الإحسان إلينا صنيع نصيع وروض لنا وسيع وشيع. ودخلت سنة أربع وسبعين والسلطان في أمر بعلبك مفكر, والرسل بينهما إلينا رايح أو مبكر وشمس الدولة أخوه لا يقبل عذرا ولا يرى عما طلبه صبرا, وكانت سلطنة الشام له فلما وصل السلطان أخذت عقوده في الانحلال وأموره في الاختلال فأراد موضعا ينفرد بحكمه, ويجري فيه من طيب عيشه على رسمه فلم يتعين له سوى بعلبك فطلبها والسلطان يريد أن يحفظ قلب ابن المقدم فكلما رفق به عنف, وكلما أستأنف معه لاستمالته عزف فما زالت الموارد الصافية تتكدر والضماير السهلة تتوعر حتى استأذن الملك المعظم في التوجه إلى بعلبك فأذن له وعقد بها أمله وقصر على تسلمه عمله. وتوجه عز الدين فرخشاه إلى حوران لحفظ الثغور ورعاية الجمهور وسرنا إلى حمص ونزلنا على العاصي لاستدناء الآمال القواصي العواصي. فصول من كتب فاضلية وردت في أوايل هذه السنة. فصل له من كتاب فأما المتحصن بقلعة بعلبك فقد ضرب بينه وبين السعاد بحجاب, وصرف عن باب الخير وهو باب مولانا الذي ما بعده سوى لله باب وقد خدعه الرأي الذي تبعه وولاه النظر الذي دله. ولو هدى لصوابه ووفق لرشاده فتحت له أبواب الإنابة ومهدت لدعائه أسباب الإجابة قبل أن يحق عليه الكلمة وتشتد عليه حدب الحكمة, وتخبطه الأرجل خبط السلمة. فصل آخر من كتاب آخر في المشورة والفكر المملوك يقول: إن كثرة الشك محاماة عن اليقين المعتقد, وكثرة أمن من تطرق الرأي المستنقد وأنه لا تنال الزبدة إلا بالمخض ولا يتأكد الإبرام إلا بعد النقض, وإذا تكرر صقل السيف كان التكرار أظهر لجوهره, وإذا تكرر سقي الغصن كان أخرج لثمره ولاسيما وكل أمر ابتدأ به المولى واستدركه ونهى عنه ثم أمر به لم يفت منه فايت ولا خرج عن اليد منه خارج. فصل آخر

стр. 65

لاشك أن المولى تغرق الجبال في بحره, وتضيق العظايم في سعة صدره, وهذه عادة الخواطر والله سبحانه قد أشرك بين الخلق فيها ولكنه عند الصواب أفرده. والملك فيما يرد عليه منها بمثابة الشجرة فيما يرد عليها من مائها ما يتنقى صفوه تستسيغه فينبو عن قذاه فتمجه وتلفظه. ومن أمثال العرب رب عجلة تهب ريثا. وقال النبي ﷺ : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخرق في شيء إلا شأنه ". ولعمر والله أن الفرص إذا لاحت لا يحمد الرفق فيها وإنما يحمد إلى أن يلوح مضاربها ويحمد مطالبها. والله تعالى يقدر المولى على نيل أعراضه ويسدد سهمه لطابقة أغراضه. فصل آخر المولى عفيف إلا أن نوابه والمشارف مأمون إلا أن كتابه إلا أنه غير متصرف. ولكل شرع آفة موجودة ... نور السراج على سراه يدخن فصل آخر وأما سور القاهرة فعلى ما أمر به المولى شرع فيه والله يعمر المولى إلى يراه مستديرا على البلدين, وسورا بل سوارا يكون به الإسلام محلى اليدين محلا الضدين والأمير بهاء الدين قراقوش ملازم الاستحثاث بنفسه ورجاله لازم لما يعينه بخلاف أمثاله قليل الثقيل مع حمله لأعباء التدبير وأثقاله. فصل آخر في حق نقل القضاء (١٩٤ ب) من شرف الدين إلى ابنيه. أما ما أورده المولى دفعة وثانية في معنى الحكم بدمشق فالمولى متوقف في مقاما لتوقف متردد في مكان التردد ولن يخلو الأمر من قسمين والله يختار للمولى خير الأقسام. أما إبقاء الأمر باسم الوالد بحيث يبقى رأيه ومشاورته وفتياه ويتولى النيابة ولداه ويشترط عليهما المجازاة لأقل زلة وترك الإقالة لأقل عثرة فطالما بعث حب المنافسة الراجحة على اكتساب الأخلاق الصالحة وأما أن يفوض إلى الإمام قطب الدين فهو بقية المشايخ وصدر الأصحاب ولا يجوز أن يتقدم عليه في بلد إلا من هو أرفع طبقة في العلم منه. فصل آخر من كتاب في معنى أخيه شمس الدولة وأما المولى المعظم وما قام به من المغارم الجليلة وحمله من التكاليف الثقيلة فالمولى لا يحاسبه فيما يعطيه فإنه إذا أعطاه فقد جعله واسطة بينه وبين سليليه. وقد كان معاوية أجاز عبد الله بن جعفر بعشرة آلاف ألف درهم فقيل له فيها واستكثرت فقال: إنما أعطيت بني هاشم وبني أمية وأهل الحرمين فلم يعد عبد الله إلى بيته إلا بعد أن تحمل خمسة آلاف درهم دينا والدين داء يصيب إكرام ويسلم منه اللثام ولو كان ما يفعله المولى المعظم فعل صديق لوجب أن يفدى بالحداق فكيف فعل أخ لا يجري المماليك مجراه في التوفيق والوفاق. فصل في ذم ملء دمشق عرف المملوك من الكتب الواصلة التياث المولى الأمير عثمان والحقير مما ينال ذلك الجسم الكريم يؤثر في قلوب الأولياء الأثر العظيم وقليل قذاة العين غير قليل وماذا يقول في بلد لو صحت الحمية من مائة لكانت أكثر من أسباب صحة المحتمى وشفائه فإنه ماء يوكل وبقية الأمواه تشرب ويجد وخامته من ينصف ولا يتعصب ونرجو بكون هذا المولى قد أمسك عن الفاكهة الدمشقية التي لا يخفى كثرة فضلاتها وعن أكل اللحوم المجلوبة التي نقلها سير الطريق إلى شر حالاتها. فصل آخر والعرب جنس كالحنظل كلما زيد سقيا بالماء العذب أفرطت مرارة ثمره وعزت نضارة خضرته. فصل آخر وأما الحديث ملك النوبة فإنه من أن يسخى بحجر لنباحه أو يشمر عن ساق لخوض ضحضاحه ولو أن شرارة من زند العزم أو ريشة من ريش السهم هتفت إليه لذاق وبال أمره وعرف بقدر وجهه الذي هو أشد سوادا من قدره. ومنه إذا وصلت من المولى رفقة نجابين فكأنهما عسكر نجدة قد بشرت وإذا فض منها كتب فكأنها الوية فتح قد نشرت ورسله وكتبه بالإضافة إلى شغله, ومهماته كثيرة ولكنها بالإضافة إلى تطلعنا وتشوقنا قليلة. وما استكثرت في اليوم منها ألفها ... وواحدها في الحول منك كثير وكتاب المولى إلى المملوك مزينة سماؤه من حروف خطه بمصابحها, ومفتوحة له أبواب السعادة من أسطره بمفاتيحها. فلا عدمت عيناي كاتبه الذي ... له الفضل مكتوبا إليه وكاتبا صبحت به والله أعظم نعمة ... فلا زال مصحوبا ولا زالت صاحبا

стр. 66

فصل آخر في معنى إزالة المنكرات أما المأمور في معنى المنكرات الظاهرة وإزالة أسبابها وغلق أبوابها وتحصين كل مهتوكة من عصمة وتطهير كل موصومة فالله يثيب المولى ثواب من غضب ليرضيه بغضبه وحمل الخلق على منهاج شرعه وأدبه. وقد أستدعى الملك العادل أحد الواليين وسلم إليه ما كوتب به من مولانا وأسمعه الأنكار العنيف. وأشار المخاطب إلى جهات تحمي بيوت المنكرات. فقال لو استقام العود لما إعوج ظله ولو تنتهي أنت لانتهى غيرك, ولكنك ملجم عن أنكارها لأنك شريك فيه وأجيب إلى أن يرتب من الأصحاب العادلية من يغلق مواضع الخنا ويحجر على فواسد النسا. وما وقفت خواطر العصيان عند الزنا إلا أن زادت مصحفة وهو الربا فلا حول ولا قوة إلا بالله من محارم فيه منتهكة, وكاسب قد نزع الله منها البركة, ومروات قد سقطت ووجوه قد توقحت وأموال قد تحرمت وشريعة منه قد خولفت نشكو إلى الله دنيا لا نحن نتركها ولا نحن ندركها. غدارة بالناس غرارة قريبة العرس من المأتم (١٩٥ أ) وليس لحوادثها ونوايبها قرن إلا التقوى والله المسئول أن يوفر منها حظ المولى وأما فلان فإنه بطل كثير السر والحيلة والمال والرجال فلا يحتقرنه وبعد أن أيقظه فلا ينم عنه والحيلة في بعض الأوقات ترجح على القوة على أن الساعي مخذول ومن سل سيف بغي فهو عما قليل به مقتول وواجب أن يظهر العذر. فما أحسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من ساير الناس عاذر وإذا اقترن بكل مل يريده المولى حسن النية كانت العاقبة للتقوى على أن المولى ظاهر عذره والمشار إليه ظاهر ذنبه ومكره, قال الله في مثل المولى " ولمن انتصر بعد ظلم فأولئك ما عليهم من سبيل " وقال حاله مثل حاله: "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" ورب سبيل بدؤه مطير ونعم السبيل إلى الخير نية الخير قال: وإنما أوردت الفصول الفاضلية لأن في كل فصل منها ذكر سيرة وفيها فوايد كثيرة وبواعث للخواطر مشيرة, وفيها أحاديث وأعاجيب الاوهات والدمايث. ذكر ما أسقطه السلطان من المكوس بمكة شرفها الله قال: كان الرسم بمكة أن يؤخذ من حاج المغرب على عدد الرؤوس ما ينسب إلى الضرائب والمكوس فإذا وصل حاج حبس حتى يؤدي مكسه ويفك بما يطلبونه نفسه وإذا كان فقيرا يحبس وتفوته الوقفة بعرفة. فقال السلطان نريد أن نعوض أمير مكة عن هذا المكس بمال ونغنيه عنه بنوال وإن أعطيناه ضياعا استوعبها ارتفاعا وانتفاعا ولا يكون لأهل مكة فيها نصيب فقرر أن يحمل إليه في كل سنة مبلغ ثمانية آلاف أردب قمح يحمل في جلابها إلى ساحل جدة ويهدي بها إلى أهل الحجاز وجدة فإن الأمير بها يحتاج إلى بيعها للانتفاع بأثمانها وأهل الحرمين يثقون من الدولة بدوام إحسانها وقرر أيضا حمل جلاب الغلات إلى المجاورين والفقراء بها من الشرفاء فسقطت المكوس واغتبطت النفوس واستمرت النعمة ومر البؤس وذلك في سنة اثنتين وسبعين. فصل من كتاب فاضلي في المغنى ومن البشاير التي عهد لملك من ملوك الديار المصرية بالحصول على فخرها وأجرها انقطاع المكاسين عن جدة وعن بقية السواحل ويكفي أن تمام هذه المثوبة موجب للاستطاعة مقيما لحجة الله في الحج فقد كانت الفتيا على سقوطه مع وجود الحامل ووصلت كتب من مكة تضمنت أن القمح ويبه وربع بدينار مصري وأن الغني في شدة وأن الفقير هالك وأن هذه الجلاب بمشيئة الله قدرة من قدره " يحيي العظام وهي رميم " وفرج عظيم انتهى إلى البلاد بعد أن تناهى الكرب العظيم والله تعالى يفرج عن أهل دينه ضايقات الكروب ويفك عن أهله حيرة حلقات الكروب قال واستمر مقامنا بالمخيم بظاهر حمص والسلطان يصمم العزم للجهاد ويجد الحرص قال ذكر الحوادث في هذه السنة ونحن بحمص ومنها وفاة المهذب أبي الحسن علي بن عيسى المغروف بابن النقاش البغدادي بدمشق في المحرم.

стр. 67

قال: وأكن المهذب كنعته مهذبا ومن الملوك لنفرده بفضله مقربا وهو في وقته مبرز ولملك الشام بمحاسنه مطرز ومنها وفاة نجم الدين بن مصال في الثامن عشر من جمادى الأولى وقد جاءنا نعيه ونحن بحمص فزاد اغتمام السلطان برزئه حتى جاز حده وجلس في بيت الخشب مستوحشا وحده وقال: لا يخلف الدهر لي مثله صديقا بعده وأجرى ما كان له جميعه لولده وحفظ عهده وكان لجماعة من الأعيان والشعراء والأدباء بعنايته من السلطان رزق فأباه عليهم كأنه عليه حق مستحق ومن جملتهم رجل من أولاد أبي حصينة فلما توفى المذكور قصدني فقلت للسلطان لو أن نجم الدين بن مصال كان حيا وشفع إليك في رزق مستحق أما كنت تقبله فقال بلى فقلت فاقبل شفاعته وهو في دار البلى ثم ذكرت له ابن أبي حصينة وصداقته النجمية فضاعف أدراه واذهب عنه إقتاره. ذكر الظفر بخيل ورجل للفرنج أغارت على بلد حماه في العشر الأول من شهر ربيع الأول (١٩٥ب) قال: وكان متولى عسكر حماه الأمير ناصر الدين منكورس ابن الأمير خمارتكين صاحب حصن بو قبيس، وكانت طايفة من الفرنج ومن انضم إليهم من ذوبان الكفر قد ألهبوا الأعمال بنارهم وألهبوها بغوارهم. ولكم أغاروا على غرة وامتاروا مرة بعد مرة. وكانت لحماه مع ناصر الدين عدة معدودة لا تبلغ مائة فعرف القوم أن أعمال حماه شاغرة فنهضوا في جمع جم فخرج إليهم ناصر الدين في عدته وعدته وتوكل على الله في نصرته ونجدته وصحنهم بثقالة ونطحهم بكباش رجاله واخذ عليهم المضايق وصوب إليهم البوايق فوقعوا في فخاخه وفنيت شغلهم جاء إلى الخدمة السلطانية بمنقبته مستقلا وبنهضه مذلا وساق أولئك الاسارى والأغلال في أعناقهم والآجال آخذة بارماقهم فركب السلطان في اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الآخر ووقف راكبا ووقفنا راكبين وحضر الأمير منكورس وترجل ولثم الأرض وتقدم وصافح السلطان وقبل يمينه بعد أن عفر بقدمه جبينه ثم احضر الأسارى من الفرنج والنصارى " كأنهم سكارى وما هم بسكارى" فأمر بفتح أغلالهم وضرب أعناقهم وان يتولى ذلك أهل التقى والدين من الحاضرين وان يكون هلاك المشركين بأيدي الموحدين " فأعتق أمامه الضياء الطبري إلى برى عنق وتلاه الشيخ سليمان الديري" المغربي وتلاه آخرون وكان الأمير اقطفان بن ياروق حاضرا فتقرب إلى الله بضرب رقبته احد أعدائه. قال: وجاءني في تلك الحالة رسول من السلطان يدعوني فظننت انه لمهم لا يكفيه غيري ولا ينهز به دوني ولما أجبته وهو يقول جرد سيفك لهذا الكافر وخذ به ما يشتمل على سمعه وبصره فقلت أنا للقلم ولا أزاحم السيوف، وانشر الفتوح ولا أنشئ الحتوف ولكن هب لي ذلك الصغير لأملك رقة وغيري ينوب عني في ذلك الأسير فيضرب عنقه فتبسم فعاينت منه الضحوك القتال وأقالني وأجاب في النوال السؤال فقال: هذا الصغير نسفتك به من المسلمين أسير ونهب لك من سبى الأسطول بمصر مملوكا كما تؤثر أثيرا فانتهزت الفرصة وأحضرت دواتي ودرجي واستعنت بالأمير عضد الدين مرهف بن مؤيد الدولة أسامة بن منقذ فكتب لي توقيعا وأخذت فيه علامة السلطان. وأما نزلت حررت إلى المولى الفاضل رسالة في المعنى ووصفت المملوك المطلوب بأوصاف يتعذر وجودها فسير لي في جوابه مائة دينار مصرية عن المملوك عوضا. وقال رأيت تحصيل غرضك مفترضا والرقيق الذي احضره الأسطول ما فيه يوافقه وجودهم يساوي ثلاثين دينارا وما رأيت ذلك مختارا وقد أخذت من الديوان عن المملوك خمسين وعن الخزانة العادلية ثلاثين ومن خاصتي عشرين فأثمر قلبي بما عف عنه السيف وما ضيعت اللين أما جاء الصيف ولو أرقت الأحمر وإنما أعرضت عن ذلك مخافة أن يضحك مني ذلك الجمع كما ضحكوا مني الباقين.

стр. 68

قال: وعاود السلطان ذكر بعلبك وأشفق عليها وأزمع أن يسير إليها وخل فصل الخريف ومالت الطباع إلى التحريف واصفرت الأوراق واغبرت الآفاق وقد تشاجرت عواصي العواصف مع الأشجار وألقت حواملها لجنة الإثمار ونشا النشاص وربا الرباب وسحب ذيل نيلة السحاب وارتجت الأرض وارتجت السماء ووصلت النار وهجر الماء وقال الأمر لسلطان هذا أوان الانصراف ووقت الانحراف فقال قد بقيت في النفس حاجة بعلبك نقضيها وعزيمتنا في تسلها نمضيها فان المتحصن بها بحكم هواه متصرف وعن أمرنا متوقف، فنحضره ونحصره ونعظه ونوقظه وان أهملنا أمره فربما اطمع فينا الفرنج وأفضى بسر الشر إلى الجهر على أن حق ابن المقدم متقدم ولا شك انه متندم ودينه قوي ويقينه روى ولعله لا يحوجنا إلى المطاولة ولا يخرجنا إلى المنازلة فسرنا على طريق الزراعة وجينا وراسلناه بالاستعطاف والاستعفاف وداريناه لشيخوخته كالأطفال بالألطاف. وكان نزولنا بظاهر بعلبك على رأس عينها وطالت الإقامة عليها اشهرا. واطلج المذكور في ليل لجاجة فلم يبد في سفارة منه واليه صبحا مسفرا ونحن نشفق من نزاله ولا نصدق (١٩٦ أ) في قتاله ونرفق به على عنقه في أحواله فتارة نخوفه فيتجلد وتارة نرعبه فلا يجيب بل يتبلد. ودخل الشتاء ووقع الثلج ومتلا به ذلك المرج وأصبحنا وصباحنا ابيض، وجناحنا لا ينهض والعروق لا تنبض والبروق لا تومض وتانيران مقرورة وشباه الجليد مطرودة والزناد كابية والأجناد ايبة ونحن كأننا من ضيمنا في حبوس وقد جمدنا كأننا بلا نفوس فلبدنا على المرابض في مضارب اللباد وكنا في الاكنان حول الكوانين كانا في صوامع العباد نطري افلاذ الأكباد بشي افلاذ الأكباد فعلى المناقل الشيشات شريح، وللاقتراحات على الطهارة قرايح وللسلطان في كل بكور ركوب للصيد وله طرايد وطرايح فما الذي شتوة وأهناها نوبة لم نر لها نبوة لكانها كانت غفوة لم تذكر للدهر لولا انقضاؤها هنوة وهيهات أن ترى بعدها في طيب عيشها عيشة أو غدوة. ذكر مكرمة للسلطان قال: كتب إليه النواب بدمشق أن الأموال ضايعة وان الأطماع زايغة وقد أفنى الجود مجموع الموجود، وأنا عند الاحتياج إلى كف ملم ودفع مهم لا نجد ما ننفقه وان في أرباب الصدقات أغنياء لا يستحقونها وما لهم رقبة من الله وان المصلحة تقتضي أفراد جهات لما تسنح من مهمات فأمر بهم في كتابه يكتب مؤامرة فجاءت مطالعة مكملة بالأسماء مفصلة. فقال لي السلطان: أقراها علي فبدأت بذكر أرباب الصدقات، وقدمت ذكر جهتهم على الجهات، وكان مبلغ احد عشر ألف دينار للصدقات وقدمت ذكر جهتهم على الجهات، وكان مبلغ احد عشر ألف دينار للصدقات في مثل دمشق قليل والعطاء بحمد الله جزيل والصنع جميل فقال اكتب عليها جميعها بالإمضاء ولا يكدر على ذوى الآمال موالي العطاء. فقلت أما أتلو بقية الأسماء فقال بل نزهني عن الأشياء فبقيت تلك الرسوم دارة وللآمال سارة بل تضاعفت على السنين أضعافا واستضافت آلافها ألافا ولما طال المقام على حصر بعلبك لم ير السلطان مقابلة المسلمين فيه ولا كسر الناموس فرتب طغرل الجاندار وجماعة معه يكفون من الرجال ووصاهم بالا يتعرضوا للقتال بل يمنعون من الدخول والخروج ووصلنا دمشق في العشر الاواخر من رجب، وتمادى الأمر إلى أن رضي ابن المقدم بحصن بعرين وإعماله وببلد كفر طاب واعيان نواح وقرى من بلدة المعرة، وكان الذي اخذ أكثر وانفع مما خلاه وما خطر بباله وما حصل له ولا ترجاه ولأتمناه. قال: وسألني السلطان أن اعمل أبياتا يكتبها إلى مصر فقلت: يا ساكني مصر لا والله مالكم ... شوقي الذي لذعت قلبي لواعجه أصبحت أطلب طرق الصبر اسلكها ... هيهات قد خفيت عني مناهجه ذكر المقياس بمصر هذا المقياس موضع مبنى في عهد خلفاء بني العباس ليعرف زيادة الماء ونقصانه بالقياس، وهناك عمود في الماء مقسوم بالأذرع، والأذرع مقسومة بالأصابع في مسجد ينوب في الجزيرة عن الجامع تصلي فيه الجماعات والجمع ويتولاها من العهد القديم متولي من بني الرداد من وهو معروف بالنزاهة والعلم والسداد وله راتب دار ورسم وقرار وخلع وتشريفات في المواسم وحرمة متوالية المعنى سامية المعالم. ذكر حديث حصن بيت الأحزان

стр. 69

قال: كان السلطان على بعلبك نازلا ولتسلمها محاولا وطال مقامه عليها فانتهز الفرنج فرصة الخلو واستخلوا عصر العتو وجاءت الداوية منهم وشرعوا في بناء حصن على مخاضة بيت الأحزان واحكموا بناء ذلك المكان وكان يقول للسلطان متى احكم هذا الحصن تحكم على الثغر الإسلامي الوهن وغلق الرهن فان بينه وبين دمشق مسافة يوم فيقول إذا أتموه رحلنا وهدمناه إلى الأساس وجعلناه من الرسوم الادراس فندعهم الآن حتى يستنفذوا بقية أحوالهم وينفقوا عليه أموالهم ويتعبوا (١٩٦ب) رجالهم فإذا قصدناه عكست آمالهم والحينا نالهم فنقول منعهم من الابتداء أسهل من الدفع في الانتهاء. وإذا فات الفارط لا يستدرك وهو الآن هين فلا يترك وهو صابر بقوة دينه، ساكن بنور يقينه فان العاقبة الحميدة بعد سنة كانت كما جرت على لفظة من عدة حسنة. فلما انفصل أمر بعلبك لم يزل أمر الحصن من همه وقصد حصاره في عزمه وكان العام مجدبا والجدب عاما والشام لروايح الحوايج شاما وللأسعار أسعارا وللأسرار استشعار وللضر استضراء وللشر استشراء، وعلى العباد من ثقل المحل أعباء وللرجال من لطف الله تعالى رجاء على اليادي السلطانية نابت عن الأنواء ونادت في الأندية بالانداء فرتعنا من إحسانه في مرعى مريع وشرعنا في سلطانه من منبع منيع. ذكر وصول رسول دار الخلافة قال: ووصل في هذه السنة رسول دار الخلافة بالعارفة والعاطفة والرافة، وهو الاجل فاضل أفضل الخدم، وهو خاص الجهة الشريفة مخصوص بالمنزلة المنيفة، وسر السلطان بوصوله وحل كل بجح بحلوله وببركات ذلك رخصت الأسعار ونقص الإعسار وتفرجت العيون وتفجرت العيون وسكن القرار، وقر السكون. كان الرسول كريما أكنه في سواده إنسان عين كله نور وبالحسن والحسنى مشهور وزرته فالفته طلق الوجه بشرا واليد برا فلما خرجت من عنده سير لي من هداياه وألطافه وتحفه وفرا، ولم يدع أحدا من أكابر الدولة إلا وحباه بحباته، وحياة من حيا سحبه وكانت الجهة الأمامية مالكة قد ملأت يده بمال وافر ليصل ويعود بوجه سافر فما رأيت رسولا وجه في وجاهته ونباهته وهمته ونزاهته وشغف السلطان به وكلف بقربهوا ستصحبه معه إلى الغزاة وشن الغارة على العاة ووقف به على الحصن الذي استجده الفرنج على المشهد اليعقوبي وكان السلطان بهذا الرسول الأمامي مغتبطا واليه في كشف أسراره منبسطا ولما جهزه ليعود بالعطايا السنايا والخيل السبايا فرقها قبل قفوله ومن جملة ما حمل له بغله شهباء موصوفة لا يوجد لها نظير كأنها السرج هضبة من ثبير. وكان رسولنا ضياء الدين بن الشهرزوري عنده حاضرا. وقال كنت على عزم طلب هذه البغلة من السلطان وقد فرحت لك منه بهذا الإحسان فقال: أنت أولى بها وبما معها. فأخذتها منه بما تبعها وفيها حصان عربي منسوب وحجرة ما لها قيمة وكان إذا أهدى له باقة ريحان حزاها بخلع حسان، وانفصل منتصف ذي القعدة بالإكرام موصولا وبالإعظام مشمولا. ذكر نوبة هنفرى ومقتله في أواخر هذه السنة قال: وكانت الأخبار قد توالت على الأسنة جواسيس الفرنج أنهم على عزم الخروج فتقدم السلطان إلى ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه وقد قدمه على عساكر دمشق أن يخرج على الثغر في عسكره ويرتب كلا في مركزه محترزا في مورده ومصدره. وأقام مدة واستكمل عدة فلما كان مستهل ذي القعدة من هذه السنة تواترت الأخبار بخروجهم على الألسنة فجرى من النصر الذي لم يحتسب والنجح الذي إلا بعون الله لم يكتسب ما وصفته في كتاب إنشاته عن السلطان إلى الأجل الفاضل ومنه: قد سبقت المكاتبة بما سناه الله وأسناه من النصرة الحلوة وذلك يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة فانه فضل بنصرة خميس الإسلام على كل خميس وضيق على الأسود السود من بني الأصفر كل عريس وخيس، وأثمر من ورق الحديد الأخضر في مربع الموت الأحمر منهم براس كل رئيس. وكان الإرجاف قد شاع بخروجهم منذ أيام والظنون مرتابة والقلوب مرتاعة، والفكر غير حاضر لان السنة جدب ومجاعة وليس في مقابلة الفرنج في ذلك الثغر إلا ولدنا عز الدين وهو في عدة من عسكرنا المنصور لا تبلغ ألفا وهو معرض بإرسال

стр. 70

الحمام عند علمه بخروجهم لنخرج إلى لقاءهم فأمرناه ان يجفل البلد وان ينور الآكام وينذر وانه لا يلقاهم بل يتوقاهم ولا يخاطر بالجماعة الذين معه بل يحمى بهم ويتحاماهم وفي كل يوم يرجف برجفتهم وهم متمادون متباطئون وعلى مجافلة البلد متواطئون فلم يشعر مقدموا الطلايع ذلك اليوم إلا وقد خالطوا القوم فتحيزوا عنهم إلى الفئة وهم دون المائة فاخرج ولدنا الرماة (١٩٧ أ) الكماة وقدمهم إلى العداة العتاة ليشغلوهم ساعة ويحولوا بينهم وبين طعان الحرب الجافلة، ولم يكن في زعم العزم إنهم يستدرون أخلاف النصرة الحافلة واستمرت المراماة عند تل الجارة وطلب أصحابنا طلب الملك فما تركه مماليكنا الترك حتى ولو طرحوا وجرحوا فرسانه فحمل طلب هنفرى ليحميه وأبي الله انه كما رمى الملك إلا ان يرميه وقتل دونهما برهان صاحب الناصرة ونجا الملك يجر معه الذقن وقد تجرع كاس الشجب والشجن، وحمل هنفرى جريحا وأودع بعد يومين ضريحا وما زالت الرماة يرمونهم ويرامون ويدانون حتى نقصت الكماين وانفضت الضغاين وكانت نصرة اثيلة ونوبة أثيرة، وثورة من أعداء الله في تلك الفورة مستثيرة وحالة صدقت قوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبن فئة كثيرة) وتم هذا الغزو ولم يتم مدد العسكر الغربي ورجع الفرنج من الخزي بذلك الزى وآذنتنا بطاقة الطير في دمشق ذلك اليوم بكرة بكرتهم وبادرنا الخروج لدفع مضرتهم وكشف معرنهم فما وصلنا إلى الكسوة إلا ورعوس رعوسهم متوافية والبشاير دانية وألطاف الله كافية والشغف بحمل السعف إلينا زايد والواحد لثلاثة وأربعة من الاساري قايد. ذكر مسير شمس الدولة إلى مصر قال: وكان الملك المعظم فخر الدين توارنشاه بن أيوب قد ملك اليمين فلما ملك السلطان دمشق بعد نور الدين ﵀ كتب إليه في اليمين بالتشوق والاستيحاش بالوحدة فجاء سنة إحدى وسبعين فسر بقدومه. ولما عزم السلطان المسير إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين لتجديد العهد بملكها عول على أخيه هذا في السلطنة بالشام وفوض الأمر وولاه تولية مطلقة وكان بحرا في الجود مواجا يغني بواصله من الوفود بعد الأفواج أفواجا وراسله الملوك وتواصل إليه من الإطراف والأوساط السلوك. وكان الملك الصالح إسمعيل بن نور الدين ﵀ مستقرا في حلب فيمن بقي معه من مماليك أبيه فجرى معه شمس الدولة على الوفاء والوفاق وسبيل الإشفاق. وأقام السلطان بمصر إلى يوم عيد الفطر من سنة ثلاث وسبعين ثم رحل عايدا إلى الشام ولما عاد إلى دمشق جرى على عادة سلطانه وأمره ونهيه وانقطع شمس الدولة إلى مواصلة لذاته وانتهت إحكام سلطانه فاقترح على أخيه تسليم بعلبك إليه والأنعام بها عليه فتسلمها له من شمس الدين بن المقدم على ما سبق فانتقل إليها يتصرف فيها ولما عن المحل رأى السلطان أن يستدعي من عسكر مصر مقدمين يتقدمون في عدة منتخبة ورأى ورأى أن الشام لا تحمل إثقال العساكر الكثيفة فرغب أخاه شمس الدولة بما زاده من الديار المصرية في قصدها وانه يجدد بسعده سعدها وكان رحيله من دمشق بعد صلاة العصر في قصدها وانه يحدد يوم الجمعة لست بقين من ذي القعدة وصحبة كثير من التجار والرجال والنساء والأطفال. قال: وكتبت عن السلطان كتابا منه قد بان له وجه الصواب في استدعاء عدة متوسطة من إنجاد العسكر المصري الإنجاب بحيث يخف وطؤها وتثقل في العدو نكاؤها فتكتب إلى أخينا الملك العادل بمصر ان ينتخب لنا من الأقوياء بالخيل والعدة ألفا وخمسمائة فارس واشرنا على الملك العظيم بالتوجه إلى مصر مستصحبا معه من طال بالشام بيكارة وبان انفاضه واقتاده ورأينا المصلحة في مسيرة لمنافع كثيرة وفوا يد أثيرة منها التخفيف عن الشام في مثل هذا العام وذلك بعد ان رتب في بعلبك نوابه واقطعها أصحابه. ومنها أن في وصوله إلى مصر وقد خرج منها عسكر اسما كبيرا وصيتا عظميا فان الإرجاف شايع بأسطول صقلية المخذول وخروجه ووصول أخينا يكسر من عزم العدو ويحطه من ذروة العتو. ومنها انه إذا أقام بالقاهرة تصرف أخونا الملك العادل في البلاد بعسكره وعذب صفو مقصده في مورده ومصدره.

стр. 71

قال ﵀: وفي هذه السنة غدر ابرنس إنطاكية وأغار على خشير شيزر وغدر القومص بطرابلس بعد الأمان بجماعة من التركمان فان الإفرنجية اجتمعوا وقالوا: الصواب ان نفرق عسكر الإسلام في ثغوره بالارغاب والإرهاب فإنا إن هادناهم من جانب توفر عسكرهم من الجانب المجانب وتجرد لأصابتنا بالمصايب فاقتضى الأمر أن رتب السلطان ولد أخيه تقي دين في ثغر حماه ومعه شمس الدين بن المقدم وسيف دولة على المشطوب وصاحب شيزر بعسكره محتاط في مورده ومصدره وأمرهم بالاتكثار من (١٩٧ب) الرجال واستخدم نخب الأبطال ورتب ناصر الدين محمد بن شيركوه في حمص في مقالبة القومص. وكلهم مأمور بالتنبيه بكل صوب والاصاخة إلى كل صوت رابض في مكانه وإذا أحس بدناه وثب عليها ممسك بعنانه وإذا سمع هيعه طار إليها. قال: وبعد توديع السلطان أخاه شمس الدولة أغار على بلاد الفرنج لمشاهدة الحصن الذي بنوه. فصل في معناه قصدنا البرج ونازلناه وما زلنا نقاتل حتى أزلناه واحتموا بباطنه فما خرج احد رأسه وسنعود إليه بعون الله ونقلع أساسه فصل آخر وأما الإطراف فان ملوك ديار بكر إلينا ملتجون ولنا مرتجون ومن سلطان الروم مستشعرون وبسلطاننا مستظهرون ووصل رسول سلطان الروم قلج أرسلان يعف لنا صفاه ويوفينا وفاة ويعرض وده ويعرض بما عنده وقد توافر اجتهادنا على أن نستميل كلا إلى الجهاد ونجمع شملهم على الاتفاق والاتحاد والله تعالى يوثق لنا مواثق رضاه من أمر رحيل هذا المرام وامراع مراد هذا المراد. قال: وانتقل السلطان إلى الشعراء وخيم في مروجها وسام الخيل في اكلاء خروفها وخروجها ولما تطوحت الأعشاب وصوخت الشعاب وانتقل إلى بانياس وقد وفد من البوادي من جرى بسيله الوادي فرام أعتاب البرية وأعراب البرية وقال: هؤلاء إذا اكتالوا السنة من الشام بلى العام بالمحل العام وجمع عنده الجموع فبلغت الخيم إلى حدود بلد الكفر وكان في كل يوم يركب وفي خدمته الخواص ويظهر أن غرضه الاصطياد والاقتناص ثم ينزل على النهر ويجرد فرسان الجلاد والقهر ويسير قبائل العرب إلى بلد صيدا وبيروت حتى يحصدوا غلات العدو ويجمعوا القوت وما يبرح مكانه حتى يعودون بجمالهم وأحمالهم موثقة بأثقالها حتى خف من زرع الكفار بالقرب ولم يحصل من ذلك كفاية الغرب. وأشفق على الناس وجمع الأمراء وشاروهم في الأمر وقال: قد علمتم غلا الغلات وإقلال الأقوات وظهور أعراب البادية وخفاء الأعشاب البادية وما كان بالقرب من غلات العدو وزروعه استجناه واجتحناه ولم يبق إلا أن تنهض عساكرنا بالنوبة ونقيم بقوتها إلى حين الأوبة فأجابوه بالسمع والطاعة وما زالت المقانب تنهض والطلايع على مراكزها تربض والمزارع تحصد والمواضع تقصد والثمار تصرم والضرام تضرم قال: ودخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة والسلطان صلاح الدنيا والدين نازل على تل القاضي ببانياس وقد عم بالإيناس الناس وفي كل يوم يصاحبون بلد العدو ويماسونه، ويداوون جرح الجدب بما ينقلونه من الغلات ويأسونه حتى لم يبق هناك الا اليسير واجمعنا على أنا نستجيبه في يوم واحد ونسير. وكان المقدم على العسكر عز الدين فرخشاه بن أخي السلطان شاهنشاه وكان مخيمه على بعد من السرادق السلطاني وقدامه فلما استهل محرم هذه السنة حضر عند السلطان عمه وقال أن المقام ههنا يصعب لا سيما والحر قد تضرم، والزرع قد تضرم وأهل الشرك هاجمون واجمون ولظنونهم فيما هم راجون راجمون فنتحول إلى حيث نتبدل من الضيق بالسعة فقال السلطان ما أنجب الرأي الذي رأيتموه وانجح السعي الذي سعيتموه وقد بقي لكم أن تنهضوا الليلة أجمعين وعلى بلاد الكفر مجمعين فتجمعون منها ما بقي في مواضعها المتفرقة وإذا عدتم سالمين غانمين رحلنا صوب البقاع واستأنفنا ما يعود للإسلام ولارتفاع والانتفاع. ذكر وقعة مرج عيون

стр. 72

قال: ولما نهض أصحابنا واد لجوا وخاضوا بحر الظلام ولججوا أصبح السلطان يوم الأحد راكبا ومعه صمصام الدين أجك وإلى بانياس في موكب خفيف وجمع غير كثيف ووقف على الطريق وسال الله حسن التوفيق فرأى في تلك العياض أبقارا حافلة، وسروجا عن مراتعها زايلة. وجاءه بعض الرعاة واخبر انه شاهد عسكره العداة وإنهم عبروا بالقرب على قصد المتعلقة فعجب السلطان من هذا الخبر واستبعده وقال: لو كان للفرنج قصد لجاءنا الجاسوس فما صدق الخبر حتى جاء (١٩٨ أ) من أوائل العسكر من ارتاع وعجل في العود الإسراع فجاء السلطان إلى المخيم وقت الظهر ونادى في متخلفى مماليكه بالحضور. وكان في اصطبله خيل عراب شدت للتضمير وجياد عتاق أعدت ليوم النفير فبدل مصونها وأصفى لخواصه صفونها وقال: اركبوا وأدركوا العدو وما زال ينهض مجربا وينقب منقبا حتى انتظمت له كتيبة شهباء وساروا والخضراء من وقع الحوافر ونقع الحوافر غبراء وقلقت في أشباح الغمود الاروح وجرت بالجبال الرياح وطارت العقبان مع أمثالها من الرايات، وتنزلت الملائكة من نص النصر بالآيات وجرى سيل الخيل وجر القتام على النهار ذيل الليل والسلطان في موكب جلالته كالقمر المبدر في هالته ورايد النصر يرشده بدلالته فلم يزل يعتق ويعب حتى ترى الجمعان ودنا الرعان من الرعان وصافحت الصفاح اشاحع الشجعان، وطلعت في ابراج العجاج نجوم الخرصان. واتفق ان الفرنج حملوا وبرز ابن بارزان مقدما من مقدميهم وحمل لحملتهم وقادوا يكسفون الأنوار ويكشفون الأستار فثبت السلطان أمامهم وردهم وراءهم وتضاعف المدد وترادف العدد فحملوا حملة كادت تتم، وسر الشر متم، وطعن فيها صمصام الدين أجك وخشي إنها لا تتدارك فردهم خوف الردى إلى الجبل وضاقت عليهم واسعات الحيل ثم أحدقت بهم أسودنا أحدق النار بالجان وخاضت غمرة الهيجاء فاسر الفرنج بأسرهم وصح النصر من كسرهم, ودخل الليل فأخفى بسواده سوادهم وقيد بخواتم الذل قوادهم وما فرس فرسانهم, ولا شجي وشجب إلا شجعانهم فإن الرجالة لما شاهدوا عسكر الإسلام تبدد شملهم في الوهاد والآكام فما ضغم إلا كل ضيغم ولا أقدم إلا كل مقدم ولم يفلت من بينهم إلا الملك المجذوم وقيل أن أحدهم حمله على قفاه ثم نجا به ونجاه. وعاد السلطان إلى مخيمه بعد هدء من الليل ووافت البشاير إلى المعسكر المنصور بالنصر من العصر فجلس في سرادقه ونحن عنده جلوس وحول شمسه من الأفاضل شموس وهو يحدثنا ويقول لولا التأييد من الله سبحانه لكان الخطب خطيرا فإنهم لو بدلوا بالمعسكر لأعجلوا عن الإلجام والإسراج وسدوا على اكب مناهج الأفراج ووجدوا الفرصة بادية والعرصة خالية لكن الله تعالى صد قصدهم وأعمى لخطاياهم عمدهم ثم أذن في تقديم الاسارى وهم يتهادون كأنهم سكارى فأول من قدم ابن بارزان بادوين وقد أسره من أمرائنا الأكراد محمد بن خوشترين. ثم قدم أود مقدم الداوية الكبير وأحضر هو ابن القومصية وقيد أخو صاحب الجبيل وجماعة من مقدميهم الأكابر وأنا جالس بجنب السلطان منفردا استعرضهم بقلمي في الدستور فأجلسهم من حوله وآنستهم بقوله فاقروا بتطوله وطوله، ومن ألطاف الله أنا وخواصه الحاضرون لم نزد على عشرين والاسرا قد أنافوا على سبعين وقد انزل الله علينا السكينة وخصهم بالذلة والمسكنة فطلع الصباح ورفع المصباح فقمنا وصلينا بالوضاء الذي صلينا به العتمة ثم جلسنا حتى تم عرض المأسورين فبلغوا مائتين ونيفا وسبعين من الفرسان المقدمين سوى من أسر أسروه في خيمته وسوى من لا يذكر من الأتباع فإنهم عدوا من سقط المتاع ثم نقل الأسرى إلى دمشق واعتقلوه وبالحديد أوثقوا فإما ابن بارزان فانه بذل بعد سنة في نفسه مائة وخمسين ألف دينار وإطلاق ألف أسير من المسلمين وكان الفقيه ضياء الدين عيسى من نوبة الرملة عندهم فالتزمه راكه وان يودى من قطيعته المذكورة القطيعة التي عرف بها فكافة وأما هو فانه استفكته أمه بخمسة وخمسين ألف دينار صورية وأما أود فانه انتقل من عيشته إلى سجين فطلبت جيفته بإطلاق أسير من مقدمي المؤمنين وطال اسر الباقين فمنهم من هلك وهو عان ونمهم من خرج بأمان.

стр. 73

قال: ومن حسن الاتفاقات ان الأسطول المصري النصور غزا في أول هذا العام وتوغل في الجزاير على أهل الجزاير وظفر ببطشة كبيرة فلقيها بالبطشة الكبرى واستولى عليها وعلى أخرى وعاد إلى الثغر المحروس مستصحبا ألف راس من السبي وكان تاريخ استطالة الأسطول على الفرنج بمصر في البحر تاريخ بطشتنا بالشام من غير تأخير بحزب الكفر. (١٩٨ ب) فما اقرب بين النصرين في المصريين وما أعذب عذاب الفئتين وتجريعهما الأمرين من المرين. ذكر منقبة لعز الدين فرخشاه قال: ذكر عز الدين أنني في تلك المعركة والجولة الحالية أما عن المملكة وأما عن المهلكة تذكرت قول المتنبي: فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن يرد الموت الزؤام تؤول ومن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليل فهان أموت في عيني فما أفرق بين حياتي وحيني وحكى الأمير حسام الدين تميرك بن يونس وكان مع عز الدين في الوقعة أنا كنا في أقل من ثلاثين فرسا فقد تقدمنا من أهل الفتك فشاهدنا خيل الفرنج في ستمائة فارس واقفين على جبل وبيننا وبينهم الماء فقال نعبر النهر إليهم ونحمل عليهم فقلت له كيف تقول هذا وبمتى تحمل عليهم فقال إذا عبرنا النهر إليهم ذلوا وتبعنا من رآنا من عسكرنا وإن وقفنا لهم طمعوا فينا وجاءوا وعملوا ما شاءوا فسار إليهم وعبر الماء فما وصل إلى القوم إلا في عدتهم وقل من حد عدتهم ووافق ذلك رجف السلطان ونصر الإيمان. ذكر غيبة تقي الدين عن هذه النوبة قال: كان سلطان الروم قلج أرسلان أرسل في طلب قلعة رعبان وادعى أنه من بلاده وإنما أخذه نور الدين ﵀ على غير مراده وأن الملك الصالح ولده قد أنعم به عليه ورضي بعوده إليه وأبى ذلك سلطاننا فعد قصده ومنعه ورده وكان مع شمس الدين بن المقدم وفيه نوابه فانهض قلج أرسلان عسكرا مجرا نزل على حصاره وشرع في تشعيث نواحيه وأقطاره فندب السلطان ابن أخيه تقي الدين ومعه سيف الدين على المشطوب ليتوليا إزالة رعب رعبان ويرسلا الروع على روع عسكر قلج أرسلان فنهضا وهما في ألف وكانت تلك الحشود في ألوف مجمعة فلما شاهدوا أصحابنا قد جرى بسيل خيلهم الوادي أجفلوا من عدوي تلك العداوى وزال عن رعبان رعبها وأمن سربها وعذب شربها وأرجت بأرجائها مهاب المهابة وطافت ألطاف عصمة الله الذابة بالإصابة, وكتب تقي الدين توبتها الدايلة وبنوبتها الزايلة وأنه فتح لم يحتسب ومنح من الله إلا بفضله لم يكتسب وغزو إلا إلى تأييده لم يعز ولم ينتسب ولم يزل تقي الدين بهذه النصرة المبتكر فأنه هزم بآحاد الوفا وأرغم بأعداد من الأعداء أنوفا. فصل من كتاب سلطاني إلى مجاهد الدين قايماز بالموصل وكتب تقي الدين بإذن الله ثلاثين ألفا من عسكر المذكور بألف وكانوا ضعف وقد علم الله تعالى أنه شاء فاكسرنا من سهم المهيب ومؤاخذته على رأيه المخطي المصاب لا المصيب فإن المذكور يمشي زمانه بناموسيه ويؤسي نهاره من أشعة الإفلات من شموسه. ذكر النزول على حصن بيت الأحزان وتيسير فتحه في أقرب زمان

стр. 74

قال: لما ضعف الكفر بالنوب التي نابته بلا بأس الإسلامي قوي العزم السلطاني في قصد البرج وسير إلى التركمان وإلى البلاد لجمع الراجل فأمر بإعداد الدقيق وتكثيره للتر كمان فخرجنا في جيش فضل بالقضاء ختام قتامه وورد على الأصباح بإظلامه ودارت بفوز القداح أقداحه ولاحت غرره وأوضاحه وحملت أآلات وكملت الحالات ووصلنا إلى مخاضة بيت الأحزان يوم السبت والحصن مبنى دونها من الغرب فخيمنا منها بالقرب ورفعنا على تلك الأكام آكاما من الخيم ورمينا من الحمايم والعمايم مسامع الآفاق بالصمم وقلنا حصن ومكان مكين ولابد من نظم ستار لنصب المنجنيقات وجمع الأخشاب ولآلات فركب السلطان بكرة الأحد إلى ضياع صفد وكانت قلعة ضفد يومئذ للداوية وهي عش (١٩٩أ) البلية وأمر بقطع كرومها وحمل زرجونها وأخشابها واستكملت المنجنيقات كل ما يتم به أسباب أسبابها وعاد إلى المخيم بعد الظهر وخرج بعد العصر, وجمع أمراءه وعارض بآرائهم آراءه فأل له عز الدين حاولي الأسدي تأذن لنا في الزحف قبل نصب المنجنيق حتى نذوق قتالهم ونجرب نزالهم فقال: استخيروا الله حيث اخترتم فنودي في البوادي بالأقدام والحضور في مقام الانتقام فثاروا إلى الثأر وطاروا إلى الأقطار ودنوا من الباشورة وباشروا وشاقوا معاشرها كأس المنية وعاشروها. وعهدي بشاب من العوام في جرأة الضرغام عليه قميص خلق وفي يده قضيب ودرق وقد فرع الجدار وهو يدافع ويقارع ويجالد ويماصع فتبعه ضرب من إضرابه في الضرب وشيعه آخر على حزب الحرب فتخاذل القوم ودخلوا الحصن وأغلقوا الأبواب ووقفوا وراءها على شرفاته وأشرفوا على شرفاته وملك أصحابنا الباشورة وملأوها وانتقلوا بكليتهم إليها وكلأوها. وباتوا طول الليل يحرسون والسلطان يمدهم بالإمداد وينجدهم بالإنجاد ويشفق من فتح الأبواب وكبسهم الناس فقيل لنا أنهم وقدوا خلف كل باب نارا ليأمنوا على أنفسهم اغترارا ولا يلقوا غوارا فقر قرار الأصحاب وغاد الجماح إلى الأصحاب ثم جمع الأمراء والكبراء وفرق عليهم البناء فأخذ عز الدين فرخشاه الجانب القبلي وجمع عليه الصناع النقابين وأخذ السلطان النقب في الجانب الشمالي وأخذ ناصر الدين محمد ابن شيركوه بقربه نقبا وأفرد تقي الدين قسما وكذلك كل كبير شرع في طرف وأخذ العمل فيه بسرعة الفرنج من فوقهم على السور وراء الستاير يرمون القوارير وكان الحصن شد سد البناء فعسر على النقابين إخراج حجره وإظهاره مضرة ثم تم النقب السلطاني وغلق وحشي بالحطب ليلة الاثنين وأحرق وظن أنه يقع والنقب في طول ثلاثين ذراعا وفي عرض ثلاثة أذرع في المقدار وكان عرض السور سبعة أذرع فما تأثر بالتعليق والتحريق فأصبح يوم الاثنين والقلوب قد أشفقت والظنون قد أخفقت ولا سبيل إلى تعميق النقب للنيران الملتهبة فيه فأخرج السلطان صرة فيها ثلاثمائة دينار مصرية وتركها على يد عزا لدين وأمره أن يعطي كل من جاء بقربة من الماء دينارا فرأيت الناس للقرب حاملين ولأوعية الماء ناقلين حتى أغرقوا النقب فعاد نقابوها فخرقوه وعمقوه ثم علقوه واستظهروا فيه يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ثم أحرقوه ووصل الخبر بأن الفرنج قد اجتمعا بطبرية وأنهم ملأوا بخيلهم ورجلهم تلك البرية فحصن الصناع. ولما كان الخميس الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول أصبح الخميس قد حمى الوطيس وقد عض الأسد الخيس والدنيا تضطرب والبلوى تضطرم ونحن ننظر إلى السور وقد طال الانتظار ووقع من بطء وقوعه الاستشعار ولما تعالى النهار وعيل الاصطبار وزال القرار انقض الجدار وتباشر الأبرار وتسابق الناس إلى الثملة وكان الفرنج قد جمعوا وراء الواقع حطبا فلما وقع الجدار دخلت الرياح فيها فعادت عليهم النار وأحرقت البيوت الدانية منها في الجوانب وبلوا من كل صوب بالمصايب فاجتمعوا إلى الجانب البعيد من النار وقد لفحهم وهج الاستعار وصاحوا بالأمان وأظهروا الإذعان وجلس السلطان وقد حمد الله سبحانه وحده فمن أحضر من الأسرى عنده استنطقه فإن كان مرتدا أو راميا يخرج ضرب عنقه.

стр. 75

وخلص من الأسر أكثر من مائة مسلم أحضروهم للعمارة وقطع الحجارة. وأكثر من أسر قتله الغزاة المطوعة والرعاع المجمعة فكان فتحا هنيا ومنحا سنيا وما ظن لتوثيق بنائه وتوغير سبله يتأتى افتتاحه أو يتصور اجتياحه وكان قد بذل في هدنة لهم ليأمن الناس منهم مبلغ ستين ألاف دينار فلم يذعنوا بالقرار وبلغ المبلغ مائة ألف دينار فثبتوا على الإصرار. وقال: ورأيت السلطان مستبشرا يتلألأ وجهه بنور السرور وعنده رسول القومص معافى وهو يشاهد بلية أهل ملته, وكان الحر شديدا لا يطاق ودم الشرك مباحا يراق, وقد وقد القيظ وأن وقد الغيظ وسير من أبقاه الأسار إلى دمشق فأقام السلطان في مخيم والأموات قد جافت والأحياء قد عافت وقال: ولا أبرح حتى أهدم الموضع من أساسه وأعيد الرجاء في أعادته إلى بأسه فقسمناه أذرعا على البأس حتى (١٩٩ب) هدوه إلى الأساس وعاد المشهد اليعقوبي مزورا ورأى الابتهاج بزيارته منشورا. ودخلت الحصن فشاهدت العجب ورأيت فارسا قد ألقى على النار حصانه وهو راكبه فانظر إلى هذه الحمية والأنفس الأبية. وأقام السلطان في ذلك المنزل الكريه حتى فرغ من التخريب ورحلنا يوم الأربعاء وعند الوصول إلى دمشق مرضنا من وبال ذلك الوباء ونتن ذلك الهواء وانتقل إلى جوار الرحمة أكثر من عشرة من الأمراء ومن الله غلة بعد الأشقاء بالشفاء. قال: وهنأ الشعراء السلطان بفتح هذا الحصن فمما بقي على ذكرى من ذلك ما أنشدنيه الفتى أحمد بن نفاذه: هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها ولأبي الحسن علي بن محمد الساعاتي الخرساني من أهل دمشق قصيدة أولها: بجدك أعطاف القنا تتعطف ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف وقفت على حصن المخاض وأنه ... لوقف حق لا يوازيه موقف أيسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها وهي تحلف نصحتكم والنصح في الدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف ولأبي الفتح سعادة الضرير الحمصي من قصيدة: وقدت إلى الأعداء جيشا عرمرما ... إذا أبرقت فيه الصوارم أرعدا خميسا كسوت الجو ثوبا ممسكا ... به وكسوت الأرض ثوبا موردا لها ما يريك الشمس ثاير نقعه ... يقلب مطرفها من الطرف أرمدا ترى الليث فيه بالحباب مؤبطا ... نزا البدر فيه بالشهاب مقلدا طما بالمحاصير الصواهل بحره ... الخضم وبالبيض المباتير أزبدا وأبدى من الخرصان لمعا مفضضا ... يعود يوشك الطعن لمعا معسجدا فلم تبق للطغيان شملا مجمعا ... ولم تبق للأيمان شملا مبددا وللأمير نجم الدين محمود بن الحسن بن نبهان العراقي من أهل الحلة المزيدية في السلطان أيضا من كلمة: وأوردت بيض الهند ماء رقابهم ... وأصدرتها تختال في حلل حمر جلوت بها صمصامة الدين بعد ما ... علا متنها من بغيم صدء القسر هي للفتكة الغراء لا زلت قايما ... بأمثالها للدين في السر والجهر فأصبح في أقصى خرسان ذكرها ... وفي كل قلب منه جيش من الذعر قال: وفي هذه السنة كان طهر الملك العزيز أبي الفتح عثمان ولد السلطان وسمعته يقول مولد عثمان بمصر ثامن جمادى الأولى من سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان أحب أولاده إليه وأعزهم وأثناهم لأعطاف سروره به وأهزهم وهو ريحان شمه وفينان ضمه ورأس ماله وأساس أقباله. وكانت فراسته فيه من علم الغيب الذي أطلعه الله عليه فهو الذي من بعده نظم سلكه وضم ملكه وجمع شمله وأبقى أفضاله وفضله ولزم إحسانه وعدله. ولما وصل من مصر إلى الشام في سني سبعين برح به اشتياقه وأزعجه فراقه فاستقدمه إليه فطلع قمره وينع ثمره وثاب أنسه وبلغت المنى نفسه وقال: وأنشدت أسلطان تهنية بقدومه كلمة منها: (٢٠٠أ) يا أسد تحمي عرين العلي ... هنيت جمع الشمل بالشبل ياطيب الثمر بلغت المنى ... تمليا بالطاهر النجل يحكيك أقداما وبأسا فما ... أشبه هذا الفرع بالأصل ملك قضى الله له أنه ... على ملوك الأرض يستغنى شمله المجموع آمالنا ... بنجمها مجموعة الشمل
следующие страницы →