Полный текст (166 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال ﵀: وفي هذه السنة غدر ابرنس إنطاكية وأغار على خشير شيزر وغدر القومص بطرابلس بعد الأمان بجماعة من التركمان فان الإفرنجية اجتمعوا وقالوا: الصواب ان نفرق عسكر الإسلام في ثغوره بالارغاب والإرهاب فإنا إن هادناهم من جانب توفر عسكرهم من الجانب المجانب وتجرد لأصابتنا بالمصايب فاقتضى الأمر أن رتب السلطان ولد أخيه تقي دين في ثغر حماه ومعه شمس الدين بن المقدم وسيف دولة على المشطوب وصاحب شيزر بعسكره محتاط في مورده ومصدره وأمرهم بالاتكثار من (١٩٧ب) الرجال واستخدم نخب الأبطال ورتب ناصر الدين محمد بن شيركوه في حمص في مقالبة القومص. وكلهم مأمور بالتنبيه بكل صوب والاصاخة إلى كل صوت رابض في مكانه وإذا أحس بدناه وثب عليها ممسك بعنانه وإذا سمع هيعه طار إليها. قال: وبعد توديع السلطان أخاه شمس الدولة أغار على بلاد الفرنج لمشاهدة الحصن الذي بنوه.
فصل في معناه قصدنا البرج ونازلناه وما زلنا نقاتل حتى أزلناه واحتموا بباطنه فما خرج احد رأسه وسنعود إليه بعون الله ونقلع أساسه فصل آخر وأما الإطراف فان ملوك ديار بكر إلينا ملتجون ولنا مرتجون ومن سلطان الروم مستشعرون وبسلطاننا مستظهرون ووصل رسول سلطان الروم قلج أرسلان يعف لنا صفاه ويوفينا وفاة ويعرض وده ويعرض بما عنده وقد توافر اجتهادنا على أن نستميل كلا إلى الجهاد ونجمع شملهم على الاتفاق والاتحاد والله تعالى يوثق لنا مواثق رضاه من أمر رحيل هذا المرام وامراع مراد هذا المراد.
قال: وانتقل السلطان إلى الشعراء وخيم في مروجها وسام الخيل في اكلاء خروفها وخروجها ولما تطوحت الأعشاب وصوخت الشعاب وانتقل إلى بانياس وقد وفد من البوادي من جرى بسيله الوادي فرام أعتاب البرية وأعراب البرية وقال: هؤلاء إذا اكتالوا السنة من الشام بلى العام بالمحل العام وجمع عنده الجموع فبلغت الخيم إلى حدود بلد الكفر وكان في كل يوم يركب وفي خدمته الخواص ويظهر أن غرضه الاصطياد والاقتناص ثم ينزل على النهر ويجرد فرسان الجلاد والقهر ويسير قبائل العرب إلى بلد صيدا وبيروت حتى يحصدوا غلات العدو ويجمعوا القوت وما يبرح مكانه حتى يعودون بجمالهم وأحمالهم موثقة بأثقالها حتى خف من زرع الكفار بالقرب ولم يحصل من ذلك كفاية الغرب. وأشفق على الناس وجمع الأمراء وشاروهم في الأمر وقال: قد علمتم غلا الغلات وإقلال الأقوات وظهور أعراب البادية وخفاء الأعشاب البادية وما كان بالقرب من غلات العدو وزروعه استجناه واجتحناه ولم يبق إلا أن تنهض عساكرنا بالنوبة ونقيم بقوتها إلى حين الأوبة فأجابوه بالسمع والطاعة وما زالت المقانب تنهض والطلايع على مراكزها تربض والمزارع تحصد والمواضع تقصد والثمار تصرم والضرام تضرم قال:
ودخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة
والسلطان صلاح الدنيا والدين نازل على تل القاضي ببانياس وقد عم بالإيناس الناس وفي كل يوم يصاحبون بلد العدو ويماسونه، ويداوون جرح الجدب بما ينقلونه من الغلات ويأسونه حتى لم يبق هناك الا اليسير واجمعنا على أنا نستجيبه في يوم واحد ونسير. وكان المقدم على العسكر عز الدين فرخشاه بن أخي السلطان شاهنشاه وكان مخيمه على بعد من السرادق السلطاني وقدامه فلما استهل محرم هذه السنة حضر عند السلطان عمه وقال أن المقام ههنا يصعب لا سيما والحر قد تضرم، والزرع قد تضرم وأهل الشرك هاجمون واجمون ولظنونهم فيما هم راجون راجمون فنتحول إلى حيث نتبدل من الضيق بالسعة فقال السلطان ما أنجب الرأي الذي رأيتموه وانجح السعي الذي سعيتموه وقد بقي لكم أن تنهضوا الليلة أجمعين وعلى بلاد الكفر مجمعين فتجمعون منها ما بقي في مواضعها المتفرقة وإذا عدتم سالمين غانمين رحلنا صوب البقاع واستأنفنا ما يعود للإسلام ولارتفاع والانتفاع.
ذكر وقعة مرج عيون
стр. 72
قال: ولما نهض أصحابنا واد لجوا وخاضوا بحر الظلام ولججوا أصبح السلطان يوم الأحد راكبا ومعه صمصام الدين أجك وإلى بانياس في موكب خفيف وجمع غير كثيف ووقف على الطريق وسال الله حسن التوفيق فرأى في تلك العياض أبقارا حافلة، وسروجا عن مراتعها زايلة. وجاءه بعض الرعاة واخبر انه شاهد عسكره العداة وإنهم عبروا بالقرب على قصد المتعلقة فعجب السلطان من هذا الخبر واستبعده وقال: لو كان للفرنج قصد لجاءنا الجاسوس فما صدق الخبر حتى جاء (١٩٨ أ) من أوائل العسكر من ارتاع وعجل في العود الإسراع فجاء السلطان إلى المخيم وقت الظهر ونادى في متخلفى مماليكه بالحضور. وكان في اصطبله خيل عراب شدت للتضمير وجياد عتاق أعدت ليوم النفير فبدل مصونها وأصفى لخواصه صفونها وقال: اركبوا وأدركوا العدو وما زال ينهض مجربا وينقب منقبا حتى انتظمت له كتيبة شهباء وساروا والخضراء من وقع الحوافر ونقع الحوافر غبراء وقلقت في أشباح الغمود الاروح وجرت بالجبال الرياح وطارت العقبان مع أمثالها من الرايات، وتنزلت الملائكة من نص النصر بالآيات وجرى سيل الخيل وجر القتام على النهار ذيل الليل والسلطان في موكب جلالته كالقمر المبدر في هالته ورايد النصر يرشده بدلالته فلم يزل يعتق ويعب حتى ترى الجمعان ودنا الرعان من الرعان وصافحت الصفاح اشاحع الشجعان، وطلعت في ابراج العجاج نجوم الخرصان.
واتفق ان الفرنج حملوا وبرز ابن بارزان مقدما من مقدميهم وحمل لحملتهم وقادوا يكسفون الأنوار ويكشفون الأستار فثبت السلطان أمامهم وردهم وراءهم وتضاعف المدد وترادف العدد فحملوا حملة كادت تتم، وسر الشر متم، وطعن فيها صمصام الدين أجك وخشي إنها لا تتدارك فردهم خوف الردى إلى الجبل وضاقت عليهم واسعات الحيل ثم أحدقت بهم أسودنا أحدق النار بالجان وخاضت غمرة الهيجاء فاسر الفرنج بأسرهم وصح النصر من كسرهم, ودخل الليل فأخفى بسواده سوادهم وقيد بخواتم الذل قوادهم وما فرس فرسانهم, ولا شجي وشجب إلا شجعانهم فإن الرجالة لما شاهدوا عسكر الإسلام تبدد شملهم في الوهاد والآكام فما ضغم إلا كل ضيغم ولا أقدم إلا كل مقدم ولم يفلت من بينهم إلا الملك المجذوم وقيل أن أحدهم حمله على قفاه ثم نجا به ونجاه. وعاد السلطان إلى مخيمه بعد هدء من الليل ووافت البشاير إلى المعسكر المنصور بالنصر من العصر فجلس في سرادقه ونحن عنده جلوس وحول شمسه من الأفاضل شموس وهو يحدثنا ويقول لولا التأييد من الله سبحانه لكان الخطب خطيرا فإنهم لو بدلوا بالمعسكر لأعجلوا عن الإلجام والإسراج وسدوا على اكب مناهج الأفراج ووجدوا الفرصة بادية والعرصة خالية لكن الله تعالى صد قصدهم وأعمى لخطاياهم عمدهم ثم أذن في تقديم الاسارى وهم يتهادون كأنهم سكارى فأول من قدم ابن بارزان بادوين وقد أسره من أمرائنا الأكراد محمد بن خوشترين. ثم قدم أود مقدم الداوية الكبير وأحضر هو ابن القومصية وقيد أخو صاحب الجبيل وجماعة من مقدميهم الأكابر وأنا جالس بجنب السلطان منفردا استعرضهم بقلمي في الدستور فأجلسهم من حوله وآنستهم بقوله فاقروا بتطوله وطوله، ومن ألطاف الله أنا وخواصه الحاضرون لم نزد على عشرين والاسرا قد أنافوا على سبعين وقد انزل الله علينا السكينة وخصهم بالذلة والمسكنة فطلع الصباح ورفع المصباح فقمنا وصلينا بالوضاء الذي صلينا به العتمة ثم جلسنا حتى تم عرض المأسورين فبلغوا مائتين ونيفا وسبعين من الفرسان المقدمين سوى من أسر أسروه في خيمته وسوى من لا يذكر من الأتباع فإنهم عدوا من سقط المتاع ثم نقل الأسرى إلى دمشق واعتقلوه وبالحديد أوثقوا فإما ابن بارزان فانه بذل بعد سنة في نفسه مائة وخمسين ألف دينار وإطلاق ألف أسير من المسلمين وكان الفقيه ضياء الدين عيسى من نوبة الرملة عندهم فالتزمه راكه وان يودى من قطيعته المذكورة القطيعة التي عرف بها فكافة وأما هو فانه استفكته أمه بخمسة وخمسين ألف دينار صورية وأما أود فانه انتقل من عيشته إلى سجين فطلبت جيفته بإطلاق أسير من مقدمي المؤمنين وطال اسر الباقين فمنهم من هلك وهو عان ونمهم من خرج بأمان.
стр. 73
قال: ومن حسن الاتفاقات ان الأسطول المصري النصور غزا في أول هذا العام وتوغل في الجزاير على أهل الجزاير وظفر ببطشة كبيرة فلقيها بالبطشة الكبرى واستولى عليها وعلى أخرى وعاد إلى الثغر المحروس مستصحبا ألف راس من السبي وكان تاريخ استطالة الأسطول على الفرنج بمصر في البحر تاريخ بطشتنا بالشام من غير تأخير بحزب الكفر.
(١٩٨ ب) فما اقرب بين النصرين في المصريين وما أعذب عذاب الفئتين وتجريعهما الأمرين من المرين.
ذكر منقبة لعز الدين فرخشاه
قال: ذكر عز الدين أنني في تلك المعركة والجولة الحالية أما عن المملكة وأما عن المهلكة تذكرت قول المتنبي:
فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن يرد الموت الزؤام تؤول
ومن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليل
فهان أموت في عيني فما أفرق بين حياتي وحيني وحكى الأمير حسام الدين تميرك بن يونس وكان مع عز الدين في الوقعة أنا كنا في أقل من ثلاثين فرسا فقد تقدمنا من أهل الفتك فشاهدنا خيل الفرنج في ستمائة فارس واقفين على جبل وبيننا وبينهم الماء فقال نعبر النهر إليهم ونحمل عليهم فقلت له كيف تقول هذا وبمتى تحمل عليهم فقال إذا عبرنا النهر إليهم ذلوا وتبعنا من رآنا من عسكرنا وإن وقفنا لهم طمعوا فينا وجاءوا وعملوا ما شاءوا فسار إليهم وعبر الماء فما وصل إلى القوم إلا في عدتهم وقل من حد عدتهم ووافق ذلك رجف السلطان ونصر الإيمان.
ذكر غيبة تقي الدين عن هذه النوبة
قال: كان سلطان الروم قلج أرسلان أرسل في طلب قلعة رعبان وادعى أنه من بلاده وإنما أخذه نور الدين ﵀ على غير مراده وأن الملك الصالح ولده قد أنعم به عليه ورضي بعوده إليه وأبى ذلك سلطاننا فعد قصده ومنعه ورده وكان مع شمس الدين بن المقدم وفيه نوابه فانهض قلج أرسلان عسكرا مجرا نزل على حصاره وشرع في تشعيث نواحيه وأقطاره فندب السلطان ابن أخيه تقي الدين ومعه سيف الدين على المشطوب ليتوليا إزالة رعب رعبان ويرسلا الروع على روع عسكر قلج أرسلان فنهضا وهما في ألف وكانت تلك الحشود في ألوف مجمعة فلما شاهدوا أصحابنا قد جرى بسيل خيلهم الوادي أجفلوا من عدوي تلك العداوى وزال عن رعبان رعبها وأمن سربها وعذب شربها وأرجت بأرجائها مهاب المهابة وطافت ألطاف عصمة الله الذابة بالإصابة, وكتب تقي الدين توبتها الدايلة وبنوبتها الزايلة وأنه فتح لم يحتسب ومنح من الله إلا بفضله لم يكتسب وغزو إلا إلى تأييده لم يعز ولم ينتسب ولم يزل تقي الدين بهذه النصرة المبتكر فأنه هزم بآحاد الوفا وأرغم بأعداد من الأعداء أنوفا.
فصل من كتاب سلطاني إلى مجاهد الدين قايماز بالموصل وكتب تقي الدين بإذن الله ثلاثين ألفا من عسكر المذكور بألف وكانوا ضعف وقد علم الله تعالى أنه شاء فاكسرنا من سهم المهيب ومؤاخذته على رأيه المخطي المصاب لا المصيب فإن المذكور يمشي زمانه بناموسيه ويؤسي نهاره من أشعة الإفلات من شموسه.
ذكر النزول على حصن بيت الأحزان وتيسير فتحه في أقرب زمان
стр. 74
قال: لما ضعف الكفر بالنوب التي نابته بلا بأس الإسلامي قوي العزم السلطاني في قصد البرج وسير إلى التركمان وإلى البلاد لجمع الراجل فأمر بإعداد الدقيق وتكثيره للتر كمان فخرجنا في جيش فضل بالقضاء ختام قتامه وورد على الأصباح بإظلامه ودارت بفوز القداح أقداحه ولاحت غرره وأوضاحه وحملت أآلات وكملت الحالات ووصلنا إلى مخاضة بيت الأحزان يوم السبت والحصن مبنى دونها من الغرب فخيمنا منها بالقرب ورفعنا على تلك الأكام آكاما من الخيم ورمينا من الحمايم والعمايم مسامع الآفاق بالصمم وقلنا حصن ومكان مكين ولابد من نظم ستار لنصب المنجنيقات وجمع الأخشاب ولآلات فركب السلطان بكرة الأحد إلى ضياع صفد وكانت قلعة ضفد يومئذ للداوية وهي عش (١٩٩أ) البلية وأمر بقطع كرومها وحمل زرجونها وأخشابها واستكملت المنجنيقات كل ما يتم به أسباب أسبابها وعاد إلى المخيم بعد الظهر وخرج بعد العصر, وجمع أمراءه وعارض بآرائهم آراءه فأل له عز الدين حاولي الأسدي تأذن لنا في الزحف قبل نصب المنجنيق حتى نذوق قتالهم ونجرب نزالهم فقال: استخيروا الله حيث اخترتم فنودي في البوادي بالأقدام والحضور في مقام الانتقام فثاروا إلى الثأر وطاروا إلى الأقطار ودنوا من الباشورة وباشروا وشاقوا معاشرها كأس المنية وعاشروها.
وعهدي بشاب من العوام في جرأة الضرغام عليه قميص خلق وفي يده قضيب ودرق وقد فرع الجدار وهو يدافع ويقارع ويجالد ويماصع فتبعه ضرب من إضرابه في الضرب وشيعه آخر على حزب الحرب فتخاذل القوم ودخلوا الحصن وأغلقوا الأبواب ووقفوا وراءها على شرفاته وأشرفوا على شرفاته وملك أصحابنا الباشورة وملأوها وانتقلوا بكليتهم إليها وكلأوها. وباتوا طول الليل يحرسون والسلطان يمدهم بالإمداد وينجدهم بالإنجاد ويشفق من فتح الأبواب وكبسهم الناس فقيل لنا أنهم وقدوا خلف كل باب نارا ليأمنوا على أنفسهم اغترارا ولا يلقوا غوارا فقر قرار الأصحاب وغاد الجماح إلى الأصحاب ثم جمع الأمراء والكبراء وفرق عليهم البناء فأخذ عز الدين فرخشاه الجانب القبلي وجمع عليه الصناع النقابين وأخذ السلطان النقب في الجانب الشمالي وأخذ ناصر الدين محمد ابن شيركوه بقربه نقبا وأفرد تقي الدين قسما وكذلك كل كبير شرع في طرف وأخذ العمل فيه بسرعة الفرنج من فوقهم على السور وراء الستاير يرمون القوارير وكان الحصن شد سد البناء فعسر على النقابين إخراج حجره وإظهاره مضرة ثم تم النقب السلطاني وغلق وحشي بالحطب ليلة الاثنين وأحرق وظن أنه يقع والنقب في طول ثلاثين ذراعا وفي عرض ثلاثة أذرع في المقدار وكان عرض السور سبعة أذرع فما تأثر بالتعليق والتحريق فأصبح يوم الاثنين والقلوب قد أشفقت والظنون قد أخفقت ولا سبيل إلى تعميق النقب للنيران الملتهبة فيه فأخرج السلطان صرة فيها ثلاثمائة دينار مصرية وتركها على يد عزا لدين وأمره أن يعطي كل من جاء بقربة من الماء دينارا فرأيت الناس للقرب حاملين ولأوعية الماء ناقلين حتى أغرقوا النقب فعاد نقابوها فخرقوه وعمقوه ثم علقوه واستظهروا فيه يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ثم أحرقوه ووصل الخبر بأن الفرنج قد اجتمعا بطبرية وأنهم ملأوا بخيلهم ورجلهم تلك البرية فحصن الصناع.
ولما كان الخميس الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول أصبح الخميس قد حمى الوطيس وقد عض الأسد الخيس والدنيا تضطرب والبلوى تضطرم ونحن ننظر إلى السور وقد طال الانتظار ووقع من بطء وقوعه الاستشعار ولما تعالى النهار وعيل الاصطبار وزال القرار انقض الجدار وتباشر الأبرار وتسابق الناس إلى الثملة وكان الفرنج قد جمعوا وراء الواقع حطبا فلما وقع الجدار دخلت الرياح فيها فعادت عليهم النار وأحرقت البيوت الدانية منها في الجوانب وبلوا من كل صوب بالمصايب فاجتمعوا إلى الجانب البعيد من النار وقد لفحهم وهج الاستعار وصاحوا بالأمان وأظهروا الإذعان وجلس السلطان وقد حمد الله سبحانه وحده فمن أحضر من الأسرى عنده استنطقه فإن كان مرتدا أو راميا يخرج ضرب عنقه.
стр. 75
وخلص من الأسر أكثر من مائة مسلم أحضروهم للعمارة وقطع الحجارة. وأكثر من أسر قتله الغزاة المطوعة والرعاع المجمعة فكان فتحا هنيا ومنحا سنيا وما ظن لتوثيق بنائه وتوغير سبله يتأتى افتتاحه أو يتصور اجتياحه وكان قد بذل في هدنة لهم ليأمن الناس منهم مبلغ ستين ألاف دينار فلم يذعنوا بالقرار وبلغ المبلغ مائة ألف دينار فثبتوا على الإصرار.
وقال: ورأيت السلطان مستبشرا يتلألأ وجهه بنور السرور وعنده رسول القومص معافى وهو يشاهد بلية أهل ملته, وكان الحر شديدا لا يطاق ودم الشرك مباحا يراق, وقد وقد القيظ وأن وقد الغيظ وسير من أبقاه الأسار إلى دمشق فأقام السلطان في مخيم والأموات قد جافت والأحياء قد عافت وقال: ولا أبرح حتى أهدم الموضع من أساسه وأعيد الرجاء في أعادته إلى بأسه فقسمناه أذرعا على البأس حتى (١٩٩ب) هدوه إلى الأساس وعاد المشهد اليعقوبي مزورا ورأى الابتهاج بزيارته منشورا. ودخلت الحصن فشاهدت العجب ورأيت فارسا قد ألقى على النار حصانه وهو راكبه فانظر إلى هذه الحمية والأنفس الأبية. وأقام السلطان في ذلك المنزل الكريه حتى فرغ من التخريب ورحلنا يوم الأربعاء وعند الوصول إلى دمشق مرضنا من وبال ذلك الوباء ونتن ذلك الهواء وانتقل إلى جوار الرحمة أكثر من عشرة من الأمراء ومن الله غلة بعد الأشقاء بالشفاء.
قال: وهنأ الشعراء السلطان بفتح هذا الحصن فمما بقي على ذكرى من ذلك ما أنشدنيه الفتى أحمد بن نفاذه:
هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها
ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها
ولأبي الحسن علي بن محمد الساعاتي الخرساني من أهل دمشق قصيدة أولها:
بجدك أعطاف القنا تتعطف ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف
وقفت على حصن المخاض وأنه ... لوقف حق لا يوازيه موقف
أيسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها وهي تحلف
نصحتكم والنصح في الدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف
ولأبي الفتح سعادة الضرير الحمصي من قصيدة:
وقدت إلى الأعداء جيشا عرمرما ... إذا أبرقت فيه الصوارم أرعدا
خميسا كسوت الجو ثوبا ممسكا ... به وكسوت الأرض ثوبا موردا
لها ما يريك الشمس ثاير نقعه ... يقلب مطرفها من الطرف أرمدا
ترى الليث فيه بالحباب مؤبطا ... نزا البدر فيه بالشهاب مقلدا
طما بالمحاصير الصواهل بحره ... الخضم وبالبيض المباتير أزبدا
وأبدى من الخرصان لمعا مفضضا ... يعود يوشك الطعن لمعا معسجدا
فلم تبق للطغيان شملا مجمعا ... ولم تبق للأيمان شملا مبددا
وللأمير نجم الدين محمود بن الحسن بن نبهان العراقي من أهل الحلة المزيدية في السلطان أيضا من كلمة:
وأوردت بيض الهند ماء رقابهم ... وأصدرتها تختال في حلل حمر
جلوت بها صمصامة الدين بعد ما ... علا متنها من بغيم صدء القسر
هي للفتكة الغراء لا زلت قايما ... بأمثالها للدين في السر والجهر
فأصبح في أقصى خرسان ذكرها ... وفي كل قلب منه جيش من الذعر
قال: وفي هذه السنة كان طهر الملك العزيز أبي الفتح عثمان ولد السلطان وسمعته يقول مولد عثمان بمصر ثامن جمادى الأولى من سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان أحب أولاده إليه وأعزهم وأثناهم لأعطاف سروره به وأهزهم وهو ريحان شمه وفينان ضمه ورأس ماله وأساس أقباله. وكانت فراسته فيه من علم الغيب الذي أطلعه الله عليه فهو الذي من بعده نظم سلكه وضم ملكه وجمع شمله وأبقى أفضاله وفضله ولزم إحسانه وعدله. ولما وصل من مصر إلى الشام في سني سبعين برح به اشتياقه وأزعجه فراقه فاستقدمه إليه فطلع قمره وينع ثمره وثاب أنسه وبلغت المنى نفسه وقال: وأنشدت أسلطان تهنية بقدومه كلمة منها:
(٢٠٠أ) يا أسد تحمي عرين العلي ... هنيت جمع الشمل بالشبل
ياطيب الثمر بلغت المنى ... تمليا بالطاهر النجل
يحكيك أقداما وبأسا فما ... أشبه هذا الفرع بالأصل
ملك قضى الله له أنه ... على ملوك الأرض يستغنى
شمله المجموع آمالنا ... بنجمها مجموعة الشمل
стр. 76
فلم يفارق الملك العزيز أباه واستصحبه إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ثم عاد به إلى الشام في سنة ثلاث وسبعين. قال وقال السلطان عند قرب رحيله من مصر: اطلب لولدي هذا معلما يصحبه ويتسنى به تأدبة وتهذبة وكان نجم الدين يوسف بن الحسين بن المجاور إلى متوددا ولشكوى الزمان معددا ويحب الفضل إلى أهله مترددا إليه ودللت عليه ورغبته في الصحبة، وأخذت له مركبا ونفقة، وجاءت أسبابه موافقة موفقة فتولى الصفي بن القابض وأكن متولي الخزانة والديوان والأعمال بدمشق. أسباب ختان الملك العزيز: ولقد كان عالي الهمم من أهل التمييز فوسع الإنفاق وصاغ النحوت والأطواق وأطلق الأموال ونمق الأحوال وأول من وجد بركة هذا الطهر المبارك المؤدب فقد سعد نجمه وصح شيمه ووضح غيمه وتحلى في اللباس الذهبي باللباس الأدبي والمركب النضاري والمركوب العربي وزين المزيون وأعيدت عليهم الخلع السنية وبالسناء أعيدوا وخلع السلطان علينا في المخيم تشريفا لأحوالنا مناسبا وأمسى كل منا لذيل الاعتزاز مصاحبا ومن جملة ما حباني به حجرة عربية وعدة لها ذهبية وعز الملك العزيز في ختام ختانة وعم الفضل والحسنى بأفضاله وإحسانه.
قال: وفي هذه السنة خرجنا إلى بعلبك لتسلمها إلى عز الدين فرخشاه ابن أخي السلطان وكانت الشتوة صعبة، وكان طريقنا على الرواد يف وهي عقاب يتلوها عقاب وطرقها صعاب وفي ذي القعدة من هذه السنة جمع غز الدين فرخشاه من رجال بانياس وماحولها من الأعمال من جرب عادته وجترات عدته فصبح صفد صباح الأربعاء ثامن عشر الشهر فسبى وسلب وعنم وعلب واحرق ما شاء الله وأخرب ومر مر السحاب وعاد بالسبايا والنهاب وأبت عناية الله نصر النصارى وإسلام الإسلام، وشق بالإصباح سراير الإظلام. قال وفي العشر الأخير من شوال من هذه السنة خرج الأجل الفاضل من دمشق إلى الحج وعاد إلى مصر وكان عام أول سنة أربع وسبعين حج من مصر على البحر وجاء الشام.
ذكر وفاة الإمام المستضيء وخلافة الإمام الناصر ﵄
قال: وقي هذه السنة وهي سنة خمس وسبعين توفي الإمام المستضيء بأمر الله فأظلمت الأضواء وبويع لولده الإمام الناصر فأضاءت الظلماء، وكانت البيعة صبيحة ليلة الوفاة وذلك مستهل ذي القعدة فأقرت القواعد وأمرت المعاقد وقد حضر الحجيج من المشرقين وامتلأ بالملويين، وتولى عقد البيعة المباركة ظهير الدين بن العطار ولاح بشره وفاح نشره وظن انه قد تم أمره وعرته مرضه أقعدته وعادية عدوى فأعدته وانتقل إلى جوار الحمة التي إعمال الخير بها وعدته وتمكن من الأمر في الخلافة الناصرية مجد الدين بن الصاحب وكان رسولنا ضياء الدين الشهرزوري حاضرا فحضر وبايع وأخبر بحلية الحال وطالع وبادر السلطان إلى الخطبة في جميع البلاد واهتزت بالسمة الشريفة أعطاف الأعواد ومضى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الحليم بن إسماعيل من بغداد إلى بهلوان رسولا وألزمه حتى خطب بهمدان وأصفهان وعمت الدعوة الهادية بلاد خراسان ثم لما رجع شيخ الشيوخ جاء إلينا رسولا في سنة ست وسبعين وأخذه السلطان معه إلى مصر وحج منها وركب البحر وأنعم مولانا الناصر لدين الله أمير المؤمنين (٢٠٠ب) بإجراء رسمي وإدراري وهز أعطاف فخارى, ومدايحي في أمير المؤمنين قد سارت في آفاق الإشراق أنارت ومن جملتها كلمة سيرتها سنة فتح القدس ومنها:
ورثت من سلفي رقى لطاعته ... وذلك الرق للأسلاف أحساب
ما كان لولا الرضا والسخط منه ... لنا خصب ومحل وأحداء وأحداب
قد قلت لولا التقى ما غير صارمه ... للعمر والرزق مناع ووهاب
معمد بعمود الصبح بينهم ... له من الشهب أوقاد وأطناب
أبشر بفتح أمير المؤمنين أنني ... وصيته في جميع الأرض جواب
ما كان يخطر في بال تصوره ... واستصعب الفتح لما أغلق الباب
وحام عنه الملوك الأقدمون وقد ... مضت على الناس أحقاب وأحقاب
نصر أعاد صلاح الدين رونقه ... إيجازه مبلغ في القول إسهاب
نفى من القدس صلبانا كما نفيت ... من بيت مكة أزلام وأنصاب
قال ودخلت سنة ست وسبعين
وفي هذه السنة توجه السلطان إلى بلد الروم وبلد الأرمن.
ذكر السبب في ذلك
стр. 77
قال: كان نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن أرتق صاحب حصن كيف تزوج بابنة السلطان قلج أرسلان وهوي بغيرها وقد تزوج بمغنية وهو عليها يستخيرها, وهي في سر سترها وفي ضمير خدرها زهراء في أوجها صابرة على جور زوجها تخفي بلواها ولا تبدي شكواها وما ذلك لوجود شين أو لعد زين فإنها تالية القمرين وثالثة النيرين سلجوقية النجار سلطانية الفخار. وكان زوجها للنساء المغنيات زيرا فغلبت عليه فمنهن نصف هو بحبها منصف ومن عيشه بملازمتها منتصف وبمنادمتها مع الندماء منتظم مرتصف فاختار العجوز على الشابة وحسب أن الخطأ عين الإصابة ولكن الهوى ما عليه قياس ولا يتحكم من رجاءه بأي ولله في التوفيق مواهب وللناس فيما يعشقون مذاهب.
فعرف أبوها ما هي فيه من الضرة وأبت له عزة الملك الرضا بذلة المعرة فسرح أهل الارغاب وأوضح سبل الإرهاب وأبدل الإعصار بالأعصاب فبان قرار ابن أرسلان وعزب وأضطرم بتوقي التوقع واضطرب.
وكاتب سلطاننا صلاح الدين يستدني إصلاحه ويستجدي أنجاده وإنجاحه وأرسل وتوسل وأعتذر عما يقال عنه وتنصل فأرسلنا إلى قلج أرسلان رسلا لاستكفافه وتحذيره علقبة خلافه فكتب يهدد ويذكر الذنوب وينشر العيوب ويقول أبيت الحكم بيني وبينه ولا بد أن يدين ويؤدي دينه ولما صاهرته جعلت له قطعة من مملكتي فإذا لم ينزل حكمي فليعد إلى ما كان بأسمى ولينزل عن تلك الحصون ليتحصن منى بالسكون فأجبناه بأنه تركته قبلنا المنة وأن قصدته ثنينا لنصره الأعنة وكان ابن قرا أرسلان لقربه من بلاد حمية يخشاه ولا يرى من يحميه ورسله وكتبه إلينا متواصلة متراسلة وهم جيرانه وأقاربه الأرتقية وغيرهم عنه متفاصلة متناسلة فحميت حمية سلطاننا وتحركت همته وتصممت عزيمته وكان الفرنج قد جنحوا للسلم ودخلوا له في الحكم فهادنهم وفدى ابن بارزان نفسه من الأسر بمبلغ مائة وخمسين دينار صورية واطلاق ألأف أسير من المسلمين وأحضر ما تهيأ له من المال والأسارى وأحضر رهائن على الباقي والباقين وقرر على هو ابن اقومصية قطيعة مبلغها خمسة وخمسون ألف دينار وخلص الأسرى المقدمون كل واحد بقرار فلما فرغ سره من جانب الشام سار بصدق (٢٠١ أ) الاعتزام وعبرنا إلى حلب والملك الصالح بن نور الدين ﵀ مالكها فمنعتنا من طروقها مسالكها فجزنا على قرأ حصار وعبرنا على تل باشر فأضافنا صاحبها بدر الدين دلدرم وهو سخي لد الجود والكرم ووصلنا إلى رعبان وخيمنا على نهر يقال له كوك سو وزخرت بحار معسكرنا بأمواج القباب وانباح اغراب وجاء نور الدين بن قرا أرسلان وأخوه وامتزجت النفوس وابتهجت الوجوه ودارت الأفلاك وتزاورت الأملاك واحتفل السلطان بضيافة القوم في سرادقه وتوشيع نمارقه فكون الأكوان ولون الألوان وجمع من مكارمه البكر والعوان, وبسط الخوان وسماهم الأخوان وشرفهم بنفايس الخلع وحمل لابن قرا أرسلان من الحصن والحجور الغربيات والأطواق والشخون والصياغات وأحمال الثياب المستعملات المصريات ما قوم بمائة ألف دينار وأما ما أخرجه من الخيل فلم يحرز بمقدار ولم يبق في معسكرهم راجل إلا ركب ولا عايل إلا أترب وقد نقلنا إليهم كل ما أصبحنا من أثاث ومتاع ومركوب وكراع ثم عمل ناصر الدين محمد بن شيركوه بن عم السلطان دعوة واقتدى بسلطانه في إظهار حسنه وأحسانه ثم اختار عز الدين فرخشاه بن أخي السلطان يوما للقرى وأجزل جوده وبذل مجهوده بل موجوده. واعتمد ما دخل في الامكان من الإحسان وقرت بما أبداه وأبدعه عين عمه السلطان وما زلنا مدة المقام ببذل الاذعان وجاء الأميراكبير اختيار الدين الحسن بن غفراس وكان لملك الروم الركن والأساس وأحضرني السلطان وهو عنده وأنشأت باتفاقها عهدا أكدت بالشرايط عقده وانصرف هو وأصحابه بخلع سنايا وحسنت السجايا, وأمنت الأذايا بتحف وهدايا ووثقت الألايا ووفقت القضايا.
ذكر دخول بلد الأرمن وفتح حصن المانوية
стр. 78
قال: وقد كان متملك الأرمن بن لاوان فاستمال قوما من التركمان حتى يرعوا في مراعي بلاده بالأمان ثم صبحهم بغدره وحصلوا بأسرهم في أسره، وكثرت شكاية المسلمين من نكايته فرأى السلطان أن الأولى دخول ولايته فسرنا بعساكرنا المنصورة وخيمنا على النهر الأسود وثمرنا على دياره بالدواير وبالقرب دنا على الجبل قلعة شامخة الذرى على رأس محفوفة من نبات الأفلاك بأحراش، وهي من عقايل المعاقل محصنات الحصون، وكانت في ضمير الجبل كاسر المصون فأضرمها الأرمن ناراً ولم يحسب مع استفرادنا بداره قراراًَ فقصدناها وبادرنا إلى إخراج غلاتها وإبراز مودعاتها فأشفع العساكر منها بالزاد والعلف وارتفع عنهم مدة المقام أثقال المون والكلف وخاف الأرمني ودخل الرعب قلبه فأرسل باطلاق الأسارى مذعناً وبذل من مجهود في الإسترضاء والاستعطاف ما كان ممكناً وكان الوقت متعسراً والقوت متعذراً وكان من لطف الله اذعان الأرمني حتى عجلنا رحيلنا بالنصر والعز الهني.
وعملنا على أعمال حلب، ووصنا إلى حماة في العشر الأوسط من جمادى الآخرة، ووصنا إلى حمص وخيمنا على عاصيها، ودانت لنا عواصي الأمور ودنت قواصيها، والمطاب قد أشرقت مطالعها، والمآرب قد ملكت نواصيها.
قال: وجاء الفقيه المهذب بن أسعد الموصلي بمديحة على الرسم وكان غزير الفضل وافر العمل، ورسمه كلما عبر السلطان بحمص مائة دينار مصرية وخلعة مثمنة فمما مدح به السلطان قصيدة مطلعها:
أما وجفونك المرضى الصحاح ... وسكرة مقلتيك وأنت صاح
وما في فيك من برد وشهد ... وفي خديك من ورد وراح
لقد أصبحت في العشاق فردا ... كما أصبحت فردا في الملاح
يقرب جودة أقصى الأماني ... ويضمن بشره أسنى النجاح
ومبسوط بنايلة يداه إذا ... انقبضت به أيدي السماح
فمن هرم وكعب وابن سعدى ... رعا الشاء والنعم المراح
(٢. ١ب) جواد بالبلاد وما حوته ... إذا جادوا بألبان القداح
ذكر وفاة شمس الدولة أخي السلطان في هذه السنة
قال: وتوفي الملك فخر الدين شمس الدولة تور أنشاه أخوه السلطان بثغر الإسكندرية في المحرم سنة ست وسبعين ووصل الخبر والسلطان بظاهر حمص فجاد مزن حزنه بالقطرات، وفاضت عين عينه بالعبرات وتقلص ظل صبره وتنقص ورد عمره وخلا ذلك اليوم في بيت خشبة يندب فضل أخيه في كرمه وحسبه وأستدعى كتباً في المراثى متألماً يتأملها، وكان كتاب الحماسة على حفظه فدام ينشد أبيات مراثيها، وينشد ضالة معانيها، وهو يتأسى ويتأسف ويتلب ويتلهف.
وكان شمس الدولة أكبر أخوته قد فضلهم بجوده وفضله ومروته، وهو لا يبقي مالا ولا يذر وكم اقتضت من غرايب رغايته وأبكار مواهبه العذر. ولما ملك صلاح الدين مصر رأى أن تلك الممالك لا تفي بمكارم أخيه وأن كل من يدخر لهم جوده لا يبقيه فجهزه إىل اليمين في سنة سبع وستين ففتح بلادها وحاز طرافها وتلاها ثم لما ملك الشام استدعاه وجرى من الأمر ما ذكرناه ونوابه في زبيد وعدن وساير بلاد اليمن جارون على السنن ويحمل إليه من أمواله ما يحمله عن خزانيه الجود على أنه يضيق عن همته السمحة الوجود.
وودعه في آخر سنة أربع وسبعين وسار إلى الديار المصرية وحكمه في أعمال ثغر الإسكندرية واتفقت وفاته بها. قال: ولقد كان مقبلاً على ومايلاً إلى ولى فيه مدايح ومنها مدحه خدمته بها عند وصوله من اليمن ولقائه للسلطان في حماة يوم الثلاثاء ثاني صفر سنة اثنتين وسبعين وأنشد يوم السبت سادسه بالمخيم في الميدان وهي التي أولها:
صب لتذكار أهل الجزع ذو ... جزع أطاعه دمعه والصبر لم يطلع
وكان يطمع في طيف وقد بان ... الرقاد فما في الطيف من طمع
يا لايما يدعى نصح المحب ولم يترك ... له وجده مسمعا ولم يدع
أتعبت نفسك تنتهي غير متبع ... حكم الملام ويلحى غير مستمع
أن يجدى لومى فكم في الجود عاشقه ... تور أنشاه كلانا غير مرتدع
هو الجواد الذي عشق السماح به ... أفضى إلى أمد في الجود مخترع
يارايدا للخطب أن تقصد ذراه تجد ... في ظله خير مصطاف ومرتبع
قال: وكتب شمس الدولة إلى السلطان قبل وصوله بخطه كتابا ضمنه هذين البيتين:
كتبت ولولا أن قلبي واثق ... بقرب التلاقي وما حوته الأصابع
стр. 79
ولو لم أعد إنسان عيني فأنه ... يراكم سريعا غرقته المدامع
فسألني الملك الناصر أن أجزيهما ليكتب إليه فقلت:
بنفسي وما أحوى وروحي ومهجتي ... كتاب لأسباب الفضائل جامع
يخبر عن قلب حوته أضالع ... ويوم النوى قلبي نفته الأضالع
ومن عجب إنسان عني ظاميا ... وقد غرقته في المياه المدامع
فلما وصل شمس الدولة إلى تيما وقرب من الشام نظم شاعره المعروف بابن المنجم جواب الأبيات وكتب:
ولبته لما دعاني منازعا ... بنفسي ومالي والمشوق منازع
وأني بيوم واحد من لقائه ... على عظم المزية بايع
(٢. ٢ أ) وما الملك إلا راحة أنت ... زندها يضم على الدنيا ونحن الأصابع
فيا برق طالعه بأني واصل إليه ... وإن طال التردد راجع
فأحضرني السلطان عند وقوفه على الكتاب وحثني على نظم الجواب وذلك يوم أول شوال وأعتمد لسرعة أمره الإرتجال فكتبت قصيدة طويلة كتبتها إليه ومنها:
تألق برق من تهامة لامع ... يبشر أن الله للشمل جامع
يحاكي خفوق القلب مني ... خفوقه فهل راعه مثلي من البين رايع
لقد طال ليلي لانتظار صباحكم ... فهل لتباشير الصباح طلائع
كأنك شمس الدولة البدر بيننا ... ونحن حواليك النجوم الطوالع
قال: ولما أقام بدمشق وفد على جانبه الوفود وأفنى موجوده الجود وشفه بالواردين بحر عطائه المورود، وما زال يفكر في إطلاق ما يليق إلي من الجائزة ففرض لي من فرضه عيذاب مواهبه الغراب وأمر في توقيعه بها النواب وحسب ما أعطاني العطاء الحساب، ولم يكن قط في توقيه تعويق فقلت: قد أحالني البحر على عيذاب ونونها مهامه إذا قطعها الحديد ولم يع ذاب ومن لي بها ومن لاستدنائها وتقريبها فقيل لي أدنى هباته من أقصى اليمن وعيذاب على كل حال أقرب من عدن فأدرجت التوقيع في كتاب إلى المولى الفاضل وأودعته الخريطة السلطانية وثوقا بالوصول فولت إلى مصر وقد سار على عزم الحج على طريق البحر فسيرت إليه تلك الخريطة فاتفق وصولها ساعة ركوبه بحر عيذاب فتسلم الكتاب وأحضر النواب وعرض التوقيع وفض الجميع فما رأيت عطاء منه أهنا ومن المن أبرأ وما عرفته إلا من الوارف الفاضلية.
ذكر وصول الرسل من الديوان العزيز
قال: وفي رجب سنة ست وسبعين وصلت رسل الديوان العزيز الأمامي الناصري وهم صدر الدين شيخ الشيوخ أبو القاسم عبد الرحيم ومعه شهاب الدين بشير الخاص بالتفويض والتقليد والتشريف الجديد فتلقيناه بالتعظيم والتمجيد. وقد عرف السلطان ما بيني وبين شيخ الشيوخ من الأواصر الموشجة المتمازجة واللحمة المتمازجة فإن أولاده من ابنة عمي العزيز فأمرني بالوصول إليه والمبيت عنده ليلة وصوله إلى القصر فخرجت أوان العصر ودخلت إليه ولمت عن السلطان عليه وبت طول ليلتي أسامره وركبت سحرا من عنده لأسبق بالدخول وأخبر بالوصول فجئت إلى السلطان وقد ركب للاستقبال ولما ترآى الرسل الكرام ووجب لهم الاكرام والاعظا نزل وترجل وأبدى الخضوع وتوجل، ونزل الرسل إليه وسلموا عن أمير المؤمنين عليه فتقبل الفرض وقبل الأرض ثم ركبوا ودخلوا المدينة وأنزلوا بنزولهم السكينة وانشرحت الصدور واستبشرت الوجوه بصدر الدين وبشير وظفر السلطان من صدر الدين بصديق صدوق مشفق مشير، وكان قد عزم على قصد الديار المصرية وسلوك طريق ايله والبرية فحسن لشيخ الشيوخ مصاحبته، ورغبته في زيارة الشافعي فقال قد عزمت على الحج فأقبلوا عذر المحتاج المحتج ثم قال: أصل معكم إلى القاهرة بشرط إقامة يومين ولا أدخلها وإنما أسكن التربة الشافعية فأنزلها وأسير منها إلى بحر عيذاب وأركبه إلى جده فلعلي أدرك صوم رمضان بمكة وأغتنم وأقيم وأقضي الحج إذا حل موسمه فأجيب إلى القترح وأعاد السلطان أصحابه إلى بغداد ليأتوه من أيبتها إلى الحجاز، وسير السلطان شهاب الدين بشيرا في جواب رسالته على رسم عظمة الديوان العزيز وجلالته وسار معه رسولنا ضياء الدين الشهرزورى لهدايته إلى الراشد ودلالته واستصحبنا شيخ الشيوخ معنا إلى مصر فأقام يومين كما ذكر وتوجه منها إلى مكة على البحر فأدرك بها الصوم.
(٢٠٢ب) ذكر الرحيل إلى مصر يوم الاثنين ثامن عشر رجب والوصول إلى القاهرة ثالث عشر شعبان
стр. 80
قال: ولما عزم السلطان على التوجه خص ابن أخيه عز الدين فرخشاه باليابة عنه بالشام وقلد أمر أجناده وأعماله بسائر أحواله وشحذ عزمه وأنفذ حكمه. ولقد كان عزيز المثل عزيز الفضل معقود الضريب محمود الضريبة مخصوصا من قبول اقلوب بالمهابة المحبوبة والمهيبة المحبة.
ولقد جرت مدة أيالته أحوال دمشق على احلى حالته وله أياد وغايات في المكارم ومباد ولى فيه مدايح طالت قصائدها وجالت في الأعناق قلايدها وأذكر في هذا الكتاب ما هو شرطه ورسم شرحه وبسطه وكتب إليه يوم توديعه كلمة شينية عظم شأنها وتمم بلإحسان احسانها وسير لي مع فروة واكديش عطاء لم يترك اسراعه للحمد إبطاء ومن أبياتها:
اسأل الله العلي أن نعيش ... ألف عام لنصرة مستجيشا
رعبكم يقلع القلاع ويضحى الرعب ... ههنا للحمد من بأسكم منقوشا
ما أكرى شيئا سوى فروة منك ... وأبقى لسفرتي أكديشا
كيف يخلو من ذي ظهر وظهر ... سالك طريق أيله والعريشا
قال: ولما نزلنا ببصرى إلى مصر متوجهين جلست في خيمتي وحولي أصدقائي المودعون مجتمعون فقال أحد الجمالين قد وقفت لي جمل وما لنا في صحبته أمل فأبغ جملا نبتاعه وإلا فقد حصل على الأرض متاعه. وعندي صديق قام وغاب وتركني أخطب في شرى الجمل الأصحاب ثم عاد سريعا ومعه ثلاثة من حجاب ثلاث من الأمراء الموعين وقالوا سمعنا بابتياعك الجمال لحمل الأثقال، وقد أتينا بخير ما عندنا من الجمال فعرفت أن ذلك الصديق قام وقصدهم وقال: إن كنتم تريدون أن تتقربوا إلى فلان بما يقبله فسارعوا إلى إهداء الجمال له فشكرته على هذه المكرمة ونسقتها في عقود مكرماته المنتظمة وهذا الصديق المعروف بموفق الدين أبى يعلى حمزة العنزي من أعيان حماة وأمثالها. وكان ذا همة تروي المكارم من مناهلها وأراد في تلك النوبة أن يصحبنا إلى مصر فاحتاج السلطان إلى من يديه فكتب له وودعته وسرنا وسار وشب شوق الأحبة في القلوب النار ووصلنا القاهرة على طريق أيله ثالث عشر شعبان واستقبلنا أهلها والملك العادل أخو السلطان حينئذ بمصر نايبه وتلقتنا مواكبه وخدمته بكلمة منها:
أحبة قلبي طال ليلي بعدكم أسى ... فمتى ألقى بوجهكم الفجرا
فقدت حياتي مذ فقدت لقاكم ... فهلا أخذتم فيه من ناره حذرا
لقد عاد أنسى وحشة بفراقكم ... فهل لحياتي منكم نشأة أخرا
سكنتم فؤادي وهو في نار شوقكم ... كما عاد عرف الدهر بعدكم نكرا
وقد كنت مغترا بأيام وصلكم ... ولا يأمن الأيام من كان مغترا
قطعنا بأيام وصلكم ... ومن قصد بحر الندا يقطع البحرا
إلى عزمة في المجد غير قصيرة ... وكان قصارى أمرنا أن نرى القصرا
قال ﵀: وفي أوايل سنة ست وسبعين توفي صاحب الموصل وهو سيف الدين غازي بن مودود زنكى ونحن مقيمون على كوك سو من حدود بلد الروم وجلس مكانه أخوه أحمد عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى فجاءنارسول مجاهد الدين قايماز وهو الشيخ الفقيه فخر الدين أبو شجاع ابن الدهان البغدادي يلزمنا بحكم اليمين مع سيف الدين وقد سير معه بنسخة اليمين التي حلف بها السلطان وفيها إبقاء سيف الدين على ولايته وأنه لا يغير على نوابه وأخوته. وقال هذا أخوك الذي حلفت أنك لا تغير عليه فبأي تأويل تقبض ما ف بعد الوفاة (٢٠٣أ) ونحن نرى رأينا فيما نعتمده ونحله في الأمر ونعتقده، ونطالع الديوان العزيز النبوي أعز الله نره ونمتثل في ذلك أمرنا وأعدنا الرسو على عادة الكرام بالتشريف والأنعام، وشرعنا في العود إلى دمشق واليقين من الله بتسديد مرامي المرام.
стр. 81
قال: وأقام السلطان بمصر مشتغلا بمصالح الدين والدولة مشتملا من نعم الله على التفضيل وبالجملة محتفلا بمجالسة العلماء ومذكراة الفضلاء والجلوس في دار العدل للمالم وكسر المحامد بالمكارم ونحن في لهية وعشية رغدة بل هنية. قال: وفي هذه السنة عربت كتاب كيمياء السعادة تصنيف الإمام أبي حامد الغزالي في مجلدين وفزت من تعريبه وعلم ما فيه بسعادتين وذلك بأمر فاضلي لزمني امتثاله وشملني في إتمامه إقباله. قال: وفي سنة ست وسبعين مات صاحبي المعتمد إبراهيم (بدمشق وأنا بمصر) وفجعني مصاب كمصابه وفل شبا صبرى لفل شبا شبابه وقد كان بمصالحي كافلا وجهده في صون حوائجي باذلا خدمني في أول أيامي بالعراق وفراسة والدي ﵀ دلت على ما وجدته فيه من الإشفاق ومما رثيته به قصيدة أولها:
أرى الحزن لا يجدي على من فقده ... ولو كان في حزني مزيدا لزدته
تغيرت الاحوال بعدك كلها فلست ... أرى الدنيا على ما عهدته
عقدت بك الأمال بالنجح واثقا ... فحلت يد الأقدار ما قد عقدته
أردت لك العمر الطويل فلم يكن ... سوى ما أراد الله لا ما أردته
فيا وحشتا من مؤنس قد عمدته ... ويا وحدتا من صاحب قد فقدته
فقدت أحب الناس عندي وخيرهم ... فمن لا يمي فيه إذا ما أنشدته
قال ودخلت سنة سبع وسبعين
والسلطان مقيم بالقاهرة، والأيام ظاهرة الليالي زاهرة، والدزلة العالية ضاحكة المباسم مالكة المرايم مهتزة الأعاطف، معتزة الأطراف، سنية الألطاف، والأنعم مستمرة مستقرة، والأعين قريرة والألسن مقرة، وأنامل الأنام بالدعاء إلى الله مرفوعة، وأدعية الصالحين في ذمام دولته مسموعة، ولرواية الأحاديث النبوية رواء، وللأرواح من أورادها أرواء.
وكان البندهي المسعودي فصيح الحجة، صبيح البهجة، عالي الرواية، حالي الدراية يؤدي بقراءته الصحاح صحيحه، تسمع من ألفاظه ألفاظها الفصائح فصيحة وتسمع من ألفاظ السلطان قد عين له للسماع ميقاتا وجمع به من العلم والعلماء أشتاتا فما أحسن شمايله وأشمل محاسنه وأزين محافله وأحفل مزاينه وأمكن فضايله وأفضل أماكنه.
قال: وفي هذه السنة ورد كتاب عز الدين فرخشاه من الشام يذكر ما من الله تعالى به على الأنام من الأنعام، وإن ولادة التوم كثرت في هذا العام فأنشات رسالة توأمية أصدرتها إلى الأجل الفاضل فإنه يعرض في سوقه بضاعات الفضايل ومنها: لئن أتأم العام بالحنين وأتى بالحسنين فما زال لكل قد توأمان فللعدل العمران وللدهر القمران وللسماء سوى توأميها الفرقدان وللأرض (مرج البحرين يلتقيان) لكن الزمان لم يزل بميل مولانا الفاضل عقيما واولا صحة فضله وحة أفضاله لكان الدهر سقيما فهو واحده وأوحده وماجده وسيده وبراعته أم البراعة قد أتأمت ملكي مصر والشام وعززت من القن بثالث بيمين الإسلام، والملك توأماه الناصران العباسي بلأمانة كفيل وجود الماجد الأيوبي في نيابته وكيل، والمال والنصر توأما نعت فخره وتميما نحت نجره، وكوكبنا سعد فخره ومركبا جاش حزمه وموكبا جيش عزمه وكذلك النظم والنثر توأما الفضل ومولانا الفاضل مربيهما، وهما نجيبا بنانه وجنينا عنانه وإنسانا عين بيانه فلا جوار لمها من جور عناد الدهر إلا عنده ولا رواح لرجائهما بين كرام العصر إلا ف سوقه ومجده.
(٢٠٣ب) ذكر وفاة صاحب حلب الملك الصالح ﵀
قال: قد سبق ذكر الملك الصالح اسمعيل بن الملك العادل نور الدين ﵀، وأنه أقام مقام أبيه وأقام عند السلطان إلى الشام على تأبيه. وكان قصد صلاح الدين إصلاحه وأن يضمه إليه ويضمن نجاحه وفلاحه فصده عنه ممالك كفلوه فأخذت بلاده كلها بلجاجهم وفرضت دولته لسوء علاجهم فامتنع بحلب وبعد عله من استعادة البلاد ما طلب ولم يزل بحكم المسئولين عليه مكفولا ولا يجد لحلف رأسه عقولا فأسرعت شمسه لبازغة افولا وسعت سعادته عنه قفولا.
ووصل صاحب الموصل عز الدين مسعود إلى حلب فجمع ظاهره وباطنه وأخذ خزانيه وإخراج دفاينه وأخلى كنائنه ثم عرف أنه لا ستقر له بها أمر فرغب أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار في تعويضها له بحلب فمال إلى بذله ورغب وتسلم حلب وسلم سنجار وأقام في رغد لو أمن الجار.
стр. 82
ولما سمع السلطان بوفاة الملك الصالح في مصر تحرك عزمه واحتد أواره وندم على النروج من الشام مع قرب هذا المرام وشرع في جد الأهتمام وصدق الإعتزام وكتب إلى ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه وهو يتولى له المعرة وحماة وأمره بالتأهب والربوض لفرصة التوثب وكان نايبه بدمشق عز الدين فرخشاه قد نهض ف مقابلة الفرنج فأن الإبرنس الكركي كان يحدث نفسه بقصد تيما في البرية وأعد لذلك الأزواد والروايا مع السرايا السرية فحركت عز الدين دواعي الحمية وبواعث النخوة الدينية فعرف السلطان أشتغاله بذلك المهم وأنه يتفرغ لدفع الملم فشحذ عزايم نوابه بالشام بتحديد المكاتبات لهم وبعثهم على الاستعداد وحملهم وكان الأمير معين الدين عبد الرحمن صاحب راوندان في حضنه وهو يشتد بركنه فكاتبه بما أرهف حسه واستسعف في المساعدة جده.
فصل من كتاب إليه من مصر في أواخر شعبان سنة سبع وسبعين وقد عرف ما تجدد من وفاة صاحب حلب وهي ولايتنا التي لا نثني عنها عنان الطلب فإنها في تقليدنا بأمر أمير المؤمنين وما تركناه للملك الصالح بعد التصرف فيها وحصول حصونها ومعاقلها في أيدينا إلا رعاية لحقوق أبيه ورغبة فيه، ولا مانع اليوم عنها إلا من يمين معقودة ولا عدة معهودة، وقد وفينا المتوفي بعهده والآن فقد سفر لنا وجه الحق وبأن ودنا لنا مصعبه وأصحب ودان. وولدنا تقي الدين هناك بالقرب وعساكره جارية على حكمه وعزيمتنا معقودة بما هي عزمه فلتكن أيديكم متساعدة متعاقدة والقلوب واحدة.
ومنه ومعين الدين ينهض بنفسه وبعسكره ويؤثر في هذا المقام حسن أثره ويعمل عمل المرء لنفسه وينتصف ليومه من أمسه.
стр. 83
وقال: وحررت في المعنى مكاتبة إلى الصاحب مجد الدين استاذ الدار العزيز في منتصف شهر رمضان سنة سبع وسبعين. ومنها أصدر مملوك الدار العزيز ثبت الله قواعد مجدها وشد بعرى النر معاقد سعدها مطالعةه التي أعرب فيها عن صاحب الموصل فغنه طمع في جانب وطمع إليها ومد يد التعدي بالاحتواء عليها ونكث الإيمان المبرمة ونقضها وترك المراقبة التي فؤضها الله ورفضها وأن حلب وأعمالها داخلة في ولايتنا التي يشهد بها شريف المثال وينطق بحقه المنشور العالي الموقع له من به العظمة والجلال. ومنها ورسوله إلى الفرنج يستجديهم في شغلنا ويغريهم ويبذل لهم الرغايب ويضربهم وقد راسل الحشيشية والمراد من الرسالة غير خاف والعلم بالمعتاد منها غير كاف وما تهيأ للمذكور الوصول إلى حلب إلا بسبب غيبة ابن أخينا في أقصى بلاد الفرنج في أول بريةتيما وهي دهليز على ساكنيها أفضل السلام وأغنم كون البرية معشبة في هذا العام قففا ابن أخينا أثره ومنع الكافر المخذول وصد قصده ولم يعلم بوفاة ابن نور الدين ﵀ إلا بعد عودته ومن العجب أن نحامي عن قبر النبي صلوات الله عليه مشتغلين بمهمة والمذكور ينازع في ولاية هي لنا ليأخذها بيد ظلمه وكم بين من يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال وبين من يتخذهم بطانة دون المؤمنين وتحمل إليهم كرايم الأموال وبين بعيد من دار الخلافة المعظمة يفترض الطاعة (٢٠٤أ) ويستفرغ في مراضيها الاستطاعة، وبين آخر يدعى أنه أقرب جيرانها ولا يمت بل لا يموت إلا عصيانها وكل يعمل على شاكلة أصحابه فهو يمرى بيد المرير أخلاف أخلافه ونحن لا ندين إلا بطاعة الإمام ولا نرى ذلك إلا من أركان الإسلام هذا مع ما نعد من سوابق في الملة الحنيفية والدولة الهادية العباسية لا يعد مثلها أولا لأبي مسلم لأنه أقدم ثم عام وأمال ثم آلام ولا أحرا لطغر لبك فإنه نصر ونصب ثم حجر وحجب وقد عرف ما فضلنا الله به عليهما في نصر الدولة وتطهير المنابر وحسن الأدعياء وأطلاع أنوار السمات الشريفة كاشفة لظلمة تلك الأسماء وإنارة صباح الهدى بعد امتداد رواق الضلالة والمدلهمة الظلما ولم يفعل ما فعل لأجل الدنيا فاجزا منه بالحسنى طولع في الأخرى غير أن التحدث بنعم الله واجب والنجح بالخدة الشريفة والإفتخار بالتوفيق فيها على سجيته غالب ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة إلى المذكور بأن يلزم حده ولا يتجاوز حقه فلا ولا بذله من خليقة يقترن بها المضاد ولا وراثة له في أرض الله فإن الأرض لله يورثها من يشاء، فإن أطاع وأناب ورجع عن الخطأ وعاود الصواب وألا فما صنا إلا أن نقاتله وهو لأمر الخلافة المعظمة مخالف ونحن طايعون والمشار إليه متصامم ونحن سامعون.
ومنها فأن جنى جان على الدولة العباسية بالنيابة عنه في ذلك لا يقرب عن دخل معتقده وتنكب نهج الحق وجوده فالأولى تقليد المذكور جميع الولاية فأن دخول الأيدي المختلفة من الأعداء شاغل ويحتاج إلى مغرم ينفق فيه العمر بغير طايل وبقاؤنا في هذه الدار القليل اللبث القصير المكث يؤثر أن نغتنمه في الخدمة الشريفة النبوية والطاعة الإمامية في مجاهدة العدو الكافر الذي صار له البيت المقدس محلا للارجاس ومضت عليه دهور وملوك لم يحصلوا من رجائهم تطهيره إلا على اليأس. هذا وما بنا بحمد الله قصور عن أن نصده عن قصده ونريده ثوب العجز برده ونكيل له بضاعة ونعثره في عثير إسراعه وقد طالع الديوان العزيز بطيه مستشفعا ولشرح قصته مستوفيا ولعذره في جميع الأحوال مبليا ولا غنى من نظره السامي ليكون للأحوال متوليا ولراية الحق معليا لا زال لذخاير الحمد مقتنيا ولقواعد المجد مينا ورأيه أسمى.
قال ﵀: وفي هذه السنة سنة سبع توجه الإبرنس بالكرك إلى تيما وتقرب من المدينة النبوية على سكانها السلام فشد عز الدين فرخشاه واستعد ووجد التوفيق الإلهي وجد وتوغل في البرية وما زال على مقابلة الإبرنس حتى نكص ذلك اللعين على أعقابه وأذله عز الدين بحق باسه فبطل ما كان في رأسه.
وقد جرى ذكر ذلك في الكتاب الذي أنشئ إلى الديوان العزيز وأعرب عنه باللفظ الوجيز. قال وفي هذه السنة توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية وخيمنا عند السوارى وشاهدنا بسنا قدومه أشعة زند الإقبال الداري وشاهد الأسوار التي جددها وأمر بالإتمام والاهتمام بالأحكام.
стр. 84
وقال السلطان: نغتنم حياة الشيخ الإمام أبي طاهر بن عوف وهو اسمعيل بن علي بن عوف فحضرنا عنده وسمعنا عليه موطأ مالك بروايته عن الطرطوسي في العشر الأخير من شوال. وتم له ولأولاده ولنا السماع والوالي بالثغر المحروس فخر الدين قراجه وقد ارتفعت بحسن سيرته عن تلك البلاد السماجة. وفزعنا منارة الإسكندرية وقضينا منها عجبا وخرجنا من البلاد ولم نقض على الكمال اربا وعدنا إلى القاهرة في ذي القعدة وشرع البركة بالبركة مضاربة وكتب بحكته إلى الآفاق وتحركت كتايبه فكتب مناشير البلاد وقسم عسكر مصر قسمين فقسم في ثغورنا بحكم الملك العادل وقسم ف الصحبة ووصى بملازمة الثغر الذي هو فيه، وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام السور الداير على مصر والقاهرة، وأمره بمواد ذكر رحيله في آخر السنة إن شاء الله تعالى.
ذكر آفة ضيافة
قال ﵀: كان الأمير مجد الدين سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ لشمس الدولة نايبا بزبيد ثم اسقاله وانفصل وناب بزبيد أخوه حطان وكان قد ابتاع من السلطان الناحية المعروفة بالعدوية وعدل أحوالها بالعمارة السوية وهو من أهل (٢٠٤ب) المجد والأبوة والفضل والمروة وكانت بيني وبينه صداقة بصدق العقيدة معقودة ومقاربة بزمام النسب الأدبي والحسب العربي مقودة وربما أقام بالعدوية أياما وه ذات جنان وعيون وأفنان وحدائق فاخرة، وهي على الحقيقة جنة القاهرة فداخلها إليه بها يوما وذلك في أول السنة فمضينا في جمع من الأفاضل منهم شمس الدين ابن الفراش قاضي العسكر، وموفق الدين أبو يعلى حمزة بن الحسن العنزي وجمال الدين الفقيه والشاعر أبو علي الحسين بن رواحه حتى قربنا فقربنا القاضي واستقبلنا وتلقانا فوفى كلا حقه من السلام والترحيب والإكرام وترجلنا ودخلنا دارا دارت له الأقدار بالأقدار ووردنا عذبا عدا لم تطرقه يد الأكدار وأجلسنا في الرواق كالملوك والمماليك في الروق قيام واستيقظ لحظنا ناظر الدهر وصروفه عنا نيام، وما زلنا في جد ومراح حتى طما على نهر النهار من الليل السيل وجر على الآفاق من جلابيب غياهبه الذيل فأزهرت نجوم الشموع في أبراج تلك الأروقة وأشرقت شموسها للشموس المشرقة وما منا إلا من زكت أثمار غرسه وذكت أنوار شمسه ونثرت عقود نظمه وكثرت نقود فهمه حتى تبسم الصباح وسعت ينابيع النور من ساحل لجة الديجور فأصبحنا على ما أمسينا عليه من جوا وار وشعار من العار عار. وقال الأمير الأديب: ما تقولون في نزول النيل فقلنا: لأمرك الأتباع وحكمك المطاع فركبنا عشاريا مخضت بالمحاسن عشاره وأغرب من نجاره العربي نجارة فتوسطناه بالأملاك شموسا والبدور على الصبا تصبى النفوس وشموسه الحجال تحجل الشموس والمركب صاعد ونازل والراكب جاد وهازل، وعندنا ل طيب وطاهر وبهي وباهر وزاه زاهر ثم استوت السفينة وأحوتت عليها السكينة وملنا للخروج وعدنا إلى الجلوس وقلنا: قد أطلنا وأحجرنا وأمللنا وأضجرنا فإن أذنت فحلف أننا لا نقوم بل نقيم وأنه يتكلف بكل ما نروم ولا نريم، فذبح من الغنم قطيعا، وصنع قرى وسيعا، ثم رأينا أننا نتريح بالقيلولة لعزم البيتوتة فقمنا وقلنا ومال بنا الكرى وملنا ولم ندر أن النور غيور والأصل عثور فما شعرنا حتى أيقظنا الإرتياع والإرتياب وتقطعت بالمتواصلين الأباب وأصحاب الأمير تشاوروا وتشوروا فقلنا ما الخبر وهم غشا صفونا الكدر فقالوا هذا الأمير قراقوش قد أحدق ببسيطة هذه الحديقة لقبض الأمير وقد شغلته مسامرة الحادثة عن الحادثة السمير ففرقنا وتفرقنا وركبنا إذ أنكبنا ونتفنا ولا عطف أحد على أحد، ولا أخذت يد بيد حتى عدنا إلى القاهرة متأسين متأسفين ملتهبين ملتحفين، وكل من يلقانا من أصدقائنا يغطبنا بالمداعبة ويقول كنتم على الأمير مبارك مباركين فلم لما أخذ كنتم له تاركين وهلا كنتم في المكروه له مشاركين فنقول: هذا قدر محتوم وسر للغيب مكتوم، وشاع عند سلطاننا سره وأعجبه أمرنا وأمره ونقول ما أسفنا على تلك الحلاوة التي مرت ومرت والطلاوة التي سادت يوما بعدما سرت وأحمدت ووجدت العتبى.
ذكر السبب في القبض عليه
стр. 85
قال كان خواص السلطان إذا خلوا به ذكروا المذكور وأن له الذخر الموفور وأنه استوعب أموا زبيد وأقنى الإماء والعبيد، وكنز كنوزا تأبى أن تبيد ولو حضرت ملأت البيد فيقول ما عليه سبيل ولا لما تذكرون دليل، وقد أغناه اله في دولتنا فلا نفقره، وعظمه بعظمتنا فلا نحقره، فكانوا يمتعضون من هذا الحديث، ويتقولون عليه الأقاويل، ويحققون فيه الأباطيل إلى يوم الدعوة العدوية، واشتغاله بأشغالها وتوله إليها لا حوالها، واستدعاء آلات من البلد واحتفاله بجمع المطرف والمتلد. فقالوا للسلطان أن سيف الدولة اليوم في همة عظيمة وحث عزيمة ونهز هزيمة، فإن لم تدركوا فات، وهيهات هيهات، فأمر بهاء الدين قراقوش بأن يعدي إلى العدوية العدوي وأن يركب الجد في احضاره وجدوى فجاءه فجأة على تلك الحالة ولما رآنا عنده عرف اخلال تلك المقالة فأركبه على عادته الجميلة وعزته الجليلة ونحن معه (٢٠٥أ) وللأمير قراقوش عاتبون وسرنا إلى العصر حتى وصلنا إلى القصر فأرد الملك العادل له فيه دارا ورتب له ولأصحابه من وصايف الطعام والشراب أدرارا فسمح السلطان خاصته بثمانين ألف دينار ولم يظهر فيها بيع متاع ولا اتدانة عقار وعزم لأخوي السلطان الملك العادل وتاج الملوك ما حافظ به على نهج كرمه المشكور وخرج مشرفا مكرما وزاد السلطان في تكريمه ورفع مرتبته ونفذ إليه خط يده بأن المبلغ دين في ذمته ثم باعه أملاكا بمصر بثلاثين ألف دينار وبذل له كل ما طلب عن إيثار واختيار.
وكان هذا الأمير من رجاحة عقله وحصافة فضله ما سمعت منه قط شكوى ولا حكاية في بلوى، وقتل أخوه حطان بزيد وأخذ ماله فلم يظهر للسلطان منه كراهة وكل نزاهة ونباهة قال ومما أنشدينه لنفسه قوله ف حال أحضرت.
وهيفاء ما زالت عساكر حسنها ... تغير على العشاق ثأره ثائر
لها في احمرا الخد خال مورد به ... خضرة شفافة للنواظر
فقلت لها ماذا النجيع الذي أرى ... وهل صيغ خال قلبه من جواهر
فقالت وقد لاح الحياء وجهها ... حالت جيوش البحر بين المجاهر
سكفت دماء واشتققت مزايرا ... فما ذاك إلا من دم ومزاير
قال وفي هذه السنة تقرير مع سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب أن يمضي إلى بلاد اليمن وزبيد وعدن ويقطع بها الفتن ويتولاها ويولي ويعزل ويستثبت ويستبدل. فسار بعد مسيرنا إلى الشام وجرت مملكته فيها على أحسن النظام وذلك في سنة ثمان وسبعين. ووصل إلى زبيد وحط حطان عن رمحته فاستشعر وآوى إلى بعض الحصون في ذروته وأمنه وسكنه وزال مخافته وأظهر له رأفته ومارجه ومازحه (ونافقه وأمنه) وأثر له في داره وأدخله الجنة وهو في ناره وهو يقول: أمري بمشية مشيتك يتمشى وملكي بتوشية تدبيرك يتوشى وأنا في مراد مرادك أتغدى وأتعشى فقال له حطان: أنت السلطان ومنك الإحسان وفي تخلية سبيلي لك الامتنان وقد تأكدت منك بالأمان الإيمان فقال له ما أردتك عندي إلا ليرى رأيك زندي ثم أذن له الإنفصال إلى الشام وهو يبدي الكراهية ويريه أن لعيشته بمقامه لديه الرفاهية فجمع حطان كل ماله من سبد ولبد ولجين وعسجد وياقوت وزبرجد وآلات وعدد وحصن وحجور غراب ومال أنفذه من اليمن بغير حساب ثم قدم أمامه أحماله وأثقاله وظن أنه نجا وفاز وركب الأوقات فورد إليه ليودعه ثم يشيعه ويركب معه فلما دخل إليه اعتقله وسير وراء ماله من أقفلة وغلى خزانته نقله ثم أنفذه إلى بعض معاقله فحسبه ثم قتله ومما ذكر السلطان عن خبر ذهبه أن نيفا وسبعين غرفا من غلف الزرد كانت مملوءة بالذهب الأحمر المنقدة وقوم الأخود بألف ألف دينار، وأما صاحب عدن الأمير عثمان الزنجلي فإنه لما سمع بسف الإسلام تجهز إلى الشام قبل أن يحطم كتحطم حطان بالحطام.
ذكر عاطفة مستغربة
стр. 86
قال: أقام الملك عز الدين فرخشاه بعد أن صار السلطان إلى مصر بالشام فهيب ورجى وأمل وخشى فعن للفقيه العلم خطيب مرة أن يزور إلى السلطان مثالا يتضمن له منالا شبيه فيه بالخط السلطاني وخطى ووقع له أن يصيب بالتوقيع وهو المخطي فعرضه على عز الدين فما خفى عليه تزويره ودار في الإيقاع به مع أنه من أهل العلم تدبيره، وهابه العلم وارتاع وارتاب وأجاب غراب البين ونوى الإغتراب ووصل إلى مصر وهو مرتعد ومرتعب وقد سير عز الدين بالتوقيع المزور إلى مصر نجانا وترقب في أمره بالعنف جوابا فما تحدث السلطان (٢٠٥ب) بحديثه بل أذن للعلم في الدخول وأجلسه إلى جانبه وأكرمه وسأله فيما وفد لأجله من مطالب وأنسه بالبشر والطلاقة وصان ماء وجهه من الإراقة فقال له: أية حاجة أوفدتك وأية ضرورة ن قرب الأهل بعدتك فهل كتبت إلينا بالغرض فكنا نعد قضاءه من المفترض فقال له: أصصدقك عن حالي وأخلي بالي المشغول عن بلبالى قد جرى مني كيت وكيت فضاق بي بعده البيت فقال: هذه القضية تعزي بك إلى التغريب وأنت تثري بمأمولك ولا تثريب ونحن ما نحقق ما عدوه مزورا ونودع روح المعلي فيما أحضر مصورا وأمرني بأن أكتب له توقيعا بضعف ذلك الإدرار وكتب له بخطه الأشرف وشرفه بالكسى والمال وأعاده إلى الديار فتعجب الناس من هذه الرغبة الغريبة والصنيعة البديعة فعادة السلاطين الإنتقام ممن يزور على توقيعهم بالإيقاع الشنيع والعقاب الفظيع فخالف تلك الطباع وخرق ذلك الإجماع وأبدع مع عفوه الإصطناع.
وقال ومن كرمه وحلمه أنه كان له أمام يصلي به وهو يكتب مثل خطه فأطلق به أموالا وأصلح وأنجح بتزويره لأصدقائه أحوالا وآمالا ولا يشك صاحب ديوان ولا متولي حزانة في أنه صحيح وبالجود صريح فلما دام سنين انكشف وشارف عند السلطان التلف وجلس خواص السلطان واماؤه عنده يغزونه به فمنهم من يقول تقطع يده ومنهم من يقول يقتل ويعلق جسده فلما فرغوا من حديث العقوبة جذبته المثوبة وقلت له بالعجمية سرا تهبه للقرآن فقال وهبته مرضاة للرحمن فتنفس خناقه وعجل وكاد يحبس أطلاقه وأبقى عليه خيره حين استبدل به غيره وصار بعده للملك العادل أماما وبقي شغله معه مستداما وعزم ذلك الإمام على الحج ذلك العام فودع السلطان وقال له اجعلني في حل فقال السلطان: بل أنت تدعو إلي في حلك والإحرام وثق مني عند عودتك بالبر والإكرام.
ذكر سهوة تطير
قال: كان السلطان عشية توديعه لأهل مصر جالسا في سرادقة آنسا بفيالقه والمجلس غاص وعارض فضله بتلك العراض عراض وكل واحد منا ينشد بيتا في الوداع، ويورد أحسن ما قيل في برح النزاع وهو يقول ما أعبق هذا الشميم وأطيب هذا النسيم، وما أزهى هذه الأزهار وما أسحر هذه الأسحار فأخرج أحد مؤدبي أولاده رأسه وصوب للتنفس كريه أنفاسه وأنشد مظهرا لفضله:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
فلما سمعه خمد نشاطه وتبدل بالانقباض انبساطه ونحن ما بين مغضب ومغض بعضنا إلى بعض وكأنه نطق بما هو كاين في الغيب فأنه ما عاد بعدها إلى الديار المصرية حتى انتقل من دار الغفران إلى غرفاتها العلية.
قالومن جملة نسج المعلمين في القول ما حكاه لنا شيخنا أو محمد ابن الخشاب بالعراق قال: ولت إلى تبريز وقد أحضرني رئيسا في داره وقد احتفل في مرابعه بمباره وأجلس ولده بين يدي ليقرأ بعض ما تلقنه علي فقابلت إحسانه بإحساني وقرظت ذلاقة لسانه بلساني وقلت فرخ البط سابح فقال معلمه زكان حاضرا نعم وجرو الكلب نابح فخجلت من خطأ خطابه ومقصوده أن يذكر قرينه ولا يبالي بعينه قريرة أم سخية ودأب آداب أولاد الملوك والرؤساء لاجترائهم على أعزة أولادهم الإجتراء على الآباء وإنما يصلح لمجالسة الملوك من يحتفظ في كلامه ويتيقظ حتى في منامه ويوافق محة مرامه ويلازم مهابه مقامة ويجري في عقود النقود وخصوص الفصول على نظامه وختامه.
ذكر بطشه فرنجية وقعت إلى البحر
стр. 87
فصل من كتاب إلى الديوان العزيز بشرح ذلك: وجرى عند ذلك من الاتفاقات الحسنة في هذهالسنة أن بطشة كبيرة من مراكب الفرنج مقلعة من بلد لهم يقال له يوليه تحتوي على ألفين وخمسمائة نفس من الرجال القوم وأبطالهم وهم على قصد زيارة القدس في الساحل فالقتهم الريح إلى ثغر ديماط المحروس بجدهم المنكوس فغرق منهم الشطر (٢٠٦أ) وشمل الباقين بأسرهم الأسر وسقط الفرنج في أيديهم وحل منهم في الأسر زهاء ألف وستماية وستة وسبعين نفسا ذل لها جانب الكفر وقامت بها على الكفرة الفجرة حجة النصر. قال: ودخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة والسلطان لمضاربه مبرز والإيمان لعساكره مجهز ومصر قد أبرزت أثقالها وحقت (وألقت ما فيها وتخلت) وقد خفقت ذوايب الدوابل وانتظمت بحار السوابح وأطردت جداول الصفايح وخرجت المعارف للتوديع والأشياع للتشييع ونحن على العزم الصريح السريع وما من استكثر من الطهر والزاد واستظهر بوفور الإمداد وعزمنا على الرحيل من بركة الجب خامس المحرم على طريق صدر وايلة ثم كانت منازلنا على الجسر ووادي موسى ووصلنا السير بالسرى حتى قطعنا بعد خمس ليال إلى ألة العقبة وسمعنا بأن الفرنج مجتمعون بالكرك لقصد الطريق فصممنا العزايم على جمعهم بالتفريق وشحذنا الجدود وأنفذنا إلى أطرافنا الجنود ثم فرضنا عقبة شتار وذكرنا الأوتار وشددنا بالقسى الأوتار فلما وصلنا إلى القريتين أقمنا لتدمير العدو وأغرنا تلك الأيام العشرة على طرف بلاد العدو ونواحيها وأزلنا نقوش عروشها بمواحيها وأنبتنا في ثنايا تلك الثغور من بيضها بيض أفاعيها فمكثنا على أنهم بغاراتنا يسمعون وفي غزواتنا يطمعون فما برحوا من وراء جواهم ورأى جدواهم فقال السلطان أزوادنا ما تفي بالمقام ومعنا خلق كثير من الخواص والعوام فأقام في كماته المجردة وقال لاخيه تاج الملوك بورى: خذ الناس معك واقصد بهم على طريق مأمونة يمنة فسارت آلايه منتظمة وأتخذت الدجنة جنة وأدلجنا وسار السلطان على سمت الكرك وبيننا وينه وهو مقابلنا فب العرض مسافة يجمع ويقصر فيها الفرض فوردتنا البشاير بنصر عز الدين فرخشاه وظفره وأنه غنم وعاد بكرم مآثره وحسن أثره وسأذكر شرح هذا الظفر بعد انتهاء هذا السفر. ثم اجتمعنا بالسلطان بعد اسبوع على الأردن ثم جئنا إلى بصرى وهنا استقبلنا أنعم الشام وتلقينا أيام من الأيام وجاء الملك المنصور عز الدين فرخشاه وقال قد نال الإسلام بإقباله ما كان يرجوه والكفر ما كان يخشاه وأقرت بجماله وجميله الأعين والألسن وشهدت له شواهد فضله بأنه المحسن المضل وجنت إلينا دمشق ثميراتها ووجبت بحكم الشوق المسارعة إلى الدخول جناتها ووصلنا إلى دمشق يوم الاثنين سابع عشر صفو ووجه الدولة قد سفر ودخلنا منها إلى جنة النعيم وفزنا منها بالمقام الكريم.
ذكر ما تم بنهضة عز الدين فرخشاه
قال ﵀ لما عرف الفرنج رحيلنا من مصر وجمع من الناس التجار وأهل الشام الذين يغربوا خوف اللا من الشام اجتمعوا إلى الكرك للقرب من الطريق لعلهم ينتهزون فرصة التعويق أو يقفون على بعض العقاب ويتطرفون للأطراف والأعقاب فعرف عز الدين فرخشاه بدمشق هذا الخبر فنفر وجمع جموع الشام واغتنم خلو بلاده من حماتها وفراغها من كماتها وتسبيبها على رعاتها فنهض إليها نهضة شمرى مشمر وصحبها صباح مدبر على الكفر مدمر وأغار على دبورية وجاز إلى حبيس جلدك بالسواد وهو شقيف طالما شقب بأشقيائه أهل البلاد فأسعد الله عز الدين فرخشاه بفتحه المبين وتم به ذل الكفر وعز الدين، فجاءت خيبة الفرنج من ورائها وقدامها وتنوعت عليها في صحة عزمه أقسام سقامها ولما استقر بنا المقام مدحت عز الدين فرخشاه بقصيدة طويلة أذكر فيها سعادته بهذه الغزوة، ومطلعها:
حتى متى يجفى المحب أنه ... إلى الأحباب ذنب
والأم تنبو في محبتهم ... له جفن وجنب
(٢٠٦ب) سهل عليكم ما ألاقى ... فيكم وعلى صعب
يا ظاعنين وهم نزول في ... الحشا فالبعد قرب
من شوقكم أبدأ بأهدابي ... لدر الدمع ثقب
لي بالعراق فديتهم أهل ... وجيران وصحب
بهم أرى الدنيا فهم ... أقمار داجية وشهب
ومنها:
كيف اللقاء ودارنا ... وديارهم شرق وغرب
من آل أيوب الذين هم ... لغيث الجود سحب
стр. 88
ألقوا صوارمهم كأن ... أكفهم للبيض عقب
فلك يدور من العلى ... وله معز الدين قطب
المدح صدق في علاء ... وبعض مدح الناس كذب
ومنها:
وكان أرشية الرماح ... لها قلوب القوم قلب
وكان سيفك ناظر ... من حوله الأرماح هدب
وعرفت أن وكيدهم ... الا لسيفك لا يرب
بأس وجود أن ذكرتهما ... فمن عمرو وكعب
علياك علمت الفصاحة ... كلنا فالعجم عرب
قال: ونعت عز الدين بمعز الدين له وتفضيلا، وقد حسنت البلاد بمحاسنه وزينت بمزاينه، وأخصبت بوجود جوده وسعدت مطالعه بمطالع سعوده، وله مهابة ومحبة في قلوب القبول وتناسب وتناسق في عقود العقول.
ذكر نهوض السلطان إلى طبرية وبيسان
стр. 89
قال ﵀: ولما ألقينا بدمشق عصا النوى عاد غلينا الغزاة الهوى وقال السلطان: لا راحة إلا في التعب ولا دأب لنا غير الدأب، وكيف لا نغتنم طيب الزمان وفرصة الأمكان، والعساكر بحمد الله ماضية العزايم مضية الصرايم، وبرز بجموع العساكر والبحور الزواخر وأغار على طبرية وبيسان وفتك وهتك وكسر وأسر وسل السيوف وقتل الألوف وأذل الأنوف، وكانت وقعة شديدة ونوبة للهداة مبدية وللعداة مبيدة. واستشهد من المؤمنين رجال إلى حمى الحمام عجال وعاد السلطان ولحزبنا القاهر قبول وإقبال ولحرب الكفر الباير أوجال وأوجاع وكانت عودته من غزوة طبرية رابع شهر ربيع الأول، وكان مخيم السلطان في هذا الفوار وعاد إليه في الغزو والفوز، وطال مقامنا به وبلينا بأحبتنا بمكروه، ولم نقدر على اجتيابه فإن ماءه ثقيل وهواءه وبي وبيل وجوه عاقد وجواه واقد وعينه أجون وما لسكانه سكون فالحيات أتراب أترابه والضفادع جازات ضيائه والأساور أساور أحجاره والأفاعي مشاجرات أشجاره، فخفت على مزاجي من انحافه، وأشفقت على نشاطي من انصرافه وانشأت رسالة وعرضها على الأجل الفاضل في تلك المنازل وسميتها برسالة اليات من الرسايل وهي التي من ألفاظها: المملوك في منزلة عيونها سخينة وقطافها ثخية وفوارها فوار وانجادها أغوار وسكانها غير ساكن، وقاطنها غير آمن وجدا جداولها علاقم، وخبا جنادلها أراقم، وحياتها موحيات ونافثاتها نافذات، تسعى ملتويات وتلتوي ساعيات كأنما ترك الترك سهامها والقسى، وألقت السحرة حبالها والعصى أو نبذت السرايا بالعراء السراء وقيدت الغزاة بأذاهم (٢٠٧أ) أساورها الإسراء، ساعيات بالشر كالأقلام السعايات، تاليات بألسنتها آيات النكايات، كأنما صاغت من سنابلها الخلاخل أو أراغت من لوازعها الغوايل أو رمت للمساوي مساويكها للنساك، ووضعت للعصيان غضبها الفتاك أو حذفت للقارع وراء الغيض الفرسان وناورت في المأزق على إيمان الشجعان المران، ثقال الرؤؤس فإنها قصب الغروس، وهي حطب الخطب وخشب الأشب وخراعات المحن وقذافات الأحن وحذفات السفن وجاريات القدر وحادثات العبر، من طول كحرب الزنج وقصار كبيادق الشطرزج، وأوساط كأوساط العذاب، سراع كأنامل الحساب، وخاطفات كبارقات السحاب، وممارقات النشاب، مشجرات ف الأشجار كأنها أغصانها مستكنات في الأحجار، كأنها خباتها نواظر بعيون كالجمر أو كالشرار، كوامن تحت الصخور كأنها أسرار قلوب الأشرار أن صعدت في الصعاد فالاسنة، وإن أشفقت في أجهاد الجياد فالاعنة وإن تعلقت بقواميها فأشباه الأشباح، أو قيود القيود كالرياح، وإن غلتفت على أذيابها فكالأمطار، وإن نشبت في سبورها فكالأسبار من خضر كضغابيس الخضر وهم كفرايس الحضرة، تخفف كصوائح الأصداع أو كنافخ الصواغ أو كباشق الأتراك أو كألوية الأفلاك وبتر كأيدي السارقين، وسود كأعمال المجرمين، قوابل كأطماع الغيرين، فواتك كأسياف الغيرين مخذولات كلأزمة في الهرين بهامات كالكرين وقامات كاتساع الوضين، تنساب كجداول البساتين وتنثني كأغداق العراجين وتعدم في دار الديموم كأنما تسبح وتعوم كالاساطين كان البطاح بها أجم وأوهاد بها أكم والرمال منها أعلام، وكأنها مكاحل كحالنا الشريف وانبساطه، وصفارته أشباه العهود وأهب الفهود أو حنك الشهود أو سك اليهود أو نكل ذوات النهود أو أذناب النمور وأعضاب الخيل وأنياب الفيول، أو طوامير الكتاب أو مسامير الأبواب من كل غليظة متعطفة على دقيقة منوقة، رشيقة كالخوص وأسهم الوتر على الحقيقة ومن كل رشقاء إذا استلخت من جلدها، ألفت كم درع وأبقت حديد ذرع وسوداء كصحيفة المجرم كصفحة المتلوم، قصيرة مقصرة الأعمار، دقيقة جليلة الأخطار، رشيقة كسهم الراشق، نحيلة كجسم العاشق خفيفة كخفاف الباشق ومن كل صل شجاع ومن كل أسود سالح وأبتر نافح وأشم شامخ وأصم باذخ وأرقط كالواشي المنمنم كأنه رشا المائح أو قصبة الماسح أو صعدة الرامح، أو كأنه سجل الحاصد أو مبضع القاصد، أو كأنه مزمار الزاط أو زنار القبط إن استدارت فقره التارس، وإن استقامت فخشبة الحارس ومن كل أقران كان في رأسه سنابق سنلبين أو في حجاجه سراجين، أسود تفرق بين المرء وحياته فهو غراب البين، حنش في أنفه خنس في خيشومه فطس في عنقه قعس، ناظره نار أو دينار أن قرب فثوار، وإن تلوى قصم سوار هامته مستديرة كالرحى وأنيابه عضل
стр. 90
كالمدى مدرع بنظر عيناه من وراه قيتر، أو كأنما النسيم عض وجه الغدي، لسانه كذبالة الشمعة عند النضنضة وشدقاه كفكي عجوز عند المضمضة تكش كشيش البكر، وينش نشيش القدر، أهابه لاذ ونابه فولاز، وعطفه مايل، ووشاحه حايل ومنه خايل سمه قاتل فهذه حالة هذه الحلة في همامها وهمومها وسمومها، وهواؤها وبي وبيل، كل صحيح غير النسيم عليل بها نفقت سوق الأطباء وخفقت سوق الأحباء وضعفت جسام الأجسام وتضاعفت أقسام الأقسام.
ذكر مكرمة للملك عز الدين فرخشاه
قال: ولما رحل السلطان من الفوار إلى رأس الماء والأرض طيبة الهواء أرجة الأرجاء والخيم قد نزلت بوادرها وانتظرت أوايلها ليصل بها أواخرها وأنا ساير في موكبي صاير إلى مصري، وقد نزل الملك معز الدين في مقدمة السراديق السلطاني على مرج بهيج، وروض أريج وعين تعرف بأم الدنانير وقد بسط عليها قدام مضاربه من البسط الموشاه الموشعة التخيير فلما أبصرني قال: هذا العماد ساير وهو علينا عابر فنادى بي إلى ناديه ووردت حلول واديه فوثب لي مكرما ورحب بي منعما وأجلسني إلى (٢٠٧ب) جانبه معظما، وقد أحضر عنده بطيخ أعدت بدوره أهله، وأقامت صدوره على طلاوة ظاهرة ومؤنسه فقلت له: هل عرف المولى أن هذه العين تعرف بأم الدنانير ولا نظير لنضرة رياض دولتك في هذه الروض النضير فاعتقده مني بطلب الدنانير تعريضا وأخفاه في نفسه الكريمة، ثم تعجل رحيلنا صوب الشرق، ولما خيمنا على بعلبك عابرين خرج إلينا صارم الدين خطلخ وإليها وأخرج إلي مائة دينار مصرية في صرة وواصل أيدي بره بميرة من حنطة ودقيق وشعير ومن الأغنام والطيور كل كثير، وناولني كتابا من مخدومه معز الدين مضمونه تبريح لوايح الأشواق والتصريح بلواذع الفراق أنني ما نسيت عين الدنانير فسيرتها وعنيت المحمدة وتخيرتها فكتبت في جوابه ما أكرم من أتيت في يدي وأقر ما قر من عان أبي الطبيب ولله در الجود البكر المولدي ولا سيما وبكر حمدى واسطا فألبثت وأطلت الرسالة بذكره وخلدت ذكرها كتخليد ذكره ثم تعجبت من تيقظه للمكارم وتحفظه من المكاره وما بينه للكرم غير الكريم التائه وجمعت في مديحه نظما ونثرا بين المحكم والمتشابه.
ذكر مكرمة مشتركة
قال ﵀: كان السلطان بمصر زوج إحدى خطاياه أمهات أولاده لأمير كبير من أكبر أمرائه، وكانت عند السلطان في موهبة متسعة ومرتبة مرتفعة، وكانت لها في الخزانة رواتب ممضاة، ووظايف مجراة ولها نفقات وميرات ورسوم وكسوات فلما وصلنا إلى الشام قال السلطان: في بعض الأيام أكتب إلى مصر بقطع ما لفلانة من صلة ورواتب متصلة فقلت له ما يستحسن ما نكارى ووافق إيثاره إيثاري وشكرني على التنبيه شكر النبيه للنبيه وبقيت تلك النعمة مدة عمره عليها داره وتلك المسيرة بها بارة هذا على أنه لم يكن لي بها ولا بزوجها معرفة إلى حسن المناب عنها داعية ولم تعها مني في القضية إذن واعية، ولا ذكرت هذا الحسان ولا عقدت به الإمتنان وإنما ذكرته الآن من مكارم السلطانية ومنايحه السنية.
ذكر العزم على قصد حلب وعبور الفرات
قال: ولما وصل إلى الشام أظهر إلى قصد حلب صدق الاعتزام وأنه لا بد من استضافتها للأمن من آفتها، ولما عاد من غزوة طبرية وبيسان توجه على سمت بعلبك وخيم بالبقاع. وكان قد وعد أسطول مصر أن يتجهز إلى بعض بلاد الساحل ليوافقه عليه، ويسير بعساكره إليه فجاءه الخبر بأنه وصل إلى ساحل بيروت فبادره السلطان بعسكره جريدة فلما وصل رأى أن أمر بيوت يطول، واكن قد سبى الاسطول منها وسلب، وظفر من غنيمتها بما طلب، فأعار السلطان في تلك البلاد وأتى في تخريبها وأحرقها بالمراد ورجع وأعاد الملك معز الدين إلى دمشق ليقوم في سد الثغور وتسديد الأمور بالنيابة.
стр. 91
وسرنا لقصد الشرق وجينا إلى بعلبك وخيمنا بمرج عدوسة أياما، وأحكمنا أسبابنا ، وسببنا أحكاما، ورحلنا على حمص على طريق الزراعة ونزلنا على العاصي مذعنيين لله بالطاعة ورحل السلطان ووصل إلى حماة وكانت حماة للملك المظفر تقي الدين عمر وهو معه فأمره أن يرتب أمور ذلك الثغر ويتبعه فامتثل الأمر وما فارقه ونقل الأمراء ورافقه وسار فلما قرب من حلب تردد عزمه في المسير إليها والعبور عليها فما شعرنا إلا برسول مظفر الدين كوكبورى بن علي كوجك يشير بعبور الفرات وحضور تلك الولايات. وقال له: أنا مواليك والمعالي فيك وصديق صديقك ومعادي معاديك، وهذه البلاد لك وليس من النصح أن لا أدلك وأنا لديك وبين يديك، فإذا ملكت تلك الممالك، وسلكت تلك المسالك فحلب تبقى من ورائك وأنت بعد ذلك على أيثار عزمك ورأيك وإلا فحلب تشغلك عن الأمور ومهماتها والجزيرة وولاياتها، ولك المحبة العامة والمهابة التامة فإذا عبرت الفرات سلم لك الأقاليم أقاليدها، وجمعت لك طاعات العباد ناديدها، وما زلت شوقا إليك في حران حران وغلى الرق من ورد خدمتك ظمآن، وهي لك مبذولة وبأوليائك مأهولة. والرها لا تعتبر أمرها والرقة لرقك والخابور في انتظار خبرك، ودارا دارك ونصيبين (٢٠٨أ) نصيبك إذا ظهر استظهارك وملك الموصل يوصلك إلى الملك وما هذا أوان الونا وهل يقدم أحد على عيانك وأنا أنا ثم عبر مظفر الدين إلى بلدته عايدا وبنصرته واعدا وحليت صورة اجتهاده، وتليت سورة أحماده، ووصل البحر إلى الفرات وتبدل بالغنى فقر المقفرات، خيمنا على الفراي من غربي البيرة، وارتاعت العدى من عدوى سطواتنا المبيرة، ومد الجسر كما على الطريق السطر. وكانت البيرة قد طمع فيها صاحب ماردين واستولى على مواضع من أعمالها فلما سمع بنا تخلى ابن إلياس الأرتقي وشرعنا ف تهيئة أسباب العبور وبدأنا بنقل الأثقال على السفن ليحصل من مخاطرة الزحام على الأمن، وضرب كل منا خيمته بالجانب الشرقي يحول إليها رحله وأمددنا من معاقل الأرض بعدة من السفن.
والخلق كثير والجمع جم غفير فلما جزنا الفرات وجمعنا من الرجال والرحال الشتات تسلمنا البيرة والعمق كاتبنا أصحاب الأطراف بالوفود للوفاق والتحني عن مذهب الخلاف فإنه من جاء مسلما وللأمر مستسلما سلمت بلاده وصينت طرافه وتلاده على أنه من أجناد لغزو لبكفر وجهاده.
وعاد رسولنا من نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حمص كيفا يذكر أنه مذعن بالطاعة مؤذن بالتباعة واصل برجاله ورحاله وأشياعه وأشيائه وطلب عند وفائه بالعهد وقيامه بحسن البلاء أن يعان على صاحب آمد فإنه تجرد في عداوته وكان العاند العامد فشكره السلطان وأجاب سؤاله وأصاب سؤله ورد إليه مع رسوله رسوله.
стр. 92
ثم رحلنا من البيرة والميرة مبرة، وألطاف الله مستديرة وفي كل يوم قوم لهم في بحرنا عوم وفي كل فجر فجر ولكل جمع جمر وعسكر وافد وعثير عاقد وبيارق تبرق وبوارق تخفق. ونزلنا بالرها واستمرت أياما حصرها. وفيها الأمير فخر الدين مسعود بن الزعراني فتنمر وتذمر وتربض وتصبر ثم رأى أنه لا طاقة فاستبدل من عبوسه الطلاقة وأرسل إلينا بتسليمها لسلامته ووفينا حق كرامته، وتسلمها مظفر الدين وغلى حران مضافة ووجد بهما في رتبة العلاء أنا قد جئتنا إلى حران ظافرين ظاهرين قادرين قاهرين وسحب البأس بارقة راعدة، ومثارات القتام من تحت الصلاد فوق الصعاد صاعدة وأقمنا حتى أقمنا الشعار وأتممنا الاستشعار فرحلنا إلى الرقة وتم الحصر والنزال وفيها الأمير ابن حسان قطب الدين ينال فدارت على قطبه الرحى ورأى من النازلين عليه جنح الدجى في زاد الضحى ثم عرف أنه لا يطيق ومن مكر خطبه لا يفيق فبذل أذعانا وسأل أمانا وسلم وعصم المال والدم وخرج بنفايس أمواله بعد ترك ذخاير عدده وغلاته وفارق وما رافق ووفا لصاحبه وما وافق ورفقنا ريثما أصلحنا الفاسد، ووفقنا الكاسد وولينا في البلد من أهل الجلد من يفي بحفظ المطرف وصون المتلد. ولما أتممنا المصالح وأجملنا المناجح هززنا معاطف الزمان إلى مشهد الرمان وأثنينا اعنة العراب إلى عرابان وحين قربنا منها تلقانا قضاتها ورؤساؤها ورجالها ونساؤها وخينا على ظاهرها فرفعنا منهم الرؤوس ووضعنا عنهم المكوس وضربنا على الضرايب وقللنا بنوب النوايب وتواصلت أخبار وصولنا إلى الخابور وهبت فيه قبول أقبالنا أدبار البور وشاع العدل وذاع ورنبنا على قانون المعدلة الأوضاع وفتحت من عين رأسها عينها وأصلحت بالطاعة والتباعة بيننا وبينها. وقطعنا نهر الخابور على قنطرة التنين وأخذنا الطريق إلى نصيبين يسرة ونصبنا بنصبين خيامنا بعد ثلاث وسلكنا مسالك سهول وأوعاث ودخلنا المدينة وأنزلنا بها السكينة، وجئنا إلى القلعة وقد تحصنت وبمنعتها تحسنت وأشفقنا في حصرنا من سفك الدم وهتك الحرم ووكلنا من يمنع من الدخول والخروج وسلطنا إلى اللجاج على واليها اللجوج فأرسل بعد برهة من الأيام في الغسلام والإستسلام، وتسلمناها بما فيها من أخاير الذخاير وعولنا في تولي نصبين على حسام الدين أبي الهيجاء السمين وكنا قد ولينا الخابور جمال الدين خوشترين. ولما توفر نصيبنا بنصيبين واختلينا من مشرق الظفر النصر المبين وكانت الحشود مجتمعة والوفود مزدحمة والعقود منتظمة والسعود ملتيمة وقطعنا أعمال بين النهرين وأزرنا الرعية زور الرعاية وأمرنا بالعدل والغحسان في تلك الولاية ثم حزناها إلى أعمال البقعة ووضلنا إلى بلد وأشرفنا على دجلة وكنا أوردنا خيلنا في أشهر من تلك السنة في أسفارنا الحسنة (٢٠٨ب) نيل مصر والفرات ودجلة فأصغت إلينا المسامع ومالت نحونا المطالع، وتواصل إلينا مقطعوا البلاد وترادفوا أمدادا بعد الإمداد ومن ثم صممنا عزم الوصول إلى الموصل وبشرنا الصواري بقرب المنهل وأطرنا الاطراد برياحها الأربع وسرنا إليها بقصد المصيف والمربع وقربنا منها في مراحل متقاربة وقد دمدمت بما أثار الأسد عين القراة وبطشت من ليل العجاج بصفو النهار يد الأزلة وعادت تلك البراءى من مراكز رماحنا بساتين ومن مراكض جيادنا ميادين والليوث معتقلات ثعابين ممتطيات سراجين وكأنها رياض تخلوا بأيديها من القواصب رياحين قال: ولما قربنا من الوصول كبرنا تكبير من ظفر بالسؤال وتقدم السلطان في الأمراء ذوي الآراء ودار حول السور وعين لكل مقدم مقاما ولكل مقدم أقداما فنزل هو وراء البلد وتقي الدين من شرقيه بأهل الجلد وأخوه تاج الدين بورى عند باب العمادية، ودايقنا الأسوار أشد المدايقو وصاحب الموصل حين إذاً أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي وتولى نايبه مجاهد الدين قايماز حافظ البلد بأحسن تدبير وتلقى كل ما قابله من العسر بوجه يسير. وكان قد كاتب الديوان العزيز لإيعاز بأعزاوه وإيعانته على أعوازه وله موعد إنجاح وإنجاد عند الصاحب مجد الدين فتقاضى بإنجازه.
ذكر وصول رسل دار الخلافة
стр. 93
قال: ووصل إلينا الخبر بأن رسل دار الخلافة المعظمة واصلون، وفي أمر الموصل شافعون وهم شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير ومعهما من خواص الديوان العزيز جمع كثير فتلقاهم السلطان بالصدر الرحب والبشر العذب والخطاب المتوجه بصرف وجه الخطب وكنت إلى جنب السلطان له مسايرا وفي الهام ناظرا ومناظرا والموكب مشهود والطلع مسعود وشاع أن شيخ الشيوخ قد وصل في الصلح وأغلق باب الفتح وإطفاء الوقود وإخفاء الحقود. ووصل مظفر الدين قزل ارسلان حسن الجاندار واجتمعت رسل الآفاق داعين إلى الوفاق فقال الذين لاذوابنا من أهل البلاد من الأجناد الأتراك والأكراد هؤلاء غدا يصطلحون ونحن نحظى بالإخفاق وحرمان الأرزاق ونبوء (بالشقاق والشقاء) وأخذوا أمان البلد ودخلوا واعتذروا لأننا نشبنا ووافقهم جماعة من أصحابنا طمعوا في الخلع وهذه من أيسر جنايات الطمع ونحن نصرع باب المصلحة والإستواء على المكافحة وترك قبول الشفاعة وإفراغ المجهول في شغل الحصر وبذل الإستطاعة في كل يوم نناوب القتال ونعاقب النزال، والملك المظفر تقي الدين يحمل من جانبه ويبلي ويجري في مضمار النضال وهو الساق المجلى وتاج الملوك أخو السلطان يبارز ويحاجز وجمرات اللظى تضطرم وغمرات الوغى تقتحم وشيخ الشيوخ ينهى وينكر ويقول أنا جئت في التوسط والمنع من التورط وهذا الفعل الممقوت إذ غبت لا يفوت فإن كان لي قبول فاصبروا حتى أرسل من اليوم إلى القوم أو أتكفل في متاع هذه المتاعد برفع الثوم فقلنا له:
السمع والطاعة والحب والكرامة وما أحسن مرادك إذ أردت السلم والسلامة. وتحولنا إلى جانب لا يبعد على الرسل طريقه وارسل شيخ الشيوخ إليهم صاحبه وذكر مطالبه فشرعوا يندبون في كل يوم رسلهم ويملأون بالمراسلات الخادعة سبلهم فخرج أول يوم جمال الدين محاسن مع أخ الشريف النقيب واستفتحا فيما عراهم بالتقريع والتأنيب وكان حضورهم في خيمة شيخ الشيوخ فأنفذ إلى السلطان من عرفه وصولهم واستدعى من ثقاته الذين يسمعون فصولهم فتقدم إلى لأجل الفاضل وغلى الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري بأن نحضره ما يقولون ونحصي فإذهبوا ذلك اليوم بالشكاية ولم يواصلوا مبدأها إلى الغاية ثم قالوا ندخل غدا بالحديث المين والأثر المعين وجاءوا ضحوة الغد وذكروا مطالب متكثرة ومآرب متعذرة واقترحوا إعادة البلاد المأخوذة وقصدوا بها تقليل الجدود المشحوذة وأن نعود إلى الفرات ثم نتكلم بما يعود بجمع الشتات ومكثنا على هذا السننقريبا من شهر ولا ننتهي إلى أمر مستقر وشيخ الشيوخ ينسبنا إلى أن لا نؤثر الفضل فدخلنا في كل ما أراده وانفصل الأمر على أنهم يريدون إلينا حلب ونرد على صاحب الموصل كل ما طلب وكان قد عرف الأجل الفاضل فحوى مقالهم ودعوى (٢٠٩أ) مجالهم فانقطع بعد أيام عن الحضور وكنت أحضر والفقيه عيسى للسماع والإنهاء والتحمل والأداء ثم انقطع الفقيه عنهم وتأنف منهم واستمر ترددي ولم أجذب عن المهم المقاتل والمخاتل ويظهرون الوفاق ويذهبون في الشر إلى الخلاف حتى وردهم صفو وأن وعدهم من الخلاف خلو فمضى إليهم شيخ الشيوخ في أبرام العقد المنسوخ فظن أن وردهم صفو وأن وعدهم من الخلاف خلو فمضى إليهم ورآهم متفرقين في طرف التلون والتلم غير مجتمعين على سلوك النهج الأقوم وأنكروا كل ما ذكره رسولهم وأن سوى ما شاء سؤلهم وأن صلاح الدين أن أراد وفاقا رد بلادنا ورحل عنا ونحن نخلي بينه وبين حلب ولا يطلب أيضا اعادنا عليها فإن لعماد الدين زنكي أخينا معنا يمينا فكيف يجد منا عليه معينا فإن رضيتم بما سألنا وإلا فما سمع الناس وما قلنا.
وكان المقرر مع الرسل أنهم يسلمون إلينا حلب ويستعيدون منا البلاد ويحضرون معنا الجهاد ثم ندموا على ما قدموا من التقرير وأخذوا في غيره من التدبير فانصرف مغضبا وخرج إلى بغداد متوجها وعلى نكر مكهم متنبها فخلوا إليه وتضرعوا وتشفعوا وقالوا: تعود وتعيد ما سمعته وتحلي من المعنى مااستملته فعليك ترد لطف ما صعب إلى المنهج الأسهل ويأتي العل بعد النهل فرجع بغير مارجا واستكشف عندهم حجاب الحجى فلما اجتمع بالسلطان استعفى من الكلام واستوفى حديث ما سمعه وأبصره من الأقسام فقال له: هذه أشهر شراف وقد عزمنا أن نرحل ونهب لوصولك الموصل وكان نزولنا عليها في رجب ودخل شعبان وامتد الزمان.
ذكر الرحيل إلى سنجار وفتحها
стр. 94
قال: كان من سنجار من عسكر الموصل مدة عليها يقطع دوننا الطريق ويمنع السير فأمر السلطان ابن أخيه الملك المفر تقي الدين عمر أن يمضي لحصر سنجار وقسر من جار فسار في الأسد والغاب والجيش الغضاب فنهض في بحوره وأمواجه وجموعه وأفواجه، وخفقت كواسره ورعدت قساوره وترتبت ميمنة وميسرة، وقلبا وجناحا عساكره وصبح بمنزلة بارنجان قريبا من سنجار عسكرا من الموصل إليها مجردا فأخذ خليهم وعددهم مشتت عدوهم ووكل بهم من ردهم إلى الموصل رجالة ونالوا من عثرتهم منه اقالة واحتبس عنده مقدمين محترمين مكرمين وكتب بخبرهم إلينا وقال: قد وفينا بما علينا فاغتنموا استضافة سنجار فإنها غعنيمة وخير ما تصمم له عزيمة فرحلنا ومعنا رسل دار الخلافة ومطالع المطالب مؤنة بالانابة والأناقة ولاح سنا سنجار بعد ليال ونزلنا على عيونها، وطرقتها الخيل طروق خيال واقتسمنا المنازل حواليها وولينا الوجوه إليها.
وفيها شرف الدين أخو صاحب الموصل فاحتمى منها بالمعقل، وكان معنا نور الدين بن قرا رسلان صاحب حصن كيفا فأنزلناه في أنزه الرياض وأنضرها وأرج البساتين وأعمرها فأذن نزولهم بنزولها والحاق معالمها بمجاهلها فقطعوا أشجار ووصلوا أشجانا ورموا جدرانا وخروا عمرانا.
وأنهى غلالسلطان اجتراء القوم واجتراحهم ومراى فسادهم وكان المرام اصلاحهم فيغتم ويمتعض ويرتقب إلى ذروة الاباء ويرتمض ويبتعد ويمتنع ووبخ ويقرع.
فصل من كتاب أنشأته إلى الديوان العزيز عن السلطا وقد ترك الموص في العاجل اكراما للشفاعة والتزاما للتباعة واشتغل بسنجار لينظمها في السلك ويضمها إلى بلاده الداخلة في منشور الولاية.
ومنه: ومن جملة نعم الله التي نحمده على اتمامها وصول المبشر اليمن بفتح زبيد وأن حطان ابق اباق العبيد وأن الكلمة فيها قد اتحدت القلوب قد اتفقت. وكان الخادم قد جهز إليها جيشا من مصر لتمهيد أمرها وإخراج من خرج بها منها فجرى الأمر على وفق المراد وانتظم في سلك السداد.
ومن جملة البشاير الواصلة من مصر عود الأسطول المنصور نوبة ثانية إليها كاسبا غانما غالبا بعد نكايته في أهل الجزاير بالخساير وبعد أخراب ما وجده فيها من الأعمار والعماير ومن جملة ما ظفر بطشه كبيرة من مراكب الفرنج تحمل أخشابا منجورة إلى عكا ومعها نجارون ليبتنوا منها سواري فأسر النجارون ومن معهم وهم نيف وسبعون وأما (٢٠٩أ) الأخشاب فقد انتفع بها المجاهدون وكفى شرها المؤمنون وللخادم عسكر في المغرب قد بلغ أقصى افريقية فتوجه وعادوا به بهاء الدين في تلك البلاد روجه.
قال: ولما أنخنا على سنجار واستفتحن الاستفتاح بالرسايل وقريبا من السور من يكلمهم فكلموه وأفهمناهم الرشد فما فهموه وناظروا بالسنة النصال ونظروا بأعين المصال فقدم المنجنيق وهدهم النيق الوثيق وأغرينا النقابين برفع نقاب السور وهتك حجابه المستور. ودخل رمضان فقلنا شهر مبارك وبر متدارك ففترنا ونحن في زي الإرهاب وسكنا مظهرين التحرك للإرعاب فطال عليهم الأمد وضاق بهم الجلد، وتمادت المدد فسكنوا إلى السكون وركنوا إلى الركون فجاءنا ليلة من أخبرنا بأن الحراس نيام فندب إليهم منا أنداب نجازهم ونجادهم وضبطوهم وربطوهم وأنقضوا عليهم انقضاض البزاة على القنص، واغتنموا في قبضهم انتهاز الفرص، وهم من المقدمين وأعلام المعلمين فأصبح الذي بسنجار بادي الغنكسار قد عرف العقبى واعترف بالعتبى وأحسن في التقاضي وأقتضى الحسنى وأجيبت دعوته ورعيت أذمته وسيرت إليه هدايا وتحف وزلف لكونه من الأولاد الاتابكيه، وشرف أصحابه وخرج عن العطاء الحساب بحسابه وخرج من سنجار بكوسه وعلمه وحشره وحشمه وعبيده وخدمه وأخلى لنا المدينة فأسكناها السكينة، وخرج إلينا أعيانها وحسن بنا ظهورها وظهر إحسانها أفراح رعاياها فرحين برعايتنا منتصفين من الليالي بأيامنا مستسعفين ألاء أنعامنا. وما أسرع ما أعدنا عمارتها واستجلينا بالمباهى مباهجها وأخلينا من المناهى مناهجها وألفينا رياستها لصدورها بنى يعقوب فأتيناهم من كرامتهم سؤلهم المحبوب المخطوب. وعول السلطان في قضائها على نظام الدين نصر بن المظفر فإنه كان أعرفهم بحكم الشرع المطهر.
стр. 95
وكان الأمير سعد الدين أنر مسعود أنار سعده وسار بالذكر الحسن مجده والسلطان يعتمد عليه في إعلانه وأسراره وإيراده وإصداره وأخته ابنة معين الدين أنر في حيالته فلم يعتمد إلا عليه ولم يسلم مدينة سنجار وقلعتها إلا إليه وولاه وقدمه وحكم سيفه وقلمه وأبقى عنده من خواصه من استحمد شيمه واستفرد في النجح ديمه. ولما قضينا بسنجار الآراب شاورنا الأمراء فقالوا قد توسطنا الشتاء والصواب الإقامة بمكان حتى ينقضي فصله وحينئذ نستأنف الفتوح ونستزيد من الله بزيادة الشكر بره الممنوح فرحلنا إلى نصيبين فأقمنا حتى ودعنا شيخ الشيوخ صدر الدين وشهاب الدين بشيرا وركبنا معه حتى توجه سايرا إلى العراق وشكى أهل النصيبين ما هاج من نصبهم بأبي الهيجاء فاستملنا إليه بصرفه رحال الرجاء واستصحبنا المذكور معنا ورحلنا إلى دارا وتلقانا أميرها صمصام الدين بهرام الأرتقى فأكرمناه واحترمناه وأرفدناه وأفدناه ووصلنا إلى حران في أوائل ذي القعدة وألقينا بها حران. وسار الملك تقي الدين بعسكره وعبر الفرات إلى حماه وعاد كل متغرب من بلده إلى مثواه وأقمنا بالمخيم بظاهر حران في الخواص من ذوي الاستخلاص في أحلى حالة وأجلى جلالة وقلنا أن الدهر قد أطمأن والأمر قد أرجحن، وأهل الموصل مع من وازرهم في حشد وطي ونشر وأظها، أيد وأظمار كيد وقد اغتنموا لتفرق جموعنا الجموع واعتزموا إلينا لرجوعنا الرجوع ونحن مع قلتنا ثابتون وفي حلتنا نابتون وهم يعتمدون إنا إذا سمعنا بجمعهم نتفرق وأننا نتأخر ولا نتقدم وعلى ما فرطنا في حقهم نتندم فاستحال تخيلهم واختل تحيلهم على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر وفاة الملك المنصور معز الدين فرخشاه بدمشق في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين
قال: وبعد انفصالنا عنه بالشام لازم الجهاد بجد الاجتهاد وصدق الاعتزام فوعك في نهضة من نهضاته وأعضلت خلاف ما اعتاد من أعضائه، ونهك بمرضه اشتدت عليه فعاد على دمشق منيبا إلى الله في طلب مرضاته وانتقل من حومة الشهادة إلى حمى السعادة ومن غار الاغترار إلى مقر الاستقرار ومن الرتبة إلى التربة ومن الوطن إلى الغربة فتبا للدهر ما تبقى بناته على بنيه ولا يلي بكبواته بالسوء سوى مواليه. لقد فجعت الدين والدولة به ملكا هماما ماجدا ماجد في الأمر إلا بلغ وغلب ولا سعى لنجح إلا ظفر بما طلب ولم تزل المستشار المؤتمن والمستجار المتمكن وكان السلطان (٢١٠أ) يقطع برأيه ويصل ويكلأ الثغور إليه ويكل. قال: رآني يوما بين يدي السلطان وهو يأمرني بفصول أكتبها ومقاصد في مجاوبات مكاتبات أرتبها وأنا ساكت مصغ وساكن غير لاغ ولا ملغ فعجب مني في السكوت والسكون وأطراقي وترك استفهامي عن طرق تلك الفنون فلعبت به مرجمات الظنون فقمت وكتبت الكتاب ونظمت تلك الآراب وكسوت كل معنى لفظ الفضل وختمت كل قضية بنص الفصل وزدت وزنت وعبرت بحصا الحصافة ما وزنت وجئت بالكتاب مسطورا وبالأدب منشورا فأقراه معز الدين فرخشاه فقال لله درك من فضلاء الكتاب وتلا " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب" ولقد كان له في عقودي اعتقاد ولأموري افتقاد وهو من أهل الفضل ويفضل على أهله ويغني الكرام عن الابتذال بكرم بذله وكان من أخص خواصه وذوي استصفائه واستخلاصه الصدر الكبير العالم تاج الدين أبو اليمن الكندي أوحد عصره ونسيج وحده وقريع دهره، وهو علامة زمانه وحسان إحسانه ووزير دسته ومشير وقته ورفيق درسه وشعاع شمسه يروي بصوب روائه صواب آرائه. قال: وكانت منايح عز الدين بواعث القرايح ودواعي المدايح ولي فيه قصائد منها كلمة هائية موسومة مدحته بها في أول سنة صحبت فيها السلطان إلى مصر وهي سنة اثنتين وسبعين وعارضها تاج الدين أبو اليمن بكلمة بديعة في وزنها ورويها فأما كلمتي فهي:
بين أمر حلاوة العيش الشهي ... وهو أحال طلاوة الزمن البهي
وصبابة لا أستقل بشرحها عن ... حصرها حصر البليغ المدره
أما عقود مدامعي فلقد وهت ... وأبت عقود الود مني أن تهي
ومنها في المدح:
أنت بني أيوب أكرم عصبة ... هذا الزمان بفضل سؤودكم زهى
إن الملوك تخلفوا وسبقتم ابن ... السوام من العتاق الفره
أن يجحد الشاني علاك فهل ... ترى إشراق عين الشمس عين الأكمة
стр. 96
بك أصبحت راياته منصورة ... يا سيدا عنت الوجوه لوجهه
وأما الكلمة التاجية فهي التي أولها
هل أنت راحم عبرة وتوله ... ومجير صب عند مأمنه دهى
من بل من داء الغرام فأنني ... مذحل من مرض الهوى لم أنقه
يا مفردا بالحسن أنك كنت ... فيه كما أنا في الصبابة منته
قد لام فيك معاشرا فانتهى ... باللوم عن حب الحيوه وأنت هي
كم آهة لي في هواه وأنه لو كان ... ينفعني عليه تأوهي
ومآرب في وصله لو أنها تقضي ... لكانت عند مبسمه الشهي
ومنها في المدح
فليحجج العلياء منه مجرب ... يوم الجلاد وفي الجدال بمدره
متنبه للمكرمات ولم يكن ... يوما ينام فيبتدي يتنبه
إني على شرف القريض لهاجر ... للنظم هجرة آنف متنزه
أضحى وأهله كمهد وحيهم ... في جهل قيمة ذي الحجا والاوره
كل المميز سامعا ومنشدا ... في الناس بين مفهه ومفوه
(٢١٠ ب) ذكر نصرة الأسطول المتوجه إلى بحر قلزم وكانت في شوال سنة ثمان وسبعين والمقدم فيه الحاجب حسام الدين لؤلؤ
قال: لما صعب على الإبر نس صاحب الكرك ما توالى عليه من نكاية أصحابنا المقيمين في قلعة ايله وهي في وسط البحر لا سبيل إليها لأهل الكفر أفكر في أسباب احتياله، وفتح أبواب اغتياله فبنى له سفننا ونقل أجسامها على الجمال إلى الساحل ثم ركب منها مراكب وشحنها بالرجال والآلات ووقف منها مركبين على جزيرة القلعة يمنع أهلها من استسقاء الماء ومضى الباقون في مراكب نحو عيذاب فقطعوا طريق التجار وشرعوا في الفتك والنهب والإسار ثم توجهوا إلى أرض الحجاز فتعذر على الناس وجه الاحتراز فإنه لم يعهد في ذلك البحر طروق الكفار فعظم البلاء وأعضل الداء وأشرف أهل المدينة النبوية على خطر، ووصل الخبر إلى مصر والملك العادل متوليها ورافع أعلام الإسلام ومعليها فأفكر فيمن يسلك إلى القوم في البحر ويفتك بأهل الكفر ووقع على السهم المختار والليث المغوار الحاجب حسام الدين لؤلؤ، فعمر في بعمر في بحر القلزم مراكب وملأها بالرجال البحرية ذوي التجربة والتحرية من أهل النخوة للدين والحمية وسار إلى إيله فظفر بالمركب الفرنجي عندها فحرق السفينة وأسر جندها ثم عاد بأهلها إلى عيذاب وشاهد بأهلها العذاب، ودل على مراكب العدو فاتبعها وظفر بها بعد أيام فأوقع بها وأوقعها فخرجت إلى بعض سواحل البرية بشعابها مجتمعة في تلالها مرتقية ولم يزل الحاجب لؤلؤ ناكب مراكبها وراكب مناكبها حتى أزالها وهجم على كثرتها فاستقلها، فما استقرت وفرت وتفرقت وما بدا بالسفن فأطلق المأسورين من التجار ورد عليهم كل ما أخذ منهم من المتاع والدرهم والدينار.. ثم صعد إلى البر فوجد أعرابا قد نزلوا منه شعابا فركب خيلهم وراء الهاربين فحاصرهم في شعب لا ماء فيه وألحاهم بالإظماء حتى استكانوا واستهانوا واستأمنوا واستسلموا فأسرهم بأسرهم وكان ذلك في أشهر الحج فساق منهم أسرى إلى منى كما يساق الهدى، وعاد إلى القاهرة ومعه الأسر والسبي، وقد بذل وسع النجح ونجح السعي وجاءت البشرى بما من الله تعالى به من النصر فكتب السلطان إليه بضرب رقابهم وقطع أسبابهم بحيث لا يبقى منهم عين تطرف ولا أحد يعلم طريق ذلك أو يعرف.
ذكر تولية الأمير شمس الدين بن المقدم بعد الملك معز الدين فرخشاه قال: لما وصل إلينا بوفاة معز الدين النعي فترمنا إلى البلاد الشرقية السعي وكنا عبرنا الفرات على قصد الرهى وقد دنا منها دارها ودرها. فتقدم السلطان إلى شمس الدين بن المقدم بالعودة إلى دمشق أخذا بالأحوط الأحزم وهو أكبر الأمراء المقدمين، وأكرم الأكابر المكرمين، وهو القرم الذي لا يوجد قريعة. والقرن الذي الذي لا يستقل في الوغى صريعا وأمرني بإنشاء منشورة وتحكيمه في أحكام أوامره وأموره.
ذكر مكرمة لمظفر الدين كوكبوري
стр. 97
قال: لما وصل السلطان حران عند عبوره الفرات وبعد تسلم الرهى أبلغ في إكرام مظفر الدين المنتهى المشتهى وقام المذكور بما وجب عليه من حق الخدمة وشكر النعمة واحتفل بنزولها على بلده وسخى لنا بسبده ولبده ومن غرايب رغايبه أنه نفذ إلى صاحبه بألطافه وأنه يعتزر عن المقدم المنقود بوعد إضعافه ويقول ههنا بحران قرية من قراها وقد جعلت برسم وفادتك قراها ولم تزل هذه الضيعة المسماة ضرعة باسم كاتب الموصل وأنت أولى بها فأنت يمين الدولة وأجل كتابها، واستأذن السلطان في كتبها إلى ملكية شرعية معقودة مرعية فأشهدت عليه وعلى السلطان بإجازتها وتغردت بحيازتها عشر سنين إلى آخر العهد السلطاني سقاه الله العهاد.
قال: وفي هذه السنة أنعم السلطان على نور الدين بن قرار أرسلان لأعمال الهيثم ثم سلمها إليه دون أعمالها تحلة ليمينه ووفاء بوعده لكرمه ودينه، ولما جاء لمساعدتنا في هذا العام خصه عاجلا بهذا الإنعام ثم وهب له قلعة الجديدة وهي من نصيبين (١٢١١) قريبة ولاستصراخ من يدعو أمنها مجيبة ووعده بفتح أمد له وأن ينجح بتسليمها إليه أمله فقط كان أبوه فخر الدين قرار أرسلان درج على حسره أمد وكان الرئيس علي بن نيسان مرتبا لحصافتها ومزيلا لحصانتها، ولم يزل منها الإبلق الفرد راكبا ولكل من يقاربه فيها مجانبا، وكان يضرب بأحكامها المثل، وفي تيسير فتحها يحقق الأمل، وابن نيسان متغور في كهفه متكهف في غاره، آمن من النوازل والدواير بمنزله وداره، وكان لآمد أمير قديم يقال له ايكلدي من أيام السلاطين القدماء، وولده محمود شيخ كبير عنده يطعمه ويسقيه ويدعي أنه من غلمانه ومصطنعيه وانه يحفظ البلد له ولا يغدر به ولا يؤثر بدله وإذ جاء رسول يحضره عند أميره، ويسند ما يديره إلى تدبيره، ويقول: أنه غلام وما معه كلام ولا عليه فيما يجري ملام.
وكنت عبرت في سنة خمسة وستين لآمد، فقد سيرني الملك العادل نور الدين ﵀ في مهم، ودفع ملم، واتفق نزول بظاهر آمد بكرة جمعة وحسبت صلاتها على غير ممتنعة فقيل لي تحتاج إلى إستيذان الرئيس وذلك محتاج إلى مقدمات ونتائج ومواصلات ووشايج فقلت: هذا عزر وقدح ضاق الوقت ثم تقدمت إلى غلمان ببتياع مل لا بد منه للطريق من الطعام والعليق فقيل هذا أيضا مشروط بإذن الرئيس فأسرعت الرحيل إزالة للكربة بتنفيس فقدر الله بعد سنين في الدولة الصلاحية أنني دخلتها بالسيف وحللتها حلول المالك لا الضيف، وإنما شرحت هذه الحال استدلالا بها على حزم ابن نيسان. قال: وتوفي وتولى مكانه ابنه مسعود على رسم أبيه وجرى على عاده ثابتة ولم يخطر ببال أحد من الملوك الطمع فيه حتى جاءت الأيام الصلاحية، وصار ابن قرار أرسلان من أشياعها وتدين بأتباعها وأطعمته في إقتناص أبكار الفتوح وافترعها وعرفته أن آمد آمد لا يبعد وأنه عن القيام بمساعدته فيها لا يقعد، وحلف السلطان له على هذا الوعد، وأنه يحقق في حقه صدق القصد.
قال: وكان جمال الدين عيسى صاحب السويداء مسايرا لي في طريق ومذاكرا في جليل ودقيق، وفي جملة ما قاله هذا سلطانكم يحلف على المستحيل فإن فتح آمد ممتنع الدليل فقلت له: سعادته من الله تزلل المصاعب، وتسهل المطالب ولما خيمن بحران بعد العودة من الموصل تقاصى ابن قرار أرسلان بإنجاز عدته فأذن في تفرق المعسكر للاستراحة ووعده بتحقيق الوعد عند العودة واستمر على هذا العهد إلى أن وصل الخبر باجتماع شاه أرمن صاحب خلاط، وأنه اتصل به صاحب الموصل عند ماردين وأنهم خرجوا على نية أن يكونوا لنا طاردين ماردين
ذكر السبب في ذلك
стр. 98
قال: كان عند نزولنا على الموصل وصلت رسل شاه أرمن فيها شافعين ولأسباب الحروب رافعين ثم استتب الرحيل عنها إضهارا لقبول الشفاعة الأمامية وإعلانا بسر الطاعة الناصرية. ونزلنا على سنجار ووصل سيف الدين بكتمر وهو أعز أصحاب شاه أرمن وبذل السلطان في الشفاعة في سنجار كل ما أمكن فاشترطنا شرايط ما قبلها فنفر سيف الدين وسار مغيظا وأبدى خلقا خشنا، وقال قولا غليظا، ولم يقبل خلعه ولا نفقه ومضى إلى صاحبه ونحاه ونقله عما توقاه إلى ما توخاه، وشاه أرمن ظهير الدين سكمان هو خال صاحب ماردين قطب الدين الكازي بن ألبي بن تمر تاش وهذا ابن خال صاحب الموصل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكا وكتب إليه واستدعاه وخرج واجتمع به وأتاه الياروقية وغيرهم من عسكر حلب ونزلوا من ماردين إلى ضيعة يقال لها حرزم وموج قصدهم يرزم. وجاءنا خبرهم فلم يندبه إكتراثا ولم يظهر لصحته التياثة، وكتبنا إلى أمرائنا الغائبين فبادر الملك المظفر تقي الدين من حماه إلى حران في خمسة أيام ووافانا بجد اهتمام وصدق اعتزام وقال: قوموا بنا إلى القوم فلا تعودوا بعد اليوم فقلنا أنهم في كثرة ولا بأس بالإحتراس من عثر وهو العشر المبارك من ذي الحجة والنصر مع الصبر واضح المحجة (٢١١ب) فأبا إلا الرحيل موافقة لرأي السلطان ومتابعة لأمره ومشايعة لسرور سره. وأقمنا حتى صلينا العيد، واستقبلنا الطالع السعيد، وقدمنا الإزماع وأجلنا الاتساع وسرنا بالأسود في غارها، والبروق في سحابها وقدمنا من الرعب جيشا وأبدينا من الحلم طيشا وعلونا الجدد لعزا يم صحيحة غير عليلة، وتلونا كم من فئة قليلة ونزلنا برأس عين فطار الخبر إلى القوم فطاروا شعاعا وتفرقوا ولم تدر لما در من شموسهم شعاعا وذلك يوم عرفة فتركوا الوقوف، وعزموا العزوف ونفروا قبل يوم النفر، ونحروا أضاحي جلدهم قبل النحر وعاد الخلاط إلى خلاط باختلاطه، ورجع الموصلي إلى الموصل بمواصلة احتياطه، واعتصم المارد يني بحصنه المارد وهتكوا حزر حزرم الصادر والوارد وهاب عسكر حلب العودة إليها ونحن على طريقه فأذن جمعه بتفريقه، ومضى معظمهم إلى الموصل فعبر الفرات عند عانة ولم يجدها إعانة الإعانة ونسفتهم ريحنا وهم جبال وذهبوا بقلوب النساء وجاءوا وهم رجال ووصل إلينا خبرهم ونحن للقصد سايرون ولجناح النجاح مطا يرون وأكملنا المسير وقلنا هذا أخلى المشاه وقعته ببيارقه وأفراسه ورخاخه وخاف وقوعه في الشرك قبل نصب فخاخه، واستصرخ صاحب الموصل به فلم يظفر باصراخه ولم يصغ إلى نصائح أشياخه فإن مجاهد الدين قايماز مايزال يشير بالثبات ويحذره مخاوف الزلات ومواقف العثرات، وعرف بنور فراسته عاقبه الحال ومغبة الاستعجال. ولما نزلنا في منزلة القوم لم نسمع لهم خبرا ولم نعاين لهم أثرا، وهناك بحزرم لصاحب ماردين قصر مشيد على حسنه مزيد وقد زوقه وصوره وحاله جنة (تجري من تحتها الأنهار) ويترنم من فوقها الأطيار وتترنح منه حولها الأشجار فأبقينا بأسه الأثير الأثيل وأشفقنا بنيته الكثيف الأثيب، وعصمنا عمارته من التشعيث، وأقام فيه تاج الملوك أخو السلطان برسم التنزه بحفظه عين التنبه.
ذكر المسير إلى آمد وفتحها وكان النزول عليها يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة وفتحها يوم الأحد
قال: ولما أحمدنا المقاصد وقصدنا المحامد واغتنمنا أمد القرب من آمد وقلنا ننجز لنور الدين المواعد، وكنا لما رجعنا من الموصل كتبنا نطلب الأذن من قصد آمد بتقليد أمامي نجعله أمامنا ونتخذه أمامنا فوصل التقليد بملكها والأذن بفتحها فقوي العزم وتحقق بالصدق القصد الجزم وما زالت قلوب أهلها صادرة إلى وردنا، وألسنتهم صادحة بحمدنا فتصدينا لها لنعتقها من الرق النيساني، ونوثقها بالحق السلطاني وأعدنا إلى الشام من أكابر أمرائنا من يسد الثغور ويسدد الأمور، وتوجهنا في أيام التشريق وتأييد الله معنا في الطريق وجزنا على قلعة البارعية فتلقانا بالبر البار الرعية وما اعترضنا بلدا، ولا عارضنا أحدا ونزلنا على آمد فنصبت المنجنيقات، وكان معنا منجنيق يقال له المفتش لأن حجره يدور في الزوايا بدواير المنايا ويشوش وشرعنا في أدوات الحصر وحصر أدواته واشتعل الجمع وأشتعل الجمر، ووقع الحجر على البلد الحجر.
قال ودخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة
стр. 99
والعسكر السلطاني للنصر في حصر آمد آمل والشمل جامع والجمع شامل فصبحناهم بالسلالم وطمعنا منهم في التسلي من البلد بالتسليم، وصعد فيها الرجال وحالت في قلوب الخصوم الاوجال، وملك أصحابنا بين الورين قطعة من الفصيل وتعمدوا عقد بنائها بالتحليل، وتطرقوا فيها فإذا هي مسدودة السبيل فشرعوا في النقب وابن نيسان في البلد قد جمع الرجال وفرق الأحوال وحرض الكماة وحض الكماة وانهض الحماه وظن أننا نكل ونمل وكلما شددنا العقد ينحل فألفوا كل يوم جدنا جديدا ووجدوا من بأسنا عليهم مزيدا، وكتب في إعداد من النشاب فصولا للارغاب والإرهاب نعدهم تارة ونتوعدهم ونهديهم مرة ونهددهم ففترت عنه مساعدة الاستطالة وشرعوا معه في الاستقامة فبدا له وجد الخذلان وخيانة الأخوان أهل المدينة وحصلوا منا على الوثوق والسكينة (١٢١٢) وقد كانوا تضجروا بولاية ابن نيسان، وعدموا العدل وألفوا العدوان فتقاعدوا عن الاستطالة وشرعوا معه في الاستقالة فبدى له وجد الخزلان وخيانة الإخوان وخطاب الخطوب وحدث الحدثان. فعرف أن سلامته في السلم فأرسل في الاستعطاف والاستسعاف قبل طلب الأمان واصبحنا بعض الأيام مواضع النقب نخشى عليها من الانهدام، والعمل منتهى إلى التمام إذ خرج نسوة من المدينة ذوات جاه وقدر قد أخرجنا فأخرجنا من أعز خدر لا عهد لأقمارهن بالتبرج من البروج ولم يحوجهن إلا صرف الزمان الجافي إلى الخروج فارتدينا على الإضراب برداء الأضرار وطلعنا سحرة طلوع كواكب الأسحار معتمرات إلى حرم الكرم الفاضلة معتفيات نصرة العفو الناصري مستشفعات بشفيع كريم لا ترد شفا عته بل تراد لطاعة الله طاعته فآواهن إلى فناء خيمته وعرف السلطان أن القصد لحرم حرمته وان المعتصمات بعزة عزة وعصمته وإنهن نسوة الأمير والرئيس يسألن ما خربهن بالتنفيس فأكرمن واحترمن وشفعن فيما له شفعن وأعطينا الأمان على أنهم إن قاموا توفرت عليهم الأملاك والأموال وأن تحولوا سهل عليهم الانتقال ولم يسألن في البلد لعلمهن أنه لا يخلى وإنما سألن إلا أن تسلم المدينة إلا أن يفرغ من نفايس أعلاقهم وتخلى فأعطين الأمان على أنهم يخرجون بكل ما يقدرون عليه مدة ثلاثة أيام بلياليهن وأن نعينهم بدوابنا وأصحابنا على أخراج جميع ما لهم فيها وعدنا بما وعدنا وما سعدنا كيف ما أسعدن وأن قربن أبعدن وأن شفعن في استتبات أمورهن فقد رجعن بخراب معمور هن وهذه عادة الليالي العادية، وقضية الأقدار القاضية في إرخاء الطول وانقضاء الدول وإيقاظ النواظر بشوك أقذايها وإيقاظ النوظر بشوك أزوائها.
قال: ولما استقر تسليم المدينة بعد ثلاثة أيام تقدم السلطان برد النساء بإكرام واحترام فنفذ ابن نيسان يخبر بأن غلمانه خرجوا عن طاعته وانه لا يقدر على نقل ما له أن وكل إلى مجرد استطاعته فندب له من خواصه من يراعي بإعانته أحواله ودواب من إسطبلاته تنقل أمواله ونزل في غير منزل وضربت له خيمة بممعزل فشرع بنقل درهمه وديناره ويحول إليها من كلا الجنسين أوقاره ويعجل منها ما خف حمله وخيف عليه إذا لم يعجل نقله، ونقل المسوغات النضارية والفضية والمنسوجات الذهبية والجواهر والفرايد. والعقود والقلايد ولم يقدر في المدة المضروبة إلا على تحويل الأمتعة الكريمة المحبوبة، وكم نشبت الطوارق في طرقه بنشبه وكم ذهبت أعوانه في مذاهبه بذهبه، وكان من أصحابه جماعه ندبو لإعانته فاستغنوا بما أصابه وذكر أنه كان يحمل من داره عشرة أحمال بأثقال الأموال فربما وصلت إليه من تلك العشرة ثمانية فيسأل عن الباقي فيقال دوابها وافية وهي في الوصول متدانية، وما تزال تدخل جملة في جملة وقد عبثت بها أيدي جانية وهو لما به من روع وكره بغير طوع يحصر لدى التكلم ويقصر عن التظلم فلما انقضى الأجل خامرة الوجل واعترف بأنه عن نقل ذخايره عاجز وأن غدر الزمان بينه وبين ما غادره حاجز فتركها من غير أن فركها وفاته دركها وما أدركها ولو استزداد مهلة لاستفاد نيلة لكنه هاب وارتاع وارتاب وفي مظنة الرجاء خاب وعلى مطية التجاء نجى وغاب ولو رشد لنشد ضارته في ظل السلطان وأوى إحسابه إلى مأوى الإحسان لكنه بعد فبعد ولو أسعده لسعد.
ذكر تسليم مدينة أمد إلى نور الدين محمد بن قرار أرسلان
стр. 100
قال: ولما انقضت مدة الأمان فتحت لأولياء الله أبواب الجنان، وذكرنا أن النزول على آمد في سابع عشر ذي الحجة وكان الاشتغال بالقتال باقي السنة فما استهلت السنة إلا وقد سفرت الحسنة ونطقت للبشاير الألسنة، وقيل للسلطان هذه آمد فيها ذخائر تربى على ألف ألف دينار، وما دخلت عن الوعد بأمد في شرط ولا قرار فقد بها المهام وخص وعم بها الخواص والعوام، وابن قرار أرسلان يقنع بأمد فارغة ويعدها حجة بالغة ونعمه سابغة فقال: نور الدين صار من أشياعنا فلا نضني عليه بهذه الأشياء ولا يظن بجحود هذه النعمة وهبنا وهبنا له الأصل مع الضفة بالفرع فما يليق بما سننته مكرماتنا من الشرع. فأما ما كان في الإهراء من أجناس الغلات وأنواع الحبوب فما يحويه علم المظنون وعلم المحسوب وأما الأمتعة والأسلحة (٢١٢ب) والعدد فما يحسره العدد ومنها أن برجا من سور المدينة يحتوي على ثمانين ألف شمعة، وأما المستعملات الأمدية من البسط والفرش والخيام فلا يدخل حصرها تحت الأوهام وكان من جملة المستودعات القطن فقد أمتلئ به البلد ولا أقول الخزن وذكر أنه بيع منه سبع سنين فما فنى مع أن متولي البلد ببيعه غنى قال: وإنما ذكرت ذلك ليعلم أن الدنيا ما كان لها عند السلطان قدر وأنه لم ينطوا منه على قلبها صدر فأول يوم فتحها نصبت على سورها أعلامه ونفذت فيها أحكامه ثم سلمها إلى نور الدين بن قرار أرسلان وكتبت له بها وبأعمالها التقليد وتسلم منى لمغاليق المعاقل الاقليد واستعبد السلطان منه حرا وفاة ثمنه ووفى له ومكنه.
قال: ودخل السلطان إلى المدينة وجلس في دار الإمارة فهي على أحسن ما يمكن من العمارة، عالية الأبواب حالية البنيان رايقة الرواق شايقة الإشراق يحدث ربيع ربوعها بنيسان وتحدث ذكرى نباهتها بناء نسيانها هذه شيمة الدنيا لا يمق وامقا ولا يرمق رامقا في جنى منها جنت عليه، ومن علت يده فيها علت عليه وقد ظهرت آثار غدرها بابن نيسان حيث غادرته وقد رجا نصرها مخذولا، وتركته وقد اعتصم بها مبتذلا لليالي مبذولا، وهكذا نور الدين امتد زمانه وامتد إلى داره بعد سنين مكانه وسيأتي ذلك في موضعه ويشرح شأنه. ولما استقر السلطان في الدار استحضر نور الدين وأخذ يده واستوثق معه لحلف أكده وعقد ميثاق عقده وعاهده من طاعته على ما عهده وأقامه لملكه وفي دسته أقعده وشرط عليه طاعته وفي كل غزاة متابعته ومبادرته عند الاستدعاء ومسارعته وأنه يعمر البلد وأعماله ويعمها بإحسانه ويعيد ما تشعث منها إلى عمرانه ويسقط المكوث ويغبط النفوس ويبغى السعود ويمحى النفوس ثم استودعته وودعه بعد إن نور العيون مطلعه وأوضح وأعذب منهجه ومنهله وأتاه بجميلة تفصيلية جملة.
ذكر القوام أحمد بن سماقة وزير نور الدين محمد بن قرار أرسلان
قال: كان صدرا رحيب الصدر جليل القدر متحببا إلى القلوب بكرمه متقربا إلى الملوك بخدمته ناصحا بخدمة مخدومه مدبرا بقلمه لإقليمه، وهو الذي عطف قلب السلطان على صاحبه باستعطافه ونال مراده منه باستسعافه. ولما سأله السلطان في مبتدأ سفارته ومفتتح زيارته عن مشتهى مخدومه ومنتهى مرومه وما العمل الذي يقترحه وما الذي يستنجحه فقال: أنا أباه فخر الدين قرار أرسلان درج على جبره آمد فإن فتحتها له استعبدته للأبد وأرشدته للجد لخدمتك إلى أوضح الجدد وأخذ اليد الناصرية لإتخاز يد نصرته وحسر لثام الحرص على تحصيل ما هو في حسرته فسبق الوعد وصدق واتفق من الفتح ما اتفق وكان الوزير المنعوت بقوام الدين قوام دولته وقوام مملكته. ودخل إلى سلطانه من باب عرفان وانتظم مع إخوانه ولم يزل نحوى مترددا وإلى متوددا حتى أخجلني بمننه وأثقلني بمنحه وشغلني بفروضه وسننه وجعلني في مقاصده مقصدا واتخذ عندي بصدق صداقته يدا، ونجحت له عند السلطان وسهلت حجابه وصوبت يديه آراءه وآلايه وقرر لي على مخدومه وظائف عطايا ورواتب هدايا استمرت من إحسانه واستقرت إلى أخر زمانه وسيأتي ذكر ذلك في مكانه ذكر الرحيل عن آمد والتوجه إلى الفرات لقصد حلب والولايات
стр. 101
قال: ولما تسنى الغرض وتؤدي المفترض وحصل المقصود رميت النوبتية وقد دنت العيشة فعرفنا دليل الرحيل، ونهجنا سبيل التحويل وشرعنا في ضم نشر الأحمال وجمع شتات الأثقال وتفويض ذات العماد وحمل الأطناب وقلع الأوتاد فاستقلت الجمال نصف الليل آخذة في الأعناق كأعناق السيل، وأصبحنا على الركوب وملأنا الشعاب بالشعوب والصواهل في الأعنة تمرح والذوابل بالأسنة تلمح وبحر البر بالجيش جايش وقلب الجو من جوى النقع طايش والأرض قد تنقبت من وقع الحوافر فما تحرك الخميس حتى صار بالأسد العريس وتعينت المنازل وتبينت المراحل.
وكان عندنا رسل ملوك الأطراف قد وصلوا على اختلاف المقاصد باتفاق الاستعطاف وكل يسأل في سؤل بكتاب منه ورسوله وأحضرني السلطان تلك الليلة عنده (١٢١٣) وأفردني بخطابه وحده حتى أنجزت الكتب وجهزت الرسل فمنهم من أحلت على رسله بسؤله ومنهم من بشرته بإقباله وقبوله ومنهم قطب الدين ايلغازي بن ألبي بن تمرناش الأرتقى رتق فتقه ورعى في اعتذاره حقه وكان أمره كما ذكر في فصل من كتاب وهو لما رأى صاحب ميافارقين أن أخت صاحبته قد ابتنى بها ابن عمه خاف أن يجمع له بين الأختين فراسل يبذل الخدمة ليكون فيها لنور الدين ثاني اثنين وقرر أن ينهض عسكره في أوقات الملاقات وينتقل عن حكم النفاق إلى حكم الثقات.
فصل من كتاب آخر كان الملك نور الدين بن قرار أرسلان في الخدمة منذ عبرنا الفرات بنفسه وعسكره ملازما لنا لحرصه على المناصحة وتوفره فأنجزنا له في آمد موعده لدينا وحملته إنشاء بالأعمال والبناء ورأى صاحب ماردين أن ابن عمه قد فاز بالسبق وقد حاز الفضيلة فدعانا بالإدعان وابتغى إلينا الوسيلة وقد كنا فتحنا من بلاده طرفا وحركنا من قلبه شغفا فحين عاد إلى الحمد شملته عاطفتنا بالاصطناع والاختصاص وملكناه ما ملكناه عليه وأعدنا كل ما أخذناه من ولايته إليه واستمسك بنا من حبل العصمة واستقر أيضا أن يكون عسكره معنا في الخدمة.
ذكر القفول وعبور الفرات وفتح تل خالد
قال: ووصلنا إلى الفرات في مراحل وعبرنا ببحر الجيش اللجي وغزونا النهار بليل العجاج الدجوجي وأسدلنا على الخضراء ستر الغبراء وسلونا عن السوداء بحب الشهباء ونزلنا على تل خالد يوم الثلاثاء ثاني عشر محرم وكان قد تقدمنا تاج الملوك أخو السلطان إليها وأناخ عليها. ولما أطلت عليه راياتنا ألقى من فيها بيده وأنجز النصر صادق وعده.
فصل من الإنشاء الفاضلي في المعنى
فإن راياتنا المنصوبة المنصورة قد صارت مغناطيس البلاد تجذبها بطبعها، وسيوفنا مفاتيح الأمصار نفتحها بنصر الله لأخذها ولا يقطعها ولما قطعنا الفرات٣بعثنا سرعات المعسكر المنصور إلى تل خالد فنزلوا بعقوبتها ورفع المنجنيق يده إلى ذروتها فلما نزلنا بها نزل من فيها على حكمنا وأجزيناه مناالأحسان على رسمنا واستجار من حربنا بذمة سلمنا وطوينا الى أخرى بمشيئة الله بها العيون أسرع من لمحها.
قال: ثم نزلنا على عين تاب حائزين فنزل لأصاحبها إلينا وهو ناصح الدين محمد بن خمارتكين وتبرع بطاعته وشرع في بذل استطاعته فمكناه في مكانه وأحسنا إليه لإحسانه فهنأنا له النحلة وعجلنا عنه الرحلة ووصلنا إلى حلب وعماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ثاقب سمائها وراكب شهابها وآمرها وناهيها وزاهرها وزاهيها وهو مع ذلك على ما في يده متخوف وإلى سنجار بلده متشوف ومن استئناف الحرب مع امكان السلم آنف لكنه بأمر الأمراء النورية مستنير ولرأيهم مستشير وهم أوقدوا للحرب نارا وخرجوا لأسلافهم وأخلافهم على الإسلام الحقوق والسلطان لا يؤثر جراحهم وخرجوا مدججين ودفعوا عن مقاربة السور وهم على كل حال أجناد الجهاد وأجلاد الجلاد ومنهم النورية الأذكاء القارية الرماء ومنهم الياروقية الروق وقد سلفت اجتياحهم، وقد راقه بأسهم وبسالتهم وترجحت في نظرة استمالتهم وكان هو مع عقلاء العسكر يتقي واليزكية مع الجهلاء المعشر تلتقي. وكان تاج الملوك فارس ومعفر الأقران بحكم شبابه الطري وشباه الطرير ولما سبق حكم الله في التقدير يسرع إلى الحملات ويشرع الأسلات ومازال به الأقدام حتى توقظ وسنذكر شرح ذلك مع النزول بظاهر حلب في منزلتين: المنزلة الأولى:
стр. 102
قال: نزلنا بالميدان الأخضر في الزمان الأنضر والربيع في ريعانه والزهر في زهوه والروض في ضوعه وضوئه فضربت سرادقات السلطان في صدر الميدان وضربت خيمتي عن يمينها على العادة في البستان، ولقد أسفت على تلك المستنزهات كيف تشعثت وأيدي التعدي بها قد تشبثت. ثم للعساكر على كثرتها من بعيد بالبلد أحاطت واشتطت في حب الكريهة واستشاطت، وفي كل غدوة وعشية وكرب إلى كروب وهبوب إلى وثوب وتاج الملوك موقد نارها وخايض تيارها والسلطان لاشفاقه على الرجال الإسلام وأبطال الشام (٢١٣ب) يأمرهم بالكف وينهاهم عن الزحف والشباب يشبون الضرام ويحبون الأقدام فأصابت تاج الدين طعنة لم يكترث بها وفكت ركبته وقلت ركبته وقضت بفلول شبا شبابه ودبول جني جنانه ومؤول رتبته إلى ترابه.
المنزلة الثانية: ثم رأى السلطان أن مقامه في الميدان الأخضر لا يقضي بتضييق حصر ولا يفضي إلى تحقيق نصر فصبحنا بعد أيام على عوم الرحيل وازماع التحويل وعبرنا بمن معنا من العساكر على بيوت الحاضر ولما وصلنا إلى جبل جو شن ضربنا عليه الخيام وأطلنا به المقام وأحضر السلطان بنائين وصناعا وأمر بحفر أساس لقصر يبنيه ونصر يحييه وقال: نحن نتصرف في البلاد والأعمال ونقطعها للرجال ونترك حلب على ما بها من الحال وأمر بترك القتال والإعفاء عن النزال وسكنا ماكثين وركنا لابثين ولرسل الترهيب باعثين وفي عقد الترغيب نافثين ونذكر أننا من عباد الله الصالحين الذين جعلهم الله للأرض وارثين ولقد صفت حلب بحلبها وضنت ببيضها ويلبها وسمع شفاه شفاهها وقطع فحسن أفواهها والسلطان يحمل ويحلم ويتغابى وهو يعلم ويعاود الاستمالة ويواعد بالإقالة وكان عماد الدين صاحب حلب للسوء عايفا وبعواقب الأمر عارفا راغبا في التحدي بالإتحاد والاعتداد بالاعتضاد أماطة للبلاء عن البلاد فأفكر ووجد عليه في كل شهر ما ينفقه ثلاثين ألف دينار على الأجناد وكان يعتمد على رأي الأمير حسام الدين طمان وهو قديما يوالي السلطان ويؤثر المرافقة والموافقة ويحب في مضمار الولاء المسابقة فأشار على عماد الدين بما كشفه من ضميره ووعده إذا سفر فيه بإذكاء الغرس وتثميره وتسهيل الصعب وتيسيره فخرج ليلا من باب السر سرا وبر بالحضور وأحضر برا وقد قر بقربه السلطان وخلا لخلابه وشفي عتابه بأعتابه وسامه أصحاب الأسد الحادر من غابه وأعطاه يمينه مع سطر يمينه في كتابه فعاد الأمير طمان مطمئن الجنان مرجحن الميزان وأفضي إلى مخدومه بسر مكتوبه فأصبحنا بكرة ببكر الفتح وقد جليت وراية النصر قد أعليت وعروس القلعة قد حليت والأبواب قد فتحت والاراب قد نجحت وعرف الأمراء فمنهم من خجل ومنهم من وجل فأرسل إليهم السلطان واستزال روعهم وخوفهم واستزاد طوعهم وشوقهم ومدح لجاجهم وحمد ارتياحهم وشفع انكسارهم بجبرهم وقرضهم على صبرهم وحدثهم بما طيب النفوس بعد الحادث الذي شيب الرعوس وأزال ببشره العبوس وأوجد النعمى وأعدم البوس
ذكر نكتة قال ومدح القاضي محي الدين بن الزنكي السلطان بأبيات منها
وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
فوافق فتح القدس كما ذكره فكأنه من الغيب ابتكره ففي صفر سنة تسع وسبعين كان فتح حلب وكان فتح القدس سنة ثلاث وثمانين في رجب.
قال: ويشبه هذا أنني في سنة اثنتين وسبعين طلبت من السلطان جارية من سبى الأسطول المنصور بأبيات هي:
يومل المملوك مملوكة ... تبدل الوحشة بالإنس
تخرجه من ليل وتواسيه ... بطلعة تشرق كالشمس
فوجدة الغربة قد حركت ... سواكن البلبال والمس
فلا تدع يهدم شيطانه ما ... ما أحكم التقوى من الأس
فوقع اليوم بمطلوبه مما ... سبى الأسطول بالأمس
وإنني آمل بعدها بكرايم ... السبى من القدس
стр. 103
قال: فجاء الأمر على وفق الأمل كما قلت ووهب لي تلك السنة ما سألت وأعطاني عام فتح القدس ما أملت. عاد الحديث قال: وخرج عماد الدين إلى خيامه التي ضربها وسارع في استنجاز الموعد في البلاد التي طلبها ولفم يزل وزيره شمس الدين بن الكافي مترددا في الطلب وأمر السلطان بإنشاء عهده وإيجاب عقد يتأكد به الميثاق ويتمهد به الوفاق فلازمني (١٢١٤) أياما حتى حررت نسخة حكمها المحكم لا ينسخ وعقدها المبرم لا يفسخ وأنعم عليه ببلدة سنجار وزيد الخابور ونصيبين والرقة وسروج.
قال: ولما فتحنا حلب ودانت لنا معاقلها بقي حارم مع أحد المماليك الصغار النورية وقد طمع أن يحميها ثم أن أجناد حارم اتهموه بمراسلة الفرنجة ومداخلتهم فأخرجوه وأكرهوه على النزول ونزل به المكروه وأعلنوا بشعارنا فسرنا إليها وتسلمناها ودبرنا أمرها وأحكمناها ووفرنا من الإحسان قسط أولئك المسلمين وتلونا في حقهم " إن الله لا يضيع اجر المحسنين " فراسل صاحب أنطا كية ضارعا وللعجز عارضا وإلى الانقياد إلينا مسارعا وسير إلينا من أسارى المسلمين جماعة وافية وأظهر إسكانه فيه لأسباب الإيقاع نافية.
ذكر عبرة
قال: وعين السلطان يوما للضيافة العمادية وكان ذلك في المخيم قبل انتقاله إ'لى البلد فكملت له أسباب وشروط ونظمت للسماط سموط وترنم الشادي وترنح النادي وكأنما اجتمع القمران بجلوس عماد الدين بجنب السلطان وبنياهم في أحظى حضور وأحبى حبور وأتم نشاط وأتم اغتباط اذ جاء بعض الحجاب وأسر إليه بنفي أخيه تاج الملوك فما تنكب عن منهج ثباته المسلوك ولم تتغير طلاقة وجهه وأمر سرا بتجيزه ودفنه، وأعطى تلك الضيافة حقها وبسط بسنا انبساطه أفقها ثم انتقل السلطان إلى حلب وأقام بالقلعة ووظف المكارم وكشف المظالم وأسقط المكوس وكتب إلى أصحاب الأطراف والأوساط باجتماع عساكر جميع الجهات عنده للرباط ويتم له ملك الشام وسر سره بالتمام، وحالفه عماد الدين في الموافقة في ساير المرام. وأمرني بكتب المناشير لأكابره وأمثاله بعد ما خص أرباب الفضايل بفضائله واعتصمت العواصم بعصمته ووقفت القلوب في القبول بين مهابته ومحبته وأحس رعاية محسني الرعية وأعاد القضاء والخطبة إلى أهل مذهب الشافعية.
ذكر القلاع وما ترتب من وجوه الاصطناع
قال: وأبقى عين تاب على صاحبها وخصه بأبادي يده ومواهبها وأم تل خالد فإنه أنعم بها على بدر الدين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق مضافة إلى تل باشر فهدم قلعتها وتصرف في أعمالها واستبد بارتفاعها وعلاها. وأما قلعة عزاز فإن عماد الدين الزنكي كان قد هدمها لتوفر قوته على حفظ حلب فأقطعها وأعمالها علم الدين سليمان بن جندر فأعاد عمارتها كما كانت وظهرت آثار كفايته وبانت، وسلم حارم إلى أحد الخواص من أهل الولاء والإخلاص وولى القضاء في حلب محي الدين أبا المعالي محمد بن زكي الدين على القرشي فاستناب فيها القاضي زين الدين نبأ بن الفضل ابن سليمان المعروف بابن البانياسي وأقام في قلعة حلب سيف الدين يازكوج واليا وولى الديوان العميد ناصح الدين اسمعيل بن العميد، وجعل حلب باسم ولده الملك الظاهر غازي وكان قد اصطحبه من مصر عند وصوله إلى الشام وعادت الأمور بسيرته السارة إلى نظام وما برح السلطان من حلب حتى استقامت أحوالها على جدد الصلاح واستتامت آمالها إلى مدد النجاح وضرب باسمه درهمها ودينارها وأنارت معالمها وعلا منارها وصدحت بالأدعية منابرها وصدق لإرعاء الرعية منابرها قلت: وأورد ههنا مناشير من إنشائه لأماثل منها منشورا للشيخ الإمام علاء الدين الكاساني مدرس المدارس الحنفية بحلب ومنشور للمحتسب بها ولم يسمه وآخر باسم طبيب ثم قال:
ذكر بشاير بوقعات نصر فيها الإسلام
وصلت ونحن في حلب منها وقعة برية بالفرنج على ما يعرف بالعسيلة ووقعة بحرية في ظفر الأسطول وذلك في محرم سنة تسع وسبعين وشرح ذلك في كتاب من الإنشاء الفاضلي إلى الديوان العزيز يتضمن الوقعتين:
стр. 104
أدام الله أيام الديوان ولا زالت منازل ملكه منازل التقديس والتطهير وموالاته ووسيلة التمحيص والتكثير، ومواقف الأولياء ببابه مواطن السجود والتعفير والولاية من قبله علامة التمليك والتأمير، والوقوف بأقصى المطارح من مرائه موجب التقديم والتصدير وآيات نعمة الله في وجوده واضحة تغنى فيها الألباب عن التبيين والتفسير، والأمة مجموعة بأمامته جمع السلامة لا جمع التكسير الخادم ينهي الذي يحمله على ما يحمله إلى الديوان العزيز من كتبه ويبديه من رسله ويجيب به دواعي طبعه في الولاء المسترسل على لا سجيته أو يحركه المنبعث فيه على رسله أمران أحدهما أن الذي يفتتحه من البلاد ويتسلمه أما بسكون التغمد (٢١٤ب) أو بحركة ما في الأغماد إنما يعده طريقا إلى الاسنتنفار إلى بلاد الكفار وإنما يحسبه جناحا يمكنه به المطار إلى ما لامسه الكفر من الأقطار.
والثاني أعلام أمير المؤمنين أن تقليداته وتقليدات آبائه الطاهرين إذا صدرت عنه وعنهم قريت وما عصيت، ونفذت وما نبذت فيعلم أن له عبدا يمتثل أمره ويلزم الناس امتثاله وخادما يطيع الحكم الجليل ويحكم على غيره بطاعته وإجلاله. وعلى هذه التقدمة فهو يستفتح هذه الخدمة بذكر ظفرين للإسلام برى وبحرى أحدهما وهو البحرى عود أحد الأسطولين اللذين أغزاهما أخوه أبو بكر بمصر وكانت مدة غيبته من وقت خروجه إلى وقت عوده إلى دمياط تسعة أيام لأنه غادرها في خامس عشر المحرم وقفته رابع عشرينه فظفر ببطشه مقلعة من الشام فيها ثلثمائة وخمسة وسبعون منهم خياله ذووا شوكة وازعة وتجار ذووا ثروة واسعة فأخذ الله بأيدي الأولياء برقابهم ومكن الحطم والقصم من صلبهم وأصلابهم ومسخ عزة أقدامهم بذلة أحجامهم وسيوفهم اللاتى في أيديهم سلاسل ومليت آمال المجاهدين أموالا وأثقالا وانقلبوا بالقلوب خفافا وبالأيدي ثقالا وبرد مغنمهم بعد ما تقدمه من حر الحرب وعادوا عن البحر الملح شاكرين لما أوردهم من المشرب العذب.
والظفر الثاني وهو البري ما طولع به من مصر من نهوض فرنج الداروم إلى أطراف بعيدة وهذه العصبة ملعونة لا ترع الأعنة ولا تنزع الأسنة تسري فتسبق الصباح وتدلج فتستصيح الرماح فنزل بهم وإلى الشرقية فركب الليل فرسا أركبوه حملا وسروا ثقيلا وسرى رملا فتوافى الفريقان إلى ماء يعرف بالعسيلة سبق الفرنجة إلى موردته والسابق إلى الماء محاصر المسبوق ووردوا الازرقة فتعصب لأرزقتهم فظن المؤمن أن الكافر مرزوق واشتد بالمسلمين العطش وفل أيديهم الدهش فأنشأ الله في ناجز الهواجز سحابة ماء صيفي شفاهم بها "من فوقهم ومن تحت أرجلهم" وأمسك به أيديهم فاستمسكت على أنصلهم فثابوا إلى الفرنج بقوة أنجاد السماء بالماء وثاروا إلى الملاعين الأعداء بالعزم الجري ذاكرين معجزة اليوم البوري يوم من الله على أهله بالتطهير والري فلم ينجي من الفرنج إلا رجلان أحدهما الدليل والآخر الذليل وانجلت الجلا بعد أن صاروا معصفين، وتساقوا كؤوس الموت تحت ليل العجاج مغتبقين فاقطعت شوكة شديدة وفلت شكا طفر جديدة وعاد المسلمون برؤوس عدوهم في رؤوس القنا وقد اجتنوا ثمراتها وبأرواحهم في صدور الظبي وقد أطفأوا بمائها جمراتها.
قال: ولما تم الفراغ من شغل حلب وأعمالها وتسديد اختلالها فاستصحبنا عساكر حلب والجزيرة واجتمعنا في جموع كثيفة كبيرة وتلون السلطان بتل السلطان مخيمين على غزو الغزاة مصممين فنما وصلنا إلى حباب التركمان حتى وصلت قبائل التركمان فتفرقت العساكر في الطرق وأجدت في الجيب والعنق حتى ناطحتنا قرون حماه، وصافحاتنا سعود قرانه، وقرت بنا عيون أعيانها فأول من تلقانا ببره القاضي أبو القاسم حاتم الأكارم وقاسم المكارم وكان هذا القاضي أمين الدين بن حبيش لم يزل ذا سجية وعيشة رخية فإذا وصل إلى حماه سلطان أو أمير أو معروف أو كبير دعاه إلى ربعه وأجراه على كريم طبعه فإن لم يزره زارته تحاياه وقرته في مخيمة تحفه وهداياه وله من القلوب أتم القبول ولكل نازل به أهنئ نزل وأكرم نزول. ولهذه الشوافع لم ترد له عند السلاطين والأكابر شفاعة ولم يعر شيئا من حقوقه المصونة إضاعة. ولم يكن هذا القاضي متوليا لعمل ولا قضاء ولا حكم له في إنفاذ ولا إمضاء وكان قانعا بحدى ملكه ويستثمره بفضل جاهه ويفوق المعروفين بتيقظة وانتباهه.
стр. 105
قال: وكان الملك المظفر تقي الدين بي أخي السلطان صاحب حماه ومالكها، وقد تولى بالأمن والعدل مسالكها وممالكها فوشع ذراه ووسع قراه وحبر يديه رحب نداه وحصن الحصن الذي في حماه وحماه، وقصر نظرنا على قصره الناظر الذي اعتنى به وابتناه وما أبهج وأبهى بهوه وبهاه وأعظم إيوانه وأكرم أيواه فتفرقنا بعد الاجتماع وجذبنا زمام الإزماع واستنى العسكر سنن الرستن فعبرنا العاصي في طاعة الله لقصد الغزاة وجرد تحت المرد والكمد تحت الكماه، ومالت بنا أعناق الأعناق، وقصدنا إلى حمص أشواط الأشواق، وخيمن على عاصيها وضاقت بجمو عنا أدانيها وأقاصيها وجئنا إلى الزراعة ثم اللبوة ووصلنا إلى بعلبك حتى قربنا من دمشق ودخلنا إليها وهي ببشرنا مستبشرة وعن صباح سفورنا مسفرة ولم يطل بها المقام وعجلنا الرحلة عنها، واغتنمنا حضور العساكر المتضاعفة العدد المتظاهرة العدد فخرجنا نحو العدو متوجهين (٢١٥ أ) وفي رياض مراسه الله متنزهين فأول ما وقع البأس ببيسان وجاء الفرنج فرابطهم السلطان على عين الجالوت وواقع بأعداء الله أولياء الطاغوت وقد صفت غزوة بيسان.
وفي كتاب أنشأته عن السلطان وهو: وأقرب غزواتنا عهداً بالفرنج غزوة بيسان في كتاب أنشأته كان من حديثها المبهج أنا سرنا بعساكرنا الموفورة وقطعنا الأردن وعبرنا مخاضة الحسينية بخلوص الضمير في سبيل الله وحسن النية وذلك يوم الخميس تاسع جمادى الأخر فلما وصلنا إلى بيسان وجدنا بأسنا قد أخلاها أهلها فعاجلها الأصحاب بما أحل لأهلها الكفار من النيران وعقدوا تحت سماء العجاج منها سماء الدخان فما برحنا حتى عفونا أثارها ونهب العسكر فيها من زاد وقوت ما زاد به قوة وكانت هذه المقدمة نصرة مرجوة ألحقنا بها مدنا معمورة وقلاعاً حصينة وأضرمناها نارا ولم نذر بها من الكافرين دياراً ووقعت مقدمة العساكر المنصورة في أول يوم على خيل ورجل للفرنج عابرين من نابلس فأوقعت بهم وسدت عليهم طريق مهربهم وقتلت راجلهم وأسرت جماعة من الفرسان قيدوا في الأقياد وتوغل الباقون في الجبال بحزازات القلوب وحرارات الأكباد، وكان مقدمهم ابن هنفرى ففر ووصل الخبر بأن الفرنج وأتوا بجمعهم المحشود وحشدهم المجموع وكانوا في ألف وخمسمائة رمح ومثله تركبلى وخمسة عشر ألف راجل وزحفوا كأنهم أسود الشرى في آجامها وهضاب شروري بأعلامها فبعثنا إليهم الجاليشية فجالت أمامها وجاشت قدامها وعينا الأطلاب للموت طلاباً وللنصر بلسان الفصل خطابا وكثر الله المؤمنين في أعين الكافرين فعادوا بعد الأنس نافرين ولما رأوا بأسنا أخلدوا الى الأرض مهطعيين وخندقوا حولهم وأسندوا الى الجبل بالذل لابدين واركزوا قنطارياتهم في مركز دايرة الخذلان وطلبوا ربح سلامتهم من الخسران وأقاموا كذلك خمسة أيام أخرها الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة ونحن في كل يوم نتوقع منهم الحملة التي هي عادتهم والمبادرة في اللقاء التي هي في الصدمة الأولى سورتهم فنكبوا عن اللقاء وما هاجروا الى الهيجاء وعساكرنا المنصورة حولهم حايمة في بحار السوابع في بلاد الساحل دونهم عايمة ويعادونهم مساء وصباحا والفرنج قد يبست أيديهم على الأعنة وغلت في صدورهم وحراب الرعب على صدور الألسنة والمغيرون في بلادهم يشنون الغوار ويكثرون القتل والأسار فلما رأيناهم لا يبرحون رحلنا عنهم يوم الخميس لخناقهم منفسين فما صدقوا حتى جفلوا أجفال النعام وتوغلوا في الجبال وهم أضل من الأنعام، وتصاعدوا في العقاب ونكصوا على الأعقاب، ونحن قد بلغنا النكاية فيهم غايتها والغنايم، والأساري قد ملأت الأيدي وثقلت الظهور، وعجل الله للأسلام وعسكره النصر والظهور، وعدنا سالمي سالبين غانمين غالبين "والحمد لله رب العالمين" وقد شرعنا الآن في غزوة ثانية لعزب الكفر ثانية والمسير بالعسكر الذي عدنا به إلى الكرك والالتقاء بالعسكر الواصل من مصر عليها فإن الفرنج قد بان لنا هوانها وهذا وقت منيتها وأوانها فما نزال بتأييد الله نوالي الغزوات حتى يأذن الله في فتح الأرض المقدسة والسلام.
ذكر العودة إلى الكرك واستدعاء الملك العادل من مصر لتولى حلب واستنابة الملك المظفر تقي (الدين في مصر وشرح أسباب في ذلك) .
стр. 106
قال: وكان الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو السلطان على عادته في تولي الديار المصرية مستمرا ولأمورها بفضل سياسته وحسن رعايته ممرا، وهو مستقل بالأمر والنهي يولي ويعزل ويعلي وينزل وهو سلطان الديار المصرية على الحقيقة ومرتب أمورها الجليلة والدقيقة. والسلطان بالشام في مهام الإسلام وهو بأخيه كثير وبحسن أثيره أثير وهو يمده بالرجال والمال ويجري الأرزاق والآجال فلما ملك حلب كتب الملك العادل لها طالبا وفيها وفيما يجري معها من البلاد والمعاقل راغبا فكتب إليه لسؤاله مصيبا ولسؤاله مجيبا وواعده إلى الإجماع به على الكرك ليفوز من بغيته بالدرك واستصحب معه الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه ليوليه في مصر ويستنيبه وكل ذلك بمشورة الأجل الفاضل وعنايته بالساير والواصل فإن السلطان ما يزال يأخذ بإشارته ويعطي ويصيب ببركات آرائه ولا يخطئ ولما آب السلطان من الغزوة جعل مآب الجهاد إلى جهة مآب من اقليم الشراوة ونزلنا بادرادر واستأمن إليها أهلها المسلمون فأذقناهم بحلية الدين حلاوة الأمان وساكنوا تلك الأعمال مسلمون من قديم الزمان وتربى أولادهم في حكم الفرنج فألفوا ما ألفوه وخافوا منهم على ظهور حبهم لنا فأخفوه ثم خيمنا على الرية ثم حصرنا الكرك وحصرناها وكانت المناجيق (٢١٥ب) تراوحها وتغاديها وتعاودها وتباديها وتحول السلطان إلى الربض ملازما للغرض وأقام بدار الرئيس ليقرب من المناجيق المنصوبة ويشاهد مواقع النكاية في القلعة المحصورة وكانت سبعة قد فتحت لأهل جهنم سبعة أبواب وفغرت أفواهها وكشرت عن انيابها وفصلت أوصال السور بسوء خطبها وخطابها وقد رتب السلطان نوب الرملة على رجال الأمراء في الصباح والمساء ولم يزل يرجم الحصن ويهدم والسلطان في هذه الأثناء منشغل من جانب بتعمير البلاد وترتيب الممالك ومن جانب بتدمير الكفر والتدبير له في المهالك. ثم انقضى شهر رجب وعلم باجتماع الفرنج في الموضع المعروف بالوالة فقالوا هذا حصر يطول ومسألة تعول وقد أضعفنا الحصن ومكنا منه الوهن، وهذه نصرة قد أحكمنا أسبابها ولا خوف من فواتها وما نزال نعاود بالإضعاف حتى نفوذ بالفتوح ونحوز ذخر الظفر الممنوح وهذا جمع الفرنج ملتئم وحمرهم مضطرم وقد اجتمعوا فنحن نقصدهم ونلقاهم ونقدم عليهم ولا نتوقاهم وسيأتي ذكر عودنا في موضعه.
ولما وصل الملك العادل أظهر عن حب مصر سلوه وطلب من حلب وأقطاعها مرجوه فعول السلطان على تقي الدين في تولي الديار وزاد منه اقطاعه بالشام اقطاعا في مصر وأنعم عليه بالأعمال اليومية وساير نواحيها بجميع جهاتها وجواليها وزاده القبيبات وبوش وأبقى عليه بالبلاد الشامية مدينة حماه وقلعتها وجميع اعمالها وجمله بصحبه سيدنا الفاضل حتى إذا وصل تقي الدين إلى مصر اقتدى بالتدبير الفاضلي واهتدى بسنا رأيه الجليل الجلي.
وكان السلطان لا يؤثر مفارقته ولا يحضره أنس إذا فارق حضرته ولما لم يجد من توجه تقي الدجين إلى مصر بدا وكأنه سيكون بالأعمال مستبداوكانت في تقي الدين إلى مصر جدة لم تكن في الملك العادل احتاج إلى تقويمه إلى تدبير الأجل الفاضل فأذن له في السفر بشرط الاسراع في العودة والمبادرة إلى الاجابة عند تحقق الدعوة فسار بمن في صحبتهما وعاد السلطان بالملك العادل وكتبت لهما منشورتين في شعبان سنة تسع وسبعين،
стр. 107
قال: وكتبت إلى سيدنا الأجل الفاضل عند الرجوع من وداعه وكان رحيله من الكرك في منتصف شعبان: رجع المملوك من الوداع وداعي الأسى يحفزه وعاد الأسف يزعجه ويعجزه فعدم الشمس التي تفيض عليه والظل الذي يفيء إليه. لا مجيب لاستدعائه ولا مجير لاستعدائه ولا قابل له ولا قايل به ولا منفق لنقده ولا موثق لعقده ولا مروج لرجائه وظل كضالة لا ينشد وكالضال لا يرشد وكالفقيد لا يفتقد وكالزيف لا ينتقد وكيف حال من حالت كيفيته أياسه بأسوة أم نيته أمنيته ياليت المولى قبله صاحبا لركابه وراكبا في صحبه متلاشيا في أشعة آلائه متعاشيا في سابغ لألايه وضيعا مع الشرفاء ثقيلا مع الظرفاء سقيما مع الأصحاء هجينا مع الصرحاء والعقد الثمين ربما أنتظمت فيه لصرف العين الخرزة وسدت بالخرزة ثلمتها المعوزة على أنه إذا أقامه في كنف الرعاية مرعى الكنف غبطة السايرون وتحاماه الضايرون ولم يثر إليه الثايرون ولا غنى بالملوك في كل وقت لاستزادة محقه واستزالة مقته عن تجديد جاهه وتوجيه جده واسعاد رجائه وإجراء سعده فالفارس يستثمر بالتربية غرسه ولا يضيع المملوك الذي ملك رقه بإحسان عشر سنين " إن الله لا يضيع أحر المحسنين ".
ذكر الرحيل إلى الشام
ولما رأينا أمر الكرك يطول، ودافعنا عن حقه القدر المطول جهز السلطان العسكر المصري في الخدمة التقوية التي بالصحبة الفاضلية يقويها ومن آرائها في كل ما ينادي له تلبيتها وتربيتها وانصرف بعسكر الشام عايدا إلى دمشق عود الحيا الهاطل إلى الثرى الماحل، وألقينا بها العصا واجرينا ذكر من أطاع وعصى، وعدنا من فرض الجهاد إلى فرض الصيام إ ووقع الشروع في إراحة العساكر عند استقبال العام واستيناف الجمع لنصرة الإسلام وتولى الملك العادل سيف الدين أخو السلطان حلب وقلعتها وجميع أعمالها وجميع قلاعها، ومدينة منبج ومعاقلها وصار إليها وتسلط بها سلطانه وتمكن منها مكانه، وتحكمت ولايته وتولتها أحكامه، ونفذنا أوامره في أمورها نقضه وإبرامه ودرت على مراده أخلاقها بوضوح مذهبه في الزفاق خلافها وانصرف نواب السلطان إلى دمشق في خدمة الملك الظاهر ظاهرين بصفو الموارد والمصادر.
(٢١٦ أ) ذكر وصول شيخ الشيوخ وشهاب الدين بشير في الرسالة الشريفة الأمامية ووصول محي الدين الشهرزوري معهما رسولا من الموصل
قال: ولما استقر بنا في دمشق المقام وتم الصيام جاء من رافد نعم الله التمام ووصلت رسل امير المؤمنين ﵇ فوفيناهم في الاستقبال كل حق وذكرنا من الإسراع إلى الاستسعاد بهم كل سبق.
ولقي السلطان الرسل فنزل ونزلوا وأقبل عليهم وأقبلوا ثم قدم لهم المراكب التي أعدت لهم فركبوا وسايرهم السلطان واصطحبوا ونزل شيخ الشيوخ بالرباط على المنبع ونزل القاضي محي الدين بن كمال الدين الشهرزوري في جوسق بستان الخلخال ونزل شهاب الدين بشير جوسق صاحب بصرى على الميدان.
قال: وكان بيني وبين شيخ الشيوخ قرابة قريبة فإنه اتصل إلى ابنة عمي عز الدين أبي نصر أحمد بن حامد وقد كانت عقيلة بيت السؤدد، وكان مز راء الزمان وعظماء دولة السلطان يخطبونها رغية في طيب النجار ونزاهة العنصر واتفق حضور هما بالكعبة المعظمة في سنة خمس وأربعين وتكررت منه الخطبة وصحت الرغبة فأجيب لدينه وأصله وتقواه وفضله وبارك الله منها في ذريته ونسله، وكان له منها أولاد نجباء أستأثر الله بهم في ريعان شبابهم وبقي الذي اصطحبه في هذه الرسالة وكان منعوتا مكنى مسمى بما كان لجده العزيز أبي نصر أحمد فمرض في الطريق واصطحبه معه في محفه فوصل ونفسه رهينة بنفس وقد جاء الأجل وذهب الأمل وانقضى العمر وقضى الأمر.
وجلس ثاني يوم وصوله للعزاء وحضر السلطان وجماعة الأمراء وصلى عليه ودفن بالمقبرة بمحاذية الرباط وبردت حرارة الرسالة وشغلت حادثته عن محادثته حتى انقضت ثلاثة أيام موسم التعزية ولم يقدر على التسليم والتسلية.
ذكر السبب المقتضى لهذه الرسالة في هذه السنة
стр. 108
قال: لما عرف صاحب الموصل ما تسنى لنا من فتح آمد وحلب وتيسر كل ماأراده السلطان وطلب خطر بباله خطر البلوى وعود العدوى فمال إلى الإستعطاء والإستعطاف وشرع في استعساء رسله للإستعساف واستدعى من الديوان العزيز إرسال شيخ الشيوخ للإستشفاع لعلمهم أنا لا نرى إلا الإئتمار بالطاعة للأمر المطاع وندب قاضي القضاة محى الدين أبا حامد محمد ابن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزورى للرسالة من جانبه وأناط بسعيه نجح مطالبه فجاء في جاه أنيق ولسان دليق وترفع وتعزف وتقنع وتقشف وترق في ذروة الخطاب بحلو اّية على سريرة نبرة الخطابة ولو تخلق بخلق مرسله في الدفع بالتواضع لكفي الغرض وشفي المرض فإنه لما وصل لزمه ناموسه وأطال في محل بستانه جلوسه واظهر كأنه الأمين نزل بالوحي من السماء وجاز بالعطارد في بيته بالجوزاء ولم يأخذ في طريق الاستحذاء وظن أن ذلك لمخدومه نصيحة وخدمة وبغية صحيحة على أنه السلطان قابل شدته باللين وأعطى يمينه على أخذ اليمين فاشتط واشترط وكلما قاربناه شحط وكلما أرضيناه سخط وكلما توخينا جامعا للمصالح أبى ألا مراده المارد ولم يوافق مصادره الموارد ولو أنه تلطف واستعطف حصل المخطوب ووصل المطلوب وتأكدت العقود وتمهدت العهود لكنه الزم ما لا يلزم وجزم ما لا يجزم وعين شرطا له مانع وفيه منازع.
ذكر كشف الحال
стр. 109
قال: كانت قد وصلت رسل صاحب الجزيرة وكان صاحب أربل وصاحب تكريت والحديثة يشكون من صاحب الموصل وتكليفاته وأثقاله الكثيرة الكبيرة فأما صاحب الجزيرة فهو معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي وهو خايف من صاحب الموصل عمه وأنه يلزمه أن يدخل تحت حكمه ويخشى أن يكشف ضياء حاله ظلمة ظلمه وأما صاحب اربل فهو زين الدين يوسف (بن بكتكين) بن علي بن كوجك وهو أيضا شفق من أمره محترق بجمره وكذلك صاحبا الحديثة وتكريت يرهبان وفي الاعتزاز بنا يرغبان وكل أخذ من السلطان عهدا على أنه يحميه ويقيه ويسعده ولا يشقيه، وانصرف رسلهم على هذا القرار. ثم كان وصول شيخ الشيوخ صدر الدين ومحى الدين الشهر زورى ووقع الشروخ في حديثهم وحادثهم وإجازة دواعيهم وإجابة بواعثهم. وكان القاضي محي الدين الشهر زورى سالفا في المدرسة النظامية ببغداد رفيقي وآنفا في الأيام النورية صديقي فصدفوه في هذه المرة عن مشاورتي وصرفوه (٢١٦ ب) عن محاورتي ولو استشارني لعرفته النهج وسلكت به طريقنا للمصالح جامعة وللعواقين رافعة فصرت عن سره بمعزل حتى استقرت قاعدته ولم يبقى إلا عقدة للتأليف تقرر ونسخة التحليف تحرر فاستدعاني السلطان ذات يوم غدوة وقال: اكتب لنا شرطا ليكون لنا في الوفاق قدوة فقلت له: كيف تستثنى أولئك الذين وثقوا بعهدك، وسكنوا إلى وعدك وهؤلاء لايرضون بالاستثناء وكيف تنسب إلى ترك الوفاء فقال: اكتب ما ينزهني عن الخلف وينبهني على صدق الحلف فقلت تحلف لصاحب الموصل على موصله ونجح مؤمله وتعجل أمر أصحاب تلك البلاد إلى اختيارهم عمن اختارنا تم منا له مناله ومن اختاره فله عنده سؤله وسؤاله، وهو يشرع في استدعائهم واسترضائهم على وفق آرائهم فأن صح لنا في عودهم إليه أمرهم بسط عذرنا وقبض عذرهم. فقال: امض الآن إلى شيخ الشيوخ وعرفه بالقضية وأرضه بهذه الحالة الرضية وألم أيضا بمحى الدين وأنا قد أجبناه على هذه الشريطة إلى اليمين. فأما شيخ الشيوخ فإنه عرف واعترف وأسعد بالمراد وأسعف، وأما محى الدين فإنه أبى ألا الأباء وأنكر الأستثناء وقال: هذا مستحيل ولا ينقطع به القال والقيل وأولئك في بلادنا ونوابنا وفي ولايتنا ولاتنا وأصحابنا وفي خروجهم علينا ما لا خفاء به من تفريق الكلم وتشتيت الشمل المنتظم، وإذا علموا أنكم لهم توثقتم وعليهم أشفقتم خرق إجماعهم، وزاغت عنا أسماعهم وأبصارهم فاتركونا وإياهم زاعتذروا إليهم بأنا إنما قبلناكم أيام السخط واللآن فقد كمل الصلح فاجروا على العادة ولا تخالفوا في الإرادة فقلنا تأخذ الآن عهدا كما شرحنا وشرطنا وحفظنا به الجوانب واحتطنا وأنتم أشرعوا في الاستمالة وتنبكوا طرق الاستحالة فما قبل الرسول ولا تم بقبوله السؤل. ثم استأذنوا في الانصراف والاستيمار على ما تقرر في الاستحلاف فاكرم الرسل الكرام وقضيت حقوقهم بكل تشريف وعطية وتحفة وهدية وكان شيخ الشيوخ كبير الهمة أثيراً لا يقبل قليلا ولا كثيرا فإذا حمل له الطعام فرقة على الأجناد الذين معه من الديوان العزيز الأمامى، وعصم أحواله بالخلق العصامى فما زلت به حتى أجاب كل يوم إلى رغيف وباجة متخذة من دجاجة. فلما خرجوا من دمشق عازمين على المسير وعرف السلطان أنهم خيموا بالقصير قال السلطان: قد استحييت من صدر الدين شيخ الشيوخ، وقد عولت على أن أركب لوداعه وأقابل مقاله بامتثاله وأقبل مقاله لأجله ولإجلاله، ويكتب نسخة اليمين كما يمليه بعبارته. فسبقت إليهم منم أمر السلطان، وعرفتهم بسرعة وصوله، فلما وصل نزل في خيمة الصدر منشرح الصدر متضح البشر ثم كشف له في القناعة ما سأله القناع وسأله بالرسول في عقد الإجماع الاجتماع. فأرسل إليه من يعلم بالأمر ويقفه على السر وضيق عليه سعة العذر فلما رأى تواضع السلطان ترفع وقال: أنا بعد ما جرى من الحال لا رغبة لي في الاسترسال حتى أنهى إلى من خصني بالإرسال. ولعلكم اعتقدتم انه ليس لنا مظاهر ولا مظافر ولا موازر بل لنا من يشتمل علينا ويعصمنا ويميل إلينا ونحن نكاتبه. ونستشير به ولا نتوخى خلاف مذهبه وأشار إلى سلطان العجم والبهلوان فأذن هذا القول منه بنفار السلطان وترك ما عزم عليه وودع وركب، وبعد الأمر الذي كان قد قرب وكان قد أرسل للإطفاء فأسعر وللاستحذاء فتكبر.
стр. 110
وقال السلطان فاتر العزم في العود إلى الموصل فهاجمه وحرف إليها مزاجه ولو تمسك منه بظاهر يمين لفاز لمرسله في مكانه بتمكين وكأنه ذكر بما نسي واستعجل فيما أنسى، فخطب خطابه خطوباً وغير تغير قلبه قلوباً وجر ذنبه تجريه ذنوباً، وحدثت كوارث، وكرثت حوادث كلها إلى هذه الحالة منسوب ومن هذه المقالة محسوب وسيأتي ذكر ذلك في مكانه بشرحه وبيانه.
قال: ووصل رسسول عماد الدين زنكي صاحب سنجار فاتخذ توخي المصلحة في المصالحة وعاد فعرف ما أفضى إليه الأمر وما جرى عليه رسل الموصل من الآباء والعود إلى عادة الاعتداء. وانا في هذه السنة المقبلة قد عزمنا على الكر إلى الكرك وأنا راغبون في جهاد قال: (٢١٧ أ) وكثرت الأمطار في شتوة هذه السنة والثلوج وتعذرت الحركة والخروج.
ودخلت سنة ثمانين
والبرد قد تقوض اساسه وانقرض بأسه وسقطت جمرانه وسخطت غمراته فتتقاضى السلطان عزم الجهاد وحزم الاجتهاد فاستدعى الأجناد واستعد وخرج إلى مرج الدلهمية من عمل البقاع وقد أذن مرعها بالأمراع وغضب الشعاب ورضت الأعشاب وأمكن الرعي وتمكن السعي وشرع الجند في الاجتماع والجد في الارتفاع وتواصلت الرسل وتراسلت الوصل، وجاء رسول نور الدين بن قرا أرسلان يظهر لما يومئ به الانقياد والاذعان وهو وزيره قوام الدين أحمد بن سماقه وهو حاكم ملكه وناظم لسلكه وأخص خواصه وأخلص ذوي استخلاصه ودخل إلى السلطان من بابي واستفتح خطابه بمفاتحة خطابي وفرق على الخواص والعوام تحفاً وهدايا خصت وعمت، وطرفاً وسنايا مقاصده بها استتمت. ورده السلطان سريعاً وأتحفه إحساناً وسيعاً وشيعاً وسامه بالوصول بمخدومه في خصوص عسكره وعمومه وأقمنا حتى وصلت البشرى بقدومه. وركبنا وتقليناه على فراسخ وشاهدنا منه الطود الراسي الراسخ وأنزله السلطان في سرادقه وعام فيالقه في فيالقه واستصحبه إلى دمشق فأبدى بمنتزهاتها العشق وأضافه وازاره الطافة وأدنى من فضله قطافه ولاعبه بالكره في ميادينها وداعبه بالطرف في بساتينها. ولما تم عبير الربيع في عبوره ونمنم حبي الحبير في حبوره تقاضى غريم الغرام بقضاياه وأعلن العزم السلطاني بخفاياه وأخرج خباياه وأيقن الإسلام بأمانيه ولاكفر بمناياه. واجتمعت العساكر برأس الماء على الملوك والأمراء والأكابر والعظماء، وأشفق السلطان من تكليف ابن قرا أرسلان تجشم المشاق فأنزله في مقام الأرقاد والآفاق وتقدم إلى أخيه الملك العادل سيف الدين بالإقامة معه لا يناسبه. وكان قد قدم كتباً إلى الأجل الفاضل بالوصول العاجل، وإلى تقي الدين نايبه بالديار المصرية بإقباله منها بالجحافل، وسار على سمت الكرك واستصحب عدد الحصر وعدد الأبصار والعسكر اللجب والمنظر المعجب.
следующие страницы →