Полный текст (120 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
حدائق الأزاهر
لابن عاصم الغرناطي
حققه وقدم له أبو همام
عبد اللطيف عبد الحليم
الإهداء
إلى صديقي المستشرقين الجليلين: دون فرناندو دي لاجرانخا الشنتمري ودون فديريكو كورينطي القرطبي تحية لعلمهما وإنصافهما، وذكرى أيام جميلة في الأندلس العزيز.
أبو همام
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه الحمد لله الذي نطفت بحمده صوادح الألسنة في رياض الأفكار، على أفنان الأقلام، ورمت بجواهر توحيده وتنزيهه وتمجيده بحار العقول والنفوس، إلى سواحل الطروس، فتحلت به صدور الكلام، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي رفع الله به منار الإسلام، وبعثه رحمة للأنام، واختصه بمنزلة الاصطفاء والإكرام، فشهد له أهل السماوات والأرض بالتبجيل، ونطفت برسالته وتحقيق جلالته التوراة والإنجيل، فهدى الخلق إلى قصد السبيل، ودعا على بصيرة من ربه إلى دار السلام، ورضي الله عنه آله الكرام، وأصحابه البررة الأعلام، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وقاموا بنصرة أكرم عباده خير قيام، ففازوا في الدنيا بصحبته، وفي الآخرة بجواره في دار المقام، ونستوهب من الله سبحانه لهذا المقام العلي المؤيدي الجهادي النصري اليوسفي تأييداً وتمكيناً ومجداً دائماً وعزاً مكيناً، ونصراً عزيزاً وفتحاً مبيناً، وملكاً مخلداً أبداً على الدوام ويدوم مدى الأيام، مقام مولانا، وعصمة ديننا ودنيانا، المعروف بالحكم والعدل، الجامع لأوصاف الفضل، ذي البأس والنوال والمكارم التي تضرب بها الأمثال، حامي حمى الإيمان، الباذل نفسه الكريمة في رضى الرحمن الحاكم في رعيته بما مر الله به من العدل والإحسان، عين ملوك زمانه وسائر الأزمان، مذل الكفار، وممهد البلاد والأقطار، المحيي بحسن سيرته، وخلوص سريرته، مآثر جدوده الأنصار، المحرز من المفاخر الملوكية، والمناقب الإمامية ما يحق للملة بها الافتخار، ناصر الدنيا والدين، فخر الملوك والسلاطين، الغني بالله أبي عبد الله بن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج بن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، وصل الله تعالى سعوده، وحرس وجوده، ونصر ألويته السعيدة وبنوده، فهو الذي نصر الله به السنة والكتاب، وآوى الإسلام وأهله منه إلى أمنع حمى وأعز جناب واختصه في هذه الحضرة الجزيرية الأندلسية بفريضة الجهاد، وتكتيب الكتائب وتجنيد الأجناد، ومهد بملكه العادل، وعدله الشامل الأقطار والبلاد، وألف على محبته، ولزوم طاعته قلوب العباد، وهدى به الخلق إلى طريق الرشاد، فالنفوس على حبه مفطورة، والقلوب برجاء سيبه وهيبة سيفه معمورة، والألسنة على جميل ذكره، ولزوم حمده وشكره مقصورة، زاده الله بسطة في ملكه، وجعل جميع البلاد تحت حكمه وملكه، وأدام للإسلام والمسلمين دولته السعيدة المنصورة، وعمر بالسعد الدائم، والعز القائم منازله الرفيعة وقصوره.
стр. 2
أما بعد فإني جمعت في هذا الكتاب من طرف الأخبار، ورائق الأشعار، ومستحسن الجواب، ومضحكات المولدين والأعراب ونوادر الحكم والأمثال والآداب ما يستحسن ويستطرف، ويستملح ويستظرف من كل نادرة غريبة، أو نكتة عجيبة، أو حكاية بارعة، أو حكمة نافعة، أو قطعة شعر رائعة أو مخاطبة فائقة، مع ما يستفاد في ذلك من الوقوف على مناقب الملوك ومآثرها، ومحامدها ومفاخرها، ومكارم أخلاقها وشيمها، وشرف أنفسها وهممها، وجميل أفعالها وكريم محلها واحتمالها، وعدلها ووفائها، وبأسها وسخائها، وخوفها ورجائها، وحزمها واتقائها، وعزمها وإمضائها، وصفحها وإغضائها، وجدها واعتنائها، وسطوتها وحنانها، واستقباحها واستحسانها، وسيرها وعوائدها، وجوائزها وفوائدها، إلى غير ذلك من معرفة سنن م تقدم من الولاة والأمراء، والكتّاب والشعراء، والأئمة والخطباء، والمؤذنين والفقهاء، والوعاظ والحكماء، والأعراب والغرباء، والمجان والظرفاء، والمجنونين والعقلاء، والطفيليين والبخلاء، وحذاق الجواري والنساء، وأهل التصنع والرياء، والزهاد والأولياء، فأخذت في تبويبه وترتيبه، واجتهدت في تهذيبه وتقريبه، واعتنيت بتأليفه وجمعه، ورددت كل جنس إلى جنسه، وكل نوع على نوعه، وجعلت الشكل فيه مع شكله وضممت المثل إلى مثله، ليسهل النظر فيه على مطالعه، وتحصل الفائدة لقارئه وسامعه، فجاء بحمد الله سبحانه حسن الترتيب، بديع التهذيب، فهو روضه آداب، ومتعة أحداق وأسماع ألباب، فيه تسلية للنفوس وترويح للأرواح، واستجلاب للمسرات والأفراح، وراحة الخاطر، وأنس المجالس والمسامر، وتحفة القادم، وزاد المسافر، وسميته حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر، وجعلته ست حدائق: الحديقة الأولى: في المجاوبة البديهية والمخاطبة المرضية، وفيها ثلاثة أبواب: الباب الأول في مسكت الجواب ومفحم الخطاب ، الباب الثاني في مستحسن الأجوبة التي هي عن ذكاء قائلها معربة، الباب الثالث في أبيات شعر وقعت جواباً، واستعملت خطاباً، الحديثة الثانية: في مداعبة يستجلب بها أبواب: الباب الأول في ترويح الأرواح بمستحسن المزاح، الباب الثاني في المضحكات المستحسنة، الخفيفة على الألسنة، الباب الثالث في المضحكات المستملحة، وإن كانت ألفاظها مستقبحة، الباب الرابع في نوادر أولي العقول والألباب، وحكايات المستخفين والمغفلين من المولدين والأعراب، وفيها ثلاثة أبواب: الباب الأول في النوادر المستغربة، والنكت المستعذبة، الباب الثاني في أخبار الأعراب والمتنبئين ونوادر المجان والمستخفين، الباب الثالث في أخبار المغفلين وأهل البله، وما يحكى عن المجنونين، ومن لا عقل له. الحديقة الرابعة: في الوصايا والحكم وفيها باب واحد. الحديقة الخامسة: في أمثال العامة وحكمها، وفيها باب واحد. الحديقة السادسة: في الحكايات الغريبة، والأخبار العجيبة، وفيها ثلاثة أبواب: الباب الأول في الحكايات المستطرفة والأخبار المستظرفة، الباب الثاني في مختار الحكايات والأخبار ذوات الأشعار، الباب الثالث في حكايات الأولياء والعباد، والصلحاء والزهاد، وعسى الله أن ينفع بهذا الباب وأهله، ويجعله كفارة للأبواب المتقدمة من قبله، إنه ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق.
الحديقة الأولى
في المجاوبة البديهية والمخاطبة المرضية وفيها ثلاثة أبواب:
الباب الأول في مسكت الجواب، ومفحم الخطاب
قال عقبة بن أبي معيط لرسول الله ﷺ حين أمر بضرب عنقه يوم بدر: من للصبية؟ قال: النار.
وقال معاوية بن أبي سفيان لرجل من سبأ أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين قالوا: (ربنا باعد بين أسفارنا) أما كان اجتماع الشمل خيراً لهم؟ فقال اليماني: قومك أحمق منهم حيث قالوا: (إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) أفلا قالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له.
وقال معاوية أيضاً لابن عباس ﵁: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له ابن عباس: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم.
стр. 3
ودخل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على هشام بن عبد الملك بن مروان فلم يوسع له أحد في المجلس، ولم ير لنفسه موضعاً يجلس فيه، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد إلا وله من مجلسك موضع فقال له هشام: اجلس حيث انتهى بك المجلس لا أم لك أنت الذي نازعتك نفسك الخلافة، وأنت ابن أمة. فقال له زيد يا أمير المؤمنين إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل ﵇ أمة فلم يمنعه ذلك من أن يبعثه الله نبياً، وأخرج من صلبه محمداً ﷺ ، وكان إسحاق أمه سارة حرة، وقد مسخ الله بعض ولده قردة وخنازير.
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: أنا خير لك من أخيك، فقال: إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك فأنت خير لك من أخي، وأخي خير لنفسه منك.
وقال له يوماً آخر: أين ترى عمك أبا لهب؟ فقال: في النار مفترشاً عمتك حمالة الحطب، وكانت أم جميل امرأة أبي لهب بنت حرب بن أمية بن عبد شمس.
وقال ابن حازم يوماً لكاتبة يضحك منه: أين تريد يا هامان؟ قال: أبني لك صرحاً.
وقال الأحوص للفرزدق: متى عهدك بالزنى يا أبا فراس؟ قال: مذ ماتت العجوز أمك.
وقال يهودي حين قتل عثمان ﵀، وقعت الفتنة: إنما عهدكم بنبيكم منذ كذا، وقد فتنتم، فقال له رجل من المهاجرين: يا عدو الله، ما جفت أقدامكم من جوار البحر حتى قلتم لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) .
ورمى الحجاج حجراً بين يدي أعرابي، وقال له: أخبرني أذكر هو أم أنثى؟ فقال له الأعرابي: ارفع لي ذنبه وأخبرك.
وقال رجل لامرأته: وكان قبيحاً: إني أتمنى أن أرى إبليس، قالت له: أنا أريكه، قال: وكيف ذلك، فأخرجت له مرآة، وقالت له: انظر إلى وجهك.
وقال محمد بن داود يوماً لابن سريج، وقد أكثر عليه في السؤال: أبلغي ريقي، فقال له ابن سريج: قد أبلغتك دجلة والفرات.
وقال أمير لأعرابي: قل الحق وإلا أوجعتك ضرباً، فقال وأنت فاعمل به، فوالله إن ما أوعدك الله به على تركه أعظم مما توعدتني به.
وقال مولى لبني هاشم: رأيت ذا الرمة، وقد عارضه رجل فقال له، يهزأ به: يا أعرابي، أتشهد بما لم تره؟ قال: نعم، قال: بماذا؟ قال: أشهد أن أباك نكح أمك.
وكان للفضل بن سهل وصيفة ظريفة، كثيرة الملح والنوادر وكانت ساقية، وكان أبو نواس يولع بها ويمازحها، فقال لها يوماً: إني أحبك وتبغضينني فلم ذلك؟ فقالت له: لأن وجهك والحرام لا يجتمعان.
ويروى أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان، فحدد النظر إليها، وقال يا بثينة: ما رأى فيك جميل حين قال فيك ما قال؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ما رأى فيك الناس حين ولوك الخلافة، فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء، كان يخفيها، وما ترك لها من حاجة إلا قضاها يومئذ.
وحكى حماد الراوية قال: أخبرني خالد بن كلثوم، قال: أخبرني رجل من بني أسد أنه أدرك مياً، وكان أعور، قال: رأيتها في نسوة من قومها، فقلت: أيتكن مي؟ فقال النسوة: ما كنا نرى أنها تخفى على أحد، هذه هي، قلت: والله ما أدري ما كان لعجب ذا الرمة منك؟ وما أراك كما كان يصفك، فتنفست، وقالت: يرحم الله غيلان، إنه كان ينظر إلي بعينين، وأنت تنظر إلي بعين واحدة.
وكان بسجستان رجل يقال له بدر بن المناقر، وكان أبوه طلب في سرقة الإبل، فجلس إلى أبي الهندي الشاعر، وجعل يعرض له بالشراب، فقال أبو الهندي: إن أحدكم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في است أبيه.
ومر نصر بن سيار بأبي الهندي، وهو يتمايل سكراً، فقال له نصر: أفسدت شرفك بإدمانك الخمر، فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن والي خرسان.
ومر الفرزدق بماء، وبه نسوة يغسلن ثيابهن، قال: فضرطت بغلته فضحكن منه، فقال لهن الفرزدق: ولم تضحكن؟ والله ما حملتني قط أنثى إلا فعلت كفعلها، فقالت له امرأة منهن: أترى التي حملتك تسعة أشهر كيف كان ضراطها؟ فخجل وانصرف.
ونازع بشاراً رجل في اليمانية والمضرية، وأذن المؤذن فقال له بشار: من الذي يؤذن باسمه مع اسم الله تعالى أمن مضر هو أو من سبأ؟ فسكت الرجل.
стр. 4
وقدم رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان، وكان زبيرياً، فقال له عبد الملك: أليس الله قد ردك على عقبيك؟ قال: ومن رد إليك يا أمير المؤمنين فقد رد على عقبيه، فسكت عبد الملك، وعلم أن قوله كان خطأ.
ودخل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: على امرئ أجرك رسنك وسلطك على الأمة لعنة الله، أتظن الحجاج استقر في قعر جهنم، أو هو يهوي فيها؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه في النار حيث شئت.
ودخل شريك القاضي على المهدي، فقال له الربيع: خنت مال الله، ومال أمير المؤمنين، فقال له شريك: لو كان ذلك لأتاك سهمك.
وقال العبثي، لما أتي بابن هبيرة إلى خالد بن عبد الله القسري، وهو والي العراق، وأتى به مغلولاً مقيداً، فقال له أيها الأمير: إن القوم الذين أنعموا عليك بهذه النعمة قد أنعموا بها على قبلك، فأنشدك الله أن تستن في سنة يستن بها فيك من بعدك، فأمر به إلى السجن، فأمر ابن هبيرة غلمانه فحفروا تحت الأرض حتى خرج الحفر تحت سريره، ثم خرج منه ليلاً، وقد أعدت له أفراس يداولها حتى أتى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به فأجاره، واستوهبه من هشام بن عبد الملك فوهبه له، فلما قدم خالد بن عبد الله القسري على هشام وجد عنده إبراهيم، فقال له خالد: أبقت إباق العبد، فقال له: حين نمت نومة الأمة.
وتكلم ربيعة يوماً فأكثر، وإلى جانبه أعرابي، فالتفت إليه وقال: ما تعدون البلاغة يا أعرابي؟ قال: قلة الكلام، وإيجاز الصواب، قال: بما تعدون العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم فكأنه ألقمه حجراً.
وقال رجل للأحنف بن قيس: بم سودك قومك، وما أنت بأشرفهم بيتاً، ولا أصبحهم وجهاً، ولا أحسنهم خلقاً؟ قال: بخلاف ما فيك يا ابن أخي؟ قال وما ذاك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك، فخجل الرجل.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا، قال: كذبت، لو كنت كذلك لم تقله.
وقال أبو حنيفة للأعمش - وأتاه عائداً في مرضه -: لولا أن أثقل عليك يا أبا محمد لعدتك في كل يوم مرتين، فقال له الأعمش: والله يا ابن أخي، إنك لتثقل علي وأنت في بيتك، فكيف لو جئتني في كل يوم مرتين؟ ووقف عيينة بن حصين بباب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: استأذنوا لي على أمير المؤمنين، وقولوا له: هذا ابن الأخيار بالباب، فأذن له، فلما دخل عليه قال له: أنت ابن الأخيار؟ قال: نعم، قال: بل أنت ابن الأشرار. وأما ابن الأخيار فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈.
وقال أبو ضمرة: قدم غيلان بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة، فقال: أنت الذي تزعم أن الله أحب أن يعصى؟ قال ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى كرهاً، فكأنما ألقمه حجراً.
وتكلم إياس بن معاوية مع بعض القدرية فقال: دخولك فيما ليس لك ظلم منك، قال: نعم، قال: فإن الأمر كله لله فلا تدع أن لك شيئاً منه.
وقال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: ما تقول في القدر؟ فقال له علي: أما أني أسألك عن ثلاث، فإن قلت في واحدة منهن: لأكفرت، وإن قلت: نعم، فأنت أنت، فمد القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول، فقال له علي: أخبرني عنك أخلقك الله كما شاء، أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: أفخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟ قال: لما شاء، قال: فيوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟ قال بما شاء، قال: قم فلا مشية لك، فسكت الرجل، ولم يجد جواباً.
ودخل رجل من الحسبانية على المأمون، فقال لثمامة بن أشرس: كلمه، فقال له ما مذهبك؟ قال: أقول إن الأشياء كلها على التوهم والحسبان، وإنما يدرك الناس منها على قدر عقولهم، ولا حق في الحقيقة، فقام إليه ثمامة فلطمه لطمة سوء في وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، يفعل بي هذا في مجلسك؟ قال له ثمامة: وما فعلت بك، قال: لطمتني، قال: ولعلي إنما دهنتك بالبان، ثم أنشأ يقول:
فعساك حين قعدت قمت ... وحين جئت إلى الذهاب
وعساك تأكل من قفاك ... وأنت تحسبه كباب
فسكت الرجل، وضحك من حضر.
ولقي أبو العيناء رجلاً من إخوانه في السحر، فجعل يعجب من بكوره، فقال له: أراك تشاركني في الفعل، وتنفرد دوني بالتعجب.
стр. 5
ودخل رجل بجاية، فقال: ما أكثر هذه البلاد بكلاب، فأخرجت امرأة رأسها من طاق، وقالت: أكثرهم برانيون.
وشهد عند ابن شبرمة قوم على براح فيه نخل، فقال لهم: كم من نخلة؟ فقالوا: لا نعلم، فرد شهادتهم، فقال له بعضهم: أنت تقضي في هذا المسجد ثلاثين سنة، فهل تعلم كم من سارية فيه؟ فانقطع، وأجاز شهادتهم.
ودخل رجل من الهاشميين على المنصور، فقال له المنصور: متى مات؟ وما كان سبب موته؟ فجعل يقول: اعتل ﵀ في وقت كذا، وخلف ﵀ كذا، فقال له الربيع: كم تترحم على أبيك بين يدي أمير المؤمنين، فقال الهاشمي: لا ألومك فأنت لا تعرف حلاوة الآباء، وكان الربيع يرمي بأنه لا يعرف له أب.
وقال المنصور لأهل الشام: ألا تحمدون الله الذي رفع عنكم الطاعون منذ علينا أمركم؟ فقال له رجل: الله أعدل من أن يجمعك والطاعون علينا، فسكت، ولم يزل يطلب عليه العلل حتى قتله.
وكان بسجستان صاحب نعمة، فأخذه يعقوب بن الليث وأفقرهن فلما كان بعد مدة أدخل عليه، فقال له يعقوب: كيف أنت الساعة؟ قال له: كيف كنت أنت قديماً، فقال له يعقوب: وكيف كنت أنا قديماً؟ قال: كما أنا الساعة، فأطرق يعقوب برأسه، وأمر له بألف درهم.
وقال معاوية في مجلسه ذات يوم: إن الله يقول: (وإن من شيء إلى عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) فلم تلومونني؟ فقال الأحنف بن قيس: ما نطالب بما في خزائن الله، ولكن المقدار المعلوم الذي أنزله الله من خزائنه قد جعله في خزائنك، فانقطع معاوية، ولم يجب.
ودخل رجل على كسرى يتظلم من بعض عماله في ضيعة غصبها له، فقال كسرى: قد أكلت ضيعتك منذ أربعين سنة، فما عليك أن تتركها لعاملي هذه السنة؟ فقال: أيها الملك، وما عليك أن تسلم موضعك إلى بهرام عدوك؟ فأمر برد ضيعته.
ودخل ابن يزيد على هشام بن عبد الملك، وعلى رأس يزيد قلنسوة حسنة، فقال هشام: بكم أخذت قلنسوتك هذه؟ قال: بألف درهم، قال: سبحان الله، قلنسوة بألف درهم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أخذتها لأكرم أطرافي، وأنت قد اشتريت جارية بألف درهم لأخس أطرافك، فأفحم هشاماً بالجواب.
وجلس محمد بن الزيات للمظالم، فجاءه رجل يتظلم، فقال له: غصبني وكيلك ضيعتي، وحازها إلى أرضك، قال: تحتاج إلى بينة وشهود، وأشياء كثيرة، قال: الشهود هم البينة وأشياء كثيرة تجيء من عندك، فبقي ابن الزيات باهتاً، ثم رد عليه ضيعته.
وقال رجل لجارية أبيه: يا زانية، فقالت: لو كنت كذلك لجئت بآخر مثلك.
وقال رجل من العباسيين لأبي العيناء: تبغضني وقد أمرت بالصلاة علي؟ تقول: اللهم صل على محمد وعلى آله، فقال أبو العيناء: فإني أقول: الطيبين الصالحين، فتخرج أنت منهم.
وقال أبو العيناء: ما أخجلني أحد مثل ما أخجلني ابن ظريف لعبد الرحمن بن خاقان، كنت يوماً عندهم، فقلت لأبيه: وددت أن لي ابناً مثل ابنك، فقال الابن: هذا أمر هين، عليك بأم عيالك؛ فإنها تأتيك بابن مثلي.
وكان زياد الأعجم يوماً يتكلم وهو قائم، والناس حوله، فمر به الفرزدق، فقال له: صرت يا أغلف تتكلم بين الناس، فقال زياد: أو أخبرتك أمك بالخبر.
وقال رجل لبعض الشعراء: أنت تقذف المحصنات في شعرك، فقال: إذن لا يصيبك في أمك من شعري شيء.
وقال نصر بن سيار الأعرابي: هل أصابتك تخمة؟ قال: أما من طعامك، وطعام أبيك، فلا.
وقال المدائني: كان عند روح بن زنباغ هند ابنة النعمان بن بشير، وكان شديد الغيرة، فأشرفت تنظر إلى وفد من جذام كانوا عنده، فزجرها، فقلت: إني والله لأبغض الحلال من جذام، فكيف بالحرام منهم؟.
الباب الثاني
في مستحسن الأجوبة التي هي عن ذكاء قائلها معربة قبل لأبي الأسود الدؤلي: أشهد معاوية بدراً؟ قال: نعم، من تلك الناحية.
ولقي الحسين بن علي ﵄ في حين خروجه إلى العراق فسأله: ما وراءك؟ فقال له: تركت القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر من عند الله.
وقدم معن بن زائدة أسرى كانوا عنده للقتل، فلما مثلوا بين يديه، قال أصغرهم: أتقتل الأسرى عطاشاً؟ فأمر لهم بالماء فلما شربوا، أمر بقتلهم، فقال له: أتقتل أضيافك يا معن فعفا عنهم، وخلى سبيلهم.
وقيل للحسن البصري: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا الراحة.
стр. 6
وسأل رجل من الشعراء رجلاً من المتكلمين بين يدي المأمون: ما سنك؟ قال: عظم، قال: لم أرد هذا، ولكن كم تعد؟ قال من واحد إلى ألف وأزيد، قال: لم أرد هذا، ولكن كم أتى عليك؟ قال: لو أتى على شيء لأهلكني، فضحك المأمون، وقال له: كيف السؤال عن هذا؟ فقال: أن تقول: كم مضى من عمرك؟ وقال مؤدب يزيد بن عبد الملك بن مروان يوماً له: لحنت، قال: الجواد يعثر، فقال المؤدب: إي والله ويضرب حتى يستقيم، فقال يزيد: نعم، وربما كسر أنف سائسه.
ولقي رجل رجلاً فقال: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: أبو من؟ قال: أبو الفيض، قال: ما ينبغي أن تلقى إلا في زورق.
وسمع أشعث امرأة تقول: اللهم لا تمتني حتى تغفر لي ذنوبي، فقال: يا فاسقة، لم تسألي الله المغفرة، وأنت سألته عمر الأبد، يريد أنها لا يغفر لها.
وكان أسقف نجران يوماً جالساً في حانوت بعض الناس، فجاء مخبر لصاحب الحانوت بأن زوجته ولدت، فقال: الحمد لله، هذا ولد سعيد، فمكث ساعة، وإذا بآخر قال له: مات الولد، فقال: لا إله إلا الله، ما قضى الله تعالى أن حضرنا على ولادته، ولا على موته، فقال له الأسقف: ولا على عمله.
وجاء رجل إلى حاكم برجل؛ وقال: هذا احتلم بأمي في النوم، فقال الحاكم: يقام للشمس ويضرب ظله الحد.
وكان رجل يهوى امرأة، فرآها في النوم، وأمكنته من نفسها فأخبرها بذلك، فرفعته إلى الحاكم، وقالت له: إنه نال مني في المنام ما أراد، فليدفع إلي حقي، فقال له الحاكم: ادفع لها ديناراً، فقال الرجل: وكيف أدفع لها ديناراً، ولم أنل منها شيئاً إلا في المنام؟ فقال الحاكم: لابد من ذلك، فدفع لها ديناراً فلما جاوزت المرأة الباب، قال الحاكم: ارجعي إلي، فلما رجعت أخذ منها الدينار، ودفعه إلى صاحبه، وقال للمرأة: اذهبي فقد نلت منه بمقدار ما نال منك.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً بالبادية قد بسط كساءه للشمس وهو يغتلي، فجعلت أنظر، فكان يأخذ البراغيث، ويدع القمل، فقلت له في ذلك، فقال: ابدأ بالفرسان، وأرجع للرجالة.
ووضع ثريد بين يدي قوم، وعليه دجاج، فسرق واحد منهم واحدة منها. فرآه آخر، فلما تم الطعام، قال له: يا فلان، اخرج الدجاجة تلتقط الحب والفتات، فقال: إنها على البيض.
ورأى رجل أحدب قد طلع في بستانه في خوخة، فقال له: يا أبا هشام ما أطلعك هناك؟ قال: سمعت فاض الماء، وجرى على الخوخ، فطلعت أتوضأ.
وخرج خطيب أشبيلية يوماً يتوضأ تحت برج الذهب، وكان أصلع، دون شيء في رأسه، فأخرجت الرميكية رأسها وقالت: بكم تلك القرعة؟ قال لها: بدرهم، قالت: إنما أعطيك فيها مقرعاً، فقال لها: إن كانت غالية رجحتها لك بهذا الببرير.
وضع المأمون طعاماً، وكان عنده أعرابي، فقال: يا أعرابي، هلم، قال: إني صائم، فاختلفت الألوان، فرأى جدياً مشوياً فغسل يده، فقال له المأمون: ألم تقل إنك صائم، قال: أقدر على صيام يوم واحد، ولا أقدر على إعادة جدي مثل هذا.
وكان بالبصرة مجنون يأكل التمر بنواه، فقيل له: بنواه تأكل التمر؟ فقال: كذا وزنوه علي.
ونظر رجل إلى طاق عالية، فوجد فيه امرأة جميلة، وهي تستاك، فقالت له: أتحب سواكاً؟ قال لها: لا أحب سواك، قالت له: ما ساقك إلى هنا؟ قال: إلهنا، قالت: فما أوقفك للهوى، قال: الهوى، قالت له: ما اسمك؟ قال: وجهك، قالت: ادخل إذن علي.
وقالت امرأة للحصين بن منذر: كيف سدت وأنت بخيل قبيح؟ فقال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام.
وقال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمح في الخلافة وأنت بخيل جبان؟ فقال: لأني حليم عفيف.
وشكى أبو العيناء حاله إلى عبد الله بن سليمان، فقال له: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبر؟ قال: قد كتبت إلى رجل قد قصر من همته طول الفقر، وذل الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخفقت في طلبي، قال: أنت قد اخترته، قال: وما علي - أعز الله الأمير - في ذلك، قد اختار موسى سبعين رجلاً فما كان منهم رشيد، واختار النبي ﷺ ابن أبي سرح كاتباً، فرجع إلى المشركين مرتداً، واختار علي بن أبي طالب أبا موسى حاكماً فحكم عليه.
стр. 7
وسأل عبد الملك بن مروان مسلمة بن اليزيد، وكان من المعمرين، فقال: أي الملوك رأيت أكمل، وأي الزمان رأيت أفضل؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا حامداً أو ذاماً، وأما الزمان فيضع أقواماً، ويرفع أقواماً، وكلهم يذم زمانه، لأنه يبلي جديدهم، ويفرق عديدهم، ويهرم صغيرهم، ويهلك كبيرهم.
ودخل على القاضي إياس، وهو في مجلس القضاء - عدي بن أرطاة فقال له: أين أنت؟ فقال إياس: بينك وبين الحائط، فاسمع مني قال: للاستماع جلست، قال: أين رجل من الشام، قال: نائي المحل، سحيق الدار، قال: وتزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين، قال: وولد لي غلام، قال: ليهنك الفارس، قال: وأريد الرجوع إلى وطني، قال: في حفظ الله، قال: وشرطت لأهلها ألا أخرجها من بينهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال: فاقضي بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن أمك، قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك.
وهذا إياس الذي يضرب به المثل في الذكاء والفطنة، وأول ما ظهر من ذكائه، أنه دخل دمشق، وهو غلام، فتحاكم عند قاضيها، مع شيخ. فصال إياس بحديثه على الشيخ، فقال القاضي: إنه شيخ كبير، فاخفض من كلامك. فقال له إياس: الحق أكبر منك: فقال له القاضي: اسكت، قال: ومن ينطق بحجتي؟ قال القاضي: ما أراك تقول إلا حقاً، قال له إياس: لا إله إلا الله أحق هذا أم باطل؟ فحكم القاضي بينهما، وانصرف.
ولما دخل عبد الملك البصرة، رأى إياساً وهو صبي، وخلفه أربعة من القراء، أصحاب الطيالسة والعمائم، وإياس يقدمهم فقال عبد الملك: أما فيكم شيخ يقدمكم غير هذا الحدث؟ ثم التفت إليه وقال: كم سنك؟ قال: سني - أطال الله بقاء الأمير - سن أسامة بن زيد حين ولاه رسول الله ﷺ جيشاً فيه أبو بكر وعمر، فقال: تقدم، بارك الله فيك، وكان سنه سبع عشرة سنة.
وقال المتوكل لأبي العيناء: ما أشد ما عليك في ذهاب بصرك؟ قال: ما حرمته يا أمير المؤمنين من رؤيتك من إجماع الناس على جمالك.
وقيل لأحد المكدين: أتبيع مرقعتك؟ قال: أرأيت صائداً يبيع شبكته؟ وقال رجل لأعرابي: ما يسرني لو بت ضيفاً لك، قال: لو بت ضيفاً لي لأصبحت أبطن من أمك قبل أن تلدك بساعة.
ودخل أعرابي على معاوية في عباءة فاحتقره. فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، إنما يكلمك من فيها، ثم تكلم، فملأ سمعه بياناً، ثم خرج، ولم يسله شيئاً، فقال معاوية: ما رأيت رجلاً أحقر أولاً، ولا أجل آخراً منه.
وتكلم رجل عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب، فقال له، وقد أعجبه، ابن من أنت؟ قال: أنا ابن نفسي التي نلت بها هذا المقعد منك، قال: صدقت.
وعرض بعض الأدباء على صاحب له شعراً، بمحضر جماعة فجعل يعرض عن محاسن الشعر، ويتتبع مواضع النقد حسداً، فقال له صاحب الشعر: أراك كالذباب تعرض عن المواضع السليمة، وتتبع جروح الجسد.
وروي عن عمر بن الخطاب، أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لا تغالوا صدقات النساء؛ فإنه لا يبلغني عن أحد، أنه ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله ﷺ ، أو سيق إليه، إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، فقامت امرأة طويلة فقالت: ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قالت: كتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟ قال: كتاب الله، قالت: فإن الله تعالى يقول: (وأتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً) فقال عمر ﵁: امرأة أصاب، ورجل أخطأ، ثم قال: كنت نهيتكم عن أن تغالوا صدقات النساء، فليفعل كل واحد في ماله ما أحب.
وأخرج الحجاج رجلاً من سجنه ليعاقبه، فقال له: سمنت يا غضبان قال: الرفد والرفعة، والخفض والدعة، ومن يكن ضيف أمير المؤمنين يسمن، قال: لأحملنك على الأدهم، قال: مثل الأمير أعزه الله يحمل على الأدهم والورد والمكيث، قال: إنه حديد قال: لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً. قال: اضربوا به الأرض، قال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) قال: جروه قال: (بسم الله مجراها ومرساها) قال: احملوه على الأيدي فلما حمل، قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) فضحك الحجاج، وقال: غلبنا هذا الحديث الخبيث، خلوه إلى صفحي عنه، قال: (فاصفح عنهم وقل سلام) .
стр. 8
وقال خالد بن الوليد لعبد المسيح بن عمرو الغساني وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، من أين أفضي أمرك؟ قال: من صلب أبي، قال: من أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل؟ قال: إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال: فما سنك؟ قال عظم، قال: ما تزيد في مسألتك إلا عناء، قال: ما أجبتك إلا عن مسألتك.
وقال الربيع بن عبد الرحمن: قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذن لرجل سوء، أراد قوله تعالى: (هماز مشاء بنميم) ، قلت: أتجر فلسطين؟ قال: إني إذن لقوي.
وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ قال: الهر يهمزها.
ومما يستظرف في هذا الباب أن رجلاً من محارب وفد على عبد الله بن زيد الهلالي عامل أرمينية، وقد بات على قرب من غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله: ما تركتنا شيوخ محارب ننام لشدة أصواتها، فقال المحاربي: أصلح الله الأمير، إنها ضلت برقعاً، فهن في طلبه، أراد الهلالي قول الأخطل:
تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الآخر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص
وأذن بشار لأصحابه في الدخول عليه، والطعام بين يديه، فلم يدعهم، ثم دعا بطست، وكشف عن سؤاله فبال، ثم حضر الظهر والعصر، فلم يصل، فقالوا له: أنت أستأذنا، وقد رأينا منك أشياء أنكرناها عليك، قال: وما هي؟ قالوا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه، قال: إنما أذنت لكم بالدخول لتأكلوا، ولو لم أرد هذا لما أذنت لكم، ثم ماذا؟ قالوا: دعوت بالطست، ونحن حضور، فبلت، ونحن نراك فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء، وأنتم المأمورون بغض البصر دوني، ثم ماذا؟ قالوا: حضرت الصلاة ولم تصل قال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة. أحسن في الثنتين، ولم يحسن في الثالثة.
وترك رجل النبيذ، فقيل له: لم تركته، وهو رسول السرور إلى القلب؟ فقال: ولكنه بئس الرسول يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس.
وسمع رجل أبا العتاهية ينشد:
فانظر بطرفك حيث شئت، ... فلا ترى إلا بخيلا
فقال: لقد بخلت الناس كلهم، فقال: اكذبني أنت بواحد منهم سخي.
وقال المأمون لمحمد بن عباد: أنت متلاف، فقال: منع الجود سوء الظن بالمعبود، يقول الله تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) .
وخوف بخيل سخياً الإملاق والفقر، فرد عليه السخي: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) .
وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله عودني أن يتفضل علي، وعودته أن أتفضل على عبيده، وأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عني عادته.
ودخل رجل على الشعبي - وهو مع امرأته - فقال: أيكما الشعبي؟ فقال: هذه، فقال: ما تقول - أصلحك الله - في رجل شتمني في أول يوم من رمضان؟ هل يؤجر؟ فقال له الشعبي: إن كان قال لك: أحمق فأرجو له الأجر.
وسأله آخر، فقال له: ما تقول في رجل أدخل أصبعه في أنفه في الصلاة، فخرج عليه دم، أترى له أن يحتجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة.
وسأله فقال: كيف كانت تسمى امرأة إبليس؟ فقال: ذلك نكاح ما شهدناه.
ودخل الشعبي الحمام فرأى داود الأزدي بلا مئزر فغمض عينيه، فقال له داود: متى عميت يا أبا عمرو؟ قال: مذ هتك الله سترك.
وقال الأصمعي: قلت لامرأة ظريفة: يا جارية، هل في يديك عمل؟ قلت: لا، ولكن في رجلي.
وقال معاوية لعمرو بن سعيد: إلى من أوصى بك أبوك؟ وكان صغيراً، قال: إن أبي أوصى إلي، ولم يوص بي.
وكان للفرزدق نديم يسمى زياد الأقطع، فأتى به يوماً، فخرجت له بنية للفرزدق صغيرة، فقال: ابنة من أنت؟ قالت: ابنة الفرزدق، قال: فما بالك حبشية؟ قالت: فما بال يدك مقطوعة؟ قال: قطعت في حرب الحرورية، قالت: بل قطعت في اللصوصية. فقال: عليك وعلى أبيك لعنة الله، ثم أخبر الفرزدق، فقال: أشهد أنها ابنتي حقاً.
وأنشد الفرزدق شعراً وهو صغير، بمحضر الحطيئة فقال: هذا والله الشعر يا غلام، هل أنجدت أمك؟ قال: لا بل أنجد أبي.
стр. 9
ونظر خالد بن صفوان إلى جماعة في مسجد البصرة، فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: على امرأة تدل على النساء، فأتاها، فقال لها: ابقني امرأة، قالت: صفها، قال: أريدها بكراً كثيب، أو ثيباً كبكر، حلوة من قريب، ضخمة من بعيد، كانت في نعمة فأصابها فاقة، فيها أدب النعمة، وذل الحاجة، إذا اجتمعنا كنا أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة، قالت قد أصبتها لك، قال: وأين هي؟ قالت: في الرفيق الأعلى من الجنة فاعمل لها.
وأتى الحطيئة رجل، وهو في غنمه، فقال: يا صاحب الغنم سلام عليكم، فرفع العصا، وقال: هذه لمن سلم، فقال الرجل: إني ضيف، فقال: للضيفان أعددتها، فأعاد السلام، فقال: إن شئت قمت بها إليك.
ومر به ابن حمامة، وهو جالس في فناء بيته، فقال: السلام عليكم، فقال: قد قلت ما لا ينكر، قال: خرجت من أهلي بغير زاد قال: ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك؟ قال: دونك الجبل يقيك ظله، قال: أنا ابن الحمامة، قال: انصرف، وكن ابن أي طائر شئت.
ونزل الغضبان القبعثري خارج كرمان، وهي كثيرة الرمضاء فضرب قبته، فورد عليه أعرابي، فقال: السلام عليكم، فقال: هي كلمة معقولة، قال الأعرابي: ما اسمك؟ قال: آخذ، قال: أو تعطي؟ قال: ما أحب أن يكون لي اسمان، قال: ومن أين جئت؟ قال: من الدلول، قال: وأين تريد؟ قال: أرضاً أمشي في مناكبها، قال: ومن عرض؟ قال: آل فرعون على النار، قال: ومن بشر؟ قال: الصابرون، قال: فمن غلب؟ قال: حزب الله، قال: أفتسمع؟ قال: إنما تسمع القينة، قال: أفتقول؟ قال: إنما يقول الأمير قال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة، قال: أفتنطق؟ قال: كتاب الله ينطق، قال: إنك لمنكر، قال: إني لمعروف، قال: ذلك أريد، قال: وما إرادتك؟ قال: الدخول إليك، قال: وراءك أوسع لك، قال: قد ضرتني الشمس، قال: الساعة يأتيك الفيء، قال: الرمضاء أحرقت قدمي، قال: بل عليهما يبردان، قال: أوجعني الحر، قال: ليس لي عليه من سلطان، قال: إني لا أريد طعامك ولا شرابك، قال: لا تعرض بهما فوالله ما تذوقهما، قال: سبحان الله، قال: قبل كونك، قال: ما عندك؟ قال: هراوة أدق بها رأسك.
وأمر عمر بن عبد العزيز ﵁ بعقوبة رجل، فقال له رجاء بن حيوة: إن الله قد فعل ما تحب من الظفر، فافعل ما يحب من العفو، فعفا عنه.
وقال العتبي: وقعت ماء بين حييين من قريش، فأقبل أبو سفيان، فما بقي أحد واضع رأسه إلا رفعه، فقال: يا معشر قريش، هل لكم في الحق أو فيما هو أفضل من الحق؟ قالوا: وهل شيء أفضل من الحق؟ قال: نعم، العفو، فتبادر القوم واصطلحوا.
ويروى أن نصيباً وفد على عبد الملك بن مروان، وأنشده، فاستحسن شعره، ووصله، فجاء بالطعام فأكل معه، فقال له عبد الملك: هل لك فيما يتنادم عليه، فقال: يا أمير المؤمنين تأملني قال: فإني أراك، قال: يا أمير المؤمنين الجلد أسود، والوجه قبيح، ولست في منصب كريم، وإنما بلغ بي مجالستك ومواكلتك عقلي، وأنا أكره أن أدخل عليه ما يحول بيني وبينه، فأعجب عبد الملك كلامه وأعفاه.
وأنشد يوماً هشاماً قصيدة مدحه بها، فقال له هشام: يا أسود، قد بلغت المدح فسلني أعطك، فقال: يداك يا أمير المؤمنين بالعطية أطول من لساني بالمسألة، فقال هشام: هذا والله أجزل من الشعر وأجازه جائزة عظيمة.
وقال دعبل لمخنث: والله لأهجونك، فقال: إن هجوتني لأخرجن أمك من اللعبة.
ورفع إلى الأمير أن أبا نواس زنديق، وأنشد من شعره ما يستدل به على ذلك، فأمر بإحضاره، ولما حضر أمر بقتله، فقال: ما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ قال: عرفت أنك زنديق قال: وما قلت؟ وما ظهر علي من ذلك؟ قال: قولك:
ألا فاسقني خمراً، وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
قال يا أمير المؤمنين أفسقاني؟ قال: كذلك أظن، قال: أتقتلني على ظن؟ وقد قال ما تعالى: (إن بعض الظن إثم) قال: فأنت الذي تقول:
ما جاءنا أحد يخبر أنه ... في جنة مذ مات أو في نار
قال: أفجاء أحد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: أفتقتلني على الصدق؟ قال: أنت الذي تقول:
يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السماوات
قال: أفقام يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري، قال: أفتقتلني على أن لا تدري؟ قال: أطلقوه، ولو وجب عليه القتل.
стр. 10
وكان الفرزدق يوماً ينشد، فنظر إلى الكميت بن زيد يستمع، وهو غلام يومئذ، فأعجبه ما رأى من إطغائه وتفهمه، فقال: يا غلام كيف ما تسمع؟ قال: حسن، قال: أفيسرك أني أبوك؟ قال: ما أحب بأبي بدلاً، ولكن وددت أنك أمي، قال: يا ابن أخي، استرها علي، فما لقيت مثلها.
وقام بشار بين يدي المهدي ينشده شعراً، ودخل خال المهدي يزيد بن منصور الحميري، وكانت في غفلة، فقال لبشار: ما صناعتك أيها الشيخ؟ قال: أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي وقال [أتهزأ] بخالي، فقال: يا أمير المؤمنين، وما أصنع به يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة شعراً، فيسأله عن صناعته؟ وكتب إلى عبد الرحمن بن الحكم بعض مواليه يسأله عملاً رفيعاً لم يكن من شاكلته فوقع في كتابه: من لم يصب وجه مطلبه كان الحرمان أولى به.
وكان أصاب عبد الله بن عمر زج رمح بقدمه في أيام الحج، فدخل عليه الحجاج يعوده، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، لو علمت من أصابك لفعلت وفعلت، فقال له ابن عمر: أنت أصبتني، فقال: غفر الله لك، لم تقول هذا؟ قال: حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح، وفي بلد لا يحمل فيه السلاح.
وحلف رجل بطلاق امرأته أن الحجاج في النار، فسأل الحسن البصري فقال: لا عليك يا ابن أخي، فإنه لم يكن الحجاج في النار، فما يضرك أن تكون مع امرأتك على زنى.
وقال جرير بن منصور: قلت لإبراهيم النخعي: ما تقول في أمر الحجاج؟ قال: ألم تسمع إلى قوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) فأشهد أن الحجاج كان منهم.
وقال عبد الملك للحجاج: ما من أحد إلا وهو يعلم عيب نفسه، فصف لي عيوبك، قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لابد أن تقول، قال: أنا لجوج حقود وحسود، قال عبد الملك: ما في إبليس أشر من هذا.
وقيل للشعبي: إن الناس يزعمون أن الحجاج مؤمن، قال: مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله.
وسئل عمر بن عبد العزيز ﵁ عن الحجاج، فقال: لو جاءت كل أمة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج لفضلناهم.
ولما قدم أبو ليلى النابغة الجعدي على النبي ﷺ وأنشده الشعر الذي يقول فيه:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فقال له النبي ﷺ : إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة يا رسول الله، قال النبي ﷺ : إن شاء الله.
ولقي أبو العتاهية أبا نواس فقال له: أنت الذي لا تقول الشعر حتى تؤتى بالرياحين والأزهار فتوضع بين يديك؟ قال: وكيف ينبغي للشعر أن يقال إلا هكذا، قال: إني لأقوله على الكنيف، قال أبو نواس: ولذلك توجد فيه الرائحة.
ولما قدم رجال الكوفة يشكون لسعد بن أبي وقاص، قال: من يعذرني من أهل الكوفة؟ إن وليتهم التقى ضعفوه، وإن وليتهم القوي فجروه، فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين إن التقي الضعيف له تقاه، وعليك ضعفه، والقوي الفاجر لك قواه وعليه فجوره، قال: صدقت فأنت القوي الفاجر، فاخرج إليهم.
وقال المنصور لبعض قواده: صدق الذي قال: أجع كلبك يتبعك، وسمنه يأكلك، فقال له العباس الطوسي: أما تخشى يا أمير المؤمنين إن أجعته أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك؟ وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينة فكتب إليه عمر: حصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم والسلام.
ولما أتي عمر بن الخطاب ﵁ بتاج كسرى وسواريه قال: إن الذي أدى هذا لأمين، قال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدون إليك ما أديت إلى الله فإذا رتعت رتعوا.
واطلع مروان بن الحكم على صنيعة له فأنكر شيئاً، فقال لوكيله: ويحك، أظنك تخونني، قال: تظن، ولا تستيقنه، قال: نفعل قال: نعم، والله إني لأخونك، وإنك لتخون أمير المؤمنين، وإن أمير المؤمنين ليخون ربه، فلعن الله شر الثلاثة.
ومر عمر بن الخطاب ﵁ ببنيان بني بآجر وجص، فقال: لمن هذا؟ فقيل: لعاملك على البحرين، فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وأرسل إليه فشاطره ماله.
ودخل حزيم الناعم على معاوية بن أبي سفيان، فنظر معاوية إلى ساقيه، فقال: أي ساقين؟ لو أنهما على جارية، فقال حزيم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. فقال: واحدة بأخرى، والبادي أظلم.
стр. 11
ودخل أبو النصر سالم مولى عمر بن عبد الله على عامل للخليفة فقال له: يا أبا النصر، إنه تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها ولا نجد بداً من إنقاذها، فقال له أبو النصر: قد أتاك كتاب من عند الله قبل كتاب الخليفة، فأيهما اتبعت كنت من أهله.
ودخل الزهري على الوليد بن عبد الملك فقال: ما حديث يحدثني به أهل الشام قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبداً رعيته كتبت له الحسنات، ولم تكتب عليه السيئات، قال: باطل يا أمير المؤمنين، أبني خليفة أكرم على الله أم خليفة غير بني؟ قال: بل بني خليفة، قال: فإن الله يقول لنبيه داود ﵇: (يا داود إنا جعلنك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) . فهذا يا أمير المؤمنين وعده لبني خليفة، فما ظنك بخليفة غير بني؟ قال: أن الناس ليفروننا عن ديننا.
وقعد معاوية بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي بن أبي طالب ﵁، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين نطيع أحياءكم، ولا نبرأ من موتاكم، فالتفت معاوية إلى المغيرة، وقال: هذا رجل فاستوحي به خيراً.
وقال الأصمعي: لما مات يزيد بن معاوية، وصارت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك خر أصحابه سجوداً إلا الأبرش الكلبي، قال: ما منعك أن تسجد كما سجدوا؟ قال: لماذا يا أمير المؤمنين لأنك ذهبت عنا؟ قال: فإن ذهبت بك معي، قال: وتفعل يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: الآن طاب السجود.
وكان سعيد بن عتبة بن حصين، إذا حضر باب السلاطين جلس جانباًن فقيل له: إنك لتباعد الإذن جهدك، قال: لأن أدعى من بعيد خير من أن أقصى من قريب، ثم قال:
رأيت أناساً يسرعون تبادراً ... إذا فتح البواب بابك إصبعا
ونحن سكوت جالسون رزانة ... وحلماً إلى أن يفتح الباب أجمعا
ونظر رجل إلى روح بن حاتم واقفاً في الشمس عند باب المنصور فقال: لقد طال من وقوفك في الشمس، فقال: ليطول جلوسي في الظل.
ووقف أبو سفيان بباب عثمان بن عفان ﵁، وقد اشتغل ببعض مصلحة المسلمين، فحجبه، فقال له رجل وأراد أن يغريه يا أبا سفيان، ما كنت أرى أن تقف بباب مضري فيحجبك، فقال أبو سفيان: لا عدمت من قوي من أقف ببابه فيحجبني.
وقال الشعبي: كنت جالساً عند القاضي شريح، إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها، وهو غائب، وتبكي بكاء شديداً، فقلت: أصلحك الله ما أراها إلا مظلمة، فقال: وما علمك؟ قال: لبكائها، قال: لا تفعل فإن إخوة يوسف (وجاءوا أباهم عشاء يبكون) ، وهم ظالمون.
وكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى أن ترد شهادة مسلم إلا أن يجرحه المشهود عليه، فأقبل إليه رجل، فقال: يا أبا سعيد إن إياساً رد شهادتي، فقام معه الحسن إليه، فقال: أبا واتلة: لم رددت شهادة هذا المسلم، وقد قال رسول الله ﷺ : من صلى قبلتنا فهو مسلم، له ما لنا وعليه ما علينا، قال: يا أبا سعيد إن الله يقول: (ممن ترضون من الشهداء) وهذا ممن لا نرضاه.
وأقبل وكيع صاحب خراسان يشهد عند إياس بشهادة، فقال له: مرحباً وأهلاً بأبي المطرف، وأجلسه معه، ثم قال له: ما جاء بك؟ قال: جئت لأشهد لفلان، قال: مالك وللشهادة؟ إنما يشهد الموالي والتجار والسوقة، قال: صدقت، وانصرف من عنده، فقيل له: خدعك، إنه لا يقبل شهادتك، قال: لو علمت ذلك لعلوته بالقضيب.
وقيل للقاضي شريح: أيهما أطيب الجوزنيق أو اللوزنيق؟ قال: لا أحكم على غائب.
стр. 12
ولما أتي بالهرمزان إلى عمر بن الخطاب ﵁، قال له عمر: أعرض عليك الإسلام نصحاً لك في عاجلتك وآجلتك، فقال: يا أمير المؤمنين إنما أعتقد ما أنا عليه ولا أرغب في الإسلام رهبة، فدعا عمر بالسيف، فلما هم بقتله، قال: يا أمير المؤمنين، شربة ماء، هو أفضل من قتلي على ظمأ، فأمر له عمر بشربة ماء، فلما أخذها قال: أنا آمن حتى أشرب؟ قال: نعم، فرمى بها، وقال الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج، قال: صدقت، لك التوقف عنك والنظر فيك، ارفعا عنه السيف، فلما رفع قال: الآن يا أمير المؤمنين، أشهد أن لا إله الله وأن محمداً عبده ورسوله، وما جاء به حق من عنده، قال عمر: أسلمت خير إسلام وما أخرك؟ قال: كرهت أن تظن أني إنما أسلمت فزعاً من السيف، قال عمر: إن لأهل فارس عقولاً بها استحقوا ما كانوا فيه من الملك، ثم أمر به أن ينزل ويكرم، فكان عمر يشاوره في توجيه الجيوش إلى أرض فارس.
ويشبه هذا في التلطف والتحيل في النجاة ما حكي أن الكلبي قال: لما فتح عمرو بن العاص قيسارية سار حتى نزل على موضع، فبعث إليه علجه أن ابعث إلي رجلاً من أصحابك أكلمه، ففكر عمرو، وقال: ما لهذا غيري، فخرج حتى دخل على العلج، فكلمه فسمع ما لم يسمع قط كلاماً مثله، فقال العلج: حدثني عن أصحابك، هل فيهم أحد مثلك؟ قال: لا تسأل عن هواني عليهم، إذ بعثوا بي إليك، وعرضوا لي إليك، ولا يدرون ما تصنع بي، فأمر له بكسوة وجائزة، وبعث إلى بوابه: إذا مر بك فاضرب عنقه، وخذ ما عنده، فخرج من عنده، فمر برجل نصراني من غسان، فعرفه، فقال له: يا عمرو قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج. ففطن عمرو لما أراد، ورجع فقال له العلج: ما ردك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع بني عمي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم تعطيهم مثل هذه العطية، فيكون معروفك عند عشرة خيراً من أن يكون عند واحد، قال: صدقت، عجل بهم، وبعث إلى البواب. خل سبيله، فخرج عمرو وهو يلتفت حتى إذا أمن قال: لا عدت لمثلها أبداً، فلما صالحه عمرو دخل إليه العلج، قال له: أنت هو؟ قال: نعم على ما كان من غدرك.
وقال العتبي: بعث عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن معدي كرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصمصامة، فبعث به إليه، فلما ضرب به وجده دون ما بلغه عنه، فكتب إليه في ذلك فرد عليه: إني إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف، ولم أبعث له بالساعد الذي يضرب.
وسأله عمر يوماً عن السلاح، فقال: يسأل أمير المؤمنين عما بدا له، فقال له: ما تقول في الرمح؟ قال: أخوك، وربما خانك فانقصف، قال: فما تقول في الترس؟ قال: هو المجن وعليه تدور الدوائر، قال: والنبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب، قال: فالدرع؟ قال: مفشلة للراجل، مشغلة للراكب، وإنها لحصن حصين، قال: فما تقول في السيف؟ قال: هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة، وقال: لا، بل لا أم لك.
وقيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: من كانت له عندي يد صالحة، قيل: فإن لم تكن؟ قال: فمن كانت لي عنده يد صالحة.
وقيل لأبي عقيل العراقي: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة إليه؟ قال: رأيته عند طلب الحاجة، رغبته في الإنعام فوق رغبته في الشكر، وحاجته إلى قضاء الحاجة أشد من حاجة صاحب الحاجة.
وقال الأصمعي: نظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلاً قبيحاً. وهو من أقبح الناس وجهاً، فقال: يا أخا ضبة كم عيالك؟ قال: سبع بنات، أنا أجمل منهن، وهن آكل مني، فضحك زياد، وقال: لله دره ما ألطف جوابه، افرضوا لكل واحدة منهن مائة وخادماً وعجلوا له ولهن أرزاقهن.
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: كنت أريد أن تقبل مني هذه الجبة، فقال: إن كنت غنياً قبلتها منك، وإن لم تكن غنياً لم أقبلها منك، قال: فإني غني، قال: وكم مالك؟ قال: ألف دينار، قال: أفكنت تود أنه أربعة آلاف؟ قال: نعم، قال: فأنت فقير لا أقبلها منك.
وسألت امرأة عبد الله بن جعفر، فأعطاها مالاً عظيماً، فقيل له: إنها لا تعرفك، وكانت يرضيها اليسير، قال: إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
стр. 13
وقال الأصمعي: مدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأمر له بمال كثير وكسوة شريفة، ورواحل موقرة براً وتمراً، فقيل له: أتفعل هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ فقال: أما والله إن كان عبداً إن شعره لحر، وإن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإنما أخذ مالاً يفنى وثياباً تبلى، ورواحل تنضى، وأعطى مديحاً يروى، وثناء يبقى.
وقال العتبي: وفد حاجب بن زرارة على كسرى، فاستأذن عليه. فقيل له: أسيد الغرب أنت؟ قال لا، قيل: فسيد مضر؟ قال: لا، قيل: فسيد قومك؟ قال: لا، قيل: فسيد بني أبيك؟ قال: لا، ولكني رجل من العرب، فأذن له، فلما دخل عليه، قال له: من أنت؟ قال: سيد العرب، قال: أليس قد قيل لك: أسيد العرب أنت؟ فقلت: لا، حتى اقتصرت بك على بني أبيك، فقلت: لا، قال: أيها الملك لم أكن كذبك حتى دخلت عليك، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب، قال: كسرى: املأوا فاه دراً.
وقال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم فقال: (لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا) ، قال: حسبك.
وقال المأمون ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في بني ربيعة، قال: بلى، ولكن منابرهم في الجذوع.
ودخل المأمون يوماً بيت الديوان، فرأى غلاماً جميلاً، على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: الناشئ في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤكل لخدمتك الحسن بن رجاء.
وأتى عبد الملك بن مروان برجل يسرق، فأمر بقطع يده، فأنشأ يقول:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها
ولا خير في الدنيا، وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فأبى إلا قطعها، فقالت له أمه: يا أمير المؤمنين واحدي وكاسبي، فقال: بئس الكاسب كان لك، وهذا حد من حدود الله، قالت: يا أمير المؤمنين اجعله من بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها، فعفا عنه.
ولما أتي الحجاج بالأسرى الذين خرجوا مع ابن الأشعث أمر بقتلهم، فقال رجل منهم: أصلح الله الأمير، لي حرمة، قال: وما هي؟ قال: ذكرت في عسكر بن الأشعث، فشتم في أبويك، فعرضت دونهما، وقلت: لا والله ما في نسبه مطعن، فقولوا فيه، ودعوا نسبه، قال: ومن يعلم ما ذكرت؟ فالتفت إلي أقرب الأسرى إليه، وقال: هذا يعلمه، فقال له الحجاج: ما تقول فيما قال هذا؟ قال: صدق، وبر الأمير، فقال: خليا عن هذا لنصرته، وعن هذا لحفظ شهادته.
وأتي الحجاج بأسرى من الخوارج، فأمر بضرب أعناقهم، فقدم فيهم شاب، فقال له: والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب، فما أحسنت في العقوبة، قال: أف لهذه الجيف، أما كان فيهم من يقول مثل هذا، وأمسك عن القتل.
وأتي الحجاج بأسرى، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك الله يا حجاج عن السنة خيراً، فإن الله يقول: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) فهذا قول الله تعالى في كتابه، وقول شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد
فقال الحجاج: ويحكم أعجزتم أن تخبروني ما أخبرني هذا المنافق، وأمسك عمن بقي.
وقال الهيثم بن عدي: أتي الحجاج بحرورية، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذه؟ قالوا: اقتلها أصلح الله الأمير، ونكل بها غيرها، فتبسمت الحرورية فقال لها: لم تبسمت؟ فقالت: لقد كان وزراء أخيك فرعون خيراً من وزرائك يا حجاج، استشارهم في قتل موسى، وقالوا: (أرجه وأخاه) وهؤلاء يأمرونك بتعجيل قتلي، فضحك الحجاج وأطلقها.
وقال الأصمعي: بعث الحجاج في يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول: إن الحسين بن علي ابن رسول الله ﷺ والله لتأتين بالمخرج مما قلت، أو لأضربن عنقك، قال له ابن يعمر: إن جئت بالمخرج فأنا آمن؟ قال: نعم، قال: اقرأ قوله تعالى: (وتلك حجتنا أتينها إبراهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) فمن أبعد عيسى من إبراهيم أو الحسين؟ وإنما هو ابن ابنة محمد ﷺ ، قال الحجاج: والله لكأني ما قرأت هذه الآية قط، وولاه قضاء بلده حتى مات.
стр. 14
وقال رجل لابنه: لو أوصيت بك إلى فلان؟ فقال: يا أبت إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت، فالحي هو الميت.
ودخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، فقال له: من أنت؟ كأنه لا يعرفه، فقال له الفرزدق: أو ما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا قال: أنا من قوم منهم أوفى العرب، وأسود العرب، وأجود العرب، وأحلم العرب، وأفرس العرب، وأشعر العرب، قال سليمان: والله لتبينن ما قلت، أو لأوجعن ظهرك ضرباً، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أما أوفى العرب فحاجب بن زرارة الذي رهن قومه عن جميع العرب، فوفى بها، وأما أسود العرب فقيس بن عاصم الذي وفد على النبي ﷺ ، فبسط له رداءه، وقال: هذا سيد الوبر، وأما أحلم العرب فالأحنف بن قيس الذي ضرب به المثل، وأما أجود العرب فعتاب بن ورقاء الرياحي، وأما أفرس العرب فالحريش بن عبد الله السعدي، وأما أشعر العرب فها أنا بين يديك، فاغتم سليمان مما سمع من فخره، ولم ينكره، وقال: ارجع على عقبيك؛ فما لك عندنا من ناشئ خير.
وقال أبو عبيد: اجتمعت وفود العرب عند النعمان بن المنذر، فأخرج لهم بردين، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة فليلبسهما، فقام عامر بن الحمير السعدي، فاتزر بأحداهما، وارتدى بالآخر، فقال له النعمان: بم أنت أعز العرب؟ قال: العز والعدد في العرب في معد ثم في نزار، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب، فلينافرني، فسكت الناس، فقال النعمان: هذه حالتك في قومك، فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ قال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة. فأما أنا في نفسي فهذا شاهدي، ثم وضع قدميه في الأرض، وقال: من أزالها من مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد، فذهب بالبردين.
وروي لما هدم الوليد كنيسة دمشق، كتب إليه ملك الروم: أنت هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان صواباً فقد أخطأ أبوك، وإن كان خطأ، فما عذرك؟ فكتب إليه (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شهدين ًَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) .
وقال العتبي: كتب قيصر إلى معاوية: أخبرني عما لا قبلة له، وعمن لا أب له، وعمن لا عشيرة له، وعمن سار به قبره، وعن ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء، وابعث لي ببذر كل شيء، فبعث معاوية بالكتاب والقارورة إلى ابن عباس، فقال: أما ما لا قبلة له فالكعبة، ومن لا أب له فعيسى ﵇، ومن لا عشيرة له فآدم ﵇، ومن سار به قبره فيونس ﵇، وأما ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم فكبش إبراهيم وناقة صالح وحية موسى ﵇، وأما شيء فالرجل له عقل يعمل به، وأما نصف الشيء فالذي ليس له عقل ويعمل برأي ذي العقل، وأما لا شيء فالذي ليس له عقل يعمل به، ولا يستعين بعقل غيره، وملأ القارورة ماء، وقال: هذا بذر كل شيء، فبعث معاوية إلى قيصر، فلما وصل إليه الكتاب والقارورة قال: ما خرج هذا إلا من بيت النبوة.
وكتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان: أكلت لحم الجمال التي هرب عليها أبوك من المدينة إن لم أغزك جنوداً مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف فبعث عبد الملك إلى الحجاج فقال: ابعث إلي علي بن الحسين وتواعده، واكتب لي بما يقول لك، ففعل الحجاج فقال له علي بن الحسين: إن لله لوحاً محفوظاً يلحظه في كل يوم ثلاثمائة لحظة، ليس فيها لحظة إلا ويحيي فيها ويميت، ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، وإني لأرجو أن يكفيك منها بلحظة واحدة، فكتب به الحجاج إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك بذلك إلى ملك الروح، فما قرأه ملك الروم قال: ما خرج هذا الكلام إلا من بيت النبوة.
وقال رجل لإبراهيم النخعي: إني أختم القرآن كل ثلاث، قال: ليتك تختمه كل ثلاثين، وتدري أي شيء تقرأ.
وسار إبراهيم النخعي في طريف، فلقيه الأعمش، فانصرف معه، فقال إبراهيم: الناس إذا رأوا قالوا: الأعمش والأعور، فقال: وما عليك أن يأثموا، ونؤجر، قال: وما عليك أن يسلموا ونسلم.
وسأل رجل ابن سيرين عن مسألة فيها أغلوطة، فقال له: أمسك حتى تسأل عنها أخاك إبليس.
وقيل لابن عباس: ما تقول في رجل طلق زوجته عدد نجوم السماء قال: يكفيه منها كواكب الجوزاء.
стр. 15
وقال الفضل بن عياض: اجتمع محمد بن واسع، ومالك بن دينار فقال مالك بن دينار: ما هو إلا طاعة الله أو النار، قال محمد بن واسع: ليس كما تقول، ما هو إلا عفو الله أو النار، ثم قال مالك بن دينار: إنه ليعجبني أن تكون للإنسان معيشة قدر ما تقوته، قال محمد بن واسع: ولا هو كما تقول، ولكن يعجبني أن يصبح الرجل، وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله، قال مالك بن دينار: ما أحوجني إلى من يعلمني مثلك.
وكان يجلس إلى سفيان الثوري فتى كثير الفكرة، حسن الاستماع، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه ليسمع كلامه، فقال: يا فتى إن من كانوا قبلنا مروا على خيل عتاق، وبقينا على حمير دبرة، فقال: أبا عبد الله إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بالقوم.
وقيل لرجل ولي في الحرب: لا تهرب؛ فإن الأمير يغضب عليك، فقال: غضبه علي وأنا حي خير من رضاه عني وأنا ميت.
وعرض الإسكندر جنده، فتقدم إليه رجل على فرس أعرج، فأمر بإسقاطه، فضحك الرجل وولى، فأنكر الإسكندر ذلك وأمر برده فقال له: ما حملك على ما رأيت منك وقد أسقطتك؟ قال: تعجبت من فعلك، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن تحتك آلة الهروب، وتحتي آلة الوقوف والثبات فأسقطتني، فعجب الإسكندر من قوله، وزاد في عطائه.
وقيل لرجل: لم لا تخرج تقاتل العدو؟ قال: والله لا أعرف أحداً منهم ولا يعرفني فمن أين وقعت هذه العداوة بيني وبينهم.
ومدح بعض الشعراء محمد بن عبدوس صاحب الشرطة، فقال له: أما أن أعطيك من مالي شيئاً فلا، ولكن اذهب فاجن جناية، لا آخذك بها.
وجاء رجل إلى ابن أبي يعقوب فقال له: إذا نزعت ثيابي، ودخلت إلى النهر لأغتسل، إلى أين أتوجه؟ قال: أفضل ذلك أن يكون توجهك إلى ثيابك.
وسأله آخر، فقال له: إذا شيعت الجنازة أقدامها أفضل أم خلفها؟ قال: اجهد ألا تكون فوقها، وكن حيث شئت من نواحيها.
وجاء رجل إلى سوار القاضي، فقال: ما تقول أبقاك الله في القبلة في نهار رمضان؟ قال: مكروهة، قال: فإنها من صديقي، قال: تلك عافاك الله تقبل في شوال.
ودخل حارثة بن زيد على زياد، وبوجهه أثر، فقال له: ما هذا يا حارثة؟ قال: أصلح الله الأمير، ركبت فرس الأشقر فجمح بي فقال له زياد: أما أنك لو ركبت الأشهب لم يصبك منه شيء أراد حارثة بالأشقر النبيذ، وأراد زياد بالأشهب اللبن.
ووقف معاوية بن مروان بباب طحان، فنظر إلى حمار له يدور الرحا، في عنقه جلجل، فقال للطحان: لم جعلت الجلجل في عنق حمارك؟ قال: ربما تدركه سآمة أو نعاس، فإذا لم أسمع صوت الجلجل وعلمت أنه واقف، فصحت به قال: أرأيت إن وقف وحرك رأسه بالجلجل؟ قال: ومن لي بحمار يكون له مثل عقل الأمير.
وباع رجل ضيعته، فلما قبض ثمنها، قال للمشتري: لقد أخذتها كثيرة المثونة، قليلة المعونة، فقال له المشتري: وأنت والله لقد أخذتها بطيئة الاجتماع، سريعة الافتراق.
وقيل لعلي ﵁: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، قيل: فكم بين السماء والأرض؟ قال: مسيرة ساعة لدعوة مستجابة.
وقال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أعني بأصحابك أبا عثمان، قال: ارفع علم الحق يتبعك أهله.
وشكى قوم إلى المسيح ﵇ ذنوبهم، فقال: اتركوها تغفر لكم.
وقيل لعقيل: مالك لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وأقبل حاكم، فرأى سكران بالأرض، فأمر به إلى السجن، فقال له الخدمة: قم إلى السجن، فقال: لو كنت أستطيع المشي إلى السجن لمشيت إلى داري.
وكان رجل غائباً عن أهله، فسألوا عن حاله: فقال لهم: هو أندلسي من رأسه، وغزي من أكتافه، ومحرم من بدنه، وتوزي من رجليه، ومتعبد من جسده، فقالوا: قل لنا: إنه عريان بالجوع.
وكان رجل له زوجة جميلة، فقال له أحد أصحابه: إنها تخونه، فطلقها وتزوج امرأة أخرى. فقال له صاحبه ذلك. كيف أنت مع هذه؟ قال: كنت آكل شهداً مع غيري، صرت آكل قطراناً وحدي، يريد أنها قبيحة.
وقيل لشبيب بن شيبة عند باب الرشيد: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجياً، والخارج راضياً.
وتكلم ابن السماك يوماً، وجارية له تسمع، فلما دخل قال: كيف سمعت؟ قال: ما أحسنه، لولا أنك تردده، قال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه، قالت له: إن كنت تردده حتى يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه.
стр. 16
وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره، فقال: لا عليك، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، انصرف إن شئت.
وقيل لقيس بن عاصم: بم سودك قومك، قال: بكف الأذى عنهم، وبذل الندى، ونصر المولى.
ونظر رجل إلى معاوية بن أبي سفيان، وهو غلام صغير - فقال: إني أظن هذا الغلام يسود قومه، فسمعته أمه هند، فقالت: ثكلته إن لم يسد غير قومه.
ودخل ضمرة بن ضمرة على النعمان بن المنذر، وكان قبيح المنظر، فالتفت الناس إلى أصحابه، وقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: أيها الملك؛ إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن قال قال ببيان، وإن صال صال بجنان، قال: صدقت، وبحق سودك قومك.
وقيل لعرابة الأوسي: بم سودك قومك؟ قال: بأربع خصال: أنخدع لهم في مالي، وأذل منهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم.
وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له: ما اسمك؟ قال: شهاب بن حرقة. قال: ممن؟ قال: من أهل حرة النار، قال: وأين مسكنك منها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر ﵁.
وكان أشعب الطماع يختلف إلى قينة بالمدينة، فلما أراد الخروج سألها إن تعطيه خاتم ذهب في يدها ليذكرها به، فقالت له: إنه ذهبت وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود، لعلك أن تعود، وناولته عوداً من الأرض.
وقال رجل لخالد بن صفوان: إني أحبك، قال: وما يمنعك من ذلك؟ ولست بجار لك ولا أخ ولا ابن عم، يريد أن الحسد موكل بالأدنى فالأدنى.
ومر محمد بن سيرين بقوم، فقام إليه رجل منهم، فقال: أبا بكر، إنا قد نلنا منك فحللنا، فقال: إني لا أحل ما حرم الله.
وكان رقبة بن مصقلة جالساً مع أصحابه، فذكروا رجلاً بشيء، فطلع ذلك الرجل، فقال له بعض أصحبه: ألا أخبره بما قلنا فيه لئلا يكون غيبة؟ قال: أخبره، حتى يكون غيمة.
وقيل لبعض الحكماء: فلان يعيبك، فقال: إنما يقرض الدرهم الوازن.
وصلى الأعمى في مسجد قوم فأطال بهم الإمام. فقال له الأعمش: يا هذا لا تطل صلاتنا، فإنه يكون ذو الحاجة والكبير والضعيف، قال الإمام: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) قال الأعمش: أنا رسول رأس الخاشعين إليك، إنهم لا يحتاجون إلى هذا منك.
ولقي جهم رجلاً من اليونانيين، فقال له: هل لك أن تكلمني وأكلمك فمن أسرته الحجة رجع إلى قول صاحبه، قال: نعم، قال اليوناني: أخبرني عن معبودك، أرأيته؟ قال: أسمعته؟ قال: لا قال: أفلمسته؟ قال: لا، قال: أفشممته؟ قال: لا، قال: فمن أين عرفته وأنت لم تدركه بحاسة من حواسك الخمس؟ وإنما عقلك دائر عليها، فلا يدرك إلا ما أدت إليه من جميع المعلومات، فتلجلج جهم ساعة ثم استدرك فعكس عليه مسألته، فقال له: أتقر أن لك روحاً؟ قال: نعم، قال: هل رأيت روحك أو سمعته أو لمسته أو شممته أو دنته؟ قال: لا، قال: وكيف علمت روحك؟ فأقر له اليوناني.
ورفع ساق إلى حاكم، فأمر بضربه، فقال: كم تضربني؟ فقال له: بالحضرة تكون، وعد لنفسك.
وقيل لأعرابي: ما لك من الولد؟ قال: قليل خبيث، يريد لا أقل من واحد، ولا أخبث من أنثى.
واشترى رجل غلاماً، فقال له البائع: فيه عيب، قال: وما هو؟ قال: يبول في الفراش، قال: ليس هذا عندي عيباً، إن وجد فراشاً، دعه يبول ويسلح.
وقال رجل لطفل: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال: إنما سألتك عن عمرك، فقال: فقل كم عمرك؟ فقال له كذلك، قال: ثمانية أعوام، قال: أحية أمك؟ قال: ما هي بحية ولا عقرب، ولكنها امرأة، فقال: فكيف أقول؟ فقال له: قل: أفي الأحياء أمك؟ فقال له كذلك، فقال له: نعم.
ودخل رجل ببنت بكر، فوجدها مسنة، فعابها بكبر سنها، فقالت له: لا تلم إلا نفسك؛ إنك تركتني حتى كبر سني.
واشتكى طفل بآخر إلى مؤدب، فقال له: إنه يشتمني في قلبه، قال له المؤدب: حكه أنت تحتك.
ووقف رجل على طباخ، فأكل خبزه برائحة القدر، فدعاه إلى الحاكم وعرفه بفعله، فقال له الحاكم: اضرب بدرهم على رخامته، يأخذ طنينه ورد إليك درهمك.
وخطر حاكم بالليل، وهو يطوف بالمدينة على سارق ينقب داراً فقال له: ما هذا؟ قال: مات لنا ميت، وأنا أحفر له من أين يخرج، فقال له الحاكم: وأين أمارة الموت؟ البكاء والصراخ؟ قال: آخر الليل تسمع النياح.
стр. 17
وقال رجل لأحمد بن أبي خالد، وكان فظاً غليظاً، لقد أعطيت ما لم يعطه رسول الله ﷺ ، فقال: لئن لم تخرج مما قلته لأعاقبك، فقال: قال الله تعالى لرسول الله ﷺ : (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) وأنت فظ غليظ القلب، ولا يبرحون من حولك.
وقال أعمى: ارحموا ذا زمانتين، قيل: وما زمانتك؟ قال: أعمى، قبيح الصوت.
وسأل رجل رجلاً فرده وشتمه، فقال له السائل: تردني وتشتمني؟ قال: كرهت أن أردك غير مأجور.
وقال المتوكل لأبي العيناء: كنت أشتهي منادمتك، لولا أنك ضرير البصر، قال: إن إعفاني أمير المؤمنين من قراءة نفش النصوص، ورؤية الأهلة، فأنا أصلح للمنادمة.
وقيل لأبي العيناء: ما بقي في زماننا هذا أحد ينبغي أن يلقى قال: إلا في بئر.
وتزوج معن نائحة، فسمعها تقول: اللهم وسع علينا في الرزق، فقال: يا فاعلة، إنما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك، إن كان فرح دعوني، وإن كان حزن دعوك، فهل ثم ثالث؟ واعتل ضرس لرجل، ففتح فاه للطبيب، فشم رائحة قبيحة، فقال: ليس هذا من عملي، ولكن من شغل الكنافين.
وقال رجل لطبيب؛ خرج لي خراج في أقبح موضع، قال: كذبت، هذا وجهك لست أرى فيه شيئاً.
وقال يونس بن محمد: مر بنا سكران، فسلم علينا، فلم نرد عليه سلاماً، وكنا جماعة، فقعد يبول وسطنا، فقلنا له: ما تصنع؟ فقال: ما ظننت أن هنا أحداً.
ولما قتل الحسين بن علي جعل رجل يسلب بنته حليها ويبكي، فقالت له: ما يبكيك؟ قال: إني أسلبك، قالت: فدعه، قال: يأخذه غيري.
وقال أبو علقمة لحجام دعاه يحجمه: اتق غسل المحاجم، وشد قصب الملازم، وليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزاً، ولا تكره آيباً، ولا تدعن آتياً، فوضع الحجام محاجمه في منديله، وقال: ابعث إلى الأصمعي يحجمك.
ودخل أبو علقمة على طبيب، فقال: إني أجد في بطني غمغمة وقرقرة، فقال له: أما الغمغمة فلا أعرفها، وأما القرقرة فضراط لم ينضج.
وقال رجل لآخر، إن لطمتك بلغتك المدينة، فقال: أحب أن تردفها بأخرى، عسى الله أن يرزقني حجة على يديك.
وقيل لأبي عبيد: أيما أفضل البصرة أم الكوفة؟ فقال: لو دلني رجل على البصرة لوهبت له الكوفة مكافأة على فعله.
وكان بعض الملوك قد أمر أهل مملكته أن يجعلوا السعي والانتشار بالليل والسكون بالنهار، فأخذ رجل بعد العصر، فأتي به للملك، فقال له: أما سمعت ندائي؟ قال: بلى، ولكن كانت لي حاجة مؤكدة، فأردت أن أبكر لها، فضحك الملك، وخلى سبيله.
وقيل لرجل صلى صلاة خفيفة: ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة ما فيها رياء ولا تصنع.
وقيل لبعضهم: هل يولد لابن تسعين؟ قال: نعم، إذا كان له جار ابن ثلاثين.
وسمع رجل من الظرفاء رجلاً يقول: كان أبي لا يدخل الزقاق إلا قام له الناس، فقال: صدقت، لأنه كان على ظهره حمل شوك.
وساق رجل قمحاً إلى طحان، فامتنع من طحنه، فقال له: اطحنه وإلا دعوت عليك، وعلى دوابك، فإني مستجاب الدعوة، فقال، فادع الله على قمحك، يرجع لك دقيقاً، فهو أنفع لك، وأسلم لدينك.
ودخل أبو العيناء على أبي الصقر، فقال له: ما أخرك عنا؟ فقال: سرق حماري، قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللصوص فأخبرك، قال: فلم لم تأتني على غيره؟ قال: قعد بي عن الشراء قلة يساري، وكرهت ذل المكاري، ومنة العواري.
ووقف أبو العيناء يوماً إلى صاعد بن مخلد، فقيل له: هو مشغول يصلي، فقال: لكل جديد لذة، وكان صاعد قبل أن يلي الوزارة نصرانياً.
وقيل لأبي العيناء: ما تقول في ابن مكرم والعباس في رستم، فقال: هما الخمر والميسر، إثمهما أكبر من نفعهما.
وقال أبو العيناء: ذكرت لبعض القيان فأحبتني على السماع، فلما رأتني استقبحتني، فقلت:
وشاطرة لما رأتني تنكرت ... وقالت: قبيح أحول، ما له جسم
فإن تنكري مني احولالاً، فإنني ... أديب أريب، لا عيي، ولا فدم
فقالت: إني لم أدرك أن أوليك على دير العراق.
وقال محمد بن يزيد المهلبي: كنت يوماً عند المنتصر، والجماز حاضر، فقال لي المنتصر: سله، هل بقي فيه للنساء شيء؟ فسألته يوماً: نعم، أقود عليهن.
وقال الفتح للجماز: قد كلمت أمير المؤمنين يوليك على الكلاب والقرود قال: أفلست سامعاً مطيعاً، فضحك المتوكل، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
стр. 18
وقال زكريا النيسابوري: قلت لأبي نواس: لم لا أرى في بيتك مصحفاً؟ فقال: النور والظلام لا يجتمعان.
وجاء شاعر إلى بشار بن برد، فأنشده شعراً ضعيفاً، وقال له: كيف تراه؟ فقال له: أحسنت، إذ أخرجته من صدرك، لو تركته لأورثك الفالج.
وتوعد بشار رجلاً بالهجاء، وكان ذلك الرجل زولقاً، فقال له: إن هجوتني صورتك على باب حمام، وجعلت خلفك قرداً يداعبك، فقال بشار: اللهم اخزه؛ أنا أمازجه، وهو يأبى إلا الجد.
ودخل أبو دلامة مصر، ثم انصرف منها إلى بغداد، فلقي أبا نواس، فقال له: كيف رأيت مصر؟ قال: رأيتها مقسمة على ثلاثة أقسام، قال: وما هي؟ قال: ثلث كلاب، وثلث دواب، وثلث تراب، قال: فأين الناس؟ قال: في الثلث الأول منها.
وكان ابن شآنة شاعراً ماجناً ظريفاً، فجاءه يوماً غلام، فقال له: علمني الزندقة، فقال له: نعم، ففعل به، فقال له: ما هذا؟ فقال: هذا أول باب من الزندقة.
ومرت امرأة بقوم وفي رجلها خف مقطع، فقال بعضهم، ما بال خفك يضحك؟ فقالت له: كذا يفعل إذا يرى القرانين.
ومرت امرأة بقوم، وفي يدها طبق مغطى، فقال لها بعضهم: أي شيء في الطبق؟ فقالت: فعلى أي شيء غطيناه؟ وقبل لأعرابي: أيسرك أن تكون أحمق ولك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأن حمقة واحدة تأتي على المائة ألف درهم، وأبقى أحمق معدماً.
وتزوج عبادة امرأة، فأقامت عنده شهراً وولدت، فقال لها: ما هذا؟ فقالت: أنت عجنت على خميرة غيرك.
وسألت أشعب صديقة له خاتماً، فقال لها: وما تصنعين به؟ قالت: أذكرك به، قال: اذكريني بأنك سألتني، فمنعتك.
وجلس صبي مع قوم يأكلون طعاماً حاراً، فجعل الصبي يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: الطعام حار، قالوا له: فاصبر حتى يبرد، قال: أنتم لا تصبرون.
وخرج غلام من منزله في يوم مطر شديد، فقالت له أمه: يا بني، هذا المطر كله على رأسك، قال: لا، يا أمي، أكثره على الأرض، ولو كان أكثره على رأسي ما عشت.
ونظر بعض الحكماء إلى غلام ومعه سراج، فقال له: من أين يجيء ضوء السراج؟ فقال له الغلام: إن أخبرتني أين يذهب إذا طفئ، أخبرتك من أين يجيء.
ومر عمر بن الخطاب ﵁، بصبيان يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير، فهرب الصبيان، وبقي عبد الله واقفاً، فقال له عمر: لم لا تفر مع أصحابك؟ قال لم يكن علي جرم فأفر، ولا الطريق ضيق فأوسعه لك.
وأقبل المعتصم إلى خاقان يعوده من علة أصابته، والفتح يومئذ صبي، فقال له المعتصم: أيما أملح دار أمير المؤمنين أو دار أبيك؟ قال: دار أبي إذا كان فيها أمير المؤمنين.
وكان في يد المعتصم خاتم بفص، فقال له: رأيت يا فتح أحسن من هذا الفص؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اليد التي الخاتم فيها.
وحكى محمد بن العباس قال: حدثني الفضل قال: عاتبت أم جعفر بحضرتها، وقال له: وجه إلى محمد وعبد الله خادمين خصيين يقولان لكل واحد منهما: ما يفعل معه، إذا أفضت الخلافة إليه؟ ففعلا، فأما محمد فإنه قال: أعطيك أموالاً، وأما عبد الله فإنه رمى الخادم بدواة، كانت بين يديه، وقال: يا ابن اللخناء، أتسألني ما أفعل معك يوم موت أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، إني لأرجو أن أكون أنا وأنت فداء له، فرجعا بالخبر، فقال الرشيد لأم جعفر: ما أرى تقديم ابنك إلا ظلماً.
وقال بعضهم: رأيت أعرابياً في طريق مكة يسأل، ولم يعط شيئاً ومعه صبي صغير، فلما طال عليه الأمر، قال: ما أراك إلا محروساً، قال الصبي: يا أبت، المحروم من سألته فبخل، ولم يعط، فعجب الناس منه، ووهب له شيء كثير.
وجاء رجل إلى حمزة بن نصير فقال: أصلحك الله، إن أخي مات، وما عندي ما نكفنه، قال: والله ما حضر لي اليوم شيء، ولكن تفتقدني بعد هذا اليوم، فقال: فعسى أن تأمر لي بدرهم آخذ به ملحاً، قال: وما تصنع به؟ قال: أملحه لئلا ينتن حتى يتيسر الكفن إن شاء الله.
وتكلم عبد الله بن الزبير مع امرأة، فقال لها في بعض كلامه، أخرجي المال تحت استك، فقالت لمن حضر: سألتك بالله، هذا كلام الخلفاء؟ قالوا: لا، فقالت لابن الزبير: كيف ترى هذا الخلع الخفي؟
стр. 19
ومر شبيب بن زيد رئيس الخوارج، بغلام في الفرات، فقال له: اخرج يا غلام أسائلك، وكان أراد قتله، فقال له الغلام: أمني حتى ألبس ثيابي، فأمنه، فقال: والله، لا ألبسها اليوم، قال شبيب: خدعتني، وانصرف عنه.
وحكى بعض البصريين أن عمر بن أسد صاحب السند قال: غزوت بعض بلاد السند، فوجدت شيخاً كبيراً، ومعه غلام، فسألته عن الناس، فقال: إن أردت أن أدلك عليهم، فاقتل هذا الغلام؛ لئلا يخبر بأمري، فأموت بضرب عنقه، ثم سألت الشيخ فقال: لو كانوا تحت قدمي ما رفعتها عنهم، وإنما خفت أن تسأل الغلام فيدلك عليهم، قال: فقتل الشيخ ولم يخبر.
وقال بعضهم: ورد الخبر على المنصور بخروج محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم، وهو يريد المدينة، فنظر إلى شجرة صغيرة يقال لها الخلاف، فقال للربيع: ما اسم هذه الشجرة؟ فقال: اجتماع يا أمير المؤمنين، فعلم أنها خلاف، وأعجبه قول الربيع.
ونظر المأمون إلى جارية له، وبيدها سواك، فقال لها: كيف تجمعين مسواكاً؟ قالت: محاسنك يا أمير المؤمنين، فاستحسن ذلك منها.
وأتي الحجاج بالغضبان بن القبعثري، وبيد الحجاج لقمة، فقال: والله لا أكلتها حتى أقتلك، قال الغضبان: وخير من ذلك -أصلحك الله أيها الأمير، تطعمنيها، ولا تقتلني، فتكون قد بررت في يمينك، ومننت علي، فقال الحجاج: ادن مني، فدنا منه، فأطعمه إياها، وخلى سبيله.
ويروى أن الحجاج مر في طريق المدينة بأعرابي، فقال له الأعرابي: ما وراءك أيها الركب؟ قال: خير قوم الحجاج، فقال الأعرابي: (إنا لله وإنا إليه راجعون) دمره الله وأهلكه، قال: ولم؟ قال: يخرجها كما أخرب مكة عليه لعنة الله، فنزع الحجاج عمامته عن رأسه، وقال: أنا الحجاج، فقال الأعرابي: وأنا ميمون غلام كرعان، أصرع في اليوم ثلاث مرات، فضحك الحجاج ومضى وتركه.
وكان مزيد يداخل بعض ولاة المدينة، وكان لطيف المحل عنده، فأبطأ عنه يوماً، فلما جاء، قال له: ما الذي أبطأك عني؟ قال: جارة لي كنت أهواها منذ زمان، فظفرت بها البارحة، وتمكنت منها، فهذا الذي حبسني، فغضب الوالي وقال: والله لآخذنك بإقرارك فلما عزم عليه قال: فاسمع مني تمام حديثي. قال: وما هو: قال: فلما أصبح خرجت لطلب معبر، يعبر لي رؤياي، فلم أجده، فهذا الذي أبطأني عنك، قال: في المنام - ويلك - رأيت هذا؟ قال: نعم، فسكن غضبه.
وحكى رجل عن شريك قال: رأيت أبا حنيفة وعنده حجام، يأخذ من شعره، فقال أبو حنيفة: خذ البياض من شعري، فقال له الحجام: إذن يكثر، فقال أبو حنيفة: فخذ السواد لعله يكثر، فضحك شريك، وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه في موضع، لتركه مع الحجام.
وجاء قوم إلى أبي حنيفة، فقالوا: ما تقول في رجل وجد معه طنبور، هل يجب عليه تأديب؟ قال: لا، قالوا: ولم قد وجد معه آلة الفسوق، قال: فكل واحد منكم معه آلة الزنا، فهل يجب عليكم حد؟ فانقطعوا.
وجاء رجل فوضع بين يديه عسل فيه نبيذ، على باب المسجد بالكوفة، وجعل ينادي: من يشتري مني كذا وكذا رطلاً بدرهم، وكان أبو حنيفة قد أحل النبيذ، فلما سمع أبو حنيفة قوله، قال: يا هذا، إنك فعلت قبيحاً، قال: أنت أحللته. قال: صدقت: ومن الحلال أن ينكح أبوك أمك في وسط السوق، ولكن يكون قبيحاً.
ودخل معن بن زائدة على المنصور، فقارب في خطوه، فقال له المنصور: كبرت يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإن فيك لجلداً قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
ورأى المنصور بعض أولاد الأشتر، فهم بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين ذنبي أعظم من نقمتك، وعفوك أوسع من ذنبي، فإن لم أكن للعفو لسوء ما أتيته أهلاً، فأنت له أهل، فاستحسن قوله، وعفا عنه.
وأسر يوم الجمل رجل، فأتي به علي بن أبي طالب ﵁، فقال له: ويلك، وأنت ممن ألب علينا، فقال الأشتر: دعني أضرب عنقه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، لأن تلقى الله، وقد عفوت عني خير من أن تلقاه، وقد شفيت غيظك، قال: اذهب حيث شئت.
وأتي الحجاج برجل من الخوارج، فأمر بضرب عنقه، فقال له: أخرني يوماً، قال: ما تريد بذلك؟ قال: أؤمل فيه عفو الأمير، مع ما تجري به المقادير فتركه.
стр. 20
وأتي عبد الملك بن مروان بأسير، فدعا بالسيف والنطع، فوافق ذلك دخول صغار بني عبد الملك باكياً، قد ضربه المؤدب، فانزعج لذلك عبد الملك، وأرادوا تسكينه، فقال الأسير: دعوا الغلام ما أنت فيه عن هذا القول؟ قال: ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن النصيحة شيء إلا أن يعوق عائق، قال: خلوا سبيله.
وجاز المنصور يوماً، والفرج بن فضالة جالس على باب الذهب، فقام الناس جميعاً، ولم يقم الفرج، فاستشاط المنصور غضباً، ودعا به، وقال: ما منعك من القيام؟ قال: خفت أن يسألني الله تعالى: لم فعلت؟ ويسألك: لم رضيت؟ وقد كره رسول الله ﷺ ذلك، فسكن غضبه، وقربه، وقضى حاجته.
وبلغ هشام بن عبد الملك عن رجل فيه شيء قبيح، فأحضره، فتكلم بحجته، فقال له هشام: وتتكلم أيضاً؟ فقال يا أمير المؤمنين يقول الله : (يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها) ، فنجادل الله جدالاً، ولا نتكلم إليك كلاماً؟ فقال هشام: تكلم بما شئت.
وعربد غلام هاشمي، فشكوه إلى عمه، فأراد عمه أن يوقع به الحد، فقال: يا عم: إني أسأت، وليس معي عقلي، فلا تسيء إلي ومعك عقلك، فصفح عنه.
وجلس موسى بن عبد الملك للمظالم، فدخل عليه أهل شهرين، وفيهم سهل بن عاصم، فتظلموا إليه من عاملهم، وسهل ساكت، فقال له موسى: إن قال سهل كما قلتم صرفته عنكم، ثم قال: ما تقول يا سهل؟ قال: أقول: أعزك الله، إنه لم يظلمنا، ولكن الله أمر فينا وفي أمثالنا بالعدل والإحسان، فعدل فينا، ولم يحسن، ولن تصلح أحوالنا إلا بالإحسان، فقال موسى: قد صرفته عنكم، ووليتك عليهم فاعدل وأحسن.
وأقبل بعض السلاطين، فقام إليه رجل، فقال له: لم قمت؟ فقال: لأقعد، فولاه عملاً، واتخذه لنفسه.
وقيل لأعرابي: ما فعل بنوك؟ قال: أكلهم دهر لا يشبع، يعني ماتوا.
وقيل لأحد الزهاد: لم تحب الدراهم، وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: هي وإن أدنتني من الدنيا، فقد صانتني عنها.
وكان في بني الجراح فتى خليع ماجن، فأراد العبث بأبي العيناء فنهاه نصاحه، فأبى، فقالوا له: شأنك به، فقال له: يا أبا العيناء، متى أسلمت؟ قال: حين كفر أهلوك، وأبوك الذين لم يؤدبوك، قال له الفتى: إذن علمت أنا ما أسلمت، فقال أبو العيناء: شهادتك لأهلك دعوى، وشهادتي عليهم بلوى، وستعلم أي السلاطين أقوى، وأي الشياطين أغوى، وسيعلم أهلك ما خبأ عليهم جهلك.
وأقبل رجل إلى الأعمش، فقال: يا أبا محمد، إني اكتريت حماراً بنصف درهم، وجئتك لتحدثني، قال: اكتره بالنصف الثاني، وارجع: فما أريد أن أحدثك.
وكان عقال بن سليمان يروي الحديث، فقال له بعض من حضر: إن رأيت أن ترفع صوتك؛ فإن بسمعي ثقلاً، فقال له: الثقل في كل شيء منك، ليس في سمعك.
وقال رجل لابن عمران المختار بن عبيد الله يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق، يقول الله : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) .
وقال رجل ليونس بن حبيب: ما بالي إذا تذاكرتم الحديث نعست قال: لأنك حمار في مسلخ إنسان.
وكان للمغيرة بن عبد الله الثقفي، وهو والي الكوفة جدي كل يوم يوضع على مائدته، فحضر يوماً أعرابي، فمد يده إلى الجدي، وأسرع فيه، فقال له المغيرة: إنك تأكله أكل حنق عليه كأن أباه نطحك، فقال له الأعرابي: وأنت تشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
وقال معاوية لعبد الله بن عباس: لي عندك حاجة يا أمير المؤمنين أفتقضيها لي؟ فقال له: نعم، فقال له ابن عباس: سل حاجتك يا أمير المؤمنين، قال: أريد أن تهب لي دورك وضياعك التي بالطائف، قال: قد فعلت، فقال له معاوية: قد وصلت الرحم، فسل حاجتك، قال: حاجتي إليك أن تردها إلي، قال معاوية: قد فعلت.
وقال رجل لثمامة بن أشرس: لي إليك حاجة، قال: وأنا لي إليك حاجة أفتقضيها؟ قال: نعم، قال: فإن حاجتي إليك ألا تسألني حاجة.
وكان أشعب يختلف إلى قينة يعلمها، فطلبت منه درهماً، فانقطع عنها، فعلمت له دواء، ولقيته به، فقال لها: ما هذا؟ فقالت له: دواء علمته لك تشربه لهذا الفزع الذي بك، قال: اشربيه أنت للطمع، فلو انقطع طمعك، لانقطع فزعي.
ورمى المتوكل عصفوراً بالبندق، فلم يصبه، فقال ابن حمدون: أحسنت يا أمير المؤمنين، فقال المتوكل: أتهزأ بي؟ كيف أحسنت؟ قال: إلى العصفور الذي تركته.
стр. 21
ونظر أعرابي إلى درهم في يد رجل، فأدام النظر إليه، فقال له الرجل: لو كان لك ما كنت تصنع؟ قال: كنت أنظر إليه نظرة، ثم يكون آخر عهده بالشمس.
وحكى بعضهم قال: وقف خالد بن صفوان بباب سليمان بن علي، فاتقى بغلة كانت بالموضع واقفة، فقيل له: إنها ما ركضت أحداً قط، فقال: أخاف أن أكون أنا المستثنى، فيقال: غير خالد.
وجاء رجل إلى أبي ضمضم القاضي، يستعدي على رجل في دابة، اشتراها منه، وبها عيب، فقال أبو ضمضم: وما عيبها؟ قال: في أصل أذنها شيء مثل الرمانة، وفي ظهرها شيء مثل التفاحة، وفي عجيزتها شيء مثل الجوزة، وفي بطنها شيء مثل اللوزة، فقال القاضي: مر عنا يا بارد؛ هذا من صفات بستان، لا عيب دابة.
وهبت ريح شديدة، فقال الناس: قد قامت القيامة، فقال زائدة المخنث: قيامة بلا خروج دابة، ولا خروج دجال، هذا مما لا يكون.
وكتب سليمان بن عبد الملك إلى عامله بالمدينة، أن أحصي المخنثين، واخصهم، فخصاهم، وكان فيهم دلال المخنث، فمر بهم رجل، فقال له: ما هذا؟ فقال: الختان الثاني، فالآتي تم التخنيث.
ولما صلب ابن برحان اللص، جاز عليه خبيب بن ثابت فنظر إليه ودعا له، فقيل له: لم تدعو له، وهو برحان اللص؟ قال: فلمن أدعو، أللحسن وابن سيرين؟ وأتت امرأة إلى بلال بن بردة من ولد أبي موسى الأشعري في أمر اتفق بينها وبين زوجها، فأوجب الحاكم أن يفرق بينهما، فقالت له المرأة: يا بني موسى، ما خلقكم الله إلا للتفريق بين الناس.
وحج سليمان بن الأعمش، ومعه جماعة، فطالبهم الجمال بشيء، فأخذوا في ضربه، فقيل لسليمان بن الأعمش، وكان في يده عصاً: يا أبا محمد، ألست حاجاً؟ قال: بلى، ولكن من تمام مناسك الحج ضرب الجمال.
وقال الهيثم بن عدي: قعدت عند ابن عباس ﵁، فجاءت هدية من مكة فيها ثياب من عمل أهل اليمن، وأخر من مصر فقلت: ألست تروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: من جاءته هدية، وعنده قوم جلوس، فهم شركاؤه فيها، قال: يا ابن أخي، إنما ذلك في التمر والسويق، وما أشبههما، وأما في الثياب العدنية، فلا.
ولما حج المأمون اعترضه رجل في الطريق، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل أريد الحج، قال له: الطريق أمامك، قال: وليس لي نفقة، قال: قد سقط عنك الغرض، قال: إني جئت مستمخاً لا مستفتياً، فأمر له بجائزة، وضحك.
وقال أبو علي البصري لأبي العيناء: إني ولدت قبل طلوع الشمس بيسير، قال: فلذلك كنت سائلاً؛ لأنه وقت انتشار الشمس.
ووقع حرب في بعض الثغور، فخرج رجل بقوس بلا نشاب، فقيل له في ذلك، فقال: نأخذ النشاب مما يجيئنا من العدو، قيل له: فإن لم يجيء، قال: لا يكون بيننا وبينهم قتال.
وتغدى أبو الحارث عند رجل، فقدمت دجاجة، فقال لغلامه: إنما كان ينبغي أن تقدمها في أول الطعام، ارفعها، فما كان في اليوم الثاني أتى بها في وسط الطعام، فقال: ألم أقل لك: إنما يبدأ بها في أول الطعام، فقال له أبو الحارث: دجاجتك هذه ميتة أطول عمراً منها حية.
وكان بعضهم يقدم على مائدته خبز درمك مقدار ما يأكله وحده، ويطعم جليسه خبزاً أحمر، وكانت هذه عادته مع من يواكله، فحضر مائدته يوماً إنسان لم يحضرها قبل ذلك، فلما وضع الدرمك بين يديه، مد الرجل يده، وأخذ منه، فقال له صاحب الموضع: ما هذا؟ قال: اشتهيت أن آكل خبزي بهذا الخبز، فخجل رب الدار، وعلم قبح فعله.
وسرق لرجل بخيل عشرة آلاف درهم، فأظهر الجزع عليها، فقال بعض الناس: من أين كنت اكتسبتها؟ قال: كنت أجمع الدرهم إلى الدرهم منذ ثلاثين سنة، قال: فهل كنت تحدث نفسك أن تفعل بها شيئاً من أبواب البر؟ قال: لا، قال: فهل كنت تؤمل أن تمتع بها نفسك؟ قال: لا، وإنما كنت أجعلها في جراب تحت رأسي، أستلذ بها، قال: فاجعل تحت رأسك حجراً عوضاً منها.
وكان بعضهم يتعاهد وقت طعام رياح الجوهري، ولا يخطئ وقته عند الزوال، وربما دخل وهم يأكلون، أو حين تجعل المائدة، فيقول: لعن الله القدرية، من كان يستطيع أن يصرفني عن هذا الطعام وقد كان في اللوح المحفوظ أني لابد أن آكله؟ فلما أكثر من ذلك قال له رياح: تعال أنت في غير هذا الوقت، فإن وجدت ما تأكله، فالعن القدرية وآباءهم.
стр. 22
وكان الواثق شديد المحبة للباذنجان، وكان يعمل له كل يوم ألوان كثيرة، فيأكل منها كل يوم ثلاثمائة باذنجانة، فوجه إليه المعتصم يقول له: يا بني: هل أريت خليفة أعمة قط؟ قال للرسول: أبلغ أمير المؤمنين، إني قد تصدقت ببصري على الباذنجان.
وجاء بعض الثقلاء إلى بعض الظرفاء، فقال له: بلغنا عنك أن لك أربعة آلاف كلمة من الجواب المسكت، وأحب أن تعلمني بعضها، قال: سل عما بدا لك حتى أعلمك، قال: إن قال لك أحد: اسكت يا ثقيل. قال: قل له، صدقت، فخجل الرجل وانصرف.
وجلس ثقيل إلى جانب ظريف ثم قال: لعلك استثقلتني؟ قال: يعلم الله أني استثقلتك وأنت في بيتك، فكيف وأنت بجانبي؟ ورفع رجل إلى الفضل بن يحيى رقعة بيضاء، ليس فيها شيء، فقال له الفضل: يا هذا، ليس في رقعتك شيء مكتوب، فقال له: يا سيدي اكتب فيها أنت ما يليق بفضلك، فكتب فيها أن يعطى مالاً جزيلاً.
وسأل أبو العيناء أحمد بن صالح حاجة، فواعده بها، فلما طالبه بالاقتضاء، قال أحمد: ما ترى هذا الطين والمطر؟ قال أبو العيناء: فحاجتي إذن صيفية، فضحك، وقضى حاجته.
وعوتب بعضهم على ما يتعاطاه من الحمق، فقال: حمق يعولني خير من عقل أعقوله.
ونظر الحسن يوماً إلى رجل عليه بردة حسنة، وحالة جميلة، فقال: من هذا؟ فقيل له: ضراط، فقال الحسن: ما طلب أحد الدنيا بما تستحق إلا هذا.
واشترى رجل ثلاثة أرطال لحماً، وقال لامرأته: اطبخيه، وخرج إلى شغله، فطبخته المرأة، وأكلته، فلما جاء زوجها، قال: هات ما طبخت، فقالت له: أكله السنور، فأخذ الرجل السنور ووزنه، فإذا فيه ثلاثة أرطال. فقال لها: هذا وزن السنور، فأين اللحم؟ أو هذا وزن اللحم، فأين السنور؟ وكان السمك في زمن كسرى عزيزاً، فجاء صياد بسمكة فيها ثمانية أرطال، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت له جارية: تعطي في ثمانية أرطال من سمك أربعة آلاف درهم؟ قال: فرديه، فأمرت برده ثم قالت له: سمكتك هذه ذكر هي أم أنثى؛ طمعاً في أن يقول: ذكر فتقول: أنثى نريد، أو يقول: أنثى، فتقول: ذكراً نريد؛ ففطن الصياد، فقال لها: هي خنثى، لا ذكر ولا أنثى، فقال كسرى: زيدوه أربعة آلاف درهم أخرى، فقبض الصياد المال وانصرف، فسقط له درهم، فأكب عليه وأهذه، فقالت له الجارية: انظر خساسته وسوء أدبه، أعطيته ثمانية آلاف درهم، وآكب بحضرتك لأخذ درهم، فأمر كسرى برده، فقال: لم أسأت الأدب؟ قال: كان على الدرهم صورة الملك، فأجللته أن يقع على الأرض، فقال كسرى: أعطوه أربعة آلاف درهم، ثم قال: هذا ما يجري من النساء.
وكان رجل قاعداً في مجلس وليمة، فكل من دخل وسعوا له، فضاق الرجل، فقام يخرج، فقيل له: إلى أين؟ قال: أخرج وأدخل عساكم أن توسعوا لي.
وقيل لأعرابي: لمن هذه الإبل؟ قال: لله وهي في يدي.
وخاطب أعرابي عبد الله بن جعفر، فقال في مخاطبته: يا أبا الفضل، فقيل له: ليس هذا كنيته، فقال: إن لم تكن كنيته فهي صفته.
وقعد أبو الحارث إلى قينة بالمدينة صدر نهاره، فجعلت تحدثه ولا تذكر الطعام، فلما طال ذلك به، قال: ما لي لا أسمع للغداء ذكراً؟ قالت: سبحتن الله، ما تستحي، أما في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ قال لها: جعلت فداك، لو أن جميلاً وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان فيها لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه، ثم افترقا.
وحضر أبو نواس مجلساً فيه قيان، فقلن له: أبا نواس، ليتنا بناتك، قال: نعم، ونحن على دين المجوسية؛ وذلك لأن المجوس ينكحون بناتهم.
ونظر عمران بن حطان إلى امرأته، وكانت من أحسن النساء، وكان هو من أقبح الرجال، فقال: إني وإياك في الجنة إن شاء الله، قالت: وكيف ذلك؟ قال: لأنني أعطيت مثلك فشكرت، وابتليت بمثلي فصبرت.
وجاء أعرابي إلى ابن الزبير، فقال: أعطني وأقاتل عنك أهل الشام، قال: اذهب فقاتل، فإن أغنيت أعطيتك، قال: أراك جعلت روحي نقداً، ودراهمك نسيئة.
وقيل لأشعب: ما أحسن الفناء؟ قال: نشيش المقلاة، قيل: فما أطيب الزمان؟ قال: إذا كان عندك ما تنفق.
وكتب عامل عمان إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، إنا أتينا بساحرة، فألقيناها في الماء فطفت على الماء، فكتب له عمر: لسنا من الماء في شيء، إن قامت عليها بينة، وإلا خل عنها.
стр. 23
وقال الأصمعي: سأل علي بن أبي طالب ابنه الحسين ﵄: كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع، قال: وكيف ذلك؟ قال: الإيمان كل ما سمعته أذناك، وصدقه قلبك، واليقين ما رأته عيناك فصدق به قلبك، وليس بين الأذن والعين إلا أربع أصابع.
وقال الحسن لفرقد السبخي: بلغني أنك لا تأكل الفالوذج، قال: يا أبا سعيد، أخاف ألا أؤدي شكره، قال: يا لكع، هل يؤدي شكر الماء البارد في الصيف والحار في الشتاء أحد؟ أما سمعت الله يقول: (كلوا من الطيبات) و (كلوا من طيبات ما رزقنكم) .
وسمع الحسن رجلاً يعيب الفالوذج، فقال: لعاب النحل، بلباب البر، بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم.
وقيل لبقراط: مالك تقل الأكل جداً؟ قال: إني إنما آكل لأحيا، وغيري يحيا ليأكل.
ودعا عبد الملك بن مروان رجلاً إلى الغداء، فقال: ما بي فضل يا أمير المؤمنين، قال: لا خير في رجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل.
وقيل للأحنف بن قيس: أي الشراب أطيب؟ قال: الخمر، قيل له: وكيف عرفت ذلك وأنت لم تشربها؟ قال: إني رأيت من حل له لا يتعداها ومن حرمت عليه إنما يدور حولها.
وقال قيصر لقس بن ساعدة: أي الأشربة أفضل عاقبة في البدن فقال: ما صفا في العين، واشتد على اللسان، وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم، قال: فما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعي ولا كالسعدان، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيي فيه بعض المتعة ولا يكاد يحيي من مات مرة.
وقيل لأعرابي: ما لك لا تشرب الخمر؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي.
وقيل لعثمان بن عفان ﵁: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك فيها؟ قال: إني رأيتها تذهب العقل جملة، وما رأيت شيئاً يذهب جملة ولا يعود جملة.
ودخل عمر بن الخطاب ﵁ على قوم، وهم يشربون ويوقدون في الأخصاص، فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب، وعن الوقد في الأخصاص فأوقدتم، وهم بتأديبهم، فقالوا: مهلاً يا أمير المؤمنين، نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن، فدخلت، فقال: هاتان بهاتين وانصرف، وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر.
وكان بالمدينة أعمى، فأتى يوماً عيناً يغتسل بها، فدخل بثيابه، فقيل له: بللت ثيابك، فقال: لأن نبتل علي خير من أن تجف على غيري.
وحكى الهيثم بن عدي قال: بينما أنا بكناسة الكوفة، إذا برجل مكفوف، قد وقف إلى نخاس الدواب، فقال له: يعني حماراً، ليس بالقصير، ولا بالكبير، إذا خلا الطريق تدفق، وإذا كثر الزحام ترفق، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، إن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام، فقال له النخاس: يا أبا عبد الله، اصبر، فإن مسخ الله القاضي حماراً، أصبت حاجتك إن شاء الله تعالى.
الباب الثالث
في أبيات شعر وقعت جواباً، واستعملت خطاباً اجتمع ناس من الشعراء، وأتوا منزل عدي بن الرقاع، وصاحوا به. فخرجت بنت له صغيرة، فقالت: ما تريدون؟ قالوا: نريد أباك، نهجوه، ونفضحه، فقالت:
تجمعتم من كل أوب، ووجهة ... على واحد، لازلتم قرن واحد
فاستحيوا، وانصرفوا خجلين.
ولقي كثير الفرزدق، فقال له الفرزدق، يعرض له بسرقته للشعر: يا أبا ضمرة، أنت أنسب العرب حين تقول:
أريد لأنس ذكرها، فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
فقال له كثير يعرض بسرقته، وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول:
ترى الناس ما سرنا، يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
وهذان البيتان لجميل، سرق الفرزدق واحداً، وكثير واحداً، فقال له الفرزدق: هل كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا، ولكن كان أبي كثيراً ما يردها، فعرض كل واحد منهما بصاحبه.
ومر الأقيشر الأسدي بقوم من بني عبس، فقال بعضهم: يا أقيشر، وكان يغضب إذا دعي بذلك، فنظر إليه وأنشأ يقول:
أتدعوني الأقيشر، ذلك أسمي ... وأدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدعها بالليل سراً ... ورب العرش يعلم ما تناجي
فسمي الرجل ابن مطفئة السراج ونظر رجل إلى الحسن بن عبد الحميد يزاحم الناس على باب محمد بن سليمان فقال: أمثلك يرضى بهذا؟ فقال:
أهين لهم نفسي؛ لاكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
وقال أبو مسهر: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان، فحجبني، فكتبت إليه:
стр. 24
إني أتيتك للتسليم أمس، فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أرد، ولا ... والله، ما رد إلا العلم والأدب
فأجابني ابن عبد كان:
لو كنت عافيت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس، وفيما قاله أدب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاً ... إن السماء ترجى حين تحتجب
وقيل لجبان في موقف حرب: تقدم فقاتل، فأنشأ يقول:
وقالوا: تقدم، قلت: لست بفاعل ... أخاف على فخارتي أن تحطما
فلو كان لي رأسان، أتلفت واحداً ... ولكنه رأس إذا مات أعقما
وأيتم أولاداً، وأرمل نسوة ... فكيف على هذا ترون التقدما؟
ووقف بعض الشعراء بباب أمير الرقة، فلما مثل بين يديه أنشده:
ماذا أقول إذا أتيت معاشراً ... صفراً يدي من جود أروع مجزل
إن قلت: أعطاني كذبت، وإن أقل ... بخل الأمير بما له لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلا ... من أن أقول: فعلت ما لم تفعل
فاختر لنفسك ما أقول؛ فإنني ... لابد مخبرهم وإن لم أسأل
فأعطاه عشرة آلاف درهم وكتب معها:
أعجلتنا، فأتاك عاجل برنا ... قلاً، ولو أمهلتنا لم نقلل
فخذ القليل، وكن كأنك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل
وقدم الحطيئة المدينة فوقف على عيينة، فقال له: أعطني، فقال: ما لك عندي حق فأعطيكه، وما في مالي فضل عن عيالي، فخرج مغضباًن وعرفه جلساؤه، فأمر برده، ثم قال له: يا هذا، إنك وقفت إلينا، فلم تستأنس ولم تسلم، وكتمتنا نفسك، كأنك كنت مجتنباً، قال: هو ذاك، قال: فاجلس؛ فلك عندنا ما تحب، فجلس، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يغره، ومن لا يتق الشتم يشتم
وأتى الشعبي مسجداً، فصادف فيه قوماً يغتابونه، فوقف عليهم، ثم قال:
هنيئاً مريئاً، غير داء مخامر=لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقال الهيثم بن عدي: لما انفرد سفيان بن عيينة، ومات نظراؤه من العلماء، تكاثر الناس عليه يسألونه، فأنشأ يقول:
خلت الديار، فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤود
وقال بعض الرؤساء لأبي العيناء: أبا العيناء، لو مت لرقص الناس طرباً وسروراً، فقال بديهاً:
أردت مذمتي، فأجدت مدحي ... بحمد الله ذلك، لا بحمدك
فلا تك واثقاً أبداً بعمد ... فقد يأتي القضاء بضد عمدك
أجل، الناس قد ذهبوا، فلو رآني الموتى لطربوا، فما زالوا يغبطونكم بي ويرحموني بكم.
وقيل لأبي العيناء: إن جماعة الكتاب يلومونك، فأنشد:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً علي لئامها
وقال له يوماً عبد الله بن سليمان: اعذرني؛ فإني مشغول، فقال له: إذا فرغت لم نحتج إليك:
فلا تعتذر بالشغل عنا؛ فإنما ... تناط بك الآمال، ما اتصل الشغل
وقيل له: الناس مع أبي علي البصير عليك، وهم إليه أميل، فقال:
سقيتهم الردى، لما رموني ... فقالوا: أبغضوك، فقلت: أدري
كبغض بني قريش في علي ... ولا ذنب سوى أحد، وبدر
وأتي العريان بن الهيثم بغلام سكران. فقال له: ابن من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي لا تنزل ... الدهر
قدره
وإن نزلت يوماً فسوف تعود
فظن أنه ابن أحد الأشراف، فخلى سبيله، فكشف الغيب أنه ابن فوال.
وسئل ابن شبرمة عن إنشاد الشعر، هل ينقض الوضوء أم لا؟ فأنشد:
يا صلح إن فتاة كنت أعشقها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
ثم قام فصلى.
ووجد المنصور على كاتب له، فأمر بإحضاره، ودعا بالسياط، فقال: يا أمير المؤمنين:
ونحن الكاتبون، وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
فضحك منه وعفا عنه.
وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يستفهمه عن حاله، فكتب إليه:
عليل من مكانين ... من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً يضاجر أخاه، فقال له أخوه: والله لأهجونك، فقال: فكيف تهجوني وأبي أبك، وأمي أمك؟ قال: اسمع ما أقول:
لئيم أتاه اللؤم من ذات نفسه ... ولم يأته من إرث أم ولا أب
стр. 25
وكان الفرزدق جالساً عند الحسن البصري، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد، إنا نكون في هذه البعوث والسرايا، فنصيب المرأة من العدو، وهي ذات زوج، فتحل لنا من غير أن يطلقها زوجها، فقال الفرزدق، وقد قلت أنا مثل هذا في شعري فقال له الحسن: وما قلت؟ قال: قلت:
وذات خليل أنكحتنا رماحنا ... حلالاً، لمن يبني بها، لم تطلق
قال الحسن: صدقت، ثم أقبل رجل آخر، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في الرجل يشك في الشخص يبدو له فيقول: هذا والله فلان، ثم لا يكون هو، ما ترى في يمينه؟ فقال الفرزدق: وقد قلت أنا مثل هذا، قال له الحسن: وما قلت؟ قال: قلت:
ولست مأخوذ بقول تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم
قال الحسن: صدقت.
واستعدت امرأة على زوجها عباد من منصور، وزعمت أنه لا ينفق عليها فقال لرؤبة بن العجاج: احكم بينهما، فقال:
فطلق إذن إن كنت لست بمنفق ... فما الناس إلا منفق أو مطلق
وقال علي بن الهجم: قلت لقينة:
هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدنى إليك؛ فإن الحب أقصاني
قالت: تأتي من باب الذهب، وأنشدت:
اجعل شفيعك منقوشاً تقدمه ... فلم يزل مدنياً، من ليس بالداني
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان بالمدينة رجل جعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان يتعشق قينة بالمدينة، فقال يوماً لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها؛ فقد والله أيتمت أولادي، وأرملت نسائي، وأخرجت ضيعتي، فقاموا معه حتى وقفوا ببابها، فدقه، فخرجت إليه، فإذا هي أملح الناس دلالاً وشكلاً، فقال لها: يا جارية، أتغني:
وكنت أحبكم، فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام
فاستحيت وخجلت وبكت، وقالت: يا جارية، هات عودي، والله ما أحسن هذا، ولكن غيره:
تحمل أهلها منها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحيا والله صاحبنا. ثم تصيب عرقاً، ثم قال لها: يا سيدتي هل تحسنين أن تغني:
وأخضع للعتبى إذا كنت ظالماً ... وإن ظلموا كنت الذي أتنصل
قالت: والله ما أحسن هذا، ولكن غيره، ثم غنت:
فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله ... وننزلكم منا بأفضل منزل
قال: فدفع الباب ودخل، وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه. وقال: لعن الله الأهل والولد والضيعة.
وكتب البعث على رجل من الكوفة، فخرج، وأفاد جارية وفرساً، وكان متزوجاً بابنة عم له، فكتب إليها:
ألا أبلغوا أم البنين بأننا ... غنينا، وأغنتنا الغطارفة المج
بعيد مناط المنكبين، إذا جرى ... وبيضاء كتمثال، زينها العقد
فهذا لأيام العدو، وهذه ... لحاجة نفسي، حين ينصرف الجند
فلما وردها كتابه، قرأت، وقالت: يا غلام، هات الدواة، ثم كتبت:
ألا أقره منا السلام، وقل له: ... غنينا، وأغنتنا غطارفة المج
إذا شئت غناني غلام مرجل ... ونازعته من ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشئ مد كفه ... إلى كبد ملساء أو كفل نهد
فما كنتم تقضون حاجة أهلكم ... حضوراً، فتقضوها على النأي والبعد
فعجل علينا بالسراح؛ فإنه ... منانا، ولا ندعو لك الله بالرد
فلا قفل الجند الذي أنت فيهم ... وزادك رب الناس بعداً على بعد
فلما ورد كتابها لم يزد على أن ركب، وأردف الجارية ولحق بها، فكان أول شيء بدأها بعد السلام أن قال لها: بالله هل كنت فاعلة؟ قالت: الله في قلبي أجل وأعظم، وأنت في عيني أحقر وأذل من أن أعصي الله فيك، فكيف ذقت طعم الغيرة؟ فوهب لها الجارية، وانصرف إلى بعثه.
ونظر ابن أبي ذيب إلى عائشة بنت طلحة تطوف بالكعبة، فقال لها: من أنت؟ فقالت:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن التقي المغفلا
مثلك أبا عبد الله، قال: صان الله ذلك الوجه عن النار، قيل: أفتنتك أبا عبد؟ قال: لا، ولكن الحسن مرحوم.
وقال الشافعي ﵁؛ تزوج رجل امرأة حديثة على امرأة قديمة، فكانت جارية الحديثة تمر بباب القديمة فتقول:
وما يستوي الرجلان: رجل صحية ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ثم تعود فتقول:
وما يستوي الثوبان: ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد
فمرت جارية القديمة بباب الحديثة، وأنشدت:
стр. 26
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل
وقال الهيثم بن عدي: كان تحت العريان بن الأسود بنت عم له فطلقها، فتبعتها نفسه، فكتب إليها يعر ض لها بالرجوع، فكتبت إليه:
إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بدلا ... إن الغزال الذي ضيعته مشغول
فكتب إليها:
إن كنت ذات شغل فالله يكلؤه ... فقد لهونا به، والحبل موصول
وقد قضينا من استطرافه وطراً ... وفي الليالي، وفي أيامها طول
وطلق الوليد بن يزيد زوجته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه، وندم، فدخل عليه أشعب، فقال له: أبلغ سعدى عني رسالة، ولك عندي خمسة آلاف درهم، قال: عجلها، فأمر له بها، فلما قبضها قال: هات رسالتك، قال: ائتها وأنشدها:
أسعدى، هل إليك لنا سبيل ... ولا حتى القيامة من تلاق
بلى، ولعل دهراً أن يواتي ... بموت من خليلك، أو فراق
فأتاها، فاستأذن عليها، فأذنت له، وقالت: ما بدا لك في زيارتنا؟ قال: يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة، وأنشدها الشعر فقالت لجواريها: خذن هذا الخبيث، فقال: يا سيدتي، جعل لي على ذلك خمسة آلاف درهم، قالت: والله لأعاقبنك، أو تبلغ إليه ما أقول، قال: يا سيدتي اجعلي لي شيئاً، قالت له: لك بساطي هذا، قال: قومي من عليه، فقامت فألقاه على ظهره، وقال: هات رسالتك، قالت له: قل له:
أتبكي على سعدى، وأنت تركتها؟ ... لقد ذهبت سعدى، فما أنت صانع؟
فلما بلغه ذلك، سقط في يده، وقال: اختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن نقتلك، وإما أن نطرحك من هذا القصر، وإما أن نلقيك إلى ذلك السباع، فتحير أشعب، وأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه، وقال: يا سيدي: ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى، فتبسم، وخلى سبيله.
ودخل أمية بن عبد الله على عبد الملك بن مروان، وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: قمت بالليل، فأصاب الباب وجهي، فقال عبد الملك:
رأتني صريع الخمر يوماً فسؤتها ... وللشاربيها المدمنين مصارع
فقال: لا، وأخذك الله يا أمير المؤمنين بسوء ظنك، قال: بلى، وأخذك الله لسوء مصرعك.
وشهد عند سوار القاضي رجل، فرد شهادته؛ لأنه كان يشرب النبيذ، فقال:
أما النبيذ، فإني غير تاركه ... ولا شهادة لي ما دام سوار
وكان بعض المشارقة يسمى كمال الدين، يهوى غلاماً اسمه بدر الدين فكتب إليه:
يا بدر دين الله، صل مدنفاً ... صيره حبك مثل الخيال
لا تخش من عيب إذا زرته ... فما يعاب البدر عند الكمال
فسمع بذلك عاشق آخر، فكتب إليه:
يا بدر، لا تسمع مقال الكمال ... فكل ما نمق زور محال
البدر يوفى الخسف في نصفه ... وإنما يخسف عند الكمال
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد، فجاءه نخاس بجارية للبيع، فنظر إليها الرشيد، ثم قال للنخاس: اذهب بجاريتك، فلولا كلف بوجهها، وخنس بأنفها لاشتريتها، فخرج بها، فلما بلغ الستر قالت: ردني يا أمير المؤمنين، أنشدك بيتين، فأمر بردها، فردت، فأنشدت:
ما سلم الظبي على حسنه ... كلا، ولا البدر الذي يوصف
فالظبي فيه خنس بين ... والبدر فيه كلف يعرف
فاشتراها الرشيد، وكانت من أحظى جواريه عنده.
الحديقة الثانية
في مداعبات يستجلب بها السرور، ومضحكات تميل إليها النفوس، وتشرح بها الصدور وفيها خمسة أبواب:
الباب الأول في ترويح الأرواح بمستحسن المزاح
كان النبي ﷺ يمزح، ولا يقول إلا حقاً.
فمن ذلك قوله لإحدى عماته: إن الجنة لا تدخلها عجوز، فلما جزعت من ذلك قال لها: إن الله يخلقهن يوم القيامة شواب أبكاراً.
وقال ﷺ لامرأة: ما فعل زوجك الذي في عينيه بياض، فلما جزعت من ذلك، قال لها: أوليس في كل عين بياض؟ وقال لرسول الله ﷺ رجل: احملني، قال: ما عندي إلا ولد الناقة، قال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ : وهل الإبل إلا من النوق.
وقال ﷺ : دخل نعيمان الجنة ضاحكاً؛ لأنه كان يضحكني.
стр. 27
وروي أن نعيمان ﵁ أصابه رمد في عينه، فعاده رسول الله ﷺ فوجده يأكل تمراً، فقال له: أتأكل التمر وأنت أرمد؟ فقال له نعيمان: إنما أنا آكل من الجهة الأخرى، فضحك رسول الله ﷺ .
وقيل لسفيان الثوري: المزاح هجنة، قال: بل سنة.
وقال عبد الله بن عمر لجاريته: خلقني خالق الخير، وخلقك خالق الشر، فبكت، فقال: لا عليك؛ فإن الله هو خالق الخير والشر جميعاً.
وكانت سويداء لبعض الأنصار، تختلف إلى عائشة ﵂، تلعب بين يديها وتضحكها، وربما كان النبي ﷺ يدخل على عائشة فيجدها عندها، فيضحكان جميعاً، ثم إن النبي ﷺ فقدها، فقال: يا عائشة ما فعلت سويداء؟ قالت: إنها مريضة، فجاء النبي ﷺ يعودها فوجدها في الموت، فقال لأهلها: إذا توفيت فأذنوني، فلما توفيت أعلموه، فشهدها، وصلى عليها وقال: اللهم إنها كانت حريصة على أن تضحكني، فأضحكها فرحاً.
وفي بعض الكتب المترجمة أن يحيى وشمعون كانا من الحواريين، فكان يحيى لا يجلس مجلساً إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلساً إلا بكى وأبكى من حوله، فقال شمعون ليحيى: ما أكثر ضحكك، كأنك قد فرغت من عملك، فقال له يحيى: ما أكثر بكاءك كأنك قد يئست من ربك، فأوحى الله إلى عيسى ﵇: أن أحب السيرتين إلي سيرة يحيى.
وفي بعض الكتب المنزلة أيضاً أن عيسى بن مريم لقي يحيى بن زكرياء فقال له عيسى: إنك لتبتسم تبسم آمن، فقال له يحيى: إنك لتعبس تعبس قانط، فأوحى الله إلى عيسى ﵇ أن الذي يفعل يحيى أحب إلي.
وكان عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ فيه مزاح، فدخل على عائشة أم المؤمنين ﵂، وهي عمة والده يعودها في مرضها الذي ماتت فيه، فقال لها: كيف تجدينك يا أمي، فدتك نفسي، فقالت: في الموت، قال: فلا أفديك إذن، فتبسمت وقالت له: ما تدع مزاحك على حال.
ولقي نعيمان، وهو من قدماء الصحابة، وكان رجلاً صالحاً مع ما كان فيه من المزاح، أعرابياً معه عكة عسل، فاشتراها منه، وجاء بها إلى عائشة والنبي ﷺ عندها، فقرع الباب، وقال: خذوا هذه، فظن رسول الله ﷺ أنه أهداها له، ومر نعيمان، وترك الأعرابي جالساً، فلما طال جلوسه، صاح: يا هؤلاء، ردوا علي عسلي إن لم يحضر الثمن، فسمع النبي ﷺ كلامه، فأعطاه ثمنه، فلما جاء نعيمان، قال له رسول الله ﷺ : ما حملك على ما فعلت يا نعيمان؟ قال: رأيت النبي ﷺ يحب العسل، ولم كين عندي ثمنه، فضحك النبي ﷺ .
ومر نعيمان بابن نوفل البصير، وهو في المسجد، فقال له: أريد أن أبول فأخذه بيده، وحمله إلى موضع في المسجد، وقال له: اجلس، ومضى وتركه، فبال، فصاح الناس به: يا أبا المغيرة، إنك لفي المسجد، قال: نعيمان أجلسني ها هنا، لله علي أن أضربه بعصاي هذه إن وجدته، فبلغه الخبر، فجاءه بعد ذلك، وهو لا يعرفه، فقال له: هل أدلك على نعيمان؟ قال: نعم، قال: هو ذا يصلي، وجاء به إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال: هذا نعيمان، فعلاه بالعصا، فضحك الناس به: ويحك، هو عثمان، فقال: من قادني إليه؟ قالوا: نعيمان، قال: والله لا تعرضت له بسوء أبداً.
стр. 28
وخرج نعيمان وسويبط بن عبد العزيز، في تجارة مع أبي بكر الصديق ﵁، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان في بعض منازلهم، فاستعطفه أن يعطيه من الطعام، فقال له: حتى يجيء أو بكر، فذهب نعيمان إلى قوم من رؤساء الحي الذي هم فيه، فقال لهم: إن لي عبداً، فهل فيكم من يشتريه مني؟ فقالوا: نعم، فقال: إنه ذو لسان، وربما يقول: أنا حر، فتسمعون منه، فلا تغروني وتفسدوا علي غلامي، فقالوا: لا عليك، نحن لا نسمع قوله، فاشتروه، منه بعشرة من الإبل، فقبضها منهم، وجاء بهم إلى سويبط، فقال لهم: هذا هو، فقالوا: قم معنا، قال: وما الخبر؟ قالوا: قد اشتريناك من مولاك، قال: ومن مولاي؟ قالوا: نعيمان، قال: كذب وفجر، فتلكأ، فوضعوا عمامته في عنقه، وذهبوا به، وجاء أبو بكر وطلب سويبطاً، فلم يجده، فأخبر بفعل نعيمان، فذهب هو وأصحابه إلى القوم وخلصوه منهم، وردوا إليهم إبلهم، فلما قوموا أخبروا رسول الله ﷺ ، فضحك هو وأصحابه من ذلك.
وأتى رجل ابن سيرين، فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها، كأن لي غنماً، وكنت أعطى فيها ثمانية دراهم في كل رأس، فأبيت أن أبيع، ففتحت عيني، فلم أر شيئاً، فغلقتهما ومددت يدي وقلت: هاتوا أربعة أربعة، فلم أعط شيئاً، فقال ابن سيرين: لعلهم اطلعوا على عيب في الغنم فكرهوها، فقال: يمكن ما ذكرت.
وقيل للقاضي شريح: أيما أطيب الجوزنيق أو اللوزنيق؟ فقال: لا أحكم على غائب.
وقيل لابن سيرين: من أكل سبع رطب على الريق، سبحت في بطنه، فقال: إن كان هذا فينبغي للوزينج إذا أكل أن يصلي التراويح.
وسئل ابن سيرين عن رجل، فقال: توفي البارحة، فلما رأى وجه الرجل السائل، قال له: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) .
وقال رجل للأعمش: كيف بت البارحة؟ فدخل البيت، فأخرج فراشه ومخدته، وفرشهما واضطجع، وقال: هكذا بت البارحة.
وسأل رجل الشعبي عن المسح على اللحية، فقال: خللها، فقال: إني أخاف ألا ينالها الماء، قال: إن خفت ذلك فانقعها من أول الليل.
وكان الشعبي جالساً مع أصحابه، وإذا بجمال على عاتقه دن، فلما رأى الشعبي وضع الدن عن عاتقه، وقال: رحمك الله، ما اسم امرأة إبليس؟ فقال الشعبي: ذلك نكاح ما شهدته.
وجاءه رجل فقال: كيف كان طالع إبليس؟ فقال: إن المنجمين لا يعرفون طالع مولود حتى يعرف وقت ولادته، فسل عن الوقت الذي ولد فيه وتجيء حتى أعرفك بطالعه.
وجاءه رجل فقال: تزوجت امرأة وهي عرجاء، أفلي أن أردها بالعيب؟ قال: إن كنت تريد أن تسابق عليها فلك ردها.
وجاءه رجل فقال: أصاب ثوبي البلل، قال: اغسله، قال: بماذا أعزك الله؟ قال: بالخل.
واختصم الطفاوة مع بني راسب، في ابن يدعيه الفريقان، إلى زياد، وأقاموا جميعاً البينة، فأشكل على زياد أمره، فقال سعد من بني عمرو بن يربوع: أصلح الله الأمير ولني الحكم بينهم، قال: وما عندك في ذلك؟ قال: أرى أن يلقى في النهر، فإن رسب فهو من بني راسب، وإن طفا فهو من بني الطفاوة، فأخذ زياد نعله وقام، وغلبه الضحك، ثم أرسل إليه، ألم أنهك عن المزاح في مجلسي، قال: أصلح الله الأمير حضرني أمر خفت أن أنساه، فضحك زياد، وقال: لا تعودن.
وجاء رجل إلى ثمامة بن أشرس، أن يسلفه ويؤخره. فقال له: هذه حاجتان، فأنا أقضي لك إحداهما، قال: قد رضيت، قال: فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك.
وسأل رجل عمرو بن قيس عن حصاة المسجد يجدها الإنسان في ثوبه أو خفه أو جبهته، فقال له: ارم بها، فقال الرجل، زعموا أنها تصيح حتى ترد إلى المسجد، قال: دعها تصيح حتى ينشق حلقها، قال الرجل: أولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح إذن؟
الباب الثاني في المضحكات الحسنة، الخفيفة على الألسنة
صرخ ديك في شجرة، فسمعه ثعلب، فأتى إليه، فقال: أبا المنذر، أذنت؟ قال: نعم، قال: انزل نصلي جماعة، قال الديك: أيقظ الإمام، فتخيل للثعلب أنه ديك آخر، فرأى كلباً له ذنب أكبر من كلحته، فهرب، ولم يرد رأسه، فقال له الديك: يفوت الوقت، قال: انتقض الوضوء، أجدده، وأرجع إن شاء الله.
وأخرج راع غنماً للرعي، فجاء مع الليل، والعصا على عنقه من دون غنم، فقيل له: أين الغنم؟ قال: لا إله إلا الله، وأنا أقول: أي شيء نسيت في الجبل؟
стр. 29
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً في زمن الصيف، ينغمس في ماء، ويقوم ومعه خيط كبير فيه عقد كثيرة، فقلت له: ما هذا، قال: جنابات اكتسبناها في الشتاء، نقضي طهارتها في الصيف.
وأحرق فران طاجناً لفقيه، فجاء ووقف على باب الفرن، وقال: أيها الفرين المسكين، أضرمت اليوم السعير، وأحرقت الطجير، فورب العالمين، لولا أنك عندنا أمين، لضربتك بهذا الإطربزين، وأكلت من السياط مائة وتسعين، ولبثت في السجن بضع سنين، فقال له الفران: (وسلم على المرسلين والحمد لله رب العلمين) .
وقال الأصمعي: دخلت المدينة، فوجدت بها بقالاً، يوقد سراجاً في الظهر، ويشعله، فسألته عن ذلك فقال: أرى الناس يبيعون عندي غيري، ويشترون من عند غيري، فأظن أنهم لا يرونني، فأشعل السراج.
وغضبت أم حصى يوماً عليه، فقالت له: يا بني، حملتك في بطني تسعة أشهر، وأرضعتك وربيتك، ولا تكافئني على ذلك، فقال لها: أنت تمنين علي بدخولي في بطنك تسعة أشهر، ادخلي أنت في سوأتي تسع سنين.
ودخل أصم الحمام، فجعل رجل يخرج ريحاً، فلما كان بعد ساعة، قال له في أذنه: أولا تسمع شيئاً؟ قال: لا والله يا حبيبي، إلا خروج الريح أسمعه خيالاً.
وقيل لرجل: ما ورثت أختك من زوجها؟ قال: "أربعة أشهر وعشراً".
وحكى مطرف قال: أتيت مالك بن أنس يوماً وهو يضحك، وكان ضحكه غريباً فسألته عن ذلك فقال: قام هنا إنسان يصلي، فجعل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأرتج عليه، فجعل يرددها مراراً، فقال له رجل: ما أعرف هنا للشيطان ذنباً، إلا أنك لا تحسن أن تقرأ.
وبعث الرشيد إلى أبي نواس براءة مختومة، فلما فتحها، لم يجد فيها شيئاً، ففكر طويلاً، ثم رأى الرجل الذي جاء بها أصلع، وهو يطلب منه الجواب، فقال له: إن أردت الجواب، فإنما أكتبه في رأسك، وإلا انصرف دون جواب، فقال له: اكتب، فكتب فيه شعراً، وكتب في آخره: وبالله إلا مزقتم الرقعة إذا قرأتموها، فلما قرأ الرشيد ذلك أمر بصفع الرجل، فصفع حتى امتحى ذلك الكتاب بالصفع، والرشيد يضحك.
وقال أشعب الطماع: رأيت رؤيا، نصفها حق، ونصفها باطل، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت أرى أحمل بدرة دراهم، فمن ثقلها كنت أسلح في ثيابي، فانتبهت فإذا السلح، ولا بدرة.
وقال لأمه: رأيتك في النوم مطلية بعسل، وأنا مطلي بسلح قالت له: هذا عملك الخبيث، ألبسه الله لك، قال: بقي في الرؤيا شيء، قالت: وما هو؟ قال: رأيتك تلعقينني وألعقك، قالت: لعنك الله يا فاسق.
وأراد رجل أن يتزوج في قوم، فجاء بخطيب، فاستفتح خطبة النكاح بحمد الله، فأطال، ثم ذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر القرون الماضية حتى ضجر من حضر، ثم التفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزك الله: قال: قد والله نسيت اسمي من طول خطبتك، وهي طالق، وإن تزوجتها، فضحك القوم، وقعدوا في مجلس آخر.
وزوج خالد بن صفوان عبده أمته، فقال له: لو دعوت الناس فخطبت فقال: ادعهم أنت، فدعاهم، فلما اجتمعوا تكلم خالد، فقال: إن الله أجل وأعظم من أن يذكر في نكاح الكلبين، وأنا أشهدهم أني قد زوجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية، فضحك القوم من ذلك.
وخطب مصعب بن حيان خطبة نكاح، فأرتج عليه، فقال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فقالت أم الجارية: عجل الله موتك، ألهذا دعوناك، فضحك القوم وانصرفوا.
ووجد رجل في شجرة تين باكورتين في غير إبان الباكور، فجعلهما في طيفور على رأس غلام ليهديهما الملك، فأحس الغلام بخفة الطيفور، وأراد أن يعلم ما فيه، فرفع الغطاء وأدخل يده، فلم يجد في الطيفور غير الباكورتين. فأخذ واحدة، فأكلها، فلما وضع الطيفور بين يدي الملك بمحضر صاحب الهدية، أمره أن يرفع الغطاء عن الطيفور، فلما رفع لم يجد في الطيفور غير باكورة واحدة، فقال للغلام: ما فعلت بالأخرى؟ فقال: هكذا، وأخذ الباكورة التي بقيت، ورمى بها في فمه وأكلها، فضحك الملك من فعله.
وقال الأصمعي: دخل أبو بكر الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين أصيب فمي، وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي، فقبلت رأسك لرجوت الراحة، فقال: اختر بينه وبين الجائزة، فقال: يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم من الجائزة ألا يبقى من فمي سن، فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
стр. 30
ودخل رجل بجاية، فبينما هو يمشي، وإذا برجل يقول له: أتشتري حشيشاً طيباً، فقال له: إش قلت؟ قال: قلت لك هذا الجامع بناه يعقوب المنصور، وأنفق فيه عشر ألف درهم، اش تقول في هذا؟ وقال رجل لآخر: يا حاج الحرامين: الشراب والحشيش.
وتزوج رحل، فأعطى الفقيه أجرة المهر، فقال له: هذا قليل على المهر، فقال له: يا سيدي في الطلاق أخلف عليك إن شاء الله.
ودخل رجل المسجد فعثر في رجل آخر، فقال له: أعمى أنت؟ قال: أنا هو أعمى لو شاء الله كل ما نرى في هذا المسجد يكون أسيراً في ميورقة.
وجاء رجل إلى معبر فقال له: رأيت نفسي وأنا أطليها بالنخال، فقال له المعبر: يلزمك كلب، أما تسمع من اختلط مع النخال أكلته الكلاب.
ووجد أسقوا يوماً وزير السلطان يخرج للصيد، وهو يلبس السباط فقال: الآن يفتح الله علي، قيل له: ولم ذلك؟ قال: كانت أمي تقول لي: لا يفتح الله عليك ما دام الكلب يمشي حافياً، فترى سيدي الوزير يلبس السباط.
وكانت امرأة تمشي في الطين، وهي تزلق، وكانت جميلة، فقال لها رجل: حبيبتي واحبسي بلحية عمك سعد، فقالت له: الطين أنقى من السلح.
وقال جحا لأبيه: تزوجت أمي على خمسمائة درهم، فولدت لك أختي، فزوجتها على خمسمائة، وبقيت أنا لك فضلاً.
وضرب بعض النحويين، فكان المطوف يقول: هيذا جزا، فقال: والله لو خيرت بين طريحة أخرى وبين ألا أسمع صوت هذا الفاحش اللحن لاخترت ذلك، ثم التفت للمطوف وقال له: يا محروم بين الإعراب، وقل: هذا جزاء؛ لأنه مبتدأ وخبر، فقال له المطوف: اسكت واتخل رأسك، فقال له: بالدال قلها واقطع الهمزة؛ لأنه فعل أمر، فقال له: والله ما ضربت أبرد منك فلما دخل داره، وكانت له قطة، فجاءت تلعق الدم وتصيح: ميو، فقال لها: قولي: مئو بالهمز، ثم أخذها ورمى بها، فقيل له في ذلك فقال: لئلا يقال: قطة أبي عبد الله لحانة.
وجلس قوم للرماية، فقام أحدهم، وقعد في وسط الإشارة، فقيل له في ذلك، فقال: ما رأيت موضعاً أسلم منه؛ لأنه لم يحصل فيه سهم.
وأرسلت امرأة ولدها إلى خضار، فقال له: تقول لك أمي: أعطها بصلة تطيب بها فمها، فقال لها: تغدت غولاً بسلح.
وجاء جحا يكسر لوزة، فخرجت له من تحت الحجر حين ضرب عليها، فقال: سبحان الله، تراها بهيمة ولا تريد تموت.
وأتت امرأة إلى عطار، فقالت له: أعندك شعر إبليس؟ قال: نعم، فدخل قاعة الحانوت، فنفخ شدقه وأخرج ريحاً، وزنبط ونتف من إبطه شعرات، وأعطاها، قالت: هذا هو؟ قال: نعم، أو ما سمعت توزوزه حين كنت أنتفه؟ فقال له: صدقت، لعن الله رب الشعرات.
ووقف محتسب على لبان، فنظر عليه اللبن، فوجد فيه قليقاً، فقال: ما هذا؟ فقال: جعلته يأكل الدويدات.
ونظر رجل إلى تيس يأكل، ولحيته تضطرب، فقال: هكذا أنا إذا آكل؟ فحلف ألا يأكل طعاماً، فلم يأكل حتى مات جوعاً.
وجاء رجل إلى معبر، فقال: رأيت في النوم أني آكل مجبنة، فقال له المعبر: تحمل أسيراً إن شاء الله إلى قيجاطة؛ لقول الناس: قيجط نجبن لك.
ورأى رجل سكران يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: طالوت قتل جالوت، ولم نحضر لنصرته.
وقدم لقوم لون من لحم البقر، فجعل واحد منهم يخربش بإصبعه، فقيل له: ما تريد؟ فقال: أفتش القانصة.
وأجرى قوم خيلاً، فطلع منها فرس في أول الحلبة، فجعل رجل يكبر ويقول: عصمك الله، سلمك الله، فقيل له: هذا الفرس فرسك؟ فقال: لا والله إلا اللجام لجامي.
وشهد رجل عند قاض، فقال له المشهود عليه: أتجوز شهادته، وهو لم يحج؟ فقال: قد حججت، فقال سله عن بئر زمزم أين هو؟ فسأله القاضي عنه فقال: لا أدري أين هو؛ لأني حججت قبل أن يحفر.
وقيل لبعض الفقراء: ما تتمنى؟ قال: أتمنى أن أقعد يوم القيامة بين الجنة والنار، فكل من ينطلق إلى الجنة أطلب شكرانه، وكل من ينطلق إلى النار أطلب منه أن ينصف الطريق.
وماتت امرأة، فخرج ابنها يشتري لها كفناً، فجعل ينظر ثوباً بعد ثوب، ولا يعجبه شيء، فقال له التاجر: كيف تريده؟ مدنساً؛ لأنها رحمها الله كانت مقذورة.
وكان رجل يهوى امرأته، فقيل له: هل قلت فيها شعراً رقيقاً؟ قال: نعم قولي حبي فيك يا ابنة أبي البطرون محل سلح دبان في خبيزة، وارفقي بي يا ابنة عار بن عار.
стр. 31
وحج رجل، فلما كان عند الطواف هموا بحلق رأسه، فقالوا: لا يتم الحج إلا بهذا، فحلقوه، فلما ودع الكعبة قال لهم: إن جئت مرة أخرى احلقوا لحيتي.
وسمع أعرابي قيام الليل، وما فيه من الأجر، قال: وأنا أقوم في الليل مراراً، قيل: وما تصنع؟ قال: أبول وأرجع.
وأرادت امرأة أن تتزوج، فقال لها القاضي: سوقي مهرك، قالت: المهور كثيرة، قال: لابد أن تسوقيها، فساقت مهورها، فكان في جملتها عشرة رجال اسم كل واحد منهم لب.
وكان رجل يحلق عانته في الحمام فأخرج ريحاً، فضحك رجل كان بجانبه، فقال: إنها تولول على قصيصة أخيها.
ورأى رجل مؤذن في صومعته امرأة فأعجبته، فجعل يكلمها من الصومعة ويشير إليها، فشكت ذلك لزوجها، وكان حجاماً، فقال لها: إذا طلع الصومعة وأشار عليك وكلمك فأشيري عليه، ففعلت، فنزل من الصومعة وجاء إلى بابها، فلما دخل إليها جاء زوجها، وقد كان ينظر إليه على بعد، فدخل عليها، فبادرته المرأة، وقالت له: إن سيدي المؤذن له مطحنة موجعة، فانظرها له، فنظرها وقال: لابد من خلعها، وأخرج ماعونه، وقلع له مطحنة، ثم قالت: كانت صحيحة وإنما المؤلمة غيرها، ثم قلع له أخرى، والمؤذن ساكت، ثم خرج وهو يظن أن المرأة حاولت عليه لئلا يفتضح مع زوجها، فلما كان بعد ذلك رآها وكلمها، وأشارت إليه. وهبط إليها وزوجها ناظر إليه، فلما دخل فعل معه مثل ما فعل أولاً ثم خرج، وجعل يكلمها، وتشير عليه فدخل إليها، ويفعل به زوجها مثل ما فعل، وهو يظن أن ذلك حيلة من المرأة في ستره، حتى لم يبق في فمه سن؛ ثم شعر أن ذلك كان حيلة عليه، فطلع يوماً للصومعة، فرأته المرأة، فأشارت إليه فأشار إلى فمه، وقال لها: والله ما بقي فيه أبيض، فأي شيء تريدين مني؟ ورأى مؤذن امرأة في صومعة فتعشق بها وهي به، فإذا تم الأذان رفعت صوتها، وقالت: حاضر ناظر، فيعلم المؤذن أن زوجها في الدار، وإذا لم يكن في الدار تقول: وحدك حبيبي، لا شريك لك، فينزل إليها.
وخرج جحا يوماً على الصبيان، وقال: من يخبرني بما في كمي، وأعطيه أكبر خوخة؟ فقال له صبي: خوخ، فقال: ومن هذا الولد، زنى الذي قالها لك.
وجاء رجل إلى سليمان الورشدي، فقال له: يا سيدي ألك في أرض الجزيرة غنيمات؟ قال: لا، قال: ومن أي شيء تقول ذلك؟ قال: رأيت بها راعياً يسوق غنماً، وهو يقول: امش يا متاع ولد قحبة، فظننت أنها متاعك.
وقال الحاج الطنجي: رأيت بالديار المصرية رجلاً يبيع الحشيش وهو يقول: حشيش مركب على قشيش، ينسيك ذكر الله خمسة أيام، فقال له رجل: هذا درهم كبير أعطني منه بقيراط، قال: هذا الصرف لا يجوز.
وقال بعض الظرفاء: الاثنان أنس، والثلاثة عرس، والأربعة دردبة، والخمسة قرقبة، والستة كتف واحمل إلى الحبس.
ودخل رجل يصلي الظهر، وعنده خمسة دراهم، فجعلها أمامه، فرآها الذي بجانبه، فلما سجد أخذها له، فلما تمت الصلاة لم يجدها، فانصرف ولقيه رجل في باب المسجد، فقال: أصليتم؟ قال: نعم، درهم وربع للركعة، فادخل إن شئت.
وجاء رجل للصلاة، فوجد الناس يصلون، فقال: ترى كم معهم من ركعة؟ فقال له رجل وهو في الصلاة: دش.
ومثل ذلك ما حكي لي أن رجلاً دخل مسجد القيسارية ليصلي، والناس في الجلسة الأخيرة، فقال له إبراهيم النجار، وكان يصلي عند الباب: ما بقي شيء، فلم يلتفت الرجل إليه، ودخل، وقال: عار بن عار، نصحناهم فما قبلوا.
وقيل لولد مات والده: ما ترك لك أبوك؟ قال: اللعنة، ما نسمع إلا من يلعنه، ﵀.
وكان لبعض الوزراء بغلة ينقل عليها الزبل، ويركب عليها أحياناً بالسرج، فقال له رجل: يا سيدي، ما ثم أصبر من هذه الدابة، تنقل الزبل مرة بالبرصون، ومرة بالسراج.
وكان أعرابي يقول في دعائه: اللهم إني أسألك موتة كموتة أبي خارجة، قيل له: وما موتة أبي خارجة؟ قال: أكل لحم جمل، وشرب شراب عسل، ونام في الشمس، فمات شبعان ريان دفآن.
وكان واعظ يقول: من صلى كذا وكذا ركعة بكذا وكذا سورة يعطى في الجنة ما لا ندري.
وساق رجل لامرأته فدوشاً، فقالت له: يا رجل، أي شيء يراد بهذا الفروض؟ والله ما في الدار صعتر ولا والله حبة من ثوم لعمله.
ورفعت امرأة ولدها للقاضي، واشتكت له بكثرة عقوقه لها، فقال له: يا ابن أخي، أما سمعت الله يقول: (فلا تقل لهما أف) فلطمها، وقال لها: متى قلت أنا لك أف؟
стр. 32
وكان لرجل قط، لا تزال شواربه تنقط دماً، فسئل عن ذلك، فقال: إذا أكل الطعام، جاءت الفيران تشم ذلك وتلعقه فتدميه.
وجاء شيخ إلى قنديل يطفئه، فأخرج ريحاً، فضحكت امرأته، فقال لها: أتضحكين والله لولا ما تقسم الريح، ما تكسر إلا القنديل.
وقيل لرجل: أين القبلة في دارك؟ فقال: والله ما اهتديت إليها؛ لأني إنما دخلتها منذ أربعة أشهر.
وقال مزبلح لآخر: في غرستكم هذا العام باكور، قال له: عين أعين في باكورة.
وكان فقيه في داره يسمع سائلاً، يسأل ويقرع الباب، فقال له: يا هذا، النقر ثلاث: طاق، طرطاق، طرطلاق، فقال له السائل: فران أنت، ودعني بلا عشاء.
وأعطى ابن قزمان مؤدبه يطبخ له الخبز، وكان الطين: فوقع ووقع الخبز في الطين، فرجع إلى المؤدب، فقال له: يا سيدي، ما تقول في العثرات؟ قال: يا ولدي، إنها مكتوبة، فقال: يا سيدي، وصلتك في الطين مقلوبة.
وكان لرجل من أهل بلفيق بغل، فالتقى مع بغل آخر للقاضي، فضرب بغله بغل القاضي ركضة فكسره، فترك بغله لابنه، وذهب قبل أن يصل الخبر للقاضي، فدخل عليه فوجده مع جماعة من الناس، فقال له: يا سيدي، احكم على بغلك، كسر بغلي بركضة، فقال له القاضي: لا يحكم على بهيمة إذا فعلت شيئاً، فقال للناس: اسمعوا ما يقول سيدي القاضي، قالوا: الحق ما يقول لله، قال: فإن بغلي هو الذي كسر بغله.
ومر رجل بأبي العيناء، فقال: من هذا؟ فقال: رجل من بني آدم، قال: مرحباً بك، والله ما ظننت هذا النسل إلا قد انقطع.
وصل رجل، فلما سجد سمعه رجل يقول: اللهم اغفر لي ولوالدي ولأمي ولأختي، فقال له آخر: ولختنك، وهما في الصلاة، فقال له: قران أنت؟ وحمل رجل قدراً إلى فرن بحمامتين، فلما طبخت أكلهما الفران، وجعل عوضاً من ذلك حمامتين حيتين، فلما جاء صاحبها ورفع الغطاء طارتا، ولم يجد في القدر شيئاً، فقال: يا رب، أشهد أنك تحيي وتميت، ولكن المرق إش طرا فيه؟ وخرج جحا من الحمام، فضربته الريح، فقصرت بيضته، فرجع إلى الجمام، يفتش الناس، فقالوا: مالك؟ قال: سرقت بيضتي، ثم إنه تدفأ، وافتقدها، فقال: كل شيء لا تأخذه اليد يوجد.
وتبخر يوماً، فاحترقت ثيابه، فغضب وحلف ألا يتبخر إلا عريان.
وكان يمشي حافياً، فإذا وصل إلى ساقية أو واد، لبس السباط، فقيل له في ذلك فقال: الطريق أرى ما فيه، وأتحفظ منه، والوادي لا أدري ما فيه.
واختصم رجلان إلى بعض الولاة، فلم يحسن الحكم بينهما، فضربهما، وقال: الحمد لله؛ إنه لم يفتني الظالم منهما.
ومر جحا بصبيان يلعبون بباز ميت، فاشتراه منهم بدرهم، وحمله إلى أمه، فقالت له: ويحك، ما تصنع به وهو ميت؟ فقال لها: اسكتي، فوالله لو كان حياً ما بيع إلا بمائة درهم.
وقال هشام بن عبد الملك يوماً لأصحابه: من يسبني ولا يفحش، أعطيه هذا الثوب، وكان فيهم أعرابي، فقال: ألقه يا أحول، فقال: خذ، قاتلك الله، وكان هشام أحول.
وضربت امرأة زوجها فقعد يبكي، قالت له: وتبكي؟ قال لها: إي والله على رغم أنفك.
وتشاتم رجلان، فقال أحدهما للآخر: حلق الله لحيتك بمكة إن شاء الله.
وسرق حمار أبي الجهم، فشكر الله تعالى، فقيل له: ما فائدة هذا ومولانا يقول: (لئن شكرتم لأزيدنكم) فقال: لكوني لم أكن عليه فأسرق معه.
وقيل لأعرابي: من أشر أنت أو أخوك؟ قال: إذ جاء رمضان استوينا.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً يضرب أمه، فقلت له: أتضرب أمك؟ قال: إنها قليلة الأدب.
وكان لرجل ابن مزبلح، فجاءه يوماً ضيف، فلما رآه الابن لم يسلم عليه، فقال له والده: سلم على عمك عنق السياط، فقام وسلم عليه وقال له: كيف حالك يا عمي عنق السياط، فخجل الرجل، وضحك والده.
وكان لرجل ابن يسرق كل يوم حاجة، ويبيعها بأبخس ثمن، وينفقه في الفساد، فعاتبه يوماً وقال له: ليتك إذا سرقت الحاجة كنت تبيعها مني، فقال له: فاشتر مني إذن تلك المنارة؛ فإني إنما جئت لأسرقها، وأشار له إلى منارة أمامه.
стр. 33
وبات رجل عند نحوي، فأكل عنده طعاماً وفاكهة كثيرة، فلما كان في نصف الليل تحركت عليه بطنه، فصاح على النحوي: يا سيدي، إني أريد أن أتروح، قال: فتنحنح النحوي مراراً، ثم صاح: يا ميمونة مرار كثيرة، حتى استجابت له بعد حين، فقال: أزيلي الكرى عن مقلتيك، وافتحي عينيك، والسي ثوبيك، وقومي على قدميك، واضربي الزند، وأشعلي ناراً، وأوقدي سراجاً، وانهضي إلى البئر، فأدلي فيه الدلو، وأخرجي منه ماء، واجعليه في قدح، وألقيه في المستراح؛ فإن ضيفنا يريد أن يتروح، فلم يتم النحوي كلامه، إلا والرجل قد سلح في السرير، فقال: يا سيدي إن هذا الشغل الذي كلفت به خادمك إن يسر الله فيه، ربما يتهيأ في سنة كاملة، وأنا لا أكلف خادمك أكثر من شغل ساعة، يا ميمونة: اقبلي واغسلي السرير؛ فقد سلحت فيه.
وقال الأصمعي: دخلت مسجداً لأصلي فيه، فوجدت رجلاً وهو يصلي وقد رفع رجله، ومدها إلى خلفه، وجعل يده في السارية يمسك بها، فوقفت حتى فرغ من صلاته، وقلت له: لم رفعت رجلك، ومددتها إلى خلفك؟ قال: كنت أتهم بها نجاسة، فأردت ألا أصلي بها.
وكان بقرطبة رجل يعبر المنامات، وكان لا حسن فيها شيئاً، فأتته امرأة وقالت له: يا سيدي، كنت أرى في المنام، أني جالسة وفي يدي قيدوم، قال لها، زوجك يقدم، قالت له: يا سيدي، كيف يقدم زوجي وهو ميت؟ قال: يا حمقاء القيدوم يسوقه، ولو كان ميتاً منذ ألف سنة.
وجاءت امرأة إلى لب كاتب الشمس، فقالت له: يا سيدي، أين يوجد ابن دحنين الذي يفسر المنام؟ فنظر إليها، وفي يدها دجاجة وسلة بيض، فقال لها: أنا أفسر المنام أحسن منه، وأقول لك خيراً، فقصي علي ما رأيت، فقالت له: رأيت كذا وكذا، فقال لها: هذه منامة مليحة ينال بها كذا وكذا، ويفعل بك زوجك كذا وكذا، فدفعت إليه الدجاجة والبيض وانصرفت، فأخبر ابن دحنين بذلك، فجاء إليه ولعنه، وأراد أن يشتكي به للقاضي.
وجاء رجلان إلى قاض يختصمان، فكان أحدهما يدعي على الآخر حقاً يزعم أنه من ميراث أبيه، فقال له الآخر: أعز الله القاضي، أنا رجل من بعض قرابته قال القاضي: فمن أي وجه قرابتك به حتى أعرف أمركما وأحكم بينكما؟ قال: كانت أم أبيه، جدها لأمها أخو بنت عمة خالي أخي بنت ابن ربيبتي، قال القاضي: يا سفلة، هذه أخلاط شربة، ارفعوها إلى العشاب؛ حتى يميزها خلطاً خلطاً.
وقال رجل لآخر: ما فعل أبوك بحماره؟ قال: باعه، قال: لم قلت باعه؟ قال له: ولم قلت أنت بحماره؟ فقال: للباء الجارة، قال: ولم تكون باؤك تخفض، وبائي لا تخفض؟ ومثل هذا ما يحكى أن رجلاً لقي آخر. فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من عند أهلونا، فتعجب السائل من فصاحته، ثم قال له: قد علمت من أين أخذت هذا، من قوله تعالى: (شغلتنا أموالنا وأهلونا) .
وقال رجل لبياع الخوخ: كيف تبيع الخوخ يا أقرع؟ قال: من كلامك الحسن، أختار لك بنوجاً.
وقال فقيه لعبيد بن طرس: من أين تأكل؟ قال: من الكون يا كبة، ولا من برزون.
وقال الأصمعي: كان بين رجلين عبد، فقام أحدهما يضربه، فقال له شريكه: ما تصنع؟ قال: اضرب حصتي منه، فقال له: وأنا أضرب حصتي، فقاما يضربانه فسلح عليهما، وقال: اقتسما هذا على قدر حصتكما.
وقال المتوكل يوماً لجلسائه: أتعلمون عنت المسلمين على عثمان بن عفان؟ فقال أحدهم: نعم يا أمير المؤمنين، لما توفي رسول الله ﷺ قام أبو بكر على المنبر دون مقام رسول الله ﷺ ، فلما ولي عمر قام دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر فقعد مقعد النبي ﷺ ، فأنكر ذلك المسلمون عليه، فقال عبادة: يا أمير المؤمنين، ما أحد أعظم منة عليك من عثمان، قال: وكيف ذلك؟ قال: صعد ذروة المنبر فلو أنه كلما ولي خليفة نزل عن مقام من تقدم لكنت تخطب علينا من بيتك، فضحك المتوكل حتى استلقى، وضحك من حضر.
стр. 34
ولما حمل أبو إسحاق إلى المتوكل وأدخل عليه، قال المتوكل لابن حمدون: اعبث به، فقال له ابن حمدون: متى تعلمت العبارة؟ قال: أنا معبر قبل أن تكون أنت ملهياً، قال: ما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما هي؟ قال: رأيت كأن أمير المؤمنين حملني على فرس أشهب كله، إلا ذنبه، فإنه كان أخضر، قال: صدقت رؤياك، فإن أمير المؤمنين يأمر أن تدخل في قفاك فجلة، يغيب أصلها الأبيض، ويبقى الأخضر منها، فضحك المتوكل، وقال: صدقت رؤياك، هاتوا فجلة، فقال: أنت يا أمير المؤمنين أمرتني، قال: وأنت رأيت الرؤيا، قبل أن آمرك، فلم يبرح حتى فعل به ذلك.
وقعد المتوكل يوماً يشرب، فطرب عبادة من صول لبعض المغنين، فقام ورقص، أحسن رقص، فسر المتوكل برقصه، وقرب عبادة من مقعده، فلما جلس ضرب المتوكل بيده على قفا عبادة فأخرج ريحاً، فقال: ويلك ما هذا؟ فقال: يا سيدي أيجوز لمثلك أن ينقر على قوم فلا يكلمونه؟ وأتي علي بن موسى الوزير ببعض العمال، وقد خرج عليه مال كثير، فطلب به وحبس، ثم أخرج يوماً ليطلب له ذلك، فإذا هو بامرأة قد أخذت من قوم وهي تذكر أنهم استكرهوها في نفسها، فقال لها: طوبى لك، أنت طلبت بما تقدرين عليه، وأنا أطلب بما لا أقدر عليه، فبلغ ذلك علي بن عيسى، فضحك عليه، وحط عنه نصف ما عليه.
وكان رجل من العمال يطلب بمال، فأحضر بين يدي بعض الولاة، وأقيم على رأسه عونان، وقيل لهما: انتفا لحيته، فقال الرجل للوالي: ولم تفعل هذا بي؟ قال: حتى تؤدي ما عليك، قال: نعم، قال: وخراج أهل بيتك، قال: نعم، قال: وخراج سكان موضعك، فرفع رأسه إلى العونين، وقال: انتفا على بركة الله، فضحك وخلى سبيله.
ومات بواسط رجل من المياسير في أيام اليزيد، فأحضر ابن الميت، وقال له: ما ترك أبوك من المال؟ قال: كذا وكذا، وخلف من الورثة الوزير أعزه الله، وأنا، فضحك المتوكل، وأمره ألا يتعرض له.
وكان بعضهم في سفر، فوصل إليه كتاب من داره بموت أحد أولاده، فقال: لا إله إلا الله، ولد ونحن غائبون، ومات ونحن غائبون، فقال له مضحك: نعم، وعمل وأنتم غائبون.
وكان بعض الملوك فيه ضر وشدة، فلا يقدر أحد أن يبتدأه بكلام، فبينما هو جالس يوماً مع ندمائه في براح، إذا بعارض مطر شديد، فلم يقم، ولم يتجسر أحد أن يقول له شيئاً، والمطر في زيادة، وكان بينهم طيفور فيه فاكهة، فأخذه رجل من الجمع، وفرغ ما فيه، وألقاه على رأسه، وقال للملك: اجلس ما شئت، فضحك من فعله، وقام من فوره.
ولقي بعض الأمراء أسود في بعض طرق نزهته، فأمر بقتله، فقال الأسود: ما ذنبي؟ فقال: إني تشاءمت برؤيتك، فقال له الأسود: فمن تشاءم منا بصاحبه أكثر أنا أو أنت؟ فضحك من قوله، وخلى سبيله.
وعرض عمرو بن الليث عساكره، فرأى فارساً، تحته دابة مهزولة، فقال: لعن الله هؤلاء، يأخذون الدراهم، فينتفعون بها، ويستمتعون بفقاح نسائهم، فقال الفارس: أيها الأمير، لو رأيت امرأتي لعلمت أنها أهزل من كفل دابتي، فضحك عمرو، وأمر له بطعام وقال له: سمن امرأتك، وكفل دابتك.
وخرج المعتصم إلى بعض متنزهاته، فظهر له أسد، فقال لرجل من فرسانه أعجبه قوامه وسلاحه، وتمام خلقته: يا رجل، أفيك خير؟ فقال بعجلة: لا يا أمير المؤمنين، فضحك المعتصم، وقال: قبحك الله، وقبح طلعتك.
وأراد أعمى أن يتزوج امرأة، فحضرا مجلس القاضي، ليشهد لهما، فقال لها القاضي: اكشفي عن وجهك، فكشفت، فأعجبته، فقال للأعمى: كم أمهرتها؟ قال: أربعمائة درهم، فقال القاضي: زدها؛ فإنها تستحق أكثر، فقال الأعمى: هذا ما عندي، فإن كان عند القاضي زيادة، فهو أولى بها.
ورأت طفلة عروساً يلعب مع عروسه، فمضت لأبيها، وقالت له: اشتر لي عروساً ألعب معه.
وتعشى أبو سالم القاص طفيشلاً وشرب عليه نبيذاً حاراً، وبكر ليقص، فدخل المسجد، وأقيمت الصلاة، وكان الإمام شيخاً كبيراً، فلما فرغ من الصلاة جلس في المحراب، فقام أبو سالم إلى جانبه يعظ الناس، فبينما هو في قصصه إذ تحركت بطنه، فقال: قولوا: لا إله إلا الله، فارتفعت الأصوات التهليل، وخرجت منه ريح علم بها الإمام، وقال: يا قوم، لا تقولوا شيئاً، فإنه يريد أن يسلح علي، فضحك الناس، وانصرف أبو سالم.
стр. 35
وحضر أبو عقيل مجلس بعض العلماء، وهم يتجادلون في الفقه، فقال أبو عقيل: دعونا من الخوض فيما لا ينفعنا، أي شيء كان اسم حمار العزيز، وأي شيء كان اسم هدهد سليمتان ﵇؟ ورفع رجل في دين عليه إلى قاض، فأمر به إلى السجن لقلة ما بيده، فمر بصبيان يلعبون، فنظر إليهم، وقال لهم: والله لقد كنتم نعم الأصحاب، من يوم ما فارقتكم ما رأيت خيراً، فضحك غريمه وأطلقه.
وانكسر رجل، فجاء أصحابه إليه يزورونه، فقالوا: كيف حالك؟ فقال لهم: فيكم من انكسر؟ قالوا: لا، فقال: ما أقول لكم شيئاً.
وكان سائل يمشي ومعه ابن له صغير، فسمع امرأة تقول، وهي خلف جنازة: يذهبون بك والله إلى بيت ليس فيه غطاء ولا وطاء ولا غداء ولا عشاء، فقال ابن السائل: لبيتنا والله يذهبون به.
ومر رجل ومعه ابن له صغير برجل يقطع بمقص، وهو يعوج فمه، فقال له ابنه: يا أبت، هذا مقصنا الذي تلف لنا، فقال له أبوه: ومن أين علمت ذلك؟ قال: لأنه يعوج فمه، كما كنت تفعل.
وكان ابن شبانة يوماً ينشد، فأخرج ريحاً، فقال لقفاه: أما أن تسكتي حتى أتكلم، وإما أن تتكلمي.
وحضر مزيد مجلساً بالمدينة، وفيه قينة تغني، ووصيفة على رأسها واقفة، فتحركت القينة، فخرج منها ريح بصوت، فرفعت رأسها ولطمت الوصيفة، فلبث مزيد يسيراً، واستعمل خروج ريح بصوت، فرفع يده، ولطم الوصيفة، فقالت له المغنية: مالك تلطم جارتي؟ فقال: رأيت كل من يخرج ريحاً يلطمها.
وكان لرجل أم عجوز، فجرى يوماً حديث النسوان وتزويجهن، فقال رجل: كل امرأة تقدر أن تحمل البوقل إلى أعلى السطح ينبغي أن تتزوج، فقالت العجوز أنا والله أقدر أن أرفع الخابية بالماء، فقال لها ابنها: والله لو صعدت بها فوق منار الجامع ما زوجتك؟ وكان لبعض الكتاب أم عجوز، وكانت تختضب وتتصنع، فاشتكت، فجاءها الطبيب، فجعل يقول في خلال كلامه لما رأى من خضابها وزينتها: ما أحوجها إلى زوج، فقال لها ابنها: اسكت ويحك هي عجوز هرمت، فقالت العجوز: أنت أعلم أم الطبيب يا أحمق؟ واجتمع ثلاثة نفر، فقال أحدهم: علي الطعام، وقال الثاني: وعلي الشراب، فقال الثالث: وعلي لعنة الله إن فارقتكم، فضحكوا من قوله، ومروا به.
وقال بعضهم: أخذ الطائف على المدينة ليلاً رجلاً سكران، فقال: اسجنوه، فقال: أصلحك الله، لا تفعل، فإن علي يميناً بالطلاق ألا أبيت عن منزلي، فضحك منه وخلى سبيله.
ونظر ملاح إلى شيء على وجه الماء في البحر، فظن أنه قطيفة، فقال: أنا والله أحوج الناس إليها، فرمى بنفسه عليها، فإذا هي من دواب البحر، فتعلقت به، فصاح به الناس: اترك القطيفة وانج برأسك، فقال: قد تركتها، وهي ليست تتركني.
ودعا بعضهم قوماً إلى طعامه، فلما مدوا أيديهم إلى الطعام، هاله منظرهم، ولم يستطع الصبر، فقال: هكذا والله تقوم القيامة.
وقال أبو العيناء: كنا على مائدة بعض الرؤساء، فقدم إلينا جدي مشوي، فلما ضرب الناس فيه بأيديهم، قال صاحب البيت: أما أنتم مسلمون؟ فارفقوا به رحمكم الله، فإنه بهيمة.
وقال بعضهم: دعاني صديق لي، وكان بخيلاً، فقدم على المائدة جدي، فنحن نأكله، وشاة تصيح، قلت: اسمعوا هذه الثكلى تصيح، فقال رب البيت: وكيف لا تصيح، وقرة عينها بين أيديكم تمزقونه؟ وأكل قوم عند بخيل، فلما رآهم قد أمعنوا الأكل أراد أن يقطعهم فقال: ليس هذا أكل من أراد أن يتعشى.
وكان ببغداد رجل غني، فسأله ابنه يوماً أن يشتري له إجاصاً، فتقدم إلى جار له، فقال: أعطني إجاصة واحدة، فلما أخذها ناولها ابنه، وقال له: كل هذه، فإنك لو أكلت منها ألفاً، فطعمها كطعم هذه الواحدة.
وكان بها رجل آخر، وكان لا يرى إلا رث الثياب، فخرج يوماً من منزله، فلقيه رجل من الجند، قد أخذ رزقه، فلما رآه دفع إليه درهمين، فقال له رجل يعرفه: لا تعط هذا شيئاً؛ فإنه أغنى من الأمير، فالتفت إلى الرجل وقال: ما كان يضرك لو سكت؟ فقال الجندي: ويلك، لم لا تلبس، ولا تنفق على نفسك مما رزقك الله؟ قال: يمنعني خشية الفقر، قال: ويحك، تعجلت ما كنت تخاف.
стр. 36
واشترى رجل من أهل الكوفة جبنة لعياله، وقال: يكفيكم أن تمسحوا خبزكم بها، فما زال كذلك حتى ضجروا منه، وتمنوا موته، فمات، وورثه ابنه فقال: إن أبي كان مسرفاً في ماله، فجعلها في جراب وعلقها، وقال: تكفيكم رائحتها، والإيماء إليها، فترحموا على الميت.
وقال بعضهم: كنت بالكوفة أبيع اللحم، فوقف علي رجل حسن الهيئة مليح المنظر، فحسر عن ذراعيه، وجعل يلطم اللحم بباطن كفه، ثم يمشي إلى غيري فيفعل مثل ذلك أياماً، فسألت عنه، فقيل لي: هذا دأبه، فإذا صار إلى داره غسل يده، وصنع بذلك الماء ثريداً.
وقال بعضهم: قلت مرة لرجل غني من أهل الكوفة، إنك لكثير المال، وقميصك وسخ، فلم لا تغسله؟ فقال لي: والله إني فكرت في غسله منذ ستة أشهر، ولكني أغسله إن شاء الله.
وكان لرجل من أهل الكوفة أم عجوز، وكان كثير المال، فقيل لها: كم يجري عليك ابنك؟ قالت: درهماً في كل أضحى.
وخرج نفر من أهل الكوفة في سفر، واتفقوا على أن يخرج لكل واحد منهم جعلاً للسراج، فأخرجوا، وامتنع واحد منهم، فكانوا إذا أوقدوا المصباح سدوا عينيه إلى وقت النوم، فإذا أطفأوا السراج خلوا عنه.
واصطحب منهم اثنان في سفر، فقال أحدهما للآخر: تعال نأكل، فقال له: معي رغيف، ومعك رغيف، فلولا أنك تريد أكثر، ما قلت لي: تعال نأكل جميعاً، وإلا فكل وحدك، وأنا وحدي.
ودخل طفيلي على قوم فقالوا: ما الذي جاء بك؟ فقال: إذا لم تدعوني أنتم، ولم آت أنا، وقعت بيننا وحشة، فضحكوا منه، وأكل معهم.
ودخل ابن مضاء على بعض الأمراء، فقال له: أي شيء خبرك يا ابن مضاء؟ قال: أعز الله الأمير، وأي شيء يكون خبري، والخرا عند الناس أكرم مني أفضل؟ قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن الخرا يحمل على الحمير، وأنا أمشي راجلاً، فضحك الأمير، وأمر له ببغلة يركبها.
وقال العتبي: كان بالمدينة مؤنث يدل على النساء يكنى أبا الحر، فقلت له: دلني على امرأة أتزوجها، فدلني على عدة نساء، فلم أرض منهن واحدة، فقال: والله يا مولاي، لأدلنك على امرأة لم تر مثلها قط، فإن لم ترضها فاحلق لحيتي، قال: فدلني على امرأة، فلما زفت إلي وجدتها أكثر مما وصف، فلما كان في السحر، إذا إنسان يدق الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أبو الحر، وهذا الحجام معي، فقلت: قد وقى الله شعرك أبا الحر، الأمر كما قلت.
ودخل رجل على ثمامة بن أشرس وبين يديه طبق بفراريج، فغطى الطبق بذيله، وأدخل رأسه في جيبه، وقال للرجل الداخل: كن أنت في البيت الآخر، حتى أفرغ من بخوري.
وقال بعضهم: دخلت على يحيى بن عبيد الله، وقوم يأكلوه عنده، فمد يده إلى رغيف، فرفعه من المائدة، وجعل يرطله بيده، ويقول: يزعمون أن خبزي صغير فمن هذا الزاني ابن الزانية، الذي يأكل منه نصف رغيف؟ وقال: دخلت عليه مرة أخرى، والمائدة موضوعة، والقوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل، فقال: أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحا، يقول: عليك بالدجاجة التي قد نيل منها، والفرخ المنزوع الفخذ، وأما الصحيح فلا تتعرض له.
وقال الأصمعي: كان المروزي يقول لزواره: هل تغديتم اليوم؟ فإن قالوا: نعم، قال: والله لولا أنكم تغديتم لأطعمتكم لوناً ما أكلتم مثله قط، ولكنه قد ذهب أول الطعام بشهوتكم، وإن قالوا: لا، قال: والله لولا أنكم لم تتغدوا لأسقيتكم خمسة أقدام من نبيذ الزبيب ما شربتم مثله، فلا يصير في أيديهم من الوجهين قليل ولا كثير.
وكان ثمامة بن أشرس، إذا دخل عليه أصحابه، وقد تعشوا عنده سألهم: كيف كان بيتهم ومنامهم، فإن قال أحدهم: إنه نام ليلة فيه هدو وسكون، قال: النفس إذا أخذت قوتها اطمأنت، وإن قال: إنه لم ينم، قال: إفراط الشبع والسرف في البطنة، ثم يقول لهم: كيف كان شربكم، فإن قال أحدهم: كثيراً، قال: التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير، وإن قال: قليلاً، قال: ما تركت للماء مدخلاً.
стр. 37
وبينما قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون عنده حيتاناً، إذا استأذن عليهم أشعب الطفيلي، فقال أحدهم: إن من شأن أشعب البسط إلى آخر الطعام، فاجعلوا كبار الحوت في صحفة ناحية، ويأكل معنا الصغار ففعلوا، وأذن له فدخل، فقالوا له: كيف رأيك في الحيتان يا أبا أشعب؟ قال: والله إن لي عليها حنقاً شديداً، لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان، قال له القوم: دونك فخذ بثأر أبيك، فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير، ثم وضعه عند أذنه، وقد نظر إلي الصحفة التي فيها الحيتان الكبار، وقال: أتدرون ما تقول هذه الحوتة؟ قالوا: لا ندري، قال: تقول: إنها لم تحضر موت أبي ولا أدركته؛ لأنها أصغر سناً من ذلك، ولكن عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت، فهي أكلت أباك.
وخطر طفيلي على قوم يأكلون، وقد أغلقوا الباب دونه، فطلع عليهم من الجدار، وقال: منعتمونا من الأرض، جئناكم من السماء.
ودخل طفيلي من المدينة على الفضل بن يحيى، وبيده تفاحة، فألقاها إليه، وقال: حياك الله يا مدني، فلزمها وأكلها، فقال له الفضل: ويحك أتأكل التحيات؟ قال: إي والله والزاكيات الطيبات.
وقيل لبسرة الأحول: كم تأكل كل يوم؟ قال: من مالي أو من مال غيري؟ قيل: من مالك، قال: مكوك، قيل: ومن مال غيرك؟ قال: أخبز وأطرح.
وقال أبو القيظان: كان هلال بن أشقر التميمي أكولاً، فيزعمون أنه أكل جملاً، وأكلت امرأته فصيلاً، فلما أراد أن ينام لم يصل إليها، فقالت له: كيف تصل إلي، وبيني وبينك جملان؟ وحكى أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب، فسقط في بئر، فسقطت حدبته، فصار بأدرة، فدخل الناس عليه يهنئونه، فقال: الذي جاء شر من الذي ذهب.
وقال أبو حاتم: رمى رجل أعور بنشابة، فأصابت عينه الصحيحة، فقال: أمسينا، وأمسى الملك لله.
وقال الزبير بن بكار: جاءت امرأة إلى أبي تستعديه على زوجها، وتزعم أنه يصيب جاريتها، فأمر به فأحضر، فسأله عما ادعت، فقال: أصلح الله الأمير، هي سوداء وخادمها سوداء، وفي بصري ضعف، ويضرب الليل برواقة، فآخذ ما دنا مني.
وخطب رجل خطبة نكاح، وأعرابي حاضر، فقال: الحمد لله، أحمده، وأستعينه وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، فقال له الأعرابي: لا تقم الصلاة؛ فإني على غير وضوء.
وقال العوام بن حوشب: قال لي عيسى بن موسى: من أرضعتك؟ قلت: ما أرضعتني سوى أمي، قال: قد علمت أن ذلك الوجه القبيح لا يصبر عليه سوى أمه.
وكان رجل مخنث، قد تنسك، وتشبه بالحسن البصري، فشهد جنازة ووقف على القبر، وإلى جانبه رجل ظريف، فضحك، فقال له المخنث: ما أعددت لهذه الحفرة أبا فلان؟ قال: أمك ندفنها فيها الساعة.
ودخل أعرابي الحمام فخرج منه ريح، فقال له نبطي: جبحان الله، فقال له الأعرابي: يا ابن اللخناء، ريحي أفصح من تسبيحك.
وفي كتاب ابن الهندي أن ناسكاً كانت له جرة بسمن، فعلقها في سرير، ففكر يوماً، وهو مضطجع على السرير وبيده العكاز، فقال: أبيع الجرة بخمسة دراهم، فأشتري خمسة أعناز، فأولدهن في كل سنة مرتين حتى تبلغ ثمانين، فأبيعها، وأشتري بكل عشرة بقرة، ثم ينمى المال بيدي، فأشتري العبيد والإماء، ويولد لي ولد فأؤدبه، فإن عصاني ضربته لهذه العصا، وأشار بالعصا فأصاب الجرة فتكسرت، وانصب السمن على رأسه.
الباب الثالث في المضحكات الشعرية
ودخل يحيى بن أكثم على المأمون، وعنده عبادة يتجارى معه في مسائل الفقه والفرائض، فقال: يا أمير المؤمنين، لي عند القاضي حاجة، قال: وما هي؟ قال: يعلمني فرائض الصلب؛ فإني ما رأيت أعلم بها منه، فضحك المأمون وقال: انظر في حاجة عبادة، فقال: يا أمير المؤمنين، قد كبر عن التعليم، وقد قال الشاعر:
فإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
ولكن يبعث إلي بولده أعلمه فرائض الصلب خاصة، قال له المأمون: كيف رأيت الجواب يا عبادة.
وكان الربيع والياً باليمامة، فأتى بكلب قد عقر كلباً، فقاد له منه، فقال الشاعر:
شهدت بأن الله حق لقاؤه ... وأن الربيع العامري ربيع
أقبلت، والوطء خفي، كما ... ينساب من مكمنه الأرقم
стр. 38
فرمى الشيخ بنفسه في الفرات بثيابه، وجعل يخبط بيديه طرباً، ويقول: أنا الأرقم، فأخرجوه وقالوا: ما فعلت بنفسك؟ قال: إني أعلم من تأويله ما لا تعلمون.
وقال أحمد بن جعفر: حضر قاضي مكة مأدبة لرجل من الأشراف، فلما قضى الطعام، اندفعت جارية تغني:
إلى خالد، حتى أنخنا بخالد ... فنعم، الفتى يرجى، ونعم المؤمل
قال: فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه، فعلقهما في أذنيه، ثم جثا على ركبتيه، وقال: اهدوني؛ فإني بدنة.
وكتب علي بن الجهم إلى قينة، كان يتعشق بها، ويكلف بها:
خفي الله فيمن قد تبلت فؤاده ... وتيمته دهراً، كأن به سحراً
دعي الهجر لا أسمع به منك، إنما ... سألتك أمراً، ليس يعرى لكم ظهراً
فكتبت إليه: صدقت، جعلت فداك، ليس يعرى لنا ظهراً، ولكنه يملأ منه بطناً.
وحدث العتبي عن أبيه قال: أنشدني أبو وائل:
ما أوجع البين من حبيب ... فكيف إن كان من غريب
يكاد من شوقه فؤادي ... إذا تذكرته يموت
فقال لي أبي: هذا وباء وهذا تاء، قال: لا تنقط أنت شيئاً، قال: فإن البيت الأول مخفوض والثاني مرفوع، قال: أنا أقول: لا تنقط، وهو يشكل.
وجاء أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر، فتغزل فيه بمائة بيت، ومدحه ببيتين، فقال له: والله ما تركت قافية لطيفة. ولا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك، قال: سأقول غير هذا، فعاد إليه بشعر يقول فيه:
هل تعرف الدار لأم العمر ... رع ذا، وحبر مدحة في نصر
فقال له نصر: لا ذاك، ولا ذا.
وكان بعض الأمراء يستظرف طفيلياً، ويحضره طعامه وشرابه، وكان الطفيلي أكولاً شروباً، فلما رأى الأمير كثرة أكله وشربه اطرحه وجفاه، فكتب إليه الطفيلي:
أقاد لنا كلباً بكلب، ولم يدع ... دماء كلاب المسلمين تضيع
وأهدى بعضهم إلى أمير يوم نيروز عصافير أحياء في طبق، وجعل معها رقعة فيها مكتوب:
عصافير بعثت بها ملاح ... ليضحك، لا لٍيأكلها الأمير
وما أهدى إلى ملك سوائي ... عصافير على طبق تطير
فلما وضع الطبق بين يديه، ورفع عنه الغطاء طارت العصافير، فرفع الرقعة وقرأ الشعر فضحك، وأمر له بجائزة سنية.
ودخل أعرابي الكوفة، فقصد تماراً، فقال له:
رأيتك في النوم أعطيتني ... قواصر من تمرك البارحة
فقلت لصبياننا: أبشروا ... برؤيا رأيت لكم صالحه
فأم العيال وصبيانها ... قلوبهم نحوها طامحه
فقل لي: "نعم"؛ إنها حلوة ... ودع عنك: "لا"؛ إنها مالحه
فدفع إليه قوصرة، وقال له: لا تعد ترى مثل هذه الرؤيا مرة أخرى.
وقال بعضهم: رأيت أعرابياً، يصلي في فصل الشتاء، قاعداً بغير وضوء، وهو يقول:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعداً ... على غير ظهر، مومئاً نحو قبلتي
فما لي ببرد الماء يا رب طاقة ... ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني أحصيه يا رب جاهداً ... وأقضيكه إن عشت في فصل صيفتي
فإن أنا لم أصنع، فأنت مسلط ... بما شئت من لطمي ومن نتف لحيتي
وقال الأصمعي: رأيت بالبادية أعرابياً، قد حفر حفرة وقعد فيها، وذلك في زمان الشتاء، فقلت له: ما صيرك هنا؟ قال: شدة البرد، قلت: فهل قلت في ذلك شيئاً؟ فقال:
أيا رب ما للبرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم، لا تعلم
فإن يك يوماً في جهنم مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
وقيل لابن أبي عتيق: إن المخنثين خصوا، وإن الدلال خصي، فقال: إنا لله، أما والله، لئن فعل ذلك به، لقد كان يحسن:
لمن ربع بذات الجيش، أمسى دارساً خلقا
ثم استقبل القبلة، فلما كبر سلم، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: اللهم إن كان ليحسن خفيفه، أما ثقيله، فلا، الله أكبر.
وصحب شيخ من المدينة شباناً في سفينة، ومعهم جارية تغني، فقالوا له: إن معنا جارية تغني، ونحن نجلك، فإن أنت أذنت لنا فعلنا، قال: فأنا أعتزل، وافعلوا ما شئتم، فتنحى، وغنت الجارية:
حتى إذا الصبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم
قد قل أكلي، وقل شربي ... وصرت من بابة الأمير
فليدع لي، وهو في أمان ... أن أشرب الراح بالكبير
стр. 39
ودخل على أبي الشمقمق بعض إخوانه المتلطفين به، فلما رأوا سوء حاله، قالوا له: أبشر، أبا الشمقمق؛ فإنا روينا في بعض الحديث: أن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة، فقال: إن صح هذا الحديث. والله، لا كنت أنا في ذلك اليوم إلا بزازاً، فأنشأ يقول:
أتراني أرى من الدهر يوماً ... لي فيه مطية غير رجلي
كلما كنت في جمع فقالوا: ... قربوا للرحيل، قربت نعلي
حيثما كنت، لا أخلف رحلا ... من رآني، فقد رآني ورحلي
وحكى محمد بن الحاج البزار، راوية بشار، قال: قال بشار يوماً، وهو يعبث، وكان مات له حمار قبل ذلك: رأيت حماري البارحة، فقلت: ويلك، قد مت، قال: إنك ركبتني يوم كذا، فمررنا على باب الصيدلاني، فرأيت أتاناً، فعشقتها، فمت، وأنشدني:
هام قلبي بأتان ... عند باب الصيدلاني
يتمتني، يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبغنج في دلال ... سل جسمي وبراني
ولها خد أسيل ... مثل خد الشنفراني
فبها مت، ولو عش ... ت، إذن طال هواني
فقال رجل من القوم: أبا معاذ، ما الشنفران؟ قال: هذا من غريب لغات الحمير، فإذا لقيتم حماراً فاسألوه.
وقال سفيان بن عيينة: دخلت الكوفة في يوم فيه مطر، فإذا كناس يفتح كنيفاً، ووقف على رأسه وهو يقول:
بلد طيب، ويوم مطير ... هذه روضة، وهذا غدير
ثم قال لصاحبه: انزل فيه، فأبى عليه، فنزل فيه وهو يقول:
لن يطيقوا أن ينزلوا، ونزلنا ... وأخو الحرب من يطيق النزولا
ليس كل الرجال يغشى لظى ... الحرب، ولا كلهم يلاقي الخيولا
وقال الأصمعي: بينما أنا بالبصرة، إذا بكناس يكنس كنيفاً، وإذا هو يقول:
فإياك والسكنى بدار مذلة ... تعد مسيئاً بعد أن كنت محسنا
فنفسك أكرمها، وإن ضاق مسكن ... عليك بها، فاطلب لنفسك مسكنا
قال: فوقفت عليه، وقلت له: والله ما بقي من الهوان شيء، إلا وقد امتهنتها به، فما الذي قلت من كرامتها؟ فقال: والله لكنس ألف كنيف، أحسن من القيام على باب مثلك.
وسأل أعرابي رجلاً يكنى أبا عمرو، فقال للسائل: يرزقك الله، فعاد إليه يوماً، فقال مثل ما قال أمس، وتنحنح، ففلتت منه ضرطة، فقال الأعرابي:
إن أبا عمرو لمكنوس الوسط ... إذا سألناه تمطى وضرط
إعطاؤه: يرزقك الله فقط ودخل طفيلي في صنيع رجل من أهل القبط، فقال له: من أرسل إليك؟ فجعل يقول:
أزوركم، لا أكافيكم بجفوتكم ... إن المحب إذا ما لم يزر زارا
فقال القبطي: زرزارا؟ ليس أدري ما هو، اخرج من بيتي.
ودخل أبو الفضل بديع الزمان على الصاحب بن عباد، ففرح به، وأجلسه معه، فأخرج البديع ريحاً منكرة، ثم أراد أن ينفي عن نفسه التهمة، فقال: يا مولاي، هذا صرير التخت، فقال له الصاحب: هذا صغير التحت فخرج البديع خجلاً، وانقطع عن الوصول إليه، فكتب إليه الصاحب:
قل للصفيري: لا تذهب على خجل ... من ضرطة أشبهت ناياً على عود
فإنها الريح، لا تستطيع تدفعها ... إذ لست أنت سليمان بن داود
وخرج المهدي يتصيد، ومعه علي بن سليمان، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت الكلاب، وأجريت الخيل، فرمى المهدي بسهم، فصرع ظبياً، ورمى علي بن سليمان سهماً، فصرع كلباً، فقال أبو دلامة:
قد رمى المهدي ظبياً ... شق بالسهم فؤاده
وعلي بن سليمان، ... رمى كلباً، فصاده
فهنيئاً لهما، كل ... امرئٍ يأكل زاده
فضحك المهدي حتى كاد يسقك.
ومن ملح أبي دلامة، أنه دخل يوماً على المهدي، ومعه وجوه بني هاشم، فقال له المهدي: إني أعطيت الله عهداً لئن لم تهج كل من في هذا المجلس لأقطعن لسانك، فنظر إلى القوم، فكلما نظر إلى واحد غمزه بأن عليه رضاه، قال: فعلمت أني قد وقعت، وأنها عزمة من عزماته لابد منها، فلم أر أدعى للسلامة من هجاء نفسي، فقلت:
ألا أبلغ لديك أبا دلامة ... فليس من الكرام، ولا كرامة
إذا لبس العمامة كان قرداً ... وخنزيراً إذا نزع العمامة
جمعت ذمامة وجمعت لؤماً ... كذاك اللؤم تتبعه الذمامة
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح، فقد دنت القيامة
فضحكوا، وأعطاه كل واحد منهم جائزة.
стр. 40
الباب الرابع في المضحكات المطولات
كان المأمون جالساً مع ندمائه ببغداد، مشرفاً على دجلة، وهم يتذاكرون أخبار الناس، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط، إلا ونقص من عقله، بمقدار ما طال من لحيته، وما رأيت قط عاقلاً طويل اللحية، فقال له بعض جلسائه: ولا يرد على أمير المؤمنين، قد يكون في طول اللحى أيضاً عقل، فبينما هم يتذاكرون في هذا، إذ أقبل رجل كثير اللحية، حسن الهيئة والثياب، فقال المأمون: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: هذا رجل عاقل، وقال آخر: يجب أن يكون هذا قاضياً، فقال المأمون لبعض الخدم: علي بالرجل، فلم يلبث إلا وصعد إليه، ووقف بين يديه، فسلم، فأجاد السلام، فأجلسه المأمون واستنطقه فأحسن النطق فقال له المأمون: ما اسمك؟ فقال: أبو حمدونة، قال: والكنية؟ علويه، فضحك المأمون، وغمز جلساءه، ثم قال: ما صنعتك؟ فقال: أنا فقيه أجيد الشرع في المسائل، فقال له: نسألك عن مسألة، فقال له الرجل: سل عما بدا لك، فقال المأمون: ما تقول في رجل اشترة شاة من رجل، فلما أخذها المشتري خرجت من استها بعرة، فقأت عين رجل، على من تجب دية العين؟ قال: فأطرق طويلاً ينظر بالأرض ثم قال: تجب على البائع دون المشتري؟ قال: إنها لما باعها لم يشترط أن في استها منجنيقاً، قال: فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه، وضحك كل من حضر، وأنشأ المأمون يقول:
ما أحد طالت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته
إلا وما ينقص من عقله ... أكثر مما زاد في لحيته
وكان المعتصم يأنس لعلي بن الجنيد الإسكافي، وكان عجيب الصورة والحديث، فقال المعتصم لابن حماد: اذهب إلى ابن الجنيد، وقل له: يتهيأ ليزاملني، فأتاه، فقال له: تهيأ لمزاملة أمير المؤمنين، فقال: وكيف أتهيأ؟ أهيئ رأساً غير رأسي، أشتري لحية غير لحيتي؟ فقال ابن حماد: شروطها الإمتاع بالحديث، والمذاكرة، وألا تبصق ولا تسعل، ولا تمتخط، ولا تتنحنح، وأن تتقدم في الركوب إشفاقاً عليه من الميل، وأن يتقدمك في النزول، فمتى لم يفعل المعادل هذا كان هو ومثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة واحداً، فقال لابن حماد: اذهب، فقل له: ما يزاملك إلا من أمه زانية، فرجع إلى المعتصم وأعلمه، فضحك. وقال: علي به. فلما جاء قال: يا علي، أبعث إليك أن تزاملني، فلا تفعل؟ فقال: إن رسولك هذا الأرعن جاءني بشروط حسان السامي، وخالويه الحاكي، فقال لي: لا تبصق، ولا تعطس، وهذا لا أقدر عليه، فإن رضيت أن أزاملك فإذا جاءني الفسا والضراط فسوت وضرطت، وإلا فليس بيني وبينك عمل، فضحك المعتصم حتى استلقى، وقال: نعم، زاملني على هذه الشروط، فسار ساعة، وقال: يا أمير المؤمنين، قد حضر ذلك المسالح. قال: ذلك إليك، قال: يحضر ابن حماد، فأحضر فناوله كمه، وقال: أجد في كمي دبيب شيء، فانظره ما هو، فأدخل رأسه فشم رائحة الكنيف، فقال: لا أرى شيئاً، ولكني أعلم أن في جوف ثيابك كنيفاً، والضحك قد ذهب بالمعتصم كل مذهب، وابن الجنيد يخرج ريحاً متصلاً، ويقول لابن حماد: قلت: لا تتمخط، ولا تسعل، فسلحت عليك، ثم صاح: قد نضجت القدر، وأريد أن أسلح، فأخرج المعتصم رأسه من العمارية، وصاح: ويحك، يا غلام، الأرض الساعة؛ فإني أموت.
ولما خرجت الخيزران إلى الحج، تلقاها أبو دلامة، فصاح: الله، الله، في أمري، فسألته عن أمره، فقال: إني شيخ كبير، وأجرك في عظيم، تهبين لي جارية؛ تؤنسني وترفق بي، وتريحيني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدي، وعاف جلدها جلدي، وتمنيت بعدها، وتشوقت فقدها، فوعدته بها، فلما قدمت الخيزران من الحج، دخل أبو دلامة على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون، فرفع إليها رقعة، فدفعتها إلى الخيزران، وفيها:
أبلغني سيدتي، إن شئ ... ت، يا أم عبيدة
أنها، أرشدها الله، ... وإن كانت رشيدة
وعدتني قبل أن تخ ... رج للحج وليدة
إنني شيخ كبير ... ليس في بيتي قعيدة
غير عجفاء عجوز ... ساقها مثل القديدة
وجهها أقبح من حو ... ت طري في عصيدة
ما حياتي مع أنثى ... مثل عرسي بحميدة
следующие страницы →