Полный текст (120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
واشترى رجل من أهل الكوفة جبنة لعياله، وقال: يكفيكم أن تمسحوا خبزكم بها، فما زال كذلك حتى ضجروا منه، وتمنوا موته، فمات، وورثه ابنه فقال: إن أبي كان مسرفاً في ماله، فجعلها في جراب وعلقها، وقال: تكفيكم رائحتها، والإيماء إليها، فترحموا على الميت.
وقال بعضهم: كنت بالكوفة أبيع اللحم، فوقف علي رجل حسن الهيئة مليح المنظر، فحسر عن ذراعيه، وجعل يلطم اللحم بباطن كفه، ثم يمشي إلى غيري فيفعل مثل ذلك أياماً، فسألت عنه، فقيل لي: هذا دأبه، فإذا صار إلى داره غسل يده، وصنع بذلك الماء ثريداً.
وقال بعضهم: قلت مرة لرجل غني من أهل الكوفة، إنك لكثير المال، وقميصك وسخ، فلم لا تغسله؟ فقال لي: والله إني فكرت في غسله منذ ستة أشهر، ولكني أغسله إن شاء الله.
وكان لرجل من أهل الكوفة أم عجوز، وكان كثير المال، فقيل لها: كم يجري عليك ابنك؟ قالت: درهماً في كل أضحى.
وخرج نفر من أهل الكوفة في سفر، واتفقوا على أن يخرج لكل واحد منهم جعلاً للسراج، فأخرجوا، وامتنع واحد منهم، فكانوا إذا أوقدوا المصباح سدوا عينيه إلى وقت النوم، فإذا أطفأوا السراج خلوا عنه.
واصطحب منهم اثنان في سفر، فقال أحدهما للآخر: تعال نأكل، فقال له: معي رغيف، ومعك رغيف، فلولا أنك تريد أكثر، ما قلت لي: تعال نأكل جميعاً، وإلا فكل وحدك، وأنا وحدي.
ودخل طفيلي على قوم فقالوا: ما الذي جاء بك؟ فقال: إذا لم تدعوني أنتم، ولم آت أنا، وقعت بيننا وحشة، فضحكوا منه، وأكل معهم.
ودخل ابن مضاء على بعض الأمراء، فقال له: أي شيء خبرك يا ابن مضاء؟ قال: أعز الله الأمير، وأي شيء يكون خبري، والخرا عند الناس أكرم مني أفضل؟ قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن الخرا يحمل على الحمير، وأنا أمشي راجلاً، فضحك الأمير، وأمر له ببغلة يركبها.
وقال العتبي: كان بالمدينة مؤنث يدل على النساء يكنى أبا الحر، فقلت له: دلني على امرأة أتزوجها، فدلني على عدة نساء، فلم أرض منهن واحدة، فقال: والله يا مولاي، لأدلنك على امرأة لم تر مثلها قط، فإن لم ترضها فاحلق لحيتي، قال: فدلني على امرأة، فلما زفت إلي وجدتها أكثر مما وصف، فلما كان في السحر، إذا إنسان يدق الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أبو الحر، وهذا الحجام معي، فقلت: قد وقى الله شعرك أبا الحر، الأمر كما قلت.
ودخل رجل على ثمامة بن أشرس وبين يديه طبق بفراريج، فغطى الطبق بذيله، وأدخل رأسه في جيبه، وقال للرجل الداخل: كن أنت في البيت الآخر، حتى أفرغ من بخوري.
وقال بعضهم: دخلت على يحيى بن عبيد الله، وقوم يأكلوه عنده، فمد يده إلى رغيف، فرفعه من المائدة، وجعل يرطله بيده، ويقول: يزعمون أن خبزي صغير فمن هذا الزاني ابن الزانية، الذي يأكل منه نصف رغيف؟ وقال: دخلت عليه مرة أخرى، والمائدة موضوعة، والقوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل، فقال: أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحا، يقول: عليك بالدجاجة التي قد نيل منها، والفرخ المنزوع الفخذ، وأما الصحيح فلا تتعرض له.
وقال الأصمعي: كان المروزي يقول لزواره: هل تغديتم اليوم؟ فإن قالوا: نعم، قال: والله لولا أنكم تغديتم لأطعمتكم لوناً ما أكلتم مثله قط، ولكنه قد ذهب أول الطعام بشهوتكم، وإن قالوا: لا، قال: والله لولا أنكم لم تتغدوا لأسقيتكم خمسة أقدام من نبيذ الزبيب ما شربتم مثله، فلا يصير في أيديهم من الوجهين قليل ولا كثير.
وكان ثمامة بن أشرس، إذا دخل عليه أصحابه، وقد تعشوا عنده سألهم: كيف كان بيتهم ومنامهم، فإن قال أحدهم: إنه نام ليلة فيه هدو وسكون، قال: النفس إذا أخذت قوتها اطمأنت، وإن قال: إنه لم ينم، قال: إفراط الشبع والسرف في البطنة، ثم يقول لهم: كيف كان شربكم، فإن قال أحدهم: كثيراً، قال: التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير، وإن قال: قليلاً، قال: ما تركت للماء مدخلاً.
стр. 37
وبينما قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون عنده حيتاناً، إذا استأذن عليهم أشعب الطفيلي، فقال أحدهم: إن من شأن أشعب البسط إلى آخر الطعام، فاجعلوا كبار الحوت في صحفة ناحية، ويأكل معنا الصغار ففعلوا، وأذن له فدخل، فقالوا له: كيف رأيك في الحيتان يا أبا أشعب؟ قال: والله إن لي عليها حنقاً شديداً، لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان، قال له القوم: دونك فخذ بثأر أبيك، فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير، ثم وضعه عند أذنه، وقد نظر إلي الصحفة التي فيها الحيتان الكبار، وقال: أتدرون ما تقول هذه الحوتة؟ قالوا: لا ندري، قال: تقول: إنها لم تحضر موت أبي ولا أدركته؛ لأنها أصغر سناً من ذلك، ولكن عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت، فهي أكلت أباك.
وخطر طفيلي على قوم يأكلون، وقد أغلقوا الباب دونه، فطلع عليهم من الجدار، وقال: منعتمونا من الأرض، جئناكم من السماء.
ودخل طفيلي من المدينة على الفضل بن يحيى، وبيده تفاحة، فألقاها إليه، وقال: حياك الله يا مدني، فلزمها وأكلها، فقال له الفضل: ويحك أتأكل التحيات؟ قال: إي والله والزاكيات الطيبات.
وقيل لبسرة الأحول: كم تأكل كل يوم؟ قال: من مالي أو من مال غيري؟ قيل: من مالك، قال: مكوك، قيل: ومن مال غيرك؟ قال: أخبز وأطرح.
وقال أبو القيظان: كان هلال بن أشقر التميمي أكولاً، فيزعمون أنه أكل جملاً، وأكلت امرأته فصيلاً، فلما أراد أن ينام لم يصل إليها، فقالت له: كيف تصل إلي، وبيني وبينك جملان؟ وحكى أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب، فسقط في بئر، فسقطت حدبته، فصار بأدرة، فدخل الناس عليه يهنئونه، فقال: الذي جاء شر من الذي ذهب.
وقال أبو حاتم: رمى رجل أعور بنشابة، فأصابت عينه الصحيحة، فقال: أمسينا، وأمسى الملك لله.
وقال الزبير بن بكار: جاءت امرأة إلى أبي تستعديه على زوجها، وتزعم أنه يصيب جاريتها، فأمر به فأحضر، فسأله عما ادعت، فقال: أصلح الله الأمير، هي سوداء وخادمها سوداء، وفي بصري ضعف، ويضرب الليل برواقة، فآخذ ما دنا مني.
وخطب رجل خطبة نكاح، وأعرابي حاضر، فقال: الحمد لله، أحمده، وأستعينه وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، فقال له الأعرابي: لا تقم الصلاة؛ فإني على غير وضوء.
وقال العوام بن حوشب: قال لي عيسى بن موسى: من أرضعتك؟ قلت: ما أرضعتني سوى أمي، قال: قد علمت أن ذلك الوجه القبيح لا يصبر عليه سوى أمه.
وكان رجل مخنث، قد تنسك، وتشبه بالحسن البصري، فشهد جنازة ووقف على القبر، وإلى جانبه رجل ظريف، فضحك، فقال له المخنث: ما أعددت لهذه الحفرة أبا فلان؟ قال: أمك ندفنها فيها الساعة.
ودخل أعرابي الحمام فخرج منه ريح، فقال له نبطي: جبحان الله، فقال له الأعرابي: يا ابن اللخناء، ريحي أفصح من تسبيحك.
وفي كتاب ابن الهندي أن ناسكاً كانت له جرة بسمن، فعلقها في سرير، ففكر يوماً، وهو مضطجع على السرير وبيده العكاز، فقال: أبيع الجرة بخمسة دراهم، فأشتري خمسة أعناز، فأولدهن في كل سنة مرتين حتى تبلغ ثمانين، فأبيعها، وأشتري بكل عشرة بقرة، ثم ينمى المال بيدي، فأشتري العبيد والإماء، ويولد لي ولد فأؤدبه، فإن عصاني ضربته لهذه العصا، وأشار بالعصا فأصاب الجرة فتكسرت، وانصب السمن على رأسه.
الباب الثالث في المضحكات الشعرية
ودخل يحيى بن أكثم على المأمون، وعنده عبادة يتجارى معه في مسائل الفقه والفرائض، فقال: يا أمير المؤمنين، لي عند القاضي حاجة، قال: وما هي؟ قال: يعلمني فرائض الصلب؛ فإني ما رأيت أعلم بها منه، فضحك المأمون وقال: انظر في حاجة عبادة، فقال: يا أمير المؤمنين، قد كبر عن التعليم، وقد قال الشاعر:
فإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
ولكن يبعث إلي بولده أعلمه فرائض الصلب خاصة، قال له المأمون: كيف رأيت الجواب يا عبادة.
وكان الربيع والياً باليمامة، فأتى بكلب قد عقر كلباً، فقاد له منه، فقال الشاعر:
شهدت بأن الله حق لقاؤه ... وأن الربيع العامري ربيع
أقبلت، والوطء خفي، كما ... ينساب من مكمنه الأرقم
стр. 38
فرمى الشيخ بنفسه في الفرات بثيابه، وجعل يخبط بيديه طرباً، ويقول: أنا الأرقم، فأخرجوه وقالوا: ما فعلت بنفسك؟ قال: إني أعلم من تأويله ما لا تعلمون.
وقال أحمد بن جعفر: حضر قاضي مكة مأدبة لرجل من الأشراف، فلما قضى الطعام، اندفعت جارية تغني:
إلى خالد، حتى أنخنا بخالد ... فنعم، الفتى يرجى، ونعم المؤمل
قال: فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه، فعلقهما في أذنيه، ثم جثا على ركبتيه، وقال: اهدوني؛ فإني بدنة.
وكتب علي بن الجهم إلى قينة، كان يتعشق بها، ويكلف بها:
خفي الله فيمن قد تبلت فؤاده ... وتيمته دهراً، كأن به سحراً
دعي الهجر لا أسمع به منك، إنما ... سألتك أمراً، ليس يعرى لكم ظهراً
فكتبت إليه: صدقت، جعلت فداك، ليس يعرى لنا ظهراً، ولكنه يملأ منه بطناً.
وحدث العتبي عن أبيه قال: أنشدني أبو وائل:
ما أوجع البين من حبيب ... فكيف إن كان من غريب
يكاد من شوقه فؤادي ... إذا تذكرته يموت
فقال لي أبي: هذا وباء وهذا تاء، قال: لا تنقط أنت شيئاً، قال: فإن البيت الأول مخفوض والثاني مرفوع، قال: أنا أقول: لا تنقط، وهو يشكل.
وجاء أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر، فتغزل فيه بمائة بيت، ومدحه ببيتين، فقال له: والله ما تركت قافية لطيفة. ولا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك، قال: سأقول غير هذا، فعاد إليه بشعر يقول فيه:
هل تعرف الدار لأم العمر ... رع ذا، وحبر مدحة في نصر
فقال له نصر: لا ذاك، ولا ذا.
وكان بعض الأمراء يستظرف طفيلياً، ويحضره طعامه وشرابه، وكان الطفيلي أكولاً شروباً، فلما رأى الأمير كثرة أكله وشربه اطرحه وجفاه، فكتب إليه الطفيلي:
أقاد لنا كلباً بكلب، ولم يدع ... دماء كلاب المسلمين تضيع
وأهدى بعضهم إلى أمير يوم نيروز عصافير أحياء في طبق، وجعل معها رقعة فيها مكتوب:
عصافير بعثت بها ملاح ... ليضحك، لا لٍيأكلها الأمير
وما أهدى إلى ملك سوائي ... عصافير على طبق تطير
فلما وضع الطبق بين يديه، ورفع عنه الغطاء طارت العصافير، فرفع الرقعة وقرأ الشعر فضحك، وأمر له بجائزة سنية.
ودخل أعرابي الكوفة، فقصد تماراً، فقال له:
رأيتك في النوم أعطيتني ... قواصر من تمرك البارحة
فقلت لصبياننا: أبشروا ... برؤيا رأيت لكم صالحه
فأم العيال وصبيانها ... قلوبهم نحوها طامحه
فقل لي: "نعم"؛ إنها حلوة ... ودع عنك: "لا"؛ إنها مالحه
فدفع إليه قوصرة، وقال له: لا تعد ترى مثل هذه الرؤيا مرة أخرى.
وقال بعضهم: رأيت أعرابياً، يصلي في فصل الشتاء، قاعداً بغير وضوء، وهو يقول:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعداً ... على غير ظهر، مومئاً نحو قبلتي
فما لي ببرد الماء يا رب طاقة ... ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني أحصيه يا رب جاهداً ... وأقضيكه إن عشت في فصل صيفتي
فإن أنا لم أصنع، فأنت مسلط ... بما شئت من لطمي ومن نتف لحيتي
وقال الأصمعي: رأيت بالبادية أعرابياً، قد حفر حفرة وقعد فيها، وذلك في زمان الشتاء، فقلت له: ما صيرك هنا؟ قال: شدة البرد، قلت: فهل قلت في ذلك شيئاً؟ فقال:
أيا رب ما للبرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم، لا تعلم
فإن يك يوماً في جهنم مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
وقيل لابن أبي عتيق: إن المخنثين خصوا، وإن الدلال خصي، فقال: إنا لله، أما والله، لئن فعل ذلك به، لقد كان يحسن:
لمن ربع بذات الجيش، أمسى دارساً خلقا
ثم استقبل القبلة، فلما كبر سلم، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: اللهم إن كان ليحسن خفيفه، أما ثقيله، فلا، الله أكبر.
وصحب شيخ من المدينة شباناً في سفينة، ومعهم جارية تغني، فقالوا له: إن معنا جارية تغني، ونحن نجلك، فإن أنت أذنت لنا فعلنا، قال: فأنا أعتزل، وافعلوا ما شئتم، فتنحى، وغنت الجارية:
حتى إذا الصبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم
قد قل أكلي، وقل شربي ... وصرت من بابة الأمير
فليدع لي، وهو في أمان ... أن أشرب الراح بالكبير
стр. 39
ودخل على أبي الشمقمق بعض إخوانه المتلطفين به، فلما رأوا سوء حاله، قالوا له: أبشر، أبا الشمقمق؛ فإنا روينا في بعض الحديث: أن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة، فقال: إن صح هذا الحديث. والله، لا كنت أنا في ذلك اليوم إلا بزازاً، فأنشأ يقول:
أتراني أرى من الدهر يوماً ... لي فيه مطية غير رجلي
كلما كنت في جمع فقالوا: ... قربوا للرحيل، قربت نعلي
حيثما كنت، لا أخلف رحلا ... من رآني، فقد رآني ورحلي
وحكى محمد بن الحاج البزار، راوية بشار، قال: قال بشار يوماً، وهو يعبث، وكان مات له حمار قبل ذلك: رأيت حماري البارحة، فقلت: ويلك، قد مت، قال: إنك ركبتني يوم كذا، فمررنا على باب الصيدلاني، فرأيت أتاناً، فعشقتها، فمت، وأنشدني:
هام قلبي بأتان ... عند باب الصيدلاني
يتمتني، يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبغنج في دلال ... سل جسمي وبراني
ولها خد أسيل ... مثل خد الشنفراني
فبها مت، ولو عش ... ت، إذن طال هواني
فقال رجل من القوم: أبا معاذ، ما الشنفران؟ قال: هذا من غريب لغات الحمير، فإذا لقيتم حماراً فاسألوه.
وقال سفيان بن عيينة: دخلت الكوفة في يوم فيه مطر، فإذا كناس يفتح كنيفاً، ووقف على رأسه وهو يقول:
بلد طيب، ويوم مطير ... هذه روضة، وهذا غدير
ثم قال لصاحبه: انزل فيه، فأبى عليه، فنزل فيه وهو يقول:
لن يطيقوا أن ينزلوا، ونزلنا ... وأخو الحرب من يطيق النزولا
ليس كل الرجال يغشى لظى ... الحرب، ولا كلهم يلاقي الخيولا
وقال الأصمعي: بينما أنا بالبصرة، إذا بكناس يكنس كنيفاً، وإذا هو يقول:
فإياك والسكنى بدار مذلة ... تعد مسيئاً بعد أن كنت محسنا
فنفسك أكرمها، وإن ضاق مسكن ... عليك بها، فاطلب لنفسك مسكنا
قال: فوقفت عليه، وقلت له: والله ما بقي من الهوان شيء، إلا وقد امتهنتها به، فما الذي قلت من كرامتها؟ فقال: والله لكنس ألف كنيف، أحسن من القيام على باب مثلك.
وسأل أعرابي رجلاً يكنى أبا عمرو، فقال للسائل: يرزقك الله، فعاد إليه يوماً، فقال مثل ما قال أمس، وتنحنح، ففلتت منه ضرطة، فقال الأعرابي:
إن أبا عمرو لمكنوس الوسط ... إذا سألناه تمطى وضرط
إعطاؤه: يرزقك الله فقط ودخل طفيلي في صنيع رجل من أهل القبط، فقال له: من أرسل إليك؟ فجعل يقول:
أزوركم، لا أكافيكم بجفوتكم ... إن المحب إذا ما لم يزر زارا
فقال القبطي: زرزارا؟ ليس أدري ما هو، اخرج من بيتي.
ودخل أبو الفضل بديع الزمان على الصاحب بن عباد، ففرح به، وأجلسه معه، فأخرج البديع ريحاً منكرة، ثم أراد أن ينفي عن نفسه التهمة، فقال: يا مولاي، هذا صرير التخت، فقال له الصاحب: هذا صغير التحت فخرج البديع خجلاً، وانقطع عن الوصول إليه، فكتب إليه الصاحب:
قل للصفيري: لا تذهب على خجل ... من ضرطة أشبهت ناياً على عود
فإنها الريح، لا تستطيع تدفعها ... إذ لست أنت سليمان بن داود
وخرج المهدي يتصيد، ومعه علي بن سليمان، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت الكلاب، وأجريت الخيل، فرمى المهدي بسهم، فصرع ظبياً، ورمى علي بن سليمان سهماً، فصرع كلباً، فقال أبو دلامة:
قد رمى المهدي ظبياً ... شق بالسهم فؤاده
وعلي بن سليمان، ... رمى كلباً، فصاده
فهنيئاً لهما، كل ... امرئٍ يأكل زاده
فضحك المهدي حتى كاد يسقك.
ومن ملح أبي دلامة، أنه دخل يوماً على المهدي، ومعه وجوه بني هاشم، فقال له المهدي: إني أعطيت الله عهداً لئن لم تهج كل من في هذا المجلس لأقطعن لسانك، فنظر إلى القوم، فكلما نظر إلى واحد غمزه بأن عليه رضاه، قال: فعلمت أني قد وقعت، وأنها عزمة من عزماته لابد منها، فلم أر أدعى للسلامة من هجاء نفسي، فقلت:
ألا أبلغ لديك أبا دلامة ... فليس من الكرام، ولا كرامة
إذا لبس العمامة كان قرداً ... وخنزيراً إذا نزع العمامة
جمعت ذمامة وجمعت لؤماً ... كذاك اللؤم تتبعه الذمامة
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح، فقد دنت القيامة
فضحكوا، وأعطاه كل واحد منهم جائزة.
стр. 40
الباب الرابع في المضحكات المطولات
كان المأمون جالساً مع ندمائه ببغداد، مشرفاً على دجلة، وهم يتذاكرون أخبار الناس، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط، إلا ونقص من عقله، بمقدار ما طال من لحيته، وما رأيت قط عاقلاً طويل اللحية، فقال له بعض جلسائه: ولا يرد على أمير المؤمنين، قد يكون في طول اللحى أيضاً عقل، فبينما هم يتذاكرون في هذا، إذ أقبل رجل كثير اللحية، حسن الهيئة والثياب، فقال المأمون: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: هذا رجل عاقل، وقال آخر: يجب أن يكون هذا قاضياً، فقال المأمون لبعض الخدم: علي بالرجل، فلم يلبث إلا وصعد إليه، ووقف بين يديه، فسلم، فأجاد السلام، فأجلسه المأمون واستنطقه فأحسن النطق فقال له المأمون: ما اسمك؟ فقال: أبو حمدونة، قال: والكنية؟ علويه، فضحك المأمون، وغمز جلساءه، ثم قال: ما صنعتك؟ فقال: أنا فقيه أجيد الشرع في المسائل، فقال له: نسألك عن مسألة، فقال له الرجل: سل عما بدا لك، فقال المأمون: ما تقول في رجل اشترة شاة من رجل، فلما أخذها المشتري خرجت من استها بعرة، فقأت عين رجل، على من تجب دية العين؟ قال: فأطرق طويلاً ينظر بالأرض ثم قال: تجب على البائع دون المشتري؟ قال: إنها لما باعها لم يشترط أن في استها منجنيقاً، قال: فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه، وضحك كل من حضر، وأنشأ المأمون يقول:
ما أحد طالت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته
إلا وما ينقص من عقله ... أكثر مما زاد في لحيته
وكان المعتصم يأنس لعلي بن الجنيد الإسكافي، وكان عجيب الصورة والحديث، فقال المعتصم لابن حماد: اذهب إلى ابن الجنيد، وقل له: يتهيأ ليزاملني، فأتاه، فقال له: تهيأ لمزاملة أمير المؤمنين، فقال: وكيف أتهيأ؟ أهيئ رأساً غير رأسي، أشتري لحية غير لحيتي؟ فقال ابن حماد: شروطها الإمتاع بالحديث، والمذاكرة، وألا تبصق ولا تسعل، ولا تمتخط، ولا تتنحنح، وأن تتقدم في الركوب إشفاقاً عليه من الميل، وأن يتقدمك في النزول، فمتى لم يفعل المعادل هذا كان هو ومثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة واحداً، فقال لابن حماد: اذهب، فقل له: ما يزاملك إلا من أمه زانية، فرجع إلى المعتصم وأعلمه، فضحك. وقال: علي به. فلما جاء قال: يا علي، أبعث إليك أن تزاملني، فلا تفعل؟ فقال: إن رسولك هذا الأرعن جاءني بشروط حسان السامي، وخالويه الحاكي، فقال لي: لا تبصق، ولا تعطس، وهذا لا أقدر عليه، فإن رضيت أن أزاملك فإذا جاءني الفسا والضراط فسوت وضرطت، وإلا فليس بيني وبينك عمل، فضحك المعتصم حتى استلقى، وقال: نعم، زاملني على هذه الشروط، فسار ساعة، وقال: يا أمير المؤمنين، قد حضر ذلك المسالح. قال: ذلك إليك، قال: يحضر ابن حماد، فأحضر فناوله كمه، وقال: أجد في كمي دبيب شيء، فانظره ما هو، فأدخل رأسه فشم رائحة الكنيف، فقال: لا أرى شيئاً، ولكني أعلم أن في جوف ثيابك كنيفاً، والضحك قد ذهب بالمعتصم كل مذهب، وابن الجنيد يخرج ريحاً متصلاً، ويقول لابن حماد: قلت: لا تتمخط، ولا تسعل، فسلحت عليك، ثم صاح: قد نضجت القدر، وأريد أن أسلح، فأخرج المعتصم رأسه من العمارية، وصاح: ويحك، يا غلام، الأرض الساعة؛ فإني أموت.
ولما خرجت الخيزران إلى الحج، تلقاها أبو دلامة، فصاح: الله، الله، في أمري، فسألته عن أمره، فقال: إني شيخ كبير، وأجرك في عظيم، تهبين لي جارية؛ تؤنسني وترفق بي، وتريحيني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدي، وعاف جلدها جلدي، وتمنيت بعدها، وتشوقت فقدها، فوعدته بها، فلما قدمت الخيزران من الحج، دخل أبو دلامة على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون، فرفع إليها رقعة، فدفعتها إلى الخيزران، وفيها:
أبلغني سيدتي، إن شئ ... ت، يا أم عبيدة
أنها، أرشدها الله، ... وإن كانت رشيدة
وعدتني قبل أن تخ ... رج للحج وليدة
إنني شيخ كبير ... ليس في بيتي قعيدة
غير عجفاء عجوز ... ساقها مثل القديدة
وجهها أقبح من حو ... ت طري في عصيدة
ما حياتي مع أنثى ... مثل عرسي بحميدة
стр. 41
فضحكت، واستعادت: حوتاً في عصيدة، وهي تضحك، ثم قالت لجارية: خذي ما عندك، وامشي إليه، فلما بلغها الرسول منزله، لم يجده، فدفعها إلى امرأته، ودخل دلامة ابنه، وأمه تبكي، فسألها فأخبرته وقالت: إن أردت بري يوماً من الدهر فاليوم، قال لها: قولي ما شئت أفعل، قالت: تدخل إلى الجارية، وتعلمها أنك مالكها، فتطؤها، فتحرم عليه، وإلا شغلته فجفاني وجفاك، ففعل، وجاء أبو دلامة فسألها عنها، فقالت: هي في ذلك البيت، فدخل، ومد يده وذهب ليقبلها، فرأت شيخاً قبيح الوجه، فقالت: تنح عني، وإلا لطمتك لطمة أدق بها أنفك، فقال: أو بهذا أوصتك سيدتك؟ فقالت: إنها بعثتني إلى فتى، من صفته كذا وكذا، وقد نال مني حاجته، فعلم أنه وهي من دلامة وأمه، فخرج ولطمه ولببه، وحلف ألا يفارقه حتى يوصله إلى المهدي، فمضى على تلك الحالة، حتى دخل على المهدي، فقال له: ما لك؟ ويحك، فقال: عمل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يعمله أحد بأحد، ولا يرضيني إلا أن تقتله، وأخبره الخبر، فضحك منه، فقال: علي بالسيف والنطع، فقا دلامة: اسمع حجتي يا أمير المؤمنين كما سمعت حجته، قال: هات، قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجهاً، هو ينكح أمي منذ أربعين سنة، فما غضبت ونكحت جاريته مرة واحدة، فغضب المهدي أشد من ضحكه الأول، وقال: دعها له، وأنا أعطيك خيراً منها، قال: على أن تخبئها لي بين السماء والأرض، فصرفهما، وحلف لدلامة: إن عاد ليقتله.
وأقبل دلامة إلى أبيه في محفل، فجلس بين يديه، وقال للجماعة: إن شيخي كما ترون قد كبرت سنه، ورق جلده، ورق عظمه، وبنا إلى حياته حاجة، ولا أزال أشير عليه بالشيء يمسك رمقه، ويبقي قوته، فيخالفني، وأسألكم أن تسألوه قضاء حاجة، فيها صلاح جسمه، فقالوا: حباً وكرامة، فأخذ أبو دلامة بألسنتهم، فقال وقولوا: للخبيث: ليقل ما يريد، فستعلمون أن لم يأت إلا ببلية، فقال: إنما يقتله كثرة النكاح، ولا يقطعه عنه إلا الخصا، فتعاونونني عليه حتى أخصيه، فضحكوا منه، ثم قالوا لأبيه: قد سمعت، فما عندك؟ قال: قد عرفتكم أنه لم يأت بخير، وقد جعلت أمه حكماً بيني وبينه، فدخلوا إليها وقصوا القصة عليها، فأقبلت على الجماعة، وقالت: إن ابني - أبقاه الله - قد نصح أباه وأبره، وأنا إلى بقاء أبيه، أحوج منه إليه، إلا أن هذا أمر لم تقع به تجربة عندنا، ولا جرت به عادة، وهو قد ادعى معرفة هذا، فليبدأن بنفسه، فإذا هو عوفي، ورأينا ذلك قد أبقى عليه أثراً محموداً، استعمله أبوه على علم، فجعل القوم يعجبون من اتفاقهم في الخبث.
وقال الفقيه أبو عمرو بن حكم: خرج رجلان من بلدهما من الضياعة والفقر، فلما وصلا إلى بلد آخر، وجدا بخارج تلك البلدة وادياً فيه أشجار كثيرة، فقطعا منها، وصنعا بيتاً في خارج البلدة، ونادى مناديهما: من أراد أن ينظر شيئاً ما رآه قط، فليأت الموضع الفلاني، فاجتمع الناس إليهما، وقعد أحدهما في داخل البيت، ووقف الآخر خارج البيت، وقال للناس: من أراد أن يرى عجباً يعطي درهماً ويدخل البيت، فتشوق الناس إلى ذلك، فدخل شخص، فرأى الرجل وبين يديه رجل حمار، فقال له: هذا في است من يقول لأحد ما رأى فخرج وهو يضحك، فقال له الناس: ما رأيت؟ قال: ادخلوا تروا ما رأيت ومضى، فلم يزل الناس يدخلون كذلك إلى آخرهم، واجتمعت له جملة كبيرة من دراهم.
ودخل أبو العيناء على عبيد الله، وبين يديه شطرنج يلعب به، مع بعض أولاده، فقال له عبيد الله: من أي الحزبين تريد أن تكون؟ قال: معك، فلم يكن بأسرع من أن قال: قد غلبنا، ولزمك من القمار عشرون رطلاً من الثلج، قال: احضره أيها الأمير، ولكن تأذن لي أن أمضي إلى داري أوصيهم بما أحتاج إليه، حتى يدرك الطعام، وأوافيك بالثلج، فقال: امض، ولا تتأخر، فركب حماره، ومضى لأبي العباس بن ثوابة، فقال له: الأمير يدعوك الساعة، فلبس ابن ثوابة ثيابه، وركب دابته وصار معه أبو العيناء، فما شعر عبيد الله إلا بأبي العيناء مع ابن ثوابة قد وافى، فسر بذلك، فقال أبو العيناء: كلفونا أربعين رطلاً من الثلج، وقد جئتك بثلج مذاب كله، فخذ منه ما شئت، فضحك عبيد الله حتى استلقى.
стр. 42
ودخل عبادة المغني دار المتوكل، فرأى فيها رطباً قد تساقطت، فجعل يلتقطها، فمد أحد أولاد المتوكل يده إلى است عبادة، وقال له: يا عبادة، من فتح لك هذه الثقبة؟ قال عبادة: الذي فتح لأمك ثقبتين، فشكاه إلى أبيه، فأمر أن يؤتى به فخرج عبادة فاراً بنفسه، فبينما هو يسير، إذ رأى غاراً فدخل فيه، وبنى عليه بحجارة، ودخل إلى قعره فإذا بأسد الفتح بن خاقان متصيداً، فمر بذلك الموضع، فسمع صوت الطنبور، في داخل الغار، فقال: اهدموه، فلما فتح خرج الأسد عليهم فاراً بنفسه، وعبادة من خلفه، فقال: ما هذا يا عبادة؟ قال: إن أمير المؤمنين جعلني هنا أعلم هذا الأسد ضرب الطنبور، وقد نفرتموه علي، وأنا أحشى عقوبته، ولا آمن أن يقتلني عليه، فقال الفتح: لا تخف، أنا أستوهب ذنبك، وأنسب الذنب في ذلك إلى نفسي، فرجع معه إلى المتوكل، فقال الفتح: يا أمير المؤمنين، إني استوهبتك عبادة؛ فقد ضمنت له النجاة، وإن الذنب الذي أذنب، أنا أذنبته، قال: والله ما غرضي إلا أن أقتله؛ لأن ذنبه كبير، حمله عليه كثرة الدالة علينا، حتى تعرض لحرمنا، فقال الفتح: وكيف ذلك؟ فقال له: ما تقدم من قوله، فقال الفتح: العفو يا أمير المؤمنين، والله ما علمت بذلك، ولكن اتفق لي معه كذا وكذا، فضحك المتوكل عند ذلك، وأمر بإحضاره.
وكان محمد بن جعفر بخيلاً، فجلس يوماً مع ندمائه، فقال بعضهم: ما في الأرض أمشى مني، فقال ابن جعفر: وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة أنفس، وهل يحمل الرجلين إلا البطن، فقال آخر: أنا والله لا أقدر أن أمشي، فقال له: وكيف تستطيع المشي، وأنت تحمل في بطنك ما يثقل ثلاثين رجلاً، وهل ينطلق مشي الإنسان إلا بخفته، فقال الآخر: أما أنا فما نمت البارحة من وجع ضرس، فقال: وكيف لا تشتكي، وأي ضرس يصبر على الدق والطحن مثل ضرسك؟ فقال آخر: ما اشتكيت قط ضرسي، وما تخلخل من موضعه، فقال له: ذلك من كثرة المضغ؟ فإنه يشد الأسنان، ويقوي اللثة، وقال آخر: ما أظن أحداً أكثر شرباً للماء مني، وما أروى منه، فقال: لابد للبطن من الماء حتى يبله ويرويه، وأما أنت والله لو شربت الفرات ما استكثرته لك؛ لما أرى من كثرة أكلك، فقال آخر: وأنا لا أشرب ماء، فقال: لكثرة ما تأكل؛ لأن البطن إذا امتلأ لم يحتج لشيء، فقال آخر: والله ما أنام من الليل إلا قليلاً، فقال له: وكيف تدعك التخمة تنام؟ أتدري أن من أكل كثيراً وشرب غزيراً لا يكون ليله كله إلا يسحل ويبول؟ فقال آخر: أما أنا فإني أنام الليل كله، قال: أمارة على الشبع؛ لأن الطعام إذا كثر في البطن يسكن البدن والأعضاء، ويملأ العروق، فيسترخي منه كل شيء، وقال آخر: أصبحت لا أشتهي شيئاً، فقال: إياك أن تأكل قليلاً ولا كثيراً؛ فإن القليل على غير شهوة أضر من الكثير على شهوة، وإياك من الأكل الكثير؛ فإنه يتخم، وأكثر ما يكون الموت من التخمة، فعليكم بالإقلال من الطعام والشراب في كل الأزمان.
وكان بالكوفة رجل يقال له مصلح، فبلغه أن بالبصرة رجلاً من المصلحين مقدماً في شأنه، فسار الكوفي إلى البصرة، فلما قدم عليها قال له: من أنت؟ قال: أنا مصلح، جئتك من الكوفة؛ لما بلغني خبرك، فرحب به، وأدخله موضعه، وخرج يشتري له ما يأكل، فأتى جباناً فقال له: أعندك جبن؟ قال: عندي جبن كأنه سمن، فقال في نفسه: لم لا أشتري سمناً حين هو يضرب به المثل؟ فذهب إلى من يبيع السمن، فقال له: أعندك سمن؟ قال: عندي سمن كأنه زيت، فقال في نفسه: لم لا أشتري زيتاً حين هو يضرب به المثل؟ فذهب إلى زيات، وقال: أعندك زيت؟ فقال: عندي زيت صاف كأنه الماء، فقال في نفسه: لم لا آخذ ماء حين يضرب به المثل؟ فرجع إلى بيته، وأخذ صحفة وملأها ماء، وقدمها للضيف مع كسيرات يابسة، وعرفه كيف جرى له، فقال الكوفي: أنا أشهد أنك بالإصلاح أحق من أهل الكوفة.
стр. 43
وحكى المدائني قال: خطب رجل من بني كلاب امرأة، فقالت أمها: دعني أسأل عنك، فانصرف الرجل، فسأل عن أكرم الحي، فدل على شيخ منهم، كان يحسن المحض في الأمر، فأتاه وسأله أن يحسن عليه الثناء وانتسب له فعرفه، ثم إن العجوز غدت عليه، فسألته عن الرجل، فقال: أنا أعرف الناس به، قالت له: كيف لسانه؟ فقال: مدره قومه وخطيبهم، قالت: فكيف شجاعته؟ قال: منيع الجار، حامي الذمار، قالت: فكيف سماحته؟ قال: ثمال قومه وربيعهم، وأقبل الفتى، فقال الشيخ: ما أحسن - والله - سلم، ما دار ولا بار، ثم جلس فقال: ما أحسن - والله - ما جلس ما دنا ولا نأى، وذهب الفتى ليتحوط، فأخرج ريحاً فقال: ما أحسن - والله - ما أغنها، وما أطنها، ولا بربرها، ولا فرفرها، ونهض الفتى خجلاً، فقال: ما أحسن - والله - ما نهض، ما أبطأ ولا أسرع، فقالت المرأة: حسبك بهذا، وجه إليك من يرده، فوالله، لو سلح في ثيابه لزوجناه.
وسمع بعض الملوك أن ملك الروم المجاور له عزم على أن يدخل أرضه ويحصر بعض بلاده، فأراد أن يبعث إليه رسولاً، يطلب منه الصلح، فشاور وزراءه، ونبهاء فرسانه فيمن يبعث إليه، فأشار عليه كل واحد منهم برجل من كبار خدامه، ونبهاء فرسانه، وسكت منهم واحد، فقال له الملك: لم سكت؟ قال: لا أرى أن ترسل واحداً ممن ذكروا، قال: فمن ترى أن ترسل؟ فقال له: فلان، وذكر له رجلاً غير وجيه، ولا مشهور بنباهة ولا بفصاحة، فقال له الملك: أتهزأ بي في مثل هذا؟ وظهر عليه الغضب، فقال له: معاذ الله يا مولاي، ولكنك تريد أن تبعث إليه من نرجو رجوعه، مقضي الحاجة، قال: وذلك مرادي، قال: وإني فكرت ونظرت فلم أجد غير ذلك الرجل؛ لأنك وجهته في كذا فأنجح، وفي كذا فقضيت حاجته، وما ذلك إلا بنجحته، لا بفصاحته، ولا نباهته ولا شجاعته، فقال له: صدقت، وأمر أن يوجه عنه، فجاءه، وأمر أن يدفع إليه كل ما يحتاج إليه في السفر، فدفع إليه، وخرج، فسمع ملك الروم أن يأتيه رسول، فقال لخدامه: إن هذا الرسول الذي هو يأتي من أكبر من عند المسلمين، فإذا وصل فأدخلوه قبل إنزاله، فإن فهم عني ما أقوله له أنزلته، وقضيت حاجته، وإن لم يفهم عني، لم أنزله، ورددته غير مقضي الحاجة، فلما وصل أدخل عليه، فلما سمع عليه أشار إليه ملك الروم بأصبعه الواحد إلى السماء، فأشار ذلك الرجل بأصبعه إلى السماء والأرض، فأشار النصراني بأصبعه قبالة وجه الرجل، فأشار الرجل بأصبعين قبالة وجه النصراني، فأخرج النصراني زيتونة من تحت بساطه، وأشار بها إلى الرجل، فأخرج الرجل بيضة من تحته وأشار بها إليه، فطابت نفس النصراني وأمر بإنزاله وإكرامه، ثم سأله: فيم جاء؟ فأخبره، فقضى حاجته وصرفه، فقيل للنصراني: ما قلت له حتى فخمك، وقضيت حاجته؟ فقال: ما رأيت أفهم منه ولا أحذق، أشرت له بأصبعي إلى السماء، أقول له: الله واحد في السماء، فأشار لي بأصبعه إلى السماء وإلى الأرض يقول لي: هو في السماء وفي الأرض، ثم أشرت له بأصبعي قبالته أقول له: جميع ما ترى من الناس إنما أصلهم واحد وهو آدم، فأشار إلي بأصبعين يقول لي: أصلهم آدم وحواء، ثم أخرجت له زيتونة أقول له: انظر، ما أغرب حال هذه، فأخرج هو بيضة، وقال: حال هذه أغرب من تلك؛ لأنه يخرج منها حيوان، فهي أعجب، فلذلك قضيت حاجته، فقيل بعد ذلك للرجل: ما الذي قال لك النصراني حين أشار إليك وفهمته؟ قال: والله، ما رأيت أثقل روحاً، ولا أجهل من ذلك النصراني ساعة وصولي إليه، يقول لي: آخذك في طرف أصبعي وأرفعك هكذا، فقلت له: أنا أرفعك بأصبعي هكذا، وأنزلك في الأرض هكذا، فقال لي: أخرج عينك بأصبعي هكذا، فقلت له: أنا أخرج عينيك الاثنتين بأصبعي هذين، فقال: ليس معي ما أعطيك إلا هذه الزيتونة، بقيت من غدائي، قلت له: يا محروم، وأنا أخير منك، فإني بقي لي من غدائي هذه البيضة، ودفعتها له، ففزع مني وقضى حاجتي.
стр. 44
وكان بالكوفة رجل مشهور بالبرد. فسمع أن بالبصرة رجلاً آخر أبرد منه، فقال: لابد أن أختبره، حتى أرى من أبرد منا، فأخذ كراريس من الكاغد كثيرة، وصنع منها سفراً كبيراً وسفره وكتب فيه: سلام عليكم، وفرق الحروف في بعض الأوراق وترك سائرها بياضاً، ودفعه لميار، وقال: تدفعه بالبصرة لفلان، وتطلب منه الجواب، فأخذه الميار، وذهب إلى البصرة، وسأل عن الرجل، فدل عليه، فأتاه، ودفع إليه السفر وقال له: أريد جواب ما فيه، قال: نعم، غداً إن شاء الله، ثم فتحه فوجد أوراقه بيضاً، فجعل يحول الأوراق، فوجد السين ثم اللام حتى كمل سلام عليكم، ولم يجد غير ذلك، ففكر في نفسه، فعلم أن ذلك من فعل بارد مثله يرى أن يقيسه فذهب إلى نجار، وقال له: اعمل لي تابوتاً كبيراً، فعمله له، فلما عاد الميار يطلب الجواب، قال له: تأتي غداً، وتأخذ هذا التابوت وتحمله للذي لك الكتاب وتقول له: هذا جوابك، وهذا مفتاح التابوت تدفعه له، ثم دفع أجرته، وقال: إني أسافر الليلة، فإذا كان غداً فأت إلى هنا، وخذ التابوت، فيه ما يحتاج من المأكول والمشروب، وغلقه، وإذا بالميار قد جاء، فأخذ التابوت وذهب، فلما وصل إلى الكوفة أتى الرجل الذي دفع له الكتاب: فقال: هذا التابوت جواب كتابك، ثم دفع له المفتاح ففتحه، فخرج منه الرجل، وقال وعليكم السلام ورحمة الله، فقال له: أشهد أنك أبرد مني ومن جميع الناس.
وحكى أبو عبد الله بن عبد البر المدني بمصر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان بالمدينة رجل من بني هاشم، وكانت له قينتان يقال لإحداهما: رشأ وللأخرى جؤذر، وكان يعجبه السماع، وكان بالمدينة مضحك، لا يكاد يفارق مجالس المتظرفين، فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليضحك به، فلما أتاه قال له المضحك: أصلحك الله، أنت في لذتك، ولا لذة لي، قال: وما لذتك؟ قال: تحضر لي نبيذاً؛ فإنه لا يطيب لي عيش إلا به، فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ، وأمر أن يطرح فيه سكر، فلما شربه المضحك، تحركت عليه بطنه، وتناوم عنه الهاشمي، وغمز جاريتيه عليه، فلما ضاق عليه الأمر، واضطر إلى البراز، قال: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين، وأهل اليمن يسمون الكنف المراحض، فقال لهما: يا حبيبتي، أين المرحاض؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يقول غنياني:
رحضت فؤادي فخليتني ... أهيم من الحب في كل واد
فاندفعتا تغنيانه، فقال في نفسه: ما أراهما فهمتا عني، أظنهما مكيتين، وأهل مكة يسمونه المخارج، فقال: يا حبيبتي، أين المخرج؟ فقالت إحداهما: ما يقول؟ قالت: يقول غنياني:
خرجت بها من بطن مكة، بعد ما ... أقام المنادي بالعشاء فأعتما
فاندفعتا تغنيانه، فقال في نفسه: لم تفهما علي، أظنهما شاميتين، وأهل الشام يسمونها المذاهب، فقال لهما: يا حبيبتي، أين المذهب؟ فقالت إحداهما: ما يقول؟ قالت: يقول غنياني:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب
فغنتاه الصوت، فقال في نفسه: لم تفهما عني، ما أظنهما إلا مدينتين، وأهل المدينة يسمونه: بيت الخلاء، فقلت لهما: يا حبيبتي، أين بيت الخلاء؟ فقالت إحداهما: ما يقول؟ قالت: يسأل أن يغنى:
خلى علي أخو الأحزان إذ ظعنا ... من بطن مكة، ألتسهيد والحزنا
قال: فغنتاه، قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، ما أحسب الفاسقتين إلا بصريتين، وأهل البصرة يسمونها الحشوش، فقال: أين بيت الحش؟ فقالت إحداهما: ما يقول؟ قالت: يسأل أن يغنى:
أوحش الخبران فالربع منها ... فمناها، فالمنزل المعمور
فاندفعتا تغنيانه، فقال: ما أراهما إلا كوفيتين، وأهل الكوفة يسمونها الكنف، فقال لهما: أين الكنيف؟ فقالت إحداهما: نعس سيدنا، هل رأيت أكثر اقتراحاً من هذا الرجل، قالت: ما يقول؟ قالت: يسأل أن يغنى:
تكنفني الهوى طفلا ... فشيبني، وما اكتهلا
قال: فغلبته بطنه، وعلم أن ذلك منهما ازدراء عليه، والهاشمي يتقطع ضحكاً، فقال لهما: كذبتما يا زانيتين، أعلمكما ما هو؟ فرفع ثيابه وسلح عليهما، وانتبه الهاشمي، فقال: سبحان الله، أتسلح عن وطائي؟ قال: الذي خرج مني أعز علي منه؛ إن هاتين الزانيتين حسبتاني أني أسأل عن الحش لإخراج الريح، فأعلمتهما ما هو.
стр. 45
وقال إسحاق بن إبراهيم: قال لي ابن وهب الشاعر: والله لأحدثنك حديثاً، ما سمعه أحد مني قط، وهو أمانة أن يسمعه أحد منك ما دمت حياً، قلت: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا) ، قال لي: يا أبا محمد، إنه حديث ما طن في أذنك أعجب منه، قلت: كم هذا التعقيد بالأمانة؟ آخذه على ما أحببت، قال: بينما أنا بسوق الإبل بمكة بعد أيام الموسم، إذا أنا بامرأة من نساء مكة معها صبي يبكي، وهي تسكته، فيأبى أن يسكت، فسفرت وأخرجت من فيها كسر درهم، فدفعته إلى الصبي فسكت، فإذا وجه رقيق كأنه دري، وإذا شكل رطب ولسان طويل، فلما رأتني أحد النظر إليها قالت: اتبعني، قلت: إن شرطي الحلال، قالت: ارجع، ومن يريدك على الحرام؟ فخجلت، وغلبتني نفسي على رأيي، فتبعتها، فدخلت في زقاق العطارين، فصعدت درجة، وقالت: اصعد، فصعدت، فقالت: أنا متزوجة، وزوجي رجل من بني مخزوم ولكن عندي جارية، عليها وجه أحسن من العافية، في مثل خلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة، أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأصغر سليم، قلت: وما أصغر سليم؟ قالت: بدينار واحد في يومك وليلتك، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة، وتزويجها صحيحاً، قلت: فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت، قال: وصفقت بيديها إلى جارتها، فاستجابت لها، فقالت: قولي لفلانة: البسي عليك ثيابك، وبحياتي عليك لا تمسي طيباً؛ فحسبنا بدلالك وعطرك فإذا جارية قد أقبلت من أجمل ما يرى، فسلمت وقعدت كالخجلة، فقالت لها الأولى: إن هذا الذي ذكرتك له، وهو في هذه الهيئة التي ترين، قالت: حياه الله، وقرب داره، قالت: وقد بذل لك من الصداق ديناراً، قالت: أما أخبرته شرطي؟ قالت: لا، والله يا بنية، لقد نسيت، ثم نظرت إلي فغمزتني، وقالت: أتدري ما شرطي؟ قلت: لا، قالت: أقول لك بحضرتها، وما أظنها تكرهه، هي والله، أفتك من عمرو بن معدي كرب، وأشجع من ربيعة بن مكدم، ولست بواصل إليها حتى تسكر، ويغلب عليها السكر، فإذا بلغت تلك الحال، ففيها مطمع، فقلت: ما أهون هذا وأسهله، قالت الجارية: وتركت شيئاً آخر، قالت: نعم، والله اعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها، وترى مجرداً مقبلاً ومدبراً، قلت: وهذا أيضاً أفعله، قالت: هلم دينارك، فدفعته إليها قالت: فصفقت بيديها مرة أخرى، فأجابتها امرأة، فقالت لها: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين: هلما الساعة، فإذا بشيخين نبيلين، قد أقبلا، فصعدا، فقصت عليهما القصة، فخطب أحدهما، وأجاز الآخر، وأقررت بالتزويج، وأقرت المرأة، ودعوا بالبركة، ثم نهضنا، فاستحييت أن أحمل المرأة شيئاً من المثونة فأخرجت ديناراً آخر، ودفعته إليها، وقلت: هذا لطيبك، قالت: لست ممن يمسي طيباً لرجل، إنما أتطيب لنفسي إذا خلوت، قلت: فاجعلوه لغدائنا اليوم، قالت: أما هذا فنعم، فنهضت الجارية، فأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت فتغدينا، ثم جاءت بوسادة وقضيت وقعدت، ودعت بنبيذ فأعدته، واندفعت تغني بصوت لم أسمع قط مثله، وإني ألفت بيوت القيان نحواً من ثلاثين سنة، فما سمعت مثل ترنمها قط، فكدت أخر سروراً وطرباً، فجعلت أروم أن تدنو مني، فتأبى، إلى أن تغنت بشعر لم أعرفه، وهو:
راموا يصيدون الظباء وإني ... لأرى تصيدها علي حراما
أعزر علي بأن أروع مثلها ... أو أن يذقن على يدي حماما
فقلت: جعلت فداك، من يغني هذا؟ قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، وتغنى به ابن سريج، وابن عائشة، فلما نعى إلينا النهار نفسه، وجاء المغرب، تغنت بصوت لم أعرف معناه؛ للشقاء الذي كتب علي، فقالت:
كأني بالمجرد قد علته ... نهال القوم أو خشب البراري
стр. 46
قلت: جعلت فداك، ما أفهم هذا البيت، ولا أحسبه مما يتغنى به، قالت: أنا أول من تغنى به، قلت: فإنما هو بيت مفرد لا صاحب له، قالت: معه بيت آخر، ليس هذا وقته، وهو آخر ما أتغنى به، قال: وجعلت لا أنازعها في شيء إجلالاً لها، فلما أمسينا وصلينا المغرب، وجاءت العشاء الأخيرة وضعت القضيب، فقمت وصليت، وما أدري كم صليت عجلة وشوق فلما سلمت قلت: أتأذنين لي - جعلت فداك - في الدنو منك، قالت: تجرد، وأشارت إلى ثيابها، كأنها تريد أن تتجرد، فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها، فتجردت، وقمت بين يديها، فقالت: امضي إلى آخر البيت وأقبل حتى أراك مقبلاً ومدبراً، وإذا حصير في الغرفة عليه طريق إلى آخر البيت، فخطرت عليه، وإذا خرق إلى السوق تحته، فإذا أنا فيه، قد وقعت في السوق قائماً متجرداً، وإذا الشيخان الشاهدان قد أعدا نعالهما، وكمنا لي ناحية، فلما هبطت عليهما، نهضا إلي، فقطعا نعالهما على قفاي، واستعانا بأهل السوق، فضربت - والله - يا أبا محمد، حتى نسيت اسمي، فبينما أن أضرب بنعال مخصوفة، وأيد شديدة، إذا صوت من فوق البيت يغني:
ولو علم المجرد ما أردنا ... لحاذرنا المجرد في الصحارى
فقلت في نفسي: هذا - والله - وقت هذا البيت، فنجوت إلى رحلي، وما في عظم صحيح، فلما انقضى حجنا، وانصرفنا، جعلت طريقي على ذلك الموضع، فسألت عنها فقيل لي: إنها امرأة من آل أبي لهب، قلت: لعنها الله، ولعن الذي هي منه.
وحكى أبو سويد عن أبي العتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال: بينما أنا ذات يوم بباب الكرخ، وأنا سائر، وقد استولى الفكر على قلبي في أبيات شعر نطق بها اللسان، فقلت:
دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني له انقباض
فإذا بجارية رائعة الجمال، فائقة الكمال، حوراء الطرف، يقصر عن نعتها الوصف، لها وجه زاهر، ونور باهر، فهي كما قال الشاعر:
كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة ... في كل جارحة منها لها قمر
وكانت تسمع قولي، فقالت:
هذا قليل لمن دعته ... بلحظها الأعين المراض
فأجبتها، فقلت:
فهل لمولاي عطف قلب ... أو للذي في الحشا انقراض
فأجابتني فقالت:
إن كنت تبغي الوداد منا ... فالود مني ديننا قراض
قال دعبل، فما أعلمني خاطبت جارية تقطع الأنفس بعذوبة ألفاظها، وتختلس الأرواح ببراعة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمتها، مع تلاعة جيد، ورشاقة قد، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق، فحار - والله - البصر - وذهل اللب، وجل الخطب، وتجلجل اللسان، وتعلقت الرجلان، وما ظنك بالحلفاء أدنيت لها النار، ثم ثاب إلي عقلي، وراجعني علمي، وذكرت قول بشار:
لا يمنعنك من محذرة ... قول تغلظه، وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا
هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه، واليأس منه، فكيف لمن وعد قبل المسألة وبذل قبل الطلب، فقلت مسمعاً لها:
أترى زمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقاً إلى مشتاق؟
فقالت مجيبة لي في أسرع من نفسي:
ما للزمان يقال فيه، وإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق
стр. 47
قال دعبل: فلاحظتها، فتبعتني، وذلك في أيام إملاقي، فقلت: ما بي إلا منزل مسلم صريع الغواني، فصرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فخرج فقلت: أحمل لك الخير، معي وجه تقل له الدنيا بما فيها، قد حصل مع ضيقة وعسر، فقال: لقد شكوت ما كدت أبادرك إليه، ايت بها، فلما أتيت ودخلت قال: والله، ما أملك غير هذا المنديل، ففلت: هو البغية، فناولنيه، وقال: خذاه، لا بارك الله فيه، فأخذته وبعته بدينار عين وكسر، فاشترين لحماً وخبزاً ونبيذاً، وصرت إليهما، فإذا هما يتساقطان حديثاً كأنه قطع الروض الممطور، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته، فقال: كيف يصلح طعام وشراب وجلوس، مع وجه نظيف بلا نقل ولا ريحان ولا طيب؟ فارجع لتمام ما بدأت، قال: فخرجت، فاضطربت في ذلك حتى رجعت به، فألقيت باب الدار مفتوحاً، فدخلت، فلم أر لهما خبراً، ولا شيئاً مما أتيت به أثراً، فسقط في يدي، وقلت: أرى صاحب الشرطة أخذهما؟ فبقيت متلهفاً حائراً، أرجم الظن، وأجيل الفكر سائر يومي، فلما أمسيت قلت: يا نفسي، أفلا أدور الدار؛ لعل الطلب يوقعني على أثر، ففعلت، فوقفت على سرداب، وإذا هما قد هبطا فيه، وأنزلا معهما جميع ما يحتاجون إليه، فأكلا وشربا وتنعما، فلما أحسستهما دليت رأسي، ثم ناديت: يا مسلم، ويحك، فلم يجبني حتى ناديت ثلاثاً، فكان من إجابته لي أن غنى بصوت يقول فيه:
بت في درعها، وبات رقيبي ... جنب القلب، طاهر الأطراف
قال: فضحكا ثم سكتا، واستجلبت كلامهما، فلم يجيباني، وبت بليلة، يقصر عمر الدهر عن ساعة منها طولاً وغماً وهماً، حتى إذا أصبحت، ولم آكل، خرج إلي مسلم، فجعلت ألومه، فقال لي: يا صفيق الوجه، منزلي ومنديلي، وطعامي وشرابي، فما شأنك في الوسط؟ فقلت له: حق القيادة والفضول والله لا غير، فولى وجهه إليها، وقال: بحياتي إلا أعطيته حق قيادته وفضوله، فقالت: أما حق قيادته فتعرك أذنه، وأما حق فضوله فتصفع قفاه، فاستقبلني فعرك أذني وصفع قفاي، فقلت: ما هذا؟ قال: جرى الحكم عليك بما جرى من العدل والإنصاف.
وحكى أبو بكر الوراق قال: حدثني الحسن بن هانئ قال: حججت مع الفضل بن الربيع، حتى إذا كنا ببلاد بني فزارة، وذلك في أول أيام الربيع نزلنا بإزاء باديتهم، إذا روض أريض، ونبت عريض، تخضع لبهجته الزرابي المبثوثة، والنمارق المصفوفة، فقرت بنظرتها العيون، وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفرجت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء، فأسفت غمامها، وتدانى ركامها حتى إذا كان كما قال أوس بن حجر:
دان مسف، فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
همت برذاذ ثم بطش ثم برش، ثم بوابل، ثم أقلعت، وقد غادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق، ورياضاً مونقة، ونوافح من ريحها عبقه، فسرحت طرفي، واقعاً منها بأحسن منظر، واستنشقت من رياحها أطيب من المسلك الأذفر، فلما انتهينا إلى أوائلها، إذا نحن بخباء على بابه جارية متبرقعة، ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، قد أشعرت لواحظها فتوراً، وملئت سحراً؛ فقلت لصاحبي: استنطقها، فقال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ فقلت: استسقها، فاستسقيناها ماء، قالت: نعم ونعما عين، وإن نزلتم فعلى الرحب والسعة، ثم نهضت تتهادى، كأنها خوط بان، أو قضيب خيزران، فراعني - والله - حسنها، وما رأيت منها، ثم أتت بالماء فشربت منه، وصببت باقيه على يدي، وقلت: وصاحبي أيضاً عطشان، فأخذت الإناء وذهبت، فقلت لصاحبي: من الذي يقول:
إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع
يريك عيون المها غرة ... ويكشف عن منظر أشنع
قال وسمعت كلامي، فأتت، وقد نزعت البرقع، ولبست خماراً أسود وهي تقول:
أر حي ركبي معشر قد أراهما ... أطالا، ولما يعرفا مبتغاهما
هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما
стр. 48
فشبهت كلامها بعقد در، وهي سلكه، فانتثر، بنغمة عذبة رخيمة لو خوطب بها صم الصلاب لانجست، مع وجه يظلم لنوره ضياء العقول، وتتلف في روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم، ويحار في بهائه طرف البصير، فلم أتمالك أن خررت ساجداً، وأطلت، من غير تسبيح، فقلت: ارفع غير مأجور، لا تذم بعدها برقعاً، فلربما انكشف عما يمنع الكرى، ويحل القوى، ويطيل الجوى، من غير بلوغ إرادة، ولا قضاء وطر، إلا الحين المجلوب، والقدر المكتوب، والأمل المكذوب، فبقيت - والله - معقول اللسان عن الجواب، حيران لا أهتدي لطريق الصواب، فالتفت إلى صاحبي فقال، لمار رأى هلعي، كالمسلي عن بعض ما أذهلني: ما هذه الخفة لوجه برقت لك منه بارقة، ولا تدري ما تحته، أما سمعت قول ذي الرمة:
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين لو كان باديا
فقالت: أما ما ذهبت إليه، لا أبا لك، فلا، والله؛ لأني بقول الشاعر أشبه:
منعمة حوراء، يجري وشاحها، ... على كشح مرتج الروادف أهضم
خزاعية الأطراف، مرية الحشا ... فزارية العينين، طائية الفم
لها بشر صاف، وعين مريضة ... وأحسن إيماء بأحسن معصم
من قول الأخرق، ثم رفعت ثياباً، حتى بلغت بها نحرها، وجاوزت منكبيها، فإذا فضة قد شيبت بماء الذهب، تهتز على مثل قضيب نقا، وصدر عليه كالرمانتين، وخصر لو رمت عقده لانعقد، منطوي الاندماج، على كفل رجراج، وسرة مستديرة، يقصر فهمي عن بلوغ نعتها، وفخذان لفاوان، وساقان تخرسان الخلاخل، وقدمان كأنهما لسانان ثم قالت: أشين ما ترى؟ لا أبالك، قلت: لا، والله، ولكن سبب القدر المتاح، ومقرب من الموت الصراح، فيطبق على الضريح، ويتركني جسداً بغير روح، قال: ثم خرجت عجوز من الخباء، وقالت: امض لشأنك؛ فإن قتيلها مطلول لا يودي، وأسيرها مكبول لا يفدي، قالت: دعيه، فإنه مثل قول غيلان:
فلا تعبن يوماً محياً مبرقعاً ... فربتما أشجاك ما أنت عائب
فنحن كذلك، حتى ضرب الطبل للرحيل، فانصرفت بكمد قاتل، وكرب داخل، وأنا أقول:
يا حسرتي مما يحن فؤادي ... أزف الرحيل بغربتي وبعادي
стр. 49
فلما قضينا حجنا وانصرفنا راجعين، مررنا بذلك المنزل، وقد تضاعف حسنه، وإذا هي تتهادى بين خمس، ما تصلح أن تكون خادماً لأدناهن، وهن يجتلين من حسن ذلك النبات، فلما رأيننا وقفن، فقلنا لهن: السلام عليكم، فقالت من بينهن: وعليك السلام، ألست صاحبي؟ قلت: بلى، قلن لها: أو تعرفينه؟ قالت: نعم، وقصت عليهن القصة، ما تركت حرفاً، قلن لها: ويحك، ما زودته شيئاً يتعلل به؟ قالت: نعم، زودته لحداً ضامراً، وموتاً حاضراً، فانبرت لها أنضرهن خداً، وأرشقهن قداً، وأسحرهن طرفاً، وأبرعهن شكلاً، فقالت: والله ما أحسنت بدءاً، ولا أجملت عوداً، ولقد أسأت في الرد؛ إذا لم تكافيه في الود، فما عليك لو أسعفته في رغبته، أو أنصفته في مودته، وإن المكان لخال وما معك من ينم عليك، فقالت: أما والله لا أفعل من ذلك شيئاً، أو تشركيني في حلوه ومره، قالت لها: (تلك إذا قسمة ضيزى) ، قالت أخرى منهن: لقد أطلتن الخطاب من غير فائدة فسلن الرجل عن نفسه وقصته وبغيته، فلعله لغير ما أنتن فيه، فقلن: حياك الله، وأنعم بك عيناً، من تكون، وممن أنت، وإلى من قصدت؟ قلت: أما الاسم، فالحسن بن هانئ من اليمن، ثم من سعد العشيرة، وأحد شعراء السلطان الأعظم، ومن يدني مجلسه، ويتقي لسانه، ويرهب جانبه، وأما قصدي، فلتبريد غلة، وإطفاء لوعة، قد أحرقت الكبد وأذابته، قالت: لقد أضفت إلى حسن المنظر كريم المخبر، وأرجو أن يبلغك الله أمنيتك، وتنال بغيتك، ثم أقبلت عليهن فقالت: ما لواحدة منكن عن مثله مرغب، فتعالين نشترك فيه، ونقترع عليه، فمن واقعتها القرعة منا تكن بادئة، فاقترعن فوقعت القرعة على المليحة التي قامت بأمري، فعلقن إزاراً على باب غار يجاورهن، وأدخلت فيه، وأبطأن عني، وجعلت أتشوق لدخول إحداهن علي، إذا دخل علي أسود كأنه سارية، بيده شي كالهرارة، ثم صحت بصاحبي، وكان قريباً، فجاء إلي وخلصني منه بعد عسر، فخرجنا من العار، وإذا هن يتضاحكن، ويتهادين إلى الخيمة، فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنماً إلى جانب الغار، فدعونه، ووسوسن إليه شيئاً: فدخل عليك، قالت: أتراه كان يفعل؟ قال: أتراك في شك من هذا؟ وانصرفت وأنا أختزي. قال أبو بكر مالك أبعدك الله، لقد كتمت هذا الحديث مخافة هذا التأويل، حتى ضاق به صدري؛ فرأيتك موضعاً له، فبحقي عليك، لا تذعه، قال: فما فهمت به حتى مات.
стр. 50
وقال السندي بن شاهد قائد الخليفة: بعث إلي المأمون، وأنا بخراسان، فطويت المراحل، حتى أتيت باب أمير المؤمنين، وقد هاج بي الدم، فوجدته نائماً، فأعلمت قصتي الحاجب، وقدمت إليه عذري، وما هاج بي من الدم، وانصرفت إلى منزلي، فقلت: ائتوني بحجامي، فقالوا: هو محموم، قلت: فهاتوا حجاماً غيره، ولا يكون فضولياً، فآتوني به، فما هو إلا أن دارت يداه على وجهي، فقال: هذا وجه ما أعرفه، فمن أنت؟ قلت: السندي بن شاهد، قال: ومن أين قدمت؟ فإني أرى أثر السفر عليك، قلت: من خراسان، قال: وأي شيء أقدمك؟ وكم لك في الطريق؟ قلت: وجه أمير المؤمنين إلي، ولكن إذا فرغت سأخبرك بالقصة على وجهها إن شاء الله، قال: وتعرفني بالمنازل التي جئت عليها؟ قلت: نعم، قال: فما هو إلا أن فرغ ودخل رسول أمير المؤمنين، ومعه كركي، فقال: أمير المؤمنين يقرئك السلام، وهو يعذرك فيما هاج بك من الدم، وقد أمرك بالتخلف في منزلك حتى تغدو عليه إن شاء الله، ويقول: ما أهدي إلينا اليوم شيء غير هذا الكركي، فقال الحجام: يصنع كذا وكذا، فقلت: يصنع كما قال: وعزمت على الحجام ألا يبرح، فحضرت الغداء فتغدينا وهو معنا، ثم قدم الشراب، فلما دارت الأقداح قلت: يعلق الحجام في العقابين فعلق، ثم قلت له: إنك سألتني عن المنازل التي قدمت عليها، وأنا مشغول في ذلك الوقت، وأنا أقصها عليك الآن فاسمع: خرجت من خراسان وقت كذا، فنزلت بموضع كذا، يا غلام: أوجع، فاضربه عشرة أسواط، ثم خرجت إلى موضع كذا، يا غلام: أوجع، فاضربه عشرة أسواط مرة أخرى، فلم يزل يضربه لكل منزلة عشرة أسواط، حتى انتهى إلى سبعين سوطاً، فالتفت إلى الحجام وقال: يا سيدي، أين تريد تبلغ؟ قلت: سألتني بالله إلى بغداد، قال: ليس تبلغ والله إلى الري حتى تقتلني، قلت: فأتركك على ألا تعود؟ قال: والله لا عدت أبداً، قال: فتركته، وأمرت له بسبعين ديناراً، فلما دخلت على المأمون أخبرته الخبر، قال: وددت أنك بلغت به إلى الري على أن تأتي على نفسه.
وحكى الزبير بن بكار قال: كان بمكة رجل يجمع بين الرجال والنساء ويعمل لهم الشراب، فشكي إلى عامل مكة، فصرفه إلى عرفات، فبنى بها منزلاً، وأرسل إلى إخوانه وقال: فما يمنعكم من أن تعودوا لما كنتم فيه؟ قالوا: وأين بك وأنت في عرفات؟ قال: حمار بدرهمين، وقد صرتم إلى الأمن والنزهة، ففعلوا، فكانوا يركبون إليه، حتى أفسد أحداث مكة، فعاودوا شكايته إلى والي مكة، فأرسل فيه، فأتي به، فقال: يا عدو الله، طردناك من حرم الله، فصرت بفسادك إلى المشعر الأعظم؟ قال: يكذبون علي، أصلح الله الأمير، فقالوا: بذلك أصلحك الله على ما نقول، أن تأمر بحمير مكة وتجمع، وترسل بها أميناً إلى عرفات، فإن لم تقصد إلى منزله من بين المنازل لعادتها إذا ركبها سفهاؤنها فنحن مبطلون، فقال الوالي: إن في هذا دليلاً عدلاً، فأمر بحمير من حمير الكراء، فجمعت، ثم أرسلت، فسارت إلى منزله، حتى كأنها دلها عليه دليل، فأعلمه بذلك أمناؤه فقال: ما بعد هذا شيء، جردوه، فلما نظر إلى السياط قال: لابد، أصلحك الله، من ضربي؟ قال: نعم، يا عدو الله، قال: ما في ذلك شيء هو أشد علي من أن يشمت بنا أهل العراق، ويضحكون منا، ويقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير، فضحك الوالي، وخلى سبيله.
الحديقة الثالثة
في نوادر أولي العقول والألباب، وحكايات المستخفين والمغفلين من المولدين والأعراب وفيها ثلاثة أبواب:
الباب الأول في النوادر المستغربة والنكت المستعذبة
نظر القاضي إياس إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل، وهذه مرضع، وهذه بكر، فسئلن، فوجدن كذلك، فسئل. من أين علم ذلك؟ فقال: لما فزعن وضعت كل واحدة يدها على أهم المواضع لها، فوضعت الحامل يدها على بطنها، والمرض على ثديها، والبكر على فرجها.
وسمع نباح كلب، فقال: هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر، فنظر، فكان كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت عند نباحه دوياً، ثم سمعت بعده صوتاً يجيبه، فعلمت أنه عند بئر.
стр. 51
ونظر بعضهم إلى أعورين يذهبان في الطريق، ويد أحدهما في يد الآخر، فقال: إني أرى أعورين، وأعمى بينهما، فنظر أصحابه فقالوا: لا نرى إلا أعورين، وليس بينهما أعمى، فقال: ضموا عور هذا إلى عور هذا؛ فإنه ينشأ بينهما رجل أعمى، وكان أحدهما أعور العين اليمنى، والآخر أعور اليسرى، فاستظرف أصحابه ذلك.
وقال الجاحظ: جلست امرأة من العرب إلى فتيان يشربون فسقوها قدحاً، فطابت نفسها، ثم سقوها آخر، فاحمر وجهها ثم سقوها ثالثاً، فقالت: خبروني عن نسائكم بالعراق، هل يشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زنين ورب الكعبة، والله، ما يدري أحدكم عن أبوه.
وسقي أعرابي أقداحاً من شراب لم يكن يعرفه، فحركته الأريحية، فسألوه عنها، فقال: والله، ما أدري ما هي غير أني أراكم تجبون إلي، وأراني أسربكم، وما وهب لي أحد منكم شيئاً.
ومر أعرابي بقوم يشربون، فدعوه فنزل، وعقل ناقته، فلم أخذ منهم الشراب قام إلى الناقة، فنحرها، وشوى لهم من كبدها وسنامها.
وقيل لأشعب: ما تقول في ثروة مغمورة بالسمن، مسقفة باللحم؟ قال: وأضرب كم؟ قيل: تأكلها من غير ضرب، قال: هذا ما لا يكون، ولكن أضرب، وأتقدم على بصيرة.
وقال المبرد: أضاف رجل رجلاً، فأطال المقام عنده، حتى كرهه، فقال الر جل لامرأته: كيف لنا أن نعلم مقدار مضافه؟ فقالت: إلق بيننا شراً، حتى نتحاكم إليه، ففعل، فقالت المرأة للضيف: بالذي يبارك لك في شفرك غداً أينا أظلم؟ فقال: والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهراً أو أزيد، ما أعلم.
ونزل بصري على مدني، وكان صديقاً له، فأطال المقام عنده، فقال المدني لامرأته: إذا كان غداً، فإني أقول لضيفنا: كم ذراعاً تقفز؟ ثم أقفز فإذا قفز هو فأغلق الباب، فلما كان من الغد، قال له المدني: كيف قفزك يا أبا فلان؟ قال: جيد، فعرض عليه أن يقفز معه فأجابه، فوثب المدني من داره إلى خارج ذراعاً، وقال للضيف: ثب أنت، فوثب الضيف إلى داخل الدار ذراعين، فقال: وثبت أنا إلى خارج الدار ذراعاً، ووثبت أنت إلى داخلها ذراعين، فقال الضيف: ذراعان في الدار خير من أذرع برا.
وسئل بنان الطفيلي: هل تحفظ من كتاب الله شيئاً؟ قال: نعم، آية، قيل: وما هي؟ قال: (فلما جاوزوا قال لفته ائتنا غداءنا) .
وكان يقول: التمكن على المائدة خير من ثلاثة ألوان.
وقال طفيل العرائس: ليس في الأرض أكرم من ثلاثة أعواد: عصا موسى، ومنبر الخليفة، وخوان الطعام.
ومن وصيته لأصحابه: إذا دخلتم عرساً، فلا تلتفوا إلى الملاهي، وتخيروا في المجالس، وإن كان العرس كثير الزحام، فليحضر أحدكم، ولا ينظر في عيون الناس؛ ليظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة، وأهل المرأة أنه من أهل الرجل، وإن كان البواب فظاً وقاحاً، فليبدأ به، وليأمره ولينهه من غير عنف، ولكن بين النصيحة والإدلال.
وقال بعض الطفيليين: الحلواء مثل الملك، يدخل بيتاً فيه قوم جلوس، ليس فيه متسع لأحد، فإذا نظروا إليه تضايقوا، ووسعوا له.
وحضر طفيلي بالكوفة طعام قوم، فجلس يأكل، فجعل الغلام يحرك الطست والإبريق، فقال: من ذا الذي يرجف بنا قبل انقضاء عملنا؟ وبينما طفيلي يأكل، إذ سمع صوت الطست، فامتنع عن الأكل، فقيل له: لم لا تأكل؟ قال: حتى يسكن هذا الإرجاف الذي أسمع.
وكان الأعمش إذا حضر مجلسه ثقيل أنشد:
فما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا
وذكر له ثقيل، كان يجلس بجانبه، فقال: إني والله، لأبغض شقي الذي يليه من أجله.
وكان حماد بن سلمة إذا رأى من يستثقله قرأ: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) .
وقال خالي الأستاذ أبو عبد الله محمد بن جزي:
وثقيل نحن منه ... في عذاب وامتحان
قد دعونا إذا أتانا ... بدعاء في الدخان
وقالت عائشة ﵂: نزلت آية في الثقلاء: (فانتشروا ولا مستئنسين لحديث) .
وروي عن الشعبي أنه قال: من فاتته ركعة الفجر، فليلعن الثقلاء.
وكان أبو هريرة ﵁ يقول، إذا استثقل رجلاً: اللهم اغفر له، وأرحنا منه.
وقيل لجالينوس: لما صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين عليه القلب بالجوارح.
وقال طبيب للحجاج: إياك ومجالسة الثقلاء، فإنا نجد في الطب أن مجالستهم حمى الروح.
стр. 52
وكان بعض الظرفاء إذا رأى ثقيلاً قال: قد جاءكم الجبل، فإن جلس عندهم قال: قد وقع عليكم.
وسمع الأعمش كلام ثقيل فقال: من هذا الذي يتكلم، وقلبي يتألم.
وسلم ثقيل على بعض الثقلاء، فقال: وعليك السلام شهراً.
وجلس ظريف عند ثقيل، فسئل عن ذلك، فقال: كانت نفسي قد عزت علي، فأردت أن أهينها بذلك.
وقيل لظريف كان له ثلاثة أولاد ثقلاء: أي أولادك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلا الوسط.
وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح؟ قال: نعم، من ظل الثقلاء. فقال: فمررت به يوماً، وهو بين يدي ثقيلين، فقلت: كيف الروح؟ قال: في النزع.
ومن ملح ابن عباد، أنه خرج يوماً مع جملة وزرائه الأدباء، فاجتازوا بأشبيلية بالموضع الذي يباع فيه الجير والجبس، فلقي جارية من أجمل النساء وأقلهم [هكذا] حياء، قد كشفت عن وجهها، فأقبل ابن عمار، وقال له: يا ابن عمار الجيارين، فقال له: نعم يا مولاي والجباسين، وضحكا معاً، فعلم من حضر أنهما لم يريدا أن يعرفا كل واحد منهما صاحبه بما ذكر. وسألوا ابن عمار عن مرادهما بذلك، فقال له ابن عباد: لا تبعها منهم إلا غالية، ثم إن ابن عمار أخبرهم أن ابن عباد أعجبه حسن الجارية، وعابها بقلة الحياء فحصف "الحياء زين" فجاء منه "الجيارين" وصفحت أنا "والخناشين" فجاء منه "والجباسين"، فاستغربوا من حضور أذهانهما وحسن كنايتهما.
ودخل قوم على النضر بن شميل، يعودونه في مرض، فقال له رجل يكنى أبو صالح: مسخ الله ما بك، فقال: لا تقل: مسخ بالسين، ولكن بالصاد، بمعنى أذهب، وهو كلام العرب، فقال أبو صالح: إن السين تبدل من الصاد، كالصراط والسراط، وسقر، وصقر، فقال له النضر: فأنت إذن أبو سالح، فخجل الرجل.
ووقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة ﵁ فقالت له: أشكو إليك قلة الجرذان بداري - وهي الفئران - فقال: ما أحسن هذه الكناية، املأوا لها بيتها براً لحماً وسمناً، وبيان ذلك أن الفئران لا يقمن بالموضع الذي ليس فيه طعام.
وأخذ المعني أبو حفص الوراق، فكتب رقعة إلى الصاحب بن عباد، منها: "وحال عبد مولانا في الحنطة مختلفة، وجرذان داره عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، فعل، إن شاء الله، فوقع الصاحب فيها: أحسنت يا أبا حفص قولاً، وسنحسن فعلاً، فبشر جرذان دارك بالخصب، وأمنها من الجدب فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست من غيرها من النفقة بممنوع".
ووجد أعرابي سراويل في طريق، فظنها قميصاً، فأدخل يديه في ساقيها، والتمس من أين يخرج رأسه، فلم يجد، فرمى بها وقال: هذا قميص شيطان.
ومن نوادر أشعب قال سالم بن عبد الله بن عمر ﵁ لأشعب: ما بلغ بك من طمعك؟ قال: لم أنظر لاثنين يتحدثان في شيء إلا قدرت أنهما يأمران لي بشيء.
وقال له ابن أبي الزناد: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما زفت بالمدينة امرأة إلى زوجها، إلا كنست بيتي، رجاء أن يغلط بها إلي.
وكانت عائشة بنت عثمان كفلته مع ابن أبي الزناد، فقال أشعب: تربيت معه في مكان واحد، فكنت أسفل ويعلو، حتى بلغنا ما ترون.
وقيل لعائشة بنت عثمان: هل آنست منه رشداً؟ فقالت: أسلمته منذ سنة يتعلم البز، فسألته بالأمس: أين بلغت في الصناعة؟ قال: تعلمت نصف العمل، وبقي نصفه، تعلمت النشر في سنة، وبقي تعلم الطي، فكيف يؤنس رشده.
وساوم أشعب رجلاً فني قوس بدينار، فقال أشعب: والله، لو كنت إذا رميت بها طائراً، وقع في حجري مشوياً بين رغيفين، ما اشتريتها بدينار.
ووقف إلى رجل يعمل طبقاً فقال له: أسألك الله إلا ما زدت فيه طوقاً أو طوقين. فقال له الرجل: ولم ذلك؟ قال: لعله أن يهدى لي يوماً فيه شيء.
ثم قال: دعوا هذا، امرأتي أطمع مني ومن الراهب، فقيل: وكيف حالك؟ قال: إ، ها قالت لي: ما يخطر على قلبك شيء يكون بين الشك واليقين إلا وأنا أتيقنه.
وقبل له: أرأيت أطمع منك؟ قال: كلبة آل فلان، رأت رجلاً يمضع علكاً، فتبعته فرسخين، تظن أنه يأكل شيئاً.
وقيل له: ما بلغ بك الطمع؟ قال: أضجرني الصبيان يوماً، فقلت: أشغلهم عني، فقلت لهم: إن بموضع كذا عرساً، فامضوا نحوه، فلما ذهبوا، قلت في نفسي: ولعل ثم عرساً، فتبعتهم.
стр. 53
وقيل لأشعب: لو أنك حفظت الحديث حفظك لهذه النوادر لكان أولى بك، قال: قد فعلت، قالوا له: فما حفظت من الحديث؟ قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: من كانت فيه خصلتان، كتب عند الله خالصاً مخلصاً، قالوا: إن هذا حديث حسن، فما هاتان الخصلتان؟ قال: نسي نافع واحدة ونسيت أنا الأخرى.
ورأى بعضهم قاصاً، يقص غداة يوم، ثم رآه في العشي في بيت خمار والقدح في يده، فقال: ما هذا؟ فقال: أنا بالغداة قاص، وبالعش ماص.
وقال بعضهم: أتيت الخليل، فوجدته على طنفسة صغيرة، فوسع لي، وكرهت أن أضيق عليه، فانقبضت، فأخذ بعضدي، وقدمني إلى نفسه، وقال: ما يضيق سم الخياط بمتحابين، ولا تتسع الأرض لمتباغضين، ولقد صدق، أخذ المعنى أبو محمد غانم بن الوليد المالقي فقال:
صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للمحبين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
وقال الأصمعي: مر بي أعرابي سائلاً، فقلت: كيف حالك؟ قال: أسأل الناس إلحافاً، فيعطوني كرهاً فلا يؤجرون، ولا يبارك لي فيما آخذ منهم.
وخطب ثقيل في تزويج، فقام واحد من القوم وقال: إذا فرغ الثقيل - بارك الله لكم - فإن لي شغلاً أريد المبادرة إليه.
وكان صائد يصيد العصافير في يوم بارد، فكان يذبحها، ودموعه تسيل من البرد، فقال عصفور لصاحبه: لا عليك من الرجل، أما تراه يبكي؟ فقال له الآخر: لا تنظر إلى دموعه، وانظر إلى ما تصنع يده.
وصلى رجل مراء، فقيل له: ما أحسن صلاتك، فقال: ومع ذلك فإني صائم.
وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: كم لك منذ نزلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين، فقال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة واحدة، فأجبتنا في مسألتين.
وقال مقاتل بن سليمان يوماً، وقد دخلته أبهة العلم، سلوني عما تحت العرش إلى أسفل الثري، فقال له رجل: ما نسألك عن شيء من ذلك، وإنما نسألك عما معك في الأرض، أخبرني عن كلب أهل الكهف، ما كان لونه؟ فأفحمه.
وصعد ابن قتيبة يوماً للمنبر وقال: يسألني من شاء عما شاء، فقام إليه أحد المغفلين، فقال له: ما الفتيل والقطمير؟ فلم يحر جواباً، ونزل خجلاً، وانصرف إلى منزله كسلاً، فلما نظر اللفظتين وجد نفسه أذكر الناس لهما.
وقال قتادة: ما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئاً قط فنسيته، ثم قال: يا غلام، هات نعلي، فقال: هما في رجليك، ففضحه الله.
وقال: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي، وأنا أريد أن أقطع ما تحت يدي، فقطعت ما فوقها.
وسمع كثير عدي بن الرقاع ينشد الوليد بن عبد الملك قوله:
وعلمت، حتى ما أسائل عالما ... عن علم واحدة لكي أزدادها
في قصيدة طويلة، فقال كثير: كذبت، ورب البيت الحرام، فليمتحنك أمير المؤمنين في صغار الأمور دون كبارها، حتى يتبين جهلك، وما كنت قط أحمق منك اليوم، حتى تظن هذا من نفسك.
وقال ابن موسى المنجم: ما أحد تمنيت أن أراه، فإذا رأيته أمرت بصفعه إلا عدياً، فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لقوله هذا البيت، كنت أعرض عليه أصناف العلوم، فكلما مر عليه شيء لا يحسنه، أمرت بصفعه.
وكان الواثق يقول بخلق القرآن، ويعاقب من خالفه، فأدخل عليه رجل فقال له: ما تقول في القرآن؟ فتصامم الرجل، فأعاد السؤال فقال: من تعني يا أمير المؤمنين؟ قال: إياك عني، قال: مخلوق، وتخلص منه.
وقيل لآخر: ما تقول في القرآن؟ فأخرج يده، وجعل يعد أصابعه: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هؤلاء الأربعة مخلوقة، يعني أصابعه، وتخلص منه.
ومما يستظرف من ذلك، أن رجلاً تعذر عليه الوصول إلى المأمون في ظلامة، فصاح على بابه: أنا أحمد النبي المبعوث، فأدخل عليه، وأعلم أنه تنبأ، فقال له: ما تقول فيما حكى عنك؟ قال: وما هي؟ قال: ذكروا أنك تقول: أنا نبي، فقال: معاذ الله، إنما قلت: أنا أحمد النبي المبعوث، أفأنت يا أمير المؤمنين ممن يحمده؟ فاستظرفه، وأمر بإنصافه.
وخرج شريح القاضي من عند زياد، وتركه يجود بنفسه، فسأله الناس عن حاله فقال: تركته يأمر وينهي، فجزعوا لسلامته، فما راعهم إلا صياح النائحات عليه، فسئل شريح عن قوله، فقال: تركته يأمر بالوصية، وينهي عن البكاء.
стр. 54
وسئل ابن شبرمة عن رجل ليستعمل، فقال: إن له شرفاً وقدماً وبيتاً، فنظروا فإذا هو ساقط، فقيل له في ذلك، فقال: شرفه أذناه، وقدمه الذي يمشي عليه، وبيته الذي يأوي إليه.
وذكر المتنبي في مجلس أمير بمحضر المعري وجماعة، فأخذ الأمير يطعن على المتنبي، ويضعف شعره، ويذكر مقابحه، وكان المعري حاملاً على الأمير؛ لقلة إحسانه إليه، فحمله ذلك على أن خالفه، وأثنى على المتنبي، وقال: هو أشعر الشعراء، وأحسنهم شعراً، ولو لم يكن له إلا قصيدته التي أولها:
لك يا منازل في القلوب منازل
فأمر الأمير أن يضرب بالسياط، فضرب وأخرج، فعظم ذلك على من حضر المجلس، وقالوا للأمير: رجل كبير من أهل العلم تضربه؛ لما يقول عن المتنبي، إنه أشعر الشعراء؟ ما ذاك بصواب، فقال: ليس كما قلتم، وإنما ضربته على تعريضه بي، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لأنه لم يفضله بقصيدة من عالي شعره، وإنما فضله بتلك القصيدة مع أنها ليست من عالي شعره؛ لأنه يسقول فيها بعد أبيات:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
فاستحسن من حضر فهمه، وحدة ذهنه، وعذروه فيما فعل، وسئل المعري بعد ذلك، فقال: والله ما قصدت غير ذلك.
ومثل ذلك ما حكي أن ابن الصائغ، بلغه عن الفتح بن خاقان صاحب "قلائد العقيان" أنه خططه فيها بذم، فقال فيه: "رمد عين الدين وكمد نفوس المهتدين، لا يتظهر من جنابة، ولا يظهر مخايل إنابة"، فمر على الفتح وهو جالس في جماعة، فسلم على القوم، وضرب على كتف الفتح وقال له: شهادة، يا فتح، ومضى، فلم يدر أحد ما قال إلا الفتح، فإنه فهمه، فتغير له، فقيل له: ما قال لك؟ فقال: إني وصفته في كتابي بما تعلمون، وأنا - والله - ما بلغت بذلك عشر ما بلغ هو بهذه الكلمة، إنه يشير لي بها إلى بيت المتنبي.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
وحضر جحظة المغني مع جماعة فيهم علي بن سام، فأخذ كل واحد منهم مخدة، فقال جحظة: ما لي لا أعطى مخدة؟ فقال له ابن بسام: عن فالمخاد كلها إليك تصير، يريد حين يرمونه بها.
وقال أبو زيد: رأيت أعرابياً كأن أنفه كوز من عظمه، فرآنا نضحك منه، فقال: ما يضحككم؟ فوالله لقد كنت في قوم يسموني الأفطس.
وقال: ما رأيت الديك في بلد قط إلا وهو يدعو الدجاجة إذا وجد الحبة، ويلتقطها لها إلا بمرو، فإني رأيته يأكل وحده، ولا يدعو الدجاجة إذا وجد الحبة، فعلمت أن لؤمهم كثير جداً، وهو طبع فيهم.
وقال: رأيت بها طفلاً صغيراً، وبيده بيضة، فقلت له: أعطنيها فقال لي: ليس تسع في يدك، فعلمت أن المنع طبع مركب فيهم.
وجلس ثقيل إلى بشار بن برد، فخرج من بشار ريح منكرة، فظن الرجل أنها فلتة، فمشى في حديثه، فأعادها بشار ثانية وثالثة، فقال له: يا أبا معاذ، ما هذا؟ قال: رأيت أو سمعت؟ قال: بل سمعت، قال: كل ما سمعت ريح، لا تصدق حتى ترى.
وكان لعبد الملك بن مروان جارية تتكلم بلغة من يكسر حروف المضارعة فتقول: أنت تعلم، فقال الشعبي: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في الغض منها؟ قال: افعل، قال: يا جارية، ما بال قومك لا يكتنون؟ فقالت له: أما فعلت ذلك؟ فقال: لا، والله، ولو فعلت لاغتسلت، فخجلت من ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك.
وقال الحجاج يوماً لجلسائه، وقد وصلت إليه الشمس ووجد حرها: ما كان حوجنا إلى كن نكتن فيه، فقال سعيد بن مطعم المارزي: قد أصبت لك أيها الأمير كناً، قال: وأين هو؟ قال: تنوري، فوالله ما سخن منذ ثلاثين يوماً، فقال له الحجاج: تلطفت في المسألة، وأمر له بجائزة.
وحكي أن رجلاً قام من مجلس خالد بن عبد الله يوماً، فقال: إني لأبغض هذا الرجل، وما أذنب لي ذنباً، فقال بعض من حضر: أوليته معروفاً قط؟ قال: لا، قال: فأوله معروفاً يخف على قلبك، ففعل، وخف على قلبه، وصار واحداً من جلسائه.
وقال بعضهم: رأيت قبرين، مكتوب على أحدهما: من رآني فلا يصغرن قدري؛ أنا كنت أحبس الرياح وأفرقها، وعلى الآخر: كذب ابن الزانية، إنما كان يجمع الرياح في الزق ثم يخرجها، قال: فما رأيت مشاجرة بين ميتين غيرهما.
وقال آخر: رأيت قبرين، مكتوب على أحدهما: أنا ابن سافك الدماء، وعلى الآخر: أنا ابن مستخدم الرياح، فسألت عنهما فقيل لي: أحدهما ابن حجام، والآخر ابن حداد.
стр. 55
وقال بعضهم: مثل الحريص في طلب الدنيا، كمثل رجل يصلي خلف الإمام، وهو مستعجل لحاجته، فهو يسبق الإمام بالركوع والسجود، استعجالاً للفراغ، ولا ينفعه ذلك ولا يخرجه من الصلاة إلا سلام الإمام.
وحكى الأنماطي أن المتوكل على الله، كان طلب من محمود الوراق جارية مغنية، وأعطاه فيها عشرة آلاف دينار، فأبى، فلما مات محمود اشتراها بخمسة آلاف، وقال لها: كنا أعطينا فيك لمولاك عشرة آلاف. وقد اشتريناك بخمسة آلاف، قالت: يا أمير المؤمنين، إن كانت الخلفاء تتربص بلذاتها المواريث، فنشتري بأرخص مما اشتريت.
وحكى إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: لاعب هارون الرشيد جارية من جواريه الشطرنج على إمرة مطاعة. فغلبته، فقال: مريم شئت، فقالت: تقوم إلى السرير، فقام، ثم لاعبها فغلبته فقالت: قم لميعادك، قال: لا أقدر على ذلك، قالت: فاكتب لي كتاباً أن آخذك به متى شئت، قال: افعلي، فدعت بدواة وقرطاس، ثم كتبت: هذا كتاب فلانة على مولاها أمير المؤمنين، أن عليه فرداً آخذه به متى شئت، وأنى شئت من ليل أو نهار، وكان على رأسها وصيفة لها، فقالت لها: يا سيدتي، إنك لا تأمنين الحدثان، فزيدي في كتابك، ومن قام بهذا الذكر فهو ولي ما فيه، فضحك الرشيد حتى استلقى على فراشه، واستظرفها، وأمر أن تنزل مقصورة ويجرى عليها رزق سنين، وشغف بها، ويقال: أنها مراجل، أم المأمون.
وارتفع رجل وامرأته إلى بعض القضاة، وكانت متنقبة، فأخذ القاضي معها، ففطن الرجل لذلك، فقال: أيها القاضي، قد شككت أنها زوجتي، فمرها تسفر عن وجهها، فوقع ذلك على اختيار القاضي، وقال: اكشفي عن وجهك، فلما كشفت عن وجهها، رآها قبيحة، فقال: أخزاكن الله، تجيء إحداكن بعيني مظلومة، فإذا كشفت، كشفت عن وجه ظالمة.
واختصم رجلان عند قاضي في خصومة بينهما، فأهدى إليه أحدهما منارة، والآخر بغلة، فلما وقفا للخصومة، رأى مهدي المنارة القاضي يميل عليه في الحكومة، فقال: أعز الله القاضي، إن حقي أشهر من منارة، وردد ذلك مراراً، فقال: يا هذا، إن البغلة كسرت المنارة برجلها.
وجاءت امرأة إلى موثق يشهد عليها في عقد، فوجد اسمها جميلة، فلما نظر إليها وجدها قبيحة، فرمى العقد من يده وقال: لا أشهد بالزور؛ إنما أنت قبيحة.
وكان بإشبيلية فقيه لوذعي، فجلس يوماً مع طلبته في نزهة، وبين أيديهم طعام، فيه بيض، فتكلم بعض القوم بكلام فيه ضعف، فأخذ الفقيه فص بيضة، فألقاه قدامه، ففطن القوم وضحكوا.
وودع رجل رجلاً كان في قلبه منه شيء، فقال له: امض في ستر من حفظ الله، وحجاب من كلاءته، ففطن الآخر، وقال الآخر: رفع الله مكانك، وشد ظهرك، منظوراً إليك، أراد أن يكون مصلوباً.
ووجه المبرد غلامه في حاجة، وقال له بحضرة الناس: إن رأيته، فلا تقل له، وإن لم تره، فقل له، فذهب الغلام ورجع، وقال له: لم أره فقلت له، فجاءه، فلم يجيء، فسئل الغلام عن معنى هذا، فقال: بعثني إلى غلام، وقال لي: إن رأيت مولاك، فلا تقل له، وإن لم تر مولاه، فقل له، فذهبت فلم أر مولاه، فقلت للغلام ما أمرني، فجاء مولاه، فلم يجيء الغلام.
وأرسل أعرابي غلامه إلى امرأة يواعدها موضعاً، يأتيها فيه، فذهب الغلام، وأبلغها الرسالة، فكرهت المرأة أن تقول للغلام ما بينهما، فقالت له: والله لئن أخذت أذنيك لأعركهما عركاً، وأشدك إلى تلك الشجرة، حتى تغش عليك العتمة، فانصرف الغلام إلى مولاه، وحكى له قولها، فعلم أنها واعدته تحت الشجرة، وقت العتمة.
وأراد أحد تلامذة أبي حنيفة أن يتزوج، وكان فقيراً، فلم يأخذه أحد لفقره، فشكى ذلك لأبي حنيفة، فقال له: ضع يدك على ذكرك، وسر واخطب، فإن سألك الناس عن حالك، وما عندك فابعثه إلي، ففعل الطالب ما أمره، فجاء شخص إلى أبي حنيفة، فسأله عن حال ذلك التلميذ، وهل عنده شيء أم لا؟ فقال أبو حنيفة: رأيت بيده سلعة، إذا أهلكت عليه، ثمنها خمسمائة دينار، فأخذوه فلم يجدوا عنده شيئاً.
ومر طفيلي بقوم يأكلون، فقال: السلام عليكم معشر اللئام، قالوا: لا، والله، إلا كرام، فجلس، وقال: اللهم اجعلهم من الصادقين، واجعلني من الكاذبين.
وخطر طفيلي على قوم يأكلون، فجلس يأكل معهم، فقالوا له: هل تعرف منا أحداً؟ قال: نعم، قالوا: من هو؟ قال: هذا، وأشار إلى الخبز.
стр. 56
ومر طفيلي بقوم يأكلون، فقال لهم: ما تأكلون؟ فقالواً: سماً، قال: لا خير في الحياة بعدكم، وجعل يأكل معهم.
وقال بعضهم: كانت لي حاجة عند بعض الحكام، فلم يقضها لي، فجلست في طريقه، فكل من يأتي إليه أصلح بينهم بدراهمي، حتى قطعت عليه معيشته من الناس، فقيل له عني، فبعث إلي، وقضى حاجتي.
وكان آخر له محفظة، لها طاقتان، طاقة نظيفة، والأخرى غير نظيفة، وعنده دراهم طيبة، ودراهم رديئة، فإذا أراد شراء اللحم، فإن قطع بائع اللحم له ما يرضيه، جعله في الطاقة النظيفة، وأعطى من الدراهم الطيبة، وإن كان غير ذلك جعله في الطاقة الأخرى، وأعطى من الدراهم الرديئة، فإن رد الدراهم، رد له هو اللحم، وقد سوده.
واشترى رجل ثنا [هكذا] ، وأنفق عليه مثل ثمنه، فوجده مالحاً، لا يستطيع أحد أكله، فذهب به لبائعه، ورغب إليه في رد ثمنه، ويخسر ما ينفق عليه، فأبى من ذلك، فجلس بالقرب منه، فكل من يجيء، ليشتري منه يقول له: إياك أن تشتري منه، وإن شئت فذق هذا، فإنه منه، فلم يشتر أحد منه، فأعطاه ثمنه وما أنفق عليه، وانصرف عنه.
وكان لنصراني قرد، فأعطاه دجاجة ينتفها، فأخذتها حدأة من بين يديه، فبقي القرد خائفاً من سيده، فجرح نفسه، ولطخ جسده وبقي ملقى على قفاه بالأرض، كأنه ميت، فلما أكلت الحدأة الدجاجة، رجعت تتشوف، فرأته على تلك الحال، فنزلت إليه لتأخذه، فقبض عليها، وقطع رأسها ونتفها، ودفعها إلى سيده، وقد كان ينظر فعله.
وأودع رجل عند آخر جرة من زيت، وقال له: أسلفني دراهم حتى نبيعها، ونعطيك، ففعل، فلم يرجع إليه بعد، فأراد بيعها، فوجدها ملأى، وعلى وجهها شيء يسير من الزيت.
ومن أبو العيناء يوماً بدرب بشر، فقال له غلامه: إن بالدرب جملاً سميناً، وليس معه أحد، فقال: خذه، فأخذه وسار به إلى منزله، فلما كان من الغد، جاءته رقعة من بعض الرؤساء الساكنين في ذلك الدرب، مكتوب فيها: جعلك فداك، ضاع لنا بالأمس جمل، فأخبرني بعض صبيان الزقاق أنك أخذته، فاردده متفضلاً، فكتب إليه: سبحان الله، مشايخ عندنا يزعمون أنك فطيم فلم أقبل قولهم، ولا صدقتهم، وتصدق أنت صبياً من صبيان دربك؟ وزاحم أبا العيناء رجل بالجسر، راكب على حمار، فضرب بيده على الحمار، وقال: يا رجل، قل للحمار الذي عليك: يقول: الطريق.
وولد لأبي العيناء ولد، فأتى ابن مكرم، فسلم عليه، ووضع حجراً بين يديه، وانصرف، فأحس به، فقال: من أدخل هذا الحجر، قيل له: ابن مكرم، قال: لعنة الله، إنما عرض بقول النبي ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
ومر أبو العيناء بموسى بن المتوكل، فقال له: انزل على ما حضر، فقدم له صحفة بلحم، وخبزاً، فأدخل أبو العيناء يده، فقلبها، فما وقعت يده إلا على عظم، فقال: يا سيدي، هذه صحفة أو قبر؟ فضحك موسى، وأمر له بإحضار شيء آخر.
ومر ببشار بن برد قوم، وهم يسرعون بجنازة، فقال: ما أظنهم إلا سرقوه، فيخافون أن يؤخذ منهم.
ومرت امرأة من الأعراب بقوم من بني نمير، فلحظوها بأبصارهم، فقالت: والله، يا بني نمير، ما أخذتم بواحدة من اثنتين، لا بقول الله سبحانه، ولا بقول الشاعر، أرادت بقول الله سبحانه: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم) ، وأرادت بقول الشاعر:
فغض الطرف؛ إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
ومرت امرأة ماجنة، برجل، وهو يأكل، فقالت له: أعرس في بطنك؟ نرى لحيتك ترقص.
وأتى رجل إلى خاطبة فقال لها: أريد امرأة ترضع ابني، فجعلت تعرض عليه كل ما عندها، وهو لا يرضى منهن شيئاً، فقالت له: عندي جارية بكر مليحة ظريفة، أتريدها ترضع ابنك؟ قال: نعم، قالت له: فأنت تريدها لنفسك لا لابنك.
وقال بعضهم: إن قوماً من المسلمين غزوا قوماً من الروم، فكان بين من قتل إخوة وأمهم حاضرة، فكرهت الحياة بعدهم، فقالت للذي صارت إليه: أرأيتك إن علمتك شيئاً لا يقطع فيك الحديد به، أتخلي سبيلي؟ قال: وكيف نعلم ذلك؟ فقالت له: أول ما تجربه في، قال: نعم، فجلست، وقالت له: اضرب عنقي، وبقيت تحرك شفتيها، كأنها تقول شيئاً، فضرب بالسيف، فقطع رأسها، فعلم أن ذلك كان حيلة منها.
стр. 57
ورفع قوم غريماً لهم إلى بعض القضاة، فقالوا: لنا عليه كذا وكذا ديناراً، فقال: نعم، لهم عندي ذلك، إلا أني سألتهم أن يؤخروني أياماً يسيرة؛ حتى أبيع عقاري وغنمي وبقري وإبلي، وأدفع لهم ما عندي، فقالوا: كذب، والله، ما عنده شيء من ذلك، قال: فاشهد لي عليهم، بأنهم شهدوا لي، أني فقير عديم، فقال القاضي: ركبوه حماراً، ونادوا عليه ألا يعامله أحد، ففعلوا ذلك النهار كله، فلما كان العشي، قال له صاحب الحمار: أعطني أجرة الحمار، قال: فيم كنا اليوم كله؟ فمضى وتركه.
وارتفع خصمان إلى سوار القاضي، وكان سوار يبغض أحدهما، فقال له: يا ابن اللخناء، قال: كذلك خصمي، قال خصمه: احكم لي عليه، قال: نعم، خذ له بحقه مني، وخذ لي بحقي منك، فندم سوار، وسأله الصفح.
ولما أراد شيرويه قتل أبيه، وجه إليه من يقتله، فلما دخل عليه قال: إني أدلك على شيء يكون فيه غناك، وذلك لوجوب حقك علي، قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني، فذهب إلى شيرويه فأخبره الخبر، فأمر بإخراج الصندوق، فوجد فيه ربعة، وفي الربعة حق، وفي الحق حب، وعلى الحق مكتوب: من أخذ منها حبة عاش من غير مضرة ولا ضعف، فطمع شيرويه في صحته، فأخذه وعوضه به، ثم أخذ منه حبة، فكان هلاكه فيها.
ومرض مولى لسعيد بن العاص، ولم يكن له من يخدمه، ويقوم بأمره، فبعث إلى سعيد فأتاه فقال: ليس لي وارث غيرك، وها هنا ثلاثة آلاف درهم مدفونة، فإذا مت فخذها، فقال سعيد حين خرج من عنده: ما أرانا إلا قد أسأنا لمولانا هذا، وقصرنا في تعاهده، وهو من شيوخ موالينا، فبعث إليه من يخدمه ويتعاهده، فلما مات، اشترى له كفناً بثلاثمائة درهم، وحضر جنازته، فلما رجع حفر الموضع كله، فلم يجد شيئاً، وجاء صاحب الكفن، وطلب ثمناً، فقال: لقد هممت أن أنبش عليه.
وجاء رجل إلى أبي حنيفة فشكى إليه أن أودع عند بعض الناس المشهورين بالأمانة والديانة مالاً، وأنه أنكر الوديعة، وكان ذلك المستودع يعتني بأبي حنيفة، فقال أبو حنيفة للرجل: تعود لي، وخلا أبو حنيفة بالرجل الذي أودع عنده، فقال له: إن هؤلاء قد بعثوا إلي يستشيرونني فيمن يصلح للقضاء، فهل تنشط لذلك؟ فتمانع الرجل قليلاً، وأقبل أبو حنيفة إليه يرغب فيه، ثم انصرف عنه، وهو طامع في القضاء، ثم جاء الرجل صاحب الوديعة في أبي حنيفة فقال أبو حنيفة: اذهب إلى الرجل، فقال له: احسبها، أنسيت الحال، وأنا أودعتك في وقت كذا، والعلامة كذا، فذهب الرجل وقال له ما أمره به، فرد عليه الوديعة، فلما رجع ذلك الإنسان إلى أبي حنيفة قال له: إني نظرت في أمرك، فرأيت أن أرفع قدرك، ولا أسميك؛ حتى يحضر ما هو أجل من هذا.
وجاء رجل إلى أبي حنيفة فشكا إليه أن دفن مالاً، في موضع ولا يذكر الموضع، فقال أبو حنيفة: ليس هذا فقهاً، فأحتال لك، ولكن اذهب، فصل لربك الليلة، فإنك ستذكره إن شاء الله، ففعل الرجل ذلك، فلم يقم إلا أقل من ربع الليل، حتى ذكر الموضع، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره، فقال: قد علمت أن الشيطان لا يدعك أن تقوم ليلتك حتى يذكرك، فهلا أتممت ليلتك شكراً لله تعالى.
وأقبل رجل إلى أبي حنيفة وقال له: إن لصوصاً دخلوا علي، وأخذوا مالي، وحلفوني بالطلاق ألا أسميهم، وخرجوا عني، فقال أبو حنيفة: أحضر لي إمام مسجدك والمؤذن والمشهورين من جيرانك، فأحضرهم، فقال لهم أبو حنيفة: هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه؟ قالوا: نعم، قال: فاجمعوا كل داعر ومتهم، وأدخلوهم في دار أو في مسجد، ثم أخرجوهم واحداً واحداً، وقولوا له: هذا من لصوصك؟ فإن لم يكن منهم فيقول: لا، وإن كان منهم فيسكت فاقبضوا عليه، ففعلوا ذلك، فرد الله عليه ماله.
وقال أبو حنيفة: احتجت وأنا بالبادية إلى ماء، فجاءني أعرابي، ومعه قربة من ماء، فأبى أن يبيعها إلا بخمسة دراهم. فدفعت له ذلك، وقبضت القربة، ثم قلت: يا أعرابي، هل لك في سويق؟ قال: نعم، فأعطيته سويقاً ملتوتاً بزيت، فجعل يأكل حتى امتلأ، فعطش، فقال: شربة ماء، فقلت: بخمسة دراهم، فأعطاني خمسة دراهم في قدح من ماء، وبقي بقية الماء ربحاً.
وجاءت امرأة إلى أبي حنيفة فقالت: إن زوجي حلف بطلاقي أن أطبخ قدراً فيه مكوك ملح، ولا يتبين طعم الملح فيما يؤكل منها، قال: خذي قدراً، وألقي فيه مكوك ملح، واسلقي فيه بيضاً، فإنه لا يوجد طعم الملح في البيض.
стр. 58
ودخل شريك القاضي على بعض العمال، فأخذ العمال بيده، ثم قال: يا غلام جئنا بعود، فلم يدر الغلام أي عود أراد، فعاد الغلام، ومعه عود الغناء، فلما رآه العامل لم يخجل، ولم يتغير، وقال: أخذنا رجلاً معه هذا، ما ترى في كسره؟ فأفتاه بكسره، فقال: هات لنا بخور! وكان لجعفر بن عبد الواحد صديق، يوجه له كل يوم سلة برطب مع غلام له، فقيل له: إن الغلام يأخذ من السلة، فاختمها، فختمها، فوجد السلة قد فتحت، فقال لصاحبه: اجعل فيها زنبورين قبل أن تختمها فكان إذا فتحها وطار الزنبوران علم أنها لم تفتح.
وجاء فتيان إلى نباذ، فشربوا عنده نبيذاً، ثم قالوا: ما عندنا شيء فخذ منا رهناً، فقال: وما الرهن؟ قالوا: تأخذ من كل واحد منا صفعة، ففعل، فلما كان بعد أيام جاءوا إليه، فقالوا له: خذ حقك ورد الرهن، فرغب إليهم أن يتركوه، فلم يفعلوا، فصفعوه وضحك أهل سوقه عليه.
وكان زياد بن عبد الله الحارثي على شرطة المدينة، وكان بخيلاً، فدعا أشعب في رمضان يفطر مع جماعة عنده، فقدم إليهم معقودة، فجعل أشعب يمعن فيها وزياد يلمحه، فلما فرغ من الأكل، قال زياد: ما أظن لأهل السجن إماماً يصلي بهم في هذا الشهر، فليصل بهم أشعب، فقال أشعب: أو غير ذلك، أصلح الله الأمير؟ قال: وما هو؟ قال: أحلف ألا آكل معقودة أبداً، فخجل زياد وتغافل عنه.
وكان لزياد هذا كاتب، فأهدى له طعاماً، قد تفنن فيه، فوافاه، وقد تغدى، فغضب زياد، وقال: يبعث أحدكم الشيء في غير محله، ثم قال: ادع لي المساكين يأكلونه، فبعث إليهم حرسياً يدعوهم، فقال له رسول الكاتب: أصلح الله الأمير: إن أمرت أن يكشف لك عنه حتى تنظر إليه قال: اكشفوا عنه، فإذا به دجاج وسمك وحلواء، فأعجبه ذلك، وقالوا: ارفعوه، ثم جاء المساكين، فقال: اضربوهم عشرة عشرة؛ فإنه بلغني أنهم يفسون في مسجد رسول الله ﷺ ، ويبولون على بابه، فرغب فيهم، فصرفهم.
وأتى طفيلي دار عرس، فمنع من الدخول، فذهب إلى بعض أصحاب الزجاج، فرهن عنده رهناً، وأخذ منه أقداحاً، وقال للموكل بالباب: افتح حتى أدخل هذه الأقداح التي طلبوها، ففتح له ودخل، فأكل وشرب، ثم أخذ الأقداح وردها إلى صاحبها، وقال: لم يرضوها.
وجاء طفيلي آخر إلى باب عرس، فمنع من الدخول، فأخذ إحدى نعليه، وجعلها في كمه، وعلق الآخر، وجاء إلى الموكل بالباب، كالمستعجل، وقال: أخذت فردة تعلي، وتركت الأخرى، فتفضل بالله إخراجها، فقال له البواب: أنا مكلف بهذا الباب، ولن أتركه، فادخل أنت، وخذ متاعك، فدخل وأكل، وخرج.
واجتمع ثلاثة من الطفيليين، فلم يظفروا بأكل، ولا قدروا عليه، فاجتمع رأيهم على أن يأتوا صاحب الشواء والرقاق، ولا يكون إقبالهم في دفعة؛ لئلا يشعر بهم، فتقدم أحدهم، فأخذ شواء ورقاقاً، ودخل يأكل، فلما أمعن، أقبل الثاني، فأخذ مثل الأول، وقعد ناحية يأكل، ثم أقبل الثالث، فأخذ مثلها، فلما قارب أن يخلص أكله، قام الأول يريد الخروج، فقال له الشواء: هات ما عليك، قال: دفعت لك، قال: متى؟ قال له الثاني: حين أعيتك أنا، قال له: ومتى أيضاً أعطيتني أنت؟ فقام الثالث إليه حنقاً وهو يقول: أتراك، يا ابن الفاعلة، تنكرني كما أنكرت هذين؟ فلما سمع الشواء كلامهم على أنهم طفيليون، فترك سبيلهم.
وقال بعضهم: نزل رجل على ديراني بالشام، فقدم إليه أربعة أرغفة، وذهب ليأتيه بعدس، فلما جاءه به وجده قد أتى على الأرغفة، فوضع العدس بين يديه، وذهب ليزيده رغيفاً؛ لكي يأكل به العدس، فلما جاء به وجده قد أكل العدس، فوضع الرغيف وذهب، فجاءه بصحفة أخرى من عدس، فوجده قد أكل الرغيف، فما زال كذلك حتى أتى على وظيف تسعة أنفس، فلما فرغ سأله الديراني عن حاله ومقصده، قال: أريد الأردن؛ فإنه بلغني أن فيه طبيباً جيداً، وأنا في هذه المدة أصابني سوء هضم، وقلة شهوة الطعام، فقال له الديراني: عسى بالله، إذا رجعت، وقد تطببت أن تأخذ على غير هذا الطريق؛ فإن هذا الدير لقوم ضعفاء، فخجل الرجل، وقال: نعم.
وكان بعض الناس يتخدم ليونس بن أسباط، فانقطع عنه مدة، فقال يونس لبعض من حضره: ما فعل فلان؟ فقال: لا أدري، ولكن لو مات ما كنت تفعل معه؟ قال: أكفنه وأقبره، قال: فإنه عريان، فضحك، وأمر له بكسوة.
стр. 59
وكان ابن هرمة مولعاً بالشراب، فحد فيه مراراً، فأتى المنصور ومدحه، فاستحسن شعره، وقال له: سل حاجتك، قال: تكتب إلى عامل المدينة ألا يحدني إذا أوتي بي سكران، فقال له المنصور: ويلك، هذا حد من حدود الله ، لا يجوز لي تعطيله، قال: فاحتل يا أمير المؤمنين، قال: أما هذا فنعم، وكتب إلى عامل المدينة: من أتاك بابن هرمة وهو سكران، فاجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين، فكان العون بعد ذلك يمر به وهو سكران، فيقول ابن هرمة: من يشتري مائة بثمانين؟ وحكى ابن دهمان قال: مررت يوماً ببشار، وهو جالس على بابه وحده، وليس معه أحد، وبيده قضيب، وبين يديه طبق فيه تفاح وأترج، فلما رأيته، وليس معه أحد، جئت قليلاً قليلاً، ومددت يدي لأتناول ما بين يديه، فرفع القضيب، وضرب يدي ضربة كاد يكسرها، قلت: قطع الله يدك، أنت الآن عند نفسك أعمى، قال: يا أحمق، فأين الحس؟ وحكى المدائني عن محمد بن حجاج قال: كنا عند بشار بن برد الضرير، فأتاه رجل يسأله عن منزل رجل، قال: فجعل بشار يصف له ويفهمه، وهو لا يفهم، فوثب بشار، وأخذ بيده، وجعل يقول:
أعمى يقود بصيراً، لا أبالكم ... قد ضل من كانت العميان تهديه
وحاسب بشار يوماً وكيله، وذكر في بعض حسابه عشرة دراهم في جلاء مرآة، فقال بشار - وصفق بيديه -: واغوثاه، جلاء مرآة لأعمى بعشرة دراهم، والله لو صديت عين الشمس، حتى يبقى الناس في ظلمة، ما ساوى جلاؤها عندي عشرة دراهم.
وكان أبو العتاهية يهوى عتبة، فلبس يوماً ثياب راهب، ووقف على طريق عتبة، ولما مرت به، قال: أنا راهب، وكنت في صومعة منذ سنين كثيرة، وأتاني أت في منامي، وأمرني بالإسلام على يديك، وتقبيل يديك، ولست أبغي منك على ذلك جزاء ولا شكوراً، فسرت بذلك، ومدت يدها اليمنى وقبلها وقال: إنما أمرت بتقبيل يدك اليسرى، فمدتها وقبلها، وقال: بأبي أنت من يد قريبة العهد بأحب المواضع إلي، قالت: ماجن ورأس المهدي.
وحكى المبرد أن عتبة جاءت إلى عبد الله بن مالك برسالة ريطة بنت أبي العباس في مماليك لتشتريهم وتعتقهم، وإذا بأبي العتاهية قد دخل وهي لا تعرفه، وقال: إني - جعلني الله فداك - شيخ ضعيف وموالي يسيئون ملكي، فإن شئت أن تأمريه يجعلني فيمن يعتق، فكلمت عبد الله بن مالك في ذلك، فقال: أفعل إن شاء الله، فقال لها أبو العتاهية: قد أحسنت وتفضلت فأذني في تقبيل يدك، فمدت يدها فقبلها وانصرف، فقال عبد الله بن مالك: أتدرين من هو؟ قالت: لا، قال: هذا أبو العتاهية، فاستحيت وقالت: يا أبا العباس، ما ظننتك تعبث مثل هذا العبث.
وقرأ الحجاج في سورة هود، فلما انتهى إلى ابن نوح، لم يدر كيف يقرأ (إنه عمل غير صلح) أو عمل غير صالح، فبعث حرسياً، فقال: ائتني بقارئ، فذهب وأتى به، وقد ارتفع الحجاج من مجلسه، فحبسه ونسيه، حتى عرض الحجاج حبسه بعد ستة أشهر، فلما انتهى إليه قال: فيم حبست؟ قال: في ابن نوح، أصلح الله الأمير، فأمر بإطلاقه.
وكتب زياد إلى معاوية: قد أخذت العراق بشمالي، وبقيت يميني فارغة، وهو يعرض له بالحجاج، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ﵁، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اكفنا يمين زياد، فخرجت به قرحة في يمينه، قتلته.
وقال خالد بن الوليد عند موته: لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي قيس شبر، إلا وفيه طعنة أو ضربة أو رمية، ثم هاأنذا أموت على فراش، حتف أنفي، فلا نامت أعين الجبناء.
ووعظ مالك بن دينار فبكى وأبكى أصحابه، ثم افتقد مصحفه، فلم يجده، فنظر إلى أصحابه، وكلهم يبكي، فقال: كلكم تبكون، فمن أخذ مصحفي؟ ودخل أبو العيناء على إبراهيم بن المدبر، وعنده الفضل بن اليزيد وهو يلقي على ابنه مسائل في النحو، فقال: في أي باب هذا؟ فقال: في باب الفاعل والمفعول به، فقال: هذا بابي وباب الوالدة، حفظها الله، فغضب الفضل وانصرف.
وقال له ابن مكرم يوماً: أنا أجمع بين الصلاتين، قال: نعم، بالترك.
وكان أبو يوسف يكتب كتاباً، وإلى جانبه رجل يتطلع عليه، ففطن به أبو يوسف، فلما فرغ من الكتاب، التفت إلى الرجل، وقال له: هل أبصرت فيه خطأ؟ فقال: لا، قال أبو يوسف: جزيت عن الجساسة خيراً.
стр. 60
واشترى رجل كبشاً في العيد، فلما دخل به على زوجته، ورأته ضعيفاً، قالت له: هذا الكبش يشبهني ويشبهك، قال: وكيف ذلك؟ قالت: يشبهني في الشحم، وإياك في القرون.
وكان لابن أبي عتيق جارية تخدمه، وكان يتبعها جار له، فبينما هي ذات يوم توضئه، إذ وقع حجر بين يديه، فتغافل، فلما كان بعد ساعة وقع حجر آخر، فقال بأعلى صوته: إنها مشغولة، فانقطع الرجم.
وكتب عبد الله بن الزبير إلى بعض عمله: عمدت إلى مال الله فأكلته، فكتب إليه: إذا لم آكل مال الله، فمال من آكل؟ لقد طلبت من الشيطان ماله مرة، فما فرج عني كربة.
وغضب بعض عمال عيسى بن صبيح امرأة موضعاً، فجاءت إليه، ومجلسه قد غص بأهله، فقالت له: بالذي أعز النصرانية بسماء غلامك، وأعز اليهود بهارون كاتبك، وأذل المسلمين بك إلا أنصفتني، فخجل عيسى وقال: ردوا عليها موضعها.
وقال الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك فلان؟ قال: مات واستراح من المكتب، قال: وبلغ بك المكتب هذا المبلغ؟ والله، لا تحضره أبداً، ووجهه إلى البادية، فتعلم الفصاحة، وكان أمياً.
وكان بعض الكتاب يكتب كتاباً، وإنسان يتطلع عليه، فشق ذلك عليه، فكتب: ولولا ابن ألف كذا وكذا، كان يقرأ كتابي حرفاً حرفاً لأعلمتك، فقال الرجل: ما كنت أنظر في كتابك، قال: فمن أين لك معرفة ما أنكرت؟ وروي أن يزيد بن معاوية، لما أراد توجيه مسلم بن عقبة إلى المدينة، اعترض الناس، فمر به رجل معه ترس قبيح، فقال له: يا أخا أهل الشام: مجن ابن ربيعة كان أحسن من مجنك، يريد قوله:
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص: كاعبان ومعصر
وقال الشعبي: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: ما غلبني أحد قط، إلا غلام من بني الحارث بن كعب، وذلك أني خطبت امرأة من بني الحارث، وكان عندي شاب منهم، فأصغى إلي، فقال: أيها الأمير، لا خير لك فيها، فقلت: يا ابن أخي، وما لها؟ قال: إني رأيت رجلاً يقبلها، فتركتها، قال: ثم بلغني أن الفتى تزوجها، فأرسلت فيه، فقلت: ألم تخبرني أنك رأيت رجلاً يقبلها؟ قال: نعم، رأيت أباها يقبلها.
وحكى الأصمعي قال: كان رجل من ألأم الناس وأنجلهم، وكان عنده لبن كثير، فسمع به رجل ظريف، فقال: الموت، أو أشرب من لبنه، فأقبل ومعه صاحب له، حتى إذا كان بباب صاحب اللبن، غشي عليه وتماوت، فقعد صاحبه عند رأسه، يسترجع، فخرج صاحب اللبن، فقال: ما باله؟ فقال: هذا سيد بني تميم، أتاه أمر الله ها هنا، وكان قال: أسقني لبناً، قال صاحب اللبن: هذا هين موجود، يا غلام، ائتني بقدح من لبن، فأتاه به، فأسند صاحبه إلى صدره، وسقاه حتى أتى عليه، وتجشأ، فقال صاحبه لصاحب اللبن: أتقول: هذا راحة الموت؟ ففطن لهما وقال: أماتك الله وإياه.
وقال الأصمعي: مر رجل بأبي الأسود الدؤلي، وهو يقول: من يعشي هذا الجائع؟ فقال: علي به، فأتاه بعشاء كثير، فأكل حتى شبع، ثم ذهب السائل ليخرج، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أهلي، قال: لا أدعك تؤدي المسلمين الليلة بسؤالك، اطرحوه في الأوهم، فبات مكبولاً حتى أصبح.
ووقع درهم بيد سليمان بن مزاحم، فجعل يقبله، ويقول في شق: لا إله إلا الله، وفي شق: قل هو الله أحد، ما ينبغي لهذا أن يكون إلا تعويذاً أو رقية، ورمى به في الصندوق.
وكان ابن عيسى بخيلاً، وكان إذا وقع الدرهم بيده، طعنه بظفره، وقال: كم مدينة دخلتها، وأيد درجتها، فالآن، استقر بك القرار، واطمأنت بك الدار، ثم يرمي به في الصندوق.
ونظر أشعب إلى رجل قبيح، فقال: ألم ينهكم سليمان بن داود عن الخروج بالنهار؟ وحكى المدائني وقال: أتت ليلة الشك في رمضان. فكثر الناس على الأعمش يسألونه عن الصوم، فضجر، ثم أرسل إلى بيته في رمانة، فشقها، ووضعها بين يديه، فكان إذا نظر إلى رجل قد أقبل يريد أن يسأله، أخذ حبة فأكلها. وكفى الرجل السؤال، ونفسه الرد.
وقال رجل لمحمد بن مطروح الأعرج ﵀: ما تقول في رجل مات يوم الجمعة، أيعذب عذاب القبر؟ قال: يعذب يوم السبت.
وقال آخر: أتجد في بعض الكتب أن جهنم تخرب؟ قال: ما أشفاك إن اتكلت على خرابها.
стр. 61
وكان يجلس إليه خصي لزرياب، قد حج وتنسك، ولزم الجامع، يتحدث في مجلسه، بأخبار زرياب، ويقول: كان أبو الحسن ﵀ يقول كذا وكذا، فقال له الأعرج: من أبو الحسن هذا؟ قال: زرياب، قال: بلغني أنه كان أخرق الناس.
وسأله مرة أخرى، ما تقول في الكبش الأعرج، أيجوز للذبيحة؟ قال: نعم، والخصي مثل ذلك.
الباب الثاني في أخبار الأعراب والمتنبئين ونوادر المجان والمستخفين
قدم إلى أعرابي كامخ، فأكل منه، فلم يستطبه، وخرج إلى المسجد، والإمام في الصلاة يقرأ: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ، فقال الأعرابي: والكامخ، لا تنسه، أصلحك الله.
وكان موسى بن عبد الملك قد اغتال نجاح بن سلمة في شراب شربه عنده، فقال المتوكل لأبي العيناء بعد ذلك: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ فقال: ما قال الله (فوكزه موسى فقضى عليه) فاتصل ذلك بموسى، فعتب عليه وقال له: أردت قتلي، فاعتذر له، وافترقا عن صلح، فلقيه بعد ذلك موسى، فقال له: يا أبا عبد الله قد اصطلحنا، فما بالك لا تأتينا؟ فقال: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) فقال موسى: ما أرانا إلا كما كنا.
وقال المتوكل لأبي العيناء: إبراهيم بن نوح النصراني وجد عليك، فقال: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .
وقال له المتوكل يوماً: إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين أمنوا يضحكون) .
وقال له رجل: يا مخنث، فقال: (وضرب لنا مثلا ونسى خلقه) .
ولقي خالد بن صفوان الفرزدق، وكان الفرزدق قبيحاً، فقال له خالد: يا أبا فراس، ما أنت بالذي (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن) فقال له: ولا أنت بالذي قالت الفتاة لأبيها: (يا أبت استئجره إن خير من استئجرت القوى الأمين) .
وبعث المنصر سليمان بن راشد، إلى الموصل، وضم إليه ألف فارس من العجم، وقال له: قد ضممت لك ألف شيطان تذل بهم أهل الأرض، فلما أتى الموصل عاشوا في نواحيها، وقطعوا الطريق، وانتهبوا الأموال، وانتهى خبرهم إلى المنصور، فكتب إليه: كفرت النعمة يا سليمان، فكتب إليه في الجواب (وما كفر سليمن ولكن الشيطين كفروا) فضحك المنصور، وعرف عذره، وأنذر له بجيش غيرهم.
وأتي بأعرابي إلى سلطان، وبيده كتاب فيه مكتوب: (هاؤم اقرءوا كتابيه) فقيل له: إنما قال هذا يوم القيامة، فقال: هذا، والله، أشد، فإن يوم القيامة يؤتى بحسناتي وسيئاتي، وأنتم جئتم بسيئاتي فقط، وتركتم حسناتي.
ورأى أبو الضمضم القاضي رجلاً قريباً من مجلسه يسمع نوادره، فرماه بالدواة، وأمر بسجنه، فقال له الكتاب: كيف أكتب قصته في الديوان؟ قال له: اكتب (استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) .
وأتى أعرابي المسجد، والنبي ﷺ جالس، فقام يصلي، فما فرغ قال: اللهم ارحمني وارحم محمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال النبي ﷺ : ولم حجرت واسعاً يا أعرابي؟ وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً يقول في الطواف: اللهم اغفر لأمي، فقلت له: مالك لا تذكر أباك؟ فقال: أبي رجل يحتال لنفسه.
وسمع أعرابي رجلاً يقرأ: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملاً) فقال: أنا أعرفهم، فقيل: ومن هم؟ قال: الذين يبردون ويأكل غيرهم.
وكان ابن أبي علقمة غزير اللحية كثيرها، وكان ابن والان قليل اللحية، فاجتمعا يوماً، فقال ابن أبي علقمة لابن والان يعرض بقلة لحيته: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) ، فقال ابن والان: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث) .
وجلس أعرابي مع معاوية على المائدة، فقدم ثريد كثير الدسم، ففجره الأعرابي بإصبعه إلى جهته، حتى سال الدهن إليه، فقال معاوية: (أخرقتها لتغرق أهلها) فقال الأعرابي: لا، ولكن (سقنه لبلد ميت) .
وقرئ بين يدي أعرابي: (كأنهن الياقوت والمرجان) فقال: هؤلاء خلاف نسائكم العجاف.
وكان رجل شهر بالشراب والمعاصي، فوعظه أحد الناس، وقال له: ما تكون حجتك يوم القيامة؟ قال: خضراء مزججة.
وخطب وكيع بن أبي سويد بخراسان، فقال: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أشهر، فقيل له: في ستة أيام، فقال: أردت أن أقولها، فاستقللتها.
وقرأ: ألم غلبت الترك، فقيل له: الروم، فقال: كلهم أعداء، كفانا الله مئونتهم.
стр. 62
وصلى رجل فقال في سجوده: يا رب، عبدك العار بن العار، سجد لك، الأيمان تلزمني، ما يغفر لي غيرك.
وقيل للحسن بن هانئ: أي شيء تشتهي؟ قال: ما لا أجده في الدنيا ولا في الآخرة، قيل: وما هو؟ قال: ركوب الصبيان على الحلال.
وكان إمام يطول الصلاة على الناس بالقراءة، فقال له الجماعة: إما أن تقصر، وإما أن تترك الجامع، فصلى يوماً، فلما قرأ: الحم لله، قال: ما تقولون في عبس، قال له الآخر: كيست من فيها.
وقيل لأعرابي يدعي حفظ القرآن: ما أول الدخان؟ قال: الحطب الأخضر.
وقيل لأعرابي: أتحفظ: (لم يكن) ؟ قال: أنا لا أحفظ ما كان، فكيف أحفظ ما لم يكن؟ وقرأ رجل بين يدي قوم: (قل هو الله أحد) فخجل ولم يستطع تمامها، فقال آخر؛ من أراد أن يحضر بقية السورة، فليأت غداً إن شاء الله.
وقيل لأبي النخاس، صاحب الأير الكبير، يدخل فيه سبع قولات مصريات: هل جامعت قط بكراً؟ قال: ما أحصيهن كثيرة، قيل: ويكف كن يأتينك؟ قال: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) .
وجعلت عصيدة بلا عسل بين يدي أعرابي. فقال: عملت هذه العصيدة من قبل أن يوحي ربك إلى النحل.
وقيل لأعرابي: في أي سورة هو:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها، فنفسه ظلما؟
ففكر ساعة وقال: في حم الدخان.
وقال أعرابي لآخر: أيهما أفضل عيسى بن مريم أو معاوية؟ فقال: ويلك، تشبه بني النصارى بكاتب الوحي؟ وقال الأصمعي: خرج على قوم في بادية ريح شديدة، فيئسوا من الحياة، ثم سلموا، فأعتق كل واحد منهم مملوكاً أو مملوكة؛ شكراً لله على ذلك، وكان فيهم رجل من بني غفار، فقال: اللهم إنه لا مملوكة لي ولا مملوك، ولكن امرأته طالق ثلاثاً لوجهك.
وكان رجل يقرأ، فقرأ سورة تبارك حتى وصل إلى قوله تعالى: (قل أرئيتم إن أهلكني الله ومن معي) فأرتج عليه، فجعل يكررها، فقال له أعرابي من خلفه: أهلكك الله وحدك، فما ذنب من معك؟ وحكى الأصمعي قال: قرأ رجل: (إنا أرسلنا نوحاً) فأرتج عليه، فجعل يرددها، فقال له نبطي: إن لم يذهب نوح، فأرسل غيره.
وكان ببجاية قاض ماجن؛ فكلما أقبل إليه غلام يعجبه، أو يجلس في حلقته، يقوم على قدميه، ويقول: قولوا عند دعائي: آمين، اللهم ولنا أدبارهم، اللهم اكفلنا أكفالهم، اللهم كبهم على وجوههم، اللهم أعر عوراتهم، واللهم سلط رماحنا عليهم.
ومرض قاض، فدخل عليه أصحابه، فقالوا له: أبشر بالجنة، تقدم عليها، فتأكل من ثمرها، وتشرب من مائها، وتنكح من حورها، فقال بصوت ضعيف: ولكن عندكم أحب إلي.
وجاء رجل إلى قومه، فجعلوه إماماً لصلاتهم، وكان أكثر ما يطعمونه خبزاً وكامخاً، فلما طال عليه ذلك، افتتح الصلاة ذات ليلة، بفاتحة الكتاب، ثم قرأ: يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله، ولا تطعموا إمامكم كامخاً، بل لحماً، فإن لم يكن لحماً، فشحماً، فإن لم تجدوا شحماً فبيضاً، ومن لم يفعل ذلك فقد خسر خسراناً مبيناً، ثم قرأ في الركعة الثانية بعد فاتحة الكتاب: فإن لم تجدوا بيضاً فسمكاً، فإن لم يكن سمكاً فلبناً، ومن لم يفعل ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً، فلما فرغ من الصلاة، قالوا له: في أي سورة هذا؟ قال لهم: في سورة المائدة.
ومات لامرأة ولد، فأعطت القارئ الذي يقرأ عليه أجرة لم ترضه، فقرأ (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه) ، فقالت له: ما هذا الذي قرأت عليه؟ قال لها: قرأت عليه ما يناسب عطيتك، فزادته، فقرأ: (على سرر موضونة متكئين عليها متقبلين يطوف عليهم ولدن مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفكهة مما يتخيرون ولم طير مما يشتهون) .
وكان فقيه يشرب الخمر مع شخص من أبناء الدنيا، فقال له يوماً: يا فقيه، ما يكون جوابك يوم الحشر، لله تعالى؟ قال: أقول: (بنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) .
وسمع ابن أبي مريم هارون الرشيد، يقرأ في صلاة الليل: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) ويرددها، فقام من فراشه وقال: لا أدري، والله، فقطع هارون الصلاة، وضحك، وقال: لا تعد.
وسمع أبو العيناء مغنياً غير محسن، فقال: صدق الله: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) .
وقال أبو نصر: نظرت إلى أبي نواس، وهو يصلي العصر، ثم رأيته بعد ذلك يصلي ركعتين، فقلت له: ما هذا؟ قال: اسكت، يصعد إلى السماء خبر طريف.
стр. 63
ومر بشار برجل في عنقه غل، فقال الرجل، الحمد لله، فقال بشار: استزده يزدك.
وكان رجل يقول الشعر، فيستبرده قومه، فكان يحمل ذلك منهم على الحسد، فقال لهم: بيني وبينكم بشار، فأتى، فأنشده، فلما فرغ قال له بشار: أظنك من أهل بيت النبوة، فقال: وكيف ذلك؟ قال: إن الله يقول: (وما علمنه الشعر وما ينبغي له) فضحك القوم وانصرفوا.
وسمع مزيد جاراً له يضرب غلامه، وهو يستغيث، فخرج إليه، وقال له: ما لك تضرب هذا الغلام؟ فقال له: ذنبه عظيم، قال: وما ذنبه؟ قال: سرق حبلاً، حج به أبي، واعتمرت به أمي، فقال: والله لو سرق الكعبة حتى يبقى الناس بلا حج، وما وجب عليه هذا؟ وقال منصور بن عمار يوماً في مجلسه: اللهم اغفر لأعظمنا ذنباً، وأقسانا قلباً، وأقربنا بالخطيئة عهداً، وأشدنا إصراراً على الذنب، فقال مزيد: امرأته طالق إن كان أراد بهذا كله إلا إبليس، فإن هذه الخصال كلها فيه.
ودخل مزيد على خالصة المغنية، فرأى مكتوباً في بعض جانب البيت: آدم وحواء، فقال: ما هذا؟ قلت: سمعت أن الشيطان، لا يدخل بيتاً، مكتوب فيه: آدم وحواء، قال: يا خالصة، دخل عليهما، وهما في جوار رب العالمين، فكيف لا يدخل بيت مغنية.
وشكا رجل إلى مزيد سقوط أسنانه، فقال: الذنب منك، لا لك؛ لأنك تقرأ القرآن، والله تعالى يقول: (إنا سنلقى عليك قولا ثقيلاً) .
وخرج سالم بن عبد الله متنزهاً بأهله وحرمه، فبلغ أشعب الخبر، فوافى الموضع، فصادف الباب مغلقاً، فتعلق بالحائط، فقال له سالم: ويلك يا أشعب، تكتشف على عيالي وبناتي؟ قال: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) ، فأخرج له من الطعام، فأكل وحمل.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً شيخاً، متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: يا رب، أنا سفلة من خلقك، وضيع محروم، فمن أنا يا رب حتى تعاقبني؟ فبعزك إلا رحمت ضعفي، وخشيت وذلي، وفقري وناقتي وحرماني وشؤمي وشماتتي، وتفضلت علي، وغفرت لي.
وتغدى الفاخري مع بعض أشراف المدينة، وكان بخيلاً، فلما أحضرت الغداء، قال: يا غلام، هات الدجاجة، فجاء بقدر فيها دجاجة، فلما أكلا منها يسيراً، قال: يا غلام، ارفع، فلما كان في العشاء فعل مثل ذلك، فقال الفاخري: ما أظن هذه الدجاجة إلا من آل فرعون، قال: وكيف ذلك؟ قال: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) .
ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك، وبين يديه جام فيه فالوذج، فقال: ادن يا أعرابي فكل؛ فإن هذا مما يزيد في الدماغ، قال: لو كان الأمر كما تقول، كان رأس الأمير مثل رأس البغل.
ونظر أعرابي إلى جنازة، والناس يقولون: كان سبب موته التخمة، فقال الأعرابي: وما التخمة؟ قيل له: أكل كثيراً فمات، فقال الأعرابي: اللهم اجعل موتي من التخمة.
وضل لأعرابي جمل، فبينما هو يطلبه، إذ رأى في باب الأمير بختياً، فتعلق به وادعاه، فقيل له: جملك عربي، وهذا بختي، فقال: كان عربياً فبتخت عند الأمير، فرفع خبره إلى الأمير، فضحك، وأمر له به.
ودخل أعرابي على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني البحرين، قال: لست لها بأهل، قال: فاستعملني على البصرة، قال: صاحب أخذته لها، لا أريد عزله، قال: فهب لي ألف درهم وقطيفة، قال: مد أمرت لك بذلك، فلما رجع الأعرابي إلى أهله قيل له: رضيت بعد سؤالك البحرين بألف درهم وقطيفة؟ قال: اسكتوا، فوالله لولا ذلك ما أعطيت شيئاً.
وحج أعرابي، فسبق الناس، فطاف بالبيت وصلى ركعتين، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اغفر لي، قبل أن يدهمك الناس.
ووقفت امرأة على قوم يصلون جماعة، فقرأ الإمام بعض آيات السجود، فسجد وسجدوا، فقالت: صعق الناس، ورب الكعبة.
وصلى رجل بقوم من الأعراب في شهر رمضان، فقام في الصلاة، وخلفه نسوة خلف صف الرجال، فقرأ: "وأنكحوا الأيامى منكم" وأرتج عليه فكررها مراراً، فلما انصرفوا، قالت امرأة منهن لأخواتها: والله، ما زال يأمرهم بنا حتى خشيت أن يثبوا علينا.
وكان أعرابي من بني ضبة، إذا توضأ بدأ بوجهه فيغسله، ثم يغسل فرجه بعد ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: والله، لا أبدأ بالخبيث قبل وجهي.
стр. 64
وقيل لأعرابي: أتحسن القرآن؟ قال: نعم، قيل: فاقرأ شيئاً، فقرأ: (تبت يدا أبي لهب وتب) فلما بلغ: (وامرأته حمالة الحطب) سكت، فقيل: لم تتم، قال: لا يليق بمثلي ذكر نساء الأشراف.
وقيل لأعرابي: أتحسن سورة القرآن؟ قال: والله لا أحسن قراءة بنته، فكيف أمه.
وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: أتحفظ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، خمس سور، قلت: اقرأها علي، فقرأ ثلاثاً ثم سكت، فقلت: اقرأ السورتين الباقيتين، قال: إني علمتهما ابن عم لي، فوهبتهما له، والله، لا أعود فيما وهبت له.
وقال الأصمعي: صلى أعرابي بالبادية، فقرأ: "الحمد لله" بفصاحة وبيان، ثم قال:
ويوسف إذ أدلاه أولاد غيلة ... فأصبح في قعر الركية ثاويا
ثم ركع، فلما فرغ قلت: يا أعرابي، ليس هذا في القرآن، قال: بلى، والله، قد سمعت كلاماً هذا معناه.
وصلى أعرابي خلف إمام صلاة الغداة، فقرأ في صلاته سورة البقرة، وكان الأعرابي مستعجلاً، فلما فرغ حتى انقطع الأعرابي عن شغله، فلما كان في الغد، بكر الأعرابي ليصلي وينصرف في حاجته، فقرأ الإمام سورة الفيل، فقطع الأعرابي صلاته، وولى هارباً، وهو يقول: ما أنت إلا رسول إبليس، قرأت البقرة، فلم تفرغ منها إلى نصف النهار، وتريد أن تقرأ الفيل، فما أظن تفرغ منه إلا مع الليل.
وقيل لأعرابي: من أين معاشكم؟ قال: لو نعيش إلا مما نعلم، لم نعش.
وسأل رجل من بني تميم عن رجل، فقيل له: دعاه ربه فأجاب، قل: ولم أجاب: أو ما علم أن الموت أحد المهالك؟ ودخل أعرابي إلى الحاضرة يوم جمعة، فمر بالجامع والناس قعود، والإمام يخطب، فقال لبعضهم: ما يقول هذا؟ وكان المستول ماجناً، فقال: هو يدعو إلى الطعام، ويقول: ما يرضي الأعراب أن يأكلوا حتى يحملوا معهم، فتخطى الأعرابي رقاب الناس، حتى دنا من الإمام، فقال: يا هذا، إنما يفعل هذا سفهاؤنا.
وقيل لأعرابي: هل لك في النكاح يا أعرابي؟ قال: لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها.
ونزل عطار يهودي ببعض أحياء العرب، فمات، فأتوا إلى شيخ لهم، لا يقطع أهل الحي في أمر دونه، فأعلموه خبر اليهودي، فجاءه وغسله وكفنه وتقدم وأقام الصلاة خلفه وقال: اللهم إن هذا اليهودي جار لنا، وله ذمام، فأمهلنا نقضي ذمامه في لحده، وشأنه لقه.
واشترى أعرابي غلاماً، ثم قال للبائع: أفيه عيب؟ قال: لا، إلا أنه يبول في الفراش، قال: ما هذا عيب، إن وجد الفراش فليسلح.
وقدم أعرابي على آخر، فقدم إليه قرصاً يابساً، وملحاً جريشاً، فأكله الضيف، فقال له: أشبعت؟ قال: لا، قال: لأنك لم تذكر اسم الله عليه، قال: وكيف أذكر اسم الله الطيب، على قرصك اليابس الخبيث؟ ومر أعرابي وبيده رغيف بغلام بيده سيف، فقال له: يا غلام، بعني ذلك السيف بهذا الرغيف، قال: ويلك، مجنون أنت؟ كيف أبيعك سيفاً برغيف؟ قال الأعرابي: لعن الله شرهما في البطن.
ولقي أعرابي أعرابياً، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من خلقي، قال: وأين تريد؟ قال: أمامي، قال: كيف العشب؟ قال: رطب ويابس، قال: كيف الماشية؟ قال: ضأن ومعز، وقال: ممن أنت؟ قال: من أم وأب.
وولي أعرابي موضعاً، فلم يحدث في ذلك الموضع حادثة يرتفق بها، فلما طال عليه ذلك، جمع اليهود، وقال لهم: ما الذي فعلتم بالمسيح؟ قالوا: قتلناه وصلبناه، قال: والله، لا تبرحوا حتى تؤدوا ديته، فلما برحوا حتى أدوا ما طلب منهم.
وكان أعرابي والياً على اليمامة، فإذا اختصم إليه خصمان في شيء، يشكل الحكم فيه، يحبسهما حتى يصطلحا، ويقول جزاء ذي اللبس الحبس.
واستعمل أعرابي على بعض كور خراسان، فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر، وقال: الحمد لله، فارتج عليه، فقال: أيها الناس، إياكم والدنيا؛ فإنكم لن تجدوها إلا كما قال الله تعالى:
وما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الدنيا بباقي
فقال له كاتبه: أصلح الله الأمير، هذا شعر، وليس من كلام الله، قال: فالدنيا باقية على أحد؟ قال: لا، قال: أفيبقى عليها أحد؟ قال: لا، قال: فيكفيك إذن.
وشهد أعرابي على رجل بشيء لم يره منه، فقال: ويحك، تشهد بشيء لم تره مني؟ قال: نعم، كما أشهد أنك ابن أبيك، ولم أر أباك حين عملك في أمك.
стр. 65
وسئل أعرابي عن مسألة في الفرائض، ففكر ساعة، ثم قال: انظروا هل مات مع هذا الميت أحد من قرابته؟ فقالوا: ولم؟ فقال: لأن هذه الفريضة لا تصح إلا بموت آخر.
وقال أبو العيناء لأعرابي: إن الله محاسبك، فقال الأعرابي: سررتني؛ إن الكريم إذا حاسب تفضل.
وقال الأصمعي: حضر أعرابي عند الحجاج، فقدم إليه فالوذج، فلما أكل الأعرابي منه لقمة، قال الحجاج: من أكل هذا ضربت عنقه، فامتنع الناس، فجعل الأعرابي ينظر إلى الحجاج مرة وإلى الطعام مرة، ثم قال: أوصيك بالصبية خيراً، وأتى على الأكل، فضحك الحجاج حتى استلقى على ظهره، وأمر له بجائزة.
وقال الأصمعي: دخل علي أعرابي من فزارة بعد المغرب، وأنا أتعشى، فقلت: العشاء، قال: إني صائم، فقلت: قد دخل الليل، قال: قد علمت، ولكني وجدت صوم الليل أهون من صوم النهار، وهما جميعاً واحد، ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقال الأصمعي: سألت أعرابياً عن شهر رمضان، كيف صاموه؟ قال: تجرد منا ثلاثون رجلاً، فصام كل واحد يومه.
وذكر قوم قيام الليل وما فيه من الأجر، وعندهم أعرابي، فقالوا له: يا أعرابي، أتقوم الليل؟ قال: إي والله، أقوم أبول وأرجع.
وشهد أعرابي عند معاوية، فقال له معاوية: كذبت، فقال الأعرابي: الكاذب، والله، المتزمل في ثيابك، فضحك معاوية، وقال: هذا جزائي.
وقيل لأعرابي: أتقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، أم القرآن، ومدحة الرب، وهجاء أبي لهب.
وضل لأعرابي جمل، فجعل ينشده، ويقول: من وجده فهو له، فقيل له: لم تطلبه وقد وهبته لواجده؟ فقال: وأين لذة الوجدان؟ وضل لأعرابي جمل، فحلف بالله أنه إن وجده باعه بدرهم، فوجده، فلزمه بيعه، فشد في عنق الجمل سنوراً، وقال: السنور بمائة درهم، والجمل بدرهم، ولا أبيعهما إلا معاً.
وجمع أعرابي أولاده، وقال: يا بني، أوصيكم بالناس شراً، كلموهم شزراً، وأطعموهم نزراً، ولا تقبلوا لهم عذراً، ولا تقيلوا لهم عثرة، ولا ترحموا لهم عبرة، وقصروا الأعنة، واشحذوا الأسنة، وإياكم والوهن؛ فيطمع الناس فيكم.
وقرأ أعرابي في الصلاة: إنا بعثنا نوحاً إلى قومه، فقال له رجل من خلفه: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه) فقال: والله ما يفرق بينهما إلا جاهل.
وسقط أعرابي عن بعير، فانكسرت أضلاعه، فأتى المجبر، فقال له: خذ زبيباً، وانزع عجمه وأقماعه، ودقه واعجنه بعسل، وضمد به الموضع، فقال الأعرابي: من داخل أضمد، أو من خارج؟ قال: اجعله حيث تعلم أنه ينفعك.
وقيل لأعرابي، وقد رئي مغتماً، ما شأنك؟ قال: سوء الحال، وكثرة العيال، قيل: لا تغتم؛ فإنهم عيال الله، قال: قد صدقتم، ولكن كنت أحب أن يكون الوكيل عليهم غيري.
وشوي لأبي جعفر الهاشمي دجاج، ففقد فخذاً من دجاجة، فأمر، فنودي في داره: من هذا الذي تعاطي فعقر، والله، لا، أخبز في هذا التنور شهراً أو يرد، فقال ابنه الأكبر: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) .
ورأى أعرابي رجلاً سميناً، فقال له: إني أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك.
وحضر أعرابي على مائدة المغيرة، فجعل يأكل ويتعرق، فقال المغيرة: يا غلام، ناوله سكيناً، فقال الأعرابي: كل امرئ سكينه في رأسه.
وغز أعرابي مع رسول الله ﷺ فقيل له: ما سمعت من رسول الله ﷺ في غزوتك هذه؟ قال: حط عنا نصف الصلاة، وأرجو في غزوة أخرى أن يضع عنا النصف الآخر.
وقيل لأعرابي: ألا تغزو الأعداء؟ قال: كيف يكونون لي أعداء، وأنا لا أعرفهم ولا يعرفونني.
وقيل لآخر: ألا تجاهد في سبيل الله؟ فقال: والله، إني لأبغض الموت على فراش، فكيف آتيه ركضاً؟
فصل في المتنبئين
قال أبو الطيب اليزيدي: أخذ رجل ادعى النبوة في أيام المهدي، فأدخل عليه، فقال له: أنت نبي؟ قال: نعم، قال: وإلى من بعثت؟ قال: أو تركتموني أذهب إلى أحد؟ ساعة بعثت ثقفتموني في السجن، فضحك المهدي وخلى سبيله.
стр. 66
وادعى آخر النبوة بالبصرة، فأتى به سليمان بن علي مقيداً، فقال له: أنت نبي مرسل؟ قال: أما الساعة، فإنني نبي مقيد، قال: ويلك، من بعثك؟ قال: ما هذه مخاطبة الأنبياء يا ضعيف العقل، والله، لولا أني مقيد لأمرت جبريل يدمدمها عليكم، وقال: والمقيد لا تجاب دعوته؟ قال: نعم، الأنبياء خاصة إذا قيدوا لا يرتفع دعاؤهم، فضحك سليمان، وقال: إني أطلقك الآن، فأمر جبريل، فإن أطاعك آمنا بك وصدقناك، قال: صدق الله حيث يقول: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) فضحك سليمان، وسأل عبد الله بن حازم عنه فشهد له أنه ممرور، فخلى سبيله.
وقال خلف بن خليفة: إني لجالس في مجلس عبد الله بن حازم ببغداد، وإذا بجماعة قد أحاطوا برجل ادعى النبوة، فقال له عبد الله بن حازم: أنت نبي؟ قال: نعم، قال: فإلى من بعثت؟ قال: إلى الشيطان الرجيم، فضحك عبد الله، وقال: دعوه يذهب إلى الشيطان الرجيم.
وقال ثمامة بن أشرس صاحب المأمون: كنت في السجن فأدخل علينا رجل ذو هيئة جميلة ومنظر حسن، فقلت له: من أنت - جعلت فداك -؟ قال: أنا نبي مرسل، قلت: فهل عندك دليل؟ فإنك تعلم أن النبوة لا تقبل إلا بالأدلة، قال: نعم، معي أكبر الأدلة، ادفعوا إلي امرأة؛ فإني أحبلها لكم، فتأتي بولد ذكر، يشهد لي بالرسالة.
وقال محمد بن غياث: رأيت في أيام الرشيد جماعة، قد أحاطوا برجل له هيئة حسنة، فقلت: ما قصة هذا؟ قالوا: ادعى النبوة، قلت: كذبتم عليه، مثل هذا لا يدعي الباطل، فرفع رأسه إلي وقال: وما علمك أنهم قالوا على الباطل؟ قلت: فأنت نبي؟ قال: نعم، قلت: وما دليلك على ذلك قال: دليلي أنك ولد زنى، قلت: نبي يقذف المحصنات؟ قال: لهذا بعثت قلت: أنا كافر بما بعثت به، قال: (ومن كفر فعليه كفره) فإذا بحصاة قد وقعت على رأسه، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: ما أردتم بي خيراً؛ إذا طرحتموني في أيدي هؤلاء الجهال.
وقال محمد بن غياث أيضاً: ادعى النبوة في أيام المأمون رجل، فقال المأمون ليحيى بن أكثم: امض بنا مستترين حتى ننظر إلى هذا الرجل، وإلى دعواه، فركبا في الليل متنكرين، ومعهما خادم، حتى ضربا عليه الباب، وكان مستتراً بمذهبه، فقال: من أنتما؟ قالا: رجلان يريدان أن يسلما على يديك، ففتح لهما ودخلا، فجلس المأمون عن يمينه ويحيى عن يساره، فقال له المأمون: إلى من بعثت؟ قال: إلى الناس كافة، قال: فيوحى إليك، أم ترى في المنام أم تناجي؟ قال: بل أناجي وأكلم، قال: ومن يكلمك؟ قال: جبريل، قال: ومتى يكون عندك؟ قال: أول الليل قبل مجيئكم بيسير، قال: فما قال لك؟ قال: إنه سيدخل عليك رجلان، فيجلس أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك والذي يجلس عن يسارك ألوط خلق الله، قال المأمون: أشهد أنك رسول الله، وضحك من قوله، وخرجا من عنده.
وحدث بعض الكوفيين قال: بينما أنا جالس في منزلي، إذ جاءني صديق لي، فقال: إنه ظهر بالكوفة رجل يدعي النبوة، فقم بنا إليه نكلمه ونعرف ما عنده، فقمت معه إلى أن دخلنا عليه، فإذا شيخ خراساني، أخبث من رأيت على وجه الأرض، فقال صاحبي، وكان أعور: دعني حتى أسائله، قلت: افعل، قال له: - جعلت فداك - من أنت؟ قال: نبي، قال: وما دليلك؟ قال: أنت أعور من عينك اليمنى، فاقلع عينك اليسرى، حتى تصير أعمى، وادعني فنرد عليك بصرك، فقلت لصاحبي: أنصفك الرجل، فاقلع عينك، قال: إقلع أنت عينيك جميعاً، وخرجنا من عنده.
وأتي المأمون برجل يدعي النبوة، فقال له: ألك علامة؟ قال: نعم، علامتي أن أعلم ما في نفسك، قال: قربت علي، فما في نفسي؟ قال: في نفسك أني كذاب، قال: صدقت، وأمر به إلى السجن، فأقام فيه أياماً ثم أخرجه، فقال: أوحي إليك شيء؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: الملائكة لا تدخل السجن، فأمر بإطلاقه.
وتنبأ رجل، وتسمى نوحاً صاحب الفلك، وذكر أنه سيكون طوفان على يديه يهلك الناس إلا من ابتعه، ومعه صاحب له قد آمن به وصدقه، فأتى به الوالي، فلم يتب، فأمر به فصلب، وأتى بصاحبه فتاب، فناداه من الخشبة: يا فلان، أسلمتني في مثل هذه الحال؟ قال له: يا نوح، قد علمت أنه لا يصحبك من السفينة إلا الصاري.
стр. 67
وتنبأ رجل في أيام المأمون، فقال: يا ثمامة، ناظره، فقال: ما أكثر المتنبئين في دولتك يا أمير المؤمنين فهون عليك، ثم التفت إلى المتنبئ فقال: ما دليلك على نبوتك؟ قال: تحضر لي امرأتك يا ثمامة، فأنكحها بين يديك، فتلد غلاماً ينطق في المهد، ويخبرك أني نبي، قال ثمامة: أشهد أنك رسول الله، قال له المأمون: ما أسرع ما آمنت به، قال: وأنت يا أمير المؤمنين ما أهون عليك أن ينكح امرأتي على بساطك، فضحك المأمون وأطلقه.
وادعى رجل النبوة في أيام المهدي، فأتى به، فقال له: من أنت؟ قال: نبي، قال: ومتى تنبأت؟ قال: وما تصنع بالتاريخ؟ قال: في أي موضع جاءتك النبوة؟ قال: وقعنا في شغل، ليس هذا من مسائل الأنبياء، إن كان رأيك أن تصدقني في كل ما أقول لك فاعمل بقولي، وإن كنت عزمت على تكذيبي، فدعني، أذهب عنك، قال المهدي: هذا لا يجوز؛ إذ فيه فساد الدين، قال: وا عجباً لك تغضب لفساد دينك، ولا أغضب لفساد نبوتي، أما والله، ما قدرت علي إلا بمعن بن زائدة، والحسن بين قحطبة، وما أشبههما من قوادك، وكان عن يمين المهدي شريك القاضي، فقال له: ما تقول في هذا النبي؟ قال: شاورت هذا في أمري، ولم تشاورني في أمره، قال له القاضي: هات ما عندك، قال: أخاصمك بما جاء به من قبلي من الرسل، قال القاضي: قد رضيت، قال: أكافر أنا عندك أم مؤمن؟ قال: كافر، قال: فإن الله تعالى يقول: (ولا تطع الكفرين والمنفقين) فلا تطعني ولا تؤذني، ودعني أذهب إلى الضعفاء والمساكين؛ فإنهم أتباع الأنبياء، وادع الملوك والجبابرة؛ فإنهم حطب جهنم، فضحك المهدي وخلى سبيله.
وقال ثمامة بن أشرس: شهدت المأمون، وأتي برجل يدعي النبوة، وأنه إبراهيم الخليل، فقال المأمون: سمعتم أجرأ على الله من هذا؟ فقلت له: يا هذا، إن إبراهيم ﵇ كانت له براهين، قال: وما براهينه؟ قلت: أضرمت له نار، فألقي فيها، فصارت عليه برداً وسلاماً، ونحن نضرم لك ناراً، ونطرحك فيها، فإن كانت عليك كما كانت على إبراهيم ﵇ آمنا بك، قال: هات ما هو أقرب من هذا، قلت: فبراهين موسى ﵇، قال: وما كانت؟ قلت: عصاه التي ألقاها فصارت حية تسعى، وضرب بها البحر فانفلق، قال: هذا صعب، هات ما هو أقرب من هذا، قلت: فبراهين عيسى ﵇، قال: وما هي؟ قلت: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، قال: ما معي من هذا كله شيء، وقد قلت لجبريل: إنكم توجهونني إلى شياطين، فأعطوني حجة أذهب بها إليهم، وأحتج عليهم، فغضب علي وقال: بدأت بالشر، اذهب الآن، فانظر ماذا يقول لك القوم، قلت: هاجت بي مرارة يا أمير المؤمنين، قال: قد صدقت فدعه.
وتنبأ رجل بخراسان فأتى به العامل، فقال: من أنت؟ قال: نبي، قال: وما صناعتك؟ قال: حائك، قال: فنبي حائك؟ قال له: فأردت أنت صيرفياً؟ (الله أعلم حيث تجعل رسالته) فضحك منه وأمر بإطلاقه.
الباب الثالث في أخبار المغفلين وأهل البله وما يحكى عن المجنونين، ومن لا عقل لهم
قال بعضهم: أردت النكاح، فقلت: لأستشيرن أول من يطلع علي، فأعمل برأيه، فأول من طلع علي هبنقة القيسي الأحمق، وهو راكب على قصبة، فقلت له: إني أستشيرك في النكاح، قال: البكر لك، والثيب عليك، وذات الولد لا تقربها، واحذر فرسي؛ لئلا يضربك، فلم أر أعقل منه في هذا الكلام.
стр. 68
وحكى بعض الناس قال، دخلت حمص، وفي فمي درهم لأشتري بعض ما أشتهي، فإذا برجل بباب المسجد، جالس على كرسي، وعلى رأسه عمامة، وقد تقلد سيفاً، وفي حجره مصحف يقرأ فيه، وإلى جانبه كلب رابض يمسكه بحبل، فسلمت عليه، وقلت له: أترى القوم صلوا؟ فقال لي: يا أحمق، وأنت أعمى أما تراني قاعداً؟ قلت: من أنت؟ قال: أنا خالد إمام المسجد، قلت: مع هذه الحيلة؟ قال: نعم، ورد رجل زنديق، يقرأ السبع الطوال، ويشتم أبا بكر الصناديقي، وعمر القواريري، وعثمان بن أبي سفيان، ومعاوية بن أبي غسان، الذي هو من حملة العرش وزوجه النبي ﷺ بنته في زمن الحجاج بن يوسف، فاستولدها الحسن والحسين، قلت: ما أعرفك بالتاريخ والأنساب، قال: وما خفي عليك أكثر، قلت: أتحفظ القرآن؟ قال: نعم، قلت: فاقرأ شيئاً منه، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، (وإذ قال لقمن لابنه وهو يعظه يبنى) (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً) (وأكيد كيداً فمهل الكفرين أمهلهم رويداً) ، فرفعت يدي فصفعته صفعة سقطت بها عمامته، فصاح بالناس: احملوه إلى المحتسب، فأوصلوني إلى رجل حاسر حاف، قد لبس دراعة بلا سراويل، فقال: ما فعل هذا؟ قال: صفع إمام المسجد، قال: يا مسكين، هلكت نفسك، قلت: هذا حكم الله فصبراً عليه فقال: أيما أحب إليك سمل عينيك، أو قطع يديك، أو تدفع نصف درهم؟ فرفعت يدي، وصفعت المحتسب صفعة شديدة، ثم أخرجت الدرهم من فمي، وقلت: يا سيدي، خذ نصف درهم لك، ونصفه لإمامك، وانصرفت، وبأهل حمص يضرب المثل في الحمق.
وحدث الزبير عن عبد الملك الهاشمي قال: مررت ببعض المعلمين، ويعرف بكسرى، فرأيته يصلي بصبيان صلاة العصر، فلم أزل واقفاً أنظر إليه، فلما ركع أدخل رأسه بين رجليه؛ لينظر ما يصنع الصبيان خلفه، فرأى صبياً يلعب، فقال له، وهو راكع: يا ابن البقال، إني أرى ما تصنع.
وقال الجاحظ: مررت بمعلم، وقد كتب على لوح صبي: "قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً" "وأكيد كيداً، فمهل الكافرين أمهلهم رويداً" فقلت: ويحك أتدخل سورة في سورة؟ قال: نعم، عافاك الله، إن والده يدخل أجرتي شهراً في شهر، وأنا أيضاً أدخل سورة في سورة، فلا أنا آخذ شيئاً، ولا الصبي يتعلم شيئاً.
وقال أبو بكر القبطي: مررت بمعلم، وهو يملي على صبي بين يديه: "فريق في الجنة وفريق في الشعير" فقلت له: ما هذا؟ ما قال الله من هذا كله شيئاً، إنما قال: (فريق في الجنة وفريق في السعير) فقال: أنت تقرأ على حرف ابن عاصم بن العلاء الكسائي، وأنا أقرأ على حرف أبي حمزة بن عاصم المدني، فقلت: معرفتك بالقراء، أعجب من معرفتك بالقراءة.
وحكى الجاحظ قال: كان بالمدينة معلم يفرط في ضرب الصبيان، فلاموه في ذلك، فساء حاله معهم، فجلست عنده يوماً، فاستفتح صبي فقال: يا سيدي (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) ، فقال المعلم: بل عليك وعلى والدك. وقال له الآخر: يا سيدي: (فاخرج منها فإنك رجيم) ، ما بعده، قال: ذلك أبو السجان.
وقال الجاحظ: وخرجنا مرة إلى حرب، ومعنا معلم كان يقول: إني أتمنى أن أرى الحرب، فأخرجناه معنا، فأول سهم وقع في رأسه، فلما انصرفنا، دعونا له معالجاً، فنظر إليه فقال: إن خرج الزج، وفي رأسه شيء من دماغه مات، وإن لم يخرج من دماغه شيء، لم يكن عليه بأس، فسبق إليه المعلم، وقبل رأسه وقال له: بشرك الله بكل خير، انزعه؛ فما في رأسي من دماغ، قال الحجام: ولم؟ قال: لأني معلم، وما في رءوس المعلمين ذرة من دماغ، ولو كان في رأسي ذرة من دماغ ما كنت ها هنا.
وقال غيره: كان في دربنا معلم طويل اللحية، فكنت أجلس إليه كثيراً، فجئته يوماً، وبين يديه صبي، يقول له: ويلك، الدجلة من حفرها؟ قال: عيسى بن مريم، قال: فالجبل من خلقه؟ قال: موسى بن عمران، قال: فالبعر من دوره في است الجمل؟ قال: شيطان، قال: أحسنت، فآدم من أبوه؟ قال: نوح، قال: أحسنت، فقلت: يا سبحان الله، أليس آدم أبا البشر؟ قال: نعم قلت: فكيف يكون نوح أباه؟ قال: ويلك، أتعرفني بآدم؟ وأنا أبو عبد الله المعلم، يا صبيان، كرفسوه، فكرفسوني بالبزاق، حتى صرت أبلق، فحلفت ألا أقف على معلم أبداً.
стр. 69
وقال الجاحظ: أتت امرأة إلى معلم بولدها، وكان المعلم طويل اللحية، براق العينين، قبيح الوجه، فقالت: إن هذا الصبي عازم ألا يطيعني، فأحب أن تفزعه، فأخذ المعلم لحيته، وألقاها في فمه، ونفخ شدقيه، وبرق عينيه، وحرك رأسه، وصاح صيحة، فأخرجت المرأة ريحاً من الفزع، وقالت: إنما قلت لك: أفزع الصبي، لا إياي، قال لها: مري يا حمقاء؛ إن البلاء إذا نزل أهلك الصالح والطالح.
وقال الأصمعي: مررت بمعلم بالبصرة يضرب صبياً، ثم أقام الصبيان صفاً، وجعل يدور عليهم ويقول: اقرأوا، فلما وصل إلى الصبي المضروب قال للذي إلى جانبه: قل له: يقرأ؛ فإني لست أكلمه.
وقال طلحة بن عبيد الله: دخلت يوماً على كثير في نفر من قريش، وكنا كثيراً ما نهزأ به لحمقه، فقلنا له: كيف تجدك يا صخر؟ وكان مريضاً، فقال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ قلت: نعم، سمعت الناس يتحدثون أنك الدجال، قال: أما والله، إني لأجد في عيني ضعفاً منذ أيام.
وقال الأصمعي: كان أبو حية النمري جباناً مع حمق وبله فيه، وكان له سيف سماه لعاب المنية، فدخل تحت سريره كلب، فظن أنه لص، وسمعه جار له وهو يقول: أيها المغتر المجترئ علينا، بئس ما اخترت لنفسك، خير قليل، وسيف صقيل، وهو لعاب المنية الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك، قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إني إن أدع قيساً ملأت الأرض عليك خيلاً ورجالاً، سبحان الله، ما أكرمها وأطيبها، وخرج الكلب، فقال أبو حية: الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني حرباً.
وقال الشعبي: ما شبهت تأويل الروافض إلا بتأويل رجل مصفوف من بني مخزوم من أهل مكة، وجدته قاعداً بفناء الكعبة، فقال لي: يا شعبي، ما عندك في تأويل هذا البيت؟
بيت زرارة محتب بغنائه ... ومجاشع أبو الفوارس نهشل
فإن بني تميم يغلطون فيه، ويزعمون أنه إنما قيل في رجال منهم، فقلت له: وما عندك أنت؟ قال: البيت هو هذا البيت، وأشار إلى الكعبة، وزرارة الحجز زر حول البيت، ومجاشع زمزم، جشع بالماء، وأبو الفوارس هو أبو قبيس جبل مكة، قلت له: فنهشل؟ قال: هذا أشدها، ففكر طويلاً ثم قال: قد أصبته، هو مصباح البيت طويل أسود، وهو النهشل.
وقال رجل لغلامه: أي يوم صلينا الجمعة؟ ففكر ساعة، وقال: يوم الثلاثاء.
وكان الجصاص يسبح في كل يوم، فيقول: نعوذ بالله من نعمه، ونتوب إليه من إحسانه، ونسأله عوائق الأمور، سبحان الله، وحسبي الله والملائكة الكرام، اللهم أدخلنا من دعائه في بركة القصور على قبورهم، سبحان الله، قبل الله، سبحان الله.
وركب أحمقان في زورق واحد، فتحركت الريح، فقال أحدهما: غرقنا، والله، فقال الآخر: قل: إن شاء الله، قال: لا أستثني.
وقال الجاحظ: دخلت على مؤدب، ورأسه في حجر صبي، وفي أذنه خرقة معلقة، وكان المؤدب أصلع، والصبي يكتب في رأسه، ويمحوه بالخرقة، ثم يكتب مرة أخرى، فقلت له: ما هذا الذي يصنع الصبي في رأسك؟ قال لي: يا فلان، هذا الصبي يتيم، وليس له لوح، ولا ما يشتريه، فأنا أعطيه رأسي يكتب فيه؛ ابتغاء ثواب الله.
وكان في زمان ابن عباد أحمق، يخرج كل يوم إلى السوق، وينادي بأعلى صوته: أغنى الله الأغنياء ليشكروا، فلم يشكروا، وأفقر الفقراء ليصبروا، فما صبروا، حرم هؤلاء، وحرم هؤلاء.
وكان أحمق يمشي في الأسواق في زمان البرد، ويصيح: ما هذا صواب، ولا في المدينة احتساب، يؤخذ الحر كله ويجعل في الحمامات، وتترك الدنيا بالبرد.
وخطر أحمق بغرناطة الآن، ويعرف بفاضت، على جماعة، فقالوا له: فاضت، قال: إي والله، فاضت، إن زراداً وقميصاً ويحيي ماتوا وبقي البلد كله على أكتافي.
وسئل رجل كان ينظر في الفرائض، عن فريضة، فالتمسها في كتابه، فلم يجدها، فقال: هذا الرجل لم يمت، ولو كان مات لوجدت ذلك في كتابي.
وقيل لرجل: كيف برك بأمك؟ قال: ما ضربتها - والله - بسوط قط.
وقيل لأبي مروان عبد الملك: لأي شيء تزعم أن أبا علي الإسواري أفضل من سلام بن المنذر؟ قال: لأنه لما مات سلام بن المنذر مشى أبو علي في جنازته، ولما مات أبو علي لم يمش سلام في جنازته.
وأراد أبو سنان الحج، فبكى أولاده، فقال لهم: لا تبكوا؛ فإني أرجو أن أضحي عندكم.
стр. 70
وقال الجاحظ: شيعت عبد العزيز المخزومي قاضي مكة إلى منزله، وبباب المسجد مجنونة تصفق وتقول: أرق عيني صوت ريح القاضي، فقلت له: أظنه قاضي مكة.
وركب بعض المحدثين في سفينة، ومعه في السفينة نصراني فتغديا، ثم استخرج النصراني ركوة فيها شراب، فصب منه في كأس وشرب ثم صب فيها وعرضها على المحدث، فأخذها وشربها من غير كأس فقال له النصراني: إنما عرضت عليك كما يعرض الناس على الناس، إنما هي خمر، قال: ومن أين علمت أنها خمر؟ قال: غلامي اشتراها من يهودي حلف له أنها خمر، فشرب مرة أخرى مستعجلاً، وقال له: أنت أحمق، نحن - أصحاب الحديث - نضعف حديث سفيان بن عيينة وزيد بن هارون، فكيف نصدق نصرانياً عن غلامه عن يهودي؟ والله، ما شربتها إلا لضعف الأسانيد.
وأمر عمر بن الخطاب ﵁ لرجل بكيس فيه دراهم، مختوم بخيط، فقال له الرجل: اخذ الخيط معه، فقال له عمر: دع الكيس وانصرف.
وجاء رجل إلى الحاكم بغلام، فقال له: اضربه ألف سوط، فإنه شتمني، قال له الحاكم: يموت، قال: فاضربه نصف سوط، قال له: كيف شتمك؟ قال: قال لي: يا مسوس، قال له: صدق، ما يلزمه شيء.
وكان الأستاذ أبو علي الشلوبيني، على جلالة قدره، ومعرفته بالنحو، فيه تغفل، فتروى عنه أشياء غريبة، طلع يوماً في زورق بوادي اشبيلية، مع طلبته، ومعه كراريس ينظر فيها، فسقطت له كراسة في الماء، فأخذ أخرى يخرجها بها.
وطلع يوماً آخر، في زورق في الوادي، فأعطاه بعض طلبته عنقود عنب، فألقاه في الماء، فلما كان بعد ساعة، وقد ساروا في الوادي نحو أربعة أميال، أدخل يده في الماء ينظره، فقالوا له: ما تنظر يا سيدي؟ قال: العنقود الذي أعطيني، كنت جعلته في الماء يبرد، فلم أجده.
وتقدم يوماً يصلي بقوم، فقرأ في الركعة الأولى: الحمد لله، و (قل أعوذ برب الناس) ثم قرأ في الركعة الثانية: الحمد لله، وسكت، فقال رجل من الجماعة: اقرأ أبجد، فضحك القوم.
وكان إذا جلس يقرئ الطلبة، ينضم إليهم قليلاً قليلاً، وهو لا يشعر، ثم إذا وصل إلى الذي يليه تذكر، ورجع إلى موضعه، فاتفق الطلبة يوماً على أن يتأخروا قليلاً قليلاً، كما انضم إليهم، ففعلوا، فجعل ينضم إليهم، وهم يتأخرون عنه، فلما كان آخر القراءة جاء ليسند على الحائط، كما كانت عادته، فسقط على ظهره، ووجد نفسه في وسط المسجد.
ونصبوا له يوماً القرق، حين أراد الخروج، وجعلوه له محولاً، فلبس الفردة، وجاء ليلبس الأخرى، فلم يمكنه، فنزعها، ودار فلبس الأخرى، وجاء يلبس الأخرى، فلم يمكنه فنزعها، ودار فلبس الأخرى، وجاء يلبس الأولى، فلم يمكنه، فنزعها، ولم يزل كذلك ينزع الواحدة، ويلبس الأخرى، فرآه صبي صغير يفعل ذلك، فأخذ الفردة الواحدة، وصوبها له مع الأخرى، فقال له: لله درك؟ ما أحذقك، ثم سأله عن والده، واجتمع معه، وقال له: دعه يقرأ؛ فما رأيت أحذق منه.
وجاء يوماً، وعليه ثوب امرأته، فنظر إليه الطلبة، وقالوا له: يا سيدي، ما هذا الثوب؟ فنظر إليه، وقال: قمت مستعجلاً، فلم أدر ما لبست.
وجاء يوماً، وغفارته محولة، صدرها من ورائه، وظهر أمامه.
وخرج يوماً، وعليه غفارة دون ثوب تحتها، فلقيه رجل، فرفع يده، ليصافحه، فظهرت عورته.
وركب يوماً بغلة، يمشي بها إلى جنان بعض أصحابه، فأخذته الهراقة، فنزل يبول، فلما ركب دارت به البغلة، فسار إلى أن وصل إلى البلد، فقال: ما أنا أريد إلا الجنان.
وركب يوماً فرساً، وسار مع الطلبة إلى موضع واحد منهم، فصادفوا في الطريق فارساً يجري، فجرى الفرس به، فقالوا: شد يدك في اللجام، فرمى اللجام من يده، وأخذ بعرف الفرس، فلم يقف، فرمى نفسه في الأرض، وأسرع الطلبة فرفعوه، وأخذوا الفرس، وقالوا له: يا سيدي، لو شددت يدك في اللجام لوقف، فقال: ما أجهلكم، هو لم يقف حين شددت يدي بالمتصل، فكيف بالمنفصل؟ وقال بعضهم: سألت السرجي عن أربعين رأساً من الغنم، نصفها ضأن، ونصفها معز، كم يجب فيها من الزكاة؟ فقال: شاة، نصفها ضأن ونصفها معز.
وكسر لوزة، فخرج منها لوزتان، فقال: سبحان الله الذي يصور في الأرحام كيف يشاء.
وقيل له: لا تأكل الثلج؛ فإنه يضر البصر، فقال: لست أزيد على مصه، وأرمي تفله.
وقال له غلامه: سرق الحمار، فقال: الحمد لله الذي لم أكن على ظهره.
стр. 71
ودخل يوماً السوق، ليشتري نعلاً لابنته، فقال له: كم سنها؟ فقال: لا أدري، ولكنها في حجم الشجرة.
وجاء رجل من البادية إلى الحاضرة، فقالت له زوجته: اشتر لنا حصيراً كاملاً، يفرش من الطارقة إلى آخر البيت، فلما وصل إلى الحاضرة، قال لصاحب الحصور: أعطني حصيراً جيداً كاملاً يفرش من الطارقة إلى آخر البيت، فقال له: كم يكون طوله من شبر؟ قال: لا أدري، هكذا قيل لي.
وقال بعضهم: صليت يوماً إلى جانب ابن الجصاص، فسمعته يدعو في إثر صلاته: اللهم اغفر لي ذنوبي، ما تعلمه منها وما لا تعلمه.
وقال: صليت يوماً إلى جانبه يوم جمعة، فلما قال الإمام: ولا الضالين، قال لي: لعمري، أراد بها آمين.
ودخل ابن الجصاص على المقتدر يوماً، والمقتدر قد حلق رأسه، ودهنه، فقال لي: يا أمير المؤمنين: دعني أقبل رأسك، قال: دعه الساعة؛ قإن عليه الدهن، قال: والله، أقبله، ولو كان عليه السحل.
وأخرج يده من الفراش في ليلة باردة، ثم أعادها إلى جسده في ثقل النوم، فأيقظته ببردها، فقبض على يده بيده الأخرى وصاح: اللص، وقد قبضت عليه، أدركوني، أدركوني؛ لئلا يكون عنده حديد، فأتوا بالسراج، فوجدوه وهو قابض على يده.
ودخل على ابن له قد مات، فبكى، وقال: كفاك الله يا بني محنة هاروت وماروت، فقيل له: وما هاروت وماروت؟ فقال: لعن الله النسيان، إنما أردت يأجوج ومأجوج، فسئل: وما يأجوج ومأجوج؟ قال: فطالوت وجالوت، قيل له: لعلك تريك منكراً ونكيراً؟ قال: والله ما أردت غيرهما، يريد ما أردت غيرهما.
وجاءت طباخته يوماً، فقال لها: ليس هذا يوم طعام ولا شراب، فأخبر ولده بذلك، فأتاه فوجده مفكراً مطرقاً، فقال له: يا أبت، ما دهاك؟ قال: يا بني، فكرت في أمر، لو فكرت فيه قبل هذا ما هنأ لي عيش، قال: وما هو؟ قال: تمنيت على الله أن يخلقني امرأة، ويزوجني من أبي بكر في الجنة، فقال له ابنه: فهل تساميت بالأمنية إلى النبي ﷺ ؟ قال: قد كنت ترمي عندي بالرفض، وأنا أدافع عنك؟ والآن صح عندي، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أردت أن أكون ضرة لعائشة ﵂.
ودخل عليه أهله يوماً، فوجدوه كالميت، فقالوا له: ما لك؟ قال: فكرت في كثرة مالي، وكثرة مصادرة السلطان في هذا الوقت وتعديه، فغلقت عيني، حتى أرى كيف صبري، فانتشبت، ولم أقدر على التخلص، حتى كدت أن أموت، لولا ما دخلتم علي.
وكان المعتضد يقول - إذا رأى ابن الجصاص -: هذا الأحمق المرزوق.
وقال ابن الجصاص يوماً: إني أتمنى أن أخسر، فقيل له: اشتر التمر بالكوفة، وبعه بالبصرة، فاتفق أن نخل البصرة لم تحمل في تلك السنة، فربح ربحاً عظيماً.
وكان وهب الصيدلاني أكثر الناس غفلة، كتب إلى أبيه، وقد خرج يريد الحج؟ إن قدرت أن تضحي عندنا؛ للفرح بهذا العيد، فافعل.
وجاء إلى حجام، ليأخذ من شعره، فلما جلس بين يديه، ذكر أنه نسي منديل كمه، فقال وقال للحجام: لا تأخذ من شعري شيئاً، حتى أعود إليك.
وسقطت ابنته في البئر، فقال: لا تبرحي، حتى آتي بمن يخرجك.
وأتاه ساكن في دار له، فقال له: قد انفتح الكنيف، قال: قد رأيته منذ عامين، فعلمت أنه ينفتح، ولكني ما ظننت أنه ينفتح بهذه السرعة، وإلا كنت أتغداه قبل أن يتعشاني.
وتبخر في ثيابه فاحترقت، فحلف بالطلاق ألا يتبخر إلا عريان.
وجاء ليكسر لوزة، فخرجت من تحت الحجر، فقال: كل شيء يفر من الموت حتى البهائم.
ووقف مغفل على باب داره يبكي، فقال له بعض أصحابه: ما شأنك؟ قال: ولدي الكبير افتصد، فغرق المبزق في ذراعه، وجرى دمه.
وجاء رجل الواعظ، وكان مغفلاً، فوجده يبكي بكاء شديداً، وقال له: ادع الله؛ فقد ارتكبت أمراً عظيماً، قال: وما هو؟ قال: أريد كتمه عن الناس، فأدنني منك، فأدناه وأعطاه أذنه، فقال: إني نكحت بقرة، فأعلى الواعظ صوته وقال: أمنوا على دعائي؛ فإني أدعو الله لهذا الخاطئ أن يتوب عليه؛ فإنه نكح بقرة، فغظى الرجل وجهه وانصرف.
وكان أبو علقمة الصوفي، يجمع الصبيان ويدهن رؤوسهم، ويخرج لهم ريحاً، والصبيان يضحكون، فقيل له في ذلك، فقال: ليس لي شيء أعطيهم. وأحييت أن أفرحهم بهذا، حتى ينصرفوا مسرورين.
стр. 72
ومر بعض أهل البله بباب شوكي، فوطئ شوكة، فدخلت في رجله، فقال للشوكي: اجعلني في حل؛ فلست أقدر على إخراجها الساعة، فأردها لك، قال: قد جعلتك في حل.
وكان ابن عبد النور من أهل ألمرية، مع فطنته في العلم، كثير التغفل، يحكي أنه تفقد قدراً كان يطبخ فيه في بعض متنزهات الطلبة، فذاقه، فوجده ناقص الملح، فزاد فيه غرفة، وبقي فيه من المرق ما في المغرفة دون ملح، ثم عاد وذاق ما بالمغرفة، فلم يجد طعماً، فزاد إلى أن بلغ الملح بالقدر حيث لا يصلح للأكل البتة.
وأدخل يده في مفجر صهريج، فصادفت يده ضفدعة كبيرة، فقال له من حضر: هل وجدت فيه شيئاً؟ قال: نعم، حجر رطب ثم.
وأتى يوماً إلى بعض ولاة ألمرية، وكان له من عتاق الخيل، فطلبه له، وقد كان يعلم حاله في التغفل، فسأله: ما يصنع به؟ قال: أسقي به في السانية بعض اليوم، فصرفه، ووجه له دابة تليق بذلك.
واشترى يوماً فضلة ملف للباسه، فبلها فنقص من ذرعها على العادة، فسار إلى التاجر يطلبه بما نقص منها، فأخذ التاجر يبين له العادة، فلم يقبل منه، وحمله على الكذب.
ونظر بعض أهل البله إلى الهلال، فقال: ربي وربك الله، سبحان الله، خلقك من عود يابس.
ورقد رجل في بيته، فدخلت عليه الشمس من طاق هناك، فعطى وجهه بكمه، فجاءت الشمس على كمه، فغطى كمه بثوب، فطلعت الشمس على ذلك الثوب، فقال: هذا شيء لا يغطى.
وتسوق دلال ثوباً لرجل، فلم يسو له اختياره، فقال الرجل: أنا أولى برخيصي، فدفع للدلال ثمنه الذي بلغ، وأخذ ثوبه.
ودخل رجل على مريض يعوده، وكان شديد المرض، فقال له: (كل نفس ذائقة الموت) .
وتوقف إمام في لفظة من القرآن، فرد عليه شخص بصوت ضعيف، فقال له آخر: ارفع صوتك؛ فإنه أصم، وكانوا جميعاً في الصلاة.
وقال بعضهم: رأيت مؤذناً أذن، ثم عدا، فقلت: إلى أين؟ قال: أنظر إلى أذاني إلى أين بلغ.
وقال: رأيت مؤذناً آخر قد أذن، ثم ذهب، فقلت إلى أين؟ قال: أسمع أذاني من بعيد.
وكان مؤذن يؤذن، وفي يده رقعة، فسقطت من يده، فاحتملتها الريح، فجعل يجري وراءها ويقول: أمسكوا أذاني، أمسكوا أذاني.
واختصم رجلان في جارية مملوكة، فوضعوها على يد مؤذن ليلة، فلما أصبح قال المؤذن: ذهبت الأمانة في الناس، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أودعوا هذه الجارية عندي على أنها بكر، وقد اختبرتها البارحة، فوجدتها ثيباً.
وكان مؤذن قد اتخذ قرعة يابسة، وثقب فيها ثقبتين، وكان يملؤها بالماء، فإذا وصل الماء إلى الثقب الأول أذن الظهر، وإذا وصل إلى الثقب الثاني أذن العصر، فظن به أحد المؤذنين، فوسع الثقب الأول، فأسرع جري الماء، وتفقدها المؤذن على عادته، فوجد الماء قد وصل إلى الثقب الأول من غير وقت أذان، فأذن فصاح به الناس، فقال: مهلاً عليكم، فإني أعرف بقرعتي.
وكان لقوم إمام أحمق، فقال لهم يوماً، وقد انفتل من صلاته: ويلكم تسابقونني في الصلاة، قالوا: ومن أين لك معرفة هذا؟ قال: ما أركع ركعة ولا أسجد سجدة إلا التفت إليكم؛ أرى ما تفعلون.
وأحدث إمام في الصلاة، فتأخر وقدم رجلاً، وذهب يجدد الوضوء، فظن الرجل الذي قدم في نفسه، أنه لا يجوز له أن يصلي، فوقف ينتظر الإمام، فلما طال قيامه، تنحنح له قوم، فالتفت إليهم وقال: ما لكم، إنما قدمني لأحفظ مكانه.
وتقدم بعض الحمقى، فصلى بقوم المغرب في شهر رمضان، فابتدأ سورة البقرة، فانصرف القوم وتركوه، فلما رآهم قد انصرفوا جعل يقول: سبحان الله، سبحان الله، (إنا أعطينك الكوثر) .
وكان عبد الله اليشكري عاملاً لموسى بن عيسى على المدائن، فصعد المنبر، فلما قال: الحمد لله، ارتج عليه فسكت، فقال بهلول: الذي ابتلانا بك، فجلس وضحك على كل من حضر.
стр. 73
وصعد أبو العنبس منبراً من منابر الطائف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فأرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: لا، قال: فما ينفعكم أن أقول لكم ما لا تدرون؟ ونزل، فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر، فقال: أما بعد، ثم أرتج عليه، فقال: أتدرون ما أقول لكم؟ قالوا: نعم، قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما قد علمتم؟ ثم نزل، فلما كان في الجمعة الثالثة، صعد المنبر، فقال: أما بعد، ثم أرتج عليه، فقال: أتدرون ما أقول لكم؟ فقالوا: بعضنا يدري، وبعضنا لا يدري، فقال: فليخبر الذي يدري للذي لا يدري، ثم نزل.
وخطب عبد الله بن عار البصري يوم عيد الأضحى، فأرتج عليه، فقال: والله، لا أجمع عليكم عياً ولؤماً، من أخذ شاة من السوق، فهي له، وعلي ثمنها.
وكان بسجستان رجل يعرف بأبي العباس، يتقلد أعمال السلطان، فجاءه أبوه في أمر إنسان، فاشتد عليه وأضجره، فقال لأبيه: إذا جاءك أحد أن تكلمني فقل له: ليس ذلك ابني، فقال: هذا الذي أقول لهم منذ ثلاثين سنة، فلا يقبلون مني، فخجل الابن، وندم على ما قال.
وكان هبنقة يحسن إلى السمان من إبله، ويسيء إلى المهازيل، فقيل له في ذلك، فقال: أكرم من أكرم الله، وأهين من أهان الله.
وضل له بعير، فجعل بعيرين لمن جاء به، قال: أتجعل بعيرين في بعير؟ فقال: إنكم لا تعلمون فرحة من وجد ضالة.
وافترس الذئب له شاة، فقال له رجل: أخلصها من الذئب، وآخذها؟ فقال له: إذا فعلت، فأنت والذئب سواء، وترك الذئب مضى بها.
وقال نافع: كان الفاخري من أحمق الناس، فقيل له: ما رأيت من حمقه؟ فسكت، فلما أكثروا عليه قال: قال لي مرة: البحر من حفره، وأين ترابه، وهل يقدر أمير المؤمنين أن يحفر مثله في ثلاثة أيام؟ واشترى باقل شاة بأحد عشر درهماً، فلقيه رجل فقال له: بكم اشتريتها ففتح يديه، ونشر أصابعه، وأخرج لسانه، فمضت الشاة طريقها.
وضاع باز لمعاوية بن مروان، فقال: أغلقوا أبواب المدينة؛ لئلا يخرج.
وجاء إليه رجل أحمق منه، فقيل له [هكذا] : تعير لنا ثوباً، نكفن إنساناً وترده إليك، فقال: أخشى أن ينجسه، فلا نلبسه.
وجاء إليه قوم، فقالوا له: مات جارك فلان، وما ترك شيئاً، فعسى أن تأمر له بكفن، فقال: ما عندي اليوم شيء، ولكن تعودون إلينا في غير هذا الوقت.
وقال قاص: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف ﵇ كذا، وقالوا له: ومتى أكله الذئب؟ قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكله.
وكان بالبصرة ثلاث إخوة من بني عتاب، كان أحدهم يحج عن حمزة، ويقول: استشهد ولم يحج، وكان آخر يضحي عن أبي بكر وعمر، ويقول: أخطأ السنة في ترك الأضحية، وكان الثالث يفطر أيام التشريق عن عائشة ويقول: غلطت في صومها أيام التشريق.
وخطب عدي بن وتاد الإيادي، فقال: أقول لكم كما قال العبد الصالح: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) فقيل له: فرعون قال هذا، قال: يا قوم، من قاله فقد أحسن.
ووقع بين شخص وابنه كلام، فقال الابن للأب: والله، لولا أنك أكبر سناً مني، لرأيت ما كنت أصنع بك.
وتلا أبو بكر القاضي في وعظه يوماً قوله تعالى: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه) ثم قال: اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه.
وكان قوم من أهل العلم يتناظرون في أمر علي ومعاوية، فقال له أحد القوم: وتعرف أنت من علي؟ قال: نعم، أليس هو أبا فاطمة؟ قال: ومن كانت فاطمة؟ قال: امرأة النبي ﷺ بنت عائشة، أخت معاوية، قال: فما كانت قصته؟ قال: قتل في غزوة صفين مع النبي ﷺ .
ووقف على شيخ من أهل العلم، فقال: أصلحك الله، سمعت الساعة في السوق شيئاً منكراً، قال: وما هو؟ قال: يشتمون الأنبياء، قال الشيخ: ومن هو من الأنبياء الذي شتم؟ قال له: معاوية، قال له: يا ابن أخي، ليس معاوية نبياً، قال: فقيه نصف نبي، أيشتم؟ وقال أبو علي اللواز يوماً لقوم من أصحابه، دخلوا عليه في داره: والله، لو كان عندي دجاج مشويات، لذبحتها لكم.
وتعرض الأسد لأهل رفقة، فخرج إليهم رجل منهم، فلما رآه سقط الرجل في الأرض، فوثب عليه الأسد، فشدوا عليه بأجمعهم، فتنحى عنه الأسد، فقالوا له: كيف أنت؟ فقال: لا بأس علي، غير أن الأسد خرا في سراويلي.
стр. 74
ومر رجل بحمار على المقابر، فنفر الحمار عند قبر منها، فقال: ينبغي أن يكون صاحب هذا القبر بيطاراً.
ورأى أبو عوانة قوماً قد صلبوا، فجعل يقول: هذا ما وعد الله، وصدق المرسلون، بارك الله لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
وقال أبو العباس: اجتزت يوماً في بعض طرق بغداد، فإذا أنا بامرأة قد عرضت لي، فقالت: بالله، ما اسمك؟ فقلت: أحمد، قالت: وأنا أحب الغرباء فهل لك أن أزوجك جارية حسنة؟ قلت: نعم، قالت: وتلد ولداً وتدعه ينصرف إلى المكتب، فيطلع يوماً للسطح، ويقع منه، وينشق رأسه ويموت، ثم صاحت وصرخت وبكت ولطمت وجهها، فخفت منها أن تكون مجنونة، فمضيت وتركتها، فرأيت شيخاً ينظر إلي على باب الدار، فقال لي: ما لك؟ فحدثته فقال: لا تأخذ عليها، ما الموت إلا مصيبة، ومن يرزق مثل صبرك؟ قال: فرأيت الشيخ أحمق منها.
وكان لبعضهم بغلة، فغضب عليها، وقطع عنها العلف، ثم ركبها فلم تستطع المشي، فقال لخادمه: ما بالها لا تمشي؟ قال: لأنك قطعت عنها العلف، قال: أعطها علفها، ولا تعلمها أني قلت لك شيئاً.
وجرى ذكر رجل، فقال آخر: هو رجل سوء، فقيل له: ومن أين تعلم هذا؟ قال: أفسد علي بعض أهلي، قيل: ومن هن؟ قال: أمي.
وكتب المنصور إلى عبد الله الحارثي، وهو والي البصرة: اقسم المال بين القواعد من النساء، وهن اللائي قعدن عن النكاح، وبين أهل الأعذار، فقال له رجل فقير: اكتبني في العميان، قال: اكتبوه؛ فإن الله تعالى يقول: (فإنها لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ، قال: واكتب ابني في الأيتام، قال: نعم، من كنت أباه فهو يتيم، اكتب ابنه في الأيتام.
وقال ابن الماجشون: كان لي صديق فقدته زماناً، ثم رأيته، فسألته: أين غاب؟ قال: كنت بالكوفة، فقلت: وكيف صبرت فيها وهم يشتمون أبا بكر وعمر؟ قال: يا أخي، صبرت لهم على ما هو أشد من هذا؟ قلت: وما هو؟ قال: فإنهم يفضلون الكتابي على معبد في الغناء.
وماتت جارية لبعضهم، فلما حملت جنازتها، جعل يقول: خدمت مولاك حق الخدمة في حياتك، وأنا اليوم أكافئك، اشهدوا أني قد حررتها لوجه الله تعالى.
ودخل رجل على مريض، فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) إذا رأيتم العليل على هذه الصفة، فاغسلوا أيديكم منه، فقال له العليل: قم عني؛ فقد قتلتني.
قال رجل لآخر: قد أحكمت النحو كله إلا ثلاث لقطات أشكلت علي، قال له: وما هي؟ قال: أبا فلان وأبو فلان، وأبي فلان، ما الفرق بينهما؟ قال له صاحبه: أما أبو فلان فللملوك الأمراء والقضاة والحكام، وأما أبا فلان فللتجار وأرباب الأموال والوسط من الناس، وأما أبي فلان فللسفلة والأسقاط والأوباش من الناس.
وقال عبد الله بن طاهر: قلت مرة لرجل: كم اليوم من الشهر؟ قال: ليس أنا، والله، من هذه البلدة.
وختن محمد بن الخليل ولده، فقال للحجام: ارفق به، فإن هذه أول مرة ختناه.
ودخل بعضهم على رجل قد ذهب بصره، والناس يعزونه، فقال له: لا تغتم يا أخي؛ فلو رأيت ثواب ذلك لتمنيت أن يقطع الله يديك ورجليك، فقال له الرجل: فعل الله ذلك بك، وأجزل لك الثواب.
وقال بعضهم: مررت بمؤدب، والصبيان يضربونه، فتقدمت لأخلصه منهم، فقال: دعهم؛ فإنس أتسابق معهم. فإذا سبقهم ضربتهم، وإن سبقوني ضربوني، وهم اليوم قد سبقوني.
وقال صبي لأبيه: ما الذي يزرع حتى ينبت به الخرفان؟ قال: القرون، فجمع القرون وزرع، وما زال يسقيها شهراً، فلم ينبت، فنبشها لينظرها، فلسعته عقرب، فقال: أنتم لم تنبتوا بعد، وصرتم تنطحوني.
وقال الشيباني: مررت ببهلول المجنون، وهو يأكل خبيصاً، فقلت له: أطعمني منه، فقال: والله، ما هو لي، قلت: فلمن هو؟ قال: لعائكة بنت الخليفة، بعثته لي؛ لآكله وحدي.
وحدث الوليد بن بكار قال: كان ابن إدريس عيباً، وكان هو وجماعة يخرجون إلى العقيق يتنزهون، فكان أصحابه يبعثون إلي بيته على لسانه، فيأخذون ما يريدون، فعلم بذلك، فقال لهم: اجهدوا جهدكم؛ فقد قلت لأهلي: إذا جاءكم رأسي في طبق، فلا تبعثوا إلي بشيء، فمضى الرسول إلى أهله وعرفهم بهذا الكلام أمارة، وطلب لهم ما أراد، فأعطوه، فلما حضر ذلك بين يديه قال لهم: قد أعيتني الحيلة فيكم؛ فالله حسيبكم.
стр. 75
وقال الجاحظ: مررت بمعلم، وهو قد حبس ديكاً، وهو يضربه، ويقول له ألف شين، ألف شين، فقلت له: ما هذا؟ فقال لي: أعزك الله، انظر إلى تلك المزبلة، وأشار إلى مزبلة أمام مكتبه، فقال: أنا أنصب فيها فخاخاً؛ لصيد العصافير، فيأتي هذا الديك، فيلتقط الحب الذي أجعله لها، فقلت له: اش، فلا يفهمني، فقلت: لعله لا يعلم، وأردت أن أعلمه؛ حتى يفهمني.
ومات ولد لبعضهم، فقيل له: يغسله فلان، فقال: بيني وبينه عداوة متقدمة، وأخاف أن يرد غيظه على ابني فيهلكه.
واستعمل معاوية رجلاً من كلب على بعض الأعمال، فحضر عنده يوماً أهل علمه، وجرى ذكر المجوس، فقال الكلبي: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم وأخواتهم والله، لو أعطيت ألف دينار ما نكحت أمي، فبلغ الخبر معاوية، فقال: قبحه الله، ما أظنه إلا لو زاده لفعل.
وكان بالبصرة مجنون يأوي إلى دكان خياط، وبيده قصبة، قد جعل في رأسها كرة، ولف عليها خرقة، لئلا يؤذي الناس بها، فكان إذا أحرجه الصبيان التفت إلى الخياط، فقال له: إنه قد حمي الوطيس، وطاب اللقاء، فما ترى؟ فيقول شأنك بهم، فيشد عليهم بالقصبة وهو يقول:
أشد على الكتيبة، لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواه
فإذا أدرك منهم صبياً، رمى الصبي بنفسه على الأرض، وأبدى له عورته، فيتركه وينصرف عنه، ويقول: عورة المؤمن حمى، ولولا ذلك لتلفت نفس عمرو بن العاص يوم صفين، ثم يقف ويناديهم:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش، كرأس الحية المتوقد
ثم يرجع إلى دكان الخياط، فيلقي القصبة من يده، ويقول:
فألقت عصاها، واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
ودخل أبو عتاب المصاب مع قوم يعودون مريضاً، فبدأ يعزي قومه، فقالوا: إنه لم يمت، فخرج وهو يقول: يموت إن شاء الله، يموت إن شاء الله.
وأغمي على رجل من الأزد، فصاح النساء، وبعث إلى أخيه، فوجده حياً، فقال لهم: اغسلوه؛ فإنكم لن تفرغوا من غسله، حتى يقضي به.
ووعد رجل رجلاً من الحمقى بنعل حضرمية، فطال عليه الانتظار، فأخذ قارورة وبال فيها، ثم أتى إلى الطبيب فقال: انظر في هذا الماء، إن كان يهدي إلى بعض إخواني نعلاً حضرمية.
وكان عيناوة الأحمق جيد القفا، فربما مر به من يزيد العبث به، فيصفعه فجعل سحلاً في قفاه، وقعد على الطريق، فكان إذا ضرب أحد قفاه، قال له: شم يدك يا فتى، فلم يكن أحد يصفعه.
وقال الأصمعي: سوبق بين الخرنفش وهبنقة، أيهما أحمق؟ فجاء الخرنفش بحجارة خفاف من جص، وجاء هبنقة بحجارة ثقال وترس، فبدأ الخرنفش، فقبض على حجر، ثم رفع رأسه، وقال: الترس، ثم رمى بالحجر، فأصاب الترس، فانهزم هبنقة، فقال أصحابه: مالك انهزمت؟ فقال: إنه قال: الترس فأصاب الترس، فلو أنه قال: العين، أما كان يصيب عيني.
وتبع داود بن المعتمر امرأة ظنها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير ما اتبعتك، فضحكت المرأة وقالت: إنما كان يعتصم مثلي من مثلك بسيماء الخير، وأما إذا صار سيماء الخير هو المعزي، فالمستعان الله.
وقال أبو دحية القاص: ليس في ولا فيكم خير، فتبلغوا بي، حتى تجدوا خيراً مني.
وقال ثمامة بن أشرس: سمعت قاصاً ببغداد، وهو يقول: اللهم ارزقني الشهادة، أنا وجميع المسلمين.
ووقع الذباب على وجهه، فقال: ما لكم؟ كثر الله بكم القبور.
قال: ورأيت قاصاً يحدث بقتل حمزة، فقال: ولما بقرت هند عن كبد حمزة فاستخرجتها عضت عليها ولاكتها، ولم تزدردها، فقال النبي ﵇: لو ازدرتها ما مستها النار، ثم رفع القاص يديه إلى السماء وقال: اللهم أطعمنا كبد حمزة.
وتزوج مالك بن زيد فتاة من تميم، فلما دخل على امرأته، رأت منه الجفاء والجهل، فجلس ناحية منقبضاً، فقالت له: ضع شملتك، قال: بدني أولى بها، قالت: فاخلع نعليك، قال: رجلاي أحق بهما، فلما رأت ذلك، قامت وجلست إليه، فلما شم رائحة الطيب ارتاح لها.
وأرسل ابن العجل فرساً له في حلبة، فجاء سابقاً، فقال لأبيه عجل كيف ترى أن أسميه؟ قال: افقأ إحدى عينيه، وسمه الأعور، وفيه يقول الشاعر:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأي عباد الله أنوك من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الأمثال تضرب في الجهل
следующие страницы →