Полный текст (120 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ودخل يوماً السوق، ليشتري نعلاً لابنته، فقال له: كم سنها؟ فقال: لا أدري، ولكنها في حجم الشجرة.
وجاء رجل من البادية إلى الحاضرة، فقالت له زوجته: اشتر لنا حصيراً كاملاً، يفرش من الطارقة إلى آخر البيت، فلما وصل إلى الحاضرة، قال لصاحب الحصور: أعطني حصيراً جيداً كاملاً يفرش من الطارقة إلى آخر البيت، فقال له: كم يكون طوله من شبر؟ قال: لا أدري، هكذا قيل لي.
وقال بعضهم: صليت يوماً إلى جانب ابن الجصاص، فسمعته يدعو في إثر صلاته: اللهم اغفر لي ذنوبي، ما تعلمه منها وما لا تعلمه.
وقال: صليت يوماً إلى جانبه يوم جمعة، فلما قال الإمام: ولا الضالين، قال لي: لعمري، أراد بها آمين.
ودخل ابن الجصاص على المقتدر يوماً، والمقتدر قد حلق رأسه، ودهنه، فقال لي: يا أمير المؤمنين: دعني أقبل رأسك، قال: دعه الساعة؛ قإن عليه الدهن، قال: والله، أقبله، ولو كان عليه السحل.
وأخرج يده من الفراش في ليلة باردة، ثم أعادها إلى جسده في ثقل النوم، فأيقظته ببردها، فقبض على يده بيده الأخرى وصاح: اللص، وقد قبضت عليه، أدركوني، أدركوني؛ لئلا يكون عنده حديد، فأتوا بالسراج، فوجدوه وهو قابض على يده.
ودخل على ابن له قد مات، فبكى، وقال: كفاك الله يا بني محنة هاروت وماروت، فقيل له: وما هاروت وماروت؟ فقال: لعن الله النسيان، إنما أردت يأجوج ومأجوج، فسئل: وما يأجوج ومأجوج؟ قال: فطالوت وجالوت، قيل له: لعلك تريك منكراً ونكيراً؟ قال: والله ما أردت غيرهما، يريد ما أردت غيرهما.
وجاءت طباخته يوماً، فقال لها: ليس هذا يوم طعام ولا شراب، فأخبر ولده بذلك، فأتاه فوجده مفكراً مطرقاً، فقال له: يا أبت، ما دهاك؟ قال: يا بني، فكرت في أمر، لو فكرت فيه قبل هذا ما هنأ لي عيش، قال: وما هو؟ قال: تمنيت على الله أن يخلقني امرأة، ويزوجني من أبي بكر في الجنة، فقال له ابنه: فهل تساميت بالأمنية إلى النبي ﷺ ؟ قال: قد كنت ترمي عندي بالرفض، وأنا أدافع عنك؟ والآن صح عندي، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أردت أن أكون ضرة لعائشة ﵂.
ودخل عليه أهله يوماً، فوجدوه كالميت، فقالوا له: ما لك؟ قال: فكرت في كثرة مالي، وكثرة مصادرة السلطان في هذا الوقت وتعديه، فغلقت عيني، حتى أرى كيف صبري، فانتشبت، ولم أقدر على التخلص، حتى كدت أن أموت، لولا ما دخلتم علي.
وكان المعتضد يقول - إذا رأى ابن الجصاص -: هذا الأحمق المرزوق.
وقال ابن الجصاص يوماً: إني أتمنى أن أخسر، فقيل له: اشتر التمر بالكوفة، وبعه بالبصرة، فاتفق أن نخل البصرة لم تحمل في تلك السنة، فربح ربحاً عظيماً.
وكان وهب الصيدلاني أكثر الناس غفلة، كتب إلى أبيه، وقد خرج يريد الحج؟ إن قدرت أن تضحي عندنا؛ للفرح بهذا العيد، فافعل.
وجاء إلى حجام، ليأخذ من شعره، فلما جلس بين يديه، ذكر أنه نسي منديل كمه، فقال وقال للحجام: لا تأخذ من شعري شيئاً، حتى أعود إليك.
وسقطت ابنته في البئر، فقال: لا تبرحي، حتى آتي بمن يخرجك.
وأتاه ساكن في دار له، فقال له: قد انفتح الكنيف، قال: قد رأيته منذ عامين، فعلمت أنه ينفتح، ولكني ما ظننت أنه ينفتح بهذه السرعة، وإلا كنت أتغداه قبل أن يتعشاني.
وتبخر في ثيابه فاحترقت، فحلف بالطلاق ألا يتبخر إلا عريان.
وجاء ليكسر لوزة، فخرجت من تحت الحجر، فقال: كل شيء يفر من الموت حتى البهائم.
ووقف مغفل على باب داره يبكي، فقال له بعض أصحابه: ما شأنك؟ قال: ولدي الكبير افتصد، فغرق المبزق في ذراعه، وجرى دمه.
وجاء رجل الواعظ، وكان مغفلاً، فوجده يبكي بكاء شديداً، وقال له: ادع الله؛ فقد ارتكبت أمراً عظيماً، قال: وما هو؟ قال: أريد كتمه عن الناس، فأدنني منك، فأدناه وأعطاه أذنه، فقال: إني نكحت بقرة، فأعلى الواعظ صوته وقال: أمنوا على دعائي؛ فإني أدعو الله لهذا الخاطئ أن يتوب عليه؛ فإنه نكح بقرة، فغظى الرجل وجهه وانصرف.
وكان أبو علقمة الصوفي، يجمع الصبيان ويدهن رؤوسهم، ويخرج لهم ريحاً، والصبيان يضحكون، فقيل له في ذلك، فقال: ليس لي شيء أعطيهم. وأحييت أن أفرحهم بهذا، حتى ينصرفوا مسرورين.
стр. 72
ومر بعض أهل البله بباب شوكي، فوطئ شوكة، فدخلت في رجله، فقال للشوكي: اجعلني في حل؛ فلست أقدر على إخراجها الساعة، فأردها لك، قال: قد جعلتك في حل.
وكان ابن عبد النور من أهل ألمرية، مع فطنته في العلم، كثير التغفل، يحكي أنه تفقد قدراً كان يطبخ فيه في بعض متنزهات الطلبة، فذاقه، فوجده ناقص الملح، فزاد فيه غرفة، وبقي فيه من المرق ما في المغرفة دون ملح، ثم عاد وذاق ما بالمغرفة، فلم يجد طعماً، فزاد إلى أن بلغ الملح بالقدر حيث لا يصلح للأكل البتة.
وأدخل يده في مفجر صهريج، فصادفت يده ضفدعة كبيرة، فقال له من حضر: هل وجدت فيه شيئاً؟ قال: نعم، حجر رطب ثم.
وأتى يوماً إلى بعض ولاة ألمرية، وكان له من عتاق الخيل، فطلبه له، وقد كان يعلم حاله في التغفل، فسأله: ما يصنع به؟ قال: أسقي به في السانية بعض اليوم، فصرفه، ووجه له دابة تليق بذلك.
واشترى يوماً فضلة ملف للباسه، فبلها فنقص من ذرعها على العادة، فسار إلى التاجر يطلبه بما نقص منها، فأخذ التاجر يبين له العادة، فلم يقبل منه، وحمله على الكذب.
ونظر بعض أهل البله إلى الهلال، فقال: ربي وربك الله، سبحان الله، خلقك من عود يابس.
ورقد رجل في بيته، فدخلت عليه الشمس من طاق هناك، فعطى وجهه بكمه، فجاءت الشمس على كمه، فغطى كمه بثوب، فطلعت الشمس على ذلك الثوب، فقال: هذا شيء لا يغطى.
وتسوق دلال ثوباً لرجل، فلم يسو له اختياره، فقال الرجل: أنا أولى برخيصي، فدفع للدلال ثمنه الذي بلغ، وأخذ ثوبه.
ودخل رجل على مريض يعوده، وكان شديد المرض، فقال له: (كل نفس ذائقة الموت) .
وتوقف إمام في لفظة من القرآن، فرد عليه شخص بصوت ضعيف، فقال له آخر: ارفع صوتك؛ فإنه أصم، وكانوا جميعاً في الصلاة.
وقال بعضهم: رأيت مؤذناً أذن، ثم عدا، فقلت: إلى أين؟ قال: أنظر إلى أذاني إلى أين بلغ.
وقال: رأيت مؤذناً آخر قد أذن، ثم ذهب، فقلت إلى أين؟ قال: أسمع أذاني من بعيد.
وكان مؤذن يؤذن، وفي يده رقعة، فسقطت من يده، فاحتملتها الريح، فجعل يجري وراءها ويقول: أمسكوا أذاني، أمسكوا أذاني.
واختصم رجلان في جارية مملوكة، فوضعوها على يد مؤذن ليلة، فلما أصبح قال المؤذن: ذهبت الأمانة في الناس، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أودعوا هذه الجارية عندي على أنها بكر، وقد اختبرتها البارحة، فوجدتها ثيباً.
وكان مؤذن قد اتخذ قرعة يابسة، وثقب فيها ثقبتين، وكان يملؤها بالماء، فإذا وصل الماء إلى الثقب الأول أذن الظهر، وإذا وصل إلى الثقب الثاني أذن العصر، فظن به أحد المؤذنين، فوسع الثقب الأول، فأسرع جري الماء، وتفقدها المؤذن على عادته، فوجد الماء قد وصل إلى الثقب الأول من غير وقت أذان، فأذن فصاح به الناس، فقال: مهلاً عليكم، فإني أعرف بقرعتي.
وكان لقوم إمام أحمق، فقال لهم يوماً، وقد انفتل من صلاته: ويلكم تسابقونني في الصلاة، قالوا: ومن أين لك معرفة هذا؟ قال: ما أركع ركعة ولا أسجد سجدة إلا التفت إليكم؛ أرى ما تفعلون.
وأحدث إمام في الصلاة، فتأخر وقدم رجلاً، وذهب يجدد الوضوء، فظن الرجل الذي قدم في نفسه، أنه لا يجوز له أن يصلي، فوقف ينتظر الإمام، فلما طال قيامه، تنحنح له قوم، فالتفت إليهم وقال: ما لكم، إنما قدمني لأحفظ مكانه.
وتقدم بعض الحمقى، فصلى بقوم المغرب في شهر رمضان، فابتدأ سورة البقرة، فانصرف القوم وتركوه، فلما رآهم قد انصرفوا جعل يقول: سبحان الله، سبحان الله، (إنا أعطينك الكوثر) .
وكان عبد الله اليشكري عاملاً لموسى بن عيسى على المدائن، فصعد المنبر، فلما قال: الحمد لله، ارتج عليه فسكت، فقال بهلول: الذي ابتلانا بك، فجلس وضحك على كل من حضر.
стр. 73
وصعد أبو العنبس منبراً من منابر الطائف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فأرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: لا، قال: فما ينفعكم أن أقول لكم ما لا تدرون؟ ونزل، فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر، فقال: أما بعد، ثم أرتج عليه، فقال: أتدرون ما أقول لكم؟ قالوا: نعم، قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما قد علمتم؟ ثم نزل، فلما كان في الجمعة الثالثة، صعد المنبر، فقال: أما بعد، ثم أرتج عليه، فقال: أتدرون ما أقول لكم؟ فقالوا: بعضنا يدري، وبعضنا لا يدري، فقال: فليخبر الذي يدري للذي لا يدري، ثم نزل.
وخطب عبد الله بن عار البصري يوم عيد الأضحى، فأرتج عليه، فقال: والله، لا أجمع عليكم عياً ولؤماً، من أخذ شاة من السوق، فهي له، وعلي ثمنها.
وكان بسجستان رجل يعرف بأبي العباس، يتقلد أعمال السلطان، فجاءه أبوه في أمر إنسان، فاشتد عليه وأضجره، فقال لأبيه: إذا جاءك أحد أن تكلمني فقل له: ليس ذلك ابني، فقال: هذا الذي أقول لهم منذ ثلاثين سنة، فلا يقبلون مني، فخجل الابن، وندم على ما قال.
وكان هبنقة يحسن إلى السمان من إبله، ويسيء إلى المهازيل، فقيل له في ذلك، فقال: أكرم من أكرم الله، وأهين من أهان الله.
وضل له بعير، فجعل بعيرين لمن جاء به، قال: أتجعل بعيرين في بعير؟ فقال: إنكم لا تعلمون فرحة من وجد ضالة.
وافترس الذئب له شاة، فقال له رجل: أخلصها من الذئب، وآخذها؟ فقال له: إذا فعلت، فأنت والذئب سواء، وترك الذئب مضى بها.
وقال نافع: كان الفاخري من أحمق الناس، فقيل له: ما رأيت من حمقه؟ فسكت، فلما أكثروا عليه قال: قال لي مرة: البحر من حفره، وأين ترابه، وهل يقدر أمير المؤمنين أن يحفر مثله في ثلاثة أيام؟ واشترى باقل شاة بأحد عشر درهماً، فلقيه رجل فقال له: بكم اشتريتها ففتح يديه، ونشر أصابعه، وأخرج لسانه، فمضت الشاة طريقها.
وضاع باز لمعاوية بن مروان، فقال: أغلقوا أبواب المدينة؛ لئلا يخرج.
وجاء إليه رجل أحمق منه، فقيل له [هكذا] : تعير لنا ثوباً، نكفن إنساناً وترده إليك، فقال: أخشى أن ينجسه، فلا نلبسه.
وجاء إليه قوم، فقالوا له: مات جارك فلان، وما ترك شيئاً، فعسى أن تأمر له بكفن، فقال: ما عندي اليوم شيء، ولكن تعودون إلينا في غير هذا الوقت.
وقال قاص: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف ﵇ كذا، وقالوا له: ومتى أكله الذئب؟ قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكله.
وكان بالبصرة ثلاث إخوة من بني عتاب، كان أحدهم يحج عن حمزة، ويقول: استشهد ولم يحج، وكان آخر يضحي عن أبي بكر وعمر، ويقول: أخطأ السنة في ترك الأضحية، وكان الثالث يفطر أيام التشريق عن عائشة ويقول: غلطت في صومها أيام التشريق.
وخطب عدي بن وتاد الإيادي، فقال: أقول لكم كما قال العبد الصالح: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) فقيل له: فرعون قال هذا، قال: يا قوم، من قاله فقد أحسن.
ووقع بين شخص وابنه كلام، فقال الابن للأب: والله، لولا أنك أكبر سناً مني، لرأيت ما كنت أصنع بك.
وتلا أبو بكر القاضي في وعظه يوماً قوله تعالى: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه) ثم قال: اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه.
وكان قوم من أهل العلم يتناظرون في أمر علي ومعاوية، فقال له أحد القوم: وتعرف أنت من علي؟ قال: نعم، أليس هو أبا فاطمة؟ قال: ومن كانت فاطمة؟ قال: امرأة النبي ﷺ بنت عائشة، أخت معاوية، قال: فما كانت قصته؟ قال: قتل في غزوة صفين مع النبي ﷺ .
ووقف على شيخ من أهل العلم، فقال: أصلحك الله، سمعت الساعة في السوق شيئاً منكراً، قال: وما هو؟ قال: يشتمون الأنبياء، قال الشيخ: ومن هو من الأنبياء الذي شتم؟ قال له: معاوية، قال له: يا ابن أخي، ليس معاوية نبياً، قال: فقيه نصف نبي، أيشتم؟ وقال أبو علي اللواز يوماً لقوم من أصحابه، دخلوا عليه في داره: والله، لو كان عندي دجاج مشويات، لذبحتها لكم.
وتعرض الأسد لأهل رفقة، فخرج إليهم رجل منهم، فلما رآه سقط الرجل في الأرض، فوثب عليه الأسد، فشدوا عليه بأجمعهم، فتنحى عنه الأسد، فقالوا له: كيف أنت؟ فقال: لا بأس علي، غير أن الأسد خرا في سراويلي.
стр. 74
ومر رجل بحمار على المقابر، فنفر الحمار عند قبر منها، فقال: ينبغي أن يكون صاحب هذا القبر بيطاراً.
ورأى أبو عوانة قوماً قد صلبوا، فجعل يقول: هذا ما وعد الله، وصدق المرسلون، بارك الله لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
وقال أبو العباس: اجتزت يوماً في بعض طرق بغداد، فإذا أنا بامرأة قد عرضت لي، فقالت: بالله، ما اسمك؟ فقلت: أحمد، قالت: وأنا أحب الغرباء فهل لك أن أزوجك جارية حسنة؟ قلت: نعم، قالت: وتلد ولداً وتدعه ينصرف إلى المكتب، فيطلع يوماً للسطح، ويقع منه، وينشق رأسه ويموت، ثم صاحت وصرخت وبكت ولطمت وجهها، فخفت منها أن تكون مجنونة، فمضيت وتركتها، فرأيت شيخاً ينظر إلي على باب الدار، فقال لي: ما لك؟ فحدثته فقال: لا تأخذ عليها، ما الموت إلا مصيبة، ومن يرزق مثل صبرك؟ قال: فرأيت الشيخ أحمق منها.
وكان لبعضهم بغلة، فغضب عليها، وقطع عنها العلف، ثم ركبها فلم تستطع المشي، فقال لخادمه: ما بالها لا تمشي؟ قال: لأنك قطعت عنها العلف، قال: أعطها علفها، ولا تعلمها أني قلت لك شيئاً.
وجرى ذكر رجل، فقال آخر: هو رجل سوء، فقيل له: ومن أين تعلم هذا؟ قال: أفسد علي بعض أهلي، قيل: ومن هن؟ قال: أمي.
وكتب المنصور إلى عبد الله الحارثي، وهو والي البصرة: اقسم المال بين القواعد من النساء، وهن اللائي قعدن عن النكاح، وبين أهل الأعذار، فقال له رجل فقير: اكتبني في العميان، قال: اكتبوه؛ فإن الله تعالى يقول: (فإنها لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ، قال: واكتب ابني في الأيتام، قال: نعم، من كنت أباه فهو يتيم، اكتب ابنه في الأيتام.
وقال ابن الماجشون: كان لي صديق فقدته زماناً، ثم رأيته، فسألته: أين غاب؟ قال: كنت بالكوفة، فقلت: وكيف صبرت فيها وهم يشتمون أبا بكر وعمر؟ قال: يا أخي، صبرت لهم على ما هو أشد من هذا؟ قلت: وما هو؟ قال: فإنهم يفضلون الكتابي على معبد في الغناء.
وماتت جارية لبعضهم، فلما حملت جنازتها، جعل يقول: خدمت مولاك حق الخدمة في حياتك، وأنا اليوم أكافئك، اشهدوا أني قد حررتها لوجه الله تعالى.
ودخل رجل على مريض، فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) إذا رأيتم العليل على هذه الصفة، فاغسلوا أيديكم منه، فقال له العليل: قم عني؛ فقد قتلتني.
قال رجل لآخر: قد أحكمت النحو كله إلا ثلاث لقطات أشكلت علي، قال له: وما هي؟ قال: أبا فلان وأبو فلان، وأبي فلان، ما الفرق بينهما؟ قال له صاحبه: أما أبو فلان فللملوك الأمراء والقضاة والحكام، وأما أبا فلان فللتجار وأرباب الأموال والوسط من الناس، وأما أبي فلان فللسفلة والأسقاط والأوباش من الناس.
وقال عبد الله بن طاهر: قلت مرة لرجل: كم اليوم من الشهر؟ قال: ليس أنا، والله، من هذه البلدة.
وختن محمد بن الخليل ولده، فقال للحجام: ارفق به، فإن هذه أول مرة ختناه.
ودخل بعضهم على رجل قد ذهب بصره، والناس يعزونه، فقال له: لا تغتم يا أخي؛ فلو رأيت ثواب ذلك لتمنيت أن يقطع الله يديك ورجليك، فقال له الرجل: فعل الله ذلك بك، وأجزل لك الثواب.
وقال بعضهم: مررت بمؤدب، والصبيان يضربونه، فتقدمت لأخلصه منهم، فقال: دعهم؛ فإنس أتسابق معهم. فإذا سبقهم ضربتهم، وإن سبقوني ضربوني، وهم اليوم قد سبقوني.
وقال صبي لأبيه: ما الذي يزرع حتى ينبت به الخرفان؟ قال: القرون، فجمع القرون وزرع، وما زال يسقيها شهراً، فلم ينبت، فنبشها لينظرها، فلسعته عقرب، فقال: أنتم لم تنبتوا بعد، وصرتم تنطحوني.
وقال الشيباني: مررت ببهلول المجنون، وهو يأكل خبيصاً، فقلت له: أطعمني منه، فقال: والله، ما هو لي، قلت: فلمن هو؟ قال: لعائكة بنت الخليفة، بعثته لي؛ لآكله وحدي.
وحدث الوليد بن بكار قال: كان ابن إدريس عيباً، وكان هو وجماعة يخرجون إلى العقيق يتنزهون، فكان أصحابه يبعثون إلي بيته على لسانه، فيأخذون ما يريدون، فعلم بذلك، فقال لهم: اجهدوا جهدكم؛ فقد قلت لأهلي: إذا جاءكم رأسي في طبق، فلا تبعثوا إلي بشيء، فمضى الرسول إلى أهله وعرفهم بهذا الكلام أمارة، وطلب لهم ما أراد، فأعطوه، فلما حضر ذلك بين يديه قال لهم: قد أعيتني الحيلة فيكم؛ فالله حسيبكم.
стр. 75
وقال الجاحظ: مررت بمعلم، وهو قد حبس ديكاً، وهو يضربه، ويقول له ألف شين، ألف شين، فقلت له: ما هذا؟ فقال لي: أعزك الله، انظر إلى تلك المزبلة، وأشار إلى مزبلة أمام مكتبه، فقال: أنا أنصب فيها فخاخاً؛ لصيد العصافير، فيأتي هذا الديك، فيلتقط الحب الذي أجعله لها، فقلت له: اش، فلا يفهمني، فقلت: لعله لا يعلم، وأردت أن أعلمه؛ حتى يفهمني.
ومات ولد لبعضهم، فقيل له: يغسله فلان، فقال: بيني وبينه عداوة متقدمة، وأخاف أن يرد غيظه على ابني فيهلكه.
واستعمل معاوية رجلاً من كلب على بعض الأعمال، فحضر عنده يوماً أهل علمه، وجرى ذكر المجوس، فقال الكلبي: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم وأخواتهم والله، لو أعطيت ألف دينار ما نكحت أمي، فبلغ الخبر معاوية، فقال: قبحه الله، ما أظنه إلا لو زاده لفعل.
وكان بالبصرة مجنون يأوي إلى دكان خياط، وبيده قصبة، قد جعل في رأسها كرة، ولف عليها خرقة، لئلا يؤذي الناس بها، فكان إذا أحرجه الصبيان التفت إلى الخياط، فقال له: إنه قد حمي الوطيس، وطاب اللقاء، فما ترى؟ فيقول شأنك بهم، فيشد عليهم بالقصبة وهو يقول:
أشد على الكتيبة، لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواه
فإذا أدرك منهم صبياً، رمى الصبي بنفسه على الأرض، وأبدى له عورته، فيتركه وينصرف عنه، ويقول: عورة المؤمن حمى، ولولا ذلك لتلفت نفس عمرو بن العاص يوم صفين، ثم يقف ويناديهم:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش، كرأس الحية المتوقد
ثم يرجع إلى دكان الخياط، فيلقي القصبة من يده، ويقول:
فألقت عصاها، واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
ودخل أبو عتاب المصاب مع قوم يعودون مريضاً، فبدأ يعزي قومه، فقالوا: إنه لم يمت، فخرج وهو يقول: يموت إن شاء الله، يموت إن شاء الله.
وأغمي على رجل من الأزد، فصاح النساء، وبعث إلى أخيه، فوجده حياً، فقال لهم: اغسلوه؛ فإنكم لن تفرغوا من غسله، حتى يقضي به.
ووعد رجل رجلاً من الحمقى بنعل حضرمية، فطال عليه الانتظار، فأخذ قارورة وبال فيها، ثم أتى إلى الطبيب فقال: انظر في هذا الماء، إن كان يهدي إلى بعض إخواني نعلاً حضرمية.
وكان عيناوة الأحمق جيد القفا، فربما مر به من يزيد العبث به، فيصفعه فجعل سحلاً في قفاه، وقعد على الطريق، فكان إذا ضرب أحد قفاه، قال له: شم يدك يا فتى، فلم يكن أحد يصفعه.
وقال الأصمعي: سوبق بين الخرنفش وهبنقة، أيهما أحمق؟ فجاء الخرنفش بحجارة خفاف من جص، وجاء هبنقة بحجارة ثقال وترس، فبدأ الخرنفش، فقبض على حجر، ثم رفع رأسه، وقال: الترس، ثم رمى بالحجر، فأصاب الترس، فانهزم هبنقة، فقال أصحابه: مالك انهزمت؟ فقال: إنه قال: الترس فأصاب الترس، فلو أنه قال: العين، أما كان يصيب عيني.
وتبع داود بن المعتمر امرأة ظنها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير ما اتبعتك، فضحكت المرأة وقالت: إنما كان يعتصم مثلي من مثلك بسيماء الخير، وأما إذا صار سيماء الخير هو المعزي، فالمستعان الله.
وقال أبو دحية القاص: ليس في ولا فيكم خير، فتبلغوا بي، حتى تجدوا خيراً مني.
وقال ثمامة بن أشرس: سمعت قاصاً ببغداد، وهو يقول: اللهم ارزقني الشهادة، أنا وجميع المسلمين.
ووقع الذباب على وجهه، فقال: ما لكم؟ كثر الله بكم القبور.
قال: ورأيت قاصاً يحدث بقتل حمزة، فقال: ولما بقرت هند عن كبد حمزة فاستخرجتها عضت عليها ولاكتها، ولم تزدردها، فقال النبي ﵇: لو ازدرتها ما مستها النار، ثم رفع القاص يديه إلى السماء وقال: اللهم أطعمنا كبد حمزة.
وتزوج مالك بن زيد فتاة من تميم، فلما دخل على امرأته، رأت منه الجفاء والجهل، فجلس ناحية منقبضاً، فقالت له: ضع شملتك، قال: بدني أولى بها، قالت: فاخلع نعليك، قال: رجلاي أحق بهما، فلما رأت ذلك، قامت وجلست إليه، فلما شم رائحة الطيب ارتاح لها.
وأرسل ابن العجل فرساً له في حلبة، فجاء سابقاً، فقال لأبيه عجل كيف ترى أن أسميه؟ قال: افقأ إحدى عينيه، وسمه الأعور، وفيه يقول الشاعر:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأي عباد الله أنوك من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الأمثال تضرب في الجهل
стр. 76
ومر معاوية بن مروان بحقل له، فلم يعجبه، فقال: ما كذب من قال: كل حقل لا يرى قفا صاحبه لا يفلح، ثم نزل عن دابته، فأحدث فيه ثم ركب.
وهو الذي قال لوالد زوجته: ملأتنا ابنتك البارحة بالدم، قال: إنها من نسوة يخبئن ذلك لأزواجهن، ولو كنت خصياً ما زوجناك، فعلى الذي دلنا عليك لعنة الله.
وكان أبو العاج والياً بواسط، فأتاه صاحب شرطته بقوادة، فقال: ما هذه؟ قال: قوادة، قال: وما تصنع؟ قال: تجمع بين الرجال والنساء، قال: إنما جئتني بها لتعرفها بداري، خل عنك، لعنك الله ولعنها.
ودخل قوم على كردم، فقالوا له: أين القبلة في دارك؟ فقال: والله، ما اهتديت لها؛ لأني إنما دخلت هذه الدار منذ ستة أشهر.
ودخل كردم على رجل فدعاه للغداء، فقال: قد أكلت، فقال له: وما أكلت؟ قال: قليل أرز، فأكثرت منه.
ومرض كردم، فقال له عمه: أي شيء تشتهي؟ قال: رأس كبشين، قال: لا يكون ذلك، قال: فرأسي كبش، قال: وهذا لا يكون، قال: فلست أشتهي شيئاً.
وكان أبو إدريس السمان يكتب: فلا صبحك الله إلا بخير، ولا حيا وجهك إلا بكرامة.
وأتى عامر بن عبد الله بن الزبير بعطائه وهو في المسجد، فقام ونسيه، فلما سار إلى بيته ذكره، فقال لغلامه: إئتني بعطائي الذي نسيت في المسجد، قال له: وأين يوجد وقد دخل بعد ذلك المسجد جماعة؟ قال: وبقي أحد يأخذ ما ليس له؟ وسرقت نعله، فلم يلبس بعد ذلك نعلاً حتى مات، وقال: أكره أن أتخذ نعلاً، فيجيء من يسرقها فيأثم.
وقال بعضهم: مررت ببعض طرق الكوفة، فإذا أنا برجل يخاصم جاراً له، فقلت: ما بالكما؟ فقال: إن صديقي زارني، فاشتهى رأساً فاشتريته وتغدينا، فأخذت عظامه فوضعتها على باب داري؛ أتجمل بها عند جيراني، فجاء هذا فأخذها، ووضعها على باب داره؛ يوهم الناس أنه اشترى الرأس.
وقال بعض المتبردين: أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف زيتونة أو زيتونة وثلث، أو زيتونة وربع، أو زيتونة وما علم الله من زيتونة أخرى، فقال له بعض الحاضرين: يا فتى، إنه بلغنا من الورع ما يبغضه الله، وأحسبه ورعك.
ونظر آخر إلى أهل عرفات فقال: ما أظن الله إلا قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم.
وحكى الأعمش قال: أتاني عبد الله بن سعيد، فقال لي: ألا تعجب؟ أتاني رجل فقال: دلني على شيء إذا أكلته مرضت؛ فقد استبطأت العلة، وأحببت أن أعتل فأؤجر، فقلت: اسأل الله العافية؛ واستدم النعمة، فإن من شكر الله على النعمة كمن صبر على البلية، فألح علي فقلت له: كل السمك المملوح، واشرب النبيذ الحار، وقم في الشمس، واستمرض الله يمرضك إن شاء الله.
ودخل قوم على رجل من الزهاد، فوجدوا عنده رائحة قبيحة، فقالوا له: ما هذا؟ نظنه في بعض نعالكم، فقال الزاهد: ليس كما قلتم، هو من حشو الكنيف، أودعته شاربي؛ رياضة للنفس وإذلالاً لها، ألا تطلع إلي الروائح التي تحرم عدا رائحة الجنة.
وسمع آخر تشاجر قوم في تاريخ شيء فقال: ليس هذا كما تزعمون، إنما كان هذا قبل ابتدائي بصيام الدهر، فلا كان هذا ولا كان صيامه.
وكان بغرناطة رجلان أحمقان، يقال لأحدهما: حسين، وللآخر: يحيى، فاشترى يوماً يحيى زناراً جديداً، فرآه حسين عليه، فأعجبه، فقال له: جرده وألبسه أنا أقيسه، والبس أنت زناري، فلبسه حسين، وأعطاه زناره المبتذل، ونظر عليه يميناً وشمالاً، ثم ذهب به مسرعاً، فقال له: جرد زناري، وذهب خلفه، إلى أن وصلا إلى البيازين، واجتمع عليهما الناس، فلم يقدر أحد أن يجرده له، فقالوا له: رد زناره، ونشتري لك غيره، ففعلوا، وبقي ذلك الزنار عليه.
وجمع بعض الملوك بين مجنونين؛ ليضحك عليهما، فبعث بهما، فأسمعاه ما يكره، فدعا بالسيف، فقال أحد المجنونين لصاحبه: كنا اثنين، فصرنا ثلاثة.
الحديقة الرابعة في الوصايا والحكم وفيها باب الواحد
الباب الأول
لما وجه ابن هبيرة مسلم بن سعيد إلى خراسان، قال له: أوصيك بثلاثة: حاجبك؛ فإنه وجهك الذي تلقى به الناس، إن أحسن، فأنت المحسن، وإن أساء فأنت المسيء، وصاحب شرطنك؛ فإنه سوطك وسيفك، وحيث وضعتهما، وضعتهما، وعمال الفرد، قال له: وما عمال الفرد؟ قال: أن تختار من كل كورة رجالاً لعملك، فإن أصبت فهو الذي أردت، وإن أخطأت فهم المخطئون، وأنت المصيب.
стр. 77
وقال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: دلني على قوم من القراء؛ أولهم، فقال له: القراء ضربان، ضرب يعملون للأخوة، لا يعملون لك، وضرب يعملون للدنيا، فما ظنك بهم، إذا أمكنتهم منها؟ ولكن عليك بذوي البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم، فولهم.
وقال معاوية: إني لا أضع سيفي، حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها.
وقال ﵇: من تواضع لله رفعه.
وقال بعض الحكماء: كل ذي نعمة محسود عليها، إلا التواضع.
وقال عبد الملك بن مروان: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة.
وسئل بعض الحكماء: أي الأمور أشد تأييداً للعقل، وأيها أشد إضراراً له؟ فقال: أشدها تأييداً له ثلاثة أشياء: مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبت، وأشدها إضراراً به: الاستبداد، والتهاون، والعجلة.
وقال بعض الحكماء: ما كنت كاتمه عن عدوك، فلا تظهر عليه صديقك.
وقال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلاً سراً، فلمته عليه إذا أفشاه؛ لأني كنت أضيق صدراً حين استودعته منه حين أفشاه.
وحكى أسامة بن زيد قال: كان النبي ﷺ ، إذا غزا أخذ طريقاً، وهو يريد أخرى، ويقول: الخرب خدعة.
وعن مالك بن أنس قال: كان مالك بن عبد الله الخثعمي، وهو على الطائفة، يقوم في الناس، كلما أراد أن يرحل، فيحمد الله ويثني عليه، ثم يقول: إني آخذ بكم غداً، إن شاء الله، على موضع كذا وكذا فتفترق الجواسيس عنه بذلك، فإذا أصبح الناس سلك بهم طريقاً أخرى، وكانت الروم تسميه الثعلب.
وقال عمرو بن معدي كرب: الفزعات ثلاث، فمن كانت فزعته في رجليه، فذاك الذي لا تقله رجلاه، ومن كانت فزعته في رأسه، فذاك الذي يفر من أمه، ومن كانت فزعته في قلبه، فذاك الذي يقاتل.
قال النبي ﷺ : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
وقال ﵇: اصطناع المعروف يقي مصارع السوء.
وقال أبو ذر: إن لك شريكين في مالك، الحدثان والوارث، فإذا استطعت ألا تكون أبخس الشركاء حظاً، فافعل.
وقال بعضهم: إذا أقبلت الدنيا عليك، فأنفق منها؛ فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك، فأنفق منها؛ فإنها لا تبلى، أخذ الشاعر هذا المعنى فقال:
لا تبخلن بدنيا، وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف
وإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف
وقال النبي ﷺ : إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا إلى ما يتبعه من حسن الثناء.
وقال بعض أهل التفسير، في قوله تعالى فيما حكى عن إبراهيم ﵇: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) أنه أراد حسن الثناء من بعد.
وقال ﵇: استعينوا على حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود.
وفي الحديث: من نشر معروف فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره.
وقال ابن عباس ﵁: لو أن فرعون مصر أسدى إلي يداً صالحة، شكرته عليها.
وقال بعضهم: إذا قصرت يداك عن المكافآت، فليطل لسانك بالشكر.
وقيل: ما نحل الله عباده أقل من الشكر، واعتبر ذلك بقول الله سبحانه: (وقليل من عبادي الشكور) .
وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقيل: الروح عماد البدن، والعقل عماد الروح، والعلم عقاد العقل، والبيان عماد العلم.
وقال ﵇: إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة.
وقال الأحنف بن قيس: أحق الناس بالعفو، أقدرهم على العقوبة.
وقال ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به؛ فخذوا من كل شيء أحسنه.
وقيل لأبي عمرو بن العلاء: هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش، فيحسن به أن يتعلم.
وقال عروة لبنيه: اطلبوا العلم، فإن تكونوا صغار قوم لا يحتاج إليكم، فعسى أن تكونوا كبار قوم، لا يستغنى عنكم.
وقال رجل لأبي هريرة ﵁: أريد أن أطلب العلم، وأضاف أن أضيعه، قال: فكفاك بترك العلم إضاعة له.
وقال بعض الحكماء: اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى لنفسك، وأخف على فلبك؛ فإن نفاذك فيه على قدر شهوتك له، وسهولته عليك.
стр. 78
وقال رؤبة بن العجاج: قال لي النسابة البكري: يا رؤبة، لعلك من قوم إن سكت عنهم لم يسألوني، وإن حدثتهم لم يفهموني، قلت: أنا أرجو ألا أكون كذلك، قال: فما آفة العلم ونكده وهجنته؟ قلت: تخبرني؟ قال: آفته النسيان، ونكده الكذب، وهجنته نشره عند غير أهله.
وقال عبد الله بن مسعود: إن العبد لا يولد عالماً، وإنما العلم بالتعلم، أخذه الشاعر فقال:
تعلم؛ فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم، لا علم عنده ... صغير إذا احتفت عليه المحافل
وإن صغير القوم، والعلم عنده ... كبير، إذا ردت إليه المسائل
وقال بعض الحكماء: علم علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم؛ فإنك إذا فعلت ذلك حفظت ما علمت، وعلمت ما جهلت.
وقال مالك بن أنس ﵀: إذا ترك العالم: لا أدري، فقد أصيبت مقاتله.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من سئل عما لا يدري، فقال: لا أدري فقد أحزر نصف العلم.
وقالوا: العلم ثلاثة: حديث مسند، وآية محكمة، ولا أدري، فجعلوا لا أدري من العلم، إذا كان صواباً من القول.
وقالوا: الحكمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان، لم تجاوز الآذان.
وقال الحسن البصري: لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، قلب الأحمق من وراء لسانه، فإذا أراد أن يقول قال.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: العقل في الدماغ، والضحك في الكبد، والرأفة في الطحال، والصوت في الرئة.
وقال عمر ﵁: من لم ينفعه ظنه، لم ينفعه يقينه.
وسئل بعضهم: من أحب بنيك إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يرجع، والمريض حتى يفيق.
وقال ﷺ : لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها؛ فتظلموها، ولا تمنعوها من أهلها؛ فتظلموهم.
وفي الحديث: خذ الحكمة ولو من ألسنة المشركين.
وقال ﵇: الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها ممن سمعها، ولا يبالي من أي وعاء خرجت.
وقال زياد: أيها الناس، لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا، أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا؛ فإن الشاعر يقول:
اعمل بقولي، وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي، ولا يضررك تقصيري
وقيل لقيس بن ساعدة: ما أفضل المعرفة؟ قال: معرفة الرجل نفسه، قيل له: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قيل له: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه.
وقال الحسن: التقدير نصف العيش، والتوزر نصف العقل، وحسن طلب الحاجة نصف العلم.
وقيل: ثلاثة لا تكون إلا في ثلاثة: الغنى في النفس، والشرف في التواضع، والكرم في التقوى.
وقيل: ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة، ذو البأس لا يعرف إلا عند اللقاء، وذو الأمانة لا يعرف إلا عند الأخذ والعطاء، والإخوان لا يعرفون إلا عند التوائب.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: أخوف ما أخاف عليكم شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
ومر أعرابي برجل صلبه السلطان، فقال: من طلق الدنيا، فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق، فالجذع راحلته.
وقال قس بن ساعدة: من فاته حسب نفسه، لا ينفعه حسب أبيه.
وقال ﵇: لا دين إلا بمروءة.
وقال ربيعة: المروءة ست خصال، ثلاث في السفر، وثلاث في الحضر، فأما التي في السفر، فبذل الزاد، وحسن الخلق، ومداعبة الرفيق، وأما التي في الحضر، فتلاوة القرآن، وملازمة المساجد، وعفاف الفرج.
وقيل: من أخذ من الديك ثلاثة أشياء، ومن الغراب ثلاثة أشياء، تم بها أدبه، من أخذ من الديك سخاءه وغيرته وشجاعته، ومن الغراب بكوره في طلب الرزق، وشدة حذره، وسترة سعاده.
وقال المأمون: الرجال ثلاثة، فرجل كالغذاء لا يستغنى عنه، ورجل كالدواء يحتاج إليه حيناً، ورجل كالداء لا يحتاج إليه أبداً.
وقال الخليل ﵀: الرجال أربعة، رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك العالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك الناسي فذكروه، ورجل لا يدري، ويدري أنه لا يدري فذلك الجاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك الأحمق فارفضوه.
وفي الحديث: إذا أحب الله عبداً حببه إلى الناس، أخذ المعنى ابن عبد ربه، فقال:
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
стр. 79
وإذا أحب الله يوماً عبده ... ألقى عليه محبة للناس
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لا راحة لحسود، ولا إخاء لملول، ولا محب لسيء الخلق.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله، قيل: من يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
وقال ﵇: شر الناس من اتقاه الناس لشره.
وعرض على أبي مسلم فرس جواد، فقال لأصحابه: لماذا يصلح مثل هذا الفرس؟ قالوا: أن يغزى عليه العدو، قال: لا، ولكنه يركبه الرجل، فيهرب منه من الجار السوء.
وقالت الحكماء: لا شيء أضيع من مودة من لا وفاء له، واصطناع من لا شكر عنده، والكريم يود الكريم عن لقية واحدة، واللئيم لا يصل أحداً إلا عن رغبة أو رهبة.
وقال ﷺ : من أوتي حظه من الرفق، فقد أوتي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق، فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة.
وقال بعض الحكماء: العين باب القلب، فما كان في القلب ظهر في العين.
وقيل لبعض الحكماء: علام أسست عبادتك؟ قال: على أربعة أشياء، علمت أن لي رزقاً لا يفوتني، فلم أشغل قلبي به، ولم أطلبه، وعلمت أن لي أجلاً يبادرني فأنا أبادره، وعلمت أن لي فرضاً لا يقيمه غيري، فأنا مشتغل به، وعلمت أني لا أغيب عن نظر ربي، فأنا مستح منه.
وقال بعضهم: عشرة من مكارم الأخلاق، صدق الحديث، وصلة الرحم، وحفظ الجار، وأداء الأمانة، وبذل المعروف، ومكافآت الأيادي، ورعاية ذمام الصاحب، وقرى الضيف، وكتمان السر، ورأسهن الحياء.
وكان يقال: أربعة من كن فيه فقد حيزت له الدنيا والآخرة، صدق الحديث، وأداء الأمانة، وعفاف الطعمة، وحسن الخلق.
وقال بعض الحكماء: ستة إن أهينوا، فلا يلوموا إلا أنفسهم، المستخف بالسلطان، واللاعب مع الصبيان، ومعترض السكران، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه، ومن قعد مقعداً ليس بأهل له، ومن تقدم إلى طعام لم يدع إليه.
وقال بعض الحكماء: من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان بثه، فقد أخل بنفسه.
وقالت الحكماء: إمام عادل خير من مطر وابل.
وقال الشعبي: قال لي ابن عباس، قال لي أبي: إني أرى هذا الرجل - يعني عمر بن الخطاب - يستفتيك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإني موصيك بخلال أربع، لا تفش له سراً، ولا يجرين عليك كذباً، ولا تطوعنه نصيحة، ولا تغتابن عنده أحداً، قال: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف، قال: إي والله، ومن عشرة آلاف.
وقال بقراط الحكيم: العفو يفسد من اللئيم بقدر ما يصلح من الكريم.
ومن حكم البخلاء ووصاياهم، قال أبو الأسود الدؤلي: إمساكك ما بيدك خير من طلبك ما بيد غيرك.
وقال: لو أطعنا المساكين في أموالنا لكنا أسوأ حالاً منهم.
وقال لهم: لا تجادوا الله؛ فإنه أجود وأكرم، ولو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل، ولكنه علم أن قوماً لا يصلحهم، ولا يصلح لهم إلا الغنى، وقوماً لا يصلحهم ولا يصلح لهم إلا الفقر.
وقال رجل من تغلب: أتيت رجلاً من كندة أسأله، فقال: يا أخا بني تغلب، إني، والله، لو مكنت الناس من داري لنقضوها طوبة طوبة، والله ما بقي بيدي من مالي وعرضي إلا ما منعه من الناس.
وقيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق؛ فإ، مالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه، فقيل له: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كله، قال: لا، ولكني أخاف ألا أموت في أوله.
وقال الجاحظ: قلت لرجل: أترضى أن يقال لك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ لأنه لا يقال لي: بخيل، إلا وأنا ذو مال، فسلم لي المال، وسمني بأي اسم شئت.
وقال شبيب: اطلبوا الأدب؛ فإن مادة العقل، دليل على المروءة، صاحب في الغربة، مؤنس في الوحشة، صلة في المجلس.
وقال الخليل ﵀: من لم يكتسب بالأدب مالاً، اكتسب به جمالاً.
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: عليكم بالأدب؛ فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالاً، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالاً.
وقال عبد الملك بن مروان: سمعت بعض الأعراب يقول: الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن.
وقال الخليل بن أحمد ﵀: ثلاثة أحبها لنفسي، ولمن أريد رشده، أحب أن يكون بيني وبين ربي من أفضل عباده، وأكون بيني وبين الخلق من أوسطهم، وأكون بيني وبين نفسي من شرهم.
стр. 80
وقيل: ثلاثة ينسين المصائب، مر الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثة الرجل وعن ابن عمر ﵁ قال: ثلاثة تجلو البصر، النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن.
وقال ابن عباس ﵁: من لم يجلس في الصغر حيث يكره، لم يجلس في الكبر حيث يحب.
ومر ابن الخطاب ﵁ ببنيان يبنى بآجر وحصى، فقال: لمن هذا؟ فقيل: لعامل من عمالك، فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وأرسل إليه من يشاطره ماله.
وقال رسول الله ﷺ للمجاشعي: إن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك دين فلك كرم.
وكان سعد بن عبادة ﵁ يقول: اللهم ارزقني حمداً ومجداً؛ فإنه لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال.
وقال حكيم لابنه: يا بني، أوصيك، عليك بطلب المال، فلو لم يكن فيه إلا أنه عز في قلبك، وذل في قلب غيرك [؟] .
وقال آخر لابنه: أوصيك باثنين، لن تزال بخير ما تمسكت بهما، درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك.
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خلقان يحبهما الله، وهما السخاء والسماحة، وخلقان يبغضهما الله، وهما البخل وسوء الظن، وإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس.
وقال عبد الله بن عمر ﵁: إنا - معشر قريش - نعد الحلم والجود سؤوداً، ونعد العفاف، وإصلاح المال مروءة.
وقدم وفد على معاوية، فقال لهم: ما تعدون المروءة؟ فقالوا: العفاف، وإصلاح المعيشة، قال: اسمع يا يزيد.
وقال النبي ﷺ لقوم من العرب: من سيدكم؟ فقالوا: فلان على بخل فيه، فقال ﷺ : وأي داء أدوى من البخل؟ وقال كسرى: عليكم بأهل السخاء والشجاعة؛ فإنهم أهل حسن الظن بالله.
وقال ﷺ : اصنع المعروف مع من هو أهله، ومع من ليس من أهله، فإن أصبت أهله فهو من أهله، وإن لم تصب أهله، فأنت من أهله.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: القرابة قد تقطع، والمعروف قد يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب.
وقال أكثم بن صيفي: القرابة تحتاج إلى مودة، والمروءة لا تحتاج إلى قرابة.
وقيل لبعضهم: من أحب إليك أخوك أو صديقك؟ فقال: ما أحب أخي إلا إذا كان صديقي.
وقال رسول الله ﷺ : أحب الناس إلى الله أكثرهم تحبباً إلى الناس.
وقال بعض الحكماء: إذا أيسر الرحل ابتلى بثلاثة، صديقه القديم فيجفوه، وامرأته يتزوج عليها، وداره يهدمها ويبنيها.
وقال رجل لبكر بن عبد الله: علمني التواضع، فقال: إذا رأيت من هو أكبر سناً منك، فقل: سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، فهو خير بني، وإذا رأيت من هو أصغر سناً منك، فقل: سبقته إلى الذنوب فهو خير مني.
وقال الشافعي ﵁: أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب في مودة من لا ينفعه.
وقال أيضاً: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وقال بعض الحكماء: أقل الدنيا يكفي، وأكثرها لا يكفي، أخذه أبو فراس فقال:
ما كل ما فوق البسيطة كافياً ... وإذا قنعت فكل شيء كافي
وقال ﷺ : سافروا تغنموا، وصوموا تصحوا.
وقال موسى بن عمران ﵇: لا تذموا السفر؛ فإني أدركت فيه ما لم يدرك أحد، يريد أن الله تعالى كله.
وقال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ، أتحرك لطلب الرزق أم أجلس؟ قال: لا، بل تحرك؛ فإنه أصلح لك، فقال له: أتقول هذا؟ فقال: ما أنا قلته، ولكن الله تعالى قاله وأمر به، قال لمريم: (وهزي إليك بجزع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا) ، ولو شاء أن ينزله عليها لأنزله، أخذه الشاعر فقال:
ألم تر أن الله أوحى لمريم ... وهزي إليك النخل تساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته، ولكن كل شيء له سبب
قيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب، أما ترضى بالدعة؟ فقال: لو دامت عليكم الشمس لمللتموها، أخذ المعنى حبيب فقال:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه، فاغترب تتجدد
стр. 81
فإني رأيت الشمس زادت محبة ... على الناس أن ليست عليهم بسرمد
وقال الحكماء: لا تدرك الراحة إلا بالتعب، ولا الدعة إلا بالنصب.
وسئل بعض الحكماء: أي الأشياء أحلى؟ قال: النصرة على العدو بعد الهزيمة، والاستغناء بعد الحاجة، والغلبة للمتكلم.
وحكى الأصمعي قال: كنا بطريق مكة في بعض المنازل، إذ وقفت علينا أعرابية، فقالت: أطعمونا مما أطعمكم الله، فناولها بعض القوم شيئاً، فقالت: كتب الله لك كل عدو إلا نفسك.
قال معاوية: كل الناس أقدر على أن أرضيهم إلا حاسد نعمة؛ فإنه لا يرضيه إلا زوالها.
وقيل: للمعروف خصال، تعجيله وتيسيره وستره، فمن أخل بواحدة فقد بخس المعروف حقه.
وحدث الشعبي قال: صاد رجل قمرية، فقالت له: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أفكك وآكلك، فقالت: والله، ما أشبعك من جوع، وخير لك من أكلي أن أعلمك ثلاث خصال، واحدة وأنا في يدك، والثانية وأنا على الشجرة، والثالثة وأنا على الجبل، قال: هات، قالت: لا تلهفن علي شيء فات، فخلى سبيلها، فلما صارت على الشجرة قالت: لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون، فلما صارت على الجبل قالت: يا شقي، لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين في كل واحدة عشرين مثقالاً، فعض الرجل على يده ندماً وتلهفاً، ثم قال: هات الثالثة، قالت: أنت قد نسيت الأولى والثانية، فكيف أخبرك بالثالثة؟ ألم أقل لك: لا تلهفن على ما فات، ولا تصدقن بما لا يكون أنه يكون؟ أنا ولحمي ودمي وريشي لا يكون في عشرون مثقالاً ثم طارت.
الحديقة الخامسة في أمثال العامة وحكمها وفيها باب واحد مرتب على حروف المعجم وفيه فصول
ال فصل الأول
أشهر من الريحان في دار العرس
أخذه الشاعر فقال:
فضله بين الورى مشتهر ... شهرة الريحان في دار العروس
حرف الألف
أسخف من عبو الفحام الذي يزين الفحم بالورد أذل من قط ابن أحمد الذي يغرم الجزية للفرين أضر من أقرع أثقل من غريم أسلط من مجذوم أرق من دين طبينة أقدم من إبليس أكسى من بصلة أكسى من حجارة أعز من مجتاز في قرية تقل قدم من الذي يجلس الكلب أزلط من فار الجامع أرق من دين يهودي أعجز من الطريس يسلح فعش أضيع من قنديل مع الشمس أسخف من قطاط الذي يحرز الغنم بالبطين أغزر من جحيم أغرش من ثعلب.
قال الشاعر:
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة
أحوج من أنقر لعين أحوج من مبطول المد ساق أخف من بق فشق أقل عقل من خياط المي أشط من عام الجوع ينظر إلى قول الشاعر
نبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
فصل
أهين من البول فالسرير إذا كان المحدث أحمق يكون المستمع عاقل إذا رأيت لحية جارك تنتف اجعل متاعك في الدباغ إذا حج جارك بع دارك وإذا حج مرتين بع بالدين إذا رأيت الدجاج تبق عين الفروج يسر السل للبيض إذا بليت بالسعي اقصد الديار الكبار ينظر إلى قول الشاعر:
وإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت الكبار
إذا وقعت البقرة اجتمعت السكاكين إذا وصلت لحاجتك لا تتكلف إذا كان القاضي خصيمك لمن تشتكي قال الشاعر:
يئست من الإنصاف بيني وبينه ... ومن لي بالإنصاف والخصم يحكم
إذا انطارب الزمار طاب العرس إذا كنت ميجم مراس وإذا كنت وتد انصب راس إذا كنت قادر كن نعم القادر إذا فاتك الطعام قل شبعت إذا بات الهم فات إذا اجتمعت الغمار يتناصف إذا عطب الفيل فعظامه راس ميل إذا أصبت الزياد أبشر بالنقصان إذا أراد الله يعطيك دارك يدل إذا غاب الوجه إش للقفا من حرمة إذا لم ينفعك الباز انتف وهذا كقول الشاعر:
إن لم يكن رشد الفتى نافعا ... فغيه أحسن من رشده
إذا بار الريح فالبنيس يدخل إذا رأيت حمارك يمشي لا تزد منخص إذا فاق العليل اشتهى خبط الطبيب إذا رأيت حنش يلمع ادري أن آخر بلع إذا عدم الصوف يجز الكلاب ينظر إلى قول الشاعر:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤود
إذا أكلت الخنزير كول سمين إذا غلا القمح اش لو حصا له إذا أصيب القمح أهرق الشعير
стр. 82
إذا كنت فضولي كن في جبهة المخزن إذا كان السخا من الشامل لا يسبقك به أحد إذا كثر همك أرقدك إذا حبك القمر لا تبالي بالنجوم إذا كان معك جار لطيف ادعي إلى الله أن لا يزول وهذا كقول الشاعر:
كنت أشكو من التباعد دهرا ... صرت أبكي من التفرق دهري
إذا دخلت بلد خذ من سير أهل وهذا كقول الشاعر:
وكن أكيس الكيس إذا كنت منهم ... وإن كنت في الحمقى فكنت أنت أحمقا
إذا ترى الأكل إقرب وإذا ترى المقرع إهرب إذا كان الطريق آمن لا عليك من بعد إذا يجي الرزق يجي بدول إذا اشتريت افتكر في يوم تبيع إذا كثر الطير سلح بعض لبعض إذا طارت لا تقله اش
فصل
إش يعمل الكيس في البيت الفارغ وهذا كقول الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
إش يعمل العقرب بين الجراد وهذا كقول الشاعر:
تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد
إش تجي عزيز من القاضي إش ما يصيب الغبار يحمل للدار اشحل تاكل صايم تصبح اشحل نذري أكثر يخصك وهذا كقول الشاعر وهو حازم:
أهل درى عارف وجدي أن ... ما لم يدر أكثر مما قد درى
إش شيء أن لا يدري قال شيء لا ينوي إش أسود إذا قال سيدي أحمد إش دخل ضرط لمنجل إش دخل باسم الله في خبزنا إش دخل قفا لقلب قال العروق متصل إش بين ترنج وبظيخ قال مبيت ليل اش شيء أسرع من البرق قال يدفعني إذا قال خذ إش كلنا حتى نشرب عليه اش برطل واش مرق وش لزم في ساق اش ما كتبت أنت قريت أنا اش بين الأحمق والعاقل قال كشف عورة اش يراد الطاس يبزق فيه الدمك وهذا كقول الشاعر وهو أبو فراس:
ولا أنا راض إن كثرن مكاسبي ... إذا لم تكن بالعز تلك المكاسب
اش لو الشابع من الجايع اش ينفع الضراط عند الموت اش يوصل غربتي لأهلي قال الشاعر:
في الشرق أحبتي ... وفي الغرب أنا
اش الشخينة في يد سلوة إش ما في القدير المغيرف تخرج اش ما وفر العنزي في دار الدباغ يخليه
فصل
اش يقوم حيط من حيط إلا في عمارة اش بنا ألف إلى الذي يجي وراه اش المد قد القداح اش للباز إلا ما حاز اش ينوح إلي مقروح اش في البقير ما تشرب العجيلا إش اطا من طا وهذا كقول أبي فراس:
ولا الفضة البيضاء والتبر واحد ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف
اش للراس أنقى من المس اش تربي الكشفا ولد أحد اش تعلم اليتيم البكا قال الشاعر:
فلا تصفن الحرب عندي فإنها ... طعامي مذ بعت الصبا وشرابي
اش عمل الصور إلى لأبناء الحلال اش تسع العفافي في رأس كل أحد اش ينطب الأحمق إلى فالعذران اش يجي كيس إلا من مشعوف اش يرى الأحدب حدبة إلى متاع غير اش عليه البغل من ركض أم اش يخرج قنديل للريح اش يكل سبع إلى في عام سو إش يقول الحق إلى صبي أو أحمق اش تشبه ضرط لجرقب اش الخل طعام القطاطيس اش يضرب السارق على سرقته على قلة ذريته اش ينبح الكلب إلا قدام دار اش ينفع الحلقين بالراطل اش يصطاد باز قدام عقاب اش يهرب قط من مطباخ وهذا كقول جرير:
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً ... ولو رضيت رمح استه لاستقرت
اش يلوم الشيء إلا من لا يقدر عليه اش يمشي مركب في البر إش تبقى الحم دون مبطول اش يبكي إلى على ما يخلي اش خلف كما تعرف اش يسمعني فالقلب نفسي وهذا كقول الشاعر:
وهل يجمع السيفان ... ويحك في غمد
اش تخرج شوكة بقطن اش يسمع القاضي من سكت اش تغلي قدر في نفسي اش الجراز يكبر اللقم وهذا كقول ابن عمار:
عيرتموني بالنحول وإنما ... شرف المهند أن ترق شفاره
اش كل مدور كعك وينظر هذا إلى قول الشاعر:
أكل امرئ تحسبين امرءاً ... وناغر توقد بالليل نارا
إش يطل الكعك إلى من يد الصناع اش تقع حجة إلى في نفسي إش يأكل الحرام إلا بالاتفاق اش يقول أحد عن قط حزير اش يقال الحق إلى بشواي من باطل إش ينفض الجوز إلى بالمقرع اش قدر للحمار رجع للبردع اش يدري حمار اش زنجبيل اش يقرن الخز لوبر المعز
стр. 83
إش يصطاد الكلب إلا خانق اش يلد الحنش إلا طويل إش زلت الحول حتى أرت الدول اش يقوم كفوها بحفرها اش قطعت أذنيها إلى أن تكون صياد
فصل
اش قال على الطيران أصبتني اش غيرك فالعش
فصل
الله يجعل آخرنا أحسن من أولنا الله يخلطنا مع من هو أحسن منا الله لا يورينا نهار سوء إن نمدح الله يعطينا رزق ويعطينا فاش نجعلوه
فصل
البيان في الفدان خير من اللطام في الأندر الغربيل الجديد أربعين يوم يعلق الناس في العرق وهو يقول المرددوش للغرس المفتح في حربتي والناس في غرفتي الكيس بالسوم وغير ذي سوق الحمار يدري في وجه من يضرط الزلط ما لومروة الكلب الجويل إش ياكل من عظام دار العشت الطيب من بحين تظهر البويل في السرير أقوى صول البيت فيت الجبال لها عينين والحيطان لها أذنين الشيء كثير والشاكل قليلة الفقيه الدكالي اعمل بقولي ولا تعمل بأعمالي اللون يبيع البرذون الناس مع الناس والريق مع الفاس الدراهم تجلب الدرهم المعروف في وقت خلا البيض الشقر كيف السود النقر المريب يقول خذوني قال إبراهيم بن سهل اليهودي:
هيهات لا تخفى علامات الهوى ... كاد المريب بأن يقول خذوني
الزمر فالأصابع السلف مردود وصاحبه مشكور الكركر والعيش المر البالغ لا ترضيه السبع أي يدي اش يدي الجلوس بلا شغل يحمق الحديد في يد الأحمق يمتد التجار مضمونة آكن اش تربح تخسر الكبار ولو كان حصارم وينظر هذا إلى قول المتنبي:
التاركين من الأشياء أهونها ... والراكبين من الأشياء ما صعبا
الغازي والفار لا تعلمهم الدار الظن اللطيف لا تفارق السياط للسيف سلامة الضراط مع الأصم نزيهة الفرن انبنى قبل الجامع الضرب يعلم الرقص وقال ابن الجهم:
ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
المطير في البيض يعتر الكل ذلك الرجل قال الشاعر:
ولا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند
الجالس على الغدير عوام الرهن بيد القصار الحك أوكد من الفلي القرض من العرض والزريع وحد قال أبو الأسود:
فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بعلبانها
الطرق الكبار وإن طالت والعزبات وإن بارت اللقيته الرملي من فسيوه الجيد في قاع السل يبقى الدخول بالمرو هين والخروج منها صاعب والدور والتحليق على الدقيق المقتول منا والدي علينا العوينيت إلى تورك من بعيد تضحك لك وهذا كقول الشاعر:
أصادق قلب المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في لحظه والتكلم
المهدي مقبول ولو كانت قول الطلي من أول شيء ما هو شيء القطيع لي نصرا إذا كان قطع فأخرى الحواجل بالمحفل عربد الشيء فالزين نقص من القول بالعزلة لا ترى ولا تدري الغول إذا نور شهر يدور
فصل
أرى الجبن ولم يرى القط انبت كميمن حتى يزرعك سليمان انصف الناس وشاركهم في أموالهم اقسم البحر يرجع سواقي اربط صبعك صحيح تجاد أورلي حق وكل انطح موسى يقع عيسى أما قيمة اليوم ولولا ما دخل الليل كتخد واحد أو انتي أحول بوقيع يجي من أعمى اسأل العليل ولا تسأل الطبيب اعط الكبش لمن يهنك الكرش أخر العصير سل آخر الصيف قد يرى احتكت الحمار والزيتونة جى منها أهل وخثونة اذكر الكلب يسر المقرع اذكر الحبيب يسر الزبيب اعمل خير وارقد فالطريق أمنا تغري ولدنا يجي بالأخبار أخو من شتى زياد فالأعدى قال أبو فراس:
فأقصاهم أقصاهم من إساءتي ... وأقربهم ممن كرهت الأقارب
اخدم باطل ولا تجلس عاطل اسم على واه اش يغطي رجلي إما نموت بالعطش وإما نمشو فالسيل وهذا كقول أبي فراس:
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
أسير الصلح اش لو فدى أعمش يلعب غبار أعطني قطير نبكي معك دميعه انزل عليه عمك خالك أي وحش تفضي لك أعطني متاعك أو إلى نكسر دراعك اخز الصغار يشعوف الكبار أدب حموا يدق فالجبص ويصفر فالجامع أسود بلا سياط بحال جامع بلا حصور
стр. 84
اكسر قدح يجك أملح أقل للمحروم اتغصص قال بعد العيد أرخص أطيب تينة وقعت في الزيت انتظار المجبنا خير من أكله أيام إن مضت لش تعود أشكرني نمدحك أسلف يطلبك ازوج في غرناطة ومت في بليش انجبرت الخرجير بصاطل أضعف ساق الله يكسار وهذا كقول أبي فراس:
رعى الله أوفانا إذا قال ذمة ... وأنفذنا طعناً وأثبتنا ضربا
إبليس بلا بطاق أدرى إذا بطق لو افتح كرنب سلقتكم إن اللحم غالي أما تستر الثياب قال أبو فراس:
وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئاباً على أجسادهن ثياب
إن حضر إش يشور وإن غاب إش ينتظر قال الشاعر:
فيقضى الأمر إن غابت تميم ... ولا يستأذنون وهم شهود
اقرأ النقيض مع كل أحد تفلح اخرج عن بلدك وبل بالواقف ارم أحدب (تجد أحدب) وهذا كقول الشاعر:
وليس يهلك منا سيد أبداً ... إلا افتلينا غلاماً سيداً فينا
انتظر من توعد يجك من لم تظن به أي م يمشي المحروم بقليه فحص يجاد اشقطير تحت يد فونير ارحموني خضر والمحيرم إلى على الحمار ارحمني وارحم جارتي متى الساحل احبسوا لي ذا الحمير ندخل في الشرير أعجز أولادك شياع للحطب اتبع القليبق حتى تعميه أنا أمير وأنت أمير فمن يقود الحمير قلت الكلب قال الكلب لذناب آخر لقمة عجين أكل فقي دون زريب امدح العوام ولو كانوا أعاديك أعطني مميز تنفق عليه قال المميز ينفق على روح أرنب تأكل لحم قال بالي بجلدي كنخلص وهذا كقول الشاعر:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
حرف الباء
بحال من مضال ما شط وأصاب حمام بحال غازي لا ينكرك ولا يعطيك بحال سوق بلش فالهبط بحال بندق أكبر من الذي عمال بحال موج إذا أراد يجوط يجوط وإذا أراد يموا يموا وهذا كقول الشاعر:
فإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا
بحال رخام يسكت عام ويقول نسلح بد كيبوس اجعل من فوق هبط من أسفل بحال فخار إن معيوب زوج في واحد بحال أمشاط طول النهار ويبيت الليل معنقين بحال من سعى واهتر فل بحال فاس يخدم باللقمة بحال استرنج في فج بحال خروف جنان بحال فرس القيوني أول خرجت اش يعجبك وما مضى يخلى بحال ميز غمارا نفسي في كدى بحال فروج يدن واش يصلي بحال عرس إبليس يسمع واش يرى بحال شرطي يأكل معك ويكسر الصحفة بحال قنديل يضي للناس ويحرق روح وهذا كقول الشاعر:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... نبى بطنها هذا الضلال عن الرشد
ويشبهه أيضاً قول أبي فراس:
وأظمأ حتى ترتوي الأرض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
بحال صياح بليل عمد ولا من يخرج بحال أعمى لا ندر أن مدري بحال عجوز لقول الباطل بحال اشقرا أكن اش تتكلم تهز رأسك بحال قفه نبي تصل للسقف وترجع بحال فرس سلطان مليح وعاقل بحال (حانوت) فخار فالبسيس فالولح بحال برغوت الأكل والقرك والكفن بحال رحا ابزازر يدور على الشميل بحال يهودي في غضب الله بحال محروم في مال بحال شريط تكسى بالنهار وتعرى بالليل بحال شمس فخندق بحال بلوط زوال الششتى وارم في النار بحال بقير الجاموس القرن والحفى والرقاد في المي بحال طيز فيز فرد اذن وميت قرن بحال من يرقص ربيب كبير أو فلى كبير بحال سوس ياكل واش يشروب بحال عزى في حبس بحال فسيس في جنين بحال غربيل شدق وشاعر بحال جرعود رأسه في الخرا وذنبه مرفوع بحال قط باخراص بحال ضبيه وترمي ومصارن بحال قنبر الخوا والفرج
فصل
بيدم التمق حامد الرامي أخذ الحصن بيدم ويجي الترياق من بيت المقدس يذهب صحيح الوجع بيدم تمتد مرى يرقد زب خوان
فصل
برور الشيخ بيد وهذا كقول زهير:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
بين الأخ والخالا يمضي الابن خسارا بل صاف وادخل أصباعك في عين الحكيم بالكيل الذي تكيل يكيل لك بيع القط فاليد فالذنب بدلة لون أحسن من معسل بنخالتنا نستغني عن درمك جارتنا بين أخذ الدك وإطلاق ينكسر ساق
стр. 85
برج أبو دلامة إن ترق إليه ترق بالطول يتمشى المبطول بنيان العمالق بالخرا والطرج بدل جنب تصب راح بيدق حاشي خير من لا شي بطن يدل أي صنيع تشكل بشي لك قل بكل شي بالجديد يغني برطل في فمك أحسن من مي ذهب في كمك بشهوة للموت أصبح في المقابر برج حمام أبيض من برا أسو من داخل
حرف التاء
تحلق ابن بياضة تقع سري فالخنقيق تربية الحبس لا أدب ولا شكل تعرف الخيل ركابه تاجر بلا قطاع قليل الخروج ترد أم حكم إلي استنجت بيد المهريز تبيين الواضح فاضح تحليق للجنة خير من المقصود للنار تنظيم قناوة جوهرة وفوقنة تنبرت مرماد أطم من فسوة مجذم تد تكسب عدو ضريل سير وانقطعا لو تد تربح لا تفتح تد تعيش كثير لا تطلع ثمار ولا تهبط في بير
حرف الثاء
ثوبي فالعنق من أمارة الحمق ثوب العير لا يدوم ولا يدفي ثوب العير قصير ثمار ريش ذل بلا طعم
حرف الجيم
جي يدعي لرب خرق الفروج في عين وهذا كقول الشاعر:
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
جي يعمل حسنه خرجت لو سيئة ويشبه هذا قول الشاعر:
إذا لم يرزق الإنسان بختاً ... فما حسناته إلا ذنوب
جي يعمل حكمة عمل نقمة جي يفسي عمل بو
فصل
جلسة خير من أكله جندون حر يسبح بالسلح في فم جول نجول للشرق أولا جوب أن تهدا بشابع لا عليك من جواب أبناء القحبات السكوت قال الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
جراد في يدك أحسن من يرطال يطير جويجل منصور تسمع من وراء السور جوزني ذا الخندق واذبحني في آخر جنيزت يهودي الجري والسكوت جن رمل أسود مغبر جمل بدرهم وأين الدرهم
حرف الحاء
حاج بقطاع يهودي يقضيها حاجة إن لا يدري بها جارك فاضل هي صاف حكم العزيز حديث إن شاط في حاجة إن يسيرة حسب دبوري لا قر ولا عسل وهذا كقول الشاعر:
هو الكشوت فلا أصل ولا ورق ... ولا نعيم ولا ظل ولا ثمر
حوت الشمال اش لو شوكة حزن الجماعة فرح وهذا كقول الخنساء: حمار بحمار أحسن إلي يدل الدار حبل الدقيقة وحدت السبيل حقنا اش نصلول نطلبو عبار الوزانة حمورا فالوجه ولا تخم فالقلب
حرف الخاء
خذ من الموقف ورد مشرف خذ السارق قبل أن يأخذك خذ فالأحمر خذ فالأصفر خذ من يد وبقط في الحيط خذ بالموت حتى يرضى بالحمى خذ واش تجعل قال المعري:
إذا ما النار لم تطعم ضراما ... فأوشك أن تمر بها رمادا
خرج الغزق أكبر من الزقاع خرج خروج الوبر من العجين خرجت الشبعا في العرق خرج خروج حضرى اصباع في قفا تجرى خبز الشرك داع يحترق خبز المقيت مرتى يطل خبز أرملة واحد أو صغير خلي جدي وجدك وارجع لجلدي وجلدك خل من قال خير فالناس غير خير السلع ما عجب المشتري خبطناهم على البول سلحوا خفت عليلش إلى اسقى لاح بالدرج وثنى بالغرفة خادم شنوع شاقى ملعون خليفة موسى العطار ماعك حنة خير الخير عاجل قال الشاعر:
خذوا ما أتاكم به واعذروا ... فإن الغنيمة في العاجل
حرف الدال
دقم وشفتي مقادلهم لي دقم دوة الحبس دخلناهم ارمينا عليهم جردونا دع النيس يصير أكديس دنيا بلا أكل أخرى أحسن منها دردورا وارجع لقورا
حرف الذال
ذيب التهمت الجد لثقب أذنيها وهذا كقول المعري:
أبعد حول تناجي النفس ناجية ... هلا ونحن على عشر من العشر
ذيب عول انبهك الطوس ذكروا الأواني قام البسيس قال تراني ذكرت المدون قامت اللقون ذا الجواجل على بزغات هيت
حرف الراء
رأس بلا خرب قراع أحسن من رأس بلا عينين ما يسوى حبتين رجع حسن كما كان رجع الخرا لمجراه والعبد لمولاه رى عيشه إلى باعت مدينة بسيول رى قحبة ان سكرانه طرفه محلول ووسطه مبلول رضى الشرطي بالشرطنة وم يرضى بالبرصنة ركض الحمار ومات رخيص كسر القراعة بموت الفار رحم الله ديك الحمير إلي كيسلح الأنجاص
حرف الزين
زد للمليح مرود ويتغد
стр. 86
زيد للطين بلة زاد الله للكدس كديش زياد للقراح قطاعة البراح زقلي مقلي اش تقم خدمتي بأكلي زبلين احشارش أربعة على بفقارش زواج أهل بسطه بالحبال فالأقارب زواج مباطل يقلب لواحد صحيح زوجني واضمن لي بخت زجة نافذة خير من سقام وإن طويل زبل خراز لا للجنان ولا للفدان زن الطرار يلتهم لروح زد النقيلة فالقيلة زامر قرى لش يلهى وهذا كقول الشاعر
واطو المراحل عن أرض تهان بها ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
حرف الطاء
طلع الريح من شرونه طلع في قصيبة سنبل طلع لو الشرق من المغرب طير عين وادهن لو بشحيمة طالع البكور أسود بالفاضل هو طالع البكور أسود مخطط طار طيرك وخاد غيرك طربتنا فرحناك طاق طاق أحسن من سلام عليك وهذا كقول أبي فراس:
لقد قنعوا بعدي من القطر بالندى ... ومن لم يجد إلا القنوع تقنعا
حرف الظاء
ظنى به صيدون قيد ظنى متجروه فالرسميل ينقر ظالم أو مظلوم مع متاعك تقوم ظالم بظالم البادي أظلم ظهر الفساد بذنوب العباد ظلام الليل يستر الوبل ظلمة الهم أشى تضي بقنديل
حرف الكاف
كل من يجى فينا يتهجى كل شيء فيه مليح حتى بويلت فالطس تصيح وهذا كقول الفرزدق:
فيا عجباً حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع
كل أحد يضم النار لخبيزه كل طريق للجامع ينفد وهذا كقول الشاعر:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد
كل واحد لأصل يرجع وهذا كقول الشاعر:
إن يتخلق امرؤ لك لا يدم ... وتغلب عليه عن قريب طبائعه
كل موجود رخيص كل ديك في مزبلة أمير كل شهر إن لش لك فيه زرق لا تعد أيام كل أقرى بلى كل شيء في وقته حتى البليط ينير كل أحد يدري من أش يوجع راس كل أحد في شر غير حليم وهذا كقول الشاعر:
يصيرني أن ضقت ذرعا بهجره ... ويجزع ان ضاقت عليه خلاخله
كل ما هو باطل يعشيش فيه البراطيل كل أحد يعجاب غينه كل برطل على سيوله كل بلد وهلال وكل زمان ورجال كل أحد في سوق يبيع حزوق
فصل
كلب الورد لا يشم ولا يخلي من يشم كيف ما يبيع السارق بالفاضل هو كيف دفن جحا أم لا للظهر ولا للعصر كم من حمال على ذا الميت كم من سلامة في طرق الغدر كثرة الوصية من قلة الاطمأنينة كثرة الاطمئنين تولد القرون كلام عمي أحمد شط بارد بلا فايد كلام بجواب اش ينتقض من كلام الحبيب يبكي ومتى العدو يضحك كن حبيب امليح ولطام الريح كرار يخرج ضرار كنا أصدقا صرنا معارف كل البقلة ولا تسأل عن المبقلة كذا وجدنيها وكذا نخلوها كيكون ذا الغرس في مرس كيجي ابريل يصيب بكير كلاب الحدادرين يرقود للزبار ويقم للقم
حرف اللام
لو زويج الكلب ما نبح لو كان فالغراب خير ما يكرموه الصياد لو جا أحسن مننا كينكسر فالطريق لو كان فالبوم خير ما كيسلم على الصياد لو مشى للبحر كيصيب مرج لو كان ماع أسود عاقل كيعشش في قراع لو دري السارق ما يدري صاحب الدار اش كيقدرل أحد لو كان فالبراني خير ما كيرمي ومن الكرنب لو جى الرزق بالطيب ما كيحل أحد لو ردت خبز وزيتون حرة داري كنكون
فصل
لولا حاجتي ما زرتك يا جارتي لولا أبناء القحبات كيمش السبع فالسوق لولا ما أصبح كيعسلج
فصل
ليلة بلا عشا ما تخلف أبداً ليلة هيت مع معربد اللحم اش فالسوق فدا الأحرش مني لقا ما يلقا فلو العطار إذا أهرق الربعا لسان العز فصيح لبد بحال شيخ على بليط للضراط مفاصل ليس البديل بيذق بفيل لطمة الجار مخلوف
حرف الميم
من بغض الكسبور في شارب يكبر من بغض يد قطاع من يعمل ما يريد يلقى ما لا يريد من وفر الزز في رقابة تحصل وهذا كقول زهير:
ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
من ملك مل وابزق في دل وهذا كقول امرئ القيس:
وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
ومثل قول أبي فراس:
стр. 87
إذا الخل لم يهجرك إلا قلالة ... فليس له إلا الفراق عتاب
من أراد كل فات جل من حب السقا قلال وهذا كقول أبي فراس:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
من لطم يد لخد إش ماع لمن يشتكي من وقع في البير يقلل بالدعا من حصل لا يطرب من خطبك أزواج من اتكل على أديم جارة تصبح قشيرة على الغطا من هددك ارقد في بيب دار من خرج غروف انتف ريش من خرج عزيز حان زز من جاء بوحده لا تلعبوه من ردت عليه بريش لا تعامل إلا بالنتف من زاد عليك بنهار زاد عليك بخبار من رفع من غديه لعشيه لشي ينتقموه أعديه من عمل الخصلة قال ولد سهل قال سيف سدموم من عمل الذنب لا ينكر العقوبة من ضرا لعق العسل يمشي باصباع معوج من مات من شبعة لا أقام الله منها من لا ماع بالي اش مع من جديد قال العرجي:
سميتني خلقاً لخلة قدمت ... ولا جديد لشخص ما له خلق
من دخل بين الظفر واللحم ينتن من صبر ظفر قال الشاعر:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
من عام قلوق يفتي فيه من توضأ قبل الوقت يصلي فالوقت من عليك أن تفارق لا تخاسروا من ربا جرو نجر عواقب وهذا كقول المتنبي:
ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
من مدح العروس قال أمه وخالته من تزارع يقلاعه من لا ماع راح اش ماع تجارا من انتلفت انسيل تدلك أعميل من عطا ولم ي o أخذ طلب ولم يعط من كذب مرة لا تصدق أكثر من خيرك حيرك من باع خبيز يعطيه لش ياكل وهذا كقول الشاعر:
والناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
من ماع مغرافة اش يحترق يد من ماع فالفرن راس ما يجيه نعاس من هو عبد الله في عباد الله من هو برناط في جنوا من أمنك لا تخونوا من اختلط مع النخال أكلوه الكلاب من رق أم في سوق النخاسين يسمع من نهاقه ومن ضراطه من لا يشكل قفيل يشكل جبيل من لا يسمع من كبير يرجع السلح تصير من هو نصيب جناح اش يخد صدره من صفت فطاع فشياع من قدم زيب يصب قنديل وهذا كقول الشاعر:
خدم العلى فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم
من عرفت كسوته جاز عريه من لا أرى في دار أم حينه يتعجب في قبة الفرن من صبر على جوع بلاد ينال من رخاها من ماع ترقجه لينير يرفاعه من هو عيب في وجه كيف يخفى من اهترق زيت في دقيق يعمل كعك ويكل من دخل بلا نفقة خرج بلا أجرا من لا يقبل النصيحة أوغيه من لا ينفع ادفع وهذا كقول حازم في مقصورته:
والبعد مما لا يفيد قربه ... فائدة حقيقة أن تقتنى
من افتقر اتخلص من واضب الرحا يطحن وهذا كقول الشاعر:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
من غاب عن العين غاب عن القلب من غاب خاب وأكل نصيب الأصحاب من اسطحى من بت عمه اش تنفس لو ولد من كثرة صناع قلت قطاع من لش ينفعك حياة فموت عرس وهذا كقول الشاعر:
والمرء ما لم تفد نفعاً إقامته ... غيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر
من غر الرخيص وقع فالرخيص من بدل يخسر العريان من بدل لحيته بأخرى خسر الاثنين من عمل حزمة إن ثقيله لعنق بحماله من اشتغل بوتدي واحد يسع في سواه من قرا لش يشقي من لو حاجه يغير الحجة من لا يبيت اش ينتظر من عمل بحمق يحمل لعنق من هو في سعود النميلة تقود من كثر بنات كين الكلاب اختينوا من بنى في غير بلاد لا لو ولا لي من عاند حمار الوحش ينقطع في صفاق قلبي وهذا كقول الشاعر:
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويطمع أن يأتي بها بضريب
فصل
من طيور غافق يجي يسلح وينسى الطيران من بني أميه يرى النعمة ويضراط من إل فزع فيه وقع من أي ما يدور القمح لعين الرحا يرجع من طيب الجنة ومن رطوبة الكف من درج لمدرج حتى لقبة الفرن من بي لبو حتى لضراط من قنطار من اهنا لغداكم من أمر ينقضي قال الشاعر:
стр. 88
ما بين غمضة عين وانتباهتها ... يصرف الحال من حال إلى حال
من ذا العيب انباع ذا الدار من كثرة المصائب رجع الأعدا حبايب قال الشاعر:
يا ويح من يرثي له الشامت
[من] النقط تتلف الأودي من خلاع بجينه يدرس الزرجونة ويشكر من الله جيت ذا السفنجين من أين ندخلك يا نص خبزه من شيت تتنوع
فصل
ما لا يقضى صعب ما أطيب العرس لولا النفاقة ما بعد السماس صباغ قال المتنبي:
والهجر أقتل لي من أن أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
ما بقى للسقا فالويد الكبير ما يغلك فالزق بقله ما كان أول شرط كان آخر سلامة ما بعد العصر ما ينتظر وهذا كقول الشاعر:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ما أهين ما هو الحرب عند النظارا ما سوي ترس ولد مبارك ما يدري قيمة للشيء حتى يفقد وهذا كقول مهيار:
ما كنت أعرف ما مقدار وصلكم ... حتى هجرتم وبعض الهجر تأديب
فصل
متى دخلت القصر قال أمس فالعصر متى يعمل أبو فسس عسل متى تريني وخرني نهار متى كان الباز نديم الرخام
فصل
مع من تسكن بحال تكون مع كل ريح إقلاع وهذا كقول الشاعر:
صعدة نابتة في حائز ... أينما الريح تميلها تمل
مع ساعتك كن وهذا كقول الشاعر:
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
فصل
ميزت الكلب وما تميز وبر وهذا كقول الشاعر:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
مدغ الزفت أسود على البطن مسروقة هي ذا الغنم منك فيك يؤتي عليك قال أبو فراس:
فأقصاهم أقصاهم من إساءتي ... وأقربهم ممن كرهت الأقارب
مشرب رحا تطحن قال للسعي جت مشغول هو الفول بنوار مر إلي مشت الحمار بأم عمر ولا الحمار رجاعت ولا أم عمرو سمع له خبر مضى الحايل وبقي الفدين منت عيش بدشيشه البارد ماعك ما تاكل قال لا وما تغرم قال ندبر فيه محمد بسراول ولد مت مع الناس ولا تمش وحدك قال الشاعر:
ولو أني حبيت الخلد فردا ... لما أحببت بالخلد انفرادا
ميت بلا نياح قال آخر الليل تسمع الصياح من ريح ومن بريح مدحنهم حتى سلحناهم من أمس في الرماد يقع است برغيفه محبة الرايس فالقلاع مسمعين إلي يا السلح أو أخوه متعلم قرين وقبح زبلح مسلم ضاع يهودي أحسن من مليح ويغني مشينا لمصر إن تعز صبنا الفقهاء ثم يزر منقر اللحم معوج هيت
حرف النون
نفس في القارب قال من سرق القيدوم نفس على الحاج صاحب المتاع
فصل
نحن نقرو ولش نفلح إدعي إذا نفنوا نحنا نبخروها وهي تنتن نحن نتقارب على الميس واه فطلب عقيد
فصل
نكونوا نفسي نسيروا صفي نمل الشجر يمشوا مع الملى ويجي مع الفروع نزل مع الجحترق الأخضر نصحنهم فما قبلوا نص غبار تكفي للأعمش نظر الله وم يعطي للمعز ذنب لش يغطي سوته قال الشاعر:
فلا حسب فخرت به لتيم ... ولا جد إذا ازدحم الجدود
حرف الصاد
صفا ما طبخ صفا عرس سليمان من لو يسعى سعى صفا حبي من عتاب
فصل
صاحب بخسار عدو أحسن من صاحب مدينة فتشني عندك أحد صاحب الدابة أولى بمقدمها صاحب الحاجة أعمى قال الشاعر:
صاحب الحاجة أعمى ... لا يرى إلا قضاها
فصل
صحبت الأسيود يشجعني برق عين وفزعني صاحب هو الأكل حتى يفتدي صدف خير من وعد صاحب العمش للمرى صار البير يعير للمهريز يقل مريا محفور قال المعري:
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجا يا ليل صبحك حائل
حرف الضاد
ضريبت الحبيب محبه ولو كينت بمرزبه ضربة في جنب غيرك أو في الحيط سوا ضربي هي الصخرا بالقطارا ضبة صالح إلى حمالة الناس فالسيل ضرطت لكم اغفروا لي
حرف العين
عاد الفاخر لداخل عاد يجي من موسى رجل على ساحل كيسك تمد رجليك على وجه البهيمة تميز زبدة على فرد است نبول
стр. 89
عيشه اش معه ما تلعق على الجريز تصدق عيشه تعطي متاعه من يمناعه عينين ضراط في حميم عيني واش بكيكم عين إلا يرى قلب إن لا يوجع عنب السبيكة أسود وبارد عنب الغروس أبيض مسوس علش خطبوه قال هم يدروا عزك الرايس وعطاك دويرا فاحشا عجينة مرتين أخذ الجوع أكله عيبك أولا رد علي عش نهار تسمع خبار علة من الحنكة وأخرى من الجري وهذا كقول الشاعر:
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
عريان يجري ورا مجرد عزة الزمار يمشوا ركبان يجوا على ساقيهم عنكبوت يلعب ركض عرضت الجوهر على البصالين قالوا عندنا ما هو أجل وأنتن عود البرقوق أسود معقد عند البطون تذهب العقول عد سبع أضالع وانحر عمد يالفقون من فوق تكون عند الحقيقة تنحل البنيقة عطى للبربري شبر طلب دراع عطيه ذراع طلب مرى فاش يتمتاع وهذا كقول الشاعر:
وهبت على مقدار كفي زماننا ... ونفس على مقدار كفيك تطلب
حرف الغين
غزر الشد حل غزر الذهب يحمق غزر العم يضحك غزر الجفا يقطع أصول المحبة غزر الأيدي تخرق أست النفيسة غزر الجراد يرخص القمح غزر الصحبا تسوان قال حبيب:
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
غالي السوق خير من رخيص الدار
حرف الفاء
في فم خالك ما تقبل وما يبقى لك في ساقي ولا في السباط في كل قرية بلية فأخر عقد يضراط النجار فالدنيا اش يندك في الآخرة نبلغ لك السليم فالأواخر تكبر المفاخر فالوجه مملاسه فالقفا مكناسه فرخ القق واحدو مطيار فرخ الصقر مبروم محروم فرخ أبو جعران لورا لورا فضول فن أكره قال أناجيت باطل فضول في رحا عبدون فدين بشريك ما ياكل من فريك فاران قلوق ما يجي من طوبه فم نحنا أي كنا وكشف العورا زياد فول في قاع مطموره قفا فحر كلب أحسن من فالأموال ولا فالأبدان فارح بأحزان فالإشارة ما يغني عن السؤال قال الشاعر:
قد كان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
حرف القاف
قم من المكين قد جي من هو أحسن منك قم أجدتي أنت أخف مني قال الشاعر: قيراط البخيل ألف مثقال هو قيراط للسوق وتزول شهوة الدنوق قربوا لي نعجن لكم قبل فم تنسى آخر قرد مهاود خير من غزال ان نفور قيحط لي نجبن لك قسمة حنش النصف لي والنصف بيني وبنيك قشيرة بلوط من الله يعطيك تهيك قرقول من سعا قليل ويدوم خير من كثير وينقطع قفل على مقبض قل قل للحمار سير حتى تجوز الواد قلبي عليك ملى كلفتي وترى قرابة من شوق أهل قلوق ما يطحن فارحا قصب الفول شط خاوى قبر يهودي شط ضيق قنديل الرحى لا يضيء ولا ينطفئ
حرف السين
سود باخفاف من الخلاف سود زنت معز فست سلامة القدر شيء محمود وهذا كقول الشاعر:
ومن تعرض للغربان يزجره ... على سلامته لابد مشئوم
سلامة الفنقع لا تضر ولا تنفع سبع أخوا على شربيل مرتاين وقالوا أراه على الغربة سليخة ودم وزيل الهم سوم سوعداوا سارق ويبغض السراق قال أبو الأسود الدولى:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
سعد يزوي حراك يزوى سلام عليك قال يجيك من خديك سفر فالشتا نقيمة الأعداء ساكن حلوى لين قطع سخر العاجز يرجع كاهن سيف ينير يبرق وش يقطع سوه ألم تضرا سراول يجيها الحال صعب وهذا كقول الشاعر:
وما كنتم عودتم الصب جفوة ... وصعب على الإنسان ما لم يعود
حرف الشين
شيخ الخناقين أكبرهم أحمقهم شيوخ بجاية يحن ولاش يرحام شرى الجبن فالمراحل سعيه شرى فقيه طيب ورخيص وموصل للدار شغل العكرك لا يعجبك ولا يسرك شوكة مع عروجة يجي منها بطلان شمس الله أكثر من شقاق القصارين شقفه بلقفه شوارد جيجة شقف وخرابة شرب الخل ولا العطاله شرب الدويب يعكر المي شرارا تحرق بلاد شحم قرد لا يكل ولا يدهن به شجرة ابلش كل من يجي يعلق مزيود
حرف الهاء
هند غمار يعطي الجزى للرصاص هشوش ما يقضي حلفه
стр. 90
هم الزاس أوكد من الأضراس هم الغدى والعشى ما يتم أبدى همك ثقب الطاجين همي وهم الناس متى نفلح هم البنات للممات هرب أخزاه الله أحسن من قتل ﵀ هو يقل اش نبت شي وهو يجرد سراول هو ولا تخبط هدرة حاوي لا تهولك هز المحسا في زر الخيل يقوم المدبر بالزوج هم عجنوها وهم يلطموها هرب إلى قاله هل أكسب مالا هل أموت غريباً وهذا كقول امرئ القيس:
فقلت له لا تبك عيناك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
حرف الواو
واحد مرق وآخر يسعى فيه وهذا كقول الشاعر:
ولجندب سهل البلاد وعذبها ... ولي الملاح وحزنهن المجدب
واحد سوط وآخر ارتعش واحد مرمي واتبع البقى واحد أمير وآخر يقود الحمير قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
واحد بمصران على دراع وآخر يقل ارم طريف للقط قال الشاعر:
كعصفورة في كف طفل يسومها ... تذوق حياض الموت والطفل يلعب
واحد يقود وآخر يضرب بالعود واحد يقول وآخر يزكي وصل الحمار للماء اشرب أو فلا شرب وصل الكداب لباب دار واطليق وفي الأحمق خير من عطاه وجد المقالا فقالا وجه الا يرى ألف مثقال يسوى وقع الحك وأصاب غطاه قال الشاعر:
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام
وبر من است الخنزير خير ان كثير ولدي وعبدي على قرض سعدي ولدي بلا لقم بحال جنز بلا رشم
حرف لام الألف
لا تقل واحد حتى تحصل في العدل لا تلطم من دنا أجل لا من الكلاب ولا من الصياد لا مع الطيور ولا مع الوحوش لا ستي شيء ولا سيدي شيء لا ديري ولا حب الملوك لا است ولا طوير لا تكذب إلا على ميت وهذا كقول الشاعر:
نقدت على المبرد ألف بيت ... كذاك الحي يغلب ألف ميت
لا بشطاط عزيز ولا بقصر ابنته لا قربة ان تهدي ولا زبد ان يجتمع لا صبي إن يحفظ ولا أديب ان يعذر لا مع أم ولا في العرس لا حاجة إن قضينا ولا وجه ان بقينا وهذا كقول الشاعر:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا
لا تلهم الدب لرمي الحجار لا ترى القرد في طلوع إلا في هبوط لا تلم العصير حتى تقلع النويله لا راحة مع عقاب لا يجاع الذيب ولا يظلم الراعي
حرف الياء
يبيع النهار ويشتري الليل يطلب بجاجن في اسفنج يطلب الاسفنج فأطراف الذرو يعمل من الجريح قريح يا علي بياع الدقيق يعقل يدخول بين الظفر واللحم يفرق مال على متعلمين يدخل الجنة برحمه رب يزين الحبس حتى يتمنى فيه رقدا وهذا كقول حبيب:
وتكفل الأيتام على آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
يتكي على رزق بالوظف يعيش فالخنزرا باطل يا زايرين العصير أي كنتم وقت الزبير وهذا كقول الشاعر:
أفي الولائم أولاد لواحدة ... وفي الكريهة أولاد لقلات
يخدم جهنم ويموت بالبرد وهذا كقول الشاعر:
جل حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما
يخلي الصيد ويتبع الأثر يضرب في حديد ان بارد يطلب الغنيمة فالهزيمة يبني قاصر يهدم مدينة يضرب الطبل تحت الكسا يوقف زول إن ناقص للحيط يسرق مع السارق وينوح مع صاحب الدار يرقي يد لعين الشمس يغسل البول بالسلح يقسم السلح بعظم الجيفة يميم سهل يكل رزق بالسكوت يقل لك اش هنا شيء.
قال الشاعر:
لا لا أبوح بحب بثنة إنها ... أخذت علي مواثقاً وعهودا
يجعل الله لكل شيء سبب قال الشاعر:
نذم من جهلنا الدنيا وتعجبنا ... وكل شيء إلى شيء له سبب
يغطي عين الشمس بسلم قال زهير المهلبي:
وإني لأخفي منك ما ليس خافيا ... وأكتم وجداً مثله ليس يكتم
يربى الحمار من النعايم الكبار وهذا كقول الشاعر:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا
يد إن لا تقطع قبال يخرج من الورد شوكه ومن الشوكة وردة
الحديقة السادسة في الحكايات الغريبة والأخبار العجيبة
وفيها ثلاثة أبواب:
стр. 91
الباب الأول في الحكايات المستطرفة والأخبار المستظرفة
كان الحجاج قد استعمل مالك بن أسماء بن خارجة، على الجزيرة، وكانت أخته هند تحت الحجاج، فبلغه عنه شيء، فعزله، وبعث إلى أهل الجزيرة، وأمرهم أن يقولوا: ظلمنا، وأخذ أموالنا، فقال بعضهم لبعض: حتى الأمير يغضب عليه اليوم، ويرضى غداً، لا تتعرضوا لذلك، ولما دخلوا على الحجاج، قدموا شيخاً لهم، فسأله الحجاج عن سيرته فيهم، فأثنى عليه الشيخ خيراً، فأمر به الحجاج فضرب مائة سوط، فقال الباقون: كذب الشيخ، بل كان يظلمنا ويأخذ أموالنا فقال مالك: أيها الأمير، مثلي ومثلك، قال: قل، فقال: زعموا أنه كان أسد وذئب وثعلب، اشتركت مرة فيما تصيد، فصادت حمار وحش، وظبياً، وأرنباً، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا واعدل، فقال الذئب: لك الحمار، ولي الظبي، وللثعلب الأرنب، فضربه الأسد، وقطع رأسه، ووضعه بين يديه، وقال للثعلب: اقسم بيننا واعدل، فقال: الحمار لك تتغدى به، والظبي تتعشى به، والأرنب تتفكه بها فيما بين الغداء والعشاء، قال الأسد: ما أعدلك في القسمة، من علمك هذا؟ قال: الرأس الذي بين يديك، فضحك الحجاج، ورده إلى موضعه.
وصعد خالد بن عبد الله القسري منبر مكة يوم الجمعة، وهو أمير الوليد بن عبد الملك، فأثنى على الحجاج خيراً، فلما كان في الجمعة الثانية، وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان، فأمر بشتم الحجاج، وذكر عيوبه، وإظهار البراءة منه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان يظهر من طاعة الله ، ما كانت الملائكة ترى به فضلاً، وكان الله قد علم من غشه، ما كانت الملائكة قد خفي عنها، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه السجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه، وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له فضلاً، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين على غله وغشه، على خلاف ما أخفي عنا، فلما أراد الله فضيحته، أجرى الله ذلك على يدي أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله، ثم نزل.
ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر، بنهر أم عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل البصرة، فقال غيلان: أجل، يا أمير المؤمنين، يتعلم العوم فيه صبيانهم، ويكون لسقيهم، ويأتيهم بميرهم، ثم عاد غيلان، فساير زياداً عليه، فقال زياد: ما أضر هذا النهر لأهل هذا المصر، فقال غيلان: أجل يا أمير المؤمنين، تتهدم به دورهم، وتغرق به صبيانهم، وتكثر لأجله بعوضهم.
ويحكى أن حاتماً نزل به أعرابي، فبات عنده جائعاً، فلما كان في السحر ركب وانصرف، فتقدمه حاتم، فلما خرج من بيت البيوت لقيه حاتم متنكراً، فقال له: أين كان بيتك البارحة؟ فقال: عند حاتم، فقال: فكيف كان؟ فقال: خير مبيت، نحر لي ناقة، فأطعمني اللحم، وسقاني الخمر، وعلف راحلتي، وسرت من عنده بخير حال، فقال له: أنا حاتم، والله، لا تبرح حتى ترى ما وصفت، فرده، وقال له: ما حملك على الكذب؟ فقال له الأعرابي: إن الناس كلهم يثنون عليك بالجود، فلو قلت شراً، لكذبوني، فرجعت مضطراً إلى قولهم؛ إبقاء على نفسي، لا عليك.
وأمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شراعة من الكوفة، فلما قدم عليه قال: يا ابن شراعة، والله، ما أرسلت من الكوفة إليك؛ لأسألك عن كتاب الله، وسنة نبيه، قال: يا أمير المؤمنين، لو سألتني عنهما لوجدتني حماراً، قال: أرسلت إليك؛ لأسألك عن الفتوة، قال: أنا دهقانها الحكيم، وطبيها العليم فسل عما بدا لك، قال: أخبرني عن الماء، قال: لابد لي منه، والكلب والجمل يشاركاني فيه، قال: فما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته إلا استحيت من أمي لطول ما أرضعتني إياه، قال: فالسويق؟ قال: شراب المحرور، والمسافر العجلان، قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: مرعى، ولا كالسعدان، قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش، ضراط كله، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي، جلت عن المثل، تلك التي تزيد الدم إشراقاً، قال: وأنت يا ابن شراعة صديقي، إجلس، أي الطعام أحب إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير أن أنفعه أدسمه.
стр. 92
وكان أعرابي قد تعشق جارية، فقيل له: ما كنت صانعاً، لو ظفرت بها، ولا يراكما غير الله؟ قال: إذن، والله، لا أجعله أهون الناظرين، لكني كنت أفعل بها ما كنت أفعله بحضرة أهلها، شكوى، وحديث عذب، وأعراض عما يسخط الرب، ويقطع وصل المحبوب، إذا سمح لمثال هذا، فعصيان النصيح واجب.
وحكي عن بشار الطفيلي أنه قال: رحلت إلى البصرة، فلما دخلتها، قيل لي: إن هنا عريفاً للطفيليين، يبرهم ويكسوهم، ويرشدهم إلى الأعمال، ويقاسمهم، فسرت إليه فبرني وكساني، وأقمت معه ثلاثة أيام، وله خلق يأتونه بما يأخذون، فيأخذ النصف ويعطيهم النصف، فوجهني معهم في اليوم الرابع، فحصلت في وليمة، فأكلت وأخذت شيئاً كثيراً، فجئته به، فأخذ النصف وأعطاني النصف، فبعت ما وقع لي بدراهم، فلم أزل على هذا أياماً، ثم دخلت يوماً على عرس جليل، فأكلت، وخرجت بشيء كثير، فجئته به وأعطاني النصف، فلقيني إنسان، فاشتراه مني بدينار، فأخذته وكتمت أمره، وأخذ جماعة الطفيليين وقال: إن هذا الطفيلي البغدادي خان، وظن أني لا أعلم ما فعل، فاصفعوه وعرفوه ما كتمنا، فأجلسوني شئت أم أبيت، فما زالوا يصفعوني واحداً بعد واحد، يصفعني الأول منهم ويشتم يدي ويقول: أكلت مصيرة، ويصفعني الآخر ويشم يدي ويقول: أكلت بقيلة، حتى ذكروا كل شيء أكلته، ما غلطوا بزيادة ولا بنقصان، ثم صفعني شيخ منهم صفعة عظيمة وقال: بعت ما أخذت بدينار، وصفعني آخر وقال: هات الدينار، فدفعته إليه، وجردوني الثياب التي أعطانيها، وقال: أخرج يا خائن في غير حفظ الله، فخرجت إلى بغداد، وحلفت ألا أقيم ببلد، طفيليوها يعلمون الغيب.
وكان إبراهيم بن المدبر عاملاً على البصرة، وكان له ندماء، لا يأنس بغيرهم، وكل واحد منهم منفرد بنوع من العلم، وكان طفيلي يعرف بابن الدراج، من أكمل الناس أدباً وأخفهم روحاً، فاحتال ودخل في جملة الندماء، ودخل إبراهيم فرآه، فقال لحاجبه: قل لذلك الرجل: ألك حاجة؟ فسقط في يد الحاجب، وعلم أن الحيلة تمت عليه، وأنه لا يرضى ابن المدبر من عقوبته إلا بقتله، فمر يجرر رجليه، فقال له: يقول لك الأستاذ: ألك حاجة؟ فقال: قل له: لا، فأدخله عليهم، فقال له: أنت طفيلي؟ فقال: نعم، أصلحك الله، فقال: إن الطفيلي يحتمل في دخوله بخصال، منها أن يكون لاعباً بالشطرنج، أو بالنرد، أو ضارباً بالعود، أو بالطنبور، فقال: أيدك الله، أنا لما ذكرته في الطبقة العليا، فقال لبعض الندماء: لاعبه بالشطرنج، قال: أعزك الله فإن غلبت؟ قال: أخرجناك، قال: وإن غلبت، قال: أعطيناك ألف درهم قال: أحضرها؛ فإن في حضورها قوة للنفس، فلعبا، فغلب الطفيلي، ومد يده لأخذ الدراهم، فقال الحاجب: أعزك الله، ذكر أنه في الطبقة العليا، وإن غلامك فلاناً يغلبه، فحضر الغلام فغلبه، فقيل له: انصرف، فقال: أحضروا النرد، فلوعب به فغلب الطفيلي، فقال الحاجب: لكن فلاناً بوابنا يغلبه، فأحضر البواب فغلبه فقيل له: أخرج. فقال: علي بالعود، فأعطى عوداً، فضرب فأصاب، وغنى فأطرب، فقال الحاجب: يا سيدي، إن في جوارنا شيخاً يعلم القيان، هو أحسن منه، فأحضر، فكان أطيب منه، فقيل له: أخرج، فقال: فالطنبور، فأحضر، فضرب ضرباً لم ير أحسن منه، فقال الحاجب: إن فلاناً أطيب منه، فأحضر، فكان أحذق منه، فقال ابن المدبر: قد تقصينا لك بكل جهد، فأبت حرفتك إلا طرحك، قال: يا سيدي، بقيت معي فائدة حسنة، قال: وما هي؟ قال: تأمر أن تحضر قوس بندق، مع خمسين بندقة من رصاص، ويقام هذا الحاجب، فأرميه في دبره، فإن أخطأته بواحدة، فاضرب عنقي، فضج الحاجب، ووجد ابن المدبر شفاه نفسه في عقوبته، فأمر بخشبتين، وشد الحاجب فوقهما، وأعطى الطفيلي القوس، فرماه بخمسين بندقة، فما أخطأ دبره بواحدة، وخلا الحاجب يتأوه لما به، فقال له الطفيلي: يا قرنان هل على باب الأستاذ من يحسن شيئاً من هذا؟ فقال له الحاجب: أما ما دام الغرض استي، فلا، وذهب الضحك بابن المدبر وأصحابه كل مذهب، ثم أعطاه ألف درهم، وانصرف.
стр. 93
وصاحب طفيلي رجلاً في السفر، فلما نزلوا ببعض المنازل، قال له الرجل: خذ درهماً، وامض اشتر لنا لحماً، فقال الطفيلي: إني متعب، والله، ما أقدر، فمضى الرجل واشتراه، ثم قال للطفيلي: قم فاطبخه، قال: لا أحسن، فطبخ الرجل ثم قال له: قم فأثرد، فقال: أنا والله كسلان، فثرد الرجل، ثم قال له: قم الآن، فاغرفه، قال: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل حتى ارتوى الثريد، ثم قال له: قم الآن فكل، فقال: نعم، إلى متى هذا الخلاف، قد، والله، استحييت من كثرة خلافي عليك، وتقدم فأكل.
ووجه المأمون في جماعة من زنادقة البصرة، فجمعوا، فرآهم طفيلي، فمضى معهم، فأدخلوا في سفينة، فمضى معهم، وجيء بالقيود فقيد معهم، فقال: هذا آخر تطفيلي وأقبل عليهم فقال: فديتكم، أي شيء أنتم؟ قالوا له: بل من أنت، وهل أنت من أصحابنا؟ قال: والله، ما أعرفكم، غير أني طفيلي، خرجت من منزلي، فرأيت منظراً جميلاً، ونعمة ظاهرة، فقلت: شيوخ وكهول وشبان، ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فدخلت وسطكم، كأني أحدكم إلى هذا الزورق، فرأيته قد فرش ومهد، ورأيت سفراً مملوءة، فقلت: نزهة إلى بعض البساتين، إن هذا اليوم يوم مبارك، فزدت ابتهاجاً، إلى أن جاء هذا الموكل بكم، فقيدكم فطار عقلي، فما الخبر؟ فضحكوا وفرحوا به، وقالوا له: قد حصلت في الإحصاء، ونحن مانية على مذهب ماني القائل بالنور والظلمة، نسير إلى المأمون، فيسألنا عن مذهبنا، ويدعونا إلى التوبة، ويظهر لنا صورة ماني، ويأمرنا أن نبصق عليها، ونتبرأ منها، فمن أجابه نجا، ومن لم يجبه قتل، فإذا دعيت فأخبره باعتقادك، وللطفيلي مداخلات وأخبار، فاقطع سفرنا بها، فكان كذلك، فلما دخلوا على المأمون دعاهم بأسمائهم وامتحنهم، فأمر عليهم بالسيف، وبقي الطفيلي، وقد استوعب العدة، فسأل الموكلين بهم، فقالوا: وجدناه معهم، فجئنا به، فقال له: ما خبرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق، إن كنت أعرف من أقوالهم شيئاً، وإ، ما أنا رجل طفيلي، ثم قص قصته معهم، فضحك المأمون كثيراً، ثم أظهر له الصورة فلعنها، وتبرأ منها، وقال: أعطوها لي؛ حتى أسلح عليها، والله، ما أدري ما ماني، أيهودي هو أم مسلم؟ فقال المأمون: يؤدب على فرط تطفيله، ومخاطرته بنفسه، فقال: يا أمير المؤمنين، بحياتك، إن كنت ولابد عازماً، فاجعل السياط كلها على بطني، فهي التي حملتني على هذا الغرر، فعاد إلى الضحك، وكان إبراهيم بن المدبر واقفاً على رأسه، فاستوهبه منه بحديث في تطفيله، يذكر في باب الحكايات ذوات الأشعار.
وحكى المبرد قال: كان بالبصرة طفيلي مشهور، وكان ذا أدب، فمر على قوم عندهم وليمة، فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعي، فأنكره صاحب المنزل، فقالوا له: لو صبرت يا هذا حتى يؤذن لك، لكان أحسن لأدبك، وأجمل لمروءتك، فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، والحشمة قطيعة، واطرحها صلة، وقد جاء في بعض الآثار: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك.
وكان ملك من ملوك فارس، له وزير مجرب حازم، فكان يتعرف اليمن في مشورته، فهلك الملك، وأقام ابنه بعده، فلم يرفع له رأساً، فذكر له مكانته من أبيه، فقال: كان أبي يغلط فيه، وسأريكم ذلك، فأحضره، وقال له: أيهما أغلب، الأدب أو الطبيعة؟ فقال: الطبيعة؛ لأنها أصل، والأدب فرع، وكل فرع يرجع إلى أصله، فدعا الملك بسفرة، فوضعت، وأقبلت سنافير معلمة، بأيديها الشمع، فوقفت حول السفرة، فقال له: اعتبر خطأك، وضعف مذهبك، حتى كان أبو هذه السنانير شماعاً؟ فقال له: أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة، قال: ذلك لك، وخرج الوزير، وأمر غلامه أن يسوق له فأرة، فساقها له حية، فربطت بخيط، فلما راح إلى الملك وضعها في كمه ودخل، فأحضرت السفرة والسنانير بالشمع، فألقى لها الوزير الفأرة، فاستقبلت إليها، فتطايرت الشمع، حتى كاد البيت يضطرم عليهم ناراً، فقال للملك: كيف رأيت، غلبت الطبيعة الأدب؟ قال: صدقت، ورجع إلى ما كان عليه أبوه.
стр. 94
وخرج فتيان في صيد لهم، فأثاروا ضبعاً فنفرت ومرت، واتبعوها فلجأت إلى خباء لهم، فخرج لهم بالسيف منصلتا، فقالوا له: يا أبا عباد الله، لم تمنعنا من صيدنا؟ فقال: إنها استجارت بي، فخلوا بيني وبينها، فخلوا بينه وبينها، فنظر إليها مهزولة مضرورة، فجعل يسقيها اللبن صباحاً ومساء، حتى سمنت وحسن حالها، فبينا هو ذات يوم متجرد، إذ عدت عليه فشقت بطنه وشربت دمه.
وحكى الفنجديهي بسنده إلى أبي محمد الحسن بن إسماعيل قال: كنت قاعداً أنسخ وبين يدي قدح فيه ماء، وطبق فيه كعك وزبيب ولوز، فجاءت فأرة، فأخذت لوزة ومضت، ثم عادت فأخذت أخرى، ففرغت الماء الذي في القدح، فعادت الفأرة فكببت القدح عليها، واشتغلت بشغلي بساعة، فإذا فأرة أخرى قد جاءت فدارت حول القدح، فشقشقت وبقيت ساعة على ذلك، والفأرة الأخرى تشقشق من داخل القدح، فلم تجد حيلة في خلاصها فمضت وأتت بدينار فوضعته ووقفت، ولم أرفع القداح عن الفأرة فمضت وأتت بدينار آخر ووقفت، فلم أرفع القدح ففعلت ذلك إلى أن أتت بسبعة دنانير، ووقفت ساعة فلم أرفع القدح عن الفأرة فمضت، واتت بقرطاس فارغ فعلمت أنها لم يبق عندها شيء، فخليت عن الفأرة.
ودخل أبو يوسف القاضي على الرشيد ومعه الكسائي، وهما في مذاكرة وممازحة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الكوفي قد غلب عليك، فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء، يشتمل عليها قلبي، ويأخذ بمجامعه، فقال الكسائي: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ فقال: في نحو أو فقه؟ فقال: بل في فقه، فضحك الرشيد، وقال: تلقي على أبي يوسف الفقه؟ قال: نعم، قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لزوجه: أنت طالق إن دخلت الدار؟ قال: إذا دخلت طلقت، قال: أخطأت يا أبا يوسف، فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ فقال: إذا قال: أن وجب الفعل ووقع الطلاق، دخلت الدار بعد أو لم تدخل؟ وإن قال: إن بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق، حتى تدخل الدار.
وكان لرجل عند الحجاج حاجة، فوصف له بالجهل والحمق، فأراد أن يختبره، فقال له: أعصامي أنت أم عظامي؟ فقال له الرجل: عصامي عظامي، فظن الحجاج أنه يريد: أفتخر بنفسي بفضلي، وبآبائي لشرفهم، فقال: هذا من أفضل الناس وقضى حاجته، ثم جربه بعد ذلك، فوجده أجهل الناس وأحمقهم فقال له: لم أصدقني، وإلا قتلتك، كيف أجبتني لما سألتك بعصامي وعظامي؟ فقال له الرجل: لم أعلم معناهما، فخشيت أن أقول أحدهما، فأخطئ، فقلت في نفسي: أقول بهما معاً، فإن ضرني أحدهما، نفعني الآخر، فقال الحجاج: المنابر تصير الغبي خطيباً، فذهبت مثلاً. والعصامي هو الذي يسود بنفسه، والعظامي هو الذي يفتخر بآبائه الذين صاروا عظاماً.
ويحكى أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الثمل، فأعرض عن كلامه، فقال: ما لنا وهذه المسألة، فخجل حامد منه، ثم التفت إلى القاضي أبي عمرو، فسأله عن ذلك، فتنحنح القاضي لإضلاح صوت، ثم قال: قال سبحانه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ، وقال الرسول ﵇: "استعينوا في الصناعات بأهلها" والأعشى هو المشهور بالخمر في الجاهلية، وقد قال:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
ثم تلاه أبو نواس في الإسلام فقال:
دع عنك لومي؛ فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
فأسفر وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد، أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في المسألة بقول الله أولاً، ثم بقول الرسول ﷺ ثانياً، وبين الفتيا وأدى المعنى، فكان خجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه، لما ابتدأه بالمسألة.
стр. 95
ويحكى عن أمية بن أبي الصلت، أنه كان يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف، إذ سقط غراب على شرفات القصر، فصاح صيحة، فقال له أمية: بغيك التراب، فقال له أصحابه: ما يقول؟ قال: يقول: إذا شربت الكأس التي بيدك مت، ثم صاح صيحة، فال أمية مثل ذلك، فقالوا له: ما يقول؟ قال: زعم أن علامة ذلك أن يقع غراب على تلك المزبلة أسفل القصر، فيأخذ عظماً، فيجش به فيموت، فبينما هم يتكلمون إذ وقع الغراب على المزبلة ليلتقط، فأخذ عظماً، فأراد أن يبتلعه، فجشي به فمات، فانتكس أمية، ووضع الكأس من يده وتغير لونه، فجعلوا يغيرون عليه ويقولون: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا، وكان باطلاً، فألحوا عليه حتى يشرب الكأس، فمال فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ثم فاضت نفسه.
وحكى الأصمعي قال: وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى بعض ملوك الروم في بعض الأمر، فاستكبر الشعبي، فقال له: من بيت عبد الملك أنت؟ قال: لا، فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمله رقعة لطيفة، وقال له: إذا بلغت صاحبك جميع ما يحتاج إلى معرفته من ناحيتنا، فادفع له هذه الرقعة، فلما رجع إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره ونهض، فلما خرج ذكر الرقعة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه حملني إليك رقعة أنسيتها فدفعها إليه ونهض، فقرأها عبد الملك وأمر برده، فقال له: أعلمت ما في الرقعة؟ قال: لا، قال: قد عجبت من العرب كيف لم تملك مثل هذا؟ أفتدري لم كتب إلي بمثل هذا؟ قال: لا، قال: حسدني فيك فأراد أن يغريني بقتلك، فقال: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني، فبلغ ذلك ملك الروم وما قال عبد الملك، فقال: لله أبوه، والله، ما أردت إلا ذلك.
وقال الأصمعي: أتي عبد الملك بن مروان برجل، كان مع بعض من خرج عليه فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله، ما خرجت مع فلان إلا بالتطير لك، وذلك أني رجل مشئوم، ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادعيت، وكنت عليك خيراً من مائة ألف معك فضحك، وخلى سبيله.
وقال دعبل: كنا يوماً عند سهل بن هارون وأطلنا الحديث، حتى أضر بنا الجوع، فدعا بغدائه، فإذا بصحفة فيها مرق ولحم ديك قد هرم، حتى ما يقطع فيه سكين ولا تؤثر فيه ضرس، فأخذ قطعة من خبز، وحرك المرق بها، ففقد الرأس، فبقي مطرقاً ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرأس؟ قال: رميت به، قال: ولم؟ قال: ظننتك أنك لا تأكله، قال: ولم ظننت ذلك؟ فوالله إني لأمقت من يرمي برجله فضلاً عن رأسه، والرأس رئيس الأعضاء، وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه، وبهما يضرب المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، فإن كان قد بلغ من جهلك أني لا آكله، فإن عندنا من يأكله، انظر: أين هو؟ قال: والله، ما أدري أين رميت به؟ قال: أنا والله، أدري، رميت به في بطنك.
وروي أن رجلاً كان جاراً لأبي دلف ببغداد، فأدركته حاجة وركبه دين حتى احتاج إلى بيع داره، فساموه فيها، فسألهم ألف دينار، فقالوا: إن دارك تساوي خمسمائة دينار، فقال: أبيع داري بخمسمائة دينار، وجوار أبي دلف بخمسمائة دينار، فبلغ أبا دلف الخبر، فأمر بقضاء دينه ووصله، وقال: لا تنتقل من جوارنا.
وكان الأعمش كثير الضجر والتبرم، فكثر عليه الشعر، فقال له تلامذته: لو أخذت من شعرك، فقال: لا نجد حجاماً يسكت، قالوا: نأتيك به، ونأخذ عليه أن يسكت حتى يفرغ، قال: افعلوا، فأتي بحجام، ووصي ألا يكلمه، فبدأ بحلقه فلما أمعن سأله عن مسألة، فنفض ثيابه، وقام بنصف رأسه محلوقاً حتى دخل بيته، فأخرج الحجام وأتي بغيره، فقال: والله، لا أخرج حتى تحلفوه، فحلف ألا يسأله، وحينئذ خرج.
стр. 96
وقال سهل بن سعد الساعدي: دخلت على جميل بمصر أعوده في مرضه الذي مات منه، فقال: يا ابن سعد، ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب خمراً قط، ولم يقتل نفساً قط، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فقلت: أظنه قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: إني أرجو أن أكونه، فتضاحكت وقلت: أبعد عشرين سنة تأتي بثينة وتقول فيها الأشعار؟ والله، ما سلمت من قول الناس، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة إن كنت حدثت نفسي بحرام قط، فضلاً عما وراء ذلك.
ويروى أن امرأة معن بن زائدة عاتبت معناً في يزيد بن مزيد، وقالت له: إنه لتقدمه وتؤخر بنيك، ولو رفعتهم لارتفعوا، فقال لها معن: لم تبعد رحمة ولي حكم الوالد، إذ كنت عمه، وبعد، فإنهم أعلق بقلبي وأدنى من نفسي، بقدر ما توجبه الولادة، ولكني لا أجد عندهم ما أجده عنده، يا غلام: ادع جساساً وعبد الله وزائدة، فلم يلبث أن جاءوا في القلائد والغلائل المطيبة والنعال السندية، بعد هدأه من الليل فسلموا وجلسوا، وقال: يا غلام ادع يزيد، وقد أسبل ستراً بينه وبين المرأة، وإذا بيزيد قد دخل عجلاً، عليه السلاح كله، ووضع رمحه بباب المجلس، ثم دخل يتبختر، فلما رآه معن قال: ما هذه الهيئة يا أبا الزبير؟ قال: جاءني رسول الأمير، فسبق لنفسي أنه يريدني لوجه، وقلت: إن كان ذلك مضيت، ولم أعرج، وإن كان خلافه فنزع هذه الآلة أيسر الخطب، قال له معن: وريت بك زندي، انصرف في حفظ الله، فقالت امرأة معن: قد بان لي اختيارك.
ولما بعث عبد الملك الحجاج والياً على العراق، أتى الكوفة، وصعد المنبر، وهو متلثم متنكب قوسه، فقال: يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل أحد شيئاً، فقال الحجاج: اسكت، يا غلام، هذا أدب ابن بهية، والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن، اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المجلس إلا وقال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل.
وقال الشيباني: كان رجل من أهل الكوفة قد بلغه عن رجل من عمال السلطان أنه يعرض صنيعة له بواسط للبيع، في مغرم لزمه للخليفة، فحمل وكيلاً له على بغل، وأعطاه خرجاً بدنانير، وقال له: اذهب إلى واسط؛ فاشتر هذه الصنيعة المعروضة، فلما خرج عن البيوت لحق به أعرابي، على حمار له، معه قوس وكنانة، فقال له: إلى أين تتوجه؟ قال: إلى واسط، قال: فهل لك في الصحبة؟ قال: نعم، فسارا حتى رأوا ظباء عنت لهما، فقال الأعرابي: أي الظباء أحب إليك، المتقدم منها أم المتأخر فأذكيه لك؟ قال: المتقدم، فرماه بالسهم فاقتضه، فاشتويا وأكلا، واغتبط الرجل بصحبته، ثم عرض لهما سرب قطاة، فقال: أيها تريد؟ فأشار إلى واحدة منها، فرماها فلم يخطئها ثم اشتويا وأكلا، فلما انقضى أكلهما، فجعل الأعرابي سهماً على القوس، ثم قال: أين تريد أن أصيبك؟ قال: اتق الله، واحفظ ذمام الصحبة، قال: لابد من ذلك، قال: اتق الله واستبقني، ودونك البغل والخرج فإنه مترع مالاً، قال: فاخلع ثيابك، فانسلخ من ثيابه ثوباً ثوباً، حتى بقي مجرداً فقال له: اخلع خفيك، قال له: اتق الله، ودع لي الخفين؛ فإن الرمضاء تحرق قدمي، قال: لابد من ذلك، قال: فدونك الخف فاخلعه، فوضع القوس وتناول الخف، وذكر الرجل خنجراً كان معه في الخف الآخر، فاستخرجه، فضرب به صدره، فشقه إلى عانته وقال: الاستقصاء فرقة، فذهبت مثلاً.
стр. 97
ودخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده أبياتاً أعجب بها، فقال له: سلني أبا دلامة، واحتكم ما شئت، قال: كلب، يا أمير المؤمنين أصطاد به، قال: قد أمرنا لك بكلب، وها هنا بغلت همتك، وإلى ها هنا انتهت أمنيتك؟ قال: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فإنه بقي علي، قال: وما بقي عليك؟ قال: فرس أركبه، قال: قد أمرنا لك بفرس تركبه، قال: وغلام يقود الكلب، قال: وغلام يقود الكلب، قال: وخادم يطبخ لنا الصيد، قال: وخادم يطبخ لك الصيد، قال: ودار نسكنها، قال: ودار تسكنها قال: وجارية آوي إليها، قال: وجارية تأوي إليها، قال: بقي الآن المعاش، قال: قد أقطعناك ألف جريب عامرة، وألف جريب غامرة، قال: وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا تعمر، قال: أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد، قال: قد جعلناها لك عامرة كلها، قال: فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده؟ قال: أما هذه فدعها، قال: ما نفعتني شيئاً أيسر على أم عيالي من هذا.
وحكي أن سائلاً أتى عبد الله بن عباس، وهو لا يعرفه، فقال له: تصدق فإني نبئت أن عبد الله بن عباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبد الله؟ قال له: أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق نفقته، فقال له السائل: إن لم تكن عبد الله فأنت خير منه، وإن تكن إياه فأنت اليوم خير منك أمس، فأعطاه ألفاً آخر، فقال السائل هذه هزة حسب كريم.
وبعث ملك الهند إلى هارون الرشيد بسيوف قلعية وكلاب وثياب من ثياب الهند، فلما أتاه الرسل بالمدينة، أمر الأتراك فصفوا صفين، ولبسوا الحديد حتى لا يرى منهم إلا الحدق، وأذن للرسل فدخلوا عليه، فقال لهم: ما جئتم به؟ فقالوا له: هذه أشرف كسوة بلادنا، فأمر الرشيد أن يقطع منها أجلالاً لخيله فصلب الرسل على وجوههم ونكسوا رءوسهم، ثم قال لهم: ما عندكم غير هذا؟ قالوا: هذه سيوف قلعية لا نظير لها، فدعا الرشيد أن يؤتى بالصمصامة سيف عمرو بن معدي كرب، فقطعت به السيوف بين يديه سيفاً سيفاً كما يقطع الفجل، ثم عرضت عليهم الصمصامة، فإذا هي لا فل فيها، فنكس القوم رءوسهم، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: هذه كلاب، لا يبقى لها سبع إلا عقرته، قال لهم الرشيد: إن عندي سبعاً، فإن عقرته، فهي كما ذكرتهم، ثم أمر بالأسد فأخرج، فلما نظروا إليهم هالهم، وقالوا: ليس عندنا مثل هذا السبع، قال: هذه سباع بلادنا، قالوا: فنرسلها عليه، وكانت الأكلب ثلاثة، فأرسلت عليه فمزقته، فأعجب الرشيد بها، وقال لهم: تمنوا في هذه الكلاب ما شئتم، قالوا: ما نتمنى إلا السيف الذي قطعت به سيوفنا، قال لهم: هذا ما لا يجوز في ديننا أن نهاديكم بالسلاح، ولولا ذلك ما بخلنا به عليكم، ثم أمر لهم بتحف كثيرة، وأحسن جائزتهم.
وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؛ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيته قاعداً بفناء داره، متحبياً بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه، فقال: يا ابن أخي، أثمت بربك، ورميت بسهمك، وقتلت ابن عمك، ثم قال لابن آخر: قم يا بني، فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها؛ فإنها فينا غريبة.
وقال الشيباني: خرج أمير المؤمنين أبو العباس متنزهاً، فأمعن في نزهته، وانتبذ من أصحابه، فوافى خباء لأعرابي، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة، قال: من أي كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: فأنت إذن من قريش، قال: نعم، قال: فمن أي قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش؟ قال: فأنت إذن من ولد عبد المطلب، قال: نعم، قال: فمن أي ولد عبد المطلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى عبد المطلب، قال: فأنت إذن أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فاستحسن ما رأى منه، وأمر له بجائزة عظيمة.
стр. 98
وكان ابن الرومي الشاعر كثير التطير، فقرع البحتري يوماً عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقال البحتري: سخط الحي القيوم، والمهل والغسلين والزقوم، يأخذ جميع الردم، وكل بلاء كان أو يكون إلى يوم الدين، فأغلق ابن الرومي بابه ولزم داره، فسأل عنه الموفق، فقيل له: في سجن البحتري وحده القصة.
وقيل لأبي أيوب صاحب المنصور: إنا نراك إذا دعاك أمير المؤمنين يتغير وجهك، ويضطرب حالك، فقال: مثلي معكم كباز قال لديك: ما رأيت أشر منك، تكون عند قوم من صغرك إلى كبرك، يطعمونك ويسقونك. فإذا أرادوا في وقت من الأوقات ينتقلون من دار إلى دار، وطلبوا أن ينقلوك معهم لم تمكنهم من نفسك إلا بعد جهد شديد، وأنا يرسلونني في الصحارى التي فيها ربيت والمواضع التي فيها نشأت، فأرجع إليهم، وأصيد طعمهم ولا أحتاج إليهم، قال له الديك: أنت لم تر قط بازاً في سفود، وأنا قد رأيت عشرين ديكاً في سفود مراراً كثيرة.
وحكى بعضهم قال: كانت أعرابية تحاجي الرجال، فلا يكاد أحد يغلبها، فأتاها جني في صورة إنسان، فقال لها: أحاجيك؟ قالت: قل، قال: كاد العروس أن يكون أميراً، قال: كاد، قالت: كاد المنتعل يكون راكباً، قال: كاد، قالت: كاد النعام يكون طائراً، قال: كاد، قالت: كاد الفقر يكون كفراً، قال: كاد، قالت: كاد المريب يقول خذوني، ثم أمسك، فقالت له: جاوبتك، فأين جوابي؟ فقال لها: قولي، فقالت: عجبت، قال: عجبت للسبخة كيف لا يجف ثراها، ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت، قال: عجبت للحصى، كيف لا يكبر صغيره، ولا يهرم كبيره، فقالت: عجيب، قال: عجبت لحفرة بين فخذيك، كيف لا يدرك قعرها، ولا يمل حفرها، قال: فخجلت من جوابه، ولم تعد إلى ما كانت عليه.
ودخل سارق دار تاجر، وكان التاجر غائباً، واستخفى، ثم دخل آخر واستخفى، ولا يعلم الأول بالثاني، فلما جن الليل خرج السارق الأول، فذبح الخادم، ودخل على المرأة، وقال لها: هات ما عندك، فأحضرت له جميع مالها وحليها وحلفت له أن ذلك جميع ما على ملكها، فأراد ذبحها، فقالت: ولأي شيء تفعل هذا؟ وقد أعطيتك جميع ما عندي، فقال لها: لا يؤكل مال حي، وعزم على قتلها فبكت وخضعت، فأشفق عليها السارق الثاني، وخرج عليه بسرعة، فقتله، فدهشت منه، فقال لها: لا خوف عليك، والله، لا آخذ لك شيئاً، فناوليني فأساً أو مسحاة، فناولته، فحفر في الدار، ودفن السارق والخادم، وأراد الخروج، فرغبت إليه في معرفة موضعه، فعرفها لما جاء زوجها عرفته بما كان في غيبته، فمضى إليه وقاسمه ماله، وكان صديقه إلى الموت.
وحكى الحسن بن خضر عن أبيه قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس، اختفى رجل من بني أمية يقال له: إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك حتى أخذ له أمان من بني العباس، فقال له أبو العباس يوماً: حدثني عما مر بك في اختفائك، فقال: كنت يا أمير المؤمنين متخفياً بالحيرة في منزل على الصحراء، فبينا أنا ذات يوم على باب بيتي، إذ نظرت إلى أعلام سود، قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في نفسي أنها تريدني، فخرجت متنكراً، حتى دخلت الكوفة، ولا أعرف بها أحداً، فبقيت متحيراً، فإذا أنا بباب ورحبة واسعة، فدخلت الرحبة فجلست فيها فإذا رجل وسيم الوجه، حسن الهيئة على فرس، فدخل ومعه جماعة من أصحابه وأتباعه، فقال: من أنت وما حاجتك؟ فقلت: رجل يخاف على دمه، واستجار بمنزلك، قال: فصيرني في حجرة تلي حرمه، فمكثت عنده حولاً كاملاً في كل ما أحببت من مطعوم ومشروب وملبوس، لا يسألني عن شيء من مال ويركب في كل يوم، فقلت له يوماً: أراك تدمن الركوب، ففيم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبراً، وقد بلغني عنه أنه مختف، فأنا أطلبه، فقلت: يا هذا، قد وجب حقك علي، ومن حقك أن أقرب عليك الخطوة، قال: وما ذلك؟ قال: أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك، فخذ بثأرك، فأطرق ملياً، ثم قال: أما أنت فستلقى أبي، فيأخذ بحقه منك، وأما أنا فغير مخفر ذمني، فاخرج عني؛ فلست آمن نفسي عليك، فأعطاني ألف دينار، فلم أقبلها منه، وخرجت عنه، فهذا أكرم رجل رأيت.
стр. 99
وقال أبو الربيع البغدادي: كان في جوار أبي عمر القاضي رجل ظهر في يده مال جليل بعد فقر طويل، قال: فسألته عن أمره، فقال: ورثت مالاً جليلاً، فأسرعت في إتلافه، حتى أفضيت إلى بيع أثاث داري، ولم يبق لي حيلة، وبقيت لا قوت عندي إلا من غزل أم أولادي، فتمنيت الموت، فرأيت ليلة من الليالي كأن قائلاً يقول لي: غناؤك بمصر فاخرج إليه، فبكرت إلى أبي عمر القاضي وتوسلت إليه بالجواب في كتب إلى مصر ففعل وخرجت، فلما وصلت مصر، ودفعت الكتب وسألت التعريف، فسد الله علي الوجوه، ونفدت نفقتي، وبقيت متحيراً، وتفكرت في أن أسأل الناس بين العشاءين، فخرجت أمشي في الطريق، ونفسي تأبى المسألة، إلى أن مضى من الليل كثير، فلقيني الطائف، فقبض علي، ووجدني غريباً، فأنكر حالي وسألني فقلت: رجل ضعيف، فلم يصدقني، وضربني بمقارع فصحت وقلت: أنا أصدقك، فقالت: هات، فقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها وحديث المنام، فقال لي: أنت أحمق، والله، لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم قائلاً لي: ببغداد في الشارع الفلاني، في المحلة الفلانية مال، فذكر شارعي ومحلتي، ثم قال: دار يقال لها دار فلان، فذكر داري واسمي، وفيها بستان فيه سدرة، تحتها مدفون ثلاثون ألف دينار، فامض فخذها، فما فكرت في هذا الحديث ولا التفت إليه، قال: فقوي قلبي بذلك الحديث، فأطلق عني، فخرجت من مصر إلى بغداد، وقلعت السدرة، فوجدت تحتها ثلاثين ألف دينار، فأنا أعيش فيها.
وقال أبو المثنى: كنت أمشي يوماً بين يدي رجل على رأسه قفص زجاج وهو مضطرب المشي، فما زلت أرتقب وقوعه، فزلق وتكسر القفص، وتلف جميع ما فيه، فبهت الرجل وأخذ يبكي، ويقول: هذا والله، جميع بضاعتي، ووالله، لقد أصابتني بمكة مصيبة أخرى، وما دخل على قلبي مثل هذا، فاجتمع حوله جماعة يرثون لحاله، فقالوا: ما الذي أصابك بمكة؟ قال: دخلت قبة زمزم، وتجردت للاغتسال، وكان في يدي دملج وزنه ثمانون مثقالاً، فخلعته واغتسلت، فخرجت ونسيته، فقال رجل من الجماعة: هذا دملجك له معي منذ سنتين.
وحكى بعضهم أن شيخاً أتى سعيد بن مسلم، فكلمه في حاجة، فوضع زج عصاه على إصبع سعيد، حتى أدماه، فما تأوه سعيد لذلك ولا نهاه، فلما فارقه قيل لسعيد: لم صبرت على هذا ولم تعلمه؟ قال: خفت أن يعلم جنايته، فينقطع عن طلبه الذي جاء فيه.
وقال آخر: صاح رجل بيحيى بن خالد: يا أبا علي، متوسل بالله إليك أقعدني في دهليزك، وأحبر علي كل يوم ألف درهم، فقال: نعم، فأقعده وأجرى عليه النفقة كما ذكر ثلاثين يوماً، ثم انصرف، فقيل ليحيى: إنه انصرف، فقال: بمن توسل به، لو أقام حتى يموت لكان له كل يوم ألف درهم.
ودخل عمارة بن حمزة على المنصور، فجلس في مجلسه فقال رجل للمنصور: مظلوم، يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟ قال: عمارة ظلمني، وأخذ صنيعتي، فقال المنصور: قم يا عمارة؛ فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لي بخصم، قال: وكيف ذلك؟ قال عمارة: إن كانت الصنيعة له فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أقوم من موضع شرفني به أمير المؤمنين.
وحكى أبو سهل الداري عمن حدثه عن الواقدي أنه قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، فكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت لي امرأتي: أما نحن في أنفسنا، فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فلا صبر لهم، فقال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما حضر، فوجه لي كيساً مختوماً، وذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره، حتى كتب لي صديقي الآخر يشكو إلي حاله فوجهت إليه الكيس بما فيه وخرجت إلى المسجد، فأقمت به الليل مختفياً من امرأتي، فبينا أنا كذلك إذ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، وقال: أخبرني عما فعلته فيما وجهت إليه به، فعرفته الخبر، فقال: إنك وجهت إلي، وما أملك إلا ما بعثت إليك، ثم كتب إلى صديقي أسأله المواساة، فوجه إلي الكيس بخاتمي، قال: فاقتسمنا ألف درهم فيما بيننا ثلاثاً، فوصل الخبر إلى المأمون فدعاني، فشرحت له ما كان فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، ألفين لكل واحد، وللمرأة ألف.
стр. 100
وكان رجل له مال كثير، وكان لا يقدر أحد على أن يأتي عليه في أمر؛ لشدة حزمه، وكان يقول لمن عليه أمر: ضيعت الحزم، فاتفق جماعة على أن يفعلوا معه أمراً يقولون له بسببه: ضيعت الحزم، فأتوا داره ليلاً، وأخذوا خادمه وربطوها، وقالوا لها: إن لم تصيحي على سيدك، وتقولي له: أصابني وجع، وأنا أجد الموت فاخرج لي، وإلا قتلناك، ففعلت الخادم وجعلت تصيح به، فقالت له زوجته: اخرج إليها، وانظر ما دهاها، فقال: لا أفعل، فقالت: دعني أنا أخرج إليها، قال: لا يفتح بابي بالليل، قالت: فدعني أناولها معجوناً من تحت الباب، قال: افعلي، فأخرجت يدها من تحت الباب بالمعجون، فقبضوا على يدها، وأوثقوها بشريط، فاستغاثت بزوجها، فقال لها: ألم أقل لك: ضيعت الحزم، فقالوا له: إن لم تعطنا كذا وكذا، وإلا قطعنا يدها، فقال لهم: إن أعطيتكم ما طلبتم وزيادة، والله أنكم تطلقونها؟ قالوا: نعم، قال: فاذهبوا إلى الموضع الفلاني فاحفروا، فذهب بعضهم وحفر، فوجد إناء فيه ألف دينار كما طبعت، فأخذوها، وأطلقوا يد المرأة، واقتسموا الدنانير وانصرفوا، وكان هو قد صنع تلك الدنانير مدلسة، وأعدها لمثل ما جرى له، فلما أصبح الصباح انتظروه يعلم الناس بما جرى له، فيقولون له: ضيعت الحزم، فلم يعلم أحد بذلك، ثم ذهبوا، وتصرفوا في تلك الدراهم، واشتروا بها أسباباً وحوائج، ووقع الناس على دلسها، فرفعوا إلى الحاكم، ودخلت ديارهم، فوجدوا باقي الدراهم بها، فضربوا وطوفوا فلقيهم، وقال لهم: ضيعتم الحزم، فلا حملتم الميلق معكم؟ فعلموا أنه لا يقدر ليه أحد؛ لشدة حزمه.
стр. 101
وكتب الإسكندر كتاباً إلى بعض ملوك الهند، يقول له فيه: أما بعد، إذا أتاك كتابي هذا، فإن كنت قائماً فلا تقعد، وإن كنت ماشياً فلا تلتفت، وإلا مزقت ملكك، وألحقتك بمن مضى من الملوك قبلك، فلما ورد الكتاب عليه أجاب بأحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه اجتمع عنده أشياء، لم تجتمع عند غيره، فمن ذلك ابنة لم تطلع الشمس على أحسن منها، وفيلسوف يخبرك بمرادك، قبل أن تسأله؛ لحدة ذهنه وحسن قريحته، واعتدال مزاجه، واتساع علمه، وطبيب لا تخشى معه دواء ولا شيئاً من العوارض، إلا ما يطرأ من الفناء والدثور. وقدح إذا ملئ بالماء شرب منه عسكر له بجمعه، ولا ينقص منه شيء، وأنا منفذ جميع ذلك إلى الملك، فلما قرأ الإسكندر الكتاب، ووقف على ما فيه، قال: كون هذه الأشياء عندي، ونجاة هذا الملك الحكيم من صولتي أحب إلي من ألا تكون عندي ويهلك، فأنقذ إليه الإسكندر جماعة من حكماء اليونانيين والروم وعدة من الرجال، وقال لهم: إن كان صادقاً فيما كتب، فسوقوا تلك الأشياء، ودعوا الرجل في موضعه، وإن تبين لكم أن الأمر على خلاف ذلك، فأشخصوه إلي، فمضى القوم حتى انتهوا إلى مملكة ذلك الرجل، فتلقاهم بأحسن قبول، وأنزلهم أحسن منزلة، فلما كان اليوم الثالث، جلس لهم مجلساً خاصاً، للحكماء منهم، دون من كان معهم من المقاتلة، وتكلم معهم في أصول الفلسفة، ثم أخرج الجارية، فلما ظهرت لأبصارهم، ورمقوها بأعينهم لم يقع طرف واحد منهم على عضو من أعضائها إلا وقف عنده، ولم يمكنه أن يتعدى إلى غيره، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به وصرفهم، وصير الفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم، فلما وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الطبيب والفيلسوف، ونظر إلى الجارية، فحار عند مشاهدتها، وبهرت عقله، وأمر بقية جواريه بالقيام عليها، ثم صرف همته إلى الفيلسوف، وإلى علم ما عند الطبيب، وقص عليه الحكماء ما جرى لهم من المباحثة مع الملك الهندي فأعجبه ذلك، ثم أراد مباحثة الفيلسوف على ما خبر عنه فخلى بنفسه وأجال فكره فيما يختبره به، فسنح له سانح من الفكر بإيقاع شيء يختبره به، فدعا بقدح، فملأه سمناً، وبعثه إليه، فلما ورد الرسول بالقدح على الفيلسوف، نظر الفيلسوف بصحة فهمه، فقال: لأمر ما بعث هذا الملك الحكيم هذا السمن إلي، فأجال فكره فيه، حتى ميز المراد به فدعا بنحو من ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن ثم رد القدح إلى الإسكندر، فأمر الإسكندر أن يعمل من الإبر كرة مدورة، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما وصلت إليه أمر ببسطها وأن يتخذ معها مرآة ترى صورة من قابلها من الأشخاص لصفائها، وأمر بردها إلى الإسكندر، فلما نظر إليها ورأى أحسن صورته فيها، دعا بطست، فحمل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء عليها حتى ترسب وأمر بحملها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها أمر بالمرآة، فصنع منها إناء، وجعله في الطست طافياً فوق الماء، وأمر برد ذلك إلى الإسكندر، فلما وصل إليه أمر أن يملأ ذلك الإناء من تراب ناعم، وأمر برده إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغير لونه، وجرت دموعه، وأمر برده إلى الإسكندر، من غير أن يحدث فيه شيئاً، فلما ورد الرسول على الإسكندر، وأخبر بفعله وحاله، تعجب منه، فلما كان في صبيحة تلك الليلة، جلس له الإسكندر جلوساً خاصاً، ودعا بالفيلسوف، ولم يكن رآه قبل ذلك، فلما أقبل، ونظر إليه الإسكندر، وتأمل قامته وصورته، رأى رجلاً معتدل البنية، حسن الخلقة، فقال في نفسه: إذا اجتمع حسن الصورة وحسن الفهم، كان صاحب ذلك واحد زمانه، ولست أشك أن هذا الفيلسوف قد اجتمع له الأمران، فإن كان هذا الفيلسوف علم كل ما راسلته به وأجابني عنه من غير مباحثة، فليس في زمانه أحد يدانيه في حكمته، وتأمل الفيلسوف الإسكندر عند دخوله عليه، والإسكندر ينظر إليه، فأدار الفيلسوف أصبعه السبابة حول وجهه ووضعها على طرف أنفه، وأسرع نحو الإسكندر وهو جالس على سرير ملكه، فحياه بتحية الملوك، فأشار إليه الإسكندر بالجلوس، فجلس حيث أمره، فقال له الإسكندر: ما بالك حين نظرت إلي أدرت أصبعك حول وجهك، ووضعتها على طرف أنفك؟ قال: تأملتك أيها الملك بنور عقلي، وصفاء مزاجي، فتبينت فكرك، وتأملك لحسن صورتي، فقلت في نفسي: إنه قد قال: إن هذه الصفة قل ما تجتمع مع الحكمة، فإذا كان هذا فصاحبها واحد زمانه، فأدرت أصبعي
стр. 102
مصداقاً لما سفح لك، وأريتك مثالاً شاهداً، وجعلت وجهي بمنزلة الدنيا، فكما أنه ليس في الوجه إلا أنف واحد، فكذلك ليس في مملكة الهند غيري، قال له الإسكندر: ما أحسن ما تأتي لك، فما بالك حين أنفذت إليك قدحاً مملوءاً سمناً غزرت فيه إبراً ورددته إلي؟ فقال الفيلسوف: علمت أنك تقول: إن قلبي امتلأ علماً مثل هذا الإناء من السمن، فليس لأحد من الحكماء فيه مزيد، فأخبرت الملك أن علمي سيزيد فيه، ويدخل كما دخلت هذه الإبر في هذا السمن، قال: فأخبرني، ما بالك حين علمت من الإبر كرة، وبعثتها إليك صنعت منها مرآة صقيلة ورددت إلي؟ قال: علمت أنك تريد أن قلبك قد قسا من سفك الدماء، والشغل بسياسة الملك بقساوة هذه الكرة، فلا يقبل العلم، فأخبرتك بسبكي هذه الكرة، والحيلة في أمرها، حتى جعلت منها مرآة ترى الصور عند المقابلة، فكذلك أفعل بقلبك، قال الإسكندر: صدقت، فأخبرني أيها الفيلسوف حين جعلت المرآة في الطست، وجعلت عليها الماء حتى رسبت، لم صنعت منها إناء يطفو فوق الماء ثم رددتها إلي؟ قال: علمت أنك تريد أن الأيام قد قصرت، والأجل قريب، ولا يدرك العلم الكثير في الأمد القليل، فأجبتك ممثلاً أني سأعمل الحيلة في إيراد العلم الكثير في الأمد القليل إلى قلبك، بتقريبه من فهمك، كاحتيالي للمرآة من بعد كونها راسبة في الماء، جعلت طافية عليه، قال الإسكندر: صدقت، فأخبرني، ما بالك حين ملأت لك الإناء تراباً رددته إلي، ولم تحدث فيه شيئاً كفعلك فيما سلف؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تريد بالتراب الموت، وأنه لابد منه، ومن لحوق هذه البنية بهذا العنصر البارد الذي هو الأرض، ومفارقة النفس الناطقة الشريفة لهذا الجسد، فأعلمتك حين لم أحدث فيه شيئاً ألا حيلة في ذلك ولا عمل، قال له الإسكندر: صدقت، ولأحسنن إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة، فقال له الفيلسوف، لست أحتاج شيئاً يلهيني عن عملي، ولا أدخل عليه ما ينافيه، وخيره الإسكندر بين الإقامة عنده، أو الرجوع إلى وطنه، فاختار الرجوع إلى وطنه، فخلى عنه، وأما القدح فأدهقه بالماء، ثم أورد عليه الناس، فلم ينقص منه شيء، وكان فيما يقال معمولاً بمضروب من خواص الهند، وقد قيل: إنه كان لآدم ﵇ بأرض سرنديب من أرض الهند، مما نزل في الجنة، فورث عنه، وتوارثه الملوك إلى أن انتهى إلى هذا الملك من ملوك الهند، وأما الطبيب، فإنه كان له معه أخبار طويلة، ومناظرة عجيبة في صنعة الطب.
الباب الثاني في الحكايات والأخبار ذوات الأشعار
كان أحمد بن المدبر، إذا مدحه أحد، ولم يرض بشعره، قال لغلامه: امض به إلى المسجد، ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خله، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون، فجاءه الحسين بن عبد السلام الضرير المعروف بالجمل، فاستأذنه في الإنشاد فقال له: أعرفت الشرط؟ قال: نعم، وأنشد:
أردنا في أبي حسن مديحا ... كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا: أكرم الثقلين طراً ... ومن كفاه دجلة والفرات
فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي، إنما الشأن الزكاة
فأما إذ أبى إلا صلاتي ... وعاقتني الهموم الشاغلات
فيأمر لي بكسر الصاد منها ... لعلي أن تنشطني الصلات
وحضر أبو نواس مجلس منصور بن عمار، فرآه الناس يبكي، فظنوا أنه تاب، وجعلوا يهنئونه، ويقولون: نرجو لك الله، فقال: أنا أهون على الله من ذلك، وليس كما تظنون، ولكن أبكي لبكاء ذلك الغزال، ونظر إلى غلام بالمجلس يبكي من وعظ منصور، ثم قال:
لم أبك في مجلس منصور ... شوقاً إلى الجنة والحور
لكن بكائي، لبكا شادن ... تقيه نفسي كل محذور
تنتسب الألسن في وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير
وحضر مجلس بعض القصاص أيضاً، فقالوا له: لعل الله تعالى قد أقبل عليك، فقال: إنما حضرت لأجل هذا الغزال، ثم قال:
خلياني والمعاصي ... ودعا ذكر القصاص
واسقياني الخمر صرفا ... في أباريق الرصاص
وعلى وجه غزال ... طائع ليس بعاصصي
بين فتيان كرام ... قد تواصوا بالمعاصي
إن لي رباً غفوراً ... وعلى الله خلاصي
стр. 103
ونظر يزيد بن مزيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة، وقد تلففت على صدره وإذا هو خاضب، فقال: إنك من لحيتك في مئونة، فقال: أجل، ولذلك أقول:
لعمرك لو يعطي الأمير على اللحى ... لأصبحت قد أيسرت منه زماني
لها درهم للدهن في كل جمعة ... وآخر للحناء، يبتدران
ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوت في حافاتها الجلمان
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وحكى أبو جعفر الشيباني قال: أتانا يوماً أبو شاش الشاعر، ونحن في جماعة فقال: ما أنتم فيه؟ فقالوا: نذكر الزمان وفساده، قال: كلا، الزمان وعاء ما ألقي فيه من خير أو شر كان على حاله، ثم أنشأ يقول:
رأيت حلى تصان على أناس ... وأخلاقاً تزال، ولا تصان
يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا، وما فسد الزمان
ودخل ابن عبدل على بشر بن مروان لما ولي الكوفة، فقال: أيها الأمير، إني رأيت رؤيا، فأذن لي أقصها، قال: قل، فقال:
أغفيت قبل الصبح، نوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة ... ممشوقة، حسن علي قيامها
وببدرة حملت إلي، وبغلة ... شهباء ناجية، يصل لجامها
فقال: أبشر بكل شيء قلته أو سمعته عندي، إلا البغلة، فليس عندي إلا دهماء، قال: امرأته طالق ثلاثاً، إن كنت رأيتها إلا دهماء، لكني غلطت.
وقال بعض الشعراء، قدمت على علي بن يحيى، فكتبت له:
رأيت في النوم أني راكب فرساً ... ولي وصيف، وفي كفي دنانير
فجئت مستبشراً، مستشعراً فرحاً ... وعند مثلك لي بالفعل تبشير
فوقع في آخر كتابي: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) ثم أمر لي بكل ما رأيت في منامي.
ومن ملح الصاحب بن عباد، ما يحكى عنه أن بعض الشعراء كتب إليه:
أبا من عطاياه تدني الغنى ... إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين ... كساً، لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في ... ثياب من الخز، إلا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة، أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوباً غير ما أمرت لك به لحملتك عليه، وقد أمرنا لك بجبة وقميص ودراعة، وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف، ورداء وكساء، وجورب وكيس، ولو علمت لباساً غير هذا لأعطيناك، ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة.
وقال المفضل: دخلت على الرشيد، وبين يديه جارية مليحة شاعرة وورد قد أهديت إليه، فقال: يا مفضل قل في هذا الورد شيئاً تشبهه به، فقلت:
كأنه خد معشوق يقبله ... فم الحبيب وقد أبقى به خجلا
فقالت الجارية:
كأنه لون خدي، حين تدفعني ... كف الرشيد، لأمر يوجب الغسلا
فقال: قم يا مفضل؛ فإن هذه الماجنة قد هيجتنا، فقمت، وأرخيت الستور.
وقال بعض الرواة: دخلت على أبي العشائر، أعوده من علة، فقلت: ما يجد الأمير؟ فأشار إلى غلام قائم بين يديه، ثم أنشد:
أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال ... أهدى فتوراً إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام
وشرب المأمون وعبيد الله بن طاهر ويحيى بن أكثم القاضي، فتعامل المأمون وابن طاهر على سكر يحيى، فغمزا به الساقي فأسكره، وكان بين أيديهم ردم من ورد وريحان، فأمر المأمون فشق له قبر في الردم، وصيراه فيه كأنه ميت، وعمل بيتي شعر وقال لمغنية: عن بهما على رأسه، فجلست عند رأسه وغنت بهما:
ناديته وهو حي لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين
فقلت: قم، قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ، قال: كفي لا تواتيني
فانتبه يحيى لرنة العود والجارية بالبيتين فقال:
يا سيدي، وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي، فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين
لا أستطيع نهوضاً؛ قد ذوى بدني ... ولا أجيب لداع حين يدعوني
стр. 104
وخرج الحسن بن هانئ، وهو أبو نواس، ومعه مطيط حاجبه، حتى أتيا دار خمار، فقال أبو نواس لمطيط: ادخل بنا نتماجن على هذا الخمار، فدخلا، فلما سلما رد ﵉، فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة؟ قال: عندي منها أجناس، فأي جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:
حجبت حقبة وصينت فجاءت ... كجلاء العروس بعد الصيان
وكأن الأكف تصبغ من ضوء ... سناها، بالورس والزعفران
فملأ الخمار قدحاً من خمر صفراء، كأنها ذهب محلول، فشربه الحسن وقال: أريد أحسن من هذا، فقال الخمار: أي نوع تريد؟ فقال: التي يقول فيها الشاعر:
رققتها أيدي الهواجر، حتى ... صيرت جسمها كجسم الهواء
فهي كالنور في الإناء، وكا ... لنار، إذ ما تصير في الأحشاء
فملأ الخمار قدحاً من قهوة، كأنها العقيق، فشربه، وقال: أرفع من هذه أريد قال: أي جنس؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:
فإذا حسا منها الوضيع ثلاثة ... سمح الوضيع بفعل ذي القدر
في لون ماء الغيث، إلا أنها ... بين الضلوع، كواقد الجمر
فملأ له القدح من خمرة بيضاء، كأنها ماء المزن، فشربه الحسن، فقال للخمار: أتعرفني قال: إي والله، يا سيدي، أنا أعرف الناس بك، قال: فمن أنا؟ قال: أنت الذي سكر من غير ثمن فضحك، وقال لمطيط: ادفع له ما معك من النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وكان بالبصرة رجل ذو ضياع، فأنفق ماله في الشراب، فباع ضيعة يوماً، فلما وقع البيع، قال المشتري: تأتي بالعشي أدفع ذلك المال وأشاهدك، قال له: لو كنت ممن يظهر بالعشي، ما بعت الضيعة، ثم أنشأ يقول:
أتلفت مالي في العقار ... وخرجت فيها عن عقار
حتى إذا كتب الكتاب، ... وجاءني رسل التجار
قالوا: الشهادة بالعشي، ... ونحن في صدر النهار
فأجبتهم؛ ردوا الكتاب، ... ولا تعيروا بانتظاري
لو كنت أظهر بالعشي، ... لما سمحت ببيع داري
وحكى الأصبهاني أن موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج وقال لأبي دلامة: أحجج معي، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: هاتها، فدفعها إليه، قال: فأخذها وهرب إلى السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر، فطلبه موسى فلم يقدر عليه، وخشي فوات الحج وخرج، فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجاً من قرية إلى قرية أخرى، وهو سكران، فأمر بأخذه وتقييده، وطرح في محمل بين يديه، فلما سار غير بعيد، أقبل على موسى فناداه:
يا أيها الناس قولوا أجمعين معي ... صلى الإله على موسى بن داود
كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا بدا لك في أثوابه السود
إني أعوذ بداود، وأعظمه ... من أن أكلف حجاً يا ابن داود
خبرت أن طريق الحج معطشة ... من الشراب، وما شربي بتصريد
والله ما في من أجر، فتطلبه ... ولا الثناء ولا ديني بمحمود
فقال موسى: ألقوه من المحمل، لعنه الله، فألقي فعاد إلى موضعه بالسواد، حتى أنفق المال.
وكان الحكم بن عبدل أعرج أحدب، هجاء خبيث الهجاء، وكان الشعراء يقفون بباب الملوك، فلا يؤذن لهم، وكان يكتب حاجته على عصاه ويدفعها، فلا تؤخر له حاجة، فقال يحيى بن نوفل:
عصا حكم بالباب أول داخل ... ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
وكانت عصا موسى لفرعون آية ... وهذي
لعمر الله
أدهى وأعجب
وجلس المأمون يوماً للمظالم، فكان آخر من تقدم إليه امرأة، وقد هم بالقيام، وعليه أهبة السفر، وثياب رثة، فوقفت بين يديه وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم القاضي، فقال يحيى: وعليك السلام يا أمة الله ورحمة الله وبركاته، تكلمي في حاجتك فقالت:
يا خير منتصب يرجى له الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد
تشكو إليك ... عميد الملك
أرملة
عدا عليها، فلم يترك لها لبد
وابتز مني ضياعاً بعد منعتها ... ظلماً وفرق مني الأهل والولد
فأطرق المأمون حيناً ثم رفع رأسه وقال:
في دون ما قلت، زال الصبر والجلد ... عني وأقرح مني القلب والكبد
هذا أوان صلاة العصر، فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
стр. 105
والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... ننصفك منه، وإلا المجلس الأحد
فجلس يوم الأحد، فكانت أول من تقدم إليه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: وعليك السلام، أين الخصم؟ قالت: واقف على رأسك، وأشارت إلى ابنه العباس، فقال: يا أحمد بن أبي خالد، أجلسه معها للخصومة، فجعل كلامها يعلو كلامه فقال لها أحمد: يا أمة الله، أنت بين يدي أمير المؤمنين وتكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال المأمون: دعها يا أحمد؛ فالحق أنطقها، والباطل أخرسه، ثم قضى لها برد ضياعها، وأمر لها بنفقة، وكتاب إلى عامل بلدها؛ بحسن معاملتها.
وحكى الأصمعي قال: كان أعرابيان متآخيين بالبادية، ثم إن أحدهما استوطن الريف، واختلف إلى باب الحجاج، فولاه أصبهان، فسمع أخوه خبره، فسار إليه فأقام ببابه حيناً لا يصل إليه، ثم أذن له في الدخول، فأخذه الحاجب، فمشى به وهو يقول: سلم على الأمير، فلم يلتفت إليه، ثم أنشأ يقول:
فلست مسلماً ما دمت حياً ... على زيد بتسليم الأمير
فقال زيد: لا أبالي، فقال الأعرابي:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
قال: نعم، فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكاً ... وعلمك القعود على السرير
وقدم أعرابي البصرة، فنزل على ابن عم له، فلما رأى البصري شعث الأعرابي، فأراد أن ينظفه، فقال: أن الناس يتطهرون للجمعة، وينتظفون، ويلبسون أحسن الثياب، فتعال: أدخلك الحمام؛ لتتنظف، وتتطهر للصلاة، فدخل معه الحمام، فلما وطئ الأعرابي فرش أول بيت في الحمام، ولم يحسن المشي عليه لشدة ملامسته فزلق وسقط على وجهه، فشج شجة منكرة، فخرج وهو ينشد:
وقالوا: تطهر؛ إنه يوم جمعة ... فأبت من الحمام غير مطهر
تزودت منه شجة فوق حاجبي ... بغير جهاد، بئس ما كان متجري
وما تعرف الأعراب مشياً بأرضها ... فكيف ببيت ذي رخام ومرمر
وقال محمد بن سكرة: دخلت حماماً، فخرجت وقد سرقت نعلي، فعدت إلى داري حافياً وأنا أقول:
إليك أزف حمام ابن موسى ... وإن فاق المنى طيباً وحراً
تكاثرت اللصوص عليه، حتى ... ليحفى من يطيب به ويعرى
ولم أفقد به ثوباً، ولكن ... دخلت "محمداً" وخرجت "بشرا"
يريد: بشر الحافي، وكان من كباد الزهاد، لزم المشي حافياً، فلقب: الحافي.
وقال بشار لراويته: أنشدني ما قال حماد في، فقال:
دعيت إلى برد، وأنت لغيره ... وهبك ابن برد
نكت أمك
من برد؟
فقال بشار: أها هنا أحد؟ قال: لا، قال: أحسن، والله، ابن الزانية، ولقد تبين له علي في بيت واحد خمسة معان في الهجو وهي: دعيت إلى برد معي، وأنت لغيره. ثان، وهبك ابن برد معنى ثالث، ونكت أمك، شتم واستخفاف مجرد وهو معنى رابع، ثم ختمها بقوله: من برد؟ فأتى بالطامة الكبرى.
وكان الحطيئة قبيح المنظر، كثير الشر، فالتمس يوماً إنساناً يهجوه، فلم يجده، فوقف على ماء، وجعل يقول:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بشر ولا أدري لمن أنا قائله
ثم نظر إلى الماء، فرأى وجهه، فقال:
أرى لي وجهاً قبح الله خلقه ... فقبح من وجه، وقبح حامله
وقال أبو القاسم بن الأزرق: دخلت على الشافعي ﵀ فقلت: يا أبا عبد الله، ما تنصفنا، لك هذا الفقه تفوز بفوائده. ولنا هذا الشعر، وقد جئت تداخلنا فيه، فإما أفردتنا بالشعر، أو أشركتنا في الفقه، وقد جئت بأبيات إن أجزتنا بمثلها تبت من الشعر، وإن أعجزت عنها تبت، فقال لي: إيه يا هذا، فأنشدته:
ما همتي إلا مقارعة العدا ... خلق الزمان، وهمتي لم تخلق
والناس أعينهم إلى سلب الفتى ... لا يسألون عن الحجى والأولق
لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان، أي تفرق
لو كان بالحيل الغنى، لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي
فقال الشافعي: ألا قلت، كما أقول، ارتجالاً:
إن الذي رزق اليسار، فلم يصب ... حمداً ولا أجراً، لغير موفق
فالجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى ... عوداً، فأثمر في يديه، فحقق
وإذا سمعت بأن محروماً أتى ... ماء ليشربه، ففاض، فصدق
стр. 106
وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلى برزق ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب، وطيب عيش الأحمق
ولربما عرضت لنفسي فكرة ... فأود منها أنني لم أخلق
فقلت: تالله، لا قلت شعراً بعدها.
وقيل للمنصور: إن أبا دلامة لا يحضر الصلاة، وأنه معتكف على الخمر، وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة معك لأصلحته وغيره، فلما دخل عليه قال أبو دلامة الماجن، قال: يا أمير المؤمنين، ما لنا والمجون؟ فقال: دعني من اشتكائك وتضرعك، وإياك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي، فإن فاتتك لأحسنن أدبك، ولأطيلن حبسك، فوقع في أمر عظيم، فلزم المسجد أياماً، ثم كتب رقعة، ودفعها إلى المهدي، فأوصلها إلى أبيه، وفيها:
ألم تعلما أن الخليفة لزني ... بمسجده والقصر، ما لي وللقصر؟
أصلي بها الأولى جميعاً وعصرها ... فويلي من الأولى، وويلي من العصر
أصليهما بالكره من غير مسجدي ... فما لي في الأولى، وفي العصر، من أجر
يكلفني من بعد ما شبت توبة ... يحط بها عني الثقيل من الوزر
ووالله، ما لي نية في صلاتها ... ولا البر والإحسان والخير من أمري
لقد كان في قومي مساجد جمعة ... ولم ينشرح يوماً لغشيانها صدري
وما ضره، والله يغفر ذنبه ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري
فقال: صدق، وما يضرني ذلك، والله، لا يصلح هذا أبداً، دعوه يفعل ما يشاء.
وحكى إسحاق الموصلي قال: دخلت على الرشيد، وهو مستلق على قفاه، وهو يقول: أحسن والله، فتى قريش وظريفها وشاعرها، قلت: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله:
لا أسأل الله تغييراً لما فعلت ... نامت، وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها
ثم قال: أتعرفه؟ قلت بصوت ضعيف: لا، فقال: بحقي عليك؟ فقلت: نعم، هو الوليد بن يزيد، قال: استر ما سمعت مني، وإنه ليستحق أكثر مما وصفته به.
ولما بنى المأمون على بوران، وأراد غشيانها حاضت، فقالت: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) ، فنام في فراش آخر، فلما أصبح دخل عليه أفاضل ندمائه يهنئونه، ويدعون له، فأنشدهم بديهاً:
فارس في الحرب منغمس ... عارف بالطعن في الظلم
رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم
وجاء رجل إلى خياط؛ ليصنع له قميصاً، فقال: والله، لأفصلنه لك تفصيلاً لا يدرى أقميص هو أم قباء، ففعل ذلك، قال صاحب الثوب: أنا - والله، لأدعون، لك دعاء لا يدرى أهو لك أم عليك، وكان الخياط أعور يسمى بشراً فقال:
خاط لي بشر قباء ... ليت عينيه سواء
وروي أن المنصور أنشده أبو دلامة ما أعجب به، فكساه طيلساناً، وأمر له بمال، وعاهده ألا يشرب الخمر، فحلف له، وخرج إلى بني داود بن علي، فضحكوا به، وقص عليهم الخبر، فسقوه حتى أسكروه وأخرجوه، فأعلم المنصور الخبر، فأرسل فيه، وأمر المنصور بسجنه، وتمزيق ساجه، وألا يمكن من قرطاس ولا مداد، ففعل به الرسول ذلك، فانتبه في جوف الليل، فنادى جاريته، فقال له السجان: أطعنه في كبدك؟ فقال له: ويلك، من أنت؟ وأين أنا؟ فقال: سل نفسك، أين كنت عشاء أمس؟ فاستحلفه من أنت؟ فقال: أنا السجان، بعث بك أمير المؤمنين، وأنت سكران، فأمرني أن أحبسك مع الدجاج، فقال له: أحب أن تسرج لي سراجاً، وتأتيني بدواة وقرطاس، ولك عندي صلة، فقال له: أما السراج فنعم، وأما القرطاس والدواة فما أمرت أن أمكنك منهما، فلما أتاه بالسراج وجد ساجه ممزقاً، متلطخاً بأزبال الدجاج، ورأى نفسه جالساً بينها، فقال له: ادع لي أبو دلامة، فدعاه، فأمره أن يجيد حلق رأسه، وأن يأتيه بفحمة، فتب على رأس ابنه:
أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
تهش لها القلوب، وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج
أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست، لكان خيراً ... ولكني حبست مع الدجاج
أمير المؤمنين، فدتك نفسي ... ففيم حبستني وخرقت ساجي
على أني، وإن لاقيت شرا، ... لخيرك بعد ذاك الشر راج
стр. 107
ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذه أمانة، فإذا قرأت، فمزق الرقعة، ثم أمر دلامة أن يدخل على أمير المؤمنين، ويقرئه ما في رأسه، فأتى الباب وصاح: دعوة مظلوم، فأعلم المنصور بذلك، فأقر بإدخاله، فكشف رأسه وقال: إن ظلامتي مكتوبة في رأسي، فأدنى منه حتى قرأها، فاشتد ضحكه، وعجب من حيلته وأمر بإخراجه وقال: ما أحوج هذه الرقعة أن تمزق، ثم وصله بصلة، ونهاه أن يوجد وهو سكران.
وضلت ناقة لأعرابي في ليلة مظلمة، فأكثر طلبها، فلم يجدها، فلما طلع القمر وانبسط نوره وجدها إلى جانبه ببعض الأودية، وكان قد اجتاز بموضعها مراراً، فلم يرها؛ لشدة الظلام، فرفع رأسه إلى القمر وقال:
ماذا أقول، وقولي فيك حصر ... وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت: لا زلت مرفوعاً، فأنت كذا ... أو قلت: زانك ربي، فهو قد فعلا
وكان أبو هرمة أبخل الناس على ادعائه الكرم في شعره، فأتاه يوماً جماعة، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: شعرك، حيث تقول:
أغشى الطريق بقبتي ورواقها ... وأحل في قلل الربى، وأقيم
إن امرءاً جعل الطريق لبيته ... طبناً، وأنكر حقه للئيم
فنظر إلينا، وقال: ما على الأرض عصبة أسخف منكم عقولاً، أما سمعتم قول الله سبحانه: (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) في الشعراء؟ والله، إني لأقول ما لا أفعل، وأنتم تريدون أن أفعل ما أقول، والله، لا عصيت ربي في رضاكم.
وكان عبد الصمت مؤدب الوليد لوطياً زنديقاً، وكان سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت جميل الوجه شاعراً، فدخل على عبد الصمد، فأراده في نفسه، فسبه وخرج مغضباً، فدخل على هشام بن عبد الملك وهو يقول:
إنه والله، لولا أنت، لم ... ينج مني سالماً عبد الصمد
قال هشام: ولم؟ قال:
إنه قد رام مني حطة ... لم يرمها قبله مني أحد
قال: وما هي؟ قال:
رام جهلاً بي، وجهلاً بأبي ... يدخل الأفعى إلى غيل الأسد
فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئاً لم أنكر عليك، وهذا من أبدع الكناية، وقد أحسن التعبير حيث رقق هذا المنكر الأكبر، وعبر عنه بلفظ يليق أن يقابل به خليفة.
وقال أبو بكر الصولي: اجتمعت الشعراء بباب المعتصم، فبعث إليه محمد بن عبد الملك الزيات، وقال لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: من كان يحسن أن يقول مثل قول النمري في الرشيد فليدخل، وأنشد له:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بك، يا هارون معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
فقال ابن وهب الحميري: فينا من يقول مثله، وأحسن منه، وأنشد له:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
تحكي أنامله في كل نائبة ... الغيث والصمصامة الذكر
وقال الزبير بن بكار: ذكر عبد الله بن مالك الخزاعي قال: كنا بالرقة، مع هارون الرشيد، فأتى موت الكسائي وإبراهيم الموصلي والعباس بن الأحنف في وقت واحد، فقال لابنه المأمون: أخرج فصل عليهم، فخرج في وجوه قواده وخاصته، وقد ذهبوا له، فقالوا له: من تقدم منهم؟ فقال: الذي يقول:
يا بعيد الدار من وطنه ... مفرراً يبكي على شجنه
كلما هاجت صبابته ... زادت الأسقام في بدنه
ولقد زاد الفؤاد شجاً ... هاتف يبكي على فننه
شفه ما شفني، فبكى ... كلنا يبكي على شجنه
فقالوا: هذا، وأشاروا إلى نعش العباس بن الأحنف، فقدمه عليهم.
وقال أيضاً الزبير بن بكار: أنشد منشد أبا العباس المخزومي:
بيناهم سكن بجيرتهم ... ذكروا الفراق، فأصبحوا سفرا
فبكى أبو السائب وقال: ويحهم، أما علقوا سفره، أو أوكوا قربة، أو ودعوا صديقاً؟ قال الزبير: رحم الله أبا السائب، كيف لو سمع قول العباس بن الأحنف:
سألونا عن حالنا: كيف أنتم ... وقرنا وداعهم بالسؤال
ما نزلنا حتى رحلنا، فما نفرق ... بين النزول والترحال
وقال أحمد بن إبراهيم: وقع بين أحمد بن حامد وامرأته شر، كادا يخرجان معه إلى القطيعة، وكان يحبها، فلقيته يوماً، فسألته عن حاله. فأومأ أنه استراح، إذ هجرها، فقالت له: ذهب عنك قول العباس بن الأحنف:
تعب يكون به الرجاء مع الهوى ... خير له من راحة في الياس
стр. 108
لولا كرامتكم لما عاتبتكم ... ولكنتم عندي كبعض الناس
ثم غنت فيه لحناً، وغنته إياه، واصطلحا.
وعن إسحاق الموصلي قال: غضب الفضل بن الربيع على جارية له، كانت أحب الناس إليه، وتأخرت عن استرضائه، فوجه إلي يعلمني بذلك، ويشكوها إلي، فكتبت إليه: لك العز والشرف، ولأعدائك الذل والتلف، استعمل قول العباس بن الأحنف:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... تفارق من تهوى، وأنفك راغم
ففعل ذلك فاصطلحا، ووصلني بجائزة.
وغضب الرشيد مرة على زبيدة أم جعفر وترضاها، فأبت أن ترضى، وأرق ليلة وقال: افرشوا لي على دجلة ففعلوا، وقعد ينظر إلى الماء، فسمع غناء في هذا الشعر:
جرى السيل، فاستبكاني السيل إذا جرى ... وفاضت له من مقلتي غروب
وما ذاك إلا أن تيقنت أنه ... يمر بواد أنت منه قريب
يكون أجاجاً دونكم، فإذا انتهى ... إليكم، تلقى طيبكم فطيب
فيا ساكني أكناف دجلة، كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
فسأل عن الناحية التي فيها الغناء وعن المغني، فإذا هو الزبير بن دحمان، فسأله عن الشعر، فقال: هو للعباس بن الأحنف يا أمير المؤمنين، فأمر بإحضاره، واستنشده، وجعل الزبير يغنيه، والعباس ينشده حتى أصبح، ودخل إلى أم جعفر، فسألت عن دخوله إليها فعرفت، فوجهت إلى العباس بألف دينار، وإلى الزبير بخمسمائة دينار.
وكان لمخارق من الكلف بجارية أم جعفر بهار ما لا غاية بعده، وعلمت بذلك أم جعفر، فشق على مخارق علم أم جعفر بحبه، فاستعمل الجفاء بينه وبينها؛ إجلالاً لأم جعفر، وطمعاً للسلو عنها، فبينما هو منصرف ليلة من الليالي من دار المأمون، وأم جعفر مشرفة على دجلة، فلما حاذى دارها رفع عقيرته، فتغنى بشعر العباس بن الأحنف:
إن تمنعوني ممري قرب داركم ... فسوف أنظر من بعد إلى الدار
لا يقدرون على منعي وإن جهدوا ... إذا مررت فتسليمي بإضماري
سيما الهوى عرفت، حتى شهرت بها ... إني محب، وما بالحب من عار
فسمعته أم جعفر، وأمرت خدمها، وصاحوا بالملاح: قدم، فقدم الزورق حتى حاذى باب الدار، ونزل مخارق، وطلع إلى أم جعفر، ودعت له بكرسي، وكأس فيه نبيذ، فشرب وخلعت عليه وأجازته، وقالت لجواريها: اضربن عليه، فكان أول ما غنى به قول العباس بن الأحنف:
أغيب عنك بود، لا يغيره ... نأي المحل، ولا صرف من الزمن
فإن أعش، فلعل الدهر يجمعنا ... وإن أمت، فقتيل الهم والحزن
قد حسن الله في عيني ما صنعت ... حتى أرى حسناً، ما ليس بالحسن
فاندفعت بهار تغني جواب ما غنى به مخارق فقالت:
تعتل بالشغل عنا ما تكلمنا ... والشغل للقلب ليس الشغل للبدن
فضحكت أم جعفر وقالت: ما سمعت بألطف من مخاطبتكما، خذها مخارق، وقد وهبتها لك فحملها مخارق من وقته إلى داره.
ويروى أن أبا نواس والعباس بن الأحنف والحسين الخليع، وصريع الغواني خرجوا إلى متنزه لهم، ومعهم رجل يقال له: يحيى بن المعلي، فحضرت الصلاة فقدموه يصلي بهم، فنسي: (الحمد) ، وقرأ: (قل هو الله أحد) وأرتج عليه في نصفها فقال أبو نواس:
أكثر يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد
وقال العباس بن الأحنف:
ونسي الحمد، وما ... مرت له على خلد
وقال صريع الغواني:
قام طويلاً راكعاً ... حتى إذا أعيا سجد
وقال الحسين الخليع:
كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد
وقال أبو العتاهية: سبقني أبو نواس إلى ثلاثة أبيات، وددت أني سبقته إليها بكل ما قلت من الشعر، منها قوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وقوله:
فإن يك باق إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بلف خصيب
وقوله:
يا كثير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر
ولله دره، ما أكثر إنصافه.
وقال أبو عمر الشيباني: دخلت على المأمون، فقال لي: يا أبا عمر، من أشعر الناس؟ قلت: يا أمير المؤمنين، اختلف العلماء في ذلك، وهم القدوة، ونحن المقتدون، وقد قالوا: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب، قال المأمون: من الذي يقول:
стр. 109
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل
قلت: أبو نواس: قال: فمن الذي يقول:
فتشمت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
قلت: أبو نواس، قال: فمن الذي يقول:
هي الخمر لا زالت تذيع فضائحي ... وتفعل ما شاءت بي الخمر من أمر
متى أكتسب مالاً، فللخمر شطره ... ويحكم رب الخرد العين في الشطر
قلت: هذا من ديباج قول أبي نواس، قال: فمن الذي يقول:
أقل ما فيه من فضائله ... أمنك من طمثه ومن حبله
قلت: هو أبو نواس، قال: هو أشعر الأولين والآخرين من الإنس والجن، قال: فعجبت من المأمون، وعنايته بأبي نواس، وحفظه لشعره.
وقال الأصمعي: قلت يوماً لبشار: رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك التي في المشورة، وهي قولك:
إذا بلغ الرأي المشورة، فاستعن ... بقول نصيح، أو مشورة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي عدة للقوادم
وخل الهوينى للضعيف، ولا تكن ... نئوماً؛ فإن الحزم ليس بنائم
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يقيد بقائم
فقال بشار: أما علمت أن المشاورة على إحدى الحسنيين، صواب يفوز به، وبثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، قال الأصمعي: أنت، والله، في قولك أشعر منك في شعرك.
ودخل على الحجاج سليك بن سلكة فقال: أصلح الله الأمير، أعرني سمعك واغضض عني بصرك، واكفف عني عزك، فإن سمعت خطأ أو زللاً فدونك والعقوبة، قال: قل، قال: عصى عاص من العشيرة، فخلق على اسمي، وحرمت عطائي، وهدم منزلي، فقال الحجاج: هيهات، أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك، وربما ... تفدي الصحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب عشيرة ... ونجا المقارب صاحب الذنب
قال: أصلح الله الأمير: إني سمعت الله يقول غير هذا، قال: وما ذاك؟ قال الله: (يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذَ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده إنا إذاً لظالمون) قال الحجاج: علي بيزيد بن مسلم، فوقف بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، ومر منادياً ينادي في الناس: صدق الله، وكذب الشاعر.
ولما هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر بالشعر الذي يقول فيه:
دع المكارم، لا ترحل لبغيها ... واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي
استعدى عليه عمر بن الخطاب ﵁، وأنشده البيت، فقال: ما أرى به بأساً، قال الزبرقان: والله، يا أمير المؤمنين، ما هجيت ببيت قط أشد علي منه، فبعث إلى حسان بن ثابت فقال: انظر إن كان هجاه، فقال: ما هجاه ولكن سلح عليه، ولم يكن عمر ﵁ يجهل موضع الهجاء، ولكن كره أن يتعرض لشأنه، فبعث إلى شاعر مثله، وأمر بالحطيئة إلى السجن، وقال: يا خبيث، لأشغلنك عن أعراض المسلمين، فكتب إليه من السجن:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر
ما آثروك بها، إذا قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الأثر
ولما هجا النجاشي رهط تميم بن مقبل، استعدوا عليه عمر بن الخطاب، وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه هجانا، قال: فما قال فيكم؟ قالوا: إنه قال:
إذا الله عادى أهل لؤم وذلة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر: رجل دعا، فإن كان مظلوماً استجيب له، وإن لم يكن مظلوماً لم يستجب له، قالوا: فقد قال بعد هذا:
قبيلتهم لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر ﵁: لبيت آل بني الخطاب مثل هؤلاء، قالوا: فإنه يقول بعد هذا:
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل
فقال عمر: ذلك أجم لهم وأمكن قالوا: فإنه يقول بعد هذا:
وما سمي العجلان إلا لقوله ... خذ العقب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: سيد القوم خادمهم، فما أرى بهذا بأساً، ولم يكن عمر ﵁ ينكر أن ذلك هجو، ولكنه أراد أن يدرأ الحد بالشبهات.
стр. 110
وكان بنو عبد المدان الحارثيون يفخرون بطول أجسامهم، حتى قال فيهم حسان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ ... جسم البغال وأحلام العصافير
فقالوا له: يا أبا الوليد، والله، لقد تركتنا ونحن نستحي من ذكر أجسامنا، بعد أن كنا نفخر بذلك.
وكان بنو نمير أشراف قيس وذؤابتها، وكان الرجل منهم يفخر بذلك ويقول: النميري، ويمد صوته حتى قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فانكسرت شوكتهم من يومئذ، ولم تعرف لهم علامة بعد ذلك.
وكان بنو أنف الناقة يسمون بهذا الاسم، يسأل الرجل منهم عن نسبه فيخفيه، ولا ينتسب لأنف الناقة، حتى قال فيهم الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا
وجاء أعرابي إلى أبي داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاسمع مني، قال: قف قليلاً، ثم دخل بيته وتقلد سيفه، وخرج فقال: قل، فإن أحسنت حكمناك، وإن لم تحسن قتلناك، فقال:
أمنت بداود وجود يمينه ... من المحدث المخشي والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان، إذا شددت به أزري
له حلم لقمان، وصورة يوسف ... وحكم سليمان، وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من جود كفه ... كما يفرق الشيطان من ليلة القدر
فقال له: قل، فقد حكمناك، فإن شئت على قدرنا، وإن شئت على قدرك، قال: بل على قدري، فأعطاه خمسين ألفاً، فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير؟ قال: لم يكن في ماله ما يفي بقدره، فقال له داود: أنت في هذا أشعر منك في شعرك، وأمر له بمثل ما أعطاه.
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد، إذ دخل عليه إبراهيم الموصلي فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها: اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
فعالي فعال المكثرين تجملاً ... ومالي كما تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر، أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال له الرشيد: لله أبيات، تأتينا بها، ما أحسن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها، يا غلام: أعطه عشرين ألفاً، قال: والله، لا أخذت منها درهماً، قال: ولم؟ قال: لأن كلامك، والله، يا أمير المؤمنين، خير من شعري، قال: أعطوه أربعين ألفاً، قال الأصمعي: فعرفت أنه أصيد الدراهم الملوك مني.
وقال الشيباني: ولد لأبي دلامة ابنة ليلاً، فأوقد السراج، وجعل يخيط خريطة شقق، فلما أصبح طواها بين أصابعه، وغدا بها إلى المهدي، فاستأذن عليه، فأذن له، وكان لا يحجب عنه، فأنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم، لقيل: اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا من شعاع الشمس في درج ... إلى السماء، فأنتم أكرم الناس
فقال المهدي: أحسنت، والله، يا أبا دلامة، فما الذي غدا بك إلينا؟ فقال: ولدت لي جارية، يا أمير المؤمنين، قال: فهل قلت فيها شعراً؟ قال: قلت:
بللت علي ... لا حييت
ثوبي
فبال عليك شيطان رجيم
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها، وأب لئيم
قال: فضحك المهدي وقال: فيم تريد أن أعينك في تربيتها؟ قال: تملأ لي هذه يا أمير المؤمنين، وأشار إليه بالخريطة بين أصابعه، قال له المهدي: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل، لم يقنع بالكثير، فأمر أن تملأ له، فلما نشرت بلغت صحن الدار، فدخل فيها أربعة آلاف درهم.
وكتب أبو دلامة إلى عيسى بن موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الرب الرحيم
فأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأنصار قبح من غريم
لزوم ما علمت لباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائة علي ونصف أخرى ... ونصف النصف من صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... حبوت بها شيوخ بني تميم
فبعث إليه بمائة ألف.
ولقي أبو دلامة أبا دلف في صيد له، وهو والي العراق، فأخذ بعنان فرسه، وأنشد:
إني حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق، وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهماً حجري
следующие страницы →