← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 187–226 · переход к 192.

стр. 187

وحديث عثمان عند. . . . (١)؟ قال: "دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ يعودُني وأنا مريضٌ، فقال: أعيذك بالله الأحدِ الصَّمَدِ (٢) الحديث"، وسَنَدُهُ جَيدٌ. وحديث كعب بن مالك عند الطبرانيِّ في الكبير: "من عاد مريضًا خاض في الرحمة، فإذا جلس استنقع فيها (٣) ". وحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عند الطبراني أيضًا: "من عاد مريضًا، فلا يزال في الرحمة حَتَّى إذا قعد عنده استنقع (٤) فيها، ثُمَّ إذا خرج من عنده؛ فَلا يَزالُ يخوض فيها حتَّى يروح من حيث خرج (٥) ". وحديث عمر بن الخطاب عند ابن مردويه: "قال: يا رسول الله ما لنا من الأجر في عيادة

стр. 188

المريض؟ فقال: إن العبد إذا عاد المريض خاض في الرحمة إلى حقوه" (١). وحديث أبي عبيدة بن الجراح عند ابن أبي شيبة في مصنفه قال: "قال رسول الله ﷺ : من عاد مريضًا، أو أماط أذى من الطريق؛ فحسنة بعشر أمثالها (٢) ". وحديث سلمان عند الطبراني قال: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ يعودُني؛ فلما أراد أن يخرج قال: يا سلمانُ كشف الله ضرَّك، وغَفَرَ ذَنْبَك، وعافاك في دينك، وجسدك إلى أجلك (٣) ". وحديث عثمان بن أبي العاص عند الحاكم في المستدرك: "جاءني رسولُ الله ﷺ يعودُني مِن وَجَعٍ اشتدَّ بي (٤) ".

стр. 189

[٣٦ ب/ص] وحديث عوف بن مالك /عند الطبراني: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: عُودُوا المريضَ، واتَّبِعوا الجنازةَ (١) ". [٨٢ أ/ص] وحديث /أبي الدرداءِ عند الطبراني أيضًا: "قال النَّبي ﷺ : إنَّ الرَّجل إذا خرج يعود أخًا له مؤمنًا خاض في الرحمة إلى حقويه؛ فإذا جلس عند المريض؛ فاستوى جالسًا غمرته الرحمة (٢) ". وحديث صفوان بن عسال عند الطبراني أيضًا قال: "قال رسول الله ﷺ : من زار أخاه المؤمن خاض في الرحمة حتى يرجعَ، ومن زار أخاه المريض خاضَ في رياضِ الجنة حتى يرجع (٣) ". وحديث معاذ بن جبل عند الطبرانيِّ أيضًا قال: "قال رسولُ الله: ﷺ خمسٌ من فعل واحدة منهنَّ كان ضامنًا على الله : من عاد مريضًا، أو خرج مع الجنازة، أو خرج غازيا، أو دخل على إمامه يريد تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته؛ فسلم النَّاس منه، وسلم من الناس (٤) ".

стр. 190

وحديث جُبير بن مطعم عنده أيضًا قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ عادَ سعيد بن العاص؛ فرأيت رسول الله ﷺ يكمده بخرقة (١) ". وحديث عائشة ﵂ عند سيف في كتاب الردة: قالت: "قال رسول الله ﷺ العيادة سنة، عودوا غبًا؛ فإن أُغمي على مريض؛ فحتى يفيق (٢) ". وحديث فاطمة الخزاعية عند ابن أبي الدنيا قالت: "عاد رسول الله ﷺ امرأة من الأنصار فقال: كيف نجدك؟ قالت: بخير يا رسول الله. . . الحديث (٣) ". وحديثُ أمِّ سليم عند ابن أبي الدنيا في كتاب (المرض، والكفارات) قالتْ: "مرضتُ؛ فعادني رسول الله ﷺ ، فقال: يا أُمَّ سُليم أتعرفين النار، والحديد، وخبث الحديد، قلت: نعم يا رسول

стр. 191

الله، فقال: يا أُمَّ سليم؛ فإنَّك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصي منه؛ كما تخلص الحديد من النار من خبثه (١) ". وحديث أم العلاء عند أبي داود قالت: "عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة- (٢). . . الحديث". ثُمَّ إن عيادة المريض سنة كما تقدم؛ سواء كان المريض الرمد، وغيره من الأمراض، وسواء الصديق، والعدو، ومن يعرفه، ومن لا يعرفه، ولو ذميًّا، وإذا كان قريبًا أو جارًا يتأكدُ ذلك؛ وفاء بصلة الرحم، وحق الجوار؛ لعموم الأخبار، والظاهر أن المعاهد والمستأمن كالذمي. [٨٣ أ/س] وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة، وأهل الفجور، والمكوس-إذا لم يكن قرابة، ولا جوار، ولا رجاء توبة-نظر فإنا مأمورون بمهاجرتهم، /ولتكن العيادة غبا، فلا يواصلها كلُّ يومٍ، إلا أن يكون مغلوبًا، وهذا في غير القريب والصديق ونحوهما ممن يستأنس به المريض، أو يتبرك به، أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم، أما هؤلاءِ؛ فيواصلونها مالم ينهوا، أو لم يعلموا كراهته (٣) وقول الغزاليّ: " إنما يعاد بعد ثلاث لخبر ورد فيه رد بأنه موضوع ذكره القسطلاني (٤)، ويدعو له، وينصرف، ويستحب في دعائه أن يقول: "أسأل الله العظيم ربِّ العرش العظيم أن يشفيك (٥) سبع مرات"،

стр. 192

رواه التِّرْمذي، وحسنه، ويخفف المكث عنده، بل تكره إطالته؛ لما فيه إضجاره ومنعه من بعض تصرفاته (١)، والله أعلم. (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) بالجرِّ أيضًا، والإجابة مصدر، والاسم الجابة بمنزلة الطاعة، يُقال: أجابه، وأجاب عن سؤاله والاستجابة بمعنى الإجابة (٢)، ومنه الجواب، والداعي من دعا يدعو دعوة، والدعوة بالفتح إلى الطعام بالكسر في النسب، والضم في الحرب، ويقال: دعوتُ اللهَ له، وعليه دعاء (٣)، وفي التوضيح: إنْ كانت الدعوة إلى وليمة النكاح؛ فجمهور العلماء على الوجوب، قالوا: والأكل واجب على الصائم. انتهى (٤)، وعندنا مستحب. وقال الطيبيُّ (٥): إذا دعا المسلم المسلم إلى ضيافة وجب عليه طاعته إذا لم يكن ثمة ما يتضرر بدينه من الملاهي ومفارش الحرير (٦). وقال الفقيه أبو الليث (٧): إذا دعيت إلى وليمةٍ؛ فَإن لم يكن ماله حرامًا، ولم يكن فيها فسقٌ؛ فلا بأس بالإجابة، وإن كان ماله حرامًا؛ فلا يجيب، وكذلك إذا كان فاسقًا معلنًا؛ فلا يجيبه؛ ليعلم

стр. 193

أنَّكَ غيرُ راضٍ بفسقه، وإذا أتيت وليمة فيها منكر؛ فانههم عن ذلك؛ فإن لم ينتهوا فارجع؛ لأنَّك إن جالستهم ظنُّوا أنك راضٍ بفعلهم، وروي عن النَّبي ﷺ أنه قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)، وقال بعضهم: إجابة الدعوة واجبة لا يسعُ ترْكَها (٢). واحتجُّوا بما رُوِيَ عن النَّبي ﷺ أنه قال: "من لم يجبِ الدعوةُ؛ فقد عصى أبا القاسم (٣) ". [٨٣ أ/ص] وقالتْ عامةُ العلماءِ: ليستْ بواجبةٍ؛ ولكنَّها سنةٌ، والأفضلُ أن يجيب إذا كانت الوليمة يدعى فيها الغني والفقير، وإذا دعيتَ إلى الوليمة وأنتَ صائمٌ؛ فأخبره بذلك، فإن قال: لابدَّ من الحضور؛ فأجبه، فإذا دخلت المنزل؛ فإن كان صومُك تطوعًا وتعلم أنَّه لا يشقُّ عليه ذلك؛ فلا تفطر، /وإن علمتَ أنَّه يشقُّ عليه امتناعك من الطعام، فإن شئتَ؛ فأفطر، واقضِ يومًا مكانه، وإن شئت فلا تفطر، والإفطار أفضل؛ لأنَّ فيه إدخالًا للسرور على المؤمن (٤). وقال بعض الحكماء: من دعانا فأبينا ... فله الفضل علينا

стр. 194

وإذا نحن أجبنا ... رجع الفضل إلينا (١). قيل: وإياك أن تمتنع بعد الإجابة من الحضور إلا بعذر ظاهر؛ لأنَّ في الامتناع عن الإجابة جفاء، وفيه أيضًا خلاف الوعد؛ وَروى أبو سعيد الخدري ﵁: أن رجلا أضاف رسول الله ﷺ مع صحبه، وكان فيهم رجل صائم، فقال له رسول الله ﷺ : "أجب أخاك وافطر واقض يومًا مكانه" (٢). وروى عن النَّبي ﷺ أنه قال: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليجب، فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليصل له (٣) "، يعني يدعو له بالبركة؛ ورُوِي عن عمر ﵁ أنه دُعِي إلى طعام فجلس، ووُضِع الطعام فمد يده، فقال: "خذوا باسم الله"، ثُمَّ قبض يده، فقال: "إني صائم (٤) "، كذا في بستان العارفين. [٣٧ ب/س] (/وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ) بالجر أيضًا، مسلمًا كان أو ذميًّا، بالقول والفعل، وهو فرض على من قدر عليه، ويطاع أمره؛ وعن أنس ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال

стр. 195

رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إن كان ظالمًا كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم؛ فإنَّ ذلك نصره (١) "، رواه البخاري، والتِّرْمذي. وفي رواية مسلم عن جابر عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما: إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصرة، وإن كان مظلومًا؛ فلينصره (٢) ". وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهنيِّ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من حمى مؤمنًا عن منافق -أراه قال-: بعث الله ملكًا يحمي لحمه يومَ القيامةِ من نار جهنَّم (٣) "، رواه أبو داود. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎: وعزتي وجلالي لأنتقمنَّ من الظالمِ في عاجله وآجله، ولأنتقمنَّ من رأى مظلومًا؛ فقدر أن ينصره فلم يفعل" (٤)، رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب التوبيخ (٥).

стр. 196

(وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ) بالجر أيضًا، والإبرار بكسر الهمزة إفعال من البر خلاف الخبث، يقال: أبر القسم إذا صدقه، ويرى إبرار المُقْسِم بضم الميم، وسكون القاف، وكسر السين، قيل: هو تصديق من أقسم عليك، وهو أن يفعل ما سأله الملتمس، وأقسم عليه أن يفعله، وقال الطيبيُّ: المرادُ من المقسم الحالف، ويكون المعنى: أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل، وأنت تقدر على تصديق يمينه، كما لو أقسم أن لا يفارقك حتَّى تفعلَ كذا، وأنت تستطيعُ فِعْلَهُ؛ فأفعل؛ لئلا يحنث في يمينيه (١).؛ وهو خاصٌ فيما يحل، وهو من مكارمِ الأخْلاقِ؛ فإن ترتب على تركه مصلحة؛ فلا، ولذا قال ﷺ لأبي بكر ﵁ في قصة تعبير الرؤيا: " لا تقسم، حين قال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت" (٢). [٨٤ أ/س] (وَرَدِّ السَّلَامِ) وهو فرض على الكفاية، وفي التوضيح ردُّ السلام فرض على الكفاية عند مالك والشافعي، وعند الكوفيين فرض عين على كلِّ أحد من الجماعة (٣)، وقال صاحب المعونة: الابتداء بالسَّلام /سنة، ورده آكد من ابتدائه (٤). وأقله: السلام عليكم، وقال أصحابنا: ردُّ السَّلام فريضة على كل من سمع السلام؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين (٥)، والتسليم سنة، وثواب المُسَلِّم أكثر، ولا يصح الرد حتى يسمعه المسلم إلا أن يكون أصم؛ فينبغي أن يرد عليه بتحريك شفتيه، وكذلك تشميت العاطس.

стр. 197

ولو سلم على جماعة وفيهم صبي؛ فرد الصبيِّ إن كان لا يعقل لا يصح، وإن كان يعقل هل يصح؟ فيه اختلاف (١)، ويجيب على المرأة رد سلام الرجل، ولا ترفع صوتها؛ لأن صوتها عورة، وإن سلمت عليه، فإن كانت عجوزًا ردَّ عليها، وإن كانت شابة ردَّ في نفسه (٢)، وعلى هذا التفصيل تشميت الرجل المرأة وبالعكس، ولا يجب ردُّ سلام السائل، ولا ينبغي أن يسلم على من يقرأ القرآن؛ فإن سلم عليه يجب الرد عليه (٣). (وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) بالجر أيضًا، وتشميتُ العاطس دعاء له بالخير، وكل داعٍ لأحد بخير؛ فهو مشمت، ويقال أيضًا بالسين المهملة (٤)، وقال ابن الأثير: التشميت بالشين والسين الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، يقال: شمت فلانًا وشمت عليه تشميتًا فهو مشمت، واشتمامة من الشوامت، وهي القوائم؛ كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله ، وقيل معناه: أبعدك الله عن الشماتة، وجنَّبكَ ما يشمت به عليك، والشماتة فرح العدو بِبَلِيَّةٍ تنزلُ بمن يعاديه، يقال: شمت به يشمت؛ فهو شامت وأشمته غيره (٥)، والمراد به أن يقول: يرحمك الله إذا حمد العاطس، ويرد العاطس بقوله يهديكم الله ويصلح بالكم؛ وروى عن الأوزاعي أن رجلًا عطس

стр. 198

بحضرته فلم يحمد، فقال: كيف تقول إذا أعطست؟ قال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله (١)، وهو وجوابه سنة على الكفاية؛ خلافًا للبعض، فقد قال مالك: "ومن عطس في الصلاة حمد في نفسه"، وخالفه سحنون فقال: "ولا في نفسه (٢) "، وقد ذكر بعض ما يتعلق به رد السلام. (وَنَهَانَا عَنْ سبع) وقد سقط في رواية لفظ سبع (٣)، (آنِيَةِ الْفِضَّةِ) وعلى تقدير وجود سبع يجوز في الآنية الجر والرفع، أما الجر: فعلى أنه بدل من سبع، وأما الرفع (٤): فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أحدها آنية الفضة، والنهي فيه نهي تحريم، وكذلك آنية الذهب بل هي أشد. [٨٤ أ/ص] قال أصحابنا: لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء (٥)؛ لما في حديث حذيفة / ﵃ عند الجماعة: "ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها. . . الحديث (٦) "، وقالوا: وعلى هذا المجمرة، والملعقة، والمدهن، والمكحلة، والميل، والمرآة. . . ونحو ذلك، فيستوى في ذلك الرجال والنساء لعموم النهي، والحكمة مشتركة، وهي السرف، والخيلاء، وعليه الإجماع، ويجوز الشرب في الإناء المفضض، والجلوس على السرير المفضض-إذا كان يتقي موضع الفضة، أي: يتقي فمه، وقيل: يتقي أخذه باليد، وقال أبو يوسف: يُكره، وقول محمد مضطرب، ويجوز التجمل بالأواني من الذهب والفضة بشرط أن لا يريد به التفاخر والتكاثر؛ لأن فيه إظهار نعم الله تعالى (٧).

стр. 199

(و) عن (وَخَاتَمِ الذَّهَبِ) الخاتم بفتح التاء وكسرها، والخيتام والخاتام كله بمعنى، والجمع الخواتيم (١)، وهو حرام على الرجال، ومن الناس من أباح التختم بالذهب لما روى الطحاوي في شرح الأثار بإسناده إلى محمد بن مالك قال: "رأيتُ على البراء خاتمًا من ذهب؛ فقيل له، فقال: "قسم رسول الله ﷺ ؛ [الغينمة] (٢) فألبسنيه وقال: البس ما كساك الله ورسوله (٣) "، والجواب أن الترجيح للمحرم، وما روى من ذلك كان قبل النهي. [٣٧ ب/ص] وأما التختم بالفضة؛ فإنه يجوز؛ لما روى عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة له فصٌّ /حبشي، ونقش فيه محمد رسول الله (٤) " رواه جماعة، والسنة أن يكون قدر مثقال فما دونه، والتختم سنة لمن يحتاج إليه كالسلطان، والقاضي، ومن في معناهما، ومن لا حاجة له (٥) إليه؛ فتركه أفضل (٦). (وَ) عن (الْحَرِيرِ) وهو حرام على الرجال دون النساء كسابقه؛ لما روى أبوداود وابن ماجه من حديث عليِّ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثُمَّ قال: إنَّ هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها (٧) ".

стр. 200

وروى عن جماعة من الصحابة أنهم رووا حل الحرير للنساء، وهم عمر، وحديثه عند البزار (١). وأبو موسى الأشعري، وحديثه عند التِّرْمذي (٢)، وعبد الله بن عمرو، وحديثه عند إسحاق، والبزار، وأبي يعلى (٣)، وعبد الله بن عباس، وحديثه عند البزار (٤)، وزيد بن أرقم، وحديثه عند ابن أبي شيبه (٥)، وواثلة بن الأسقع، وحديثه عند الطبراني (٦).

стр. 201

[٨٥ أ/س] وعقبة بن عامر الجهني، وحديثه عند أبي سعيد بن يونس (١)، /فأحاديثهم خصَّت أحاديث التحريم على الإطلاق، وقال بعضُهم: حرام على النساء أيضًا؛ لعموم النهي. (وَ) عن (الدِّيبَاجِ) بكسر الدَّال فارسي معرب، وقال ابن الأثير: الديباج الثياب المتخذة من الإبريسم، وقد يفتح داله ويجمع على ديابيج ودبابيج بالياء والباء؛ لأن أصله دبّاج (٢). (وَ) عن (الْقَسِّىِّ) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، وقال ابن الأثير: هو ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتي بها من مصر؛ نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبًا من تنيس؛ يقال لها: القسّ بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها، وقيل: أصل القسّي القزّي بالزاي (٣) منسوب إلى القزّ؛ وهو ضربٌ من الابريسم، وقيل: هو ردئ الحرير؛ فأبدل من الزاى سين، وقيل: هو منسوب إلى القسّ؛ وهو الصقيع لبياضه (٤). وقال العينيُّ: القس وتنيس وقز كانت مدنًا على ساحل بحر دمياط غلب عليها البحر؛ فاندثرت وكانت تخرج منها ثياب مفتخرة ويتاجر بها في البلاد (٥). ثُمَّ القسّي: إن كان حريره أكثر من الكتان؛ فالنهي عنه للتحريم، وإلا فللكراهة كذا قيل، والظاهر أنه إن كان تمامه بالحرير يحرم، وإن كان بالكتان لا يحرم.

стр. 202

(وَ) عن (الإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة ثخين الديباج على الأشهر، وقيل: رقيقه (١) وقال النسفي: في قوله -تعالى- ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: ٥٣] السندس: ما دَقَّ من الحرير والديباج والإستبراق ما غلظ منه (٢). ثُمَّ إنَّ الحرير يتناول الثلاثة الأخيرة، وفائدة ذكرها بعده: الاهتمام بحكمها، أو دفع وهم أن تخصيصها بأسماء لا ينافي دخولها تحت حكم العام، أو الإشعار بأن هذه الثلاثة غير الحرير نظرًا إلى العرف، وكونها ذات أسماء مختلفة مقتضيًا لاختلاف مسمَّياتها (٣)، وسقط من هذا الحديث الخصلة السابعة، وهي ركوبُ المياثر بالمثلثة، وقد ذكرها في الأشربة واللباس، (٤) وهي جمع الميثرة: وهي وطاء يكون على السرج من حرير أو صوف أو غيره (٥)، وقيل: الميثرة جلود السباع. وقال النووي: الميثرة بكسر الميم من الوثارة بالمثلثة، يُقال: هو وثير أي لين، وهو وطاء كانت النساء تصنعه لأزواجهن على السروج، ويكون من الحرير والصوف وغيرهما (٦). فإن قيل: فهذا السابع إذا كان من غير الحرير مما يحل فما وجه النهي عنه. [٨٥ أ/ص] فالجواب: أن النهيَّ عنه ليس للحرمة؛ بل الكراهة، والنهي المذكور في الحديث أعم من أن يكون للحرمة، وأن يكون للكراهة، وكذا الأمر المذكور فيه /أعمُّ من أن يكون للوجوب، وأن يكون للندب؛ ففي بعض الأمور المذكورة للوجوب، وفي بعضها للندب؛ كما عرفت. فإن قيل: فعلى هذا يلزم استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي، وذلك ممتنع.

стр. 203

فالجواب: أنه ليس ممتنعًا عند الشافعي، وأمَّا عند غيره؛ فالمراد منه معني مجازي أعم من الحقيقي والمجازي، وهذا المجاز هو المجاز الذي يسمَّى بعموم المجاز. فإن قيل: كيف جوَّز الشافعي الجمع بينهما وشرط المجاز أن يكون معه قرينة صارفة عن إرادة المعني الحقيقي؟ فالجواب: أنَّ المجاز عند الأصوليين أعمُّ مما عند أهل المعاني، فكما جاز عندهم في الكناية: إرادة المعني الحقيقي، وإرادة غيره أيضًا في استعمال واحد؛ كذلك المجاز عنده، وحاصله: أنه لا بد في المجاز من قرينة دالة على إرادة المعنى المجازي أعم من أن تكون صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي أو لا كذا قال الكرماني فليتأمل (١). فإن قيل: إن بعض الأحكام المذكورة في الحديث عام للرجال والنساء كآنية الفضة، وبعضها خاص للرجال كحرمة خاتم الذهب، ولفظ الحديث يقتضي التساوي. فالجواب: أن التفصيل علم (٢) من غير هذا الحديث؛ كما سبق الإشارة إليه؛ فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا (٣). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ:: ١٢٤٠ - حَدَّثَنَا: مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا: عَمْرُو بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ

стр. 204

الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَرَوَاهُ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كذا في جميع الروايات غير منسوب، وقال الكلاباذي (١) روى البخاري عن محمد غير منسوب في كتاب الجنائز، ويُقال إنه محمد بن يحيى الذهلي، وقال: في أسماء رجال الصحيحين محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذئب أبو عبد الله الذهلي النيسابوري، روى عنه البخاري في "الصوم، والطب، والجنائز، والعتق، وغير موضع قريبًا من ثلاثين موضعًا"، ولم يقل حدثنا: محمد بن يحيى الذهلي مصرحًا، ويقول: حدثنا محمد، ولا يزيد عليه، ويقول: محمد بن عبد الله؛ ينسبه إلى جده، ويقول: محمد بن خالد ينسبه إلى جدِّ أبيه (٢). والسبب في ذلك أن البخاري لما دخل نيسابور شعب عليه محمد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه؛ فلم يترك الرواية عنه ولم يصرح باسمه، مات محمد بن يحيى بعد البخاري بيسير (٣).

стр. 205

(قال حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِى سَلَمَةَ (١)) بفتح اللام أبو حفص التنيسي مات سنة ثنتي عشرة ومائتين، وضعفه ابن معين بسبب أن في حديثه عن الأوزاعي مناولة وإجازة، لكن بين أحمد بن صالح المصري، أنه كان يقول فيما سمعه: حدثنا، ولا يقول ذلك فيما لا يسمعه (٢)، وعلى هذا؛ فقد عنعن هذا الحديث؛ فدل على أنه لم يسمعه. [٣٨ ب/س] [٨٦ أ/س] والجواب /عن طرف البخاري أنه يعتمد /على المناولة، ويحتج بها وقصارى هذا الحديث أن يكون منها، وقد قواه بالمتابعة التي ذكرها عقيبه، ولم ينفرد به عمرو مع ذلك؛ فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم وغيره، عن الأوزاعي، وكان البخاري فد اختار طريق عمرو لوقوع التصريح فيها بالإخبار بين الأوزاعيِّ والزُّهريِّ (٣). (عَنِ الأَوْزَاعِىِّ) عبدالرحمن بن عمرو (٤) (قَالَ أَخْبَرَنِى) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزهري (٥) (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ (٦)) بفتح المثناة التحتية المشددة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ).

стр. 206

قال الكرماني: هذا اللفظ أعمُّ من الواجب على الكفاية، وعلى العين، ومن المندوب (١). وقال ابن بطال: أي حق الحرمة والصحبة (٢). وفي التوضيح: الحق فيه بمعني حق حرمته وجميل صحبته له لا أنَّه من الواجب ونظيره (٣) "حق على المسلم أن يغتسل كل جمعة (٤) ". وقال الحافظ العسقلاني: معنى الحق هنا الوجوب (٥)؛ خلافًا لقول ابن بطال، والظاهر هو الأول فتأمل. وفي رواية مسلم من طريق عبد الرزاق، أخبرنا: معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خمس تجب للمسلم على أخيه" (٦) الحديث. (رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) بفتح الدال المهملة (وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) إذا حمد الله ويستوى في هذه (٧) الخمس جميع المسلمين: برُّهم، وفاجرهم، وعطف المندوب على الواجب سائغ إن دل عليه القرينة؛ كما يقال: صم رمضان، وستًا من شوال؛ فإن القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم.

стр. 207

وعند مسلم قال عبد الرزاق: حدَّثني: يحيى بن أيوب، وقتيبة، وَابْنُ حُجْرٍ، قالوا: حدثنا إسماعيل -وهو ابن جعفر عن العلاء-، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هنَّ يا رسول الله؟ قال إذا لقيته؛ فسلم عليه، وإذا دعاك؛ فأجبه، وإذا استنصحك؛ فانصح (١)، وإذا عطس، فحمد الله؛ فشمته (٢)، وإذا مرض؛ فعده، وإذا مات؛ فأتبعه" (٣) ورجال إسناد هذا الحديث ما بين نيسابوري وتنيسي وشامي ومدني وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرج متنه النسائي في "اليوم والليلة" (٤) أيضًا. (تَابَعَهُ) أي عمرو بن سلمة (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابن همام (٥) (قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (٦)، وهذه المتابعة ذكرها مسلم، وقد مر آنفًا. وقال عبد الرزاق: كان معمر يرسل هذا الحديث عن الزهري، وأسنده مرة عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁. (وَرَوَاهُ سَلَامَةُ) بتخفيف اللام، وفي رواية سلامة بن روح بفتح الراء ابن خالد بن عقيل الإيلي، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن أخي عقيل بن خالد الآتي (٧).

стр. 208

(عَنْ عُقَيْلٍ) / بضم العين، وفتح القاف، هو: ابن خالد بن عقيل، وهو عم سلامة السابق (١)، وهذه المتابعة. [٨٦ أ/ص] قال الحافظ العسقلاني: أظنها في الزهريات للذهلي، وذكر البخاري أن السلامة (٢) سمع من عقيل ابن خالد، وذكر غير واحد أن حديثه عنه من كتاب؛ ولم يسمع منه (٣)، وسُئِلَ أبو زرعة عن سلامة؛ فقال ضعيف منكر الحديث (٤) والله أعلم.

стр. 209

باب: الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ إِذَا أُدْرِجَ فِى كَفَنِهِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ:: ١٢٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبي ﷺ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ؛ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ؛ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂؛ فَتَيَمَّمَ النَّبي ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ-؛ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ؛ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى؛ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ؛ فَقَدْ مُتَّهَا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بابُ) جواز (الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ إِذَا أُدْرِجَ) أي: إذا لُفَّ (فِي أكفانه) بالجمع، وفي رواية: في كفَنِه، بالإفراد (١). قال ابن رشيد: موقع هذه الترجمة من الفقه: أن الموت لما كان سبب تغير محاسن الحيِّ التي عهد عليها؛ فإنه يكون كريهًا في المنظر؛ فلذلك أُمِرَ بتغميضه وتسجيته، كان ذلك مظنة المنع من كشفه، حتَّى قال النخعي: ينبغي أن لا يطَّلِعَ عليه إلا الغاسل ومن يليه، فترجمة المؤلف: إشارة إلى جواز ذلك، ولما كان حاله بعد التسجية مثل حاله بعد التكفين؛ وقع التطابق بين الترجمة والحديث من هذه الحيثية، كما ستطلع عليه (٢).

стр. 210

وقال الزين ابن المنير ما محصله: إنَّ أبا بكرٍ ﵁ كان عالِمًا بأنَّه ﷺ لا يزال مصونًا عن كل أذى؛ فساغ له الدخول من غير تنصيب عن الحال، وليس ذلك لغيره (١). (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (٢)) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: أبو محمد السجستاني المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. (قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو: ابن المبارك (٣) (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَعْمَرٌ) هو: ابن راشد (وَيُونُسُ) هو: ابن يزيد (٤) كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الرحمن بن عوف ﵁ (٥) (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبي ﷺ )، وسقط في رواية قوله: زوج النَّبي ﷺ (٦) (أَخْبَرَتْهُ: قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بضم المهملة، وسكون النون، بعدها حاء مهملة، ويُرْوَي بضم النون أيضًا، منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي، بينها وبين منزل رسول الله ﷺ ميل، وكان أبو بكر ﵁ متزوجًا فيهم (٧) (حَتَّى نَزَلَ) عن فرسه (فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ (النبوي (فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَتَيَمَّمَ) أي: قصد الصدِّيق ﵁ (النَّبي ﷺ ، وَهُوَ مُسَجًّى) جملة

стр. 211

اسمية وقعت حالًا، وهو اسم مفعول من سجَّيْتُ الميتَ تسجية: إذا مددت عليه ثوبًا، ومعناه هنا مغطًّى (١). [٨٧ أ/س] (بِبُرْدِ حِبَرَةٍ) يُروى بالوصف وبالإضافة، والبرد - بضم الموحدة وسكون الراء-: نوع من الثياب /معروف، والجمع: أبراد، وبرود، والبردة: الشملة المخططة؛ وحِبَرة على وزن عنبة: ثوب يماني يكون من قطن، أو كتان مخطط غالي الثمن (٢)، وقال الداودي: هو ثوب أخضر (٣). (فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ) الشريف ﷺ (ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ) هذا اللفظ من النوادر حيث هو لازم، وثلاثيُّه كَبَّ متعد، عكس ما هو المشهور في القواعد التصريفية (٤) (فَقَبَّلَهُ) بين عينيه. وقد ترجم عليه النسائي، وأورده صريحًا، حيث قال: تقبيل الميت، وأين يقبل منه؟ في حديثه: "إن أبا بكر ﵁ قبَّل بين عيني النَّبيِّ ﷺ ، وهو ميت" (٥). (وبَكَى (٦)) اقتداء به ﷺ "حيث دخل على عثمان بن مظعون ﵁، وهو ميت؛ فأكب عليه، وقبله، ثم بكى حتى سالت دموعه على وجنتيه" (٧)، رواه الترمذي. [٣٨ ب/ص] وفي التمهيد: " لما توفي عثمان ﵁ /كشف النَّبي ﷺ الثوب عن وجهه، وبكى بكاءً طويلًا، وقبل بين عينيه؛ فلما رُفِع على السرير قال: "طوبى لك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا، ولم تلبسها" (٨).

стр. 212

(فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ) أي: مَفْدِيٌّ بأبي، مبتدأ وخبر، وقيل: تقديره فديتك بأبي، وفيه نظر (يَا نَبيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ) برفع يجمع (عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) قال الداودي: لم يجمع الله عليك شدة بعد هذا الموت؛ لأنَّ الله قد عصمك من أهوال القيامة؛ كما قال ﷺ لفاطمة ﵂ لما قالت: واكرباه: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" (١)، قال: وقيل: لا يموت موتة آخرى في قبره كما يحيى غيره في القبر؛ فيسأل، ثم يقبض (٢). قال المولى علي القاري: الصحيح أنه لا يموت أحد في قبره ثانيًا، وإنما يحصل للموتى عند النفخة الأولى غشيان كالأولى، وأول من يفيق من تلك الحالة هو ﷺ . وقال ابن التين: (٣) أراد بذلك موته، وموت شريعته، يدل عليه قوله: "من كان يعبد محمدًا"؛ وقيل: إنما قال ذلك ردًّا على من قال: إن رسول الله ﷺ لم يمت، وسيبعث، ويقطع أيدي رجال وأرجلهم (٤)؛ لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة آخرى؛ فأخبر ﵁ أنه ﷺ أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالذي مر على قرية (٥). وقيل: إنه معارض لقوله -تعالى-: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].

стр. 213

أجيب: بأن الأولى: الخلقة من التراب، ومن نطفة؛ لأنهما موات، والثانية: التي تموت الخلق، وإحدى الحياتين في الدنيا والآخرى بعد الموت في الآخرة (١). وعن الضحاك: أن الأولى: الموت في الدنيا، والثانية: الموت في القبر بعد الفتنة والمسألة (٢)، وقيل: إنه لا يجوز أن يقال: النطفة والتراب ميت، وإنما الميت من تقدمت له حياة، ورد بقوله -تعالى-: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣]، ولم يتقدم لها حياة قط، وإنما خلقها الله جمادًا ومواتًا، وهذا من سعة كلام العرب (٣). [٨٧ أ/ص] (أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ) بصيغة المجهول، وفي رواية "كتب الله عليك" (٤) أي: قدر عليك (فَقَدْ مُتَّهَا) بضم (٥) الميم وكسرها، من مات يموت، ومات يمات (٦)، /والضمير فيه يرجع إلى الموتة. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٤٢ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَ، وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ؛ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى؛ فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ-﵁، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ؛ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾؛ وَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا

стр. 214

يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رضى الله عنه-؛ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرحمن (وأخبرني (١) ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَ) من حجرة النَّبي ﷺ (وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ) ويقول: "والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله ﷺ قُبِض إلا ضربته بسيفي هذا، وقد سل سيفه، وكان يقول أيضًا: إنما أرسل إليه ﷺ كما أرسل إلى موسى ﵇، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم" (٢)، أي: من المنافقين، أو المرتدين، أو المريدين للخلافة، وفي رواية: كان يقول: "ذهب محمد لميعاد ربه، كما ذهب موسى لمناجاة ربه" (٣)، وكأن الحامل عليه ما ظنه أن هذا من الغشيان المعتاد له ﷺ ، أو ذهوله عن حسه، فأحال الموت عليه ﷺ ، ويحتمل أن عمر ﵁ ظن أن أجله ﷺ لم يأت، وأن الله -تعالى- منَّ على عباده بطول حياته (٤)، وقيل: وكأنه ﵁ رأى في ذلك أن يردع المنافقين واليهود إلى أن يجتمع المؤمنون، وأما أبو بكر ﵁ فرأى إظهار الأمر تجلدًا.

стр. 215

(فَقَالَ) له أبو بكر ﵁ (اجْلِسْ، فَأَبَى) أن يجلس لما حصل له من الدهشة والحزن، (فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁؛ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ) وفي رواية للمؤلف: "أن عمر ﵁ قام يقول، والله ما مات رسول الله ﷺ ؛ فجاءَهُ أبو بكر ﵁؛ فكشف عن وجه رسول الله ﷺ ، فقبله، فقال: بأبي وأمي طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج، فقال: أيها الحالف على رِسلك_ بكسر الراء، أي: على مهلك؛ فلما تكلم أبو بكر ﵁ جلس عمر ﵁، فحمد اللهَ أبو بكر، وأثنى عليه" (١) الحديث. (فَقَالَ) أبو بكر ﵁ (أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قال الله (٢): ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾) [آل عمران: ١٤٤]، فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه؛ لأن الغرض من بعثة الرسول تبليغ الرسالة وإلزام الحجة؛ لا وجوده بين أظهر قومه. [٨٨ أ/س] وسقط في رواية قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٣) إلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] يعني تلا قوله -تعالى-: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، الفاء متعلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ على معنى التسبيب، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله/ سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكًا به يجب أن يجعل سببًا

стр. 216

للتمسك بدين محمد ﷺ ، لا للانقلاب عنه، وإنما ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوزا عند المخاطبين. فإن قيل: أما علموه من قوله -تعالى- ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؟ فالجواب: أن هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوي البصيرة، ألا ترى أنهم سمعوا بخبر قتله فهربوا في غزوة أحد، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس، وإضلالهم؛ والمراد من الانقلاب على الأعقاب: الأدبار، عما كان رسول الله ﷺ يقوم به من الجهاد وغيره. [٣٩ ب/س] وقيل: الارتداد وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم في تلك الغزوة إلا ما كان من قول المنافقين، ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار، والانكشاف عن رسول الله، ﷺ وإهماله؛ "ومن ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤] يعني: فما ضر إلا نفسه؛ لأن الله -تعالى- لا يجوز عليه المضار والمنافع، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ الذين (١) لم ينقلبوا، كأنس بن النضر وأضرابه، وسماهم شاكرين /لأنَّهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا (٢). رُوِيَ أنه لما رَمَى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته، وشج وجهه؛ أقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير -، وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد- حتى قتله ابن قمئة، وهو يُرى، أي: يظن أنه رسول الله ﷺ ؛ فقال: قد قتلت محمدًا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا ﷺ قد قتل، وقيل: كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله، فانكفؤوا، أي: رجعوا من موضع الحرب، فجعل رسول الله ﷺ يدعو إلّى عباد الله حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه،

стр. 217

فلامهم على هروبهم، فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك، فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين، فنزلت (١). [٨٨ أ/ص] ورُوِي: أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أُبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيًّا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم، فقال أنس ابن النضر عم أنس بن مالك ﵂: يا قوم، إن كان قتل محمد فإنَّ رب محمد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؛ /فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدَّ بسيفه فقاتل حتى قتل، وعن بعض المهاجرين: أنَّه مر بأنصاري يتشخط أي: يضطرب في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان قتل فقد بلَّغ، قاتلوا على دينكم (٢). وإنما تلا أبو بكر ﵁ هذه الآية تعزيًا وتصبرًا، قال ابن عباس: ﵂ (وَاللَّهِ) وفي رواية فوالله (٣) (لَكَأَنَّ) بتشديد النون (النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) أي: الآية، وفي رواية أنزلها، يعني

стр. 218

هذه الآية (١) (حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه -؛ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ) بصيغة المجهول (بَشَرٌ إِلَاّ يَتْلُوهَا) أي: ما يسمع بشر يتلو شيئًا إلا يتلوها، هذه الآية، وزاد ابن أبي شيبة، عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ إنما قال: "ما مرّ في المنافقين لأنهم أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم، وأن أبا بكر ﵁ ضم إلى تلك الآية ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠] يعني: أنك ستموت، وأن أعداءك أيضًا سيموتون، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] (٢). وفي الحديث: استحباب تسجية الميت أي: تغطيته بثوب، وحكمتها: صيانته عن الانكشاف، وستر صورته المتغيرة عن الأعين. وفيه: جواز تقبيل الميت لفعل أبي بكر ﵁ اقتداء بفعله ﷺ ، وفيه: جواز البكاء على الميت من غير نوح. وفيه: أن الصديق ﵁ أفضل من عمر ﵁، وهذه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، وسداد رأيه، وبارع فهمه، وحسن إسراعه بالقرآن وثبات نفسه، وكذلك مكانته عند الناس؛ فإنه حين تشهد مال إليه الناس وتركوا عمر ﵁، ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في النفوس، وسمو محله عندهم، وقد أقر بذلك عمر ﷺ حين مات الصديق ﵁؛ فقال: والله ما أحب أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر ﵁، ولوددت أني شعرة في صدره" (٣).

стр. 219

[٨٩ أ/س] وذكر الطبري عن ابن عباس ﵂ قال: إني والله لأمشي مع عمر ﵁ في خلافته، وبيده الدرة، وهو يحدث نفسه، ويضرب قدمه بدرته، ما معه غيري؛ إذ قال لي: يا ابن العباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات رسول الله ﷺ ؟ /قلت: لا أدري والله يا أمير المؤمنين، قال: فإنَّه ما حملني على مقالتي تلك إلا قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] إلى قوله ﴿شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى في أمته حتى يشهد عليها (١). وفيه: حجة لمالك في قوله بأن في الصحابة مخطئًا ومصيبًا في التأويل (٢)، وفيه: اهتمام عائشة ﵂ بأمر الشريعة، وأنها لم يشغلها ذلك عن حفظها ما كان من أمر الناس في ذلك اليوم، وفيه: غيبة الصديق عن وفاته ﷺ ، وفيه: الدخول على الميت من غير استئذان، ويجوز أن يكون عند عائشة ﵂ غيرها؛ فصار كما لمحفل لا يحتاج الداخل إلى إذن، ورُوِي: أنه استأذن؛ فلما دخل أذن للناس، وفيه: جواز التفدية بالآباء والأمهات، وفيه: ترك تقليد المفضول عند وجود الفاضل (٣).

стр. 220

ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مروزي وبصري وإيلى ومدني، وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في "المغازي، وفي "فضل أبي بكر"، وأخرجه النسائي في "الجنائز"، وكذا ابن ماجة (١). *** *** *** قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ:: ١٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ - امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبيَّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً؛ فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِى تُوُفِّيَ فِيهِ؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ؛ دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ؛ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبي ﷺ : «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟»، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي»؛ قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا. ١٢٤٣ م- حَدَّثَنَا: سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا: اللَّيْثُ مِثْلَهُ، وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ: "مَا يُفْعَلُ بِهِ". وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ.

стр. 221

قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ (١)) بضم الموحدة، هو: يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي (٢) (قال (٣) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو: ابن سعد الإمام (٤) (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين هو: ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِي (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ (٥)) على صيغة اسم الفاعل من الخروج (بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، مات سنة مائة (أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ (٦)) بنت الحارث بن ثابت بن خارجة الأنصارية، وقال أبو عيسى الترمذي: هي أم خارجة، وكان رسول الله ﷺ يعودها في مرضها (٧). (امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) عطف بيان، أو رفع بتقدير هي امرأة (بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ) جملة في محل النصب، أو الرفع على أنها صفة امرأة (أَخْبَرَتْهُ) أي: أخبرت خارجة- وهي خبر إن- التي اسمها أم العلاء (أَنَّهُ) الضمير فيه للشأن (اقْتُسِمَ) على صيغة المجهول (الْمُهَاجِرُونَ) نائب عن الفاعل (قُرْعَةً) نصب بنزع الخافض أي: بقرعة، والمعنى اقتُسِم الأنصار والمهاجرون بالقرعة في نزولهم

стр. 222

عليهم، وسكناهم في منازلهم؛ لأن المهاجرين لما دخلوا المدينة لم يكن معهم شيء من أموالهم، فدخلوها فقراء، وكان بنوا مظعون ثلاثة: عثمان، /وعبد الله، وقدامة؛ بدريون أخوال آل ابن عمر (١). [٣٨ ب/ص] [٣٩ ب/ص] (فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) - بالظاء المعجمة، والعين المهملة- الجمحي القرشي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، ولما دفن بالبقيع، قال ﷺ : "نِعمَ السلف هو لنا ﵁ (٢) ". أي: وقع في سهمنا، أي: في سهم الذين /أم العلاء منهم، ويروى: "فصار لنا بالصاد" (٣) القصيرة، فإن ثبتت هذه الرواية؛ فمعناها صحيح. (فَأَنْزَلْنَاهُ فِى أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ) بكسر الجيم (وَجَعَهُ) بفتح الجيم نصب على المصدر (الَّذِى تُوُفِّىَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّىَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِى أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ) عليه (فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ) بالسين المهملة، وفي آخره موحدة، وهي كنية عثمان ابن مظعون ﵁، وحرف النداء محذوف، والتقدير: يا أبا السائب، (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) جملة اسمية، ومثل هذا التركيب يُسْتَعْمَلُ عرفًا في معني القسم، كأنها قالت: أقسم بالله، وكلمة: على، لمعنى الاستعلاء فقط، بدون ملاحظة المضرة، أو هي بمعنى اللام (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ) جواب القسم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف أي: من أين علمت؟ (أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ) أي: عثمان ﵁، وفي رواية: أن

стр. 223

الله قد أكرمه (١) (فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مَفْديٌّ بأبي أنت (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ) أي: هو مؤمن خالص مطيع، فإذا لم يكن هو من المكرمين من عند الله، فمن يكرمه الله؟ (فَقَالَ) وفي رواية: قال (٢) ﷺ : (أَمَّا هُوَ) أي: عثمان ﵁ (فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ) أي: الموت (وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ) وكلمة: أما، تقتضي القسيم، وقسيمها هنا مقدر، والتقدير: وأمَّا غيره؛ فخاتمة أمره غير معلومة، أهو ممن يرجى لهم الخير عند اليقين أم لا؟ (وَاللَّهِ مَا أَدْرِى - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (مَا يُفْعَلُ بِي) كلمة ما موصولة أو استفهامية، وفي رواية الكشميهني ما يُفعَل به؟ أي بعثمان (٣). [٩٠ أ/س] قال الحافظ العسقلاني: وهو غلط منه؛ فإن المحفوظ في رواية الليث هو الأول؛ ولذلك عقبه المؤلف برواية نافع بن يزيد عن عقيل، التي لفظها "ما يفعل به" وعلَّق منها هذا القدر فقط إشارة إلى أن باقي الحديث لم يختلف فيه (٤). ثم قوله: ما يفعل بي، هو الموافق لما في سورة الأحقاف من قوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾ [الأحقاف: ٩]، البِدْع بمعنى البديع، كالخف بمعنى الخفيف، كانوا يقترحون عليه الآيات، ويسألونه عما لم يوح إليه من الغيوب، فقيل له: قل: ما كنت بِدْعًا من الرسل فآتيكم /بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات فإن الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم، ولقد أجاب موسى ﵇ عن قول فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [طه: ٥١] بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢] وما أدري؛ لأنه لا علم لي بالغيب، وما يفعل بي ولا بكم، أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدر لي ولكم من قضاياه؛ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ؛ وعن الحسن: وما أدري ما

стр. 224

يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومَن الغالب والمغلوب (١)؟ وعن الكلبي (٢): قال له أصحابه - وقد ضجروا من أذى المشركين، حتى متى نكون على هذا؟ فقال: "ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم؟ " أأُترَك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها؟ يعني: في منامه، ذات نخيل وشجر (٣). وعن ابن عباس ﵂: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] (٤) لأن سورة الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما (٥)، وفيه: تأمل على ما قيل، فإنه خبر؛ والخبر لا يدخله النسخ كما بين في محله، فالأَوْلى أن يقول: إن ذلك كان قبل أن يخبر الله نبيه بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولعل مراد ابن عباس ﵂ ذلك، والتعبير بالنسخ سهو من الراوي عنه، ويجوز أن يكون نفيًا للدراية المفصلة؛ إذ إجماله - وهو أصل الإكرام- معلوم. قال البرماوي (٦): وكثير من التفاصيل معلوم أيضًا من ذلك قوله ﷺ " أنا أول من يدخل الجنة" (٧)، فالخفي بعض التفاصيل، فإن قيل: عثمان هذا ﵁ أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر

стр. 225

الهجرتين، وشهد بدرًا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وقد أخبر النَّبي ﷺ بأن أهل بدر غفر الله لهم. فالجواب: أن ذلك قبل أن يخبر أن أهل بدر غفر الله لهم، ولا يعارض ذلك قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه" (١)؛ لأنه قاله ﷺ ، وذلك قاله أم العلاء، وقوله ﷺ خبر من لا ينطق عن الهوى، وذلك كلام أم العلاء، وليسا بسواء. (٢) (قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّى أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) ففي الحديث أنه لا يُجزم لأحد بالجنة إلا ما نص عليه الشارع، كالعشرة المبشرة وأمثالهم؛ لا سيما والإخلاص أمر قلبي لا اطلاع لنا عليه، وفيه مواساة الفقراء الذين ليس لهم مال ولا منزل ببذل المال وإباحة المنزل. [٩٠ أ/ص] وفيه: إباحة الدخول على الميت بعد التكفين، وفيه: جواز القرعة، وفيه: جواز الدعاء للميت (٣)؛ / ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مصري بالميم، وأيلي ومدني، وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرجه المؤلف في "الجنائز"، و"الشهادات"، و"التفسير"، و"الهجرة"، و"التعبير"، وأخرجه النسائي في "الرؤيا" (٤)، ومطابقته للترجمة أظهر من أن يخفى.

стр. 226

(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين، وفتح الفاء، وسكون التحتية بعدها راء، نسبة لجده، واسم أبيه كثير أبو عثمان المصري (١)، (قال حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد عن عقيل عن الزهري (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث المذكور، وأخرجه من هذا الطريق في "التعبير" على ما يأتي -إن شاء الله تعالى- (٢). [٤٠ ب/س] (وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ (٣)) أبو يزيد مولى شرحبيل بن حسنة القرشي المصري، مات سنة ثمان وستين ومائة (عَنْ عُقَيْلٍ (٤)) بضم العين، وفتح القاف (مَا يُفْعَلُ بِهِ) بالهاء بدل الياء/ أي: بعثمان ﵁، وذلك لأنَّه ﷺ لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه. وهذا التعليق وصله الإسماعيلي بسنده إلى عقيل (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع عقيلًا في روايته عن الزهري (شُعَيْبٌ (٥)) هو ابن أبي حمزة، وقد وصل هذه المتابعة المؤلف، في كتاب "الشهادات"، قال: حدثنا أبو إيمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري إلى آخره (٦) (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (٧)) وقد وصلها ابن أبي
следующие страницы →