← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 222–261 · переход к 227.

стр. 222

عليهم، وسكناهم في منازلهم؛ لأن المهاجرين لما دخلوا المدينة لم يكن معهم شيء من أموالهم، فدخلوها فقراء، وكان بنوا مظعون ثلاثة: عثمان، /وعبد الله، وقدامة؛ بدريون أخوال آل ابن عمر (١). [٣٨ ب/ص] [٣٩ ب/ص] (فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) - بالظاء المعجمة، والعين المهملة- الجمحي القرشي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، ولما دفن بالبقيع، قال ﷺ : "نِعمَ السلف هو لنا ﵁ (٢) ". أي: وقع في سهمنا، أي: في سهم الذين /أم العلاء منهم، ويروى: "فصار لنا بالصاد" (٣) القصيرة، فإن ثبتت هذه الرواية؛ فمعناها صحيح. (فَأَنْزَلْنَاهُ فِى أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ) بكسر الجيم (وَجَعَهُ) بفتح الجيم نصب على المصدر (الَّذِى تُوُفِّىَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّىَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِى أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ) عليه (فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ) بالسين المهملة، وفي آخره موحدة، وهي كنية عثمان ابن مظعون ﵁، وحرف النداء محذوف، والتقدير: يا أبا السائب، (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) جملة اسمية، ومثل هذا التركيب يُسْتَعْمَلُ عرفًا في معني القسم، كأنها قالت: أقسم بالله، وكلمة: على، لمعنى الاستعلاء فقط، بدون ملاحظة المضرة، أو هي بمعنى اللام (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ) جواب القسم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف أي: من أين علمت؟ (أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ) أي: عثمان ﵁، وفي رواية: أن

стр. 223

الله قد أكرمه (١) (فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مَفْديٌّ بأبي أنت (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ) أي: هو مؤمن خالص مطيع، فإذا لم يكن هو من المكرمين من عند الله، فمن يكرمه الله؟ (فَقَالَ) وفي رواية: قال (٢) ﷺ : (أَمَّا هُوَ) أي: عثمان ﵁ (فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ) أي: الموت (وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ) وكلمة: أما، تقتضي القسيم، وقسيمها هنا مقدر، والتقدير: وأمَّا غيره؛ فخاتمة أمره غير معلومة، أهو ممن يرجى لهم الخير عند اليقين أم لا؟ (وَاللَّهِ مَا أَدْرِى - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (مَا يُفْعَلُ بِي) كلمة ما موصولة أو استفهامية، وفي رواية الكشميهني ما يُفعَل به؟ أي بعثمان (٣). [٩٠ أ/س] قال الحافظ العسقلاني: وهو غلط منه؛ فإن المحفوظ في رواية الليث هو الأول؛ ولذلك عقبه المؤلف برواية نافع بن يزيد عن عقيل، التي لفظها "ما يفعل به" وعلَّق منها هذا القدر فقط إشارة إلى أن باقي الحديث لم يختلف فيه (٤). ثم قوله: ما يفعل بي، هو الموافق لما في سورة الأحقاف من قوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾ [الأحقاف: ٩]، البِدْع بمعنى البديع، كالخف بمعنى الخفيف، كانوا يقترحون عليه الآيات، ويسألونه عما لم يوح إليه من الغيوب، فقيل له: قل: ما كنت بِدْعًا من الرسل فآتيكم /بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات فإن الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم، ولقد أجاب موسى ﵇ عن قول فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [طه: ٥١] بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢] وما أدري؛ لأنه لا علم لي بالغيب، وما يفعل بي ولا بكم، أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدر لي ولكم من قضاياه؛ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ؛ وعن الحسن: وما أدري ما

стр. 224

يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومَن الغالب والمغلوب (١)؟ وعن الكلبي (٢): قال له أصحابه - وقد ضجروا من أذى المشركين، حتى متى نكون على هذا؟ فقال: "ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم؟ " أأُترَك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها؟ يعني: في منامه، ذات نخيل وشجر (٣). وعن ابن عباس ﵂: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] (٤) لأن سورة الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما (٥)، وفيه: تأمل على ما قيل، فإنه خبر؛ والخبر لا يدخله النسخ كما بين في محله، فالأَوْلى أن يقول: إن ذلك كان قبل أن يخبر الله نبيه بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولعل مراد ابن عباس ﵂ ذلك، والتعبير بالنسخ سهو من الراوي عنه، ويجوز أن يكون نفيًا للدراية المفصلة؛ إذ إجماله - وهو أصل الإكرام- معلوم. قال البرماوي (٦): وكثير من التفاصيل معلوم أيضًا من ذلك قوله ﷺ " أنا أول من يدخل الجنة" (٧)، فالخفي بعض التفاصيل، فإن قيل: عثمان هذا ﵁ أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر

стр. 225

الهجرتين، وشهد بدرًا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وقد أخبر النَّبي ﷺ بأن أهل بدر غفر الله لهم. فالجواب: أن ذلك قبل أن يخبر أن أهل بدر غفر الله لهم، ولا يعارض ذلك قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه" (١)؛ لأنه قاله ﷺ ، وذلك قاله أم العلاء، وقوله ﷺ خبر من لا ينطق عن الهوى، وذلك كلام أم العلاء، وليسا بسواء. (٢) (قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّى أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) ففي الحديث أنه لا يُجزم لأحد بالجنة إلا ما نص عليه الشارع، كالعشرة المبشرة وأمثالهم؛ لا سيما والإخلاص أمر قلبي لا اطلاع لنا عليه، وفيه مواساة الفقراء الذين ليس لهم مال ولا منزل ببذل المال وإباحة المنزل. [٩٠ أ/ص] وفيه: إباحة الدخول على الميت بعد التكفين، وفيه: جواز القرعة، وفيه: جواز الدعاء للميت (٣)؛ / ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مصري بالميم، وأيلي ومدني، وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرجه المؤلف في "الجنائز"، و"الشهادات"، و"التفسير"، و"الهجرة"، و"التعبير"، وأخرجه النسائي في "الرؤيا" (٤)، ومطابقته للترجمة أظهر من أن يخفى.

стр. 226

(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين، وفتح الفاء، وسكون التحتية بعدها راء، نسبة لجده، واسم أبيه كثير أبو عثمان المصري (١)، (قال حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد عن عقيل عن الزهري (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث المذكور، وأخرجه من هذا الطريق في "التعبير" على ما يأتي -إن شاء الله تعالى- (٢). [٤٠ ب/س] (وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ (٣)) أبو يزيد مولى شرحبيل بن حسنة القرشي المصري، مات سنة ثمان وستين ومائة (عَنْ عُقَيْلٍ (٤)) بضم العين، وفتح القاف (مَا يُفْعَلُ بِهِ) بالهاء بدل الياء/ أي: بعثمان ﵁، وذلك لأنَّه ﷺ لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه. وهذا التعليق وصله الإسماعيلي بسنده إلى عقيل (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع عقيلًا في روايته عن الزهري (شُعَيْبٌ (٥)) هو ابن أبي حمزة، وقد وصل هذه المتابعة المؤلف، في كتاب "الشهادات"، قال: حدثنا أبو إيمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري إلى آخره (٦) (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (٧)) وقد وصلها ابن أبي

стр. 227

عمر (١) في مسنده: عن ابن عيينة، عنه، عن الزهري (وَمَعْمَرٌ) هو ابن راشد، وقد وصلها المؤلف في باب العين الجارية من كتاب "التعبير": من طريق ابن المبارك، عنه، عن الزهري (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِى، وَيَنْهَوْنِني عَنْهُ، وَالنَّبي ﷺ لَا يَنْهَانِي؛ فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبي ﷺ : «تَبْكِينَ، أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ». تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: سَمِعَ جَابِرًا ﵁. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (٣)) بالموحدة، والمعجمة المشددة (قال (٤) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (٥)) بضم المعجمة محمد بن جعفر البصري (قال (٦) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج (قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ

стр. 228

الْمُنْكَدِرِ (١)، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي) عبد الله بن عمرو، وكان قتله يوم أحد وكان المشركون مثلوا به: جدعوا أنفه وأذنيه، وكانت غزوة أحد في سنة ثلاث من الهجرة في شوال. [٩١ أ/س] (جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ) حال كوني (أَبْكِي) عليه (وَيَنْهَوْنِي) بحذف النون على التخفيف، وفي رواية الكشميهني: وينهونني بزيادة النون على الأصل (عَنْهُ) أي: عن البكاء وسقط لفظ عنه في رواية (٢) (وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي عنه (٣)، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ) هي عمة جابر شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو (تَبْكِي، فَقَالَ النَّبي ﷺ ) معزيًا لها ومخبرًا لها بما آل إليه أمره من الخير (تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ) كلمة (أو) ليست للشك من الراوي؛ بل هي من كلام /الرسول ﷺ للتسوية بين البكاء وعدمه. (فَمَا) بالفاء، وفي رواية ما بدونها (٤) (زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ) من غسله، ومعناه: أنه مكرم عند الملائكة، وإظلاله بأجنحتها لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على المبادرة لصعودهم بروحه، وتبشيره بما أعد الله له من الكرامة، أو أنهم أظلوه من الحر؛ لئلا يتغير، أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وروَى بقي بن مخلد (٥) عن جابر ﵁: "لقيني رسول الله ﷺ ؛ فقال: ألا أبشرك أن الله أحيا أباك، وكلمه كفاحًا، وما كلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب (٦) ".

стр. 229

وفيه: فضيلة عظيمة له لم تُسْمَع لغيره من الشهداء في دار الدنيا، وفيه: جواز البكاء على الميت بلا نياحة، ونهي أهل الميت بعضًا عن البكاء للرفق بالباكي. ومطابقة الحديث للترجمة من قوله: "جعلت أكشف الثوب عن وجهه"؛ لأن الثوب أعم من الذي سجوه به، ومن الكفن، وأخرج هذا الحديث المؤلف في (الفضائل) أيضًا، وأخرجه النسائي في (الجنائز) و (المناقب) (١) (تَابَعَهُ) أي: تابع شعبة (ابْنُ جُرَيْجٍ (٢)) بالجيمين عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج (قال (٣) أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) وفي نسخة محمد بن المنكدر (٤) (سَمِعَ) أي: أنه سمع (جَابِرًا ﵁) وصل هذه المتابعة مسلم من طريق عبد الرزاق عنه، وأوله (٥) "جاء قومي بأبي قتيلًا يوم أحد، مُسَجًّى، وقد مُثِّل به" الحديث (٦)، وذكر المؤلف: هذه المتابعة لينفي ما وقع في نسخة ابن هامان في صحيح مسلم، عن عبد الكريم، عن محمد بن علي بن حسين، عن جابر ﵁

стр. 230

جعل محمد بن علي بدل محمد بن المنكدر؛ فبين المؤلف: أن الصواب ابن المنكدر، كما رواه شعبة، وأيدها براوية ابن جريج، والله أعلم (١).

стр. 231

بَابٌ: الرَّجُلُ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٤٥ - حَدَّثَنَا إسماعيل: قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابٌ) بالتنوين (الرَّجُلُ) مبتدأ، وقوله: (يَنْعَى) على صيغة البناء للفاعل، ومفعوله محذوف، أي: ينعى الميتُ خبرَه (إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ) أي: يُظهر خبر موته إليهم، يقال: نعاه ينعاه نعيًا ونعيانًا، وهو من باب فعَل يفعَل بفتح العين فيهما، وفي "المحكم" النعي: الدعاء بموت الميت، والإشعار به (١)، وفي "الصحاح": النعي خبر الموت، وكذلك النعي على فعيل كنبي (٢)، وفي "الواعي": النعي على فعيل هو نداء الناعي، والنعي أيضًا هو الرجل الذي ينعى، ويقال للميت أيضًا (٣). [٩١ أ/ص] والضمير في قوله: (بِنَفْسِهِ) للناعي أي: ينعى بنفسه، ولا يستنيب أحدًا غيره، ولو كان رفيعًا، كذا في أكثر الروايات، /ووقع عند الكشميهني -بحذف الموحدة- في بنفسه أي: ينعى نفس الميت

стр. 232

إلى أهله، فضمير نفسه للميت، وهو مفعول ينعى، وفي رواية الأصيلي سقط ذكر الأهل، وليس لها وجه (١). وأشار المهلب إلى أن في الترجمة خللًا، قال: والصواب أنْ يقول: باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه، وإليه مال ابن بطال؛ فقال: في الترجمة خلل (٢). ومقصود البخاري: باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه، بنصب الميت على أنه مفعول ينعى. وقال الكرماني: لا خلل فيه لجواز حذف المفعول عند القرينة (٣)، وقال الحافظ العسقلاني: والتعبير بالأهل لا خلل فيه؛ لأن مراده به ما هو أعم من القرابة وأخوة الدين وهو أولى من التعبير بالناس؛ لأنه يخرج من ليس له به أهلية كالكفار (٤). وفيه: أن الأهل لا يُستعمل عرفًا في أخوة الدين، والظاهر أنَّ المراد من هذه الترجمة دفع توهم أن هذا من إيذاء أهل الميت وإدخال الكرب والمصاب والمساءة عليهم، والإعلام بأنه أمر مباح؛ وذلك لأنه وإن كان فيه ما ذكر؛ لكنَّ فيه مصالح جمة، مما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وغير ذلك (٥)، بل صرح النووي في المجموع باستحبابه؛ لحديث الباب: ولنعيه ﷺ للناس جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ﵃ (٦). نعم يُكرَه نعي الجاهلية، وكانت عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبًا إلى القبائل يقول: يا نعاء العرب، أي: هلكت العرب بهلاك فلان، ويكون مع النعي ضجيج، وبكاء، ونياحة؛ وسيأتي تتمة لذلك إن شاء الله -تعالى-.

стр. 233

(حَدَّثَنَا إسماعيل (١)) هو ابن أبي أُوَيس عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت مالك بن أنس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ (٢)) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ) أي: أخبر أصحابه بموته. [٩١ أ/س م] [٤٠ ب/ص] والنجاشي، /بفتح النون، وكسرها: كلمة حبشية تسمى بها ملوكها (٣)، والمتأخرون يلقبونهم الآن بالأبجري، وقال ابن قتيبة: هو بالنبطية، ذكره ابن سيده (٤)، وفي الجامع للقزاز: هو بكسر النون، يجوز أن يكون من نجش إذا أوقد، وفي الفصيح: النجاشي، بالفتح، /والمشهور تشديد الياء، قيل: والصواب تخفيفها، كذا قاله أبو الخطاب؛ (٥) وفي "سيرة ابن إسحاق" اسمه: أصحمة، ومعناه عطية (٦)، وقال أبو الفرج: أصحمة بفتح الهمزة، وسكون الصاد، وفتح الحاء المهملتين (٧). ووقع في مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث: صَحْمة، بفتح الصاد وإسكان الحاء، قال: هكذا قال لنا يزيد بن هارون، وإنما هو صمحة، بتقديم الميم على الحاء، قال: وهذان شاذان (٨).

стр. 234

وفي "التلويح": أخبرني غير واحد من نبلاء الحبشة أنهم لا ينطقون بالحاء على صرافتها، وإنما يقولون في اسم الملك أضمخة بتقديم الميم على الخاء المعجمة (١). وذكر السهيلي: أن اسم أبيه بجري بغير همزة (٢). وفي كتاب "الطبقات" لابن سعد: لما رجع النبيُّ ﷺ من الحديبية سنة ست؛ أرسل إلى النجاشي سنة سبع في المحرم عمرو بن أمية الضمري، فأخذ كتاب النبي ﷺ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعًا، ثم أسلم، وكتب إلى النبي ﷺ بذلك، وأنه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب ﵁، وتوفي في رجب سنة تسع، منصرفه من تبوك (٣). فإن قيل: وقع في صحيح مسلم كتب النَّبيِّ ﷺ إلى النجاشي، وهو غير النجاشي الذي صلى عليه، فالجواب أنه يحتمل على أنه لما توفي قام مقامه آخر فكتب إليه ﷺ (٤). (فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى) مع أصحابه، وذكر السهيلي: من حديث سلمة بن الأكوع "أنه صلى عليه بالبقيع" (٥). (فَصَفَّ بِهِمْ) صف هنا لازم، والباء في بهم بمعنى مع، ويحتمل أن يكون متعديًا، والباء زائدة للتأكيد، أي: صفهم؛ لأن الظاهر أنَّ الإمام متقدم؛ فلا يوصف بأنه صاف معهم، وليس في هذا الحديث ذكر كم صفًّا صفهم.

стр. 235

وفيه: دليل على أن سنة هذه الصلاة الصف كسائر الصلوات، وروى الترمذي من حديث مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب" (١)، أي: وجب له الجنة أو المغفرة. [٩١ أ/ص م] وروى النسائي من رواية الحكم بن فروخ قال: "صلى بنا أبو المليح على جنازة، فظننا أنه كبر فأقبل علينا بوجهه، وقال: أقيموا صفوفكم، وليحسن (٢) شفاعتكم، قال أبو المليح: حدثني عبد الله عن أحدى أمهات المؤمنين -وهي ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: أخبرني النبي ﷺ : قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس، إلا شفعوا فيه، /فسألت أبا المليح عن الأمة قال أربعون" (٣). (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) منها تكبيرة الإحرام، ومطابقة الحديث للترجمة من حيث النظر إلى مجرد النعي، كذا قال العيني (٤)، وقال الكرماني: المؤمنون أهل النجاشي من حيث أخوة الإسلام (٥)، وتعقبه العيني: بأن الأهل لا يستعمل عرفًا في أخوة الإسلام كما مر؛ اللهم إلا إذا ارتكب المجاز فيه (٦). وقال الحافظ العسقلاني: إن النجاشي كان غريبًا في ديار قومه، فكان للمسلمين أخًا، فكانوا أخص به من قرابته، ويحتمل أن يكون بعض أقرباء النجاشي كان بالمدينة حينئذ- ممن قدم مع جعفر بن أبي طالب ﵁ من الحبشة، كذي مخمر ابن أخي النجاشي، والله أعلم (٧).

стр. 236

وقد أخرج هذا الحديث مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، في "الجنائز" أيضًا (١). وفي الحديث: إباحة النعي، وهو أن يُنادَى في الناس أن فلانًا مات؛ ليشهدوا جنازته، قال بعض أهل العلم: لا بأس أن يُعلِم الرجل قرابته وإخوانه، وروى ذلك إبراهيم، وقال الشيخ زين الدين: إعلام أهل الميت، وقرابته، وأصدقائه استحسنه المحققون، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم. وذكر صاحب "الحاوي" من الشافعية وجهين في استحباب النداء بالميت، وإشاعة موته بالنداء؛ فاستحب ذلك بعضهم للغريب والقريب؛ لما فيه من كثرة المصلين عليه، والداعين له، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب، ولا يستحب لغيره (٢). وقال النووي: والمختار استحبابه مطلقًا إذا كان مجرد إعلام (٣)، وفي التوضيح: وقال صاحب البيان من أصحابنا: يكره نعي الميت، وهو أن يُنادَى عليه في الناس إن فلانًا قد مات؛ ليشهدوا

стр. 237

جنازته (١)، وفي وجه حكاه الصيدلاني: لا يكره، وفي حلية الروياني من أصحابنا الاختيار أن ينادي به؛ ليكثر المصلون (٢). وقال ابن الصباغ (٣): قال أصحابنا يكره النداء عليه، ولا بأس أن يعلم أصدقاءه (٤)، وبه قال أحمد (٥)، وقال أبو حنيفة: لا بأس به (٦). ونقله العبدري عن مالك أيضًا، ونقل ابن التين عن مالك: كراهة النداء بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنه من النعي (٧)، قال علقمة بن قيس: النداء بالجنائز من النعي، وهو من أمر الجاهلية (٨). وقال البيهقي: وروى النهي أيضًا عن ابن عمر، وابن سعيد، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن خيثم؛ انتهى (٩).

стр. 238

وروى أيضًا عن أبي وائل وأبي ميسرة، وعلي بن الحسين، وسويد بن غفلة، ومطرف بن عبد الله، ونصر بن عمران أبي حمزة (١). [٩٢ أ/س] /وروى الترمذي من حديث حذيفة ﵁ أنه قال: إذا مت فلا تُؤذِنوا بي أحدًا؛ فإني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول الله ﷺ بأذنَيَّ هاتين ينهى عن النعي. وقال: هذا حديث حسن (٢)، وروى أيضًا من حديث عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إياكم والنعي؛ فإن النعي من أمر الجاهلية (٣) ". وقال حديث غريب. والمجوزون احتجوا بحديث الباب، وبما ورد في الصحيح: أن النبي ﷺ نعى للناس زيدًا وجعفرًا (٤)، وفي الصحيح أيضًا: قول فاطمة ﵂ حين توفي النبي ﷺ : "وا أبتاه، من ربه ما أدناه، وا أبتاه، إلى جبرئل ينعاه (٥) ". وفي الصحيح أيضًا في قصة الرجل الذي مات ودُفِن ليلًا؛ فقال النبي ﷺ : "أفلا كنتم آذنتموني (٦) "، فهذه الأحاديث دالة على جواز النعي، والمنهي إنما هو نعي الجاهلية الذي يشتمل على ذكر المفاخر والمناقب، كما مر.

стр. 239

فإن قيل: إن حديث النجاشي /لم يكن نعيًا، وإنما كان مجرد إخبار بموته، فسمى نعيًا؛ لشبهه به في كونه إعلامًا، وكذا القول في زيد وجعفر. [٤١ ب/س] والجواب: أن الأصل هو الحقيقة؛ على أن حديث النجاشي أصح من حديث حذيفة ﵁ وعبد الله ﵁، فإن قيل قال ابن بطال: إنما نعى النبي ﷺ النجاشي وصلى عليه؛ لأنه كان عند بعض الناس على غير الإسلام، فأراد إعلامهم بصحة إسلامه (١)، والجواب أن نعيه ﷺ زيدًا وجعفر وغيرهما ﵃ يرد ذلك. وفي الحديث أيضًا أنه لا يصلى على الجنازة في المسجد؛ لأن النبي ﷺ أخبر بموته في المسجد، ثم خرج مع المسلمين إلى المصلى؛ وهذا مذهب أبي حنيفة: أنه لا يُصلَّى على ميت في مسجد جماعة، وبه قال مالك وابن أبي ذئب (٢)، وعند الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور- لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه (٣)، واحتجوا بما روى ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ عنه: "أنه لما توفي أمرت عائشة ﵂ بإدخال جنازته المسجد حتى صلى عليها أزواج النبي ﷺ ، ثم قالت: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ فقيل لها: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسوا، ما صلى رسول الله ﷺ على جنازة سهيل بن البيضاء إلا في المسجد" رواه مسلم (٤).

стр. 240

[٩٢ أ/ص] واحتج أصحابنا الحنفية بحديث ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على ميت في المسجد؛ فلا شيء له (١) ". رواه /أبو داود بهذا اللفظ (٢)، ورواه ابن ماجة، ولفظه: "فليس له شيء" (٣)، وقال الخطيب: المحفوظ "فلا شيء له"، ورُوِي: "فلا شيء عليه"، ورُوِيَ: "فلا أجر له"، وقال ابن عبد البر رواية: "فلا أجر له" خطأ فاحش، والصحيح: "فلا شيء له (٤) "، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ "فلا صلاة له" (٥).

стр. 241

فإن قيل: روى ابن عدي في (الكامل) هذا الحديث، وعده من منكرات صالح، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه، وينهى عنه، وإلى مالك لا تأخذوا منه شيئًا؛ فإنه ليس بثقة، وإلى النسائي أنه قال فيه: ضعيف (١). وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: اختلط في آخره، ولم يتميز حديثه من قديمه، فاستحق الترك، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: إنه باطل، وكيف يقول ورسول الله ﷺ قد صلى على سهيل بن البيضاء في المسجد (٢)؟. وقال البيهقي: صالح مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه (٣)، وقال النووي: إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به (٤)، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف؛ تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف (٥)، وقال النووي أيضًا: إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود: "فلا شيء عليه"، فلا حجة فيه، وإن اللام فيه يجوز أن تكون بمعنى على، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:، ٧] أي: فعليها؛ جمعًا بين الأحاديث (٦). فالجواب من وجوه: الأول: أن أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه، وهذا دليل رضاه به، وأنه صحيح عنده.

стр. 242

الثاني: أن يحيى بن معين، وهو فيصل في هذا الباب قال: صالح ثقة؛ إلا أنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وممن سمع منه قبل الاختلاط ابن أبي ذئب (١). الثالث: أنه قال ابن عبد البر منهم من يقبل عن صالح ما رواه ابن أبي ذئب خاصة (٢). الرابع: أن غالب ما ذكر فيه تحامل، ومن ذلك قول النووي: إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود: "فلا شيء عليه"، فإنه يرده قول الخطيب المحفوظ: "فلا شيء له"، وقول السروجي (٣) في الأسرار "فلا صلاة له"، وفي المرغيناني (٤): "فلا أجر له (٥) ". ومن تحاملهم جعل اللام بمعنى على بالتحكم من غير دليل، ولا داع إلى ذلك، ولا سيما أن المجاز عندهم ضروري، لا يصار إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا، وأقوى ما يرد كلامه هذا رواية ابن أبي شيبة: "فلا صلاة له"، فلا يمكن له أن يقول: اللام بمعنى على لفساد المعنى. [٩٣ أ/س] الخامس: أن قول ابن حبان هذا باطل جرأة منه على تبطيل /الصواب، فكيف يقول هذا القول، وقد رواه أبو داود، وسكت عنه؟ فأقل الأمر أنه عنده حسن؛ لأنه رضي به، وحاشاه من أن يرضى بالباطل. السادس: ما قاله الجهبذ النَّقَّاد الإمام أبو جعفر الطحاوي: ملخصًا أن الروايات لما اختلفت عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، يحتاج إلى الكشف؛ ليعلم المتأخر منها، فيُجعل ناسخًا لما تقدم؛ فحديث عائشة ﵂ إخبار عن فعل رسول الله ﷺ في حال الإباحة التي لم يتقدمها شيء،

стр. 243

وحديث أبي هريرة ﵁ إخبار عن نهي رسول الله ﷺ الذي تقدمته الإباحة فصار ناسخًا لحديث عائشة ﵂، وإنكار الصحابة عليها مما يؤكد ذلك، وهذا النسخ من قبيل النسخ بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبًا للحظر، والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يتعين المصير إلى النص الموجب للحظر؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والحظر طارئ عليها، فيكون متأخرا عنها، ولم يجعل الأمر بالعكس لئلا يلزم النسخ مرتين وهو ظاهر (١). فإن قيل: ليس بين الحديثين مساواة؛ فلا تعارض فلا يحتاج إلى التوفيق. فالجواب: أنه ظهر لك صحة حديث أبي هريرة ﵁ من الوجوه التي ذكرت، فثبت التعارض. فإن قيل: قد أخرج مسلم من حديث عائشة ﵂، ولم يخرج حديث أبي هريرة ﵁. فالجواب: أنه لا يلزم من ترك مسلم تخريجه عدم صحته؛ لأنه لم يلتزم باخراج كل ما صح عن النبي ﷺ ، وكذلك البخاري ولئن سلمنا بذلك، وأن حديث أبي هريرة ﵁ لا يخلو عن كلام، فكذلك حديث عائشة ﵂ لا يخلو عن كلام؛ لأن جماعة من الحفاظ مثل: الدارقطني وغيره- عابوا مسلمًا على تخريجه إياه مسندًا لأن الصحيح أنه مرسل، كما رواه مالك والماجشون عن أبي النضر عن عائشة مرسلًا، والمرسل ليس بحجة عندهم. [٤١ ب/ص] وقد أوَّل بعض أصحابنا حديث عائشة /بأنه ﷺ إنما صلى في المسجد بعذر المطر، وقيل بعذر الاعتكاف، وعلى كل تقدير: الصلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل؛ بل أوجب للخروج عن الخلاف، لا سيما في باب العبادات، ولأن المسجد بُنِي لأداء الصلاة المكتوبة؛ فيكون غيرها في خارج المسجد أولى وأفضل (٢).

стр. 244

[٩٣ أ/ص] وفي الحديث أيضًا: جواز الصلاة على الغائب، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد، /قال النووي: فإن كان الميت في البلد، فالمذهب أنه لا يجوز أن يُصَلَّى عليه حتى يحضر عنده، وقيل: يجوز، وفي الرافعي ينبغي ألا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع أو ثلثمائة تقريبًا (١). قال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﷺ ، وصدق نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسولَ الله ﷺ أن يفعل ذلك؛ إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، فهذا -والله أعلم- هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان، وقد قضى حقه من الصلاة عليه؛ فإنه لا يصلي عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر؛ كانت السنة أن يصلي عليه، ولا يترك ذلك؛ لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه، استقبلوا القبلة، ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة. وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصًا بهذا الفعل؛ إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي؛ لما رُوِي في بعض الأخبار: أنه قد سويت له الأرض؛ حتى يبصر مكانه، وهذا تأويل فاسد؛ لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة كان علينا اتباعه، والايتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى، فصف بهم، وصلوا معهم، فعلم أن هذا التأويل فاسد. انتهى ما قاله الخطابي (٢).

стр. 245

وأنت خبير بأنه تشنيع على الحنفية _أيدهم الله_ من غير توجيه ولا تحقيق، ودفعه أن النبي ﷺ رفع له سريره على طريق خرق العادة فرآه، فيكون الصلاة عليه كالصلاة على الميت، رآه الإمام ولا يراه المأموم، وليس ذلك مجرد احتمال؛ بل له بينة (١)، وهي ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمر ابن الحصين ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن أخاكم النجاشي توفي، فقوموا عليه"، فقام رسول الله ﷺ ، وصفُّوا خلفه، فكبر أربعًا، وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه" (٢). [٩٤ أ/س] وجواب آخر: أنه من باب الضرورة؛ لأنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة، فتعين /فرض الصلاة عليه ﷺ ؛ لعدم من يصلي عليه ثمة، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه ﷺ ، وسمع بهم فلم يصل عليهم إلا غائبًا واحدًا ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره، وهو معاوية بن معاوية المزني، روى حديثه الطبراني في معجمه الأوسط، وكتاب مسند الشاميين قال: حدثنا علي بن سعيد المرازي، ثنا نوح بن عمير السكسكي، ثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة ﵁ قال: كنا مع رسول ﷺ بتبوك؛ فنزل عليه جبريل ﵇، فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تُطوى لك الأرض؛ فتصلي عليه؟ قال: "نعم، فضرب بجناحه الأرض، ورفع له سريره، فصلى (٣) عليه، وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع، وقال النبي ﷺ لجبريل: ﵇ بم أدرك هذا؟ قال: بحبه سورة قل هو الله أحد، وقراءته إياها جائيًا، وذاهبًا، وقائمًا، وقاعدًا، وعلى كل حال". (٤) انتهى.

стр. 246

فإن قيل: قد صلى على اثنين أيضًا وهما غائبان: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، أخرج الواقدي في كتاب المغازي، قال: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قالا: لما التقى الناس بمؤته، جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وكُشِف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معركتهم، فقال ﷺ : أخذ الراية زيد بن حارثة، فمضى حتى استشهد وصلى عليه ودعا له، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فمضى حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ودعا له، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة؛ فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء" (١). فالجواب: أنه مرسل من الطريقين المذكورين، والمرسل ليس بحجة عندهم، على أنهم يقولون: في الواقدي مقال (٢). [٩٤ أ/ص] وقال صاحب التوضيح: في معرض التحامل، ومن ادعى أن الأرض طويت له حتى شاهده- لا دليل عليه، وإن كانت القدرة صالحة لذلك (٣)، فكأنه لم يطلع على ما رواه ابن حبان والطبراني، وقد ذكر آنفًا، ووقع في كلام ابن بطال تخصيص ذلك بالنجاشي، وقال: ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب؛ / إلا ما ذكره ابن زيد عن عبدالعزيز بن أبي (٤) سلمة؛ فإنه قال: إذا

стр. 247

استؤذن (١) أنه غرق أو قتل أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء- صلى عليه كما فعل بالنجاشي، وبه قال ابن حبيب (٢). وقال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم يقولون: إن ذلك مخصوص به (٣). وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت أو قريب منه؛ وفي المصنف عن الحسن "أنه دعا له، ولم يصل عليه" (٤)، والله أعلم؛ وفي الحديث أيضًا أن التكبير على الجنازة يكون أربع تكبيرات، وصرح بذلك في الحديث، وهو آخر ما استقر عليه أمره ﷺ (٥)؛ وقال ابن أبي ليلى: يكبر خمسًا (٦)، وإليه ذهبت الشيعة (٧). [٤٢ ب/س] وقيل: ثلاث، قاله بعض المتقدمين (٨)، وقيل: أكثره سبع وأقله ثلاث (٩)، ذكره القاضي أبو محمد، وقيل: ست، /ذكره ابن المنذر عن علي ﵁ (١٠)، وعن أحمد لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع (١١)،

стр. 248

وقال ابن مسعود ﵁: "يكبر ما كبر إمامه" (١). وروى مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا؛ فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها (٢)، ورواه أيضًا: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والطحاوي، وقال: ذهب قوم إلى أن التكبير على الجنائز خمس، وأخذوا بهذا الحديث (٣)، وأراد بالقوم هؤلاء: عبدالرحمن بن أبي ليلى، وعيسى مولى حذيفة، وأصحاب معاذ بن جبل، وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وإليه ذهبت الظاهرية والشيعة؛ وفي "المبسوط" وهي رواية عن أبي يوسف (٤). وقال الحازمي (٥): وممن رأى التكبير على الجنازة خمسًا: ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان ﵃ (٦)، وقالت فرقة: يكبر سبعًا، رُوِي ذلك عن زر بن حبيش (٧)، وقالت فرقة: يكبر ثلاثًا، رُوِي ذلك عن أنس وجابر بن زيد (٨)، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس ﵂ (٩) تحية طيبة وبعد وقال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون (١٠)، وأراد بهم محمد ابن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، وابن سيرين، والنخعي، وسويد بن غفلة، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وأحمد،

стр. 249

وأبا مجلز لاحق بن حميد، ويحكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبي أوفى، والحسن بن على، والبراء بن عازب، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر ﵃ (١). [٩٥ أ/س] ولم يذكر التسليم هنا في حديث النجاشي، /وذكر في حديث سعيد بن المسيب من رواية ابن حبيب عن مطرف عن مالك، واستغربه ابن عبد البر (٢) قال: إلا أنه لا خلاف علمته بين العلماء من الصحابة والتابعين؛ فمن بعدهم من الفقهاء في السلام منها، وإنما اختلفوا: هل هي واحدة، أو اثنتان؟ فالجمهور على تسليمه واحدة، وهو أحد قولي الشافعي (٣)، وقالت طائفة: تسليمتان، وهو قول أبي حنيفة (٤) والشافعي (٥)، وهو قول الشعبي أيضًا، ورواية عن إبراهيم (٦).

стр. 250

وممن رُوِي عنه واحدة: عمر، وابنه عبد الله، وعلي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وابن أبي أوفي، وواثلة ﵃، وسعيد بن جبير، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، والحسن، ومكحول، وإبراهيم في رواية. (١). وقال ابن التين: وسأل أشهب مالكًا: أتكره السلام في صلاة الجنائز؟ قال: لا، وقد كان ابن عمر ﵂ يسلم، قال: فاستناد مالك إلى فعل ابن عمر دليل على أنه ﷺ لم يسلم في صلاته على النجاشي، ولا على غيره (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ؛ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ؛ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ؛ فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ -، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ-؛ فَفُتِحَ لَهُ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ (٣)) -بفتح الميمين بينهما مهملة- عبد الله بن عمرو المقعد (قال (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ (٥)) هو ابن سعيد (قال حَدَّثَنَا) وفي رواية أخبرنا (أَيُّوبُ (٦)) هو السختياني.

стр. 251

(عَنْ حُمَيْدِ) بضم المهملة (بْنِ هِلَالٍ (١)) العدوي البصري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَخَذَ الرَّايَةَ) أي: العلم (زَيْدٌ) هو ابن حارثة -بالمهملة والمثلثة- ابن شراحبيل بن كعب الكلبي، أعتقه رسول الله ﷺ وتبناه، ولم يذكر الله -تعالى- أحدًا من الصحابة باسمه الخاص إلا زيدًا، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. [٩٥ أ/ص] وقصة ذلك أنه لما جهز رسول الله ﷺ الجيش (٢) إلى مؤتة -بضم الميم، وسكون الواو، وبالفوقانية-، موضع في أرض البلقاء من أطراف الشام على نحو مرحلتين من بيت المقدس، في جمادي الأولى سنة ثمان، أمَّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد؛ فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر؛ فعبد الله بن رواحة على الناس، فخرجوا وهم ثلاثة آلاف، فتلاقوا مع الكفار فاقتتلوا، فقتل زيد بن حارثة، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها خالد بن الوليد ﵃ ففتح الله على يديه، /فأخبر بذلك رسول الله ﷺ قبل أن يأتي خبرهم (٣). فقال: أخذ الراية زيد (فَأُصِيبَ) أي: قُتِل (ثُمَّ أَخَذَهَا) أي: الراية (جَعْفَرٌ) هو ابن أبي طالب الهاشمي الطيار ذو الجناحين (٤)؛ لما رُوِي أنه قطعت يداه يوم غزوة مؤتة، فجعل الله له جناحين يطير بهما، وهو صاحب الهجرتين الجواد بن الجواد، وكان أمير المهاجرين إلى الحبشة. قال ابن عمر ﵂: "كنت في غزوة مؤتة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين" وفي رواية "وسبعين جراحة من طعنة ورمية" ﵁ (٥).

стр. 252

(فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء، وتخفيف الواو، وبالحاء المهملة، الخزرجي المدني: أحد النقباء ليلة العقبة، كان أول خارج إلى الغزوات، وآخر قادم (فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ) بلام التأكيد، يقال: ذرفت عينه: إذا سال منها الدمع، وهو من باب ضرب يضرب (١). (ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) القرشي المخزومي، سماه رسول الله ﷺ يوم غزوة مؤتة سيف من سيوف الله، روى له عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر حديثًا، للبخاري منها واحد، كان من المشهورين بالشجاعة والرياسة، وآثاره في إعلاء كلمة الله -تعالى- كثيرة، وهو الذي افتتح دمشق، مات بحمص سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁، وعنه: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤته تسعة أسياف" (٢) (مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) -بكسر الهمزة، وسكون الميم، وفتح الراء- أي: من غير تأمير من النبي ﷺ (فَفُتِحَ له) على البناء للمفعول. [٩٦ أ/س] [٤٢ ب/ص] قال الخطابي: لما نظر خالد بعد موتهم إلى كثرة العدو، وشدة بأسهم، وخاف ضياع الأمر، وحصول الفساد، وهلاك من معه من المسلمين، تصدى للإمارة عليهم، وأخذ الراية من غير تأمير، وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين؛ فرضي رسول الله ﷺ بفعله؛ إذ وافق الحق، وإن لم يكن له من رسول الله ﷺ إذن، ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير، فصار هذا أصلا في الضرورات، /إذا وقعت في معاظم أمور الدين في أنها لا يُراعى فيها شرائط أحكامها عند عدم الضرورة، كذا في حقوق آحاد أعيان الناس، مثل: أن يموت رجل بفلاة وقد خلف تركة، فإنَّ على من شهده /حفظ ماله، وإيصاله إلى أهله، وإن لم يوص المتوفى بذلك؛ فإن النصيحة واجبة للمسلمين. انتهى (٣). وحاصله: أنه إذا عظم الأمر، واشتد الخوف سقطت مراعاة الشرائط، وهذا الحديث من إعلام النبوة؛ لأنه ﷺ أخبر بإصابتهم في المدينة وهم بمؤته، وكان كما قال ﷺ .

стр. 253

وفي الحديث: جواز دخول الحظر في الوكالات، وتعليقها بالشرائط، وفيه: جواز البكاء على الميت، وفيه: أن الرحمة التي تكون في القلب محمودة، وفيه: جواز تولي أمر قوم من غير تولية، إذا خيف ضياعه، وحصول الفساد بتركه كما مر (١). وقد أخرج البخاري هذا الحديث في "الجهاد"، و"علامات النبوة"، و"فضل خالد"، و"المغازي" أيضًا، وأخرجه النسائي في "الجنائز" (٢). قال الزين ابن المنير: وجه دخول قصة الأمراء في الترجمة أن نعيهم كان لأقربائهم، وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدين (٣). (تتمه) قال ابن العربي: يُؤْخَذُ من مجموع الأحاديث، ثلاث حالات في النعي: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح؛ فهذه سنة، الثانية: دعوة الجفلى (٤) للمفاخرة، فهذه مكروهة، الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحوها، فهذه حرام، والله أعلم (٥).

стр. 254

بابُ: الإِذْنِ بِالْجَنَازَةِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ، عن أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-، قَالَ النَّبي ﷺ : «أَلَا آذَنْتُمُونِي». ١٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن أَبِى إسحاق الشَّيْبَانِيِّ، عن الشَّعْبيَّ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: مَاتَ إنسان -كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ-؛ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ؛ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي»، قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ؛ فَكَرِهْنَا -وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ- أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ؛ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب الإِذْنِ) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة: والمراد الاعلام (بِالْجَنَازَةِ) ويروي: (باب: الأذان)، أي: الإعلام بها أيضًا، ويُروي: (باب الآذن) بمد الهمزة، وكسر الذال على وزن الفاعل: وهو الذي يؤذن بالجنازة، أي: يُعْلِمُ بها بأنها انتهى أمرها؛ ليُصلي عليها (١). وقال الزين ابن المنير: هذه الترجمة مرتبة على التي قبلها لأنَّ النعي إعلامُ من لم يتقدم له علم بالميت، والآذن إعلام بتهيئة أمره (٢)، والله أعلم. (وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ) بالفاء، والمهملة: نفيع الصائغ (٣) (عن أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: النَّبي ﷺ أَلَا) بتشديد اللام أي: هلا (آذَنْتُمُونِي): أعلمتموني، ويُروي ألا بتخفيف اللام.

стр. 255

وهو طرف من حديث أخرجه المؤلف في "باب: كنس المسجد" بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: "إنَّ رَجُلًا أسودَ أو امرأة سوداء كان يَقُمُّ المسجدَ؛ فمات، فسأل النَّبي ﷺ عنه، قالوا: مات، فقال: أفلا كنتم آذنتموني به، دلوني على قبره -أو قال على قبرها-؛ فأتى قبره، فصلَّى عليها" (١)، وقدْ مرَّ الكلامُ فيه هناكَ مستوفٍ. [٩٦ أ/ص] (حَدَّثَنَا) وفي رواية: حدثني بالإفراد (مُحَمَّدٌ (٢)) هو: ابن سلام، كما جزم به أبو علي بن السكن في روايته عن الفربري، أو ابن المثنى، وكل منهما روى عن أبي معاوية (٣) (قال: (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (٥)) محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي الضرير (عن أَبِى إسحاق) سليمان بن فيروز (الشَّيْبَانِيِّ (٦)) /بفتح الشين المعجمة (عن الشَّعْبيَّ) عامر بن شراحيل (٧) (عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵂) ورجال إسناد هذا الحديثِ كوفيون إلَّا الأول فبيكندي. وقد أخرج متنه مسلم في "الجنائز" أيضًا، وكذا أبو داود، والتِّرْمِذِي، والنسائي، وابن ماجة (٨).

стр. 256

(قَالَ: مَاتَ إنسان كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ) أي: يزوره في مرضه، قيل: هذا الإنسان هو طلحةُ بن البراء بن عمير البلوي؛ حليف الأنصار، كما رَوى الطَّبراني مِنْ طَريقِ عروةَ بن سعيد الأنصاري، عن أبيه، عن حصين بن وَحْوَحْ الأنصاري وهو بمهملتين على وزن جعفر "أن طلحة بن البراء مرض؛ فأتاه النَّبي ﷺ يعوده، فقال: إني لا أرى طلحة، ألا قد حدث فيه الموت؛ فآذنوني به، وعجلوا؛ فلم يبلغ النَّبي ﷺ بني سالم بن عوف حتَّى تُوفِّي، وكان قال لأهله -لما دخل الليل-: إذا مِتُّ؛ فادفنوني، ولا تدعوا رسول الله ﷺ ؛ فإني أخاف عليه يهود، أنْ يُصابَ بسببي؛ فأخبر النَّبي ﷺ حين أصبح؛ فجاء حتَّى وقف على قبره؛ فصف النَّاس معه، ثُمَّ رفع يديه، فقال: "اللهم القَ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه" (١) أي: يرضى عنك وترضى عنه. وأخرجه أبو داود مختصرًا من حديث الحُصين بن وحوح "أنَّ طلحة بن البراء مرض؛ فلما أتاه النَّبي ﷺ يعودُه فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت؛ فآذنوني به، وعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يحبس بين ظهراني أهله (٢). ووقع في (التوضيح شرح الصحيح: للشيخ سراج الدين ابن الملقن) أنَّ هذا الإنسان هو الميت المذكور في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تَقُمُّ المسْجِدُ (٣). وقال الحافظ العسقلاني: وهو وهم منه لتغاير القصتين؛ فإنَّ الصحيح أنَّها امرة يُقال لها: أم محجن (٤)، والله أعلم.

стр. 257

(فَمَاتَ بِاللَّيْلِ) قبل أن يبلغ النَّبي ﷺ بني سالم بن عوف، كما تقدم (فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أي: دخل رسول الله ﷺ في الصباح (أَخْبَرُوهُ بموته)، ودفنه ليلًا؛ (فَقَالَ) ﷺ (مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي) من الإعلام، أي: بشأنه (قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ) بالرفع: على أن كان تامة (فَكَرِهْنَا - وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ) بالرفع أيضًا، وجملة كانت: اعتراض بين الفعل، ومفعوله، وهو: (أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ) أي: كرهنا المشقة عليك، (فَأَتَى) النَّبي ﷺ (قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ). [٩٧ أ/س] وفي الحديث: عيادة المريض، وقد مر الكلام مستقصى، وفيه: جواز دفن الميت بالليل، ورَوى التِّرْمِذِي من حديث عطاء، عن ابن عباس ﵂ /"أن النَّبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا؛ فأسرج له بسراج، فأخذ من قبل القبلة، وقال رحمك الله، إن كنت لأواهًا، تلّاء للقرآن، وكبر عليه أربعًا" ثُمَّ قال التِّرْمِذِي: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل (١). [٤٣ ب/س] وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال" كان رجل يطوف بالليل يقول: إوه إوه، قال: أبو ذَّر؛ فخرجت ليلة؛ فإذا النَّبي ﷺ في المقابر يدفن ذلك الرجل، /ومعه مصباح" (٢). وفيه: الإذن بالجنازة والإعلام بها، وقد مر بيانه مع الخلاف فيه، وفيه: تعجيل الجنازة؛ فإنهم ظنوا أن ذلك أكد من إيذانه.

стр. 258

وفيه: جوازُ الصلاةِ على القبر، وفيه: خلاف، وقال التِّرْمِذِي: العمل على هذا، أي: بالصلاة على القبر عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يُصلي على القبر، وهو قول: مالك بن أنس، وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفِنَ الميت، ولم يصل عليه، صلى في القبر، وقال أحمد، وإسحاق: يصلى على القبر إلى شهر. (١) وقال ابن التين: جمهور أصحاب مالك على الجواز خلافًا لأشهب وسحنون؛ فإنَّهُما قالا: إِنْ نَسِيَ، أي: يصلي على ميت؛ فلا يصل على قبره، فليدع له، وقال: ابن القاسم، وسائر أصحابنا يُصَلَّى على القبر؛ إذا فاتت الصلاة على الميت، فإذا لم تفت، وكان قد صلى عليه؛ فلا يصلى عليه، وقال ابن وهب، عن مالك: ذلك جائز، وبه قال: الشافعي، وابن عبد الحاكم، وأحمد، وإسحاق، وداود، وسائر أصحاب الحديث (٢). وكرهها: النخعي، والحسن، وهو قول: أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، والليث بن سعد (٣). وقال صاحب الهداية: وإن دُفِنَ الميت -ولم يصل عليه- لا يخرج منه، ويصلي عليه مالم يعلم أنه تفرق (٤)، وهكذا في المبسوط (٥)، وإذا شكَّ في ذلك، نصَّ الأصحاب على أنه لا يُصلى عليه،

стр. 259

وبه قال: الشافعي، وأحمد، وهو قول: عمر، وأبي موسى، وعائشة ﵃، وكذا هو قول: ابن سيرين، والأوزاعي (١). وهل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونًا بعد الغسل؟ الصحيح أنه يشترط، وروى ابن سماعة عن محمد أنَّه لا يشترط، وفي المحيط: لو صلى عليه من لا ولاية عليه يصلى على قبره (٢)، ويصلي عليه قبل أن يتفسخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي أي: غالب الظن؛ فإنْ كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلي عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يُصلي عليه، وإذا شك لا يصلي عليه (٣). وعن أبي يوسف يُصلى عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يُصلى عليه (٤). [٩٧ أ/ص] /وللشافعية ستة أوجه: أولها: إلى ثلاثة أيَّام، ثانيها: إلى الشهر، كقول: أحمد، ثالثها: ما لم يَبْلَ جسده. رابعها: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة يوم موته، خامسها: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه، سادسها: يصلي عليه أبدًا؛ فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة، ومن قبلهم اليوم، واتفقوا على تضعيفه (٥)، وممن صرح به: الماوردي، والمحاملي، والفوراني، والبغوي، وإمام الحرمين، والغزالي (٦).

стр. 260

فإنْ قيل: في صحيح البخاري عن عقبة بن عامر ﵁ "أنَّه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثَماني سنين" (١)، فالجواب ما قاله السرخسي في المبسوط، وغيره أنَّ ذاك محمول على الدعاء (٢)، ولكنه غير سديد؛ لأنَّ الطحاوي روى عن عقبة بن عامر ﵁ "أنَّه ﷺ خرج يومًا؛ فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت" (٣)، والجواب السديد أنَّ أجسادهم لم تبل حينئذ (٤)، والله أعلم وأما قبور الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ فلا يُصلى عليها لخبر الصحيحين "لعن الله اليهود أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥).

стр. 261

باب: فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحتسب، وَقَالَ اللَّهُ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عن أَنَسٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبي: ﷺ «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفِي لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب: فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ) قال الزين ابن المنير: عَبَّرَ المؤلف بالفضل؛ ليجمع بين الأحاديث الثلاثة التي أوردها في الباب؛ لأنَّ في الأول: دخول الجنة، وفي الثاني: الحجب عن النار، وفي الثالث: تقييد الولوج بتحلة القسم، وفي كل منها ثبوت الفضل لمن وقع [لك] (١) ذلك، ويجمع بينها بأن يُقال: الدخول لا يستلزم الحجب؛ ففي ذكر الحجب فائدة زائدة لا يستلزم (٢) الدخول من أول وهلة. وأما الثالث: فالمراد بالولوج الورود، وهو المرور على النار (٣)، كما سيأتي الكلام فيه عند قوله: "ألا تحلة القسم"، والمار عليها على أقسام: منهم من لا يسمع حسيسها؛ وهم الذين سبقت لهم الحسنى من الله، كما في القرآن؛ فلا تنافي بين الولوج والحجب. وعَبَّرَ بقوله: ولد، ليتناول الواحد فصاعدًا، وإن كان حديث الباب قد قيد بثلاثة أو اثنين؛ فإنَّه قد وقع في بعض طرقه ذكر الواحد، ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعًا "من دَفَنَ ثلاثة؛ فصبر
следующие страницы →