وأخرج أيضًا من حديث عمرو بن حزم، قال: "رآني رسول الله ﷺ على قبر فقال: انزل عن القبر، فلا تؤذ صاحب القبر، ولا يؤذيك" (١)
وأخرج أيضًا من حديث جابر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها" (٢) , وأخرجه الجماعة غير البخاري.
ثم قال: فذهب قوم إلى هذه الآثار وقلدوها، وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور (٣)،. وأراد بالقوم الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومكحول، وأحمد، وإسحق، وأبا سليمان, ويروي ذلك أيضًا عن عبدالله، وأبي بكرة وعقبة بن عامر، وأبي هريرة،
стр. 888
وجابر ﵃ (١)، وإليه ذهب الظاهرية (٢) وقال ابن حزم في المحلى: ولا يجوز لأحد /أن يجلس على قبر وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف (٣).
[٢٤٧ أ/س]
ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول (٤).
وأراد بالآخرين أبا حنيفة، ومالكًا وعبدالله بن وهب وأبا يوسف ومحمدًا، وقالوا: ما روى عن النهي محمول على ما ذكرنا، ويحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن عمر ﵃ (٥).
ثم قال: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، وقد مر عن قريب, وهو حديث زيد بن ثابت ﵁ (٦).
ثم قال: فبين زيد أن الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول ما هو. ثم روى عن أبي هريرة ﵁ من طريق يونس وطريق ابن أبي داود, وقد ذكرا عن قريب أيضًا.
ثم قال: فثبت بذلك أن الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول هو هذا الجلوس؛ يعني للغائط والبول, فأما الجلوس لغير ذلك فلم يدخل في ذلك النهي. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ (٧).
قال العيني: فعلى هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطأ القبور حرام, وكذا النوم عليه ليس على ما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة (٨).
стр. 889
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ) وهذا التعليق وصله الطحاوي حدثنا علي، قال: ثنا عبدالله بن صالح، قال: حدثني بكر، عن عمرو، عن بكير، أن نافعًا، حدثه: " أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يجلس على القبور" (١).
فإن قيل: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: " لأن أطأ على رضف أحب إلي من أن أطأ على قبر" (٢) فالجواب: أنه محمول على معنى: "لأن أطأ" لأجل الحدث. والله أعلم. (٣)
ومناسبة هذا الأثر وما قبله للترجمة من حيث إن قول ابن عمر ﵄: "إنما يظله عمله" عام، يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بإظلاله، ولو كان تعظيمًا له، لا يتضرر بالجلوس عليه، وإن كان تحقيرًا له (٤).
وقال ابن رشيد: كأن بعض الرواة كتب هذه الآثار وفي غير موضعها، فإن الظاهر أنها من الباب التالي لهذا الباب، وهو باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله. والله أعلم (٥).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا».
стр. 890
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
[٢٤٧ أ/ص]
(حَدَّثَنَا يَحْيَى (١)) هو ابن جعفر البيكندي كما في مستخرج أبي نعيم أو هو يحيى بن يحيى كما جزم به [ابن] مسعود في الأطراف (٢)، أو هو يحيى بن موسى المعروف بحت (٣)، / كما وقع في رواية أبي علي بن شبويه، عن الفربري (٤)، قال الحافظ العسقلاني: وهو المعتمد (٥)
قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان.
[١٠٨ ب/ص]
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ) وفي رواية أبي ذر قال /: "مرّ النبي ﷺ (٦) " (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحال باسم المحل.
(يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ) أي: كبير دفعه واحترازه.
ويحتمل أن يكون نفى كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد صاحبي القبرين المعذبين, أو باعتبار اعتقاد مرتكبه مطلقًا, أو باعتبار اعتقاد المخاطبين أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنه عند الله كبير. كما جاء في رواية عند البخاري: "وما يعذبان في كبير. بلى إنه كبير" (٧) فهو كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥].
стр. 891
(أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) يحتمل أن يكون على حقيقته من الاستتار عن الأعين فيكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد التنزه والتوقي من البول بعد ملابسته. ويؤيده رواية: "لا يستنزه" (١) وإن كان الأصل الحقيقة.
(وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ) المحرمة، وأما ما كان للنصيحة لدفع مفسدة فهو جائز، والباء في قوله: بالنميمة للمصاحبة أي: يسير في الناس متصفًا بهذه الصفة أو للسببية أي: يمشي بسبب ذلك (٢).
(ثُمَّ أَخَذَ) ﷺ (جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزركشي: دخلت الباء على المفعول زائدة (٣).
وتعقب * (٤) بأنا لا نسلم أن نصفين مفعول لأن "شق" إنما يتعدى إلى مفعول واحد، وليس هذا من مواضع زيادة الباء؛ بل الباء للمصاحبة، وهو ظرف مستقر منصوب المحل على الحالية، أي: فشقها ملتبسة بنصفين, ولا مانع من أن يجتمع الشق, وكونها ذات نصفين في حال واحد، وليس المراد أن انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشق وإنما هو معه وبسببه, ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] (٥).
[٢٤٨ أ/س]
(ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) يعنى العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) أي: مدة /عدم يبس العودين, ولعل بمعنى: عسى؛ فلذا استعمل استعماله في اقترانه بأن، وإن كان الغالب في "لعل" التجرد. وليس في الجريد معنى يخصه، ولا في الرطب معنى ليس في اليابس، وإنما ذلك ببركة يده الكريمة ﷺ (٦).
стр. 892
ومن ثمة استنكر الخطابي وضع الجريد ونحوه على القبر عملًا بهذا الحديث, وكذا الطرطوشي في سراج الملوك قالا: إن ذلك خاص بالنبي ﷺ لبركة يده المقدسة, وبعلمه بما في القبور وجرى على ذلك ابن الحاج في مدخله (١).
وما تقدم من أن بريدة بن الحصيب ﵁ أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان، محمول على أن ذلك رأي له, ولم يوافقه أحد من الصحابة ﵃ في ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وحينئذ فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيح قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، فالخشب حي مالم ييبس، والحجر حي ما لم يقطع من معدنه، والجمهور أنه على حقيقته، وهو قول المحققين؛ إذ العقل لا يحيله, أو المراد هو التسبيح بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع، وأنه منزه (٢).
وقد سبق هذا الحديث في باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله, وقد مر التفصيل فيه أيضًا.
(تذييل) وعن شفى بن مانع الأصبحي أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى". قال: "فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه دمًا وقيحًا، ورجل يأكل لحمه. فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد قد مات وفي عنقه أموال الناس، ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه، ثم يقال للذي يسيل فوه دمًا وقيحًا: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الآذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كلمة (٣)، فيستلذها كما يستلذ الرفث، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد
стр. 893
آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة" رواه ابن أبي الدنيا والطبراني (١) وأبو نعيم (٢)، /ذكره الإمام المنذري في كتاب "الترغيب والترهيب" (٣).
[٢٤٧ أ/ص]
стр. 894
بَابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧] الأَجْدَاثُ: القُبُورُ، ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي: أَيْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: (إِلَى نَصْبٍ): إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ " وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ ﴿يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]: مِنَ القُبُورِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]: يَخْرُجُونَ "
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ) أي: وعظه وإنذاره بالعواقب (عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ) أي: المحدث وهو بالجر عطف على الموعظة (حَوْلَهُ) عند القبر لسماع الموعظة والتذكير بالموت وأحوال الآخرة.
وكأن المؤلف ﵀ (١) أشار بهذه الترجمة إلى أن الجلوس مع الجماعة عند القبر، إن كانت لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لا يكره، فأما مصلحة الحي فمثل أن يجتمع قوم عند قبر وفيهم من يعظهم ويذكرهم الموت وأحوال الآخرة، وأما مصلحة الميت فمثل أن يجتمعوا عنده لقراءة القرآن والذكر، فإن الميت ينتفع به (٢).
وروى أبو داود من حديث معقل بن يسار قال: قال النبي ﷺ : " اقرأوا يس على موتاكم" (٣).
стр. 895
وفي كتاب السنن (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن النبي ﷺ قال: من مر بين المقابر فقرأ "قل هو الله أحد"، إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات" (٢).
وفيه أيضًا عن أنس ﵁ يرفعه: "من دخل المقابر فقرأ "يس" خفف الله عنهم يومئذ" (٣).
[١٠٩ ب/س]
وعن أبي بكر الصديق ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من زار قبر/ والديه، أو أحدهما، فقرأ عنده، أو عندهما "يس" غفر له" (٤).
فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، وهي حجة على من قال: إن الميت لا ينتفع بقراءة الحي (٥).
وقال القسطلاني: وقد انضم إلى ذلك مشاهدة القبور، وتذكر أصحابها، وما كانوا عليه، وما صاروا إليه وذلك أنفع الأشياء لجلاء القلوب.
وقال ابن المنير: لو فطن أهل مصر لترجمة البخاري هذه لقرت أعينهم بما يتعاطونه من جلوس الوعاظ في المقابر، وهو حسن، إن لم يخالطه مفسدة انتهى (٦).
стр. 896
ولما كان من عادة المؤلف ﵀ أن يذكر بعد الترجمة تفسير بعض ألفاظ القرآن مناسبة لما ترجم له تكثيرًا للفوائد، وكان هذه التفاسير التي يذكرها تتعلق بذكر القبر ولها تعلق بالموعظة, ذكرها.
وقال الزين ابن المنير: مناسبة إيراد هذه الآيات في هذه الترجمة هي الإشارة إلى أن المناسب لمن قعد عند القبر أن يقصر كلامه على الإنذار بقرب المصير إلى القبر ثم إلى النشر لاستيفاء العمل (١).
قال في قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣]: القبور) أي: المراد بالأجداث في الآية القبور وقد وصله ابن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدى وغيرهما (٢).
[٢٤٩ أ/س]
واحدها "جَدَث" بفتح الجيم والدال المهملة وبالمثلثة، وفي الصحاح: الجدث: القبر، والجمع أجْدثٌ وأجداث (٣). وقال ابن جنى: وأجدُث: موضع، وقد نفى سيبويه أن يكون أفعل من أبنية الواحد، /فيجب أن يعد هذا مما فاته، إلا أن يكون جمع الجدث الذي هو القبر على أجدُث ثم سمى به الموضع (٤).
وقال: في قوله تعالى: و ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ﴾ (﴿بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤]) معناه (أُثِيرَتْ) بالمثلثة بعد الهمزة المضمومة من الإثارة, يقال: (بَعْثَرْتُ حَوْضِي: أَيْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) وفي
الصحاح: قال أبو عبيدة: "بعثر ما في القبور" أثير وأخرج, وقال في "المجاز": بعثرت حوضي، أي هدمته (٥). وفي المعاني للفراء: بعثرت وبحثرت لغتان (٦).
стр. 897
وفي تفسير الطبري عن ابن عباس ﵄ (١): بعثرت بحثت (٢). وفي المحكم: بعثر المتاع والتراب قلبه , وبعثر الشيء فرَّقَه، وزعم يعقوب أن عينها بدل من الحاء, والحاء بدل من العين (٣) , وفي الواعي في اللغة: بعثرته إذا قلبت ترابه وبددته (٤). وقال السدي- فيما رواه ابن أبي حاتم-: حركت فأُخرج ما فيها من الأموات (٥).
وقال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج: ٤٣] (الإِيفَاضُ) مصدر أَوْفَض يُوفِض, وأصله أوفاض معناه: (الإِسْرَاعُ) وثلاثية, وَفض من الوفض وهو العجلة (٦).
(وَقَرَأَ الأَعْمَشُ) هو سليمان بن مهران موافقة لباقي القراء، إلا ابن عامر وحفصًا؛ فإنهما قرآ بضم النون والصاد (إِلَى نَصْبٍ) بفتح النون وسكون الصاد (٧) وزيد في النسخة قوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾ وفي رواية: إلى نُصْب، بضم النون وسكون الصاد والأول أصح عن الأعمش (٨)، يعني معنى قوله: إلى نصب، (إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ) أي: إلى علم منصوب لهم يعبدونه ويبتدرون إليه إذا طلعت الشمس أيهم يستلمه أولًا لا يلوي أولهم على آخرهم. نقله ابن أبي حاتم عن الحسن (٩).
و (وَالنُّصْبُ) بضم النون وسكون الصاد (وَاحِدٌ) أي: مفرد لا مجموع, وإنما المجموع هو النُصُب بضم النون والصاد.
(وَالنَّصْبُ) بفتح النون وسكون الصاد (مَصْدَرٌ) أشار بهذا إلى أن النُصْب -بضم النون وسكون الصاد- يستعمل اسمًا, وبفتح النون وسكون الصاد يستعمل مصدرًا, ويجمع على
стр. 898
"أنصاب"، وهي الآلهة التي كانت تعبد من حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح لغير الله.
قال الحافظ العسقلاني: كذا وقع فيه, والذي في المعاني للفراء: النَصب والنُصب واحد وهو مصدر والجمع "أنصاب" (١) فكان التغيير من بعض النقلة (٢).
[٢٤٩ أ/ص]
وتعقبه العيني بأنه لا تغيير فيه؛ لأن البخاري فرق بكلامه هذا بين الاسم والمصدر، ولكن من قصرت يده عن علم /الصرف لا يفرق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظ واحد (٣). انتهى فليتأمل.
وقال في قوله تعالى: ذلك (﴿يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]): معناه يوم خروج أهل القبور (مِنَ القُبُورِ).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [يس: ٥١] (﴿يَنْسِلُونَ﴾) [يس: ٥١]): معناه (يَخْرُجُونَ).
وقال أبو عبيدة: ينسلون يسرعون والذئب ينسل ويعسل (٤)، وفي الكامل: العسلان غير النسلان, وفي كتاب الزجاج وابن جرير الطبري وتفسير ابن عباس ﵄: ينسلون يخرجون بسرعة (٥)
стр. 899
وفي المجمل: النسلان: مَشية الذئب إذا أعنق وأسرع (١). وفي المحكم: نَسَلَ ويَنْسُلُ نَسْلًا ونَسَلًا ونَسَلانًا, وأصله للذئب ثم استعمل في غير ذلك (٢) , وفي الجامع للقزاز: نسولًا، وأصله عَدْوٌ مع مقاربة خَطْوٍ (٣).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِى جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) الآيَةَ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(حَدَّثَنَا) وفي رواية: "حدثني" بالإفراد (٤) (عُثْمَانُ) هو ابن محمد ابن أبي شيبة إبراهيم أبو الحسن العبسي الكوفي أحد الحفاظ الكبار, وثَّقة يحيى بن معين وغيره (٥).
стр. 900
وذكر الدارقطني في كتاب "التصحيف" (١) أشياء كثيرة صحفها من القرآن في تفسيره، كأنه ما كان يحفظ من القرآن (٢).
(قَالَ: حَدَّثَنِى) بالإفراد وفي رواية: حدثنا (٣) (جَرِيرٌ) هو: ابن عبد الحميد الضبي (عَنْ مَنْصُورٍ (٤)) وهو: ابن المعتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ (٥)) بضم العين المهملة وفتح الموحدة, وقد مر في آخر كتاب الوضوء.
[١٠٩ ب/ص]
(عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٦)) عبدالله بن حبيب السلمي, وقد مر في باب غسل المذي في كتاب الغسل (عَنْ عَلِىٍّ) وهو: ابن أبي طالب (﵁ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) البَقيع: بفتح الموحدة وكسر القاف؛ وهو من الأرض موضع فيه أروم شجرٍ من ضروب شتى وبه سمي /بقيع
الغرقد بالمدينة, وهي مقبرة أهلها, والغَرقد -بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وآخره دال مهملة- شجر له شوك كان ينبت هناك فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للموضع (٧).
وقال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون ﵁ (٨).
стр. 901
وقيل: الغرقد ما عظم من شجر العوسج (١). والعوسج: من شجر الشوك له ثمر أحمر مُدوَّر كأنه خرز العقيق (٢).
(فَأَتَانَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ) وهذا هو موضع الترجمة (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالصاد المهملة وبالراء.
[٢٥٠ أ/س]
قال في القاموس: ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب (٣). وسميت بذلك /لأنها تحمل تحت الخصر للاتكاء عليها ويقال: اختصر الرجل: أمسك المِخصرة (٤).
وقال ابن قتيبة: التخصير إمساك القضيب باليد (٥)، وجزم ابن بطال أنه العصا (٦) وقال ابن التين: إنه عصا أو قضيب (٧).
(فَنَكَّسَ) بتخفيف الكاف وتشديدها لغتان أي: خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض (٨)، على هيئة المهموم المفكر في شيء حتى يستحضر معانيه, فيحتمل أن يكون يفكر في أمر أمته في الآخرة, بقرينة حضور الجنازة أو فيما يحدث بعده في أصحابه, ويحتمل أن يراد به: نكس المخصرة (٩).
(فَجَعَلَ يَنْكُتُ) بالمثناة الفوقية من النكت، وهو أن يضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها (١٠)، ويقال: النكت قرعك الأرض بعود أو بأصبع يؤثر فيها (١١).
стр. 902
(بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) أي: مصنوعة مخلوقة. (إِلَاّ كُتِبَ) بضم الكاف على البناء للمفعول (مَكَانُهَا) بالرفع على أنه نائب عن الفاعل أي: كتب مكان تلك النفس المخلوقة.
(مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) "مِنْ" بيانية، قال الكرماني: الواو في قوله: "والنار" بمعنى أو (١)، وتعقبه العيني بأن قال: لم أدر ما حمله على ذلك (٢).
وفي رواية سفيان: "إلا قد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار" (٣) وكأنه يشير إلى حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري الدال على أن لكل أحد مقعدين (٤)؛ [لكن لفظه في النور] (٥) "إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة" واو للتنويع أو بمعنى الواو (٦).
(وَإِلَاّ) بالواو ويروي بدونها، وفيه غرابة، وهي أن قوله: "ما من نفس" يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: "ما منكم" وأن يكون إلا الثانية بدلًا من إلا الأُولى. ويحتمل أن يكون من باب اللف والنشر، وأن يكون تعميمًا بعد تخصيص؛ إذ الثاني في كل منهما أعم من الأول (٧).
(قَدْ كُتِبَت شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بالنصب فيهما، وقال الكرماني: بالرفع، أي: هي شقية أو سعيدة (٨).
(فَقَالَ رَجُلٌ) هو: علي بن أبي طالب ﵁، ذكر المؤلف في التفسير لكن بلفظ: "قلنا" (٩). أو: هو سراقة بن مالك ﵁، كما في مسلم (١٠). أو: هو عمر بن الخطاب ﵁، كما في الترمذي (١١).
стр. 903
[٢٥٠ أ/ص]
وفي حديث أبي بكر الصديق ﵁، كما عند أحمد والبزار والطبراني: رجل من الأنصار. ويجمع بتعدد القائلين، وفي حديث عبدالله بن عمر ﵄: "فقال أصحابه" (١): (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا. . .؟) أي: أنعمل؟ (٢) ولا نعتمد /على ما كتب الله وقدره علينا (وَنَدَعُ الْعَمَلَ) أي: ونتركه.
(فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ) أي: فسيجر به القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) قهرًا، يكون مآل حاله ذلك البتة بدون اختياره. (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) أيضًا.
(قَالَ) ﷺ (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ) على البناء للمفعول, ذكره بلفظ الجمع باعتبار معنى الأهل (لِعَمَلِ) أهل (السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (الشَّقَاوَةِ).
ولما كان حاصل سؤالهم أنه إذا كان الحال كذلك فلم لا نترك المشقة التي في العمل الذي لأجلها سمى بالتكليف؟ فإنا سنصير إلى ما قدر علينا.
أجاب ﷺ بأنه "لا مشقة ثمة؛ إذ كل ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسر الله تعالى عليه (٣).
فإن قيل: إذا كان القضاء الأزلي يقتضي ذلك، فلِم المدح والذم والثواب والعقاب؟
فالجواب: أن المدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية، وهذا هو المراد بالكسب المشهور عن الأشاعرة، وذلك كما يمدح ويذم الشيء بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته. وأما الثواب والعقاب فكسائر العاديات، فكما لا يصح عندنا أن يقال: لم خلق الله تعالى الاحتراق مماسة النار ولم يحصل ابتداء؟ فكذا هنا (٤).
وقال الطيبي في شرح المشكاة: الجواب من الأسلوب الحكيم؛ منعهم ﷺ عن الاتكال وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
стр. 904
لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] يعني أنتم عبيد ولا بد لكم من العبودية فعليكم بما أمرتم، وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًا لدخول الجنة والنار؛ بل إنها علامات فقط. انتهى (١).
وقال الخطابي: لما أخبر النبي ﷺ عن سبق الكتاب بالسعادة رام القوم أن يتخذوه حجة في ترك العمل، فأخبرهم أن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر هو التتمة اللازمة في حق العبودية، وإنما أمارة مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدة حقيقة، وبين لهم أن كلًا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل (٢).
[٢٥١ أ/س]
[١١٠ ب/س]
ولذلك تمثل بقوله تعالى: (ثُمَّ قَرَأَ) ﷺ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) أي: الطاعة، (وَاتَّقَى) أي: المعصية (الآيَةَ) أي: قرأ الآية /بتمامها؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] / أي: بالكلمة الحسنى وهي ما دل الحق، وهي كلمة التوحيد، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾، أي: فسنهيئه ﴿لِلْيُسْرَى﴾ أي: للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة، والوصول إلى نعيمها والتلذذ بلذاتها ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بما أمرته به ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: للخلة الموجبة للعسر والشدة كدخول النار، والتألم بآلامها العظمى، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع التعالج بالطب، فإنك تجد الباطن منهما على موجبه، والظاهر سببا مخيلًا، وقد اصطحلوا على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن هذا (٣).
وقال النووي: في الحديث دلالة على إثبات القدر, وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره لا يسأل عما يفعل (٤).
وقيل: إن سر القدر ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها (٥).
стр. 905
وقال ابن بطال: هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاوة بتقدير الله تعالى وبخلقه، بخلاف قول القدرية الذين يقولون: إن الشر ليس بخلق الله، وفيه رد على أهل الجبر؛ لأن المجبور لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر (١). ألا ترى أن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى تجاوز عن أمتي ما استكرهوا عليه" (٢)، قال [النووي] (٣): والتيسير هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه (٤).
واختلف العلماء: هل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد؟
فقال قوم: نعم، محتجين بهذه الآية الكريمة والحديث؛ لأن كل عمل أمارة على جزائه.
وقال قوم: لا، قال النووي: والحق في ذلك أنه يدل ظنًا لا جزمًا (٥).
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: من اشتهر له لسان صدق في الناس من صالحي هذه الأمة هل يقطع له الجنة؟ فيه قولان للعلماء (٦).
وفي الحديث: جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ.
стр. 906
وفيه: ونكته ﷺ بالمخصرة في الأرض قال المهلب: وهو أصل في تحريك الإصبع في التشهد، ومعنى النكت بالمخصرة هو الإشارة الى إحضار القلب للمعاني (١).
وفيه: نكس الرأس عند الخشوع والتفكر في أمر الآخرة.
وفيه: إظهار الخشوع والخضوع عند الجنازة، وكانوا إذا حضروا جنازة يلقى أحد حبيبه ولايقبل عليه إلا بالسلام حتى يرى أنه واجد عليه، وكانوا لا يضحكون هناك، ورأى بعضهم رجلًا يضحك فآلى ألَّا يكلمه أبدًا، وكان يبقى أثر ذلك عندهم ثلاثة أيام لشدة ما يحصل في قلوبهم /من الخوف والفزع (٢).
[٢٥١ أ/ص]
وفيه أن النفس المخلوقة إما سعيدة أو شقية، ولا يقال: إذا وجبت الشقاء والسعادة بالقضاء الأزلي والقدر الإلهي فلا فائدة في التكليف، فإن هذا أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم الشارع بما لا يبقي معه إشكال، ووجه التفصي (٣) أن الرب تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثاله، وغيب عنا المقادير ليقيم حجته، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، فسبيله [التوفيق] (٤)،
فمن عدل عنه ضل؛ لأن القدر سر من أسراره لا يطلع عليه إلا هو, فإذا دخلوا الجنة كشف لهم (٥).
стр. 907
ورجال إسناد الحديث كوفيون إلا جريرًا فزاري وأصله كوفي، وقد أخرج متنه المؤلف في التفسير والقدر والأدب أيضًا ,وأخرجه مسلم في القدر, وأبو داود في السنة, والترمذي في القدر والتفسير, وابن ماجه في السنة (١).
стр. 908
باب مَا جَاءَ فِى قَاتِلِ النَّفْسِ
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(باب مَا جَاءَ) من الأحاديث والأخبار (فِى) حق (قَاتِلِ النَّفْسِ) قال ابن رشيد: مقصود الترجمة حكم قاتل النفس، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأَولى؛ لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأَولى من ظلم غيره به.
وقال ابن المنير في الحاشية: عادة البخاري أنه إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة, كأنه ينبه على طرق الاجتهاد, وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا يقبل توبته, ومقتضاه أن (١) يصلى عليه (٢).
وقال الحافظ العسقلاني: لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ أتى برجل قتل نفسه بمشاقص* (٣)، فلم يصل عليه" (٤).
стр. 909
وفي رواية النسائي: "أما أنا فلا أصلي عليه" (١) لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة, وأورد فيها ما يشبهه من قصة قاتل نفسه هذا (٢).
وقال العيني: قوله: "قاتل النفس" أعم من أن يكون قاتل نفسه، أو قاتل غيره، فاللفظ يشمل القسمين فلا إبهام فيه، ولا يحتاج إلى أن يقال: إنه أراد أن يلحق قاتل الغير بقاتل نفسه، ولا يلزم أن يكون حديث الباب يصدق على كل فرد مما يصدق عليه الترجمة؛ بل إذا صدق على فرد منها كفى (٣). والله أعلم
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي مصغرًا قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) وهو الحذاء (عَنْ أَبِى قِلَابَةَ (٤)) عبد الله بن زيد.
[٢٥٢ أ/س]
/ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ (٥)) الأنصاري الأشهلي من أصحاب بيعة الرضوان وهو صغير مات سنة خمس وأربعين ﵁.
(عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ) ملة (الإِسْلَامِ) الملة: الدين كالإسلام واليهودية والنصرانية، صورته أن يحلف بدين النصارى أو بدين اليهود أو بدين من أديان الكفر.
(كَاذِبًا) حال من الضمير الذي في "حلف" أي: حال كونه كاذبًا في تعظيم الملة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]. لأن مَن عَظم غير ملّة الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه ذاك (٦) دائمًا في كل حال، وكل وقت، لا
стр. 910
ينتقل عنه, ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا كونه كاذبًا في المحلوف عليه، لأنه يستوي في حقه كونه/كاذبًا أو صادقًا في المحلوف عليه إذا حلف بملة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمه الشرع من حيث إنه حلف بتلك الملة الباطلة معظمًا لها, نحو ما يعظم به ملة الإسلام الحق (١).
[١١٠ ب/ص]
وقوله: (مُتَعَمِّدًا) حال أيضًا من الأحوال المترادفة أو المتداخلة، قيد به؛ لأنه إذا لم يتعمده, بل سبق على لسانه ذلك, لا يترتب عليه الوعيد المذكور, وأما إذا تعمد ذلك واعتقده فهو يحكم عليه بالكفر، وأما إذا لم يعتقده مع تعمده فهو آثم مرتكب كبيرة؛ لأنه تشبه في قوله هذا بمن يعظم تلك الملة ويعتقدها، فغلظ عليه الوعيد بأن صير كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
وقال القرطبي: قوله: "متعمدًا" يحتمل أن يريدَ به النبي ﷺ : من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الاسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقة، فيبقى اللفظ على ظاهره. يعني قوله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أي: فيحكم عليه بالذي نسبه لنفسه, وظاهره الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا القول (٢).
وقال ابن بطال أي: هو كاذب لا كافر، ولا يخرج بهذا القول من الإسلام إلى الدين الذي حلف به؛ لأنه لم يقل ذلك معتقدًا له، فوجب أن يكون كاذبًا كما قال, لا كافرًا.
وليس في الحديث دلالة على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقًا لاشتراطه في الحديث أن يحلف بها كاذبًا لورود نهي النبي ﷺ عن الحلف بغير الله نهيًا مطلقًا, فاستوى في ذلك الكاذب والصادق, وإنما معنى الكاذب هنا هو ما ذكر أنه كاذب في تعظيم الملة التي حلف بها (٣) هذا.
[٢٥٢ أ/ص]
وقيل: يحتمل أن يعلق ذلك بالكذب لما روى بريدة ﵁ مرفوعًا: "من قال أنا برئ من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال, وإن كان صادقا فليقل ندبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله /ويستغفر الله" (٤).
стр. 911
والتحقيق في ذلك هو التفصيل فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر, وعليه يحمل قوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر" رواه الحاكم, وقال: صحيح على شرط الشيخين (١).
وإن قصد التعليق، فينظر، فإن كان أراد أن يتصف بذلك كفر؛ لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها؟ المشهور هو الثاني. ذكره الإمام القسطلاني (٢).
ثم إنه احتج بهذا الحديث أبو حنيفة وأصحابه على أن الحالف باليمين المذكورة تنعقد يمينه وعليه الكفارة؛ ولأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة, وهو منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء أيضا منكر وزور (٣).
وقال النووي: ولو قال إن فعلت كذا فهو يهودي لم ينعقد يمينه؛ بل عليه أن يستغفر الله ويوحده ويقول: لا إله إلا الله, ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا ,وقال: هذا مذهب الشافعي ومالك وجمهور العلماء (٤)، واحتجوا بقوله ﷺ : "من حلف فقال: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" (٥) ولم يذكر في الحديث كفارة (٦). والجواب: أنه لا يلزم من عدم ذكر ما فيه نفى وجوبها.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ) أي: بآلة قاطعة مثل السيف والسكين ونحوهما, والحديدة أخص من الحديد, سمى به؛ لأنه منيع, وأصله من الحد وهو المنع والجمع حدائد (٧) وجاء في الشعر: حدائدات (٨) , وفي الإيمان: "ومن قتل نفسه بشيء (٩) " وهو أعم.
стр. 912
(عُذِّبَ بِهِ) أي: المذكور وفي رواية الكشميهني: "عذب بها" أي: بالحديدة (١)، (فِى نَارِ جَهَنَّمَ) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، وفيه: أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا؛ بل هي لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه.
وأجمع أهل السنة على أن من قتل نفسه لا يخرج بذلك من الإسلام، ويصلي عليه عند الجمهور, ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبدالعزيز والأوزاعي, والصواب قول الجماعة؛ لأن النبي ﷺ سن الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحدًا, فيصلي على جميعهم كذا قال ابن بطال (٢).
وقال العيني: قال أبو يوسف: لا يصلي على قاتل نفسه لأنه ظالم لنفسه فيلحق بالباغي وقاطع الطريق (٣)، وعند أبي حنيفة ومحمد: يصلى عليه لأن دمه هدر كما لو مات حتف انفه (٤).
[٢٥٣ أ/س]
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في الأدب والإيمان أيضًا, وأخرجه مسلم في الإيمان, وكذا أبو داود /والترمذي والنسائي وابن ماجه في الكفارات (٥).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ - رضى الله عنه - فِى هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِىِّ
стр. 913
- ﷺ قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ, فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم الإنماطي السلمي البصري قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزدي البصري الثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، واختلط في آخر عمره، لكنه لم يسمع أحد منه في اختلاط شيئًا (١)، واحتج به الجماعة ولم يخرج له المؤلف عن قتادة إلا أحاديث يسيرة توبع فيها (٢).
(عَنِ الْحَسَنِ (٣)) البصري قال: (حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ) هو ابن عبدالله بن سفيان البجلي ﵁ (فِى هَذَا الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه مسجد البصرة (فَمَا نَسِينَا) أشار بذلك إلى تحققه وتيقنه لما حدث به وقرب عهده به واستمرار ذكره له (وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِىِّ) وفي رواية على النبي ( ﷺ ) وعلى أوضح يقال: كذب عليه، وأما رواية: عن، فعلى معنى النقل (٤).
وفيه: إشارة إلى أن الصحابة ﵃ كلهم عدول, وأن الكذب مأمون من قبلهم, خصوصًا على النبي ﷺ .
(قَالَ: كَانَ بِرَجُلٍ) فيمن كان قبلكم, قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على تسمية هذا الرجل (٥) (جِرَاحٌ) بكسر الجيم، ويروي: خُراج بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء، في اصطلاح
стр. 914
الأطباء: الورم إذا اجتمعت مادته المتفرقة في ليف العضو الورم إلى تجويف واحد، وقبل ذلك يسمى ورمًا (١).
وفي المحكم: هو اسم لما يخرج في البدن (٢) وزاد في المنتهى: من القروح.
[١١١ ب/س]
وفي المغرب: الخُراج بالضم: البثر، والواحدة خراجة (٣)، وزعم النووي أن الخُراج / قَرْحة، بفتح القاف وإسكان الراء، وهي واحدة القروح (٤)، وفي الجمهرة والجامع والموعب: الخراج ما خرج على الجسد من دمل ونحوه (٥).
(قَتَلَ نَفْسَهُ) ويروي فقتل بالفاء أي: بسبب الجراح (٦) (فَقَالَ اللَّهُ تعالى) وفي نسخة: " " (بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ) أي: سبقني عبدي بقتل نفسه, ولن يصبر حتى أقبض روحه حتف أنفه من غير تسبب له بذلك؛ بل استعجل وأراد أن يموت قبل الأجل الذي لم يطلعه الله عليه، فاستحق المعاقبة المذكورة في قوله: (حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) لكونه مستحلًا لقتل نفسه، فعقوبته مؤبدة، أو معناه: حرمت قبل دخول النار، أو المراد من الجنة جنة خاصة؛ لأن الجنان كثيرة، أو هو من باب التغيظ، أو هو مقدر بمشيئة الله تعالى.
[٢٥٣ أ/ص]
وقيل: يحتمل أن يكون هذا الوعيد لهذا الرجل المذكور في الحديث، وانضم إلى هذا إشراكه، /وفيه نظر من حيث إن الجنة محرمة على الكافر سواء قتل نفسه أو استبقاها، وعلى تقدير أن يكون كافرًا، إنما يتأتى ذلك على قول من يقول: إن الكفَّار مخاطبون بالفروع الشرعية، ثم إن الحديث لا دلالة فيه على كفر ولا إيمان؛ بل هو على الإيمان أدل من غيره (٧).
стр. 915
وقد ورد في المصنف لابن أبي شيبة: ثنا شريك عن سماك عن جابر بن سمرة: "أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، أصابته جراحة فآلمته، فأخذ مشقصًا فقتل به نفسه، فلم يصلِّ النبي ﷺ عليه (١) ".
وقال النووي: ويحتمل أن يكون شرع من مضى أن أصحاب الكبائر يكفرون بها (٢).
ثم إن هذا تعليق وصله المؤلف في ذكر بني اسرائيل؛ فقال: حدثنا حجاج بن منهال ,إلى آخره, ولفظه هناك: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجرع، فأخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات" (٣).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الَّذِى يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِى النَّارِ، وَالَّذِى يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِى النَّارِ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ (٤)) عبدالله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدالرحمن بن هرمز.
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الَّذِى يَخْنُقُ) بضم النون (نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِى النَّارِ، وَالَّذِى يَطْعُنُهَا) بفتح العين وضمها (يَطْعُنُهَا فِى النَّارِ) لأن الجزاء من جنس العمل, وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه.
стр. 916
وقد أخرجه أيضًا في الطب من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مطولًا, ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم (١) ,وليس فيه ذكر الخنق وفيه من الزيادة ذكر السم وغيره, ولفظه: "فهو في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا" (٢).
وقد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار, وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة:
منها أنهم قالوا: هذه الزيادة وهم. قال الترمذي بعد أن أخرجه" رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ ". فلم يذكر "خالدًا مخلدًا", وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁. يشير إلى رواية الباب. قال: وهو أصح؛ لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها ولا يخلدون (٣).
وأجاب بعضهم بحمل ذلك على أن من استحله فإنه يصير باستحلاله كافرًا والكافر مخلد بلا ريب.
وقيل: إنه ورد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة, وقيل: التقدير: "مخلدًا فيها [إلا] (٤) أن يشاء الله".
[٢٥٤ أ/س]
وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام, /كأنه يقول: يخلد مدة معينة وهذا أبعد الأجوبة (٥). والله أعلم.
стр. 917
باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنهم - أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِىَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا - أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أَخِّرْ عَنِّى يَا عُمَرُ». فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: «إِنِّى خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّى إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَاّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ (بَرَاءَةٌ) (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) إِلَى (وَهُمْ فَاسِقُونَ) قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ) قال الزين ابن المنير: عدل عن قوله كراهة الصلاة على المنافقين لينبه على أن الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة فقد يكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه (١).
(رَوَاهُ) أي: روى حديث كراهة الصلاة على المنافقين (ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب (﵄) وإنما ذكر الضمير باعتبار المذكور (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ).
وقد وصله المؤلف في ما قبل، في قصة عبدالله بن أُبَي في باب القميص الذي يلف (٢).
стр. 918
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغرًا نسبه لجده لشهرته به واسم أبيه عبدالله المخزومي مولاهم المصري (١)، ثقة في الليث وتكلموا في سماعه من مالك, لكن قال البخاري في تاريخه الصغير: ما روى يحيى بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني انتقيه، وهذا يدل على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولذا ما خرّج له عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة (٢).
قال: (حَدَّثَنِى) بالإفراد (اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغرًا, هو ابن خالد الأيلى, أحد الأثبات الثقات وأحاديثه عن الزهري مستقيمة وأخرج له الجماعة (٣).
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٤)) بن عتبة بن مسعود بتصغير الأول أحد الفقهاء السبعة.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ) بضم ابن سلول وإثبات ألفه صفة لعبد الله؛ لأن "سلول" أمه وهو بفتح السين غير منصرف للعلمية والتأنيث. وأُبَيٍّ بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية (٥) منون.
(دُعِىَ) على صيغة البناء للمفعول (لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ) بفتح المثلثة وسكون الموحدة من الوثبة (إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ) الهمزة فيه للاستفهام.
(وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا - أُعَدِّدُ عَلَيْهِ) أي: على النبي ﷺ (قَوْلَهُ) أي: مقالته القبيحة في حق النبي ﷺ والمؤمنين.
(فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «أَخِّرْ عَنِّى يَا عُمَرُ». فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ) أي: فلما زدت الكلام على النبي ﷺ .
стр. 919
[٢٥٤ أ/ص]
[١١١ ب/ص]
(/قَالَ: إِنِّى خُيِّرْتُ) / على صيغة البناء للمفعول وذلك في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وفي نسخة: "إني قد خيرت" (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار.
(لَوْ أَعْلَمُ أَنِّى إِنْ زِدْتُ) وفي رواية: "لو زدت" (عَلَى سَّبْعِينَ (١) فَغُفِرَ لَهُ) وفي رواية: "يغفر له" (٢) (لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ) عمر ﵁ (فَصَلَّى (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته.
(فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَاّ يَسِيرًا) أي: زمنًا قليلًا (حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ) الأولى: قوله تعالى (مِنْ) سورة (بَرَاءَةٌ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى) قوله تعالى (﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] وفي رواية: إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية.
وفي رواية: حتى نزلت الآيات فمن قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ فنهى عن الصلاة؛ لأن المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر؛ ولذلك رتب النهي على قوله: ﴿مَاتَ أَبَدًا﴾ يعني الموت على الكفر؛ فإن إحياء الكافر للتعذيب دون التمتع وقوله: (﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ ... تعليل للنهي (٤).
(قَالَ) عمر ﵁ (فَعَجِبْتُ بَعْدُ) بضم الدال على البناء (مِنْ جُرْأَتِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ (٥)) في مراجعتي له (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ).
قال الداودي: هذه الآيات في قوم بأعيانهم يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١]) الآية، فلم ينه عمّا لم يعلم، وكذلك إخباره لحذيفة ﵁ بسبعة عشر من المنافقين، وقد كانوا يناكحون المسلمين ويوارثونهم ويجري عليهم حكم الإسلام لاستتارهم
стр. 920
بكفرهم، ولم ينه الناس عن الصلاة عليهم، إنما نهى النبي ﷺ عنه وحده، وكان عمر ﵁، ينظر إلى حذيفة ﵁، فإن شهد جنازة ممن يظن به شهدها، وإلا لم يشهدها، ولو كان أمرًا ظاهرًا لم يسره الشارع إلى حذيفة (١).
وذكر عن الطبري أنه يجب ترك الصلاة على معلن الكفر ومسره، قال: فأما القيام على قبره فغير محرم بل جائز لوليِّه القيام عليه لإصلاحه ودفنه، وبذلك صح الخبر وعمل به بعض أهل العلم (٢).
[٢٥٥ أ/س]
وفي (النوادر) عن ابن سيرين: ما حرم الله الصلاة على أحد من أهل القبلة، إلا على ثمانية عشر رجلًا من المنافقين (٣).
وقد قال ﷺ ، /لعلي ﵁: "إذهب فواره" (٤) يعني أباك.
وروى سعيد بن جبير، قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم، فذكر ذلك لابن عباس، ﵁ فقال: كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيًا، فإذا مات وكله إلى سيئآته ثم قرأ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ [التوبة: ١١٤] الآية (٥).
وقال النخعي: توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهي نصرانية فاتبعها أصحاب رسول الله ﷺ تكرمة للحارث ولم يصلوا عليها (٦). وذلك خلاف ما قال بعضهم: إن ولد الكافر لا يدفنه ولا يحضر دفنه (٧).
стр. 921
قال العلماء: إنه يجوز أن يُدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية ما دام حيًا؛ لأنه ﷺ ، إذا شمّته أحد المنافقين واليهود قال: " يهديكم الله ويصلح بالكم (١) "، فقد يعمل الرجل بعمل أهل النار، ويختم له بعمل أهل الجنة (٢).
وفي إقدام عمر، ﵁ على مراجعة رسول الله ﷺ من الفقه أن الوزير الفاضل الثقة الحسن السيرة والمذهب الصالح الناصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي، وإن كان مخالفًا لرأي سلطانه، وإن صبر السلطان على ذلك من تمام فضله، ألا ترى إلى سكوته ﷺ عن عمر وتركه الإنكار عليه، وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة (٣).
стр. 922
باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه -: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(باب) مشروعية (ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ) بأن يصفوه بالأوصاف الحميدة والخصال الجميلة بخلاف الحي فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية الإعجاب.
(حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ (١) قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ: مَرُّوا) ويروي: "مُرَّ" على البناء للمفعول (٢) (بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا) أي: على الجنازة (خَيْرًا).
والثناء: بالثاء المثلثة وبالنون وبالمد، يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر، وإنما المستعمل في الشر هو النثا بتقديم النون على الثاء وبالقصر (٣).
وقيل: يستعمل فيهما. وقيل: استعمال الثناء في الشر لغة شاذة, والأصح هو الأول, وإنما استعمل فيما يليه في الشر لأجل المشاكلة والتجانس؛ كما في قوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (٤).
стр. 923
(فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : وَجَبَتْ. ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ ﷺ : وَجَبَتْ).
[٢٥٥ أ/ص]
وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه، عند الحاكم: "كنت قاعدًا عند النبي ﷺ فمر بجنازة، فقال: ما هذه الجنازة؟ قالوا: جنازة فلان الفلاني كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها، فقال: وجبت، وجبت، وجبت، /ومر بجنازة أخرى، فقال: ما هذه الجنازة؟ قالوا: جنازة فلان الفلاني كان يبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، فقال: وجبت، وجبت، وجبت. قالوا: يا رسول الله أثني على الأول خير، وعلى الآخر شر فقلت فيهما: وجبت، وجبت، وجبت، فقال: نعم يا أبا بكر إن لله ملائكة ينطق على لسان بني آدم بما في المؤمن من الخير والشر" قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (١).
وللحاكم أيضًا من حديث جابر ﵁: "فقال بعضهم: لنعم المرء كان لقد كان عفيفًا مسلمًا" وفيه أيضًا: "فقال بعضهم بئس المرء كان إن كان لَفَظًّا غليظًا" (٢)، وفي هذين الحديثين تفسير ما أبهم في حديث الباب.
[١١٢ ب/س]
وروى الطبراني من حديث كعب بن عجرة ﵁، "أتى النبي ﷺ بجنازة / فقيل: هذا بئس الرجل، وأثنوا عليه شرًا، فقال النبي ﷺ : تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. قال: وجبت، وقال في التي أثنوا عليها خيرًا كذلك" (٣).
стр. 924
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، قال: " مروا على رسول الله ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا شرًا، فقال: وجبت ثم قال: إن بعضكم على بعض شهداء" (١).
وروى أبو داود أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض" (٢) إن بعضكم على بعض شهيد.
ثم إن في رواية إسماعيل بن علية عن عبدالعزيز عند مسلم: "وجبت، وجبت، وجبت" (٣) ثلاث مرات وكذا في رواية النضر المذكورة آنفًا، قال النووي: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المبهم وتحقيقه ليحفظ ويكون أبلغ (٤).
(فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁) لرسول الله ﵁ مستفهمًا (مَا وَجَبَتْ؟) زاد مسلم "فدى لك أبي وأمي" (٥)، وفيه: جواز قول مثل ذلك.
(قَالَ ﷺ : هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) والمراد بالوجوب الثبوت، أو هو في صحة الوقوع والتحقيق كالشيء الواجب, والأصل أنه لا يجب على الله شيء؛ بل الثواب فضله والعقاب عدله لا يسئل عما يفعل.
[٢٥٦ أ/س]
وفي رواية مسلم: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار" (٦)، ونحوه للإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة, وهو أبين في العموم من رواية /آدم.
стр. 925
وفيه ردٌّ على من زعم أن ذلك خاص بالميتَين المذكورين لغيب أطلع الله نبيه ﷺ عليه, فهو خبر عن حكم أعلمه الله به. والله أعلم (١)
(أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ) الخطاب للصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين: أن ذلك مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، ثم قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات المتقين انتهى (٢).
وسيأتي في الشهادات بلفظ: "المؤمنين (٣) شهداء الله في الأرض" (٤) ولأبي داود من حديث أبي هريرة ﵁ في نحو هذه القصة: "أن بعضكم على بعض شهيد (٥) " كما مرّ.
وقال النووي: الظاهر أن الذي أثنوا عليه شرًا كان من المنافقين (٦)، ويرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح "أنه ﷺ لم يصل على الذي أثنوا عليه شرًا، وصلى على الآخر (٧) "
قال البيهقي: فيه دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه منه إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه (٨).
وفي الحديث أيضًا: فضيلة هذا الأمة والعمل بحكم الظاهر والله يتولى السرائر, وحاصل معنى الحديث أن ثناءهم عليه بالخير يدل على أن أفعاله كانت خيرًا فوجبت له الجنة, وثناءهم عليه بالشر يدل على أن أفعاله كانت شرًا فوجبت له النار؛ وذلك لأن المؤمنين شهداء بعضهم على بعض (٩).
стр. 926
(تتمة) قال الداودي: إن المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة؛ لأنهم قد يثنون على الفسقة، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تقبل في الدنيا وكذا في الآخرى (١).
فإن قيل: كيف يجوز ذكر شر الموتى مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وعن ذكرهم إلا بخير؟!
فالجواب أن النهي عن سب الموتى إذا كان الميت غير منافق أو كافر أو مجاهر بالفسق أو بالبدعة فإن هؤلاء لا يحرم ذكرهم بالشر؛ للحذر عن طريقهم ومن الاقتداء بهم (٢).
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرًا عن هذا الحديث فيكون ناسخًا (٣).
وقيل: حديث أنس ﵁ المذكور يجرى مجرى الغيبة في الأحياء فإن كان الرجل أغلب أحواله الخير, فاغتيابه محرم وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة له, فكذلك الميت, فليس ذلك مما ينهي عنه من سب الأموات, والحق في ذلك أن ينظر في السَّبب المبيح للغيبة إن كان قد انقطع بالموت فهذا لا يذكر في حق الميت، لأنه قد انقطع ذلك بموته، وإن لم ينقطع به مثل كونه مجروحًا في الرواية وكونه يؤخذ عنه الباطل اعتقادًا فلا بأس بذكره ليحذر ويجتنب عنه. والله أعلم (٤).
وقال المظهري: في شرح المصابيح (٥) ليس معنى قوله: "أنتم شهداء الله على الأرض" أي: الذي تقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ولا العكس؛ بل معناه: أن الذين أثنوا عليه خيرًا [رأوه] (٦) منه ,كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة وبالعكس.
[٢٥٦ أ/ص]