[٢٣٧ أ/س]
ثم روى مسلم من حديث محمد بن المنكدر، قال: "رأيت جابر بن عبدالله يحلف بالله أن ابن صائد الدجال، فقلت: له تحلف على ذلك؟ قال: إني سمعت عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ /فلم ينكره النبي ﷺ " (١) وكذا رواه أبو داود من حديث محمد ابن المنكدر (٢).
وقال النووي: قال العلماء قصة ابن الصياد مُشكِلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أو غيره؟ ولا شك أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: ظاهر الأحاديث في هذا الباب أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره, وإنما أوحي إليه بصفات الدجال, وكان في ابن صياد قرائن محتملة؛ فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره؛ ولهذا قال لعمر ﵁: "إن يكن هو فلن تستطيع قتله" (٣).
وفي سنن أبي داود في خبر الجساسة (٤) من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن، قال: شهد جابر أنه هو ابن صياد، قلت: فإنه مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه قد أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة" (٥)
وأخرج أبو داود من حديث نافع قال: كان ابن عمر ﵄ يقول: والله، ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد" (٦) وإسناده صحيح.
стр. 853
وقال الخطابي: اختلف السلف في أمره بعد كبره، فروى عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة, وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم: اشهدوا (١).
[١٠٤ ب/س]
واعترض عليه بما رواه أبو داود بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: "فقدنا /ابن صياد يوم الحرة" (٢) ويرد بهذا قول من قال: إنه مات بالمدينة وصلّوا عليه.
وفي كتاب الفتوح (٣): لما نزل النعمان على السوس أعياهم حصارها فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب إن مما عهد علماؤنا وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال, فإن كان فيكم فستفتحونها, وإن لم يكن فيكم فلا قال, وصافى ابن صياد في جند النعمان وأتى باب السوس غضبانًا فدقه برجله، وقال: انفتح. فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وانفتح الباب فدخل المسلمون (٤).
وقال ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة, ولا عينه طافية, ولا وجدت فيه علامة (٥).
стр. 854
وروى ابن أبي شيبة (١) عن الفلتان بن عاصم، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة ممسوح العين اليسرى، عريض النحر, فيه [دفاء] " (٢) أي: انحناء.
وروى مسلم عن حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار" (٣).
وفي حديث عبدالله بن عمر ﵄، قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه طافئة" رواه مسلم (٤).
وفي صحيح مسلم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صحبت ابن صائد إلى مكة، فقال لي: ما لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: إنه لا يولد له. قال: قلت: بلى، قال: فقد ولد لي، أو ليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة. قلت: بلى، قال: فقد ولدت بالمدينة، وهذا أنا أريد مكة، قال: ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو، فلبسني" (٥).
وفي لفظ له قال: "فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله، قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه" (٦).
وفي لفظ له "ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له: تبا لك سائر اليوم" (٧).
стр. 855
وقال القرطبي: وأما احتجاجه بأنه مسلم والدجال كافر, وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد به, وأن الدجال لا يدخل الحرمين وقد دخلهما هو, فغير واضح؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبرت عن صفات الدجال وقت فتنته. والله تعالى أعلم (١).
[٢٣٨ أ/س]
ثم إنه إذا كان هو الدجال, كيف كان حاله إلى وقت خروجه في آخر الزمان. قال صاحب زهرة الرياض: رأيت في أمالي القاضي الإمام أبي بكر محمد بن على بن الفضل بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينا رسول ﷺ يصلي صلاة الغداة فلما سلم استقبل أصحابه بوجهه يحدثهم؛ إذ أقبلت صيحة شديدة بناحية اليهود ما سمعنا صيحة أشد منها, فأرسل رجلًا ليأتينا بالخبر. قال: فما مكث حتى رجع وقد تغير لونه فقال: يا رسول الله أما علمت أن البارحة وُلِدَ وَلَدٌ في اليهود, وأنه غضب وتزيد حتى امتلا البيت منه, وقد ضم أمه مع سريرها إلى زاوية البيت ودفع السقف عن حيطانها وهم يخافون, فاسترجع النبي ﷺ ثم قال: إني أخاف أنه الدجال. فلما مضت سبعة أيام قال النبي ﷺ لأصحابه: ألا تمضون بنا إلى هذا المولود. فإذا الدجال على رأس نخلة يلتقط رطبًا ويأكله, وله همهمة شديدة وأمه جالسة في أصل النخلة, فلما رأت النبي ﷺ نادته: يا ابن الصائد هذا محمد قد أقبل. فسكت وترك الهمهمة. قال: فرجع النبي ﷺ ونزل الدجال من النخلة /واتبع النبي ﷺ , وقال النبي ﷺ لأصحابه: اسمعوا إلى مقالته وأنا أسأله, ثم قال: أتشهد أني نبي. وقال له الدجال: أتشهد أني نبي. ثم رجع النبي ﷺ مع أصحابه. قال: فقام عمر ﵁ فضرب بالسيف على هامته فنبا * (٢) السيف كأنه قد ضرب على حجر، ثم رجع السيف فشج رأس عمر ﵁. قال: فوقع عمر ﵁ صريعًا جريحًا يسيل الدم من رأسه. قال: وقام الدجال على رأسه يسخر به ويستهزئ به, حتى ورد الخبر إلى رسول الله ﷺ فقام النبي ﷺ مسرعًا حزينًا حتى أتى عمر ﵁ فقال: ما الذي دعاك إلى هذا؟ فأخبره بما جرى, فقال ﷺ : يا عمر إنك لن تستطيع أن ترد قضاء الله تعالى. قال: فوضع النبي ﷺ يده المباركة على رأس عمر, فدعا الله
تعالى فالتحم الجرح بإذن الله تعالى, وقال عمر ﵁: يا رسول الله وددت أن يرفعه الله تعالى. فقال النبي: ﷺ أتحب ذلك يا عمر؟ قال: نعم. قال: اللهم افعل. فنزل جبريل ﵇ في قطعة من الغمام كشبه الترس, فنزل على رأس الدجال, وهو جالس في وسط اليهود فأخذ بناصيته , وجذبه
стр. 856
عن ظهر الأرض, وأمه وأبوه وقومه ينظرون إليه ويبكون عليه, فرفعه جبريل ﵇ فألقاه إلى جزيرة في البحر, حتى قدم تميم الداري إلى رسول الله ﷺ وأخبره بخبره" (١)
وأخرج مسلم حديثًا طويلًا عن فاطمة بنت قيس ﵂ أوله: " أن تميمًا الداري كان رجلا نصرانيا فبايع وأسلم, وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال" (٢) الحديث.
وقال البيهقى: من ذهب إلى أن ابن صياد غير الدجال احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة, (٣).
ثم إنه قد قيل: كيف سكت رسول الله ﷺ عمن يدعى البنوة كاذبًا؟ وكيف تركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها؟
[١٠٤ ب/ص]
وأجيب بأن هذا فتنة امتحن الله بها عباده المؤمنين, وقد امتحن قوم موسى في زمانه بالعجل فافتتن به قوم وهلكوا/ ونجا من هداه الله تعالى (٤).
وقال الخطابي: والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفائهم؛ وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبينهم كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجروا وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم (٥).
[٢٣٨ أ/ص]
/وقيل: لأنه كان من أهل الذمة. وقيل: لأنه كان دون البلوغ, وهو ما اختاره القاضي عياض فلم يجر عليه الحدود (٦).
فإن قيل: لم اشتغل به النبي ﷺ وحاور معه المحاورات المذكورة؟
стр. 857
فالجواب أنه ﷺ كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة وما يتعاطاه من الكلام في الغيب, فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر أمره الباطل للصحابة ﵃ ,وأنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشيطان للكهنة (١).
فإن قيل: روى الترمذي وغيره من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر" قال: هذا حديث صحيح (٢).
وفي صحيح مسلم: "الدجال مكتوب بين عينيه ك ف ر؛ أي: كافر" (٣) وفي لفظ له: "يقرؤه كل مسلم" (٤)
وفي حديث عبدالله بن عمر، ﵁: "ما من نبي إلا أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه" (٥) الحديث رواه مسلم.
وقد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهدي, وأن عيسى ﵇ يقتله, فما وجه إنذار الأنبياء عنه؟
فالجواب: أن المراد به تحقيق خروجه؛ يعني: لا شك في خروجه فلا تشكوا فيه, وتنبهوا على فتنته فإن فتنته عظيمة جدًا, تدهش العقول وتحير الألباب, مع سرعة سيره في الأرض وقلة مكثه (٦).
وإنما خص نوحًا ﵇ بالذكر لأنه مقدم المشاهير من الأنبياء ﵈ كما قدم في قوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآية (٧).
стр. 858
وفي حديث الباب وغيره حجة لمذهب أهل الحق من صحة وجوده, وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى به عباده, وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، وظهور زهرة الدنيا والخصب معه, واتباع كنوز الأرض له, وأمره السماءَ أن تمطِر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت, فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته, ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على شيء من ذلك، ثم يقتله عيسى بن مريم ﵉.
وأبطل أمرَه الخوارجُ والجهميةُ وبعضُ المعتزلة, وزعم الجبائي ومن وافقه أنه صحيح الوجود لكن ما معه خيالات لا حقيقة لها ليفرق بينه وبين النبي.
[٢٣٩ أ/س]
وأجيب عنه بأنه لا يدعي النبوة فيحتاج إلى فارق, إنما يدعي الألوهية وهو مُكذِّبٌ في ذلك؛ لسمات الحدوث فيه ونقص /صورته وعوره وتكفيره المكتوب بين عينيه؛ ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاعُ الناس لشدة الحاجة والفاقة وسد الرمق, أو خوفًا من أذاه وتقية (١).
وفي الحديث صحة إسلام الصبي, وهو مقصود البخاري من التبويب كما مر، وفيه دليل على صلابة عمر ﵁ وقوة دينه. وفيه دلالة على التثبيت في أمر النهي وأن لا يستباح الدماء إلا بيقين والله أعلم.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِىٌّ يَخْدُمُ النَّبِىَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
стр. 859
(حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي البصري قال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ) بالواو (عَنْ ثَابِتٍ) البناني.
(عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِىٌّ) قيل: كان اسمه عبد القدوس. ذكره ابن بشكوال حكاية عن صاحب العتبية (١).
(يَخْدُمُ النَّبِىَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ ) حال كونه (يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ) ﷺ (أَسْلِمْ) أمر من الإسلام (فَنَظَرَ) الغلام (إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ) وفي رواية أبي داود: عند رأسه (٢). (فَقَالَ) أبوه وفي رواية أبي ذر: زيادة قوله "له" (٣) (لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ) الغلام.
وفي رواية النسائي عن إسحاق بن راهويه عن سليمان بن حرب: "فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله" (٤)
(فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ ) من عنده (وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ) أي: خلصه ونجاه (مِنَ النَّارِ) وفي رواية أبي داود وأبي خليفة "أنقذه بي من النار" (٥) ولله در القائل:
ومريض أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج (٦)
والحكمة في دعائه له بحضرة أبيه، أن الله تعالى أخذ عليه فرض التبليغ لعباده، ولا يخاف في الله لومة لائم.
стр. 860
وفي الحديث: أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه يعذب لقوله ﷺ "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
وفيه: جواز عيادة أهل الذمة, ولا سيما إذا كان الذمي جارًا له؛ لأن فيه إظهار محاسن الإسلام, وزيادة التألف بهم ليرغبوا في الإسلام.
وفيه: جواز استخدام الكافر. وفيه: استخدام الصغير. وفيه: عرض الإسلام على الصبي, ولولا صحته منه لما عرضه عليه.
وفيه أيضًا: كشف حال من يخاف مفسدته, وتفتيش الإمام الأمور المهمة بنفسه (١).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
[٢٣٩ أ/ص]
(حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ (٢)) بضم العين على صيغة التصغير، الليثي المكي. وفي رواية أبي ذر: عبيد الله بن أبي يزيد/ من الزيادة. (٣)
(سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي) لبابة أم الفضل (مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ) المسلمين الذين بقوا بمكة لصد المشركين، أو ضعفهم عن الهجرة، مستذلين ممتهنين، يلقون من الكفار شدة الأذى.
(أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ) أي: الصبيان (وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
стр. 861
١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِى أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّىَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الآيَةَ.
-
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
[١٠٥ ب/س]
/ (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ (١)) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصي.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهري: (يُصَلَّى) على صيغة البناء للمفعول (عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى) بفتح الفاء المشددة صفة مولود.
(وَإِنْ كَانَ) أي: المولود (لِغَيَّةٍ) باللام الجارة، والغية: بفتح الغين المعجمة وتشديد المثناة التحتية، مشتق من الغواية وهي: الضلالة؛ كفرًا أو غيره, ويقال لولد الزنا أيضًا: ولد الغية, ولغيره: ولد الرشد. فالمراد منه وإن كان المولود لكافرة أو زانية (٢).
(مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ) أي: ملته (يَدَّعِى أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ) يدعي (أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ) دين (الإِسْلَامِ).
وقوله: "يدعي" جملة حالية, والحاصل أن مذهب الزهري أنه يصلي على ولد الزنى ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه, وهذا مصير منه إلى تسمية الزاني أبا لمن زنى بأمه -وهو قول مالك- وأنه يتبعه في الإسلام وأن الولد محكوم بإسلامه تبعًا لأبويه أو لأبيه فقط (٣).
стр. 862
(إِذَا اسْتَهَلَّ) أي: إذا صاح عند الولادة. وقوله: (صَارِخًا) حال مؤكدة من فاعل استهل؛ والمراد: العلم بحياته بصياح أوغيره؛ كاختلاج وتحرك بعد الانفصال.
(صُلِّىَ عَلَيْهِ) بضم الصاد وكسر اللام المشددة على البناء للمفعول. وفي رواية: "إذا استهل صلى عليه صارخًا" (١).
(وَلَا يُصَلَّى) بفتح اللام المشددة على البناء للمفعول أيضًا (عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ (٢)) أو لم يتحرك (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ) بتثليث السين المهملة والمشهور هو الكسر. وهو الجنين يسقط قبل تمامه.
قال أصحابنا: إذا استهل المولود سمي وغسلوصلى عليه (٣) وعند الطحاوي: أن الجنين الميت يغسل. قال: ولم نجد فيه خلافًا (٤) وعن محمد في سقط استبان خلقه وذلك بعد أن بلغ مائة وعشرين يومًا فحينئذ ينفخ فيه الروح أنه يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلي عليه ولا يورث (٥).
وقال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرك صلى عليه, وإن خرج أقله لم يصل عليه (٦).
[٢٤٠ أ/س]
وفي شرح المهذب: إذا استهل السقط صلى عليه؛ لحديث ابن عباس ﵄ /مرفوعًا: "إذا استهل السقط صلى عليه وورث (٧) " وهو حديث غريب وإنما هو معروف من قول جابر ﵁ , وقال الترمذي: وكان الموقوف أصح (٨). وقال النسائي: الموقوف أولى بالصواب (٩).
стр. 863
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط (١)، وعن مالك لا يصلى على الطفل إلا أن يختلج ويتحرك وعن ابن عمر ﵄ أنه يصلي عليه وإن لم يستهل وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق (٢).
وقال العبدري (٣): أن كان له دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خوف يعني بالإجماع بل ووري بخرقة ودفن وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء (٤)، وقال أحمد وداود يصلي عليه (٥).
وقال ابن قدامة: السقط: الولد تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًا واستهل؛ فانه يصلي عليه بعد غسله، بلا خلاف. وصلى ابن عمر ﵄ على ابن ابنه ولد ميتًا. وقال الحسن، وإبراهيم، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يصلي عليه حتى يستهل. وللشافعي قولان (٦).
وحكى عن سعيد بن جبير أنه لا يصلي عليه مالم يبلغ. وقال ابن حزم: ورويناه أيضًا عن سويد بن غفلة (٧).
وعند المالكية لا يصلى عليه ما لم يعلم حياته بعد انفصاله بالصراخ وفي العطاس والحركة والرضاع اليسير قولان. أما الرضاع المحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصراخ (٨).
стр. 864
وعن الليث وابن وهب وأبي حنيفة والشافعي أن الحركة والرضاع والعطاس استهلال (١). وعن بعض المالكية أن البول والحدث حياة (٢) والله اعلم.
(فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁) الفاء فيه للتعليل، ورواية ابن شهاب عن أبي هريرة ﵁ منقطعة؛ لأنه لم يسمع من أبي هريرة ﵁ شيئًا، ولا أدركه. والبخاري لم يذكره للاحتجاج، إنما ذكر كلامه مسندًا لعلوه (٣).
وقال أبو عمر: روي هذا الحديث من وجوه صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره ممن رواه عن أبي هريرة ﵁ الأعرج وابن المسيب وابن سيرين وسعيد بن أبي سعيد وأبو سلمة وحميد ابن عبدالرحمن وأبو صالح واختلف على ابن شهاب في روايته فمعمر قال عنه سعيد عن أبي هريرة ﵁ ويونس وابن أبي ذئب قالا عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة،
وقال الأوزاعي: عنه عن حميد قال محمد بن يحيى الذهلي هذه الطرق كلها صحاح عن ابن شهاب وهو عند مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج (٤).
[٢٤٠ أ/ص]
ورواه عن /أبي الزناد أيضًا عبدالله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك وعند ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "سئل عن أولاد المشركين فقال الله أعلم ما كانوا عاملين" (٥).
(كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ) كلمة: من زائدة، ومولود مبتدأ وقوله الآتي: "يولد" خبره؛ أي: ما مولود من بني آدم (إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) والمعنى: ما من مولود يوجد على أمر إلا على الفطرة, وهي في اللغة الخلقة؛ والمراد بها هنا ما يراد في الآية الشريفة وهي دين الإسلام؛ لأنه قد اعتورها البيان من أول الآية وهو: قوله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ ومن آخرها وهو: قوله تعالى ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
стр. 865
قال صاحب الكشاف: "فطرةَ الله" نصب بالإغراء أي: الزموا، ومعناه: أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام؛ لكونه على مقتضى العقل والنظر الصحيح، حتى لو تركوا وطباعهم لما اختاروا عليه دينا. انتهى (١). وفيه تلميح إلى مذهبه في الحسن والقبح.
[١٠٥ ب/ص]
وقال الطيبي: كلمة "من" الاستغراقية في سياق النفي يفيد العموم، كقولك: ما أحد خير منك، والتقدير: ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر، والفطرة / تدل على نوع منها، وهو الابتداء والاختراع: كالجلسة والقعدة، والمعنى بها ههنا: تمكن الناس من الهدي في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه مركوز موجود في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية وللتقليد، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] (٢).
والفاء في قوله (فَأَبَوَاهُ) إما للتعقيب وهو ظاهر, وإما للتسبيب أي: إذا تقرر ذلك فمن تغير فإنما تغير بسبب أبويه؛ حيث إنهما (يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) أي: يعلمانه ما هم عليه ويصرفانه عن الفطرة، أو يرغبانه في ذلك، أو يكون تبعا لهما في الدين بولادته على فراشهما فيكون حكمه حكمهما في الدنيا، فإن سبقت له السعادة أسلم إذا بلغ, وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه فالصحيح أنه من أهل الجنة. ولا عبرة بالإيمان الفطري في الدنيا، وإنما العبرة بالإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل، فطفل اليهوديين مثلًا- مع وجود الإيمان الفطري- محكوم بكفره في الدنيا تبعًا لأبويه.
[٢٤١ أ/س]
فإن قيل: /الضمير في "فأبواه" راجع إلى كل مولود، وهو عام، فيقتضي تهويد كل المواليد أو نحوه؛ وليس كذلك لبقاء البعض على فطرة الإسلام.
فالجواب: أن الغرض من التركيب أن الضلالة ليست من ذات المولود، ومقتضى طبعه؛ بل أينما حصلت فإنما هي بسبب خارج عن ذاته (٣).
стр. 866
(كَمَا تُنْتَجُ) يروي على البناء المفعول، وفي المغرب: نتج الناقة ينتجها نتجًا إذا تولى (١) نتاجها حتى وضعت فهو ناتج, وهو للبهائم كالقابلة للنساء؛ ولذا يعدى الى المفعولين, فإذا بنى المفعول قيل: نُتِجت (٢).
فقوله: (الْبَهِيمَةُ) مفعوله الأول أقيم مقام الفاعل. وقوله: (بَهِيمَةً) بالنصب مفعوله الثاني.
(جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا نعت البهيمة؛ وهي التي لم يذهب من بدنها شيء؛ سميت بذلك لاجتماع أعضائها سالمة لا جدع فيها ولا كيَّ (٣).
وقوله: (هَلْ تُحِسُّونَ) بضم المثناة الفوقية وكسر الحاء المهملة وتشديد السين المهملة في موضوع الحال أو النعت على تقدير القول؛ أي: مقولًا في حقها: هل تبصرون. (فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة ممدود, أو هي البهيمة التي قطعت أطرافها من الأذن أو الأنف. وفيه نوع من التأكيد, يعني: كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها, وتخصيص ذكر الجمع إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان بسبب صممهم عن الحق، وأنه كان خليقًا فيهم. فكأنهم جدعوا أذنه؛ إذ الجدع شائعٌ في قطع الأنف (٤).
قال الطيبي: قوله: "كما تنتج" إما حال من الضمير المنصوب في يهودانه مثلًا، فالمعنى: يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة, حال كونه شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت
سليمة، وإما صفة مصدر محذوف، أي: يغيرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة أعنى: يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، تنازعت (٥) في "كما تنتج" على التقديرين (٦).
стр. 867
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁) الظاهر أنه مما أدرجه في الحديث كما بينه مسلم في روايته حيث قال: ثم يقول أبو هريرة "اقرءوا إن شئتم" (١).
[٢٤١ أ/ص]
إنما أتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضارًا له في ذهن السامع (﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) [الروم: ٣٠]) أي: الزموا خلقته التي خلقهم عليها؛ وهي: قبول الحق وتمكنهم من إدراكه، أو: ملة الإسلام, فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أداهم ذلك إليه؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، /وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد. كما مر (٢).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه- (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدالله بن عثمان وقد مر غير مرة. قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزُّهْرِىِّ.
(قال أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وْ يُنَصِّرَانِهِ) وفي رواية أبي ذر: أو ينصرانه (٣).
стр. 868
(ويُمَجِّسَانِهِ) ويروي: أو يمجسانه (كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾) [الروم: ٣٠].
استشكل هذا مع كون الأبوين يهودانه مثلًا. وأجيب بأنه ليس إخبارًا محضًا؛ بل هو مؤول بأن يقال: ما ينبغي أن يبدل ومن شأنه ألَّا يبدل، أو يقال: إن المعنى على النهي أي: لا تبدلوا خلق الله تعالى. (ذَلِكَ) إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أو الفطرة إن فسرت بالملة (الدِّينُ الْقَيِّمُ) المستقيم المستوي الذي لا عوج فيه (١).
والمراد من ذكر هذا الطريق الإشارة إلى أن الحديث وصل إليه من هذا الطريق أيضًا, وفيه زيادة قوله ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
ثم إن العلماء اختلفوا في معنى قوله ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة".
فقالت طائفة: ليس معناه عامًا، بمعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة؛ بل معناه أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوداه ونصراه (٢).
واحتجوا على ذلك بحديث أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال النبي ﷺ : الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا" (٣).
[١٠٦ ب/س]
وبما رواه سعيدبن منصور عن حماد بن زيد عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ يرفعه: " ألا إن بني آدم خلقوا طبقات /؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم
من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا" (٤).
стр. 869
[٢٤٢ أ/س]
قالوا: ففي هذا وفي غلام الخضر ما يدل على أن الحديث ليس على عمومه. وأورد عليهم قوله ﷺ : " كل بني آدم يولد على الفطرة" / وأجابوا بأنه غير صحيح, ولو صح فليس فيه حجة لجواز الخصوص، كما في قوله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] لم تدمر السماء والأرض وقوله ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة (١).
وقال آخرون: معنى الحديث على العموم؛ لقوله ﷺ : "كل بني آدم يولد على الفطرة" ,ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢) ,ولحديث إبراهيم ﵊: "والولدان حوله أولاد الناس. . . " (٣).
فهذه كلها تدل على أن المعنى: الجميع يولدون على الفطرة، وضعفوا حديث سعيد بن منصور بوجهين الأول: أن في سنده ابن جدعان (٤).
والثاني: أنه لا يعارض دعوى العموم؛ لأن الأقسام الأربعة راجعة إلى علم الله تعالى, فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين، والعياذ بالله يكون قد سبق في علمه تعالى غير ذلك، وكذا من ولد بين
كافرين، وإلى هذا يرجع غلام الخضر (٥). ويكفي في الرد عليهم حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: "ليس مولود يولد إلا على الفطرة" اخرجه مسلم (٦).
ثم إنهم اختلفوا في الفطرة المذكورة فذكر أبو عبيد عن محمد بن الحسن أنه "قبل أن يؤمر الناس بالجهاد" (٧).
стр. 870
قيل: وفيه نظر؛ لأن في حديث الأسود بن سريع أنه بعد الجهاد, رواه عنه الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بال قوم [يبلغوا] (١) في القتل إلى الذرية, إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه" (٢).
ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ "ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يُعربَ" (٣).
وذكره أبو نعيم في الحلية، وقال: هو حديث مشهور ثابت (٤) , وفيه نظر؛ لأن علي بن المديني ويحيى بن معين وأبا عبدالله بن مندة وأبا داود وغيرهم أنكروا أن يكون الحسن سمع من الأسود شيئًا (٥). وقيل: روى عن الأعمش عن الأسود, وهو حديث بصري صحيح (٦).
وقال قوم: الفطرة هنا الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة بربه؛ لأن الفطرةَ الخلقةُ ,من الفاطر الخالق, وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار, إنما يولد على السلامة -في
стр. 871
الأغلب- خلقة وطبعًا وبنية, ليس فيها إيمان ولا كفر ولا معرفة ولا إنكار, ثم يعتقدون الإيمان وغيره إذا ميزوا واحتجوا بقوله في الحديث: "كما تنتج البهيمة" الحديث.
[٢٤٢ أ/ص]
فالأطفال في حين الولادة كالبهائم السليمة, فإذا بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم إلا مَنْ عصمه الله تعالى, ولو فطروا على الإيمان والكفر في أول أمرهم لما انتقلوا عنه أبدًا؛ فقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون, ويستحيل / أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئًا؛ لأن الله تعالى أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا, فاستحال منه إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار, وقال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا. والله تعالى أعلم (١).
وقال قوم: إما قال: كل مولود يولد على الفطرة قبل أن تنزل الفرائض؛ لأنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات أبواه قبل أن يهوداه أو ينصراه لما كان يرثهما ويرثانه فلما نزلت الفرائض علم أنه يولد على دينهما (٢).
وقال قوم: الفطرة هنا الإسلام؛ لأن السلف أجمعوا في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أنها دين الإسلام.
واحتجوا بحديث عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله تبارك (٣) تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء (٤) _ على استقامة وسلامة_" والحنيف في كلام العرب: المستقيم السالم (٥).
وبقوله ﷺ : "خمس من الفطرة" فذكر قص الشارب والاختتان, وذلك من سنن الإسلام, وإليه ذهب أبو هريرة ﵁ والزهري (٦).
وقال أبو عمر: يستحيل أن يكون الفطرة المذكورة فيه الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وهذا معدوم في الطفل (٧).
стр. 872
وقال قوم: معنى الفطرة فيه: البداءة التي ابتدأهم عليها؛ أي: على ما فطر الله تعالى عليه خلقه, من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم (١) وآبائهم (٢).
وقال قوم: معنى ذلك: أن الله تعالى أخذ من ذرية آدم ﵇ الميثاق حين خلقهم فقال: " ألست بربكم" فقالوا: جميعًا: "بلى" فأما أهل السعادة فقالوا: "بلى" على معرفة له طوعًا من قلوبهم, وأما أهل الشقاوة فقالوا: "بلى" كرهًا لا طوعًا ومصداق ذلك قوله تعالى ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. وقال المروزي: سمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا (٣).
واحتج ابن راهوية أيضًا بحديث عائشة ﵂ حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين, فقالت عائشة ﵂: "طوبى له عصفور من عصافير الجنة "فرد عليها النبي ﷺ فقال: مهْ يا عائشة.! وما يدريك أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا وخلق النار وخلق لها أهلًا". (٤)
[٢٤٣ أ/س]
وقال أبو عمر: قول إسحاق بن راهوية في هذا الباب /لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السنة, وإنما هو قول المجبرة (٥).
[١٠٦ ب/ص]
وقال قوم: الفطرة هنا ما يقلب الله قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء. وقال أبو عمر: هذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل لكنه أضعف [الأقايل] (٦) من جهة اللغة/ في معنى الفطرة. والله أعلم (٧).
стр. 873
بابٌ إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ, أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِى طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ) الآيَةَ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بابٌ) بالتنوين (إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ) قبل المعاينة (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) ينفعه ذلك، وإنما لم يذكر جواب "إذا" لمكان التفصيل فيه، وهو: أنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الكتاب أو لا يكون، وعلى التقديرين لا يخلو إما أن يقول: لا اله إلا الله، في حياته قبل معاينة الموت، أو قالها عند موته؛ فإذا قال ذلك بعد معاينة الموت لا ينفعه ذلك، سواء كان من أهل الكتاب أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية (١).
وإذا قال ذلك قبل معاينة الموت ولم يكن من أهل الكتاب ينفعه ذلك حتى يحكم بإسلامه؛ لقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: "لا إله الا الله" (٢) الحديث، وأما إذا كان من أهل الكتاب فلا ينفعه حتى يتلفظ بكلمتي الشهادة, واشترط أيضًا أن يتبرأ عن كل دين سوى دين الإسلام.
وقيل: إنما ترك الجواب لأنه ﷺ لما قال لعمه أبي طالب: قل: "لا إله الا الله، أشهد لك بها". كان محتملًا أن يكون ذلك خاصًا به؛ لأن غيره إن قال بها وقد أيقن بالوفاة لا ينفعه ذلك (٣).
стр. 874
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ (١)) هو إما ابن راهوية وإما ابن منصور (٢) , ولا قدح في الإسناد بهذا اللبس؛ لأن كلا منهما بشرط البخاري، قاله الكرماني (٣).
قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (٤)) بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف القرشي الزهري, مات في قرب دجلة واسط في شوال سنة ثمان ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنِى) بالإفراد (أَبِى) إبراهيم بن سعد أبو إسحق الزهري, كان على قضاء بغداد ومات بها سنة ثلاث [وثلاثين] (٥) ومائة (٦).
(عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان الغفاري أبو الحارث, ويقال: أبو محمد مات بعد الأربعين ومائة (٧).
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (قَالَ أَخْبَرَنِى) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بضم الميم وفتح السين المهملة وفتح المثناة التحتية على المشهور وقيل: بكسرها, ابن حزن ضد السهل ,والمسيب وأبوه
стр. 875
صحابيان هاجرا إلى المدينة، وكان المسيب ممن بايع تحت الشجرة, وكان رجلًا تاجرًا /يروى له سبعة أحاديث للبخاري منها ثلاثة (١).
[٢٤٣ أ/ص]
وقال الذهبي: المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي له صحبة, يروى عنه ابنه أسلم بعد خيبر وحزن له هجرة, وكان أحد الأشراف, وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (٢).
(عَنْ أَبِيهِ (٣)) المسيب بن حَزْن بفتح المهملة وسكون الزاي وبالنون (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) أي: علاماتها وذلك قبل النزع, وإلا لما كان ينفعه الإيمان لو آمن, يدل عليه محاورته للنبي ﷺ ولكفار قريش. قاله الكرماني والبرماوي (٤).
ويحتمل أن يكون انتهى إلى النزع، لكن رجا النبي ﷺ ، أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة، أن ذلك ينفعه بخصوصه، ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة إلى غيره. والله أعلم (٥).
وأبو طالب اسمه عبد مناف، قاله غير واحد. وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته قال: ووجد بخط على ﵁ الذي لا شك فيه، وكبت علي بن [أبي] (٦) طالب (٧). وقال أبو القاسم المغربي الوزير (٨): اسمه عمران (٩).
стр. 876
(جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ) كان كُنْيَتَه أبو الحكم, وكناه رسول ﷺ بأبي جهل, واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، ويقال له: ابن الحنظلية، واسمها: أسماء بنت سلامة بن مخرمة، وكان أحول مأْبونًا (١)، وكان رأسه أول رأس جُزَّ في الإسلام، فيما ذكره ابن دريد في (وشايحه)، مات على الكفر (٢).
(وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ) بضم الهمزة (بْنِ الْمُغِيرَةِ) وأمه عاتكة عمة رسول الله ﷺ , وكان شديد العداوة للنبي ﷺ وللمسلمين, ثم أسلم يوم الفتح وتوفي شهيدًا بالطائف (٣).
ويحتمل أن يكون المسيب شهد هذه القصة حال كفره, ولا يلزم من تأخر إسلامه ألَّا يكون شهد ذلك كما شهد بها عبدالله بن أبي أمية.
(فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية: " قال" بدون الفاء (لأَبِى طَالِبٍ يَا عَمِّ) وفي رواية: "أيْ عمِّ"، ويجوز إثبات الياء وحذفها (٤).
(قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، كَلِمَةً) نصب إما على البدلية أو على الاختصاص (أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) والجملة صفة "كلمة" وفي رواية: "أُحاجُّ لك بها عند الله تعالى" (٥).
[٢٤٤ أ/س]
(فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاري أي: أتعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ /يَعْرِضُهَا) بفتح الياء التحتية وكسر الراء (عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ) أي: أترغب عن ملة عبدالمطلب.
قال القاضي عياض: وفي نسخة: ويعيداه؛ يعني أبا جهل وعبدالله. وقال أيضًا: في جميع الأصول: ويعود له بتلك المقالة يعني أبا طالب (٦).
стр. 877
ووقع في مسلم: "لولا (١) تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع" (٢) بالجيم والزاي وهو الخوف.
وذهب الهروي والخطابي فيما رواه عن ثعلب أنه بخاء معجمة وزاي مفتوحتين (٣). قال القاضي عياض: ونبهنا غير واحد أنه الصواب ومعناه الضعف والخور (٤).
(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) أي: في آخر أزمنة تكليمه إياهم (هُوَ) أي: أبو طالب وهو إما عبارة أبي طالب وأراد به نفسه, وإما عبارة الراوي ولم يحك كلامه بعينه لقبحه وهو من التصرفات الحسنة.
(عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا) حرف تنبيه. وقيل: بمعنى حقًا.
[١٠٧ ب/س]
(وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر إبراهيم ﵇ / لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ) بضم الهمزة مضارع مجهول مجزوم من النهي (عَنْكَ). وفي رواية غير الكشميهني: "مالم أنه عنه". أي: عن الاستغفار الدال عليه قوله: "لأستغفرن لك" (٥).
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ) أي: في أبي طالب أو في الاستغفار (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ" الآيَةَ) وفي رواية: "فأنزل الله تعالى فيه الآية" فحذف لفظ ما كان للنبي أي: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] أي: ما كان ينبغي له ولهم الاستغفار للمشركين.
وقال الثعلبي: قال أهل المعاني: "ما" يأتي في القرآن على وجهين بمعنى النفي كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل
عمران: ١٤٥]، والآخر بمعنى النهي كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهي في حديث أبي طالب نهى. وتأول بعضهم الاستغفار هنا بمعنى الصلاة (٦).
стр. 878
وقال الواحدي: سمعت أبا عثمان الجبري, سمعت أبا الحسن بن مقسم سمعت أبا اسحق الزجاج يقول في هذه الآية: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب (١).
[٢٤٤ أ/ص]
وفي معاني الزجاج: يروي أن النبي ﷺ عرض على أبي طالب الإسلام وعند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه، فأبى أبو طالب, فقال ﷺ : "لأستغفرن لك حتى أُنْهى عن ذلك". ويروي أنَّه أستغفر لأمه، وروى أنه استغفر لأبيه، وأنّ المؤمنين ذكروا محاسن آبائهم في الجاهلية, وسألوا أن يستغفروا لآبائهم لما كان من محاسن كانت لهم، /فأعلم الله أن ذلك لا يجوز فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣] الآية (٢).
وذكر الواحدي من حديث موسى بن عبيدة قال: أنبأنا محمد بن كعب القُرَظي قال: بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه التي قبض فيها، قالت له قريش: أرسل إلى ابن أخيك، يرسل إليك من هذه الجنة التي ذكرها ما يكون لك شفاء، فأرسل إليه فقال رسول الله ﷺ : "إن الله حرمها على الكافرين طعامها وشرابها" ثم أتاه فعرض عليه الإسلام، فقال: لولا أن نعير بها فيقال: جزع عمك من الموت لأقررت بها عينك، واستغفر له بعد ما مات، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا
ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، ومحمد ﷺ لعمه, فاستغفروا للمشركين حتى نزلت: " ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية (٣).
ومن حديث ابن وهب، ثنا ابن جريج عن أيوب بن هانئ، عن مسروق، عن عبدالله" خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر ونحن معه فتخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فناجاه طويلًا"
стр. 879
وفيه "فجاء وله نحيب فسئل فقال: هذا قبر أمي" وفيه "وإني استأذنت ربي في زيارة أمي فأذن, واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. فأخذني ما يأخذ الوالد لولده من الرقة فذلك الذي أبكاني" (١).
وفي رواية الكلبي: أن النبي ﷺ قال: قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك لأستغفرن لأمي. فأتى قبرها ليستغفر لها فدفعه جبرئيل ﵇ , عن القبر. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية (٢).
وقال الثعلبي: من حديث سعيد عن أبيه المسيب أنه قال له النبي ﷺ أي: لأبي طالب-: "أيْ عمِّ إنك أعظم الناس عليَّ حقا, وأحسنهم عندي يدًا, ولأنت أعظم عندي حقًا من والدي, فقل كلمة [تحسب] (٣) لك بها شفاعتي يوم القيامة" وفيه نزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية (٤).
وروى الحاكم من حديث أبي الخليل عن علي ﵁، قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه، (٥) وهما مشركان، قال: أولم يستغفر إبراهيم ﵇ لأبيه؟ فذكرته لرسول الله ﷺ فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٦).
[٢٤٥ أ/س]
ولما ذكر السهيلي قوله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ [التوبة: ١١٣] /قال: قد استغفر سيدنا رسول الله ﷺ يوم أحد فقال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ولا يصح أن تكون الآية التي نزلت في عمه ناسخةً لاستغفاره يوم أحد؛ لأن عمه توفي قبل ذلك ولا ينسخ المتقدم المتأخر.
стр. 880
ويجاب: بأن استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك كأنه أراد الدعاء بالتوبة, وقد جاء في بعض الروايات "اللهم اهد قومي".
وقيل: أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من المسخ وشبهه.
وقيل: يكون الآية تأخر نزولها، فنزلت بالمدينة ناسخةً الاستغفار للمشركين, فيكون سبب نزولها متقدمًا ونزولها متأخرًا لا سيما، وبراءة من آخر ما نزل فتكون على هذا ناسخة لاستغفاره (١).
وقال ابن بطال: أي: محاجة يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله الجنة؟
وأجيب: بأنه ﷺ ظن أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله لا ينفعه إيمانه؛ إذ لم يقارنه عمل سواه من صلاة وصيام وحج وشرائط الإسلام، فأعلمه ﷺ أن من قال: لا إله الا الله، عند موته أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى من عمل سواها هذا (٢).
وفي قوله: "وحج"نظر؛ لأنه لم يكن فرضا حينئذ بالإجماع.
وقيل: يحتمل أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة وأيقن بالموت، وصار في حالة لا ينتفع بالإيمان لو آمن، فرجا له ﷺ إن قال: لا إله الا الله، وأيقن بنبوته أن ينفع (٣) له بذلك، ويحاج
له عند الله تعالى في أن يتجاوز عنه، ويقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًا بأبي طالب وحده لمكانته من حمايته ومدافعته عنه ﷺ (٤).
[١٠٧ ب/ص]
وقيل: كان أبو طالب ممن عاين براهين النبي ﷺ ، وصدق بمعجزاته، ولم يشك في صحة نبوته؛ لأنه كان ينهي قريشًا عن التعرض / لرسول الله ﷺ وينأى عنه فلا يؤمن. (٥)
وروى أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله ﷺ سوءًا (٦) فقال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
стр. 881
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر بذاك وقرَّ منه عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثمه (١) أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سُبَّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا (٢)
[٢٤٥ أ/ص]
كما قال الله تعالى في حقه ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] الآية فرجا له ﷺ /بكلمة الإخلاص حتى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب. والله أعلم (٣).
ورجال إسناد حديث الباب ما بين مروزي ومدني, وفيه رواية الابن عن الأب, وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر, وأخرجه البخاري في سورة "براءة" أيضًا (٤).
стр. 882
باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِىُّ أَنْ يُجْعَلَ فِى قَبْرِهِ جَرِيدَانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِى وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِى زَمَنِ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(باب) وضع (الْجَرِيدِ) أي: الذي يجرد منه الخوص. وفي رواية: الجريدة بالتاء (١). قال في القاموس: ولا يسمى جريدًا ما دام عليه الخوص, وإنما يسمى سعفًا (٢).
(عَلَى الْقَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ) بضم الموحدة وفتح الراء ابن الحُصَيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبدالله (الأَسْلَمِىُّ) مات بمرو سنة اثنتين وستين (٣)، وقد تقدم في: باب من ترك العصر.
(أَنْ يُجْعَلَ فِى قَبْرِهِ) ويروى على قبره (٤) (جَرِيدَانِ) وفي رواية: "جريدتان". فعلى رواية في قبره: يحتمل أن يكون بُرَيْدَةُ أمر أن يجعل الجريدان في داخل القبر، لما في النخلة من البركة، لقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. وعلى رواية: "على قبره" يحتمل أن يكون أمر أن يغرزا
стр. 883
في ظاهر القبر اقتداء بالنبي ﷺ في وضعه على القبر، وهذا الأخير هو الأظهر، وإيراد المؤلف حديث القبرين في آخر الباب يدل عليه (١).
وكأنّ بريدة ﵁ حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين. قال ابن رشيد: لكن الظاهر من تصرف المؤلف أن ذلك خاص المنفعة بما فعله رسول الله ﷺ ، ببركته الحاصلة الخاصة به، وأن الذي ينفع أصحاب القبور إنما هي الأعمال الصالحة. (٢)
فلذلك عقبه بقوله: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسْطَاطًا) بتثليث الفاء وسكون السين المهملة وبطائين مهملتين، وهو: الخباء والبيت من الشعر وقد يكون من غيره, ويجوز فيه إبدال الطاءين بمثناتين فوقيتين وإبدال أولاهما فقط وإدغامها (٣).
(عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو ابن أبي بكر الصديق ﵁، بينه ابن سعد في روايته موصولًا من طريق أيوب بن (٤) عبدالله بن يسار قال: " مر عبدالله بن عمر ﵁ على قبر عبدالرحمن بن أبي بكر أخي عائشة ﵃ وعليه فسطاط مضروب" (٥).
(فَقَالَ انْزِعْهُ) أي: اقلعه (غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ) لا غيره. وفي رواية ابن سعد قال الغلام: "تضربني مولاتي. قال: كلا. فنزعه" (٦) وكان الغلام الذي خاطبه عبدالله غلام عائشة أخت عبدالرحمن ﵄.
فدل هذا على أن نصب الخيام على القبر مكروه، ولا ينفع الميت ذلك، ولا ينفعه إلا عمله الصالح الذي قدمه (٧)، نعم يصل إليه الثواب الذي أهدى إليه من قبل أقربائه وأصدقائه على المذهب المختار.
[٢٤٦ أ/س]
/ (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن ثابت الأنصاري أحد التابعين الثقات, وأحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة (رَأَيْتُنِي) بضم المثناة الفوقية, وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص
стр. 884
أفعال القلوب, والتقدير: رأيت نفسي، والواو في (وَنَحْنُ شُبَّانٌ) بضم المعجمة وتشديد الموحدة, جمع شاب, حالية.
(فِى زَمَنِ عُثْمَانَ) بن عفان ﵁ أي: في مدة خلافته (وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً) مصدر وثب يثب وثبًا ووثوبا ووثبة (١).
(الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بظاء معجمة ساكنة وعين مهملة، ﵁ (حَتَّى يُجَاوِزَهُ) من ارتفاعه. وهذا التعليق وصله البخاري في التاريخ الصغير من طريق ابن إسحق حدثني يحيى بن عبدالرحمن بن أبي الأنصاري: "سمعت خارجة" فذكره (٢).
قال الحافظ العسقلاني: وفيه جواز تعلية القبر ورفعه عن وجه الأرض (٣). ومناسبة هذا الأثر للترجمة من حيث إن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض.
وقال العيني: وقد يتكلف في كون هذا الأثر من هذا الباب، بأنه إشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح كالتستر من الشمس مثلًا للأحياء لا لإظلال الميت فقط جاز، فكأنه يقول: إذا أعلي القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح كالتلاوة والله أعلم (٤).
(وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ (٥)) بن عباد بن حنيف الأنصاري الأوسي أبو سهل المدني الكوفي أخو حكيم بن حكيم وعن أحمد: ثقة وهو من أفراد مسلم.
стр. 885
(أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ) بن زيد (فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ) بالمثلثة في أوله, و"يزيد" من الزيادة. أنه (قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ) أي: الجلوس على القبر، (لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ) ما لا يليق من الفحش قولًا وفعلًا لتأذي الميت بذلك، أو المراد: تغوط أو بال.
وهذا التعليق وصله مسدد من مسنده الكبير, وبين فيه سبب إخبار خارجة بذلك، ولفظه: حدثنا عيسى بن يونس ثنا عثمان بن حكيم ثنا عبدالله بن سرجس وأبو سلمة بن عبدالرحمن أنهما سمعا أبا هريرة ﵁ يقول: "لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إليَّ، أحب إلي من أن أجلس على قبر". قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي" الحديث وهذا إسناد صحيح (١).
[٢٤٦ أ/ص]
[١٠٨ ب/س]
/ وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا فقال: حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة / ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" (٢)
وقال الحافظ العسقلاني: وروى الطحاوي من طريق محمد بن كعب قال: إنما قال أبو هريرة: " من جلس على قبر ليبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة" (٣) لكن إسناده ضعيف هذا (٤).
قال العيني: سبحان الله ما لهذا القائل من التعصّبات البادرة، فإن الطحاوي أخرج هذا عن أبي هريرة ﵁ من طريقين، أحدهما هذا الذي ذكره من طريق محمد بن كعب، والآخر أخرجه عن ابن
стр. 886
أبي داود عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن سليمان بن داود عن محمد بن أبي حميد نحوه (١). وأخرجه عبدالله بن وهب (٢) والطيالسي في مسنديهما (٣).
ولم يذكر الطحاوي هذا الحديث إلا تقوية لحديث زيد بن ثابت ﵁ أخرجه عن سليمان بن شعيب عن الحصيب عن عمرو بن علي الفلاس، عن عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة: أن زيد بن ثابت ﵁، قال: هلم يا ابن أخي، أخبرك إنما نهى النبي ﷺ عن الجلوس على القبور، لحدث غائط، أو بول" (٤) ورجاله ثقات.
فهذا القائل هلا ما أورد هذا الحديث الصحيح، وأورد الحديث الذي فيه محمد بن أبي حميد المتكلم فيه، مع أنه ذكر الطحاوي هذا استشهادًا وتقوية (٥).
وتحقيق الكلام في هذا الباب ما قاله الطحاوي: حيث قال: باب الجلوس على القبور، حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا صدقة بن خالد، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي ادريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها"، وأخرج هذا الحديث من أربع طرق. وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي (٦).
стр. 887
وأخرج أيضًا من حديث عمرو بن حزم، قال: "رآني رسول الله ﷺ على قبر فقال: انزل عن القبر، فلا تؤذ صاحب القبر، ولا يؤذيك" (١)
وأخرج أيضًا من حديث جابر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها" (٢) , وأخرجه الجماعة غير البخاري.
ثم قال: فذهب قوم إلى هذه الآثار وقلدوها، وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور (٣)،. وأراد بالقوم الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومكحول، وأحمد، وإسحق، وأبا سليمان, ويروي ذلك أيضًا عن عبدالله، وأبي بكرة وعقبة بن عامر، وأبي هريرة،
стр. 888
وجابر ﵃ (١)، وإليه ذهب الظاهرية (٢) وقال ابن حزم في المحلى: ولا يجوز لأحد /أن يجلس على قبر وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف (٣).
[٢٤٧ أ/س]
ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول (٤).
وأراد بالآخرين أبا حنيفة، ومالكًا وعبدالله بن وهب وأبا يوسف ومحمدًا، وقالوا: ما روى عن النهي محمول على ما ذكرنا، ويحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن عمر ﵃ (٥).
ثم قال: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، وقد مر عن قريب, وهو حديث زيد بن ثابت ﵁ (٦).
ثم قال: فبين زيد أن الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول ما هو. ثم روى عن أبي هريرة ﵁ من طريق يونس وطريق ابن أبي داود, وقد ذكرا عن قريب أيضًا.
ثم قال: فثبت بذلك أن الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول هو هذا الجلوس؛ يعني للغائط والبول, فأما الجلوس لغير ذلك فلم يدخل في ذلك النهي. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ (٧).
قال العيني: فعلى هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطأ القبور حرام, وكذا النوم عليه ليس على ما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة (٨).
стр. 889
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ) وهذا التعليق وصله الطحاوي حدثنا علي، قال: ثنا عبدالله بن صالح، قال: حدثني بكر، عن عمرو، عن بكير، أن نافعًا، حدثه: " أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يجلس على القبور" (١).
فإن قيل: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: " لأن أطأ على رضف أحب إلي من أن أطأ على قبر" (٢) فالجواب: أنه محمول على معنى: "لأن أطأ" لأجل الحدث. والله أعلم. (٣)
ومناسبة هذا الأثر وما قبله للترجمة من حيث إن قول ابن عمر ﵄: "إنما يظله عمله" عام، يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بإظلاله، ولو كان تعظيمًا له، لا يتضرر بالجلوس عليه، وإن كان تحقيرًا له (٤).
وقال ابن رشيد: كأن بعض الرواة كتب هذه الآثار وفي غير موضعها، فإن الظاهر أنها من الباب التالي لهذا الباب، وهو باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله. والله أعلم (٥).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا».
стр. 890
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
[٢٤٧ أ/ص]
(حَدَّثَنَا يَحْيَى (١)) هو ابن جعفر البيكندي كما في مستخرج أبي نعيم أو هو يحيى بن يحيى كما جزم به [ابن] مسعود في الأطراف (٢)، أو هو يحيى بن موسى المعروف بحت (٣)، / كما وقع في رواية أبي علي بن شبويه، عن الفربري (٤)، قال الحافظ العسقلاني: وهو المعتمد (٥)
قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان.
[١٠٨ ب/ص]
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ) وفي رواية أبي ذر قال /: "مرّ النبي ﷺ (٦) " (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحال باسم المحل.
(يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ) أي: كبير دفعه واحترازه.
ويحتمل أن يكون نفى كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد صاحبي القبرين المعذبين, أو باعتبار اعتقاد مرتكبه مطلقًا, أو باعتبار اعتقاد المخاطبين أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنه عند الله كبير. كما جاء في رواية عند البخاري: "وما يعذبان في كبير. بلى إنه كبير" (٧) فهو كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥].
стр. 891
(أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) يحتمل أن يكون على حقيقته من الاستتار عن الأعين فيكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد التنزه والتوقي من البول بعد ملابسته. ويؤيده رواية: "لا يستنزه" (١) وإن كان الأصل الحقيقة.
(وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ) المحرمة، وأما ما كان للنصيحة لدفع مفسدة فهو جائز، والباء في قوله: بالنميمة للمصاحبة أي: يسير في الناس متصفًا بهذه الصفة أو للسببية أي: يمشي بسبب ذلك (٢).
(ثُمَّ أَخَذَ) ﷺ (جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزركشي: دخلت الباء على المفعول زائدة (٣).
وتعقب * (٤) بأنا لا نسلم أن نصفين مفعول لأن "شق" إنما يتعدى إلى مفعول واحد، وليس هذا من مواضع زيادة الباء؛ بل الباء للمصاحبة، وهو ظرف مستقر منصوب المحل على الحالية، أي: فشقها ملتبسة بنصفين, ولا مانع من أن يجتمع الشق, وكونها ذات نصفين في حال واحد، وليس المراد أن انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشق وإنما هو معه وبسببه, ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] (٥).
[٢٤٨ أ/س]
(ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) يعنى العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) أي: مدة /عدم يبس العودين, ولعل بمعنى: عسى؛ فلذا استعمل استعماله في اقترانه بأن، وإن كان الغالب في "لعل" التجرد. وليس في الجريد معنى يخصه، ولا في الرطب معنى ليس في اليابس، وإنما ذلك ببركة يده الكريمة ﷺ (٦).