الدُّنْسُ ثِيَابًا، وَالشُّعْثُ رُؤُوسًا، الَّذِينَ لا يَنْكِحُونَ المُتَمَنِّعَاتِ، وَلا يُفْتَحُ لهُمُ السُّدَدُ".
قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحيَتُهُ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِّي قَدْ نَكَحْتُ المُتَمَنِّعَاتِ، وَفُتِحَتْ لِي السُّدَدُ، لا جَرَمَ أَنِّي لا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي عَلَى جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ، وَلا أَدْهُنُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ. [ت: ٢٤٤٤].
٤٣٠٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ قالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوُل الله ﷺ : "مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالمَدِينَةِ، أَوْ كما بَيْنَ المَدِينة وَعمانَ". [خ: ٦٥٨٠، م: ٢٣٠٣].
٤٣٠٥ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ نَبِيُّ الله ﷺ : "يُرَى فِيهِ أَبارِيقُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ كعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ". [م:٢٣٠٣].
٤٣٠٣ - قوله: "وَلا يُفْتَحُ لهمُ السُّدَدُ": أي الأبواب.
قوله: "حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحيَتُهُ": بالخاء والضاد المعجمتين وتشديد اللام، يقال: خَضِلَ واخضَلَّ، إذا نَدِيَ، و"لحيته" بالرفع على أنه الفاعل.
فإذا أردت أن تعدِّيه قلت: أخضلْتُه أنا.
٤٣٠٤ - قوله: "أَوْ كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وَعُمانَ": هو بضم العين، كذا في أصلنا؛ يعني وبتخفيف الميم، وقد تقدّم الكلام عليها فيما تقدَّم فراجعه.
стр. 2490
٤٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ أَتَى المَقْبَرَةَ فَسَلَّمَ عَلَى المَقْبَرَةِ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنا قَدْ رَأَينَا إِخْوَانَنَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟
٤٣٠٦ - قوله: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله" الحديث: قيل: معناه إذ شاء الله؛ لأنه ﵇ على يقين من وفاته.
والصواب أنه على وجهه من الاستثناء والشرط، ثم يختلف في معناه؛ لأن الاستثناء لا يكون في الواجب، وقيل: معناه لاحقون بكم في هذِه المقبرة.
وقيل: المراد امتثال قول الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فالتزم ﵇ تأديب ربه إياه حتى في الواجب.
وقيل: هذا على التبري والتفويض وإن كان في واجب، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧].
وقيل: الاستثناء في الموافاة على الإيمان، والمراد من معه من المؤمنين.
وقيل غير ذلك، ومن جملة ما ذكره في ذلك الخطابي: إن هذا من عادة المتكلم يُحسِّنُ به كلامه (١).
стр. 2491
قَالَ: "أنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ يَأْتونَ مِنْ بَعْدِي، وَأَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ (١) مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْل غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ (٢) خَيْل بُهْمٍ دُهْمٍ، أَلمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأتونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ"، قَالَ: "أَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ"، ثُمَّ قَالَ: "ليُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كما يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ، فَأُنادِيهِمْ: أَلا هَلُمُّوا، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَأَقُولُ: أَلا سُحْقًا سُحْقًا".
٣٧ - ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ
قوله: "وَأَنا فَرَطكُمْ عَلَى الحَوْضِ": الفرط: هو الذي يتقدَّم الوارِدين فيُهيء لهم ما يحتاجون إليه.
قوله: "لَيُذَادَنَّ": أي ليُطْرَدَنَّ ويُدْفعن.
قوله: "فَأَقُولُ: أَلا سُحْقًا سُحْقًا" أي بُعْدًا بُعْدًا.
٣٧ - ذِكْر الشَّفَاعَةِ
فائدة: اعلم أنه ﵇ له شفاعاتَ:
أولاهن: الشفاعة العُظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الصحيح وغيره في حديث الشفاعة.
стр. 2492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشفاعة الثانية: في جماعة يدخلون الجنة بغير حسابٍ.
والثالثة: في ناس استحقوا دخول النار.
والرابعة: في ناس دخلوا النار فيخرجون.
والخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة.
والأولى مختصة به، وكذا الثانية.
قال النووي في الروضة: ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضًا (١).
وما قاله في الثالثة قال القاضي عياض في شرح مسلم له، كما نقله النووي عنه أنه يشاركه فيها من شاء الله (٢)، وكذا نقله القرطبي في التذكرة (٣)، انتهى.
أي والرابعة يشاركه فيها غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء.
وقال القاضي عياض: إن شفاعته لإخراج من في قلبه مثقال حبة من إيمان مختصة به، إذا لم يأت شفاعة لغيره إلا قبل هذه.
وأهمل النووي شفاعة سادسة؛ وهي تخفيف العذاب على من استحق الخلود فيها كما في حق أبي طالب في إخراجه من غمرات النار إلى ضحضاحها.
стр. 2493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: إن القرآن فيه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وكذا قوله: "وهي نائلة، إن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئًا" فما الجواب؟
فقيل: إن شفاعته في أبي طالب بالحال لا بالمقال.
وسابعة: وهي شفاعة لمن مات بالمدينة، لما روى الترمذي وصححه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مَن استطاع أن يموتَ بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن مات بها" (١).
نبَّه على هذه والتي قبلها القاضي عياض في إكماله (٢).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد وغيره: "لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" (٣).
فهذه شفاعة أخرى خاصة بأهل المدينة، وكذلك الشهادة زائدة على شهادته للأمَّة.
وقد قال ﵇ في شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء" (٤).
وفي العروة الوثقى للقزويني: أن من شفاعاته شفاعته لجماعة من صلحاء
стр. 2494
٤٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي، فَهِيَ نَائِلَةٌ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا". [خ: ٦٣٠٤، م: ١٩٨، ت: ٣٦٠٢].
٤٣٠٨ - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَأَبُو إِسْحَاقَ الهَرَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ حَاتِمٍ قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَليُّ بْنُ زيدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ وَلا فَخْرَ،
المؤمنين، فيتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات.
وأطلق الرافعي أن من خصائصه شفاعته في أهل الكبائر، وفي ذلك نظر؛ فإن المختصة به ليست في مطلق أهل الكبائر (١)، والله أعلم.
وله شفاعات أخر [وهي] أنه يفتح باب الجنة، والشفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف، وهما متغايرتان، وقد روى مسلم في كتاب الإيمان، وهي: "فَيَأَتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يا أبانَا اسْتَفْتِحْ لنا الجنَّةَ" الحديث.
٤٣٠٨ - قوله: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرَ": وفي بعض طرق هذا الحديث خارج هذا الكتاب: "ألا وإني سيد ولد آدم يوم القيامة" (٢).
стр. 2495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو سيد ولد آدم مطلقًا، وإنما خصَّ يوم القيامة لظهوره ذلك اليوم لكل أحد من غير منازعة، كما في قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦].
وإنما أخبر ﵇ بذلك لأمرين:
أحدهما: امتثالًا لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
الثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته؛ ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه.
ويلزم من ذلك تفضيله على جميع الخلق؛ لأن مذهب أهل السنة أن الأنبياء أفضل من الملائكة.
فإن قيل: فما وجه الجمع بين هذا، وبين: "لا تفضلوا بين الأنبياء"؟
فالجواب من أوجه، واقتصر البيهقي في دلائله على أنه محمول على مجادلة أهل الكتاب في تفضيل نبينا على أنبيائهم؛ لئلا يؤدي إلى الإزراء، ونقله على الحليمي، ثم نقل عن الخطابي أيضًا؛ أن النهي عن ذلك خوف الإزراء (١).
قال الخطابي: والجمع بين حديث أبي هريرة: "أنا سيد ولد آدم"، وحديث ابن عباس: "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا"، وفي رواية: "إني خير من يونس بن متى"، ظاهر؛ لأن الأول إخبار عما أكرمه الله به من التفضيل والسُّؤدد.
стр. 2496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني مؤول بوجهين:
أحدهما: أن المراد بالعبد من سواه دون نفسه.
ثانيهما: أنه قاله إظهارًا للتواضع، يقول: لا ينبغي لي أن أقول أنا خير منه؛ لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لا من قبل نفسي، فليس لي أن أفتخر بها.
وإنما خصَّ يونس بالذكر فيما يُرى، والله أعلم، لما قد قصَّ الله علينا من شأنه، وما كان له مع قومه، وخرج مغاضبًا فلم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل (١).
وقال الخطابي في موضع آخر: وجه الجمع بينهما أن هذه السيادة في القيامة إذا قُدِّم في الشفاعة على جميع الأنبياء، وإنما منع أن يفضل على غيره منهم في الدنيا، وإن كان مفضلًا في الدارين من قبل الله.
ومعنى "لا فخر" أي لا أقول هذا القول على سبيل الفخر الذي يدخله الكبر.
وأما قوله ﵇ لما قال له ذلك الرجل: يا خير البرية: "ذاك إبراهيم"، كما رواه مسلم (٢)، فجوابه: أنه قاله تواضعًا واحترامًا لإبراهيم لخلته وأبوته.
стр. 2497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: قبل [أن] يعلم أنه سيد ولد آدم.
و [جواب] ثالث ذكره ابن العربي أن قوله: "ذاك إبراهيم" يعني بعده، وضعفه ابن دحية في المستوفى؛ قال: والصحيح الجواب الثاني.
فإن قلت: هذا خبر فلا يدخله خُلف ولا نسخ.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن المراد خير البرية الموجودين في عصره، وأطلق العبارة الموهمة للعموم؛ لأنه [أبلغ] في التواضع.
ثانيهما: أنه وإن كان خبرًا فالنسخ يدخله؛ لأن التفضيل يمنحه الله [لمن يشاء] (١).
عن قوله: "لا تخيروني على موسى" أجوبة منها: أنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل الرسل.
وعن قوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء"، بأنه قبل نزول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقيل: لا تخيروني تخييرًا يؤدي إلى مخاصمة وعداوة، أو تفضيلًا في نفس النبوة؛ فإنها لا تتفاوت .... واحدة ...... أو تفضيلًا يؤدي إلى نقص بعضهم.
стр. 2498
وَأَنا أوَّل مَنْ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا فَخْرَ وَأَنا أوَّل شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ
وقيل غير ذلك مما تضيق عنه هذه الورقة.
وجرت عادة كبار أهل العلم أنهم يسألون هنا سؤالًا فيقولوا: إنه جاء في آخر صحيح البخاري قال: "من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، فما الجواب عنه؟ (١).
قوله: "وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عنهُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا فَخْرَ": فإن قيل: فما الجمع بين هذا وبين حديث: "فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله"؟
والجواب: أنه يحتمل كما قال القاضي عياض؛ أنه ﵇ قال هذا قبل أن يعلم أنه أول مَن تنشق عنه الأرض على الإطلاق.
قال: ويجوز أن يكون معناه أنه من الزمرة الذين أول من تنشق عنهم الأرض، فيكون موسى من تلك الزمرة.
وهم، والله أعلم، زمرة الأنبياء ﵈ (٢).
قوله: "وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ": أي أول مَن تجاب شفاعته، فقد يشفع اثنان، ويجاب الثاني قبل الأول، فهذا قوله: وأول مشفع.
стр. 2499
وَلا فَخْرَ، وَلوَاءُ الحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا فَخْرَ". [ت:٣١٤٨].
٤٣٠٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ قَالا: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ المُفَضَّلِ (١)، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ نَارٌ بِذنُوبِهِمْ وبِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَتْهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ لهُمْ فِي الشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجَنَّةِ،
قوله: "لِوَاءُ الحمْدِ بِيَدِي": اللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحبُ الجيش.
٤٣٠٩ - قوله: "قَالا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الفضل": كذا الآن في الأصل، وكان فيه قبل ذلك "المُفَضَّل" بميم في أوله، فأصلح على هذا، وهذا خطأ محض، بل هذا "بِشْرُ بْنُ المُفَضَّل" بفتح الضاد المعجمة المشددة وميم في أوله، الحافظ المشهور.
ولا أعرف أحدًا في رواة الكتب الستة يقال له "بشر بن الفضل" كما في الأصل، والله أعلم.
قوله: "ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ": هو منصوب على الحال، وهو بالضاد المعجمة المفتوحة ثم موحدة مفتوحة ثم همزة ممدودة ثم راء، جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها؛ وهي الجماعات في تفرقة.
стр. 2500
فَقِيلَ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ".
قال في المطالع: ورأيت لبعض المتعسفين أن صواب هذه الكلمة "أضابر" جمع إضبارة، وكذا قال ثابت، يقال: إضبارة من كتب، ولا يقال: ضبارة، وغيره يصححها؛ منهم الخطابي قال: ضبائر جمع ضبارة، يقال: جاء القوم ضبائر؛ أي جماعات في تفرقة (١).
قوله: "نَبَاتَ الحِبَّةِ": الحبة بكسر الحاء المهملة ثم موحدة مشددة مفتوحة ثم تاء التأنيث؛ هي بزور البقول.
وقيل: حب الرياحين.
وقيل: هي نبت ينبتُ في الحشيش صغار.
وقيل: اسم جامع لحبوب البقل الذي ينتشر إذا هاجت، فإذا مطرت نبتت.
وشبَّه نباتهم بنبات الحبة لأمرين:
أحدهما: بياضها كما جاء في بعض طرقه.
والثاني: سرعة نباتها؛ لأنها تنبتُ في يوم وليلة، وربما رويت من الماء وترددت في غثاء السيل وتيسرت قلبتها للخروج، فإذا خرجت في حميل السيل غرزت عروقها فيها لحينها ونبتتْ بسُرعةٍ.
стр. 2501
قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ كَانَ فِي البَادِيَةِ. [م: ١٨٤].
٤٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي". [ت:٢٤٣٦].
٤٣١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ، حَدَّثَنَا زِيادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الجَنَّةَ، فَاخْتَرتُ الشَّفَاعَةَ؛ لأنّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى، أتُرَوْنَهَا لِلمُنَقَّينَ؟ لا، وَلَكنَّهَا لِلمُذْنِبِينَ الخَطَّائِينَ المُتَلَوِّثِينَ".
قوله: "فِي حَمِيلِ السَّيْلِ": هو ما احتمله من طين وغُثاء، فَعِيل بمعنى مفْعُول.
٤٣١٠ - قوله: "إِنَّ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي": أراد ﵇ شفاعة من شفاعاته، لا أنه ليس له شفاعة إلا في أهل الكبائر، والله أعلم.
٤٣١١ - قوله: "أتُرَوْنَهَا": هو بضم التاء؛ أي أتظنونها.
قوله: "لِلمُنَقَّينَ": هو بضم الميم وفتح النون وتشديد القاف مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم نون، كذا أحفظه، وكذا رويته، وكذا هو مضبوط في أصلنا.
стр. 2502
٤٣١٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلهَمُونَ، أَوْ يَهُمُّونَ، شَكَّ سَعِيدٌ، فَيَقُولُونَ: لَوْ تَشَفَّعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَأَرَاحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﷺ فَيَقُولُونَ: أنتَ آدمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَه، فَاشْفَعْ لنَا عِنْدَ رَبِّكَ يُرِحنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ وَيَشْكُو إِلَيْهِمْ ذَنْبَهُ الَّذِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي مِنْ ذَلِكَ، وَلكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأتونَهُ، فَيَقُوُل: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ سُؤَاله رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلمٌ، وَيَسْتَحْيِي مِنْ ذَلِكَ، وَلكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الله، فَيَأتونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلكِنِ ائْتُوا مُوسَى، عَبْدٌ كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأتونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ النَّفْسَ بِغَيْر النَّفْسِ،
٤٣١٢ - قوله: "فَاشْفَعْ لَنَا يُرِيحنَا": كذا في أصلنا بإثبات الياء، وقد ضبب عليها، وكانه حسبه لحنًا، وليس بلحن بل هو لغة مشهورة.
قوله: "بَعَثَهُ الله إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ": قد يسأل هنا فيقال: كيف يكون مبعوثًا إلى أهل الأرض ولم يبعث إلى الناس عامة إلا النبي محمد ﷺ ؟
والجواب: أن أهل الأرض إذا ذاك هم قومه، فلا يقتضي ذلك تعميم رسالته، بل إنما بعث برسالة عامة، إلا النبي ﷺ ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، والله أعلم.
قَالَ: يَقُولُ قَتَادَةُ عَلَى أثَرِ هَذَا الحَدِيثِ: وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إلا الله، وَكَانَ فِي قَلبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إلا الله، وَكَانَ فِي قَلبِهِ مِثْقَالُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إلا الله، وَكَانَ فِي قَلبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ". [خ: ٤٤٧٦، م: ١٩٣، ت: ٢٥٩٣].
فقل: نعم؛ جاء في مسند أحمد من حديث أبي بكر الصديق (١) أنها مقدار جمعةٍ، وكذا السجدة الثانية.
قوله: "مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ": الذرة بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكذا في أصلنا، ولا التفات إلى مَن صحفها "بذرة" بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء مفتوحة.
ومعنى "ذرَّة" نملة صغيرة، وقيل: واحدة الذر؛ وهو الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "إذا وضعت كفك على غبار ثم رفعتها فقبضتها فما سقط من ذلك الغبار فهو الذر".
وقيل: الذرة جزء من خردلة، وأن الخردلة تعدل في الوزن أربع ذرات.
وقيل: الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من شعيرة، والله أعلم.
٤٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدمَ إلا أثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ". [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢، س: ١١٤٠].
٤٣٢٦ - قوله: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ الوَاسِطِيُّ": عبادة بفتح العين وتخفيف الموحدة، تقدَّم غير مرة.
قوله: "حَرَّمَ الله عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ": ظاهر هذا أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة المأمور بالسجود عليها؛ وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان، وكذا قاله بعض العلماء.
وأنكره القاضي عياض؛ وقال: المراد بأثر السجود الجبهة خاصة.
قال النووي: والمختار الأول.
فإن قيل: إن في مسلم: "إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ من النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فيها إلا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ" (١).
فالجواب: أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، بأنه لا يسلم منهم من النار إلا دارات الوجوه.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَمِنْ بَلْهَ مَا قَدْ أَطْلَعَكُمُ (١) عَلَيْهِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
٣٩ - صِفَة الجَنَّةِ
٤٣٢٨ - قوله: "قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَمِنْ بَلهَ مَا قَدْ أَطْلَعَكُمُ الله عَلَيْهِ": كذا فيه، وعلى قوله: "ومن" ضبة، كأنه يشير إلى أنه "بله" من غير من، ومعنى بله دع، كانه إضراب عما ذكره لاستحقاره في جنب ما لم يذكر.
وقيل: معنى ذلك كيف ما اطلعتم عليه، كذا في المطالع (٢).
وقد ذكر الشيخ جمال الدين ابن هشام النحوي القاهري شيخ بعض شيوخي: بله على ثلاثة أوجه: اسم لدع، ومصدر بمعنى الترك، واسم مرادف لكيف.
وما بعدها منصوب على الأول، ومخفوض على الثاني، ومرفوع على الثالث.
وفتحها بناء على الأول والثالث، وإعراب على الثاني.
قال: ومن الغريب أن في البخاري في تفسير السجدة يقول الله: "أعددت لعبادي"، وساق حتى قال: "من بله ما اطلعتم عليه".
٤٣٣١ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الجَنَّةُ مِئَةُ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِنَّ أَعْلاهَا الفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ أَوْسَطها الفِرْدَوْسُ، وَإِنَّ العَرْشَ عَلَى الفِرْدَوْسِ، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ، فَإِذَا سَألتُمُ اللهُ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ". [ت: ٢٥٣٠].
٤٣٣٢ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ
٤٣٣١ - قوله: "الجَنَّةُ مِئةُ دَرَجَةٍ": تقدَّم الكلام على هذا الحديث في باب ثواب القرآن فراجعه.
قوله: "فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ": الفردوس في السريانية: البستان الذي فيه الكرم والأشجار.
والجمع فرادس.
قال في المطالع: والفردوس في السريانية: البستان.
وقيل: الكرم.
وهو هاهنا، أي في هذا الحديث، ربوة في الجنة، هي أوسط الجنة وأعلاها وأفضلها (١).
стр. 2515
قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الأنصَارِيُّ قالَ: حَدَّثَني الضَّحَّاكُ المَعَافِرِيُّ، عَنْ سُلَيمانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: حَدَّثَني أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ: "أَلا مُشَمِّرٌ لِلجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ لهَا، هِيَ وَرَبَّ الكَعْبةِ نُور يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيد، وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَة كثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَميلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبدٍ (١)،
٤٣٣٢ - قوله: "عن الضَّحَّاكُ المَعَافِرِيُّ، عَنْ سُلَيمانَ بْنِ مُوسَى": كذا في أصلنا، وعلى سليمان ضبة، وما أدري لأي شيء صنع ذلك.
والضحاك لا يُعرف، ما روى عنه سوى محمد بن المهاجر الأنصاري، ذكره ابن حبان في الثقات.
انفرد بالإخراج له ابن ماجه حديث: "أَلا مُشَمِّرٌ لِلجَنَّةِ"، وهذا الحديث رويناه في البعث والنشور لأبي بكر بن أبي داود.
قوله: "فَإِنَّ الجنَّةَ لا خَطَرَ لَها": أي لا عوض لها ولا مثل.
و"الخَطَرَ" بالتحريك في الأصل الرهن وما يخاطر عليه، ومثل الشيء وعدله.
ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومَزِيّة.
стр. 2516
فِي حَبْرَة وَنَضْرَة، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَة بَهِيَّة"، قَالُوا: نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لها يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللهُ"، ثُمَّ ذَكَرَ الجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ.
٤٣٣٣ - حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَة تَدْخُلُ الجَنّة عَلَى صُورة القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كوْكَب دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يمتَخِطُونَ وَلا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الألُوَّةُ (١)،
قوله: "وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ": بتشديد الطاء المهملة وكسر الراء؛ أي جارٍ.
قوله: "فِي حَبْرَةٍ": الحبرة بفتح الحاء المهملة؛ النعمة وسعة العيش، وكذلك الحُبور.
قوله: "وَنَضْرَةٍ": النضرة: هي حسن الوجه والبريق.
٤٣٣٣ - قوله: "وَمَجَامِرُهُمُ الألُوَّةُ": هو بفتح الهمزة، وتضم قاله ابن الأثير (٢)، وبضم اللام وتشديد الواو ثم تاء التأنيث.
ويقال له: يلنجُوج، ويَلَنْجَج، وألَنْجج، والألَنْجُوج، واليَلنْجَج، واليلنجُوجِي؛ وهو عود الطيب.
стр. 2517
أَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ، أَخْلاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورة أَبِيهِمْ آدَمَ ﷺ سِتُّونَ ذِرَاعًا". [خ: ٣٢٤٥، م: ٢٨٣٤، ت: ٢٥٣٧].
٤٣٣٣ م - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ.
٤٣٣٤ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَعَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ وَعَليُّ بْنُ المُنْذِرِ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الكَوْثَرُ نَهَر فِي الجَنَّةِ، حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، مَجْرَاهُ عَلَى اليَاقُوتِ وَالدُّرِّ، تُرْبَته أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلجِ". [ت: ٣٣٦١].
قوله: "أَخْلاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ": هو بفتح الخاء وسكون اللام، ويجوز فيه ضم الخاء واللام، وبالوجهين رواه رواةُ البخاري ومسلم، وفي أصلنا مدلَّس الضبط.
قال صاحب المطالع: وبالضم أوجه؛ لقوله: "أخلاقهم" أي أنهم على خُلق واحد من التودد والتوافق، ليس في أحد منهم خُلُق يُذَمّ به كما في الحديث الَاخر: "لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد" (١).
стр. 2518
٤٣٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِئَةَ سَنة، وَلا يَقْطَعُهَا، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] ". [خ: ٤٨٨١، م: ٢٨٢٦، ت: ٢٥٢٣].
٤٣٣٦ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي العشرِينَ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أنَهُ لَقِيَ أبا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأل اللهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الجَنَّةِ، قَالَ سَعِيدٌ: أَوَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا
وعلى الرواية الأخرى يكون المعنى أنهم على صورة أبيهم آدم (١)، انتهى.
٤٣٣٦ - قوله: "أَوَفِيهَا سُوقٌ": هو بفتح الواو؛ لأنها للاستفهام.
و"أو" إذا جاءت للاستفهام أو التقرير أو التوبيخ أو الرد أو الإنكار، كانت الواو مفتوحة.
وإذا جاءت للشك أو التقسيم أو الإبهام أو التسوية أو التخيير أو بمعنى الواو، على رأي بعضهم، أو بمعنى بل، أو بمعنى حتى، أو بمعنى إلى، وكيف ما كانت عاطفة فهي ساكنة.
فَيُقَالُ له: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللهُ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنة، فَيَأتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى (١)، فَيَقُولُ اللهُ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدنْيَا، وَعَشَرَةَ أَمْثَالهِا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَة أَمْثَالِ الدُّنْيَا"، قال: "فَيَقُولُ: أتسْخَرُ بي، أَوْ أتضْحَكُ بِي، وَأَنتَ المَلِكُ؟ ".
وسمَّاه بعضهم هنادًا، كذا سمعت الثاني من .... بعض الطلبة.
ورأيت بخطي أن شيخنا العلامة سراج الدين الأنصاري الشهير بابن الملقن في شرح البخاري له؛ أن اسم هذا الرجل جُهينة من جُهينة، كذا في الرواة عن مالك للدارقطني، قال شيخنا: وقال السهيلي: اسمه هناد (٢)، انتهى.
وفي التذكرة للقرطبي، وقد رأيت ما قاله السهيلي في روضه، انتهى.
قوله: "أتسْخَرُ، أَوْ أتضْحَكُ بِي، وَأَنْتَ المَلِكُ؟ ": [السخرية: بكسر السين من الاستهزاء، وبضمها من السخرة والتسخير] (٣).
ثم اعلم أن السخرية في حق الله لا تجوز؛ لأنه تعالى متعالٍ عن الخُلْف في أقواله ومواعيده، فمعنى: "أتسخر بي" أي أتضعني فيما لا أراه مِن حقي،
стр. 2523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكأنها صورة السخرية.
ويحتمل أن يكون قائل هذا أصابه من الدهش والحيرة لما أصابه من سعة رحمة الله بعد إشرافه على الهلاك، وما ناله من السُّفول والزحف على الصراط، وما لقيه من حر النار وريحها، وانفهاق الجنة له بعدَ بُعدها عنه ما لم يحتسبه، وما لم يطمع فيه، فلم يحفظ فرحًا ودهشًا لفظَهُ، وأجرى كلامه على عادته.
وقيل: معنى "أتسخر بي" أي أنت لا تسخر بي وأنت الملك، وأن الهمزة هاهنا ليست للاستفهام والتقرير للسخرية بل لنفيها، كما قال تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]؛ أي إنك لا تفعل ذلك.
وقد يكون هذا الكلام على طريق المقابلة من جهة المعنى والمجانسة، كما قال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ونحوه.
وذلك لما أخلف هو مواعيد الله غير مرة أن لا يسأله شيئًا غير ما سأله أولًا، فلما رأى ذلك خشي أن يكون ذلك إطماعًا له فيما رآه، ثم يمنع منه معاقبة لإخلافه وغدرته، ومكافأته له على ذلك، فسماه سخرية مقابلة لمعنى ما فعل.
وفي هذا عندي بُعد على أني بسطت فيه من البيان ما لم يبسطه قائله، فإن الآية سمَّى فيها العقوبة سخرية واستهزاء مقابلة لأفعالهم، ولا عقوبة هنا إلا بتصوير الأطماع، وهو حقيقة السخرية التي لا تليق بالله وخُلف الوعد،
стр. 2524
قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
فكَانَ يُقَالُ: هَذَا أَدْنَى أَهْلِ الجنَّةِ مَنْزِلًا. [خ: ٦٥٧١، م: ١٦٣، ت: ٢٥٩٥].
٤٣٤٠ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قالَ: حَدَّثَنَا أبو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَأل الجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الجَنَّةُ: اللهمَّ أَدْخِلهُ الجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللهمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ". [ت: ٢٥٧٢].
والقول الذي هو منزهٌ عنه، فإن قبله أدخل الجنة (١)، انتهى كلام المطالع.
قوله: "حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ": النواجذ بالذال المعجمة؛ الأنياب والأضراس، وقيل: المضاحك.
والنواجذ أيضًا أواخر الأسنان، وهي أضراس العقل.
٤٣٤٠ - قوله: "عَنْ يزيد بْنِ أَبِي مَرْيَمَ": يزيد هو بالمثناة تحت المفتوحة ثم زاي مكسورة، كذا في الأصل، وصوابه "بُرَيْدِ" بضم الموحدة وفتح الراء؛ فإن بريدًا روى عن أنس هذا الحديث.
[ذكر ذلك المزي في] أطرافه في ترجمة بريد (٢)؛ يعني بالموحدة والراء عن أنس، وليس ليزيد، بالمثناة والزاي، عن أنس في الكتب الستة شيء، فليعلم ذلك، والله أعلم.
стр. 2525
٤٣٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا له مَنْزِلَانِ: مَنْزلٌ فِي الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] " (١).
آخره، فرغت منه يوم الأحد ثامن عشر من شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وابتدأت فيه في أوائل رجب من السنة أحسن الله يقضيها، وتخلل بين الابتداء والفراغ فوق ثلاثين يومًا من غير عمل لضعف أصابني وبطالة أيضًا.
الحمدُ لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل
علقه إبراهيم سبط ابن العجمي طلبًا للفائدة أحسن الله خاتمتَهُ بمحمد وآله وصحبه (٢)