. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: أن يقلع عن الذنب الذي هو عليه …
الثاني: أن يندم على ما وقع منه، وسواء ندم [بعد] الإقلاع أو قبله.
الثالث: أن يعزم أن لا [يعود].
الرابع: أن ....... على من ..... فيرد العين المغصوبة على مالكها.
حتى لو تلفت عنده وكان مفلسًا وجب عليه الكسب والتوفية؛ لصحة توبته، كما قال ابن الرفعة نقلًا عن أبي الفضل العراقي.
فلا تصح توبة المكاس حتى يرد أموال الناس، وكذلك لا تقبل توبة سائر الظلمة والسارق حتى يرد أموال الناس إليهم.
فأما المكاس وغيره ممن غصب أموالًا ثم تابَ وعَسُر عليه ردّها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم، لجهله بهم أو لانقراضهم وغير ذلك، فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها، فإذا كانذلك قد تعذر عليه تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، وهذا مقتضى كلام من اطلعت على كلامه من أصحاب الشافعي، حاشا … في منهاجه فله فيه كلام يخالف ما قاله مَن وقفت على كلامه، وهو حَسَن فإنهم شرطوا في التوبة التبرئ من حق صاحب الظلامة.
стр. 2453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال القرطبي في شرح مختصر مسلم المسمى بالمفهم عند قوله: "لو تابها صاحب مكس قُبلت منه"، قال: فإن تاب المكاس مِن ذلك وردَّ المظالم إلى أهلها صحت توبتُه وقُبلت، لكن بعيد أن يتخلص من ذلك لكثرة الحقوق وانتشارها في الناس، وعدم تعين المظلومين، انتهى.
ثم اختلف القائلون بأنها لا تصح توبته حتى يردها، في حكم ما بيده من الأموال؛ فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة.
وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه؛ لأنه وكيل أربابها، فيحفظها لهم، ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة.
وقالت طائفة أخرى: بل باب التوبة مفتوح لهذا، ولم يُغلق عنه، ولا عن مذنب باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزوا ما فعل وتكون أجورها لهم، وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم فتكون ثواب تلك الصدقة له، إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها، ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض، فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم وقد غرم من حسناته مثلها.
стр. 2454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم في إغاثة اللهفان: وهذا مذهب جماعة من الصحابة، كما هو مروي عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن الشاعر (١).
الشرط الخامس: أن يكون الإقلاع والعزم على ترك العود خوفًا من الله، فإن كان ذلك لأجل الخوف على سقوط منزلته من أعين الناس، أو خوفًا على عزله من ولاية، ونحوها، لم تصح التوبة كما ذكره .... في التذكرة.
السادس: أن يكون إقلاعه مع القدرة على العود، فإن عجز عن العودة كالزاني إذا جُبَّ ذكرُه فتابَ لأجل فقدِ ذكره وذهاب جماعه، لم تتحقق بذلك صحة توبته؛ لأن من ترك الزنا وشرب الخمر لعدم شهوتِه لم يثب على تركه، كما نقله ابن التلمساني في شرح معالم أصول الفقه عن الغزالي.
السابع: شرط جماعة من الصوفية، وقاله الزمخشري؛ أن يفارق موضع المعصية، قال بعضهم: والثياب التي عصى فيها.
وهذا الشرط لحظه الشيخ أبو إسحاق في التنبيه حيث قال في كتاب الحج: ويستحب أن يفترقا من المكان الذي جامعها فيه (٢).
стр. 2455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الرافعي: وإنما استحب ذلك؛ لأن معهد الوصال مشوق (١).
الثامن: أن لا تطلع الشمس من مغربها؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
قال بعض أصحابي ومن قرأت عليه: وفي الآية دليل على أن التكليف يرتفع بعد طلوع الشمس، وأن المسلمين لا يكلفون بعده، وأن من عمل صالحًا بعد ذلك لا يحسب له، كما لو عمل سيئًا لا يكتب عليه.
قال: ويدل عليه ما رواه أحمد في مسنده عن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "إن الْهِجْرَةَ خَصْلتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: أن تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالأُخْرَى: أنْ تُهَاجِرَ إلى الله وَرَسُولِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ ما تُقُبِّلَتِ التُّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المُغْرِبِ، فإذا طَلَعَتْ طُبعَ على كل قَلْبٍ بِمَا فيه، وَكُفِيَ الناس الْعَمَلَ" (٢).
التاسع: أن لا تبلغ الروح الحلقوم فإن انتهت إلى هذه الحالة لم تقبل التوبة.
стр. 2456
٤٢٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْهُ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا". [ت:٣٥٣٨].
٤٢٤٨ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ المَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمُ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لتَابَ عَلَيْكُمْ".
العاشر: شرط أبو بكر الباقلاني أن لا يعود إلى الذنب، فإن عاد بطلت توبته السابقة وانتقضت، وخالفه النووي فصحح أنها لا تبطل.
ويظهر أثر الخلاف فيما لو تاب وعقد به النكاح، ثم عاد إلى الذنب، فعلى قول القاضي يتبين بطلان الطلاق لتبين الفسق حالة العقد.
الحادي عشر: شرط بعضُهم أنه كلما ذكر الذنب يجب عليه أن يجدد التوبة منه، والصحيح خلافه، والله أعلم.
وهذا أجمع ما رأيت في شروطها، وقد ذكر غير واحد منها ثلاثة ........ العبد وبين الله لا يتعلق بحق آدمي: الإقلاع عن المعصية، والندم على ..... ، والعزم على أن لا يعود إليه.
فإذا كان ..... يتعلق بحق آدمي فشرط رابع؛ وهو أن يبرأ من حق صاحبها.
٤٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصورٍ قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَلا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ، أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ؛ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فِي البَحْرِ، فَوَالله لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، قَالَ: فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ،
٤٢٥٥ - قوله: "لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي" الحديث: قدر بالتخفيف، وهو مُدَلَّس في أصلنا، ورووه في الصحيح بالتشديد والتخفيف.
وقد اختلف في تأويله: فقيل: كان رجلًا مؤمنًا بالله، لكنه جهل صفة من صفاته، وهذا ظاهر الحديث، ومَن جمع بين طرقه عرف ذلك.
واختلف هل هو بجهلهما كافر أم لا؟
وقيل: "قدر" مخففًا بمعنى "قدَّر" مشددًا؛ بمعنى ضيق كقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧].
قال في المطالع: وهذان التأويلان قيلا في قوله : ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] إلا أنه لا يجوز أن يتأول في يونس أن يجهل صفة من صفات ربه، يعني فتعيَّن التأويل الأول.
وهذا الذي ينبغي، بل لا يجوز ذاك.
стр. 2460
فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ أَوْ مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ، فَغَفَرَ لَهُ لِذَلِكَ". [خ:٣٤٨١، م:٢٧٥٦].
٤٢٥٦ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلا هِيَ أَطْعَمَتْهَا،
قال: وقد قيل: إن قوله: "لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ" في حال دهش وخوف وشدة ذعر فلم يضبط (١)، انتهى.
وكان هذا الرجل نباشًا، كذا جاء في الصحيح.
قوله: "خَشْيَتُكَ أَوْ مَخَافَتُكَ": هو في أصلنا مضموم التاء فيهما، ويجوز نصبه على أنه حذف حرف الجر منه وهو من فنصب، والله أعلم.
٤٢٥٦ - قوله: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ" إلى آخره: في هذا الحديث أن "في" تقع سببية؛ أي بسبب هرة.
وظاهر الحديث أنها دخلت كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة.
وقال عياض: إنه يجوز أنها كانت كافرة عذبت بكفرها وزيد في عذابها بسبب الهرة وكان منها ذلك لكونها ليست مؤمنة تغفر الصغائر باجتناب الكبائر (٢).
قال النووي: والصواب ما قدَّمناه أنها كانت مسلمة، وأنها دخلت النار
стр. 2461
وَلا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ". [م: ٢٢٤٣].
قَالَ الزُّهْرِيُّ: لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ.
بسببها، كما هو ظاهر الحديث (١).
وهذه المعصية ليست كبيرة، بل صارت بإصرارها كبيرة.
وليس في الحديث أنها تخلد في النار.
وفي الحديث وجوب [نفقة الإنسان على ما يستحيا من] الحيوان على ما [يملكه]، [والنهي عن إهلاكه وتضييعه] (٢).
وقد جاء أنها كانت كافرة كما رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عائشة (٣).
ويُستنبط منه مسألة حَسَنة، وهي عزيزة النقل؛ وهي جواز حبس الطائر في قفص وإطعامه، وقد تقدّم استنباطها من حديث: "يا أبا عُمير ما فعل النُّغَير"، من استنباط ابن القاص، فراجعه فإنه هناك أبسط.
قوله: "مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ": هو مثلث الخاء المعجمة وبشينين معجمتين بينهما ألف، وهو هوامُّها.
وفي غير هذا الكتاب رواه بعضهم بالحاء المهملة.
стр. 2462
٤٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى ابْنِ المُسَيَّبِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إلا مَنْ عَافَيْتُ، فَسَلُونِي المَغْفِرَةَ فَأَغْفِرَ لكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ مِنكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى المَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ، وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُ، فَسَلُونِي الهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكلُّكُمْ فَقِيرٌ إلا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَلَوْ أَنَّ حَيَّكمْ وَمَيِّتكُمْ، وَأَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا فكَانُوا عَلَى قَلبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَزِدْ فِي مُلكِي جَنَاحُ بَعُوضَةٍ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا فكَانُوا عَلَى قَلبِ أَشْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلكِي جَنَاحُ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُّمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَبَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنيَّتُهُ مَا نَقَصَ مِنْ مُلكِي إلا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِشَفَةِ البَحْرِ، فَغَمَسَ فِيهَا إِبْرَةً، ثُمَّ نَزَعَهَا، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ، عَطَائِي كَلَامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ". [م: ٢٥٧٧، ت: ٢٤٩٥].
٤٢٥٧ - قوله: "ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ": هو بتخفيف الواو، وللناس عبارات في معناه؛ أحدها: الكثير الجود أو السخي.
وقيل: الذي يتفضل على مَن لا يستحق، ويُعطي مَن لا يسأل، ويُعطي الكثير ولا يخشى الفقر ............. أبو جعفر النحاس ........
ولا أعرف تشديد الواو إلا أنه في ألسنة بعض الناس.
стр. 2463
٣١ - ذِكْرُ المَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ
٤٢٥٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَكثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ"، يَعْنِي المَوْتَ. [ت: ٢٣٠٧، س: ١٨٢٤].
٤٢٥٩ - حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا"، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لمِا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ".
٣١ - ذِكْر المَوْتِ
٤٢٥٨ - قوله: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذمِ اللَّذَّاتِ": هاذم بالذال المعجمة، كذا في أصلنا، وكذا قاله السهيلي في روضه في غزوة أحد، وذلك في قتل وحشي حمزة، وذكر أنه الرواية (١)، انتهى.
ولا يعرف هذا إلا القليل من الناس، ومعناه بالمعجمة قاطع اللذات، وله بالمهملة معنى، ولكن الرواية كما قال.
٤٢٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الأُبُلِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ المَيِّتُ القَبْرَ مُثِّلَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُوُل: دَعُونِي أُصَلِّى".
٣٣ - ذِكْرُ البَعْثِ
٤٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَيِ الصُّورِ بِأَيْدِيهِمَا، أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا قَرْنَانِ، يُلاحِظَانِ النَّظَرَ مَتَى يُؤْمَرَانِ".
ومن رواه بالمثناة فوق في أوله عنى النسمة، ويحتمل أن يرجع على الطير على أن يكون جمعًا، ويكون ذكر النسمة لأنه أراد الجنسَ لا الواحد، وقد يكون التذكير والتأنيث جميعًا للروح؛ لأن الروح تذكر وتؤنث، وقد تقدَّم بعضُ ذلك فراجعه.
٤٢٧٢ - قوله: "حَدثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الأُبُلِّيُّ": هو بضم الهمزة ثم بالموحدة المضمومة أيضًا، وكذا في أصلنا، تقدّم وقد عمله أيليا بيائين من تحت ساكنة في أبواب الفتن وتكلمت عليه هناك، وهنا عَمِلَه على الصواب.
٣٣ - ذِكْر البَعْثِ
٤٢٧٣ - قوله: "إِنَّ صَاحِبَيِ الصُّورِ": صاحبا الصور أحدهما إسرافيل.
стр. 2472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الآخر فقد ذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان قال: حدثنا أحمد بن القاسم، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الأحبار فذكر كعب اسرافيل، فقالت عائشة: يا كعب، أخبرني عن إسرافيل.
فقال كعب: عندكم العلم، فقالت: أجل فأخبرني.
فقال: له أربعة أجنحة؛ جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة، وملك الصور جاثٍ على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى ملتقم الصور محنيًا ظهره شاخصًا بصره ينظر إلى إسرافيل، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضمَّ جناحيه أن ينفخ في الصور.
فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول.
غريب من حديث كعب، لم يروه عنه إلا عبد الله بن الحارث.
ورواه خالد الحذاء، عن الوليد، عن أبي بشر، عن عبد الله بن رباح، عن كعب نحوه (١).
قال القرطبي في التذكرة: فلعل هذا الملك هو الآخر.
стр. 2473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: وفي هذا الحديث ما يدل على انفراد هذا الملك بالصور (١)، والله أعلم.
والحديث الذي في ابن ماجه في سنده الحجاج هو ابن أرطأة، عن عطية وهو العوفي، وحالتهما معروفة.
وقد تُوبع عباد بن العوام في روايته عن حجاج؛ تابعه أبو خالد الأحمر، كما أفاده المزي في أطرافه (٢).
وقد جاء غيرُ حديث يدل على أن صاحب الصور واحد، فإن قيل: لعله ميكائيل يعني الثاني.
فالجواب: أن في سنن أبي داود في الحروف والقراءات من حديث عَطِيَّةَ الْعَوْفيِّ، عن أبي سَعِيدٍ قال: ذَكَرَ رسول الله ﷺ صَاحِبَ الصُّورِ فقال: "عن يَمِينِهِ جِبْريلُ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِلُ" (٣).
قال القرطبي: ولعل لأحدهما قرنًا آخر ينفخ فيه، والله أعلم.
ثم ذكر حديثًا آخر عند هناد بن السري بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي عمرو موقوفًا عليه. وفيه: "وملكان موكلان بالصور".
стр. 2474
٤٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِسُوقِ المَدِينَةِ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ، قَالَ: تَقُولُ هَذَا وَفِينَا رَسُولُ الله ﷺ ؟ فَذَكَرْتُ (١) ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: "قَالَ اللهُ : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ رَفَعَ رَأْسهُ فَإِذَا أَنا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلا أَدْرِي
ثم ذكر ذلك بسنده إلى كعب موقوفًا عليه، وزاد بعد قوله: "وملكان موكلان بالصور": "ينتظران متى يؤمران فينفخان" (٢).
وأما الصور: فهو القرن الذي يُنفخ فيه عند بعث الموتى إلى المحشر.
وقال بعضُهم: إن الصور جمع صُورة؛ يريد صور الموتى تنفخ فيها الأرواح.
والصحيح الأول؛ لأن الأحاديث تعاضدت عليه، تارة بالصور وتارة بالقرن.
وفي هذا الحديث: "بِأَيْدِيهِمَا، أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا قَرْنَانِ"، والله أعلم.
أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَرْحَمَ بِعِبَادِهِ مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِهَا؟ قَالَ: "بَلَى"، قَالَتْ: فَإِنَّ الأُمَّ لا تُلقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ، فَأَكَبَّ رَسُولُ الله ﷺ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ مِنْ عِبَادِهِ إلا المَارِدَ المُتمَرِّدَ، الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى الله، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَهَ إلا الله".
قوله: "إِنَّ الله لا يُعَذِّبُ مِنْ عِبَادِهِ إلا المَارِدَ المُتمَرِّدَ، الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى الله، وَاَبى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَهَ إلا الله": صريح هذا أنه لا يعذب إلا الكافر، وقد ثبت أنه يدخل جماعة من الموحدين النار، ثم يخرجوا منها.
ووجه الجمع من غير أن نقول: إن هذا فيه إبراهيم بن أعين ضعّفه أبو حاتم الرازي.
وشيخه إسماعيل بن يحيى الشيباني كذَّبه يزيد بن هارون.
وقال ابنُ حبان: لا تحل الرواية عنه، ذكره عن ابن حبان ابنُ الجوزي.
قال الذهبي: ولم أره.
وذكره العُقيلي فقال: لا يتابع على حديثه.
يقال له: الشعيري (١).
إنَّ قوله: "لا يعذب من عباده" إلى آخره، أي لا يعذب بالخلود أو لا يعذب عذاب تخليد، أو نحو ذلك، والله أعلم.
الدُّنْسُ ثِيَابًا، وَالشُّعْثُ رُؤُوسًا، الَّذِينَ لا يَنْكِحُونَ المُتَمَنِّعَاتِ، وَلا يُفْتَحُ لهُمُ السُّدَدُ".
قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحيَتُهُ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِّي قَدْ نَكَحْتُ المُتَمَنِّعَاتِ، وَفُتِحَتْ لِي السُّدَدُ، لا جَرَمَ أَنِّي لا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي عَلَى جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ، وَلا أَدْهُنُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ. [ت: ٢٤٤٤].
٤٣٠٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ قالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوُل الله ﷺ : "مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالمَدِينَةِ، أَوْ كما بَيْنَ المَدِينة وَعمانَ". [خ: ٦٥٨٠، م: ٢٣٠٣].
٤٣٠٥ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ نَبِيُّ الله ﷺ : "يُرَى فِيهِ أَبارِيقُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ كعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ". [م:٢٣٠٣].
٤٣٠٣ - قوله: "وَلا يُفْتَحُ لهمُ السُّدَدُ": أي الأبواب.
قوله: "حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحيَتُهُ": بالخاء والضاد المعجمتين وتشديد اللام، يقال: خَضِلَ واخضَلَّ، إذا نَدِيَ، و"لحيته" بالرفع على أنه الفاعل.
فإذا أردت أن تعدِّيه قلت: أخضلْتُه أنا.
٤٣٠٤ - قوله: "أَوْ كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وَعُمانَ": هو بضم العين، كذا في أصلنا؛ يعني وبتخفيف الميم، وقد تقدّم الكلام عليها فيما تقدَّم فراجعه.
стр. 2490
٤٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ أَتَى المَقْبَرَةَ فَسَلَّمَ عَلَى المَقْبَرَةِ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنا قَدْ رَأَينَا إِخْوَانَنَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟
٤٣٠٦ - قوله: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله" الحديث: قيل: معناه إذ شاء الله؛ لأنه ﵇ على يقين من وفاته.
والصواب أنه على وجهه من الاستثناء والشرط، ثم يختلف في معناه؛ لأن الاستثناء لا يكون في الواجب، وقيل: معناه لاحقون بكم في هذِه المقبرة.
وقيل: المراد امتثال قول الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فالتزم ﵇ تأديب ربه إياه حتى في الواجب.
وقيل: هذا على التبري والتفويض وإن كان في واجب، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧].
وقيل: الاستثناء في الموافاة على الإيمان، والمراد من معه من المؤمنين.
وقيل غير ذلك، ومن جملة ما ذكره في ذلك الخطابي: إن هذا من عادة المتكلم يُحسِّنُ به كلامه (١).