← Адаб

Адаб · id 5416

المنازل والديار

أسامة بن منقذ

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المنازل والديار أسامة بن منقذ تحقيق مصطفى حجازي بسم الله الرحمن الرحيم قال أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني - غفر الله له، ولجميع أمة محمد ﷺ : "الحمد لله وإن تنقلت بنا الدنيا تنقل الظلال، وتقلب بنا الدهر من حال إلى حال، وعفت رسوم آثارنا، واستولت يد الاعتداء على ديارنا، وتصدع شملنا أيدي سبا، وتشعبت بنا سبل المذاهب، وأخنت الحوادث على معشري وآلي، وأفنى الموت أسودي وأشبالي، كل ذلك بقدر جرى به القلم في القدم، وقضاء سبقت به المشيئة قبل الخروج إلى الوجود من العدم، ألقى ما سر من ذلك وساء بالتسليم والرضا، وافوض إليه جل وعلا فيما قدر وقضى، واقر بأن ابتلاءه بعدله، ومعافاته بفضله، وأرجو من رحمته أن يكون ذلك كفارة لذنوب سلفت، وموعظة دعت عن المعاصي وصرفت، وأن ما نالنا من الدنيا وآفاتها، بذنوب اقترفناها فرحمنا بتعجيل مكافاتها، وصلى الله على رسوله الأمين، محمد خاتم النبيين، الذي وصفه في كتابه الكريم، فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه البررة المتقين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. وبعد: - جعلك الله بنجوة من النوائب، وأصفى لك الحياة من كدر الشوائب، ولا راعك بحادثة تنسى ما قبلها، وتصغر ما بعدها، وتفتح من النكبات أبواباً لا تستطيع سدها - فإني دعاني إلى جمع هذا الكتاب، ما نال بلادي وأوطاني من الخراب؛ فإن الزمان جر عليها ذيله، وصرف إلى تعفيتها حوله حيله، فأصبحت "كأن لم تعن بالأمس" موحشة العرصات بعد الأنس، قد دثر عمرانها، وهلك سكانها، فعادت مغانيها رسوماً، والمسرات بها حسرات وهموماً، ولقد وقفت عليها بعدما أصابها من الزلازل ما أصابها، وهي "أول أرض مس جلدي ترابها"، فما عرفت داري، ولا دور والدي وإخوتي، ولا دور أعمامي وبني عمي وأسرتي، فبهت متحيراً مستعيداً بالله من عظيم بلائه، وانتزاع ما خوله من نعمائه. ثم انصرفت فلا أبثك حيبتي ... رعش القيام أمس ميس الأصور وقد عظمت الرزية حتى غاضت بوادر الدموع، وتتابعت الزفرات حتى أقامت حنايا الضلوع، وما اقتصرت حوادث الزمان على خراب الديار دون هلاك السكان، بل كان هلاكهم أجمع، كارتداد الطرف أو أسرع، ثم استمرت النكبات تترى، من ذلك الحين وهلم جرا، فاسترحت إلى جمع هذا الكتاب، وجعلته بكاء للديار والأحباب، وذلك لا يفيد ولا يجدي، ولكنه مبلغ جهدي، وإلى الله أشكو ما لقيت من زماني وانفرادي من أهلي وإخواني، واغترابي عن بلادي وأوطاني: لو كانت الأحلام ناجتني بما ... ألقاه يقظان لأصماني الردى وإليه أرغب في أن يمن علي وعليهم بغفرانه، ويعوضنا برحمته في دار رضوانه، إنه لا يرد دعاء من دعاه، ولا يخيب رجاء من رجاه. وقد جعلت هذا الكتاب فصولاً؛ فافتتحت كل فصل بما يوافق حالي، ثم أفضت فيما يوافق ذا القلب الخالي، ليلا يأتي الكتاب وهو كله عويل ونياحة، ليس فيه لسوى ذي البث راحة، على أن رزايا الدنيا كالأجل؛ تمهل ولا تمهل، فإن تولت اليوم فغداً تقبل: فما أحد من ريبهن سليم وتتبع هذا المعنى صعب وحصره لا يمكن، وقد أوردت منه ما يبرد اللوعة، ويسكن الروعة، والعذر إلى من وقف عليه مبذول، وهو عند الكرام مقبول. فصول الكتاب ١- فصل في ذكر المنازل ٢- فصل في ذكر الديار ٣- فصل في ذكر المغاني ٤- فصل في ذكر الأطلال ٥- فصل في ذكر الربع ٦- فصل في ذكر الدمن ٧- فصل في ذكر الرسم ٨- فصل في ذكر الآثار ٩- فصل في ذكر المساكن والمحل والمعاهد والأعلام والمعالم والعرصات ١٠- فصل في ذكر الأرض ١١- فصل في ذكر الأوطان ١٢- فصل في ذكر المدن ١٣- فصل في ذكر البلاد ١٤- فصل في ذكر الدار ١٥- فصل في ذكر البيت ١٦- فصل في ذكر بكاء الأهل والإخوان ١- فصل في ذكر المنازل عن ابن أبي مريم قال: مررت بسويقة عبد الوهاب وقد خربت، وعلى حائط. منها مكتوب: هذي منازل أقوام عهدتهم ... في خفض عيش وعز ماله خطر صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور، فلا عين ولا أثر وقال الأسود بن يعفر:

стр. 2

ماذا أرجى بعد آل محرق ... درست منازلهم، وبعد إياد أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلى ونفاد ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد وقال بشر بن أبي خازم: أي المنازل بعد الحول تعترف ... أم هل صباك وقد حكمت منصرف؟! أم ما بكاؤك في دار عهدت بها ... عهداً، فأخلف، أم في أيها تقف؟! كأنها بعد عهد العاهدين بها ... من الذنوب وخرمى واحف صحف (الذنوب، وخر ما واحف) : مواضع أضحت خلاء قفاراً لا أنيس بها ... إلا الجوازي والظلمان تختلف فأصبحوا بعد نعماهم بمبأسة ... والدهر يخدع أحياناً فينصرف قوله: يخدع، أي يخالف ما تريد، يقال للرجل إذا وعد ثم أخلف: خدع، وإذا أطلع الضب رأسه ثم أدخله يقال: خدع الضب، وخدع الريق، إذا تغير وفسد، وخدعت السوق؛ إذا كسدت، وقوله: "فينصرف" أي ينقلب ويحول. تبكي لهم أعين من شجو غيرهم ... وإن بكى لهم باك فقد لهفوا (لهفوا) : أي الحق ذلك وقال ابن أبي طاهر: يا منزلاً لعب الزمان بأهله ... طوراً يفرقهم، وطوراً يجمع أين الذين عهدتهم بك مرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع أصبحت تفزع من رآك، وطالما ... كنا إليك من الحوادث نفزع أيام لا أغشى لأهلك مربعاً ... إلا وفيه للمسرة مربع لهفي عليك، لو أن لهفاً ينفع ... أو أن دهراً راحم من يجزع ما كان ذاك العيش إلا خلسة ... خطفاً كرجع الطرف أو هو أسرع وقلت: يا ليت أن ديارنا كانت كذا ... طوراً تفرقنا وطوراً تجمع لكنها درست وأوحشها الردى ... من أهلها فهي القفار البلقع لا يرتجى لهم إياب جامع ... لشتاتهم حتى يضم المجمع وقال عبد الله بن الزبعري في العاص بن وائل: وأصبحت المنازل وهي قفر ... مخلاة عليهن القتام كأن الناس بعدك نظم سلك ... تقطع لا يقوم له نظام وقال المتنبي أبو الطيب أحمد بن الحسين: أبنى أبينا نحن أهل منازل ... أبداً غراب البين فينا ينعق نبكي على الدنيا وما من معشر ... جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الأُلى ... جمعوا الكنوز فما بقين ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه ... حتى توى فحواه لحد ضيق خرس إذا نودوا، كأن لم يعلموا ... أن الكلام لهم حلال مطلق وقال البحتري: وما أهل المنازل غير ركب ... مناياهم رواح وابتكار لنا في الدهر آمال طوال ... نرجيها، وأعمار قصار وقال أيضاً: يا منزلاً نسجت له أيدي الصبا ... من حوكهن سبائباً وبروداً هل كنت إلا منزلاً عمدت له ... عقب الزمان فغادرته عميداً؟! وقال أيضاً: قفا نعط المنازل من جفون ... لها في الشوق أحشاء غزار عفت آياتهن، وأي ربع ... يكون له على الزمن الخيار؟! وقال أبو تمام، حبيب بن أوس الطائي: يا منزلاً أعطى الحوادث حكمها ... لا مطل في عدة ولا تسويفا أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفساً بعقوتك الرياح ضعيفا شعف الغرام بعقوتيك، وربما ... روت رباك الهائم المشعوفا ولئن نرى بك ملقياً أجرانه ... ضيف الخطوب، لقد أصاب مضيفا وهي الفجائع لم تزل نكباتها ... يألفن ربع المنزل المألوفا خلفت بعقوتك الشؤون وطالما ... كانت بنات الدهر عنك خلوفا أيام لا تسطو بأهلك نكبة=إلا تراجع صرفها مصروفا وقال أيضاً: وأبى المنازل إنها لشجون ... وعلى الصبابة إنها لتبين فاعقل بنضو الدار نضوك نقتسم ... فيها الصبابة: مسعد، ومعين لا تمنعني وقفة أشفى بها ... داء الصبابة إنها ماعون واسق الأثافي من شؤونك ريها ... إن الضنين بدمعه لضنين وقال أبو نواس الحسن بن هانئ: عفا المصلى فأقوت الكثب ... مني فالمربدان فاللبب

стр. 3

فالمسجد الجامع المروءة والمج ... د عفا فالصمان فالرحب منازل قد عمرتها زمناً ... حتى بدا في عذارى الشهب في فتية كالسيوف هزهم ... شرخ شباب وزانهم أدب ثم أراب الزمان فاقتسموا ... أيدي سبا في البلاد فانشعبوا لن يخلف الدهر مثلهم أبداً ... علي، هيهات شأنهم عجب! وقال البحتري: فيء إليك، فقد تخون أسرتي ... حتف الردى وتحامل النكبات تلك المنازل ما تمتع واقفاً ... بزهى الشخوص، ولا وغى الأصوات ولن تخلف الأيام لي بدلاً بهم ... أيهات من بدل بهم أيهات ومعيري بالدهر يعلم في غد ... أن الحصاد وراء كل نبات وقال كاسب بن غياث أحد بني حن: هل منزل دارس يبين ... سؤال من ما له معين؟! أقوى وأودت به الليالي ... وصرف دهر له فنون فما بربعيه من أنيس ... كأن من فيه لم يكونوا صاح بمن حله زمان ... واخترمتهم به المنون فكل عهد لهم محيل ... وكل ربع لهم دفين سوى الذي حل في فؤادي ... من حبهم فهو لا يبين وكل حي إلى افتراق ... تشعبهم نية شطون وقال آخر: دعني وتسكاب دمعي في منازلهم ... فللشؤون ولي من بعدهم شان أحبابنا ما الديار اليوم بعدكم ... تلك الديار ولا الأوطان أوطان! وقال القاضي أبو المجد محمد بن عبد الله بن سليمان ﵀: يا معشر الأحباب قد ... أضحت منازلهم قبورا كنت الصغير فليتني ... لم أدع بعدهم كبيرا عن زنام الزامر قال: لما اشتد بالمعتصم المرض - في مرضه الذي مات فيه - أفاق في بعض الأيام، فقال: هيئوا لي الزلال؛ لأركب فيه في دجلة غداً، فعملوه، فركب وركبت معه، فمر في دجلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام ازمرلي: يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك، لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمخزون أن يسلى قد كان لي فيك هوى مرة ... غيره الدهر وما ملا فما زال ينتحب حتى عاد على منزله. مات المعتصم ﵀ لثماني عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين. وحدثني من أثق به، أنه لما وقع بمصر الغلاء العظيم في أيام المستنصر بالله، واستولت كتامة والجند على الدولة، واستنفدوا ما في الخزائن من الأموال، وتضعضعت الدولة، أمر المستنصر بإحضار ابن الجوهري الواعظ، فحضر، ونصب له كرسي، فلما صعد على الكرسي تلفت يميناً وشمالاً على نواحي القصر، ثم أنشد: يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى الأبيات، فارتفع البكاء والضجيج في القصر، وما زاد على ذلك، يستعاد منه ويكرره حتى انقضى المجلس. وقال آخر: أحب منازل الأحبا ... ب إن غابوا وإن حضروا وأسقيها دموع العي ... ن إن لم يسقها المطر بقدر كرامة الأحبا ... ب يكرم بعدها الأثر ولولا راحة الشكوى=لكان القلب ينفطر وقال آخر: أيا منزلاً بالدير أصبح خالياً ... تلاعب فيه شمال ودبور كأنك لم تسكنك بيض نواعم ... ولم تتبختر في فنائك حور وأبناء أملاك كرام وسادة ... صغيرهم بين الأنام كبير إذا لبسوا أدراعهم فضراغم ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور وقال الحارث بن شداد، أخو بني كعب بن عمرو: إلى الله أشكو ما أرى من عشيرتي ... وما كنت فيما قد مضى استزيدها تذكرنيهم وحدتي، ومنازل ... سواء علينا رثها وجديدها أرى الناس راعوا للديار وللحيا ... وكعب بن عمرو لا يريع شريدها أنشدني الخطيب العالم قدوة الشريعة "أبو زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي - حرمه الله - عند اجتماعي به بميافارقين في سنة سبع وعشرين وخمسمائة لبعض أهل المعرة، وقد اجتاز بقرية من أعمال المعرة يقال لها: "سياث" وفيها علوج من الإفرنج يهدمون من جدرانها الحجارة، ويكسرونها بالمعاول؛ ليخف عليهم حملها، فوقف كالمتأسف، وقال: مررت بربع من سياث فهاجني ... بها زجل الأحجار تحت المعاول تصدى لها عبل الذراع، كأنما ... جنى الدهر فيما بينهم حرب وائل

стр. 4

فقلت له: شلت يمينك خلها ... لمستخبر أو واقف أو مسائل منازل قوم حدثتنا حديثهم ... ولم أر أجلى من حديث المنازل وقال آخر: إذا أنت لم ترع العهود لمنزل ... فلست براع عهد أهل المنازل ولا سيما دار ولدت بربعها ... وكنت بها جذلان في خير آهل وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: هاج ذا القلب منزل ... بالبليين محول غيرت آيه الصبا ... وجنوب وشمأل فلئن بان أهله ... لبما كان يؤهل قد أرانا بغبطة ... فيه نلهو ونجذل وقال جرير بن عطية بن الخطفي: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام ضربت معارفها الروامس بعدنا ... وسجال كل مجلجل سجام ولقد أراك ... وأنت جامعة الهوى يثنى بعهدك خير دار مقام فإذا أتيت على المنازل باللوى ... فاضت دموعي غير ذات نظام وقال أبو حية النميري: ألا حييا قصراً رسوم المنازل ... بسلان سلمانين أو ميث عاقل خلت من أنيس صالحين فأصبحت ... مراداً لوحدان النعاج الخواذل بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... بها، والنوى قطاعة للوسائل وقال أيضاً: أأبكاك رسم المنزل المتقادم ... بأمراش أقوى من حلول الأخارم (أمراش) : موضع: فأمرت به عيناك لما عرفتها ... بمبتدر نظم الفريدين ساجم لعرفانك الربع الذي صدع العصا ... به البين صدعاً ليس بالمتلائم فقد كنت أدرى أن للبين صيحة ... على الحي في يوم لنفسك ضائم وقال الراعي، وهو عبيد بن حصين النميري - وكان قومه ارتحلوا، فصار بعضهم إلى العراق، وبعضهم إلى الشام: تذكرت فاستبكاك رسم المنازل ... بقارة أقوى أو بسوقة حائل خلت من جميع ساكن وتبدلت ... ظباء السليل بعد خال وجامل ذكرت بها من لن أبالي بعده ... تفرق حي في النوى متزايل وإن امرأ بالسيف أكبر همه ... وبطنان ليس الشوق عنه بغافل وقال جرير بن عطية: شعفت بعهد ذكرته المنازل ... وكيف تناسى الحلم والشيب شامل لعمرك لا أنسى ليالي منعج ... ولا عاقلاً، إذ منزل الحي عاقل فيا حبذا أيام يحتل أهلها ... بذات الغضا والحي في الدار آهل وإذ نحن أُلافٌ لدى كل منزل ... ولم تتفرق للطيات الحمائل وقال أيضاً: حي المنازل إذ لا نبتغي بدلاً ... بالدار داراً، وبالجيران جيرانا نهدي السلام لأهل الغور من ملح ... هيهات من ملح بالغور مهدانا أحبب إلي بذاك الجزع منزلة ... بالطلح طلحاً وبالأعطان أعطانا روى أن أبا عمرو بن العلاء ﵀ غاب عن البصرة عشرين سنة، ثم عاد فجلس مجلسه في الجامع، ففقد إخوانه وأصحابه الذين كانوا يقعدون إليه، فبكى، وأنشأ يقول: يا منزل الحي الذي ... ن تفرقت بهم المنازل أصبحت بعد عمارة ... قفرا تهب بك الشمائل فلئن رأيتك موحشا ... فبما رأيت وأنت آهل وقال عدي بن الرقاع العاملي: هل أنت منصرف فتنظر ما ترى ... أبقى الحوادث من رسوم المنزل؟! دار بإحدى الرجلتين كأنها ... قد عفيت حججاً، ولما تحلل فسقيت من دار ... وإن لم تسمعي أصواتنا قطر الربيع المسبل قد كان أهلك مرة لك زينة ... فاستبدلوا بدلاً ولم تستبدلي فابكي إذا بكت المنازل أهلها ... معذورة، وظلمت إن لم تفعلي أهلاً كراماً لن يحلك مثلهم ... في ذا الزمان ولا الزمان المقبل وقال أيضاً: لمن المنازل أقفرت بعباء؟ ... لو شيت هيجت الغداة بكائي لولا التجلد، واعترافي أنه ... لا قوم إلا عقرهم لفناء لرثيت أصحابي الذين توجهوا ... ودعوت أخرس لا يجيب دعائي وفراق ذي حسب وروعة فاجع ... داويته بتجمل وعزاء ليرى الرجال الشامتون صلابتي ... وأكف ذاك بعفة وحياء وقال البحتري: منازل أضحت للرياح منازلاً ... تردد فيها بين نؤي ورمدد شجدت صاحبي أطلالها فتهللت ... مدامعه فيها، وما قلت: أسعد

стр. 5

وقلت لعيني في المنازل عبرة ... من الشوق لم تملك بصبر فتردد وقال أيضاً: سألت الغوادي ملحفاً في سؤالها ... وناشدتها في سقى برقة ثهمد منازل ما أبقى البلى من عراصها ... سوى أرسم معفوة الآى همد وقال آخر: تزافر صحبي يوم ذي الأثل زفرة ... تذوب قلوب من لظاها وأضلع منازل لم تسلم عليهن مقلة ... ولا جم بعد البين فيهن مدمع فدمع على رسم الديار مفرق ... وقلب على أهل الديار مروع وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: يا سند الظاعنين من أحد ... حييت من منزل ومن سند ما إن بمثواك غير راكدة ... سفع وهاب كالفرخ ملتبد استبدلت بالظباء والبقر العي ... ن خلاف العقائل الخرد فساخط أنت أم رضيت بما اس ... تبدلت بالحي بعدهم فقد بدلت غير الرضا وشط بهم عن ... ك صروف المنون والأبد وقال الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم -: أعلى العهد منزل بالجناب ... كان فيه متى أردت طلابي؟! المغاني تلك المغاني فهل في ... هن ما قد عهدت من إطرابي؟ ليست الدار بعد أن توحش الد ... ار نوى غير جندل وتراب فإذا لم يعد حنيني على الدا ... ر حبيباً فليس يغني انتحابي وقال الشريف نظام الملك أبو الحسن على الفاطمي، أحد شعراء الدولة بمصر - إذ أنا بها - ويعرف بالأخفش: أحبابنا لم تذق عيناي مذ بعدت ... عني منازلكم غمضاً ولا وسنا ولا وجدت لقلبي من يسر به ... ولم تر العين شيئاً بعدكم حسنا وقال البكاء - واسمه أرطاة بن كعب (جاهلي) : لمن المنازل قد عفون سنينا ... أقفرن بعد تحدد وبلينا بقنان ودعة والبقيل تغيرت ... بعدي تحن بها الرياح حنينا وبدارة السلم التي شوقتها ... دمن يظل حمامها يبكينا ما كنت أول من تفرق شمله ... ورأى الغداة من الفراق يقينا وقال الرماح بن ميادة، وميادة أمه سندية، وأبوه الأبرد بن ثوبان بن سراقة بن سلمى، ابن ظالم: منازل أما أهلها فتحملوا ... فساروا، وأما خيمها فمقيم كأني بها لما عرفت رسومها ... ثقيل لدى أيدي الرقاة سليم ولم تر عيني مربعاً مثل مربع ... بذي العش لو أن النعيم يدوم وقال عباس بن كبير بن جابر بن عمرو بن غيظ بن السبد: سقى الصفرات العفر حول تبالة ... إلى رحب بالوشم غيث مطبق منازل من حيي ذؤيب بن مازن ... وغيظ وكعب قبل أن يتفرقوا عصائب في بر البلاد وبحرها ... فمنهم شآم غائر ومشرق ديار من الحي الذين رماحهم ... معاقل في الهيجا وبالوتر تسبق عظام مقاريهم جماع فدورهم ... يد الدهر تنتاب النهار وتطرق بهم تتقى الحرب العوان وفيهم ... حفاظ على جل الأمور ومصدق عن سنان بن يزيد الديلمي قال: كنت مع مولاي جرير بن سهم التيمي، وهو يسير أمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - إلى الشام، فلم انتهى إلى مدائن كسرى، وقف مولاي ينظر، ثم تمثل: جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد الأبيات التي تقدمت للأسود بن يعفر، فقال له علي - رضوان الله عليه -: أي شيء قلت؟ فأنشده الشعر، فقال: هلا قلت: "كم تركوا من جنات وعيون" ثم قال: يا ابن أخي إن هؤلاء كفروا النعم، فحلت بهم النقم، فإياكم وكفر النعم، فتحل بكم النقم. وقال الشريف البياضي: مالي أعلل نفسي بالوقوف على ... منازل أقفرت منكم وأطلال؟! وأبتغي البرء منها وهي بالية ... هيهات! كيف يداوي بالياً بال؟! وقال آخر: يذكرني لمع البروق منازلي ... بنجدٍ وأهليها، فأضنى بها وجدا وهذي النوى حكم من الله نازل ... وما كنت ممن يستطيع له ردا وقال الأقرع بن معاذ: حي المنازل بين حمة فاللوى ... إن كنت مشتغلاً بهن عميدا يا برق حمة ما فعلت على البلى ... لا زلت يصحبك الغمام سديدا فلئن بكيت لأبكين صبابة ... ولئن صبرت لأصبرن جليدا

стр. 6

وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: ما هاج من منزل بذي العلم ... بين لوى المنجنون فالسلم لم تبق منه الرياح معلمة ... إلا بقايا الثمام والحمم وقفت بالدار ما أبينها ... إلا إدكاراً، توهم الحلم بادت وأقوت من الإنيس كما ... أقوت محاريب دارس الأمم واستبدل الحي بعدها إضماً ... هيهات غمر الفرات من إضم قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك! قالت: إن فقدي إياه أمنى كل فقد سواه، وإن مصيبته هونت على المصائب من بعده، ثم قالت: من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر كنت السواد لناظري ... فعليك يبكي الناظر ليت المنازل والديار ... حضائر ومقابر كان الرقاشي يجتمع إليه جماعة من أصحابه وإخوانه يتحدثون ويتذاكرون، فغاب في بعض أحواله، ثم رجع بعد مدة، فوجد بعضهم قد مات، وبعضهم قد غاب، فوقف على مجلسهم وبكى، وقال: لولا التطير قلت غيركم ... ريب الزمان فخنتم عهدي درست منازل كنت آلفها ... من بعدكم، وتغيرت بعدي وقال أبو العلاء (أحمد بن عبد الله) بن سليما المعري: أعفى المنازل قبر يستراح به ... وأفضل اللبس فيما أعلم الكفن؟ إن الذين على وجه الثرى وطئوا ... يشابهون أناساً في الثرى دفنوا وقال آخر: دعني وتسكاب دمعي في منازلهم ... فللشؤون ولي من بعدهم شان أحبابنا ما الديار اليوم بعدكم ... تلك الديار، ولا الأوطان أوطان وقال آخر: أبكى إلى الشوق أن كانت منازلكم ... بجانب الغرب خوف القيل والقال أقول: بالخد خال حين أذكره ... خوف الرقيب، وما بالخد من خال وقال مهيار: يا منزلاً لعبت به أيدي البلى ... لعب الشكوك، وقد بدا بتيقن إما تناشدني العهود فإنها ... خيست فكانت بين ذخر المقتنى نفض الصبي أوراقه، وأعادني=خوط اليراعة، كيف تغمز تنحني إني لأعلم قبل فضى ختمه=ما في كتاب بالمشيب معنون وقال آخر: أمزمعة للبيت ليلى ولم تمت ... كأنك عما قد أظلك غافل؟! ستعمل إن شطت بهم غربة النوى ... وزالوا بليلي أن لبك زائل وأنك مسلوب التصبر والأسى ... إذا بعدت ممن تحب المنازل وقال آخر: تطوى المنازل عن حبيبك دائباً ... وتظل تبكيه بدمع ساجم ألا أقمت ولو على جمر الغضا ... قلبت، أوحد الحسام الصارم؟! كذبتك نفسك لست من أهل الهوى=تشكو الفراق وأنت عين الظالم؟ قلت: لي على من تقدم ذكره من الشعراء فضل المزية؛ إذ كنت دونهم صاحب الرزية فكان شعري أولى أني قدم على أشعارهم، وإن قصرت بي البلاغة عن اقتفاء آثارهم، لكن للمتقدم السبق، وهو بالتقدمة أولى وأحق، وإن كنت وهم كما قال ذر لأبيه: يا أبه. مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ قال: يا بني. ليست النائحة المستأجرة كالثكلى. وأنا ذاكر شيئاً من شعر أخي ﵀ وشعري مما يدخل في هذا الفصل: قال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵁: يا منزلاً لعب البلى برسومه ... شعفاً ببهجته فليس يريم لا تبعدن وجاد ربعك وابل ... يروى ثراك أتيه ويسيم فاسق الربوع من الدموع سجالها ... إن الرسوم لها عليك رسوم وقال أيضاً: سل المنازل عمن كان يسكنها ... من الأحبة والإخوان ما صنعوا؟ تخبرك وعظاً بلا لفظ فقد نظرت ... آمالهم والمنايا كيف تصطرع وهكذا بعد نفخ الصور خاوية ... تضحى المنازل أعلاهن متضع بنى أبي إن عدا دهر ففرقنا ... فهم نفسي بكم ما عشت مجتمع نزحتم أدمعي حتى لقد محلت ... جفون عيني، ومات اليأس والطمع وإن دهراً رمى عن جيده درراً ... أمثالكم لزمان عاطل ضرع وقال أيضاً: يا منزلاً أضحى كجسمي بالياً ... حزن القلوب، وحسرة للناظر لي كل يوم في ربوعك زفرة ... يرمى لظاها بالشرار الطائر غربت شموسك والذين عهدتهم ... بك في ملمات الزمان الغابر فعليهم مني سلام نشره ... متضوع كثنائهم في الحاضر

стр. 7

قلت: كان ﵀ تأخر عنا، وخرجت أنا وأخواي إلى دمشق، ثم إلى مصر، فكان يتأسف لبعدنا عنه، وخلو منازلنا منا. وهذا شيء من شعري في هذا المعنى، بعد ما أصابنا من الزلازل ما أصابنا، قلت: إلى الله أشكو روعتي لمنازل ... خلت، وجوى قلبي لأهل المنازل سيوفي إذا ما نازلتني ملمة ... حصوني إذا خفت الردى ومعاقلي مضوا سلفاً قبلي فلم أحظ بعدهم ... من العيش والعمر الطويل بطائل وقلت: هذي منازلهم عفت وتفرقوا ... فسل المنازل عنهم ماذا لقوا؟! تخبرك أن الأرض قد وارتهم ... وأبت لهم أن يسمعوا أو ينطقوا وبقيت بعدهم لهم فادح ... وكآبة تضنى، وخطب يطرق أرجو اللحاق بهم، ودون لحاقهم ... باب من الأجل المؤقت مغلق فإذا نهاني عن رجاء لقائهم=يأسى هفا قلب إليهم شيق وقلت: قل للذي فقد الأحبة وانثنى ... يسقى منازلهم دموعاً تسجم: ماذا وقوفك في الديار مسائلاً ... عن أهلها، ومتى يجيب الأبكم؟! سل عنهم صرف الزمان فإنه ... بهم من الدار المحيلة أعلم أفناهم ريب المنون، وهذه ... آثارهم عظة لمن يتوسم هي شيمة الأيام: كف تبتنى ... مذ كانت الدنيا وكف تهدم وإذا رأيت محسدين فقلما ... ترجيهم الأيام حتى يرحموا وترى تقلب هذه الدنيا بنا ... وكأننا فيها سكارى نوم وقلت: يعنفني في الدار صحبي على البكا ... فيا ويح قلبي من خلي وجاهل؟ وقالوا: أتبكي للمنازل؟ قلت: لا ... ولكنما أبكى لأهل المنازل وقلت: حيي ربوعك من ربى ومنازل ... ساري الغمام بكل هام هامل وسقتك يا دار الهوى بعد النوى ... وطفاء تسفح بالهتون الهاطل حتى تروض كل ماح ما حل ... عاف، وتروى كل ذاو ذابل أبكيك، أم أبكى زماني فيك، أم ... أهليك، أم شرخ الشباب الزائل ما قدر دمعي إن تقسمه الجوى ... والوجد بين أحبة ومنازل؟ أنفقته سرفاً وهأنا ماثلٌ ... في ماحلٍ أبكى بجفن ما حل وإذا فرغت إلى العزاء دعوت من ... لا يستجيب، ورمت نصرة خاذل وقلت: أنظر منازل آل منقذ إنها ... عظمة اللبيب، وعبرة للناظر كانوا بها في نعمة محروسة ... بمكارم وذوابلٍ وبواتر ما رامها ملك ولا ذو قدرة ... إلا انثنى عنها بقلب طائر متلهفاً ما اسطاعها، ومن الذي ... يلج العرين على الهزبر الخادر؟! فأصابها قدر فأهلك من بها ... وأعاد شامخها كرسم داثر فإذا ذكرتهم عرتني حسرة ... تمرى سحائب دمعي المتبادر وقلت: يا منزلاً كان فيه العز مقترنا ... بالسيف، والمال مقروناً إلى الكرم من خاف جوراً وعدماً ثم لاذ به ... لاقى الأمانين من جور ومن عدم أفنت حماتك أحداث الزمان، فيا ... لله من فتكها بالأسد في الأجم! أعيت مناواتهم غلب الملوك إلى ... أن جاءهم قدر قد خط بالقلم "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم" ... كأن ما خولوه كان في الحلم ولم تدع منهم إلا حديثهم ... كما تحدث عن عاد وعن إرم فيا لقلبي لأحزان أكاتمها ... عليهم، ولدمع غير مكتتم! وقلت: غاضت دموعي في المنازل وارعوى ... صبري، وراجعني الرقاد النافر إن لم أسح بها سحائب أدمع ... ينجاب خشيتها الغمام الباكر أأحمل الأطلال منة عارض ... وسحاب دمعي مستهل ماطر؟! إني إذن بشؤون عيني باخل ... وبعهد من سكن المنازل غادر وقلت: إن لم تطيقا يوم رامه ... أن تسعدا، فذرا الملامه عنفتماني أن وقف ... ت بمنزل أقضى ذمامه وشكوتما ... من وقفة فيه الكلالة والسآمه هو منزل الأحباب لم ... يدع البلى إلا رمامه وعلى حق أن تصافح سحب أجفاني رغامه وأبيكما لأروي ... ن ولو بسح دم أوامه فإلام لومكما؟ أفي ... رعي العهود على آمه؟! وقلت: هذي منازلهم وأن ... ت بهم معنى مغرم فاسفح دموعك في ثرا ... ها أو يمازجها الدم

стр. 8

واسأل بهم صرف الزما ... ن فإنه هو أعلم يخبرك أن القوم قد ... قدموا على ما قدموا وغدا نخيم حيث حل ... لوا في القبور وخيموا وقال مهيار: أنظر معي، فهي نظرة أمم ... أعلم السفح ذلك العلم؟! أنت بريء مما تشبهه الع ... ين، وطرفي بالدمع متهم يطربني اليوم للمنازل ما أس ... أر عندي أيامها القدم ويطبيني ... على فصاحة شك واي إليها ربوعها العجم على يا دار جهد عيني وما ... على عار أن تبخل الديم لك الرضا من جمام أدمعها ... أو دمها إن سقى ثراك دم وقال أيضاً: لها منزل بالغور بين مفدن ... مشيد ومنشور البساط مروض حبست به أبغي الحياة لقاتلي ... غراماً، وأدعو بالشفاء لممرضي رأت شيبة ما صرحت لعوارضي ... فصرح بالهجران كل معرض وقالت: أشيخ؟ قلت: كهل، فأطرقت ... وقالت: أمام الشيب إنذار منبض نبا عنك بعد الشيب قلبي وناظري ... ومن أين يصفو أسودان لأبيض؟! فصل آخر في ذكر المنال السابق إلى بكاء المنازل امرؤ القيس بن حجر - واسمه حندج، والحندجة: القطعة الصغيرة من الرمل - بقوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح، فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجته من جنوب وشمأل وقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل وإن شفائي عبرة لو سفحتها ... فهل عند رسم دارس من معول؟ وقال النابغة الذبياني - وهو زياد بن معاوية -: دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابي المرء والشيب شامل وقفت بربع الدار قد غير البلى ... معالمها، والساريات الهواطل أسائل عن سعدي، وقد مر دونها ... على حجرات الدار سبع كوامل وقال جرير بن عطية: قل للمنازل من أثيلة تنطق ... بالجزع جزع القرن لما تخلق حييت من طلل تقادم عهده ... وسقيت من صوب الغمام المغدق وقال أرطأة بن سهية - وسهية أمه، وأبوه زفر بن عبد الله بن مالك بن شداد -: ومن عجب الأيام أن كل منزل ... لو جرة من أكناف رمان دارس طلاب بعيد، واختلاف من النوى ... إذا ما أتى من دون وجرة فارس وقد طال ما عشنا جميعاً وودنا ... جميع إلى من يبتغي الأنس آنس وقال أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع: لعل الهوى إن أنت حييت منزلاً ... بأكياب مرتد عليك عقابله (أكياب) : موضع. فلما سألت الربع أين تيممت ... نوى الحي لم ينطق، وضلل سائله وكنت إذ خبرت أن مكلفاً ... بكى أو تعناه عداد يماطله من الحب، عنفت المحب، فقد بكى ... فؤادي حتى أسلمته عواذله كأن فؤادي طائر في حبالةٍ=رأى غيه لما اعتقته حبائله يا برق طالع منزلاً بالأبرق ... واحد السحاب له حداء الأينق دمن لوت عزم الفؤاد ومزقت ... فيها دموع العين كل ممزق وقال المتنبي: لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت، وهن منك أواهل يعلمن ذاك، وما علمت، وإنما أولاكما ببكاً عليه العاقل وأنا الذي جلب المنية طرفه=فمن المطالب، والقتيل القائل؟! تخلو الديار من الظباء؛ وعنده=من كل تابعة خيال خاذل وقال البحتري: سقم دون أعين ذات سقم ... وعذاب دون الثنايا العذاب وكمثل الأحباب، لو يعلم العاذل، عندي منازل الأحباب وقال ابن زريق الكاتب: بالله يا منزل اللهو الذي درست ... آياته، وعفت مذ بنت أربعه هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعه؟! في ذمة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على مرباك ممرعه من عنده لي عهد لم يضعه كما ... عندي له عهد صدق لا أضيعه ومن يصدع قلبي ذكره، وإذا ... جرى على قلبه ذكرى يصدعه استودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ودعته وبودي أن يودعني ... روح الحياة، وأني لا أودعه كم قد تشفع في ألا أفارقه ... وللضرورة حال لا تشفعه

стр. 9

وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه لا أكذب الله: ثوب الصبر منخرق ... عني لفرقته لكن أرقعه وقال آخر: تطوى المنازل عن حبيبك دائباً ... وتظل تبكيه بدمع ساجم ألا أقمت ولو على جمر الغضا ... قلبت، أو حد الحسام الصارم كذبتك نفسك، لست من أهل الهوى ... تشكو الفراق وأنت عين الظالم وقالت امرأة من كلب: سقى الله المنازل بين شرج ... وبين نواظر ديماً رهاما فلو أنا نطاع إذا أمرنا ... أطلنا في ديارهم المقاما فإني لا أنى ما عشت أهدى ... لها ولمن يحل بها السلاما وما يغني السلام إذا نزلنا ... لوى لامٍ، ألام الله لاما وقال إسماعيل بن يسار مولى قريش: ما على رسم منزل بالجناب ... لو أبان الغداة رجع الجواب غيرته الصبا، وكل ملثٍ ... دائم الودق مكفهر السحاب دار هند، وهل زمان بهند ... عائد بالهوى وصفو الجناب؟! صاح أبصرت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما مرى في الحلاب؟ أقصرت شرتي، وولى شبابي ... واستراحت عواذلي من عتابي وقال جميل بن معمر العذري: إن المنازل هيجت إطرابي ... واستعجمت آياتها بجوابي قفراً تلوح بذي اللحين كأنها ... أنضاء وشم، أو سطور كتاب لما وقفت بها القلوص تبادرت ... مني الدموع لفرقة الأحباب وذكرت عصراً يا بثينة شفني ... إذ فاتني، وذكرت شرخ شبابي وقال الشريف الرضي ﵀: أيا منازل سلمى أين سلماك ... من أجلها إذ أتيناها أتيناك زرناك شوقاً، ولو أن النوى بسطت ... عرض الفلاة لنا جمرا لزرناك وقال أبو الصفي رفاعة بن عاصم الثقفي: أمنزلتي ثبجاء من بطن واسط ... إلى ذي الأراطي، كيف حالكما بعدي؟ تتابع أنواء الربيع عليكما=أمالكما بالمالكية من عهد؟ وقال آخر: سقى الله باب الكرخ من متنزه ... إلى قصر وضاح، فبركة زلزل منازل لو أن امرأ القيس حلها ... لأقصر عن ذكرى حبيب ومنزل وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: كأن لم تكن سعدى بأحياء غيقة ... ولم ترى من ليلى بهن منازل ولم تتربع بالسرير ولم تكن ... به الصيف خيمات العذيب الظلائل أبى الصبر عن سُعدى هوىً ذو علاقة ... ووجد بسُعدى شارك القلب قاتل وقال جرير بن عطية: خليلي هيجا عبرة أو قفا بنا ... على منزل بين البقيعة والحبل فإني لباقي الدمع أن كنت باكياً ... على كل دار حلها مرة أهلي لعمرك لولا اليأس ما انقطع الهوى ... ولولا الهوى ما حن من واله قبلي تريدين أن أرضى، وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضى الاخلاء بالبخل وقال أيضاً: حي المنازل بالبردين قد بليت ... للحي لم يبق منها غير أبلاد (أبلاد) أي آثار: ما كدت تعرف هذا الربع غيره ... مر السنين كما غيرن أجلادي لقد علمت ... وما أخبرت عن أحد أن الهوى بنقا البشرين معتادي وقال عروة بن الورد: ألم تعرف منازل أم عمرو ... بمنعرج النواصف من أبان؟ وقفت بها، ففاض الدمع مني ... كمنحدر من النظم الجمان ولكن لن يلبث وصل حي ... وجدة وجهه مر الزمان وقال حفص الأموي: يا منزل الحي بالأجراع من لجب ... بادت معارفه في سالف الحقب دار لأسماء إذ كانت تجاورنا ... والحبل، إذ كان منها غير منقضب إذا تذكرت أهل الغمر ساعدني=موار دمع على الخدين منسكب كانوا لنا جيرة حتى تخونهم ... دهر يفرق بين الجيرة الصقب وغربتهم نوى عنا مطوحة ... ومن تغله النوى يشحط ويغترب جاء الفراق ولم نلبس لبغتته ... ثوب العزاء، ولم نذهل عن الطرب فنحن بين شج لم يقض عبرته ... وبين حران باكي العين منتحب وقال جميل بن معمر: أهاجتك المنازل والطلول ... عفون، وخف منهن الحمول نعم، وذكرت دنيا قد تقضت ... وأي نعيم دنيا لا يزول أسائل دار بثنة أين حلت ... كأن الدار تفهم ما أقول وقال الشريف الرضي ﵁:

стр. 10

يقر بعيني أن أرى لك منزلاً ... بنعمان يزكو تربه ويطيب وأرضا بنوار الأقاحي صقيلة ... تردد فيها شمأل وجنوب وأي حبيب غيب النأي شخصه ... وحال زمان دونه وخطوب تطاولت الأعلام بيني وبينه ... وأصبح نائي الدار وهو قريب يقولون: مشغوف الفؤاد مروع ... ومشغوفة تدعو به فيجيب عفافي من دون التقية زاجر ... وصونك من دون الرقيب رقيب وفي القلب داء في يديك دواؤه ... ألا رب داء لا يراه طبيب وقال زهير بن أبي سلمى: كم للمنازل من عام ومن زمن ... لآل أسماء بالقفين فالركن لآل أسماء إذ هام الفؤاد بها ... حيناً، وإذ هي لم تظعن ولم تبن وإذ كلانا إذا حانت مفارقة ... من الديار، طوى كشحاً على حزن فقلت ... والدار أحياناً يشط بها صرف الأمير على من كان ذا شجن لصاحبي وقد زال النهار بنا ... : هل تؤنسان ببطن الجو من ظعن يقطعن أميال أجواز الفلاة، كما ... يغشى النواتي غمار اللج بالسفن وقال النابغة الذبياني: أهاجك من أسماء ربع المنازل ... بروضة نعمى فبرق الأجاول أربت بها الأرواح حتى كأنما ... تهادين أعلى تربها بالمناخل عهدت بها حيا كراما فبدلت ... خناطيل آرام الظباء المطافل وقال زهير: لسلمى بشرقي القنان منازل ... ورسم بصحراء اللبيين ماثل أتى عام حلت صيفه وربيعه ... وعام وعام يتبع العام قابل تحمل عنها أهلها، وخلت لها ... سنون، فمنها مستبين وحائل طربت، وقال القلب: هل دون أهلها ... لمن جاورت إلا ليال قلائل؟ وقال عدي بن الرقاع: أتعرف بالصحراء شرقي شابك ... منازل أعراها الأنيس وملعبا؟! ظللت أرائيها صحابي، وقد أرى ... بها أهلها من بين غر وأشيبا ومحتجبات بالستور، كأنما ... تجن ستور الخز منهن ربربا أخطرة شوق في الفؤاد تعرض ... لتنكأ قلباً مستهاما معذبا وقال ذو الرمة غيلان: خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجي البلابل دعاني، وما داعي الهوى من بلادها ... إذا ما نأت خرقاء عني بغافل وقال أيضاً: ألا حي المنازل بالسلام ... على بخل المنازل بالكلام لمى باللوى درجت عليه ... رياح الصيف عاماً بعد عام ألا يا ليتنا يا مي ندري ... متى نلقاك في عرج اللمام [يريد بعرج اللمام] اختلاف داريهما. وقال أيضاً: أمنزلني مي سلام عليكما ... على النأي، والنائي يود وينصح ولازال من نوء السماك عليكما ... ونوء الثريا وابل متبطح وإن كنتما قد هجتما راجع الهوى ... لذي الشوق حتى ظلت العين تسفح أجل عبرة كادت لعرفان منزل ... لمية لو لم تسهل الماء تذبح إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح فلا القرب يدني من هواها ملالة ... ولا حبها إن تنزح الدار ينزح تصرم أهواء القلوب ولا أرى ... نصيبك من قلبي لغيرك يمنح وبعض الهوى بالهجر يمحى فينمحي ... وحبك عندي يستجد ويربح وقال ذو الرمة أيضاً: ألا أيهذا المنزل الدارس اسلم ... وأسقيت صوب الباكر المتغيم وإن كنت قد هيجت لي دون صحبتي ... رسيس هوى من حب مية مسقم هوى كادت العينان يفرط منهما ... له سنن مثل الجمان المنظم أحب المكان القفر من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم وقال الحارث بن خالد: إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل لو بدلت أعلى منازلها ... سفلاً، وأصبح سفلها يعلو فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإقواء والمحل لعرفت منزلها بما ضمنت ... مني الضلوع لأهلها قبل وقال البحتري: جئنا نحيي من أثيلة منزلاً ... جدداً معالمه بذي الأنصاب أدى إلى العهد من عرفانها ... حتى لكاد يرد رجع جوابي وقال أيضاً:

стр. 11

مستهتر بالظاعنين وفيهم ... صد يسعر لوعة المستهتر يسل المنازل عنهم، وعلى اللوى ... دمن دوارس إن تسل لم تخبر ومن السفاهة أن تظل مكفكفاً=دمعاً على طلل تأبد مقفر وقال أيضاً: لا زال محتفل الغمام الماطر ... يهمي على حجرات أهل الحاجر فلرب نزلة هناك محيلة ... ومحلة قفر ورسم داثر أبهت لساكنها النوى وتكشفت ... عن أهلها سنة الزمان الناظر ولقد تكون بها الأوانس من مهى ... ميل القلوب إلى الصبي وجآذر وقال أبو حية النميري: طربت وهاجتك المنازل من جن ... ألا ربما يعتادك الشوق بالحزن نظت إلى أظعان زينب بالضحى ... فأعولتها لو أن إعوالها يغني فوالله لا أنساك زينب ما دعت ... مطوقة ورقاء شجوا على غصن وقال الأحوص: زبيرية بالعرج منها منازل ... وبالخيف من أدنى منازلها رسم أسأئل عنها كل ركب لقيته ... وما لي بها من بعد مكتنا علم أيا صاحب النخلات من بطن أرثد ... إلى النخل من ودان ما فعلت نعم؟! فإن تك حرب بين قومي وقومها ... فإني لها في كل حادثة سلم وقال البحتري: أكثرت في لوم المحب فأقلل ... وأمرت بالصبر الجميل فأجمل لم يكفه نأي الأحبة باللوى ... حتى ثنيت عليه لوم العذل قسم الصبابة فرقتين: فشوقه ... للظاعنين، ودمعه للمنزل متقسم الأحشاء يندب أربعاً ... متقسمات بالصبا والشمال خطت على تلك المنازل والربى ... منهن أعباء الغمام المثقل وقال أيضاً: منازل لم نذمم عهد معرسنا ... فيها، ولا ذم يوماً عهدها فينا تجرمت عندها أيامنا حججا ... معدودة وخلت فيها ليالينا وقال أيضاً: خذا من بكائي في المنازل أودعا ... وروحاً على لومي بهن أو أربعا فما أنا بالمشتاق إن قلت: أسعدا ... لنندب ربعاً من سعاد ومربعا ولي لوعة تستغرق الهجر والنوى ... جميعاً، ودمع ينفد الحب أجمعا وقال مهيار بن مرزويه الديلمي: وبالغور للناسين عهدي منزل ... حنانيك من شات أقام وصائف أغالط فيه رقبة لا جهالة ... وأسأل عنه وهو باد [ي] المعارف ويعذلني في الدار صحبي كأنني ... على عرصات الدار أول واقف أنشد المبرد، قال: أنشدتني القريظية (من بني قريظ) : سقى الله نجداً من ربيع وصيف ... وماذا ترجى من ربيع سقى نجدا؟ على أنه قد كان للعيش مرة ... وللبيض والفتيان منزلة حمدا وقال آخر: وإن بصحراء الغوير منازلاً ... لأحبابنا، أكرم بها من منازل وفيها الذي هام الفؤاد بحبها ... على أنه لم يحظ منها بطائل وقال أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبارين أبي حصينة السلمي: سل المنزل الغوري أين خرائده ... وأين تولى بدره وفراقده وإن كان ذاك الربع مذ بان أهله ... ليعتاده الوجد الذي أنا واجده ومن لوعة من أهله لو شكوتها ... إليه للانت وهي صم جلامده وقفنا به فاستمطرت كل مقلة ... عهاد البكا آياته ومعاهده وأنبت من سحب الدموع ترابه ... حياً بشر النجاع بالخصب رائده وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: أللشوق لما هيجتك المنازل ... بحيث التقت من بيشتين الغياطل تذكرت فانهلت لعيني عبرة ... يجود بها جار من الدمع هامل ليالي من عيش نعمنا بوجهه ... زماناً، وسُعدى لي خليل مواصل وقال البحتري: ليت المنازل سرن يوم متالعٍ ... إذ لم يكن أنس الخليط مقيما فلربما أروت دموعاً من دم ... فيها، وأظمت لائماً وملوما ولقد منعت الدار إعلان الهوى ... وطويت عنها سرك المكتوما وسلي محيل الربع هل أبثثته ... إلا الوقوف عليه والتسليما؟ سقيت رباك بكل نوء عاجل ... من وبله حقاً لها معلوما وقال البحتري أيضاً: نشدتك الله من برق على إضم ... ألا سقيت جنوب الخبت فالعلم وصبت بينهما حتى تسليهما ... بمستهل من الوسمى منسجم منازل ما تجيب الصب من خرس ... ولا تريع إلى شكواه من صمم

стр. 12

أقام ينشد شملاً غير متفق ... من آل ليلى، وشعباً غير ملتئم وقال ذو الرمة غيلان: أإن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم؟! منازل الحي، إذ لا الدار نازحة ... بالأصفياء، وإذ لا العيش مذموم تعتادني زفرات حين أذكرها ... تكاد تنفد منهن الحيازيم وقال البحتري: أرى بين ملتف الأراك منازلاً ... مواثل لو كانت مهاها مواثلا فقف مسعداً فيهن إن كنت عاذراً ... وسر مبعداً عنهن إن كنت عاذلا لقينا المغاني باللوى، فكأننا ... لقينا الغواني الآنسات عواطلا وقال القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن قادوس - منشئ ديوان الرسائل بمصر - من ابتداء قصيدة: هذي منازل من هويت فيمم ... واربع، وسح بربعها ديم الدم عجنا فمن صب بصب دموعه ... درب، ومن متعمل متعلم وقال آخر: وقفت لليلى بعد عشرين حجة ... بمنزلة فانهلت العين تدمع كأن زماماً في الفؤاد معلقا ... تقود به حيث استمرت وأتبع وقال آخر: ما للمنازل لا يجبن حزبنا ... أصممن أم قدم البلى فبلينا؟! لا، بل بلين فهجن داء ساكناً ... لمتيم، وأثرن منه دفينا روحوا العشية روحة مذكورة ... إن متن متن، وإن حيين حيينا قلت: مرت بي هذه الأبيات في خبر استطرفته فأوردته، وليس مما قصدت له، لكن الأبيات أوجبت إيراده. روى أن المأمون أمر أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة، فجمعوا ، وأبصرهم طفيلي، فقال: ما اجتمعوا هؤلاء إلا لصنيع، فانسل فدخل في وسطهم، ومضى بهم الموكلون، حتى انتهوا إلى زورق قد أعد لهم، فدخلوا في الزورق، فقال الطفيلي: هي نزهة، فدخل معهم الزورق، فلم يكن بأسرع من أن قيد القوم، وقيد معهم الطفيلي، ثم سير بهم إلى بغداد، فلما دخلوا على المأمون جعل يدعوا بأسمائهم رجلاً رجلاً، ويأمر بضرب أعناقهم، حتى وصل إلى الطفيلي وقد استوفى العدة،، فقال للموكلين: ما هذا؟ قالوا: والله ما ندري غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال له المأمون: ما قصتك؟ ومن أنت؟ فقال: يا أمير المؤمنين امرأته طالق إن كان يعرف من أقاويلهم شيئاً، ولا مما يدينون به، وإنما أنا رجل طفيلي، رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعاً يدعون إليه، فضحك المأمون، وقال: يؤدب، وكان إبراهيم بن المهدي قائماً على رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين هب لي أدبه، وأحدثك بحديث عجيب عن نفسي، قال: قل يا إبراهيم، قال: خرجت من عندك يوماً، وطفت في سكك بغداد متطرباً حتى انتهيت إلى موضع، فشممت من أبازير قدر قد فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها وغلى طيب رائحتها، فوقفت على خياط، فقلت: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار البزازين، قلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، ثم رميت بطرفي إلى شباك فيها مطل، فنظرت إلى كف قد خرج على معصم، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكف والمعصم عن رائحة القدر، فبقيت باهتاً ساعة، ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: هو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم، وأحسب أن عنده دعوة، وليس ينادم إلا تجاراً مثله مستورين، [فبينا] أنا كذلك إذ أقبل رجلان جليلان راكبان من رأس الدرب، فقال لي الخياط: هؤلاء منادموه، فقلت: ما اسماهما وكنهما؟ فقال: فلان وفلان، فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان - حرسه الله - وسايرتهما حتى أتيا الباب، فأجلاني، وقدماني، فدخلت ودخلا، فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل، أو قادم قدم عليهما من موضع، فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع، فجيءيا أمير المؤمنين بالمائدة، وعليها خبز نصف، وأتينا بذلك اللون، فكان طعمه أطيب من ريحه، فقلت في نفسي: هذه الألوان قد أكلتها، بقيت الكف، كيف أصل إلى صاحبتها؟ ثم رفع الطعام، وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى مجلس الشراب والمنادمة، فإذا أشكل منزل يا أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلطف بي، ويقبل علي بالحديث، وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه عن معرفة متقدمة، حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية كأنها جان، تتثنى كالخيزران، فأقبلت فسلمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة، فجلست، وأتي بعود، فوضع في حجرها، فجسته فتوهمت في جسها حذقها، ثم اندفعت تغني:

стр. 13

توهمها طرفي فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر يصافحها كفى، فتألم كفها ... فمن مس كفي في أناملها عقر فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي، وطربت لحسن الشعر وحذقها، ثم اندفعت تغني: أشرت إليها: هل عرفت مودتي؟ ... فردت بطرف العين: إني على العهد فحدت عن الإظهار عمد السرها ... وحادت عن الإظهار أيضاً على عمد فصحت: السلاح - يا أمير المؤمنين - وجاءني من الطرب ما لم أملك [معه] نفسي، ثم اندفعت تغني الصوت الثالث: أليس عجيباً أن بيتاً يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم إشارة أفواه، وغمز حواجب ... وتكسير أجفان، وكف تسلم فحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالمعنى الذي قصدته من الشعر، ولم تخرج عن الفن الذي بدأت به، فقلت: بقي عليك يا جارية [شيء] ، فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟! فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم كأنهم قد تغيروا لي، فقلت: أما عندكم عود غير هذا؟ قالوا: بلى، وأتيت بعود، فأصلحت من شأنه، ثم غنيت: ما للمنازل لا يجبن حزبنا.... الأبيات التي تقدمت فما استتممته - يا أمير المؤمنين - حتى قامت الجارية فانكبت على رجلي تقبلهما، وقالت: معذرة إليك يا سيدي، فوالله ما سمعت أحداً يغني هذا الصوت غناك، وقام مولاها وأهل المجلس، ففعلوا كفعلها، وطرب القوم، واستحثوا الشرب، فشربوا بالطاسات والكاسات، ثم اندفعت أغني: أبى الله أن أمسي ولا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكرك الدما إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني، وتبذل علقما فردى مصاب القلب، أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاهل القلب مغرما فطرب القوم يا أمير المؤمنين حتى خرجوا من عقولهم، فأمسكت ساعة حتى تراجعوا، ثم غنيت الصوت الثالث: هذا محبك مطوى على كمده ... عبرى مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن رحمته ... مما به، ويد أخرى على كبده فجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء والله يا سيدي لا ما كنا فيه منذ اليوم، فسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن الشرب، صحيح العقل، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم، وخلوت معه، فلما شربنا أقداحاً، قال: يا سيدي ذهب ما مضى من أيامي ضياعاً، إذ كنت لاأعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلح علي حتى أخبرته، فقام وقبل رأسي، وقال: وأنا عجبت يا سيدي أن يكون هذا الأدب إلا لمثلك، وإني لجالس مع الخلافة ولا أشعر؟ ثم سألني عن قصتي، فأخبرته حتى وصلت إلى صاحبة الكف والمعصم، فقلت: أما الطعام فقد نلت منه حاجتي، وبقي الكف والمعصم، فقال للجارية: قومي، فقولي لفلانة تنزل إلي، فلم يزل ينزل إلى جواريه واحدة واحدة، فأنظر كفها ومعصمها، فأقول: ليست هي، حتى قال: والله ما بقي غير أختي وأمي، وبالله لأنزلنهما إليك، فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك، أبدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون هي، ففعل، فلما رأيت كفها ومعصمها قلت: هي هذه، فأمر غلمانه فساروا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه، فأقبلوا بهم، وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، ثم قال للمشايخ: هذه أختي فلانة، أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي، وأمهرتها عنه عشرين ألف درهم، فرضيت وقبلت النكاح، فدفع إليها بدرة، وفرق الأخرى على المشايخ، وقال لهم: انصرفوا، ثم قال: يا سيدي أمهد لك بعض البيوت فتنام فيه مع أهلك؟ فأحشمني ما رأيت من كرمه فقلت: بل أحضر عمارية فأحملها إلى منزلي، قال: ما شئت، فأحضرت عمارية فحملتها إلى منزلي، فوالله يا أمير المؤمنين لقد اتبعنا من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا، فأولدتها هذا الغلام القائم على رأس أمير المؤمنين، فعجب المأمون من كرم الرجل، وألحقه في خاصته، وأطلق الطفيلي وأجازه. وقال بشر بن أبي خازم: تغيرت المنازل من سليمى ... برامة فالكثيب إلى بطاح [بطاح] : موضع: ديار قد تحل بها سليمى ... هضيم الكشح، جاثلة الوشاح؟ ليالي تستبيك بذي غروب ... يشبه ظلمه خضل الأقاح وقال مهيار: هل عند ظبي المنحنى ... إجابة فيسألا؟

стр. 14

أم أنا معذور إذا ... سألت عنه الطللا بلى عدمت الناز ... لين فبكيت المنزلا عثرت في غدرك بي ... عثرة من لا وألا كان دلالاً فغفر ... ناه، فتم مللا ٢- فصل في ذكر الديار قال الله ﵎: (وإذ أخذنا ميثاقكم، لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ... ) الآية: قال الخليل: كل موضع حله قوم فهو دار، وإن لم يكن فيه أبنية، وسميت داراً لدورها على سكانها، كما سمى الحائط حائطاً؛ لإحاطته على ما يحويه. قال القاضي الماوردي ﵀: إن قيل: هل يسفك أحد دمه، ويخرج نفسه من دياره؟ ففيه قولان: أحدهما معناه: لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يخرجه من دياره. والثاني: أنه القصاص الذي يقتص منهم بمن قتلوه، فصاروا قاتلين لأنفسهم بالقصاص. وقوله تعالى: (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يخرج بعضكم بعضاً. والثاني: لا تسيئوا جوار من جاوركم، فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم. والثالث: لا تفعلوا ما تخرجون به من الجنة التي هي داركم. قوله : (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار) . (أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب) : يعني يهود بني النضير. (من ديارهم) : يعني منازلهم بالحجاز. (لأول الحشر) : أجلاهم رسول الله ﷺ بعد رجوعه من أحد إلى أذرعات الشام، وأعطى كل ثلاثة نفر بعيراً يحملون عليه ما استقل إلا السلاح، وكان النبي ﷺ قد عاهدهم - حين هاجر إلى المدينة - ألا يقاتلوا معه ولا عليه، فكفوا يوم بدر، لظهور المسلمين على المشركين، وأعانوا المشركين يوم أحد حين رأوا ظهورهم على المسلمين، فقتل رئيسهم كعب بن الأشرف، قتله محمد بن مسلمة ﵀ غيلة، وسأذكر قتله بعد الفراغ من تفسير هذه الآية، ثم سار النبي ﷺ فحاصرهم ثلاثاً وعشرين ليلة محارباً، حتى أجلاهم عن ديارهم. وقوله تعالى: (لأول الحشر) : أنهم أول من أجلاه النبي ﷺ من اليهود، وقيل: أول حشرهم أنهم يحشرون بعدها إلى أرض المحشر في القيامة. وروى عن النبي ﷺ أنه قال - لما أجلاهم -: (هذا أول الحشر، وأنا على الأثر) وقيل: أول حشرهم؛ لما ذكره قتادة ﵀: أنهم يأتي عليهم بعد ذلك نار من مشرق الشمس تحشرهم إلى مغربها، تبيت معهم إذا باتوا، وتأمل من تخلف. قتل كعب بن الأشرف كان قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهراً من الهجرة. قال ابن إسحاق ﵀ إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة ﵀ إلى أهل العالية بشيرين، بعثهما رسول الله ﷺ إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله تعالى عليه، وقتل من قتل من المشركين، قال كعب بن الأشرف - وكان رجلاً من طيء، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير - حين بلغه الخبر: أحق هذا؟ أترون محمداً قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ - يعني زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ﵄ فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى أتى مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة السهمي، وعنده عاتكة ابنة أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن [عبد] مناف، فأنزله وأكرمه، فجعل يحرض على رسول الله ﷺ ، وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر، فمن ذلك قوله: طحنت رحى بدر لمهلك أهلها ... ولمثل بدر تستهل الأدمع قتلت سراة الناس حول حياضهم ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع كم قد أصيب به من ابيض ماجد ... ذي بهجة تأوي إليه الضيع طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت ... حمال أثقال يسود ويرفع ويقول أقوام ... أثير بشحطهم إن ابن الأشرف ظل كعب يجزع صدقوا، فليت الأرض ساعة قتلوا ... ظلت تسوخ بأهلها وتصدع

стр. 15

صار الذي أثر الحديث بطعمة ... أو عاش أعمى من عشاً لا يسمع نبئت أن بني المغيرة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا يعني [بأبي الحكيم] : أبا جهل نبئت أن الحارث بن هشامهم ... في الناس يبنى الصالحات ويجمع ليزور يثرب بالجموع، وإنما ... يحمي عن الحسب الكريم الأروع ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبب بأم الفضل بنت الحارث، فقال: أراحل أنت لم تلمم بمنتبه ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم؟ ترتج ما بين كعبيها ومرفقها ... إذا تأنت قياماً ثم لم تقم أشباه أم حكيم إذ تواصلنا ... والحبل منها متين غير منجذم إحدى بني عامر هام الفؤاد بها ... ولو تشاء شفت كعباً من السقم فرع النساء، وفرع القوم والدها ... أهل المحلة والإيفاء بالذمم لم أر شمساً بليل قبلها طلعت ... حتى تجلت لنا في ظلمة الظلم

стр. 16

ثم شبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله ﷺ : "من لي من ابن الأشرف"، فقال محمد بن مسلمة [أخو بني عبد الأشهل]﵀ أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك، فرجع محمد، فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فدعاه، فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله قلت لك قولاً لا أدري أوفي لك به أم لا، قال: إنما عليك الجهد، قال: يا رسول الله إنه لابد أن نقول قال: "قولوا ما بدا لكم؛ فأنتم في حل من ذلك" فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان ابن سلامة بن وقش، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر ﵃، ثم قدموا إلى كعب بن الأشرف - قبل أن يأتوه - أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدا الأشعار، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف، إني قد جئتك بحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عني، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء؛ عادتنا العرب، ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال كعب بن الأشرف: أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول، فقال له أبو نائلة: ومعي رجال من أصحابي عل مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فنبتاع منك طعاماً، فتحسن في ذلك إلينا، ونرهنك ما يكون لك فيه وفاء، فقال كعب: ما كنت أحب يا أبا نائلة أن أرى هذه الخصاصة بك، وإن كنت لمن أكرم الناس علي، أنت أخي نازعتني الثدي، فاصدقني ذات نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتنحي عنه، قال: سررتني يا أبا نائلة، فما ترهنوني؟ أترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، قال: أترهنوني نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم، ولكنا نرهنك من الحلقة ما فيه وفاء - وأراد أبو نائلة ألا ينكر السلاح إذا جاءوا به - قال: إن في الحلقة لوفاء، فخرج أبو نائلة من عنده على ميعاد، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده، ثم أتوا النبي ﷺ عشاء فأخبروه، قال ابن إسحاق: فمشى معهم رسول الله ﷺ إلى البقيع، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم" ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان كعب حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائماً ما أيقظني، قالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، فقال: "لو يدعى الفتى لطعنة أجابا"، فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا له: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة أدخل يده في فودى رأس كعب، ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيباً أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم قال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تغن شيئاً، قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولاً في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئاً، فأخذته - وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار - فوضعته في ثنته، وتحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله فاحتز رأسه، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح في رجله؛ أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة حتى أتانا يتبع آثارنا، فحملناه فجئنا به رسول الله ﷺ [آخر الليل] ، وقال الواقدي: فلما بلغوا "بقيع الغرقد"، وقد قام رسول الله ﷺ وهو واقف على باب المسجد، فقال: "أفلحت الوجوه" قالوا: "ووجهك يا رسول الله" ورموا برأس كعب بين يديه، فحمد الله على قتله، ثم أتوا بصاحبهم الحارث، فتفل على جرحه، فلم يؤذه، قال محمد بن مسلمة: فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس فيها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه، قال الواقدي: ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاءوا إلى النبي صلى

стр. 17

الله عليه وسلم حين أصبحوا، فقالوا: لقد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا، فقتل غيلة بلا جرم، ولا حدث علمناه، فقال النبي ﷺ "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتسل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا، ولن يفعل أحد منكم مثل فعله إلا كان له السيف" ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتبوا بينهم كتاباً ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه ﷺ كتاباً في دار رملة بنت الحدث، وخافت يهود من يوم قتل كعب بن الأشرف. "قلت: اقتضت الآية ذكر قتل كعب بن الأشرف فذكرته، وإن لم يكن مما قصدت له". قوله : (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) ... الآية. يعني تعالى بالمهاجرين: من هاجر عن وطنه من المسلمين إلى رسول الله ﷺ إلى دار الهجرة - وهي المدينة - خوفاً من أذى المشركين، ورغبة في نصرة نبيه ﷺ فهم المقدمون في الإسلام. (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) : يعني فضلاً من عطاء الله تعالى في الدنيا، ورضواناً من ثوابه في الآخرة. وروى علي بن رباح اللخمي، أن عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض، فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه، فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعل له خازناً وقاسماً، فإني باد بأزواج رسول الله ﷺ فمعطيهن، ثم بالمهاجرين الأولين أصحابي، أخرجنا من ديارنا وأموالنا. قال قتادة: لأنهم اختاروا الله ورسوله ﷺ على ما كانت من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر ليقيم صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء دثاراً ماله دثار غيرها. رضوان الله عليهم أجمعين. وقوله : (قال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) في قوله (ديارا) وجهان: أحدهما: يعني أحداً، والآخر: من يسكن الديار. قيل: إن رجلاً من قوم نوح ﵇ مر به، وعلى كتفه ولد له صغير فقال لابنه: احذر هذا فإنه يضلك - يعني نوحاً ﵇ فقال الصبي لأبيه: أنزلني، فأنزله عن كتفه، فرمى نوحاً ﵇ فشجه، فحينئذ غضب نوح ﵇، ودعا عليهم. وقيل: لما أنزل الله عليه: (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) دعا عليهم. عن أبي بريدة عن أبيه ﵀ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا دخلوا المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية. قال الخنوت، وهو توبة بن مضرس: رحلت حرام عن البلاد فلن ترى ... أخرى المنون بها وجوه حرام ولقد نرى بالجزع منهم مجلساً ... ضخماً، ومبرك جامل قمقام أضحت ديار بني أبيك كأنها ... بالبرقتين تخط بالأقلام فاترك بكاءك في الديار فقد قضت ... عيناك نحبهما من التسجام وفي بني حرام يقول رؤبة بن العجاج: أقفرت الوعساء من حرام ... وقد يكونون ذوي أحلام بها، وأحياناً ذوي عرام ... فإن تكن سوايق الأيام ساقتهم للبلد الشآمي فبالسلام ثم بالسلام وقال التهامي: ماتت لفقد الظاعنين ديارهم ... فكأنهم كانوا لها أرواحاً ولقد عهدت بها ... فهل أرينه مغدى لمنتجع العلى ومراحا وقال آخر: أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود بينما هم على النمارق والديبا ... ج أفضت إلى التراب الخدود وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: لمن الديار بأبرق الحنان ... فالبرق فالهضبات من أدمان أفوت منازلهم وغير رسمها ... بعد الأنيس تعاقب الأزمان فإذا غشيت لها ببرقة واسط ... ولواء بينة منزلاً أبكاني وقال أبو نواس - الحسن بن هانئ -: لقد طال في رسم الديار بكائي ... وقد طال تردادي بها وعنائي كأني مريغ في الديار طريدة ... أراها أمامي تارة وورائي

стр. 18

فلما بدا لي اليأس عديت ناقتي ... عن الدار، واستولى على عزائي وقال آخر: ليت الديار التي تبقى فتحزننا ... كانت تبيد إذا ما أهلها بانوا بانوا فأفئدة فيهم معذبة ... لو خلفوها لدناهم كما دانوا ينأون عنا، وما تنأى مودتهم ... فالقلب رهن لديهم أينما كانوا وقال آخر: ولقد مررت على ديارهم ... وطلولها بيد البلى نهب فوقفت حتى عج من لغب ... نضوى، ولج بعذلي الركب وتلفتت عيني، فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب وقال سيدوك الواسطي (وتنسب إلى الرستمي) : مررنا بأكناف العقيق فأعشبت ... أباطح من أجفاننا ومسايل فمن واقف في جفنه الدمع واقف ... ومن سائل في خده الدمع سائل وكادت تناجينا الديار صبابة ... وتبكي كما نبكي عليها المنازل وقال أبو نواس: لمن الديار تسربلت ببلاها ... أنستك رؤيتها، وما تنساها لا تكذبن فما أراك بمنته ... عنها، وإن خبرت أن ستناهي وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري: علام هجرت شرق الأرض حتى ... أتيت الغرب تختبر العبادا فإن تجد الديار كما أراد ال ... غريب، فما الصديق كما أرادا إذا الشعرى اليمانية استقلت ... فجدد للشآمية الودادا فللشام الوفاء، وإن سواه ... توافي منطقاً غدر اعتقادا ظعنت لتستفيد أخاً وفياً ... وضيعت القديم المستفادا وقال ابن الزقاق - من شعراء الأندلس -: حننت إلى الديار، ولي حنين ... إلى الأحباب، ليس إلى الربوع ولو أني أحن إلى مغاني ... أحبائي حننت إلى ضلوعي روى أن المجنون قيس بن الملوح لما اختل عقله كان يخرج، فيأتي الشام، فيقول: أين أرض بني عامر؟ فيقال له: أين أنت من أرض بني عامر؟ عليك بنجم كذا فسر عليه، فينصرف، ويسير حتى يأتي أرض بني عامر، فيقف عند جبل لهم يقال له: "التوباذ" وينشد: وأجهشت للتوباذ لما عرفته ... وكبر للرحمن حين رآني فأذريت دمع العين لما رأيته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني فقلت له: أين الذين عهدتهم ... حواليك في أمن وخفض مكان؟! فقال: مضوا، واستودعوني ديارهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان؟ وقال القاضي المهذب أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير أحد شعراء مصر: لكم خيال في الجفون ممثل ... أبداً، وذكر بالفؤاد موكل وإلى دياركم نحن صبابة ... ونفض أوعية الدموع ونرسل تلك المنازل ما تمر سحابة ... فهمي بها إلا وعين تهمل ما ضرها إذ ينزلون ربوعها ... ألا يرى "فيها لعلوة منزل" وقال السننبسي: وإني كلما زاد التياحي ... إليك وأضرم القلب الخفوق أمر على دياركم وإني ... بمن أمسى بها صب مشوق وأومي بالتحية من بعيد ... كما يومي بإصبعه الغريق وقال أبو تغلب، الحارث بن غنم العدواني: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحوزة أو بالجزع أو بقران؟! وهل أرين تلك الديار التي بها ... نداماي قدماً حيث كنت أراني؟! وقال عدي بن الرقاع العاملي: ليت شعري: هل تخبرني الديار ... بيقين عن أهلها أين ساروا؟ أسفاً هيجت فمالك منها ال ... يوم إلا تفجع وإدكار دار حي تقادم العهد منها ... بعد حضارها، فبارت وباروا صادفوا من غوائل الدهر غولاً ... بعد ما أنجدوا سنيناً وغاروا فكأني من ذكرهم خالطتني ... من فلسطين بنت كرم عقار وقال عبد الله بن قيس الرقيات: هل للديار بأهلها علم؟! ... أم هل يبين فينطق الرسم؟! يا صاح هل أبكاك موقفنا ... أم هل علينا في البكا إثم؟! أم ما بكاؤك منزلاً خلقا ... قفراً يلوح كأنه الوشم؟ وقال النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة: ألا يا ديار الحي بين محجر ... إلى جانب القمري كأنه لم تغير وقفت بها لا أنت قاض لبانة ... ولا اليأس يشفي حاجة المتذكر ألا أيها الباكي على ما يعوله ... تجمل على ما يحدث الدهر واصبر

стр. 19

فإن أنت لم تصبر لما كان جائياً ... فإن كان تنكير لديك فأنكر وقال عكرمة بن ربيعة العبدري: فإن تك عبد الدار خلت مكانها ... وبقيت فرداً في ديارهم وحدي فيا رب يوم لو هتفت أجابني ... مصاليت أبطال سراع إلى المجد وقال لبيد بن ربيعة العامري: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الديار بعدنا والمصانع وقد كنت في أكناف جار مضنة ... ففارقني جار بأربد نافع فلا جزع إن فرق الدهر بيننا ... وكل فتى يوماً به الدهر فاجع ولا أنا يأتيني طريف بفرحة ... ولا أنا مما أحدث الدهر جازع وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلا قع وما المرء إلا كالشهاب، وضوءه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وما البر إلا مضمرات من التقى ... وما المال والأهلون إلا ودائع يقول الفتى: إني سأفعل ذاكم ... وما للفتى علم بما الله صانع وقال زهير بن أبي سلمى: لمن الديار بقنة الحجر ... أقفرن من حجج ومن دهر لعب الرياح بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر وقال عدي بن الرقاع العاملي: منع النوم طارقات الهموم ... بأسى وإدكار خطب قديم من لدن أن أجنني الليل حتى ... فضح الصبح واضحات النجوم من ديار غشيتها ذكرةً ما ... بين صارات ضاحكٍ فالهزيم [الهزيم] : موضع نسجت ظهرها الرياحات حتى ... يرى القاع من جميع الرسوم واختلاف الأيام حتى محاها ... سالف الدهر بعد سكن مقيم جمعتنا بها نوى الحي حولاً ... نتلهى بسرنا المكتوم ولقد حال دون ذلك هم ... مثله فليرع فؤاد الحليم إن قومي تتابعوا بعد ما كا ... نوا، هم القوم، فابك غير ملوم ولقد كان يخفض الجار فيهم ... غير مستشرف ولا مظلوم وقال البحتري: متى تستزد فضلاً من العمر تغترف ... بسجليك من أرى الخطوب وصابها يسر بعمران الديار مضلل ... وعمرانها تدنو بها من خرابها ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها ... فكيف ارتضائيها أوان ذهابها وقال أيضاً: شرخ الشباب أخو الصبي وأليفه ... والشيب تزجية الهوى وخفوفه وأراك تعجب من صبابة مغرم ... أسيان طال على الديار وقوفه صرف المسامع عن ملامة لائم ... لا لومه أجدى ولا تعنيفه فسقى اللوى، لا بل سقى عهد اللوى ... أيام نرتبع اللوى ونصيفه وقال أيضاً: بني تغلب أعزز علي بأن أرى ... دياركم أمست وليس بها أهل خلت بلد من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمي بها الوبل وأزعج أهل المحلبيات ناجز ... من الحرب ما فيه خداع ولا هزل وأقوت من القمقام أعراص مارد ... فما ضمنت تلك الأعقة والرمل أفي كل يوم فرقة من جميعكم ... تبيد، ودار من مجامعكم تخلو؟! وقال مهيار: يا ديار الحي من خبت اللوى ... عدت ظناً بعد ما كنت حقيقه أخذ الدهر قشيباً رائقاً ... من مغانيك، وأعطاك سحوقه خلت ... لما لم أطق حمل النوى أن تلك الدمن الصم مطيقه لم أكن أعلم ... حتى نحلت كنحولي أنها مثلي مشوقه أين جيراني بها؟ لهفي لهم ... لهفة سكرتها غير مفيقه وقال الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبرايهم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: أي دمع جرى ونحن بنجرا ... ن لنا، والديار ثم رسوم دمن لو رنت إليهن عينا ... ك، قبيل الفراق قلت: نجوم ومغان من النحول كأروا (م) ... ح، ولكن ليست لهن جسوم ما سررنا إلا بهن وفيه ... (م) ن قفاراً سيقت إلينا الهموم وقال أيضاً: قد مررنا على الديار تبدأ (م) ... ن دثوراً، بجدة، وخمولا نكرتها العيون منا فما تع ... رف إلا رسومها والطلولا

стр. 20

قال أبو عبد الله الطبري: قال رجل لأبي محمد الحريري ﵀: كنت على بساط الأنس، وفتح لي طريق إلى الانبساط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني إلى الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد، وقال: يا أخي. الكل في قهر هذه الخطة، وفي أسر هذه الرزية، ثم شهق، وسكت ساعة، ثم أنشد: قف بالديار فهذه آثارهم ... نبك الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بها أسائل مخبراً ... عن أهلها أو صادراً أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى فعز الملتقى قيل: لما تغير المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، كان يتمثل قبل الإيقاع به بقول أبي العتاهية: سل ديار الحي من غيرها ... وعفاها ومحا منظرها وهي الدنيا إذا ما أدبرت ... جعلت معروفها منكرها إنما الدنيا كظل زائل ... أحمد الله، كذا قدرها وقال أبو كبير - واسمه عتبة بن قادم أحد بني حرام -: يا صاح قف بديار الحي مقفرة ... من الأحبة واحبس أينقاً قوداً سقى الإله ... وإن بانوا، وقل لهم مبنى الخيام، وتلك الأجبل السودا منازلاً كنت أهوى أن أكون بها ... كما مضى، ليت كان العيش مردودا وقال محمد بن عبد الأزدي، ثم السلاماني: أرسم ديار بالستارين تعرف ... عفتها شمال ذات نيرين حرجف فلم تدع الأرواح والماء والبلى ... من الدار إلا ما يشوق ويشعف وقفت بها والدمع يذري حبابه ... على الصدر حتى كادت الشمس تكسف [تكسف] : يريد تغرب رسوماً كآيات الكتاب مبينة ... بها للحزين الصب مبكى وموقف كأنك لم تعهد بها الحي جيرة ... جميع الهوى، من حيرة ما تصرف إذ الناس ناس، والبلاد بغرة ... وأنت بها صب القرينة مؤلف وقال آخر: كفى حزناً أني مقيم ببلدة ... أخلاي عنها نازح وبعيد أقلب طرفي في الديار فلا أرى ... وجوه أحبائي الذين أريد وقال ثوب الغطفاني: أبت ألا تكلمك الديار ... وغير رسمها بعدي القطار فلو نطقت شفت مني سقاماً ... ولكن السكات لها شعار فهل شعب يداني بعد شعب ... وهل لليان عيشتنا انكرار عسى هذا العسار من الليالي ... يكون وراءهن لنا يسار فكل نعيم عيش يا ابن ثوب ... له لا بد جمع وانتشار وقال البحتري: يا ربوع الديار إني على ما ... قد أراه منكن غير جليد أخلق الدهر عهدكن وللده ... ر صروف يبلين كل جديد فرقت شملنا النوى بعد ما كن (م) ... اجميعاً في ظل عيش حميد وقال الشريف المرتضى ﵁: إلى كم ذا التصامم والتعاشي ... وكم هذا التواكل والتواني ولو أنا فهمنا عن خراب الد (م) ... يار مقالها لم يبن بان ويجني العيش كل أذى ويهوى ... فيا للعيش يعشق وهو جان وقال أيضاً: من على هذه الديار أقاما ... لو ضفا ملبس عليه فداما عج بنا نندب الذين تولوا ... باقتياد المنون عاماً فعاما سكنوا كل ذروة من أشم ... يحسر الطرف ثم حلوا الرغاما يا لحى الله مهملاً حسب الده ... ر نئوم الجفون عنه فناما علقاً في يد المنى كلما نا ... ل هوى يبتغيه رام مراما أبيات من شعر والدي وأخي ﵄ مما يوافق المعنى المقصود قال مولاي والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵁: ما في وقوفك في الديار تورع ... فأفض شؤون العين فهي الأربع درست فليس لناظر لولا الهوى ... من طول ما بليت به مستمتع يا دار لو أنصفت ربعك لم أقف ... فيه كهاتفة تنوح وتسجع ولما طلبت لي الأساة لأشتفى ... من لوعة طويت عليها الأضلع ما قدر ما أسفي عليك وحسرتي ... قلت، ولو أن الحشا يتقطع أنا مدع فيما أقول؛ لأنني ... باق، وعذري عنه ما لا يسمع فوددت لو أني ظفرت براحة ... إما بموت أو بعيش ينفع وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد بن علي ﵁:

стр. 21

قفا فاحبسا تلك الركاب وأطلقا ... دموي، فهل بعد الديار أكاتم؟! فعهدي بهذا الربع والشمل جامع ... وسيان عندي عاذر لي ولائم أبيت كما شاء السرور ولا أرى ... من الهم ما تثنى عليه الحيازم إخوان صدق كالثريا نفوسهم ... سمت ووهت شحناؤهم والسخائم بقيت وقد أودوا عناء وشقوة ... وإني على عد سقوا منه حائم إذا ما تذكرت الديار وأهلها ... ووحشتها منهم أقل أنا حالم وقال أيضاً: يا ديار الأحباب ما فيك للمح ... زون إلا البكاء والتسليم أين سكانك الذين بهم كا ... ن على العيش نضرة ونعيم؟! أقفرت منهم الديار وأضحت ... دارسات كأنهم رقوم ليت أنى ناهلتهم جرع المو ... ت، فعيشي بعد الأحبة لوم وقال أيضاً ﵀: يا إخوتي وذوي ودي وخالصتي ... حزني عليكم مدى الأيام متصل أحبب إلي بليل التم أسهره ... تفكراً فيكم، والدمع ينهمل دياركم إن خلت منكم وفارقها ... نور المهابة وانحطت بها الكلل فما الزمان بمأمون على أحد ... ولا تدوم به الأيام والدول كنتم كأنكم شمس النهار بها ... قد أشرقت وهي من أبراجها الحمل وقال أيضاً ﵀: إخوتي شلت يد البي ... ن لقد جارت علينا واعتدى الدهر بلا جر ... م وما كنا اعتدينا فتفرقنا، كأنا ... لم نكن قط التقينا ويح قلبي من ديار ... كنتم فيها عفينا أصبحت قفراً كأنا ... لم نكن فيها ثوينا لا أقر الله من قر (م) ت له بالبين عينا وهذه الأبيات من شعري في هذا المعنى قلت: هذي ديار بني أبي ومعاشري ... قفر عليها وحشة وظلام درست محافظة لهم، وتوحشت ... من بعدهم، وتعفت الأعلام فإذا مرتت بها فقل ... متمثلاً : "يا دار ما صنعت بك الأيام" [نصف المصراع مضمن لأبي نواس] . وقلت: إذا أنا شارفت الديار تحدثت ... بمكنون أسراري الدموع الذوارف وماذا انتفاعي بالديار وقربها ... إذا أقفرت من كل من أنا آلف وقلت: تقول لي الأشواق: هذي ديارهم ... فقلت: نعم، لكنها منهم قفر وما كنت أهوى الدار إلا لأهلها ... وبعدهم لا جاد ساكنها القطر فما الدار تلك الدار بعد قطينها ... ولا الدهر فيها بعدهم ذلك الدهر وقلت: ديار خلت من أهلها وتوحشت ... فليس بها مرعى لعين ولا خصب علاها البلى حتى تعفت رسومها ... وأنكرها طرفي فأثبتها القلب وقلت: بنو منقذ ما أنقذوا من زمانهم ... وكم أنقذوا من مرهق وأسير أجاروا على الأيام فاضطغنتهم ... وما استمسكوا من جورها بمجير فلم يبق منهم غير حي كميت ... أخي حسرة ما تنقضي وزفير فقد أقفرت منهم ديار عهدتها ... غياثاً لملهوف، وذخر فقير وما أقفرت من ساكن بل من العلى ... ومن نائل هامي السحاب غزير وقلت: ديار الهوى حيي معالمك القطر ... وإن لم يدع إلا تذكرك الدهر عهدتك أفقاً للسعود، وساكنو ... ربوعك في أرجائك الأنجم الزهر وعصرهم فصل الربيع نضارة ... فهل يرجعن لي ذلك الزمن النضر إذا مر في فكري الديار وأهلها ... فيالي من وجد يجدده الذكر إذا أوحشتني وحدتي بعد فقدهم ... ولهت، كأني قد أصابني السحر فكيف التسلي والتأسي فيهم ... ولا عوض منهم، ولا عنهم صبر لقد ساءني الدهر الذي سرني بهم ... وما ظلموا ساءوا قصاصاً بما سروا وقلت: لا جاد ربعك من ديار أقفرت ... من أهلها صوب الغمام الماطر لم يبق منك الدهر إلا حسرة ... للذاكرين، وعبرة للناظر يا حسن أول ذلك الدهر الذي ... قد كان فيك وقبح هذا الآخر! وقلت: إذا بكى لديار باد ساكنها ... ذو وحدة ساءه في داره الزمن بكيت أهلي وأوطاني وآسفني ... أن ليس لي بعدهم دار ولا سكن أخنى الزمان على قومي وملك أو ... طاني سواي، فلا أهل ولا وطن ولم تدع لي المنايا مشتكى حزن ... أبثه كمدى إن عادني حزن

стр. 22

(آخر ما أثبته من شعر قومي وشعري) وقال الشريف المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي ﵁: ديار كرعن الضيم وهو مصرف ... ونادى بهن الموت أهلاً فأسمعا كأن قطين الحي بعد تفرق ... جنته الليالي ساعة ما تجمعا ولو كان يدري بالذين تفرقوا ... توجع من فقدانهم وتفجعا وقال أيضاً: ولما مررنا بالديار التي خلت ... فهن لفقدان الأنيس نواحل فإشراقها بعد الذين تحملوا ظلام، وضحوات النهار أصائل أثار الجوى عرفانها، وتبادرت ... على أهلها منا الدموع الهوامل وقال المرتضى أيضاً: يا ديار الأحباب لا أبصرتك الع ... ين من بعد أن حللت رسوما إن عيشاً لنا خلسناه من أي ... دي الرزايا لديك كان نعيما من عذيري من الزمان أخي عوجا ... ء أعيا علي أن يستقيما ليس يعطي البقاء إلا لمن يس ... لبه ذلك البقاء حميما كتب إلى الملك الصالح ناصر الأئمة، وكاشف الغمة، أمير الجيوش، سيف الإسلام، غياث الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، أبو الغارات طلائع بن رزيك فتى أمير المؤمنين عزيز مصر ﵀ قصيدة من نظمه، يعزيني عن أهلي الذين هلكوا في الزلازل ﵏ منها: لهف نفسي على ديار من السك (م) ... ان أقوت، فليس فيها عريب ولكم حلها فأنسته أوطا ... ن صباه والأهل يوماً غريب فاحتسب ما أصاب قومك مجد الد (م) ... ين واصبر فالحادثات ضروب هكذا الدهر، حكمه الجور والع ... دل، وفيه المكروه والمحبوب إن تخصصكم نوائب مازا ... لت لكم دون من سواكم تنوب فكذاك القناة تكسر يوم الرو (م) ... ع منها صدور وتبقى كعوب فصل آخر في ذكر الديار قال كثير بن عبد الحرمن الخزاعي: أشاقك بالعبوقرة الديار ... نعم منا منازلها قفار أحب الأرض أرض دموها ... وكان لهم بها يوماً قرار فما عندي لواش في هواكم ... رضى حتى يموت ولا اعتذار وقال محمد بن عبد الملك بن حبيب بن تمام بن معبد بن فقعس بن طريف: وإن مروري بالديار التي بها ... سليمى ولم ألمم بها لجفاء وما بالهوى يا أم عمرو ولا الذي ... تحملت من وجد عليك خفاء على أنني يا أم عمرو تهيجني ... ديار لكم بالأبرقين خلاء وقال صالح بن عبد الله بن الحجاج: كفى حزناً يا سعد إن بنت أن أرى ... ديارك يفليها الحمام المطوق وأن يسجع القمري فيها إذا بدا ... لركبانها قرن من الشمس أورق وألا أرى يا سعد أهلك جيرة ... وأهلي إلا ريثما نتفرق وقال أبو نواس: حي الديار إذ الزمان زمان ... وإذ السماك جري لنا ومعان يا حبذا سفوان من متربع ... ولربما جمع الهوى سفوان فإذا مررت على الديار مسلماً ... فلغير دار أميمة الهجران وقال أيضاً: قل لديار حييتها درس ... من صمم ما عييت أم خرس؟ هاجر عنهن سكنهن فما ... فيهن من جنة ولا أنس إلا شبيه بها لبعضهم ... في حور المقلتين واللعس وقال قيس بن الخطيم: أتعرف رسماً كاطراد المذاهب=لعمرة وحشاً غير موقف راكب ديار التي كادت ... ونحن على منى تحل بنا، لولا نجاء الركائب تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب ولم أرها إلا ثلاثاً على نمى ... وعهدي بها عذراء ذات ذوائب وقال ذو الرمة: أراجعة يا ليل أيامنا الألى ... بذي الرمث، أم لا مالهن رجوع؟ وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى ... بلين بلى لم تبلهن ربوع ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لم تذرف لهن دموع وقال أبو نباتة الكلابي: بدا لي وللتيمي قلة صامعٍ ... على بعدها مثل الحصان المجلل فقلت: أرى تلك الديار التي بها ... أميمة، يا شوق الأسير المكبل! وقال أيضاً: أريتك إن نجدا ألظ بأهله ... وحرته العليا الغيوث الرواجس

стр. 23

وعاد نبات الأرض رطباً كأنه ... إذا اطردت فيه الرياح الطيالس أمطلع تلك الديار فناظر ... إلى أهلها، أم أنت من ذاك آيس؟ وقال مهيار: إن الذين نسوا برامة عهدنا ... سعدوا وأشقانا به أوفانا ظعنوا وشبت وما كبرت وإنما سار الشباب يودع الأظعانا أجد الديار كما عهدت، وإنما ... شكواي أني أفقد الجيرانا وقال آخر: أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما من حبي الجدران لكن ... محبة كل من سكن الديارا وقال عبدة بن الطبيب: كأن ابنة البكري يوم اجتليتها ... عبيدة مكحول الدامع مرشق وذكرنيها بعد ما قد نسيتها ... ديار عليها وابل متبعق وقفت بها والشمس دون مغيبها ... قريباً، فهاج الشوق من يتشوق قليلاً، فلما استعجمت عن جوابنا ... تعزيت عنها، والدموع ترقرق فلا الدار تدنيها لنا غير فينة ... ولا حبها عن شاحط النأي يخلق وقال جرير بن عطية: لمن الديار ببرقة الروحان ... إذ لا نبيع زماننا بزمان أصبحت بعد نعيم عيش مونق ... قفراً، وبعد نواعم أخدان هل رام جو سويقتين مكانه ... أم حل بعد محلنا البردان هل تؤنسان، ودير أروى دوننا ... بالأعزلين، بواكر الأظعان راجعت بعد سلوهن صبابتي ... وعرفت رسم منازل أبكاني وقال النابغة الجعدي: هل بالديار الغداة من صمم ... أم هل بعهد الأنيس من قدم أم ما تحيي من ماثل درج الس ... يل عليه، كالحوض منهدم تسأله العهد وهو عهدك واس ... تجمع من حله، ولم يرم إنك أنت المخزون في أثر ال ... قوم فإن تنو نيهم تقم كان بها بعض من هويت ومن ... يلق سروراً في العيش لم يدم يسألني صاحبي بدائي وقد ... نام عشاء، وبت لم أنم إن شفائي واصل دائي لشي ... ء واحد وهو أكبر السقم من عهد ما أورثت حبيبة ... والشر يوافي مطالع الأكم أكنى بغير اسمها وقد يعلم الل ... هـ خفيات كل مكتتم مخافة الكاشح المكثر أن ... يطرح فيها عوائر الكلم وقال الأخطل: لأسماء محتل بظاهرة البشر ... قديم، ولما يعفه سالف الدهر يكاد من العرفان يضحك رسمها ... ولكم من ليال للديار ومن شهر وقال زهير بن أبي سلمى: قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى، وغيرها الأرواح والديم لا الدار غيرها بعد الأنيس ولا ... بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم دار لأسماء بالغمرين ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها إرم [إرم] : أحد كأن عيني وقد سال التليل بهم ... وعبرة ما هم، لو أنهم أمم [التليل] : واد غرب على بكرة، أو لؤلؤ قلق ... في السلك جاربه رباته النظم وقال امرؤ القيس بن حجر: عوجاً على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام دار لهم إذ هم لأهلك جيرة ... إذ تستبيك بواضح بسام فظللت في دمن الديار كأنني ... نشوان باكره صبوح مدام وقال النابغة الذبياني: طال الوقوف على رسوم ديار ... قفر، أسائلها وما استخباري؟ دار تعفت، لا أنيس بجوها ... إلا بقايا دمنة وأوراي جادت عليها ... فاضمحل رسومها هزج الرياح بديمة مدرار دار لمية إذ هم لك جيرة ... هيهات منك منازل الزوار وقال ذو الرمة، غيلان بن عقبة بن مسعود: كأن ديار الحي بالزرق خلفة ... من الأرض أو مكتوبة بمداد إذا قلت: يعفو، لاح منها مهيج ... على الهوى من طارف وتلاد وما أنا في دار لمى عرفتها ... بجلد، ولا دمعي بها بجماد إذا قلت بعد النأي يا مي نلتقي ... عدتني بكره أن أراك عواد وقال أيضاً: أما والذي حج الملبون بيته ... شلالاً ومولى كل باق وهلك ورب القلاص البدني تدمي نحورها ... بمكة والساعين حول المناسك لقد كنت آتي الأرض ما يستفزني ... لها الشوق إلا أنها من ديارك وقال أيضاً:

стр. 24

ألا تسأل اليوم الرسوم الدوارس ... بحزوى وهل تدري القفار البسابس؟! متى العهد ممن حلها، أم كم انقضى ... من الدهر مذ جرت عليها الروامس ديار لمى ظل من دون صحبتي ... لنفسي مما هيجت لي وساوس ولم تنسني مياً نوى ذات غربة ... شطون، ولا المستطرفات الأوانس إذا قلت أسلو عنك يا مي لم يزل ... محل لدائي من ديارك ناكس وقال المرقش الأصغر، واسمه عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة: هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقاً كلم الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم (بهذا البيت سمى مرقشاً) . دار لأسماء التي تبلت ... قلبي، فعيني ملؤها يسجم بل هل شجاك الظعن باكرة ... كأنهن النخل من ملهم النشر مسك والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكف عنهم وقال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: ما أنت للكلف المشوق بصاحب ... فاذهب على مهل فلست بذاهب عرف الديار وقد سئمن من البلى ... ومللن من سقيا السحاب الصائب فأراه جهل الشوق بين معالم ... فيها وجد الوجد بين ملاعب ما كان أحسن هذه من وقفة ... لو كان ذاك السرب سرب كواعب وقال أيضاً: كيف أغدو من الصبابة خلوا ... بعد ما أضحت الديار خلاء قف بها وقفة ترد عليها ... أدمعاً ردها الجوى أنضاء وقال أيضاً: قد وقفنا على الديار وفي الرك ... ب حريب من الغرام ومثري ولو أني أطيع آمر حلمي ... كان شتى أمر الديار وأمري وقال أيضاً: أقام كل ملث الودق رجاس ... على ديار بعلو الشام أدراس فيها لعلوة مصطاف ومرتبع ... من بانقوسا وبابيلا وبطياس منازل أنركتنا بعد معرفة وأوحشت من هوانا بعد إيناس وقال بيهس بن صهيب بن عامر بن عبد الله بن نائل: هل بالديار وهل بالقاع من أحد ... باق فيسمع صوت المدلج الساري؟ تلك المنازل من صفراء ليس بها ... نار تضيء، ولا أصوات سمار عفت معالمها هوج مغيرة ... تسفي عليها تراب الأبطح الهار حتى تنكرت منها كل معرفة ... إلا الرماد، وإلا دمعي الجاري إن أصبح اليوم لا أهل ذوو لطف ... ألهو إليهم، ولا صفراء في الدار أرعى بعيني نجوم الليل مرتفقاً ... يا طول ذلك من ليل وإسهار فقد يكون بها الأهل الجميع وقد ... ألهو بصفراء ذات المنظر الواري كذلك الدهر، إن الدهر ذو غير ... على الأنام، وذو نقض وإمرار وقال بشر بن أبي خازم، أخو بني والبة بن الحارث: ديار أقفرت من آل سلمى ... رعى سلمى بحسن الوصل راع ذكرت بهن من سلمى وداعاً ... فشاقك منهم قرب الوداع فإن تك قد نأتك اليوم سلمى ... فكل قوى قرين لانقطاع وقال جرير بن عطية: ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا وقال زهير بن أبي سلمى: غشيت الديار بالبقيع فثهمد ... دوارس قد أقوبن من أم معبد أربت بها الأرواح كل عشية ... فلم يبق إلا آل خيم منضد (الآل، جمع آله، وهو عود له شعبتان يعرض عليه عود آخر، ويلقي عليه ثمام يستظل به) وغير ثلاث كالحمام خوالد ... وهاب محيل هامد متلبد وقال آخر (ينسب إلى المجنون) : أهاجك ... أم لا بالستارين مربع ورسم بأجراع الغديرين بلقع ديار لليلى إذ نحل بها معاً ... وإذ نحن منها بالموادة نطمع فيارب حببني إليها وأعطني ال ... مودة منها، أنت تعطي وتمنع وإلا فصبرني وإن كنت كارهاً ... فإني بها ياذا المعارج مولع وفي الصبر عن بعض المطامع راحة ... إذا لم يكن في الشيء ترجوه مطمع وقد قرع الواشون فيها لك العصا ... قديماً، كما كانت لذي الحلم تقرع وقال آخر: بكت للفراق وقد راعها ... بكاء الحبيب لبعد الديار كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار وقال آخر: إن جرى بيننا وبينك عتب ... وتناءت منا ومنك الديار

стр. 25

فالعليل الذي عهدت مقيم ... والدموع التي شهدت غزار وقال آخر: أما الديار فقلما لبثوا بها ... بعد اشتياق العيس والركبان وضعوا سياط الشوق في أعناقها ... حتى طلعن بهم على الأوطان وقال قيس بن الخطيم، وقيل: هي للربيع بن أبي الحقيق الأوسي: وما بعض الإقامة في ديار يهان بها الفتى إلا عناء وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاء يريد المرء أن يعطي مناه ... ويأتي الله إلا ما يشاء وقال سعيد بن حميد: تدنو الديار وأنت تبعد جاهداً ... فالدهر ينصفني وأنت الظالم فمتى ينال العدل عندك طالب ... أنت المسيء به، وأنت الحاكم وقال الشريف الرضي ﵁: أروح بفتيان خماص من السرى ... لهم أنة في كل دار وأدمع فدمع على نأي الديار مفرق ... وقلب على أهل الديار مروع هل أنت معين للغليل بعبرة ... فنبكي على تلك الديار ونجزع؟ ألا ليت شعري كل دار مشتةٌ ... ألا منزل يدنو بشمل فيجمع؟! ألا سلوة تنهى الدموع فتنتهي ... ألا مورد يصفو لشرب فينقع؟! فصبراً على قرع الزمان وغمزه ... وهل ينكر الحمل الذلول الموقع؟! قرأت على حائط مسجد "بفنك" هذا البيت مفرداً: تجنبت غشيان الديار وليس في ... تجنبها بعد الفراق ملام فأجزته بهذا البيت، وكتبته تحته: وما كنت أهوى الدار إلا لأهلها ... على الدار بعد الظاعنين سلام ذكر أبو عمرو الشيباني أن عروة بن الورد أصاب امرأة من كنانة بكراً يقال لها: سلمى، وتكنى أم وهب، فأعتقها، واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة، فولدت له أولاً وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه، وهي تقول له: لو حججت بي، فأمر على أهلي وأراهم؟ فحج بها، فأتى مكة، ثم أتى المدينة، وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير، فيقر ضونه إن احتاج. ويبايعهم إذا غنم، وكان قومها يخالطون بني النضير، فأتوهم وهو عندهم، فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يحرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه، وأخبروه أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبية، وافتدوني منه، فإنه لا يرى أني أفارقه، ولا أختار عليه أحداً، فأتوه، فسقوه الخمر، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا، فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبة أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا، وأردت معاودتها، فاخطبها إلينا، فإنها تنكحك، فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي شرط فيها، أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وغن اختارتكم انطلقتم بها، قالوا: ذاك لك، قال: دعوني أله بها الليلة وأفاديها غداً، فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها، فقالوا له: قد فاديتها منذ البارحة، وشهد عليه جماعة ممن حضر، فلم يقدر على الامتناع، وفادوها، فلما فادوها خيرها، فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه: فقالت له: يا عروة. أما إني أقول فيك - وإن فارقتك - الحق: والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك، أغرض طرفاً، وأقل فحشاً، وأعوذ يداً، وأحمى لحقيقة، وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك، لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: أمة عروة وكذا وكذا، إلا سمعته، والله لا أنظر في وجه غطفانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك، وأحسن إليهم، فقال عروة في ذلك: أرقت وصحبتي بمضيق عمق ... لبرق من تهامة مستطير سقى سلمى، وأين ديار سلمى ... إذا كانت مجاورة السدير إذا حلت بأرض بني علي ... وأهلي بين زامرة وكير ذكرت منازلاً من أم وهب ... محل الحي أسفل من ثبير وأحدث معهد من أم وهب ... معرسنا بدار بني النضير وقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير بآنسة الحديث رضاب فيها ... بعيد النوم كالعنب العصير سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور وقالوا: لست بعد فداء سلمى ... بمغن ما لديك ولا فقير فلا والله لو ملكت أمري ... ومن لي بالتدبر في الأمور؟!

стр. 26

إذن لعصيتهم في حب سلمى ... على ما كان من حسك الصدور فيا للناس كيف ملكت أمري ... على شيء ويكرهه ضميري قلت: ذكرت هذا الخبر لما في الشعر من ذكر الديار. وقال يزيد بن عبد المدان: عفا من سليمى بطن غول فيذبل ... فغمرة فيف الريح، فالمتنخل ديار التي صاد الفؤاد دلالها ... وأغرت به يوم النوى حين نرحل فإن هي صدت عن هواي وراعها ... نوازل أحداث وشيب مجلل فيا رب خيل قد هديت بشطبة ... يعارضها عبل الجزارة هيكل تواغل جرداً كالقنا حاثية ... عليها قنان والحماس ورعبل معاقلهم في كل يوم كريهة ... صدور العوالي والصفيح المصقل عن الأصمعي قال: دخلت خضراء روح، فإذا أنا برجل من ولده على فاحشة يؤتى، فقلت: قبحك الله، هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق، ويعطي فيه اللهى، وأنت تفعل فيه ما أرى! فالتفت إلي من غير أن يزول عنها، وقال: ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا إذا الحسب الرفيع تواكلته ... بناة السوء أوشك أن يضيعا والشعر لمعن بن أوس. وقال عمر بن أبي ربيعة: يا خليلي قد مللت ثوائي ... بالمصلى، وقد شنئت البقيعا بلغاني ديار هند وسعدى ... وارجعاني، فقد هويت الرجوعا لمن الديار كأنها لم تحلل ... بجنوب أسنمة فقف العنصل درست معالمها فباقي رسمها ... خلق كعنوان الكتاب المحول دار لسعدى، إذ سعاد كأنها ... رشأ غضيض الطرف رخو المفصل وقال عبد الله بن العجلان: ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في وسط الديار تطوف أتت بين أتراب تمايس إن مشت ... دبيب القطا أوهن منهن أقطف أشارت إلينا في حياء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف وقالت: تباعد يا ابن عم، فإنني منيت بذي صول يغار ويعنف وقال آخر: عرفت ديار الحي خالية قفرا ... كأن بها لما توهمتها سطرا وقفت بها كيما ترد جوابها ... فما بينت لي الدار عن أهلها خبرا وقال ابن مفرغ الحميري: ديار للجمانة مقفرات ... بلين، وهجن للقلب ادكارا فلم أملك دموع العين مني ... ولا النفس التي جاشت مرارا فقلت لصاحبي: عرج قليلاً ... نذكر شوقنا الدرس القفارا كأن لم أغن في العرصات منها ... ولم أذعر بقاعتها صوارا وقال الحارث بن خالد المخزومي: عفت الديار فما بها أهل ... حزانها ودماثها السهل إني وما نحروا غداة مني ... عند الجمار تئودها العقل لو بدلت أعلى منازلها ... سفلاً، وأصبح سفلها يعلو فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإقواء والمحل لعرفت مغناها بما احتملت ... مني الضلوع لأهلها قبل وقال مهيار: هل بالديار على لومي ومعذرتي ... عدوى تقام على وجدي وتذكاري أم كنت تعذل فيما لا تزيد به ... إلا مداواة حر النار بالنار ٣- فصل في ذكر المغاني قال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: وقفت عليه ناقتي فتنازعت ... شعوب الهوى لما عرفت المغانيا فما أعرف الآيات إلا توهماً ... وما أعرف الأطلال إلا تماريا وما خلف منكم بأطلال دمنة ... تنكرن فاستبدلن منك السوافيا وقال أيضاً: عفا رابغٌ من أهله فالظواهر ... فأكناف هرشي قد عفت فالأصافر مغان يهيجن الحليم إلى الهوى ... وهن قديمات العهود دوائر بما قد أرى تلك الديار وأهلها ... وهن جميعات الأنيس عوامر وقال البحتري: أناشد الغيث أن تهمي غواديه ... على العقيق وإن أقوت مغانيه على محل أرى الأيام تضحك عن ... أيامه، والليالي عن لياليه عهد من اللهو لم تذمم معاهده ... يوماً فينسى ولم تقدم بواديه وقال أبو تمام: شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد فأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد لعمري لقد أبليتم جدة البكا ... بلاى، وجددتم على بلى الوجد وقال أيضاً:

стр. 27

تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ... ودع جفه عين يحتلب ماءها الوجد إذا انصرف المحزون قد فل صبره ... سؤال المغاني، فالبكاء له رد هوى كانقضاض النجم كان نتيجة ... من الهزل يوماً إن هزل الهوى جد وقال القاضي أبو المجد محمد بن عبد الله بن سليمان المعرى: يا مغاني الصبي بباب حناك ... لا برمل الغضا ووادي الأراك [حناك] : قرية من أعمال المعرة وعزيز علي أن حكم الده ... ر على رغم ناظري ببلاك وقال آخر: لله در أناس قد عهدتهم ... بالشام دهراً سقى مغناهم الديم لو قيل لي ... وهجير الصيف متقد وفي الحشا غلة كالنار تضطرم هم أحب إليك اليوم تبصرهم ... أو شربة من زلال الماء؟ قلت: هم وقال أبو الشعر موسى بن سحيم الضبي: فيا صاح المم بالمغاني فحيها ... مغان لهند عطلت وملاعب مغان خلت من غبطة ونضارة ... مغاني الغواني، والغني والرغائب ولكم زايلتها من فتاة ومن فتى ... ومن قرح منسوبة ونجائب وقفت فأبكاني وهيج عبرتي ... علي وقوفي في ديار الحبائب بكى صاحبي لما بكيت من الهوى ... فما كاد يقضي عبرة الحزن صاحبي جرت عبرة منه فهم بردها ... فلم يستطع رد الدموع السواكب فلو أن فيها أهلها يوم زرتها ... لقضيت حاجاتي بها، ومآربي وقال النابغة الذبياني: أهاجك من سعداك مغنى المعاهد ... بروضة نعمي فذات الأساود؟ تعاورها الأرواح ينسفن تربها ... وكل ملث ذي أهاضيب راعد عهدت بها سعدى وسعدى غريرة ... عروب تهادى في جوار خرائد وقال البحتري: ابكيا هذه المغاني التي أخ ... لقها بعد عهدها بالغواني أسعدا الغيث إذ بكاها وإن كا ... ن خلياً من كل ما تجدان جاد فيها بنفسه فاستجدت ... حللاً منه جمة الألوان وقال أبو القاسم بن هانئ المغربي: قد مررنا على مغانيك تلك ... ورأينا فيها مشابه منك عارضتنا المها الخواذل أس ... راباً بأجراعها، فلم نسل عنك لا يرع للمها هنالك سرب ... فلقد أشبهتك إن لم تكنك وقال أبو تمام: أي مرعى عين وواد قشيب ... لحيته الأيام في ملحوب ند عنك العزاء فيه وقاد الد (م) ... مع من مقلتيك قود الجنيب وبما قد أراه ريان مكسو (م) ... المغاني من كل حسن وطيب لسقيم الجفون من غير سقم ... ومريب الألحاظ غير مريب فعليه السلام لا أشرك الأط ... لال في لوعتي ولا في نحيبي فسواء إجابتي غير داع ... ودعائي بالقفر غير مجيب وقال أبو محمد القاسم بن علي الحريري العالم: عرج ... لك الخير صدور الركاب على ربا كن مغاني الرباب وقف بها وقفة مستعبر ... يسح فيها الدمع سح الرباب فسنة العشاق أن يعولوا ... في منزل الحب إذا الحب غاب يا حبذا تلك الربا من ربا ... ظباؤها أفتك من ليث غاب وقال الشيخ أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري: مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال ... وفي النوم مغنى من خيالك محلال معانيك شتى، والعبارة واحد ... فطرفك مغتال، وزندك مغتال متى سألت بغداد عني وأهلها ... فإني عن أهل العواصم سال إذا جن ليلي جن لبى وزائد ... خفوق فؤادي كلما خفق الآل وماء بلادي كان أنجع مشرباً=ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال وقال المتنبي: مغاني الشعب طيباً في المغاني=بمنزلة الربيع من الزمان ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان وقال مهيار: المغاني أحفى بقلبي من العد ... ل وإن هجن لوعة وزفيرا أفهمتني على نحول رباها ... فكأني قرأت منها سطورا يا معيري أجفانه أنا أغنى ... بجفوني الغزار أن أستعيرا وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي ﵀:

стр. 28

مغناهم أضحى صموتاً ناطقاً ... يهدي الهموم إلى القلوب بيانه غشيت ديارهم المحول، وريها ... دون السحاب على العيون ضمانه قد ألبسته يد البلى عفر الثرى ... فعفا، ومح، فأخمدت نيرانه وتنكب العافون لاحب سبله ... لما عفا، وتهدمت أركانه ولقد أراه وفيه مجتمع الهوى ... يهدي السرور إلى القلوب عيانه فرجاً لمكروب، ونضرة ثائر ... وملاذ من تنبو به أوطانه والدهر مثل الطيف لا تبقى على ... حال إساءته ولا إحسانه قول آخر: شجاني مغاني الحي وانشقت العصا ... وصاح غراب البين أنت مريض ففاضت دموعي عند ذاك صبابة ... وفيهن خود كالمهاة غضيض ووليت محزون الفؤاد مروعاً ... كئيباً ودمعي في الرداء يفيض قال آخر: هل هيجتك مغاني الحي والدور ... فاشتقت، إن الغريب الدار معذور وقد نحل بها إذ عيشنا أنق ... بيض أوانس أمثال الدمى حور وقال أبو حية النميري: ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا وقال الشريف المرتضى ﵁: ومن سفه وقوفك في المغاني ... تسائل عن فريق فارقونا سقين غداة بينهم دموعاً ... وكفن فما وقفن ولا روينا وقال مهيار: أنا يا دار أخو وحش الفلا ... فيك، من خان فعزمي لم يخني ولئن غال مغانيك البلى ... عادة الدهر فشخص منك يغني إن خبت نار فهذي كبدي ... أو جفا الغيث، فهذا لك جفني وقال أيضاً: يا مغاني الحمى سقيت، وما ين ... فعني الغيث أن يجودك قطرا أي عين أصابت الدار أق (م) ... ذى الله بعدي أجفانها وأضرا لا ثراها يطيل بعد النوى غص ... ناً، ولا جوها يتمم بدرا غير حم مثل القطا جاثمات ... كن جوناً فعدن بالريح كدرا وبقايا مواقد تصف الجو ... د أباديد في يد الريح تذرى قلبوا ذلك الرماد تصيبوا ... فيه قلبي إن لم تصيبوا الجمرا وقال أيضاً: عابوا وفائي لمن أهوى وقد علموا ... أن الخيانة ذنب لا أواقعه كأنني أول العشاق طالله ... مغنى الأحبة فارفضت مدامعه ٤- فصل في ذكر الأطلال قال جرير بن عطية بن الخطفي: حي الغداة برامة الأطلالا ... رسماً تحمل أهله فأحالا إن السواري والغوادي غادرت ... للريح منخرقاً به ومجالا لم نلق مثلك بعد عهدك منزلاً ... فسقيت من سبل السماك سجالا أصبحت بعد جميع أهلك دمنة ... قفراً، وكنت محلة محلالا ولقد عجبت من الديار وأهلها ... والدهر كيف يبدل الأبدالا وقال أبو حية النميري: قفا حييا الأطلال من مسقط اللوى ... وهل في تحيات الرسوم جداء وماذا نحيي من عراص تبدلت ... شعوب النوى عنا فهن قواء كأن لم يكن فيها الجميع، ولم تصح ... بهم نية تعري الديار خلاء تذكرت عصراً قد مضى وصحابة ... ولم يك عما قد ذكرت عزاء وقال أبو تمام: إن شئت ألا ترى صبراً لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل كأنما جاد مغناه ... فغيره دموعنا يوم بانوا، وهي تنهمل وقال أيضاً: أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم جادت معاهدهم عهاد سحابة ... ما عهدها عند الديار ذميم سفه الفراق عليك يوم رحيلهم ... وبما أراه عنك وهو حليم وقال بشر بن الهذيل: يقول زميلي يوم سابقة النقى ... وعيناي من فرط الأسى تكفان: أمن أجل دار بين لوذان فالنقى ... غداة النوى عيناك تبتدران؟ فقلت له: لا، بل قذيت، وإنما ... قذى العين مما هيج الطللان وقال آخر: ثوى ماثلاً بين الطلول المواثل ... فهل بل من داء الجوى والبلابل معنى قضى دين الغرام مدامعاً ... يقسمها في دراسات المنازل تسائل عن أحبابه كل دمنة ... سوائل من عينيه غير سوائل وقال محمد بن بشير الخارجي:

стр. 29

سقى الله أطلالاً بأكثبة الحمى ... وإن كن قد أبدين للناس ما بيا منازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال الصدى يا حاملي أربعا بيا وقال جميل بن معمر: أشاقتك المعارف والطلول ... عفون وخف منهن الحمول نعم وذكرت دنيا قد تولت ... وأي نعيم دنيا لا يزول؟! وقال حفص الأموي: ومن جزعي ... والشيب إحكام ذي النهى بكاء على الأطلال يوم الرواكس أسائل أطلالاً عفت بعد أهلها ... وغيرها سهك الرياح الروامس فما أبقت الأيام من عرصاتها ... لمن جاءها غير الرسوم الدوارس وقال عدي بن الرقاع العاملي: هل تعرف اليوم ... أم لا تعرف الطللا بلى، فهيج لي الأحزان والوجلا وقد أراني بها في عيشة عجب ... والدهر بينا له حال إذ انفتلا وقال طفيل بن عوف الغنوي: لمن طلل بذي خيم قديم ... يلوح كأن باقيه وشوم محا معروفه قدم الليالي ... ووكاف عزاليه سجوم وآونة عجاج الصيف حتى ... تنكرت المعالم والرسوم وقفت به أسائله ودمعي ... يفيض كأنه شن هزيم (الشن: القربة الخلقة، والإداوة الخلق، هزيم: منكسر) . وقال حاتم بن عبد الله الطائي: أتعرف أطلالاً ونوياً تهدما ... كخطك في رق كتاباً منمنما أذاعت به الأرواح بعد أنيسها ... شهوراً وأياماً وحولاً محرما دوارج قد غيرن ظاهر تربه ... وغيرت الأيام ما كان معلما وغيرها طول التقادم والبلى ... فما أعرف الأطلال إلا توهما وقال رقيع بن عبيد بن صيفي: يا صاحبي ألما بي على الطلل ... وحييا قبل طول البين والشغل وما تحية دار بعد ما درست ... إلا معارف رسم هاج من خبلي وقال ذو الرمة غيلان بن عقبة بن مسعود: خليلي عوجا اليوم حتى نسلما ... على طلل بين النقا والأخارم كأن لم يكن إلا حديثاً وقد أتى ... له ما أتى للمزمن المتقادم وهل يرجع التسليم ربع كأنه ... بسائفة قفراً ظهور الأراقم؟! [السائفة] : منقطع الرمل. وقال البحتري: يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي ... والنوح في أرسم أقوت وأطلال وذو الصبابة ما ينفك ينصبه ... وجداً تأبد آي المنزل الخالي وقال آخر: أشاقتك من أرض العراق طلول ... تحمل منها جيرة وحلول فكيف ألذ العيش بعد معاشر ... بهم كنت عند النائبات أصول وقال أبو تمام: طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمناً لدى آرامها وحقودا أمواقف الفتيان تطوى لم تذب ... شوقاً، ولم تندب لهن صعيدا؟ وقال أبو تمام أيضاً: تطل الطلول الدمع في كل موقف ... وتمثل بالدمع الديار المواثل دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مر في أغفالها وهو غافل فقد سحبت فيها السحائب ذيلها ... وقد أخملت بالنور فيها الخمائل وقال المتنبي: أثلث، فإنا أيها الطلل ... نبكي، وترزم تحتنا الإبل لو كنت تنطق قلت ... معتذراً : بي غير ما بك أيها الرجل أبكاك أنك بعض من شعفوا ... ولم أبك أني بعض من قتلوا إن الذين أقمت وارتحلوا ... أيامهم لديارهم دول وقال أبو نواس: لمن طلل لم أشجه وشجاني ... وهاج الصبي، لو هاجه لأوان! بلى، فازدهتني للصبي أريحية ... يمانية إن السماح يماني وقال آخر، وهو ذو الرمة غيلان: ما هاج عينيك من الأطلال ... المزمنات بعدك الخوالي كالوحي في سواعد الحوالي ... غيرها تناسخ الأحوال وغير الأيام والليالي ... فاستبدلت والدهر ذو استبدال من ساكنيها فرق الآجال ... فانظر إلى صدرك ذا بلبال صبابة للأزمن الخوالي وقال الصنوبري: مألف موحش من الآلاف ... هاج عافية لي جوي غير عاف أحرام صفو الليالي لصب ... ذكرته الأطلال عهد التصافي؟! عاج يمحو بعض الصبابة ما بي ... ن مغان ممحوة وأثاف

стр. 30

كم ترى شمل أهلها في افتراق ... وترى شمل دمعه في ائتلاف! وقال امرؤ القيس بن حجر: عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام فظللت في دمن الديار كأنني ... نشوان باكره صبوح مدام روى ابن حبيب أنه "ابن حمام" وقال ابن الكلبي: "هو امرؤ القيس بن حمام بن مالك بن عبيدة بن هبل الكلبي، وكذا روى ابن الأعرابي، وأبو عمرو، والمفضل، وخالد. وقلت - من قصيدة -: نعم هذه الأطلال قفر كما ترى ... فما عذر أجفاني إذا لم تفض دما؟! ولليوم أعددت الدموع وصنتها ... وما يستجم الدمع إلا ليسجما وفي منزل الأحباب عذر لذي الهوى ... فلا لوم إلا أن تجور وتظلما وقال سعيد بن حميد المنبجي المذحجي المعروف بالدوقلة: هل بالطلول لسائل رد ... أم هل لها بتكلم عهد؟! درس الجديد جديد معهدها ... وكأنما هي ريطة جرد من طول ما تبكي الغيوم على ... عرصاتها، ويقهقه الرعد وتلث سارية وغادية ... ويكر نحس خلفه سعد يعني الدبران والعقرب: تلقى شآمية يمانية ... لهما بمور ترابها سرد فوقفت أسألها وليس بها ... إلا ألمها ونقانق ربد فتناثرت درر الشؤون على ... خدي كما يتناثر العقد وقال أيضاً: خبرني أيها الطلل ... الألى حدوك ما فعلوا؟ قال لي: لا علم لي بهم ... أيها المشتاق مذ رحلوا فأبكهم؛ ثم أبكني معهم ... بدموع ماؤها خضل تنسج النكباء في دمني ... للبلى ثوباً وتغتزل فإذا ما أخلقت حلل ... جددت لي بعدها حلل قلت: إن القلب بعدهم ... من عزاء عنهم عطل عصفت فيه رياح هوى ... فكلانا بعدهم طلل وقال مهيار: هل عند هذا الطلل الماحل ... إجابة تجدي على سائل؟ أصم، بل يسمع، لكنه ... من البلى في شغل شاغل وقفت فيها شبحاً ماثلا ... مرتفداً من شبح ماثل ولا ترى أعجب من ناحل ... يشكو ضنى الجسم إلى ناحل لهفك يا دار، ولهفي على ... قطينك المرتحل الزائل قلبي للأحزان بعد النوى ... وأنت للسافي وللناخل مثلان في السقم، ولي فضلة ... بالعقل، والبلوى على العاقل فصل آخر في ذكر الأطلال قال امرؤ القيس بن حجر: ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي؟! وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم، لا يبيت بأوجال؟! ديار لسعدى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال وقال طرفة بن العبد: لهند بحزان الشريف طلول ... تلوح وأدنى عهدهن محيل وبالسفح آيات كأن رسومها ... يمان وشته ريدة وسحيل (ريدة: قرية باليمن، وسحيل: ريح تسحل، أي تقشر) فغيرن آيات الديار مع البلى ... وليس على ريب الزمان كفيل بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... إذ الحي حي، والحلول حلول وقال ربيع بن قعنب: ألم تر للأطلال يوم سويقة ... عفت بعد عهد الحي فهي قفور؟ تحمل منها بعد طول إقامة ... حسان نقيات المدامع حور دعاهن سير بعد خفض ورفعت ... لهن على بزل الجمال خدور فأصبحت لا أدري لدن أن رأيتهم أتى حدب دون الجميع وقور وحتى رأيت الحي تعفو عراصهم ... يمانية تسدي البلى وتنير ونفح جنوب أو شمال ملثة ... تعارضها بالمعصفات دبور وقال جرير بن عطية: بقيت طلولك يا أمام على البلى ... لا مثل ما بقيت عليه طلول عفت الجنوب مع الشمال رسومها ... وصبا مزمزمة الحنين عجول أعذرت في طلب النوال إليكم ... لو كان من ملك النوال ينيل إن كان دهركم الدلال فإنه ... حسن دلالك يا أميم جميل لا يبعدن أنس تقادم بعدهم ... طلل ببرقة رامتين محيل ولقد نكون إذا يحل بغبطة ... أيام أهلك للديار حلول ولقد تساعفنا الديار وعيشنا ... لو دام ذاك كما نحب ظليل فسقى ديارك حيث كنت مجلجل ... هزج، ومن غر السحاب هطول وقال عمارة بن بلال بن جرير بن عطية:

стр. 31

ألا يا اسلما يا أيها الطللان ... وإن هجتما عيني على الهملان وهل دمع عيني اللجوجين راجع ... ليالي حل الحي هضب عران كأن زماناً حله الحي باللوى ... لوى ترمذاء لم يكن بزمان ولم تغن في أيامه أحسن الغنى ... وشعبا جميع الشمل متفقان إذا قلت: أنسى ذكر أسماء هيبت ... بقلبي دواعي حبها فعصاني روى عن مويلك عن أبيه قال: قال لي سائب خاثر يوم الحرة: ألا أسمعك شيئاً قد صنعت؟ قلت: نعم، فغناني: لمن طلل بين الكراع إلى القصر ... يغيب عنا آيه سبل القطر إلى خالدات ما تريم، وهامد ... وأشعث ترسيه الوليدة بالفهر فسمعت عجباً معجباً، ثم ذكر أهله وولده، فبكى، فقلت له: فما يمنعك منهم؟ قال: أما بعد شيء سمعته من يزيد بن معاوية فلا، ثم تقدم فقاتل بسيفه حتى قتل، وسائب خاثر: مولى بني ليث، اشترى عبد الله بن جعفر ﵄ ولاءه من مواليه، وقيل: اشتراه وأعتقه، فانقطع إلى عبد الله ولزمه، وهو أول من عمل العود بالمدينة، وغنى به. وقال ذو الرمة غيلان بن عقبة بن مسعود: لمية أطلال بحزوي دواثر ... عفتها السوافي بعدنا والمواطر كأن فؤادي ... هاض عرفان ربعها بها وهي ساق أسلمتها الجبائر عشية مسعود يقول ... وقد جرى على لحيتي من دمع عيني ماطر : أفي الدار تبكي أن تفرق أهلها ... وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر؟ فلا ضير أن تسعبر العين إنني ... على ذاك إلا جولة الدمع صابر فيامي هل يجزي بكائي بمثله ... إليك، وأنفاسي عليك زوافر وإني متى أشرف إلى الجانب الذي ... به أنت من بين الجواب ناظر وأن لا ينال الركب تهويم وقعة ... من الليل إلا اعتادني منك زائر وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: بوجرة أطلال تعفت رسومها ... وأقفر من بعد الأنيس قديمها تلوح على طول الزمان عراصها ... كما لاح في كف الفتاة وشومها وقفت بها والعين شاملة القذى ... كعين طريف ما يجف سجومها فذلك هاج الشوق من أم نوفل ... وذكرى لنفس جمة ما تريمها فقد أدركت عندي من الود فوق ما ... تمنت بغيب أو تمنى حميمها وقال آخر: عفا من آل بلجاء الطلول ... وجد البين وانقطع الوسيل وصاح بصرمها من بطن قو ... غداة البين شحاج حجول من اللائي لعن بكل أرض ... فليس لهن في بلد قبول يباصرن النوى فإذا اشمعلت ... بأهل الدار واقلولى الحمول تبادرن الديار يمسن فيها ... وبئس من المليحات البديل وقال طهمان بن عمرو: ألا يا اسلما بالنير من أم واصل ... ومن أم جبر أيها الطللان وهل يسلم الربعان يجرى عليهما ... صباح مساء دائم الهطلان كفى حزناً أني تطاللت كي أرى ... ذرى علمي دمخ فما تريان كأنهما والآل يجري عليهما ... من البعد عينا برقع خلقان ألا حبذا والله ... لو تعلمانه ظلالكما يأيها العلمان وماؤكما العذب الذي لو شربته ... وبي صالب الحمى إذاً لشفاني وقال أبو الصفى رفاعة بن قيس: سفى الله أطلالاً لبلجاء بالغضا ... كساها البلى والنأي لبداً على لبد وأيامنا اللاتي مضين بعاقل ... فغير ذميمات مضين ولا نكد لقد كان لي ليل ببلجاء مرة ... قصير إذا ما الليل طال على الرمد وقال زهير بن أبي سلمى: لمن طلل برامة لا يريم ... عفا، وخلا له حقب قديم تحمل أهله منه فبانوا ... وفي عرصاته منهم رسوم يلوح كأنه كفا فتاة ... ترجع في معاصمها الوشوم وقال كثير: أمن طلل أقوى من الحي ماثله ... تهيج أحزان الطروب منازله بكيت وما يبكيك من رسم دمنة ... أضر به جود الشمال ووابله؟ وحبك ينسيني من الشيء في يدي ... ويذهلني عن كل شيء أزاوله سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدهر غائله كريم يميت السر حتى كأنه ... إذا استخبروه عن حديثك جاهله وقال ذو الرمة:

стр. 32

خليلي عوجا عوجة ناقتيكما ... على طلل بين الربنة والحبل بجرعائها من سامر الحي ملعب ... وآرى أفراس كجرثومة النمل شبه ما تهدم من مرابط الخيل بما يخرجه النمل من التراب عند بيوته: كأن لم يكنها الحي إذ أنت مرة ... بها ميت الأهواء مجتمع الشمل بكيت على مي بها إذ عرفتها ... وهجت البكا حتى بكى القوم من أجلي وهل هملان العين راجع ما مضى ... من العيش أو مدنيك يا مي من أهلي؟! وقال ذو الرمة أيضاً: قف العيش في أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل أظن الذي يجدي عليك سوالها ... دموعاً كتبذير الجمان المفصل وما يوم حزوي إن بكيت صبابة ... لعرفان ربع أو لعرفان منزل بأول ما هاجت لك الشوق دمنة ... بأجراع محلال مرب محلل عفت غير آري وأعضاد مسجد ... وسفع مناخات رواحل مرجل تجر بها الدقعاء هيف كأنها ... تسح التراب من خصاصات منخل دعت مية الأعداد واستبدلت بها ... خناطيل آجال من العين خذل (يقول: لما نصبت مياه منازلهم ارتحلوا إلى الأعداد، وهي المياه التي لها مادة في الصيف والشتاء، فكأنها دعتها، والخناطيل: أقاطيع الظباء والبقر، الواحدة خنطلة، وإجلٌ، والعين: البقر الوحشي، وخذلت الظبية ونحوها: أقامت وتخلفت عن قطعانها، والواحدة خاذل) وقال جميل بن معمر العذري: ألم تربع فتخبرك الطلول ... وقد ساءت لو نفع السؤول وكيف سؤال خيمات بوال ... ونوى عهد أحدثه محيل؟! لئن أمسى خلاء بعد جمل ... لقد يغني به الأنس الحلول وقال البحتري: هلا سألت بجو ثهمد ... طللا لمية قد تأبد؟ درست عهاد الغيث من ... هـ فحال عما كنت تعهد ولقد يساعف ذا الهوى ... بأوانس كالوحش خرد وقال الشريف المرتضى ﵁: ليس بجدي يا صاحبي وقوف ... بطلول ولا يرد سؤال إنما الربع بالمقيمين فيه ... وهو خلواً من ساكنيه مثال وقال سويد بن كراع العكلي: خليلي قوما في عطالة فانظرا ... أناراً ترى من آل يبرين أم برقا؟ فإن تك ناراً فهي في مشمخرة ... من الربح تذروها وتصفقها صفقا لأم علي أوقدتها طماعة ... لأوبة سفر أن تكون لهم وفقاً وحطاً على الأطلال رحلي فإنها ... لأول أطلال عرفت بها العشقا وقال ذو الرمة: أتعرف أطلالاً بوهبين فالخضر ... لمي كأنيار المفوفة الخضر فلما عرفت الدار واغترني الهوى ... تذكرت، هل لي إن تصابيت من عذر؟ فلم أر عذراً بعد عشرين حجة ... مضت لي وعشر قد مضين إلى عشر فأخفيت شوقي من رفيقي وإنه ... لذو نسب دان إلي وذو حجر محل الحواءين الذي لست رائياً ... محلهما إلا غلبت على الصبر فهاجت عليك الدار ما لست ناسياً ... من الحاج إلا أن تنسى على ذكر إذا قلت: يسلو ذكر مية قلبه ... أبى حبها إلا بقاء على الدهر وقال ذو الرمة أيضاً: عليكن يا أطلال مي بشارع ... على ما مضى من عهدكن سلام علام سألناكن عن أم سالم ... ومي فلم يرجع لكن كلام هوى لك لا ينفك يدعو كما دعا ... حماماً بأجراع العقيق حمام إذا هملت عيني له قال صاحبي: ... بمثلك هذا فتنة وغرام وقال البحتري: وقفنا فلا الأطلال ردت إجابة ... ولا العذل أجدى في المشوق المخاطب وما انفك رسم الدار حتى تهللت ... دموعي، وحتى أكثر اللوم صاحبي تمادت عقابيل الهوى وتطاولت ... لجاجة معتوب عليه وعاتب وقال زهير: أمن آل سلمى عرفت الطلولا ... بذي حرض ماثلات مثولا بلين وتحسب آياتهم (م) ... عن فرط حولين رقا محيلا وقال أبو تمام: أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند ... أقايضت حور العين بالعين والربد فلا دمع ما لم يجر في إثره دم ... ولا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد وقال أيضاً: قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحى حبال قطينهن رثاثا فتأبدت من كل مخطفة الحشا ... غيداء تُكسى يارقاً ورعاثا وقال أبو نواس:

стр. 33

لمن طلل عافى المحل دفين ... عفا آيه إلا خوالد جون كما اقترنت عند المساء حمائم ... غريبات ممسى ما لهن وكون ديار التي أما جنى رشفاتها=فيحلوا، وأما مسها فيلين وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: متى أسل عن سعدى يهجني لذكرها ... حمائم أو أطلال دار مواثل أضر بها الأنواء والريح والندى ... وغير مغناها الضحى والأصائل وقال أيضاً: عزة أطلال أبت أن تكلما ... تهيج مغانيها الطروب المتيما كأن الرياح الذاريات عشية ... بأطلالها ينسجن ريطاً مسهما أبت وأبى وجدي بعزة إذ نأت ... على عدواء الدار أن يتصرما وقال أيضاً: أهاجك من سعدى الغداة طلول ... بذي الطلح عامي ومحيل وما هاجه من منزل لعبت به ... لهوجاء مرقال العشي ذيول بما قد ترى سُعدى به وكأنها ... طلاً راشحٌ للبارحات خذول وقال أيضاً: ألم تربع فتخبرك الطلول ... ببينة رسمها عاف محيل تحمل أهلها وجرى عليها ... رياح الصيف والسرب الهطول تحن بها الدبور إذا أربت ... كما حنت مولهة ثكول وقال الحادرة، واسمه قطبة بن أوس: لعمرة بين الأخشبين طلول ... تقادم منها مشهر ومحيل وقفت بها حتى تعالى بي الضحى ... لأخبر عنها إنني لسؤول وقال أبو نصر الخيشي: أطيل وقوفي في الطلول كأنما ... تخلف خلفي صاحب أتأناه ومن شيم العشاق في مذهب الهوى ... وقوفهم في الربع أقفر مغناه وقال عمر بن أبي ربيعة: هل تعرف الدار والأطلال والدمنا ... زدن الفؤاد على علاته حزنا دار لأسماء إذ كنا نحل بها ... وأنت إذ ذاك قد كانت لكم وطنا وقال أبو الوليد عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: بأطلال دار من عميرة عرج ... كوشي اليماني برده غير منهج أقامت على الأنواء يسحقن تربها ... وتنسجها الأرواح من كل منسج أراني على شيب القذال متى أقف ... بأطلال دار من عميرة أنشج وقال كثير بن عبد الرحمن: أأطلال سُعدى باللوى تتعهد ... أقامت على الإقواء أم تتجدد وبين التراقي واللهاة حرارة ... مكان الشجى ما تستقر فتبرد وقلت لماء العين: أمعن لعله ... بما لا يرى من غائب الوجد يشهد ولم أر مثل العين ضنت بمائها ... علي، ولا مثلي على الدمع يحسد وقال ذو الرمة غيلان: خليلي عوجا عوجة ناقتيكما ... على طلل بين القلات وسارع وقفنا فقلنا: إيه عن أم سالم ... وما بال تكليم الديار البلاقع فما كلمتنا دارها غير أنها ... ثنت هاجسات من خبال مراجع خلت غير آجال الصريم وقد ترى ... بها وضح اللبات حور المدامع قيل: دخل بشار بن برد على عقبة بن سلم، فأنشده بعض مدائحه فيه، وعنده عقبة بن رؤبة بن العجاج، فأنشده عقبة بن رؤبة رجزاً يمدحه به، فشيعه بشار، وجعل يستحسن ما قال، إلى أن فرغ، ثم أقبل على بشار، فقال: هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ، فقال بشار: ألى يقال مثل هذا؟! والله لأنا أرجز منك ومن أبيك ومن جدك، فقال له عقبة: أنا - والله - وأبي وجدي فتحنا للناس باب الغريب وباب الرجز، وإني لخليق أن أسده عليهم، فقال له بشار: ارحمهم رحمك الله، فقال عقبة، أتستخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال له بشار: فأنت إذن من الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً. ثم خرج [من عنده] عقبة مغضباً، فلما كان من غد غدا بشار على عقبة بن سلم، وعنده عقبة ابن رؤبة فأنشده أرجوزته - التي مدحه فيها -: يا طلل الحي بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدي؟ أحسست من دعد وترب دعد ... سقياً لأسماء ابنة الأشد قامت تراءي إذ رأتني وحدي ... كالشمس بين الزبرج المنقد صدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد عهداً لها سقياً له من عهد ... تخلف وعداً أو تفى بوعد فنحن من جهد الهوى في جهد ... .... ويقول فيها: وافق حظاً من سعى بجد ... ما ضر أهل النوك ضعف الكد الحر يلحي والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد

стр. 34

والنصف يكفيك من التعدي ... وصاحب كالدمل الممد حملته في رقعة من جلدي ... أرقب منه مثل حمى الورد حتى مضى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتي من زهدي ومدح فقال: واسلم وحييت أبا الملد ... مفتاح باب الحدب المنسد مشترك النبل ورى الزند ... أغر لباساً ثياب المجد والأرجوزة طويلة، فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته، وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي، وهرب من تحت ليلته [فلم يعد إليه] . ٥- فصل في ذكر الربع قال الأحوص: قد لعمري بت ليلى ... كأخي الداء الوجيع ونجي الهم مني ... بات أدنى من ضجيعي كلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي وقال أبو تمام: أقشيب ربعهم أراك دريسا ... وقرى ضيوفك لوعة ورسيسا ولئن حبست على البلى لقد اغتدى ... دمعي عليك إلى الممات حبيسا وأرى ربوعك موحشات بعد ما ... قد كنت مألوف المحل أنيسا وقال أيضاً: أجل أيها الربع الذي خف آهله ... لقد أردكت فيك النوى ما تحاوله أسائلكم: ما باله حكم البلى ... عليه!، وإلا فاتركوني أسائله وقفنا على جمر الوداع عشية ... ولا قلب إلا وهو تغلي مراجله وقال أيضاً: سلم على الربع من سلمى بذي سلم ... عليه وسم من الأيام والقدم ما دام عيش لبسناه بساكنه ... لدنا، ولو أن عيشاً دام لم يدم يا منزلاً أعنقت فيه الجنوب على ... رسم محيل، وشعب غير ملتئم هرمت بعدي والربع الذي أفلت ... منه بدورك معذور على الهرم وقال أيضاً: يا موسم اللذات غالتك النوى ... بعدي فربعك للصبابة موسم ولقد أراك من الكواعب كاسياً ... فاليوم أنت من الكواعب معدم لحظت بشاشتك الحوادث لحظة ... ما زلت أعلم أنها لا تسلم قيل: خرج يحيى بن خالد بن برمك يوماً من داره يريد الرشيد، فمر ببعض أفنية قصره، فرأى على بعض حيطانه مكتوباً: أنعموا آل برمك ... وارقبوها متى هيه وارقبوا الدهر أن يدو ... ر عليكم بداهيه فوجم وجزع لذلك، ثم دخل - في ذلك اليوم - عليه أبو نواس، فأنشده: أربع البلى إن الخشوع لباد ... عليك وإني لم أخنك ودادي فمعذرة مني إليك بأن ترى ... رهينة أرواح وصوب غواد ولا أدرأ الضراء عنك بحيلة ... فما أنا فيها قائل لسعاد وإن كنت قد بدلت بؤسي بنعمة ... لقد بدلت عيني قذى برقاد إلى أن بلغ إلى قوله: سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد فتطير، فنكب في تلك الليلة. كان محمد بن واسع ﵀ يمر برباع إخوانه بعد موتهم، فيناديهم: أي فلان، أي فلان، ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ماتوا والله، وإن نعلاً فقدت أختها لسريعة اللحاق بصاحبتها. وقال الفند الزماني، واسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان: أشجاك الربع أقوى والديار ... وبكاء المرء للربع خسار أي لب لامرئ في قدره ... عائذ بالحزن إذ تشجيه دار إنما يبكي الألى كانوا بها ... فانتأوه بعد ما شط المزار يخرب الدهر ويبني جاهداً ... وخراب الدهر للدار عمار (هذا قلب، أراد عمارتها خراب لها) : أيها الباكي على ما فاته ... أقصرن عنك، فبعض القول عار ليس يغني جزع القوم إذا ... وقع الأمر بهم إلا الغيار (يقول: ليس يغني عنهم أن يجزعوا، ولكن أن يغيروا) . فاجزعوا للأمر، أو لا تجزعوا ... قد تداعى السقف وأنهار الجدار وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: سائلاً الربع بالبلى وقولاً ... هجت شوقاً لنا الغداة طويلا أين حي حلوك إذ أنت محفو ... ف بهم آهلاً أراك جميلاً قال: ساروا بأجمع فاستقلوا ... وبكرهي لو استطعت سبيلا وقال حفص الأموي: يا ربع أين انتجع الحاضر ... جادك نوء الجبهة الماطر مالي أرى مغناك قفراً كأن (م) ... لم يله في ساحته سامر أصبح قد ردى ثوب البلى ... فالآي منه مخلق دائر وقد أراه قبل صرف النوى ... يعدب من بهجته الناظر وقال أبو حية النميري:

стр. 35

قفا عند مما تعرفان ربوعي ... وإن سبقت فرط العزاء دموعي نحيي على طول البلى رسم دمنة ... كأن لم تكن من آلفين جميع وماذا نحيي من رسوم كأنها ... بأسفل سلمانين سحق صديع كأن حمامات ثلاثاً بربعها ... وقعن فما يسأمن طول وقوع وإني لصب ما علمت وإنني ... لبعض هوى نفسي لغير مطيع وقال البحتري: يا ربوع الديار إني على ما ... قد أراه منكن غير جلدي أخلق الدهر عهدكن وللده ... ر صروف يبلين كل جديد فرقت شملنا النوى بعد ما ك ... نا جميعاً في ظل عيش حميد وقال قبيصة بن عمرو المهلبي: لأحسن من بطن الرصافة منظراً ... وميدانها فالرخ فالدور فالجسر ربائع لا يلبسن والريح ريدة ... قتاماً ولا يلثقن للوابل الهمر إذا ما كساهن الربيع رياطه ... تأرجن مسكاً أو تضاحكن عن در وقال الشريف الرضي ﵁: قفا صاحبي اليوم أسأل حاجة ... ولا ترجعا سمعي بغير بيان هل الربع بعد الظاعنين كعهده ... وهل راجع فيه علي زماني؟ وقال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن صدقة الخياط الدمشقي: أحب ثرى الوادي الذي بان أهله ... وأصبوا إلى الربع الذي مح مغناه وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه فمنيتهم بالرقمتين، ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه وما شغفي بالريح إلا لأنها ... تمر بحي دون رامة مثواه وقال ذو الرمة غيلان: أللربع ظلت يعنك الماء تهمل ... رشاشاً كما استن الجمان المفصل؟! لعرفان أطلال كأن رسومها ... بوهبين وشيء أو رداء مسلسل نبت نبوة عيني بها ثم بينت=يحاميم سود أنها الدار مثل عهدت بها الحي الحلول بسلوة ... جميعاً، وآيات الهوى ما تزيل وقال الشريف الرضي ﵁: حييت يا ربع الهوى من مربع ... وسقيت أندية الغيوث الهمع فلقد عهدتك والزمان مسالم ... فيك المنى وشفاء داء الموجع أيام إن يدع الهوى بي اتبع ... وإذا دعيت إلى النهى لم أتبع سقياً له زمناً نعمت بظله ... لكنه لما مضى لم يرجع وقال أيضاً: عوجاً نحي الربع فيه لنا الهوى ... فلربما نفع المحب سلامه واستعبرا عني به إن خانني ... جفني، ولم يمطر على غمامه دمن رضعت بهن أخلاف الصبي ... لو لم يكن بعد الرضاع فطامه وقال أيضاً: وقفنا على ربع الأحبة وقفة ... فلم نر إلا رمدداً وأثافيا وأشعث منقد السراة مهمشاً ... أضر به ضرب الوليدة باليا فما زال رسم الدار حتى أعادني ... وكنت جليد القوم في القوم باكيا وقفت به صحبي صحيحاً فلم تكن ... سوى نظرة حتى رجعت بدائيا وقال القاضي المهذب أبو محمد حسن بن علي بن الزبير ﵀: ربع الفؤاد خلال تلك الأربع ... فكأنها أولى به من أضلعي وأقام فيه فالجوانح بلقع ... منه، وما البيد القفار ببلقع وأرى الصبا تمري السحاب وإنما ... تمري صبابته سحاب الأدمع وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري: أمر بربع كنت فيه كأنما ... أمر من الإجلال بالحجر والركن وإجلال مغناك اجتهاد مقصر ... إذا السيف أودي فالعفاء على الجفن وقال أبو تمام: على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب أقول لقرحان من البين لم يضف ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب أعني على تفريق دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب أميدان لهوى من أتاح لك البلى ... وأصبحت ميدان الصبا والجنائب؟ أصابتك أبكار الخطوب فشتتت ... نواك بأبكار الظباء الكواعب وقال آخر: أمسح الربع بخدي ... أن مشى فيه الخليل وعلى مثلك يبكى ... أيها الربع المحيل وقال آخر: يا ربع مالك لا تجيب متيما ... قد عاج نحوك زائراً ومسلما جادتك كل سحابة هطالة ... حتى ترى عن زهره متبسما

стр. 36

لو كنت تدري من دعاك أجبته ... وبكيت من حرق عليه إذاً دما وقال آخر: إن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقاً، ويصبح ربعنا مهجورا فلقد أراني ... والجديد إلى بلى دهراً بوصلك ناعماً مسروراً كنت الهوى وأعز من وطىء الحصا ... عندي، وكنت بذاك منك جديرا وقال جبيهاء الأشجعي، واسمه يزيد بن عبيد: أمن الجميع بذي النعاج ربوع ... هاجت فؤادك والربوع ربوع من بعد ما نكرت وغير آيها ... قطر ومسبلة الذيول خريع؟ وقال آخر: وقفت على ربع لسعدى وعبرتي ... ترقرق في العينين ثم تسيل أسائل ربعاً قد تعفت رسومه ... عليه لأصناف الرياح ذيول فصل آخر في ذكر الربع قال أبو تمام: قد نابت الجزع من أروية النوب ... واستحقبت جدة من ربعها الحقب ألوى بصبرك إخلاق اللوى وهفا ... بلبك الشوق لما أقفر اللبب خفت دموعك في إثر الخليط لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب وقال أرطاة بن سهية: ألا حي ربعاً باللديد المقابل ... يهيج الهوى من بين تلك المنازل يهيج الذي قد كان من سالف الصبى ... على مستهام قلبه غير ذاهل يهيم بذكر الغانيات، وهمه ... طلاب الصبى في غيه المتمايل فما ظبية الغر التي هاجت الهوى ... ولكنما شبهتها أم واصل من البيض مكسالاً كأن حديثها ... جنى النحل هيفاء صموت الخلاخل وقال البحتري: وقفنا على ربع البخيلة فانبرت ... وسابق قد كانت بها العين تبخل فلم يدر ربع الدار كيف يجيبنا ... ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل وقال طرفة بن العبد: أشجاك الربع م قدمه ... أم رماد دارس حممه حابسي رسم وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه وقال جميل بن معمر العذري: أتصرم هذا الربع أم أنت زائره ... وكيف يزار الربع قد بان عامره وقد كان ممن يسكن الربع مرة ... جميل المحيا، قاصر الطرف فاتره سقى الله بيتاً لست أقرب أهله ... ولا أنت إلا أن تعنف زائره رأيتك تأبى البيت تبغض أهله ... وقلبك في البيت الذي أنت هاجره وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... فلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت وما كنت أدرى قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فيا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت عما بيننا، وتخلت لكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها، فلما جاوزته استهلت وقال ذو الرمة: خليلي عوجا عوجة ثم سلما ... عسى الربع بالجرعاء أن يتكلما تعرفته لما وقفت بربعه ... كأن بقاياه تماثيل أعجما ديار لمى قد تعفت رسومها ... تخال نواحيها كتاباً معجما [معجم] أي منقط وقال أيضاً: وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما سقيته ... تكلمني أحجاره وملاعبه أسقيه: أدعو له بالسقيا ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلم ... كريم، ولا مثل الهوى ليم صاحبه متى يعصه تبرح معاصاته به ... وإن يتبع أسبابه فهو عائبه وقال البحتري: عهدي بربعك مأنوساً ملاعبه ... مثال آرامه حسناً كواعبه يشبن للصب في صفو الهوى كدراً ... إن وخط شيب أعيرته ذوائبه وقال أيضاً: إذا شئت أجرت أدمعي من شؤونها ... ربوع لها بالأبرقين وأرسم وقفت بها والركب شتى سبيلهم ... يفيضون، منهم عاذرون ولوم هي الدار إلا أنها لا تكلم ... عفا معلم منها وأقفر معلم تقيض لي ... من حيث لا أعلم النوى ويسري إلي الشوق من حيث أعلم وقال أبو الفتيان بن حيوس: هو ذاك ربع العامرية فاربع ... واسأل مصيفاً عافياً عن مربعي واستسق للدمن الخوالي بالحمى ... غر السحائب واعتذر عن أدمعي فلقد فنين أمام دان هاجر=في قربه، ووراء ناء مزمع

стр. 37

وقال كثير: خليلي عوجا ... ويكما ساعة معي على الربع نقضي حاجة ونودع ولا تعجلاني أن ألم بدمنة ... لعزة لاحت لي ببيداء بلقع وقولاً لقلب قد سلا راجع الهوى ... وللعين أذرى من دموعك أودعي فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا ... مصيفاً، أقمنا فيه من بعد مربع وقال الشريف المرتضى ﵀: كيف أرضى عن الزمان وما أر ... ضى كريماً قبلي الزمان فأرضى عرصات أصبحن وهي سماء ... ثم أمسين بالحوادث أرضا ورباع كانت عرين أسود + أصبحت للضباع مأوى ومفضى وثرى ينبت النعيم إذا أن ... بت ترب البلاد عشباً وحمضا ولقد مضنى هجومي على الدا ... ر بلا آذن على الباب مضا وقال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي: أيدري الربع أي دم أراقا ... وأي قلوب هذا الركب شاقا لنا ولأهله أبداً قلوب ... تلاقي في جسوم ما تلاقى فليت هوى الأحبة كان عدلاً ... فحمل كل قلب ما أطاقا وقال أيضاً: فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا ذكرت به وصلاً كأن لم أفز به ... وعيشاً كأني كنت أقطعه وثبا تحية كسرى في السناء وتبع ... لربعك، لا أرضى تحية أربع أمير المغاني لم تزالي أميرة ... به للغواني في مصيف ومربع لقد نصحتني في المقام بأرضكم رجال، ولكن رب نصح مضيع فلا كان سيرى عنكم رأى ملحد ... يقول بيأس من معاد ومرجع وقال المتنبي: ملث الغيث أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا أسائلها عن المتديريها ... فما تدري ولا تذري دموعا لحاها الله إلا ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا وقال أيضاً: دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا ... لأهله وشفى أنى ولا كربا عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول، وما رد الذي ذهبا سقيته عبرات ظنها مطرا ... سوائلاً من جفون ظنها سحبا وقال أيضاً: بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا فعم صابحاً لقد هيجت لي شجناً ... واردد تحيتنا إنا محيوكا بأي حكم زمان صرت متخذاً ... ريم الفلا بدلاً من ريم أهليكا؟! أيام فيك شموس ما انبعثن لنا ... إلا التعثن دماً بالحظ مسفوكاً وقال أبو فراس بن حمدان: علي لربع العامرية وقفة ... يمل علي الشوق والدمع كاتب فلا وأبي العشاق ما أنا عاشق ... إذا أنا لم تلعب بصبري الملاعب ومن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب أتهجر هذا الربع أم أنت زائره ... وكيف يزار الربع قد بان عامره؟! فذ العرش قد أجرمت في أن هجرتها ... وما يك من ذنب فإنك غافره قد تقدمت هذه الأبيات - بزيادة فيها - منسوبة إلى جميل بن معمر العذري. وقال أبو تمام: يا ربع لو ربعوا على ابن هموم ... مستسلم لجوى الفراق سليم؟ قد كنت معهوداً بأحسن ساكن ... منا، وأحسن دمنة ورسوم أيام للأيام فيك غضارة ... والدهر في وفيك غير مليم وقال نصيب: ولو أن ربعاً راجع القول قبله ... لرد السلام ربع سعدى وسلما ولكنه هاج الهوى لمكلف ... لسعدى وأمسى دارس العلم أعجما وقال الرماح بن ميادة - وميادة أمه، وهي سنديه، وأبوه الأبرد بن ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم - من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك بن مروان: هل ينطق الربع بالعلياء غيره ... سافي الرياح ومستن له طنب جرت به ذات أذيال مزعزعة ... لها تقى، وذيل عارم حصب تكسو معارفه حبراً تجدده ... من التراب، وأخرى بعد تستلب دار لبيضاء مسود مسائحها ... كأنها ظبية ترعى وتنصب جاورتها رجباً أيام ذي سلم ... ثم استمرت ولاقى دونها رجب

стр. 38

وقال الشريف الرضي ﵁: مثلت ربعك والمراحل دونه ... نصب الضمير فكنت في مغناك ورأيت ظبياً واقفاً بفنائكم ... يرنو إلي كما رنت عيناك فبكيت من أسف عليك وإنما ... أجرى مدامع مقلتي ذكراك قالت: أكنت نسيتنا فذكرتنا ... للظبي نشكر، لا للدمع الباكي وقال آخر: سقياً لربعك من ربع بذي سلم ... وللزمان به إذ ذاك من زمن إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجر إليكم سادراً رسنى وقال مهيار: استنجد الريح من سليمى ... مراً على ربعها المحيل ولم أخل قبلها شفائي ... عند نسيم الصبا العليل وأقتضى أذرع المطايا ... ما استصحبت من ثرى الطلول وقال آخر: أربع سلامة بالمنحنى ... بخيف سلع جادك الهاطل إن تمس وحشاً فبما قد ترى ... وأنت معمور بهم آهل وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد ﵀: أربع بتلك الأربع ... بين اللوى فالأجرع وقف ولو رجع الصدى ... وقفة صب موجع وسل صباها إن سرت ... عن الغزال الألمع إن كن قد أتهم لما ... أنجد الوجد معي كم لي إليه أنة ... تقيم عوج أضلعي أودعته قلبي قلم ... يرع حقوق المودع وإن يكن خان ولم ... يرع حقوقي فرعي فيا زماني والصبا ... هل فيكما من مطمع؟ وهل لأيام التصا ... بي والحمى من مرجع؟! ويا غراب البين طر=بعد الفراق أو قع فما أبالي بعدهم ... كيف أتاني مصرعي ٦- فصل في ذكر الدمن قال رقيع بن عبيد بن صيفي: ألم تلمم على الدمن البوالي ... ديار الحي في الحجج الخوالي عفتها كل معصرة، ومر ... من الأيام بعدك والليالي فأبقى من معارفها قليلاً ... عيباً حين يسأل بالسؤال بها عمروا، وكل نعيم عيش ... من الدنيا يصير إلى زوال هم كانوا الحماة وكان فيهم ... ذوو الأفضال والأيدي الطوال وقال البحتري: ألفوا الفراق كأنه وطن لهم ... لا يقربون إليه حتى يبعدوا في كل يوم دمنة من حيهم ... تقوى، وربع منهم يتأبد أسند صدور اليعملات بوقفة ... في الماثلات كأنهن المسند دمن تقاضاهن إعلان البلى ... هوج الرياح الباديات العود حتى فنين، وما البقاء لواقف ... والدهر في أطرافه يتردد وقال أيضاً: بين السقيفة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع فكأنما ضمنت معالمها الذي ... ضمنته أحشاء المحب الموجع ولو أن أنواء الربيع تطيعني ... لشفى الربيع غليل تلك الأربع ما أحسن الأيام إلا أنها ... تمضي بنا، وإذا مضت لم ترجع وقال أيضاً: ما جو خبت وإن نأت ظعنه ... تاركنا أو تشوقنا دمنه إذا استجدت داراً تعلقها ... بالإلف حتى كأنها وطنه تالله ما إن يني يدلهنا ... سرور هذا الزمان أو حزنه وقال أبو تمام: دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام نحرت ركاب الركب حتى يغبروا ... رجلى، لقد عنفوا علي ولاموا وقفوا على اللوم حتى خيلوا ... أن الوقوف على الديار حرام لا مر يوم واحد إلا وفي ... أحشائه لمحلتيك غمام ولقد أراك فهل أراك بغرة ... والعيش غض والزمان غلام أعوام وصل كان ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام ثم انبرت أيام هجر أردفت ... بجوى أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنهم وكأنها أحلام وقال مهيار: دمن كمسحبة الأزم ... ة مسحلاً إمرارها ماتت حقائها وخل ... د زورها ومعارها وامتد ليل السافيا ... ت بجوها، ونهارها عندي لها إن أجدبت ... وكافة تمتارها أنست بإسبال الدمو ... ع، كأنها أشفارها فصل آخر في ذكر الدمن قال زهير بن أبي سلمى، واسمه ربيعة بن رزاح المزني: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم ديار لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم

стр. 39

[النواشر] : عصب الذراع بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلايا عرفت الدار بعد توهم فلما عرفت الدار قلت لربعها: ... ألا انعم صباحاً أيها الربع واسلم وقال النابغة الذبياني: عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤى وأحجار أقوى وأقفر من نعم وغيرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار وقفت فيها سراة اليوم أسألها ... عن آل نعم أموناً عبر أسفار فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي: أهاجك مغنى دمنة ومساكن ... خلت وعفاها المعصرات السوافن (السوافن) : أراد السوافي ديار ابنة السعدي إذ عقد حبلها ... متين، وإذ معروفها لك عاهن (عاهن) : حاضر وما زلت في ليلى لدن طرشاربي ... إلى اليوم أطفئ إحنة وأداجن وأحمل في ليلى لقوم ضغينة ... وتحمل في ليلى على الضغائن وقال ذو الرمة: تحن إلى مي كما حن نازع ... دعاه الهوى فارتد في قيده قسرا فقلت: أربعاً يا صاحبي بدمنة ... بذي الرمث قد أقوت منازلها عصرا أرشت بها عيناك حتى كأنما ... يحلان من سفح الدموع بها نذرا ولا مي إلا أن تزور بمشرف ... أو الزرق من أطلالها دمناً قفرا وقال أيضاً: أمن دمنة بين القلات وشارع ... تصابيت حتى ظلت العين تدمع أجل عبرة ظلت إذا ما وزعتها ... بحلمي أبت منها عوارض تسرع وما يرجع الوجد الزمان الذي مضى ... وما للفتى في دمنة الدار مجزع عشية مالي حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع أخط وأمحو الخط ثم أعيده ... بكفي والغربان في الدار وقع كأن سناناً فارسياً أصابني ... على كبدي، بل لوعة الحب أوجع ألا ليت أيام القلات وشارع ... رجعن لنا، ثم انقضى العيش أجمع وقال أيضاً: أمن دمنة بالجو جو جلاجل ... زميلك منهل الدموع جزوع؟ عصيت الهوى يوم القلات وإنني لداعي الهوى يوم النقا لسميع أربت به هوجاء تستدرج الصبا ... مفرقة تذرى التراب جموع أراجعة يا مي أيامنا الألى ... بذي الرمث، أم لا مالهن رجوع؟ ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لم تذرف لهن دموع وقال كثير بن عبد الرحمن: سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا ... بحقل لكم يا عز قد زانتا حقلا نجاء الثريا كل آخر ليلة ... تجودهما جوداً وتردفهما وبلا إذا شحطت دار لعزة لم أجد ... لها في الألى يلحين في وصلها مثلا فيا ليت شعري والحوادث جمة ... متى تجمع الأيام يوماً بها شملا؟ وقال أرطاة بن كعب بن قعين: يا دارة السلم التي شرقيها ... دمن يظل حمامها يبكينا ما كنت أول من تفرق شمله ... ورأى الغداة من الفراق يقينا وقال ذو الرمة غيلان: خليلي عوجا حييا رسم دمنة ... محتها الصبا بعدي وطارت خيامها هل الدار إن عجنا ... لك الخير ناطق بحاجتنا أطلالها وثمامها؟! ألا لا، ولكن عائد الشوق هاجه ... عليك طلول قد أحال مقامها منازل من مي بوهبين جادها ... أهاضيب طل دجنها واتمهامها وقال أحمر بن الأيهم التغلبي: ألمم على دمن تقادم عهدها ... بالجزع واستلب الزمان جمالها رسم لقاتلة الغرانق ما به ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها ظلت تسائل بالمتيم أهله ... وهي التي فعلت به أفعالها وقال البحتري: دمن لزينب قبل تشريد النوى ... من ذي الأراك بزينب ولعوب تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب فسقى الغضى والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب قال أبو الفرج الأصبهاني: لما قال علي بن أحمد بن أبي أمية الكاتب: يا ريح ما تصنعين بالدمن ... كم لك من محو منظر حسن محوت آثارنا وأحدثت آ ... ثاراً بربع الحبيب لم تكن

стр. 40

إن تك يا ربع قد بليت من الر ... يح، فإني بال من الحزن قد كان يا ربع فيك لي سكن ... فصرت مذبان بعده سكني شبهت ما أبلت الرياح من آثار ... حبيبي النائي إلى بدني حاشاك يا ريح أن تكوني على ال ... عاشق عوناً لحادث الزمن كثر الناس فيه، وتداولوه، وغني فيه عمرو الغوال، فقال أبو موسى الأعمى: يا رب خذني، وخذ علياً، وخذ ... "يا ريح ما تصنعين بالدمن" عجل إلى النار بالثلاثة والرا ... بع عمرو الغوال في قرن وقال عمر بن شأس: متى تعرف العينان أطلال دمنة ... لليلى بأعلى ذي معارك تدمعا على النحر والسربال حتى تبله ... سجوم، ولم تجزع إلى الدار مجزعا خليلي عوجاً اليوم نقض لبانة ... وإلا تعوجا اليوم لا ننطلق معا قال أبو عمرو: كان بيهس بن صهيب بن عامر بن عبد الله بن نائل يهوى امرأة من قومه يقال لها: "صفراء" وكان يتحدث إليها، ويجلس في بيتها، ويكثر وجده بها، ولا يظهره لأحد، ولا يخطبها إلى أبيها، لأنه كان صعلوكاً لا مال له، وكان ينتظر أن يثرى، وكان شاعراً شجاعاً، له مواقف مشهورة، وكان من أحسن الشباب وجهاً وشارة، وحديثاً، وشعراً، فكان نساء الحي يتعرضن له، يجلسن إليه، ويتحدثن معه، فمرت به صفراء، فرأته جالساً مع فتاة منهن، فهجرته زماناً، لا تجيبه إذا دعاها، ولا تخرج إليه إذا زارها، وعرض له سفر، فخرج فيه، ثم عاد وقد زوجها أبوها رجلاً من بني أسد، فأخرجها وانتقل بها عن ديارهم، فقال بيهس بن صهيب: سقى دمنة صفراء كانت تحلها ... نجاء الثريا طلها وذهابها وجاد عليها كل أسحم هاطل ... ولا زال مخضراً مريعاً جنابها أحب ثرى أرض إلي وإن نأت ... محلك منها، نبتها وترابها على أنها غضبى علي وحبذا ... رضاها إذا ما أرضيت وعتابها نظرت وقد زال الحمول، ووازنوا ... بركوة والوادي وحنت ركابها فقلت لأصحابي: أبا لقرب منهم ... جرى الطير، أم نادى ببين غرابها!؟ وتوفيت "صفراء" قبل أن يدخل بها زوجها الأسدي، ولبيهس بن صهيب فيها أشعار يرثيها، وقد أوردت أخباره وأشعاره في صفراء في كتابي المترجم بكتاب "أخبار النساء" فاقتصرت على ما ذكرته ههنا من شعر، لما اقتضاه التأليف من ذكر الدمن. وقال المتنبي: قف على الدمنتين بالدو من ري ... ا، كخال في وجنة جنب خال بطلول كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليالي وقال أبو تمام: أراك أكبرت إدماني على الدمن ... وحملي الشوق من باد ومكتمن لا تكثرن ملامي أن عكفت على ... ربع الحبيب فلم أعكف على وثن فما وجدت على الأحشاء أوقد من ... دمع على وطن لي في سوى وطني صيرت لي من تباري عبرتي سكناً ... مذ صرت فرداً بلا إلف ولا سكن وقال المتنبي: ذكر الصبي ومرابع الآرام ... جلبت حمامي قبل وقت حمامي دمن تكاثرت الهموم على في ... عرصاتها، كتكاثر اللوام وكأن كل سحابة وقفت بها ... تبكي بعيني عروة بن حزام ليس القباب على الركاب وإنما ... هن الحياة ترحلت بسلام ليت الذي خلق النوى جعل الحصى ... لخفافهن مفاصلي وعظامي وقال أبو نواس الحسن بن هانئ: لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم تجافي البلى عنهن حتى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم وما زال مدلولاً على الربع عاشق ... أسير لبانات، طليح هموم يرى الناس أعباء على جفن عينه ... وإن حل في وادي أخ وحميم وقال أيضاً: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن ما بدا إلا استرق له ... حسنه عبداً بلا ثمن وقال البحتري: أفي كل يوم منك عين ترقرق ... وقلب على طول التذكر يخفق على دمنة فيها لأدمانة النقا ... محاسن أيام تخب وتعنق
следующие страницы →