Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لو كنت تدري من دعاك أجبته ... وبكيت من حرق عليه
إذاً
دما
وقال آخر:
إن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقاً، ويصبح ربعنا مهجورا
فلقد أراني ... والجديد إلى بلى
دهراً بوصلك ناعماً مسروراً
كنت الهوى وأعز من وطىء الحصا ... عندي، وكنت بذاك منك جديرا
وقال جبيهاء الأشجعي، واسمه يزيد بن عبيد:
أمن الجميع بذي النعاج ربوع ... هاجت فؤادك والربوع ربوع
من بعد ما نكرت وغير آيها ... قطر ومسبلة الذيول خريع؟
وقال آخر:
وقفت على ربع لسعدى وعبرتي ... ترقرق في العينين ثم تسيل
أسائل ربعاً قد تعفت رسومه ... عليه لأصناف الرياح ذيول
فصل آخر في ذكر الربع
قال أبو تمام:
قد نابت الجزع من أروية النوب ... واستحقبت جدة من ربعها الحقب
ألوى بصبرك إخلاق اللوى وهفا ... بلبك الشوق لما أقفر اللبب
خفت دموعك في إثر الخليط لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب
وقال أرطاة بن سهية:
ألا حي ربعاً باللديد المقابل ... يهيج الهوى من بين تلك المنازل
يهيج الذي قد كان من سالف الصبى ... على مستهام قلبه غير ذاهل
يهيم بذكر الغانيات، وهمه ... طلاب الصبى في غيه المتمايل
فما ظبية الغر التي هاجت الهوى ... ولكنما شبهتها أم واصل
من البيض مكسالاً كأن حديثها ... جنى النحل هيفاء صموت الخلاخل
وقال البحتري:
وقفنا على ربع البخيلة فانبرت ... وسابق قد كانت بها العين تبخل
فلم يدر ربع الدار كيف يجيبنا ... ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل
وقال طرفة بن العبد:
أشجاك الربع م قدمه ... أم رماد دارس حممه
حابسي رسم وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه
وقال جميل بن معمر العذري:
أتصرم هذا الربع أم أنت زائره ... وكيف يزار الربع قد بان عامره
وقد كان ممن يسكن الربع مرة ... جميل المحيا، قاصر الطرف فاتره
سقى الله بيتاً لست أقرب أهله ... ولا
أنت إلا أن تعنف
زائره
رأيتك تأبى البيت تبغض أهله ... وقلبك في البيت الذي أنت هاجره
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... فلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
وما كنت أدرى قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت عما بيننا، وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها، فلما جاوزته استهلت
وقال ذو الرمة:
خليلي عوجا عوجة ثم سلما ... عسى الربع بالجرعاء أن يتكلما
تعرفته لما وقفت بربعه ... كأن بقاياه تماثيل أعجما
ديار لمى قد تعفت رسومها ... تخال نواحيها كتاباً معجما
[معجم] أي منقط وقال أيضاً:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما سقيته ... تكلمني أحجاره وملاعبه
أسقيه: أدعو له بالسقيا
ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلم ... كريم، ولا مثل الهوى ليم صاحبه
متى يعصه تبرح معاصاته به ... وإن يتبع أسبابه فهو عائبه
وقال البحتري:
عهدي بربعك مأنوساً ملاعبه ... مثال آرامه حسناً كواعبه
يشبن للصب في صفو الهوى كدراً ... إن وخط شيب أعيرته ذوائبه
وقال أيضاً:
إذا شئت أجرت أدمعي من شؤونها ... ربوع لها بالأبرقين وأرسم
وقفت بها والركب شتى سبيلهم ... يفيضون، منهم عاذرون ولوم
هي الدار إلا أنها لا تكلم ... عفا معلم منها وأقفر معلم
تقيض لي ... من حيث لا أعلم
النوى
ويسري إلي الشوق من حيث أعلم
وقال أبو الفتيان بن حيوس:
هو ذاك ربع العامرية فاربع ... واسأل مصيفاً عافياً عن مربعي
واستسق للدمن الخوالي بالحمى ... غر السحائب واعتذر عن أدمعي
فلقد فنين أمام دان هاجر=في قربه، ووراء ناء مزمع
стр. 37
وقال كثير:
خليلي عوجا ... ويكما
ساعة معي
على الربع نقضي حاجة ونودع
ولا تعجلاني أن ألم بدمنة ... لعزة لاحت لي ببيداء بلقع
وقولاً لقلب قد سلا راجع الهوى ... وللعين أذرى من دموعك أودعي
فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا ... مصيفاً، أقمنا فيه من بعد مربع
وقال الشريف المرتضى ﵀:
كيف أرضى عن الزمان وما أر ... ضى كريماً قبلي الزمان فأرضى
عرصات أصبحن وهي سماء ... ثم أمسين بالحوادث أرضا
ورباع كانت عرين أسود + أصبحت للضباع مأوى ومفضى
وثرى ينبت النعيم إذا أن ... بت ترب البلاد عشباً وحمضا
ولقد مضنى هجومي على الدا ... ر بلا آذن على الباب مضا
وقال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي:
أيدري الربع أي دم أراقا ... وأي قلوب هذا الركب شاقا
لنا ولأهله أبداً قلوب ... تلاقي في جسوم ما تلاقى
فليت هوى الأحبة كان عدلاً ... فحمل كل قلب ما أطاقا
وقال أيضاً:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرسوم ولا لبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا
ذكرت به وصلاً كأن لم أفز به ... وعيشاً كأني كنت أقطعه وثبا
تحية كسرى في السناء وتبع ... لربعك، لا أرضى تحية أربع
أمير المغاني لم تزالي أميرة ... به للغواني في مصيف ومربع
لقد نصحتني في المقام بأرضكم رجال، ولكن رب نصح مضيع
فلا كان سيرى عنكم رأى ملحد ... يقول بيأس من معاد ومرجع
وقال المتنبي:
ملث الغيث أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا
أسائلها عن المتديريها ... فما تدري ولا تذري دموعا
لحاها الله إلا ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا
وقال أيضاً:
دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا ... لأهله وشفى أنى ولا كربا
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول، وما رد الذي ذهبا
سقيته عبرات ظنها مطرا ... سوائلاً من جفون ظنها سحبا
وقال أيضاً:
بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا ... وجدت بي وبدمعي في مغانيكا
فعم صابحاً لقد هيجت لي شجناً ... واردد تحيتنا إنا محيوكا
بأي حكم زمان صرت متخذاً ... ريم الفلا بدلاً من ريم أهليكا؟!
أيام فيك شموس ما انبعثن لنا ... إلا التعثن دماً بالحظ مسفوكاً
وقال أبو فراس بن حمدان:
علي لربع العامرية وقفة ... يمل علي الشوق والدمع كاتب
فلا وأبي العشاق ما أنا عاشق ... إذا أنا لم تلعب بصبري الملاعب
ومن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
أتهجر هذا الربع أم أنت زائره ... وكيف يزار الربع قد بان عامره؟!
فذ العرش قد أجرمت في أن هجرتها ... وما يك من ذنب فإنك غافره
قد تقدمت هذه الأبيات - بزيادة فيها - منسوبة إلى جميل بن معمر العذري.
وقال أبو تمام:
يا ربع لو ربعوا على ابن هموم ... مستسلم لجوى الفراق سليم؟
قد كنت معهوداً بأحسن ساكن ... منا، وأحسن دمنة ورسوم
أيام للأيام فيك غضارة ... والدهر في وفيك غير مليم
وقال نصيب:
ولو أن ربعاً راجع القول قبله ... لرد السلام ربع سعدى وسلما
ولكنه هاج الهوى لمكلف ... لسعدى وأمسى دارس العلم أعجما
وقال الرماح بن ميادة - وميادة أمه، وهي سنديه، وأبوه الأبرد بن ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم - من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك بن مروان:
هل ينطق الربع بالعلياء غيره ... سافي الرياح ومستن له طنب
جرت به ذات أذيال مزعزعة ... لها تقى، وذيل عارم حصب
تكسو معارفه حبراً تجدده ... من التراب، وأخرى بعد تستلب
دار لبيضاء مسود مسائحها ... كأنها ظبية ترعى وتنصب
جاورتها رجباً أيام ذي سلم ... ثم استمرت ولاقى دونها رجب
стр. 38
وقال الشريف الرضي ﵁:
مثلت ربعك والمراحل دونه ... نصب الضمير فكنت في مغناك
ورأيت ظبياً واقفاً بفنائكم ... يرنو إلي كما رنت عيناك
فبكيت من أسف عليك وإنما ... أجرى مدامع مقلتي ذكراك
قالت: أكنت نسيتنا فذكرتنا ... للظبي نشكر، لا للدمع الباكي
وقال آخر:
سقياً لربعك من ربع بذي سلم ... وللزمان به إذ ذاك من زمن
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجر إليكم سادراً رسنى
وقال مهيار:
استنجد الريح من سليمى ... مراً على ربعها المحيل
ولم أخل قبلها شفائي ... عند نسيم الصبا العليل
وأقتضى أذرع المطايا ... ما استصحبت من ثرى الطلول
وقال آخر:
أربع سلامة بالمنحنى ... بخيف سلع جادك الهاطل
إن تمس وحشاً فبما قد ترى ... وأنت معمور بهم آهل
وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد ﵀:
أربع بتلك الأربع ... بين اللوى فالأجرع
وقف ولو رجع الصدى ... وقفة صب موجع
وسل صباها إن سرت ... عن الغزال الألمع
إن كن قد أتهم لما ... أنجد الوجد معي
كم لي إليه أنة ... تقيم عوج أضلعي
أودعته قلبي قلم ... يرع حقوق المودع
وإن يكن خان ولم ... يرع حقوقي فرعي
فيا زماني والصبا ... هل فيكما من مطمع؟
وهل لأيام التصا ... بي والحمى من مرجع؟!
ويا غراب البين طر=بعد الفراق أو قع
فما أبالي بعدهم ... كيف أتاني مصرعي
٦- فصل في ذكر الدمن
قال رقيع بن عبيد بن صيفي:
ألم تلمم على الدمن البوالي ... ديار الحي في الحجج الخوالي
عفتها كل معصرة، ومر ... من الأيام بعدك والليالي
فأبقى من معارفها قليلاً ... عيباً
حين يسأل بالسؤال
بها عمروا، وكل نعيم عيش ... من الدنيا يصير إلى زوال
هم كانوا الحماة وكان فيهم ... ذوو الأفضال والأيدي الطوال
وقال البحتري:
ألفوا الفراق كأنه وطن لهم ... لا يقربون إليه حتى يبعدوا
في كل يوم دمنة من حيهم ... تقوى، وربع منهم يتأبد
أسند صدور اليعملات بوقفة ... في الماثلات كأنهن المسند
دمن تقاضاهن إعلان البلى ... هوج الرياح الباديات العود
حتى فنين، وما البقاء لواقف ... والدهر في أطرافه يتردد
وقال أيضاً:
بين السقيفة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع
فكأنما ضمنت معالمها الذي ... ضمنته أحشاء المحب الموجع
ولو أن أنواء الربيع تطيعني ... لشفى الربيع غليل تلك الأربع
ما أحسن الأيام إلا أنها ... تمضي بنا، وإذا مضت لم ترجع
وقال أيضاً:
ما جو خبت وإن نأت ظعنه ... تاركنا أو تشوقنا دمنه
إذا استجدت داراً تعلقها ... بالإلف حتى كأنها وطنه
تالله ما إن يني يدلهنا ... سرور هذا الزمان أو حزنه
وقال أبو تمام:
دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام
نحرت ركاب الركب حتى يغبروا ... رجلى، لقد عنفوا علي ولاموا
وقفوا على اللوم حتى خيلوا ... أن الوقوف على الديار حرام
لا مر يوم واحد إلا وفي ... أحشائه لمحلتيك غمام
ولقد أراك فهل أراك بغرة ... والعيش غض والزمان غلام
أعوام وصل كان ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت ... بجوى أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنهم وكأنها أحلام
وقال مهيار:
دمن كمسحبة الأزم ... ة مسحلاً إمرارها
ماتت حقائها وخل ... د زورها ومعارها
وامتد ليل السافيا ... ت بجوها، ونهارها
عندي لها إن أجدبت ... وكافة تمتارها
أنست بإسبال الدمو ... ع، كأنها أشفارها
فصل آخر في ذكر الدمن
قال زهير بن أبي سلمى، واسمه ربيعة بن رزاح المزني:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم
ديار لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم
стр. 39
[النواشر] : عصب الذراع
بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلايا عرفت الدار بعد توهم
فلما عرفت الدار قلت لربعها: ... ألا انعم صباحاً أيها الربع واسلم
وقال النابغة الذبياني:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤى وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار
وقفت فيها سراة اليوم أسألها ... عن آل نعم أموناً عبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
أهاجك مغنى دمنة ومساكن ... خلت وعفاها المعصرات السوافن
(السوافن) : أراد السوافي
ديار ابنة السعدي إذ عقد حبلها ... متين، وإذ معروفها لك عاهن
(عاهن) : حاضر
وما زلت في ليلى لدن طرشاربي ... إلى اليوم أطفئ إحنة وأداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينة ... وتحمل في ليلى على الضغائن
وقال ذو الرمة:
تحن إلى مي كما حن نازع ... دعاه الهوى فارتد في قيده قسرا
فقلت: أربعاً يا صاحبي بدمنة ... بذي الرمث قد أقوت منازلها عصرا
أرشت بها عيناك حتى كأنما ... يحلان من سفح الدموع بها نذرا
ولا مي إلا أن تزور بمشرف ... أو الزرق من أطلالها دمناً قفرا
وقال أيضاً:
أمن دمنة بين القلات وشارع ... تصابيت حتى ظلت العين تدمع
أجل عبرة ظلت إذا ما وزعتها ... بحلمي أبت منها عوارض تسرع
وما يرجع الوجد الزمان الذي مضى ... وما للفتى في دمنة الدار مجزع
عشية مالي حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع
أخط وأمحو الخط ثم أعيده ... بكفي والغربان في الدار وقع
كأن سناناً فارسياً أصابني ... على كبدي، بل لوعة الحب أوجع
ألا ليت أيام القلات وشارع ... رجعن لنا، ثم انقضى العيش أجمع
وقال أيضاً:
أمن دمنة بالجو جو جلاجل ... زميلك منهل الدموع جزوع؟
عصيت الهوى يوم القلات وإنني لداعي الهوى يوم النقا لسميع
أربت به هوجاء تستدرج الصبا ... مفرقة تذرى التراب جموع
أراجعة يا مي أيامنا الألى ... بذي الرمث، أم لا مالهن رجوع؟
ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني ... حمائم ورق في الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لم تذرف لهن دموع
وقال كثير بن عبد الرحمن:
سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا ... بحقل لكم يا عز قد زانتا حقلا
نجاء الثريا كل آخر ليلة ... تجودهما جوداً وتردفهما وبلا
إذا شحطت دار لعزة لم أجد ... لها في الألى يلحين في وصلها مثلا
فيا ليت شعري والحوادث جمة ... متى تجمع الأيام يوماً بها شملا؟
وقال أرطاة بن كعب بن قعين:
يا دارة السلم التي شرقيها ... دمن يظل حمامها يبكينا
ما كنت أول من تفرق شمله ... ورأى الغداة من الفراق يقينا
وقال ذو الرمة غيلان:
خليلي عوجا حييا رسم دمنة ... محتها الصبا بعدي وطارت خيامها
هل الدار إن عجنا ... لك الخير
ناطق
بحاجتنا أطلالها وثمامها؟!
ألا لا، ولكن عائد الشوق هاجه ... عليك طلول قد أحال مقامها
منازل من مي بوهبين جادها ... أهاضيب طل دجنها واتمهامها
وقال أحمر بن الأيهم التغلبي:
ألمم على دمن تقادم عهدها ... بالجزع واستلب الزمان جمالها
رسم لقاتلة الغرانق ما به ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ظلت تسائل بالمتيم أهله ... وهي التي فعلت به أفعالها
وقال البحتري:
دمن لزينب قبل تشريد النوى ... من ذي الأراك بزينب ولعوب
تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب
فسقى الغضى والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب
قال أبو الفرج الأصبهاني: لما قال علي بن أحمد بن أبي أمية الكاتب:
يا ريح ما تصنعين بالدمن ... كم لك من محو منظر حسن
محوت آثارنا وأحدثت آ ... ثاراً بربع الحبيب لم تكن
стр. 40
إن تك يا ربع قد بليت من الر ... يح، فإني بال من الحزن
قد كان يا ربع فيك لي سكن ... فصرت مذبان بعده سكني
شبهت ما أبلت الرياح من آثار ... حبيبي النائي إلى بدني
حاشاك يا ريح أن تكوني على ال ... عاشق عوناً لحادث الزمن
كثر الناس فيه، وتداولوه، وغني فيه عمرو الغوال، فقال أبو موسى الأعمى:
يا رب خذني، وخذ علياً، وخذ ... "يا ريح ما تصنعين بالدمن"
عجل إلى النار بالثلاثة والرا ... بع عمرو الغوال في قرن
وقال عمر بن شأس:
متى تعرف العينان أطلال دمنة ... لليلى بأعلى ذي معارك تدمعا
على النحر والسربال حتى تبله ... سجوم، ولم تجزع إلى الدار مجزعا
خليلي عوجاً اليوم نقض لبانة ... وإلا تعوجا اليوم لا ننطلق معا
قال أبو عمرو: كان بيهس بن صهيب بن عامر بن عبد الله بن نائل يهوى امرأة من قومه يقال لها: "صفراء" وكان يتحدث إليها، ويجلس في بيتها، ويكثر وجده بها، ولا يظهره لأحد، ولا يخطبها إلى أبيها، لأنه كان صعلوكاً لا مال له، وكان ينتظر أن يثرى، وكان شاعراً شجاعاً، له مواقف مشهورة، وكان من أحسن الشباب وجهاً وشارة، وحديثاً، وشعراً، فكان نساء الحي يتعرضن له، يجلسن إليه، ويتحدثن معه، فمرت به صفراء، فرأته جالساً مع فتاة منهن، فهجرته زماناً، لا تجيبه إذا دعاها، ولا تخرج إليه إذا زارها، وعرض له سفر، فخرج فيه، ثم عاد وقد زوجها أبوها رجلاً من بني أسد، فأخرجها وانتقل بها عن ديارهم، فقال بيهس بن صهيب:
سقى دمنة صفراء كانت تحلها ... نجاء الثريا طلها وذهابها
وجاد عليها كل أسحم هاطل ... ولا زال مخضراً مريعاً جنابها
أحب ثرى أرض إلي وإن نأت ... محلك منها، نبتها وترابها
على أنها غضبى علي وحبذا ... رضاها إذا ما أرضيت وعتابها
نظرت وقد زال الحمول، ووازنوا ... بركوة والوادي وحنت ركابها
فقلت لأصحابي: أبا لقرب منهم ... جرى الطير، أم نادى ببين غرابها!؟
وتوفيت "صفراء" قبل أن يدخل بها زوجها الأسدي، ولبيهس بن صهيب فيها أشعار يرثيها، وقد أوردت أخباره وأشعاره في صفراء في كتابي المترجم بكتاب "أخبار النساء" فاقتصرت على ما ذكرته ههنا من شعر، لما اقتضاه التأليف من ذكر الدمن.
وقال المتنبي:
قف على الدمنتين بالدو من ري ... ا، كخال في وجنة جنب خال
بطلول كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليالي
وقال أبو تمام:
أراك أكبرت إدماني على الدمن ... وحملي الشوق من باد ومكتمن
لا تكثرن ملامي أن عكفت على ... ربع الحبيب فلم أعكف على وثن
فما وجدت على الأحشاء أوقد من ... دمع على وطن لي في سوى وطني
صيرت لي من تباري عبرتي سكناً ... مذ صرت فرداً بلا إلف ولا سكن
وقال المتنبي:
ذكر الصبي ومرابع الآرام ... جلبت حمامي قبل وقت حمامي
دمن تكاثرت الهموم على في ... عرصاتها، كتكاثر اللوام
وكأن كل سحابة وقفت بها ... تبكي بعيني عروة بن حزام
ليس القباب على الركاب وإنما ... هن الحياة ترحلت بسلام
ليت الذي خلق النوى جعل الحصى ... لخفافهن مفاصلي وعظامي
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت
وحسن رسوم
تجافي البلى عنهن حتى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم
وما زال مدلولاً على الربع عاشق ... أسير لبانات، طليح هموم
يرى الناس أعباء على جفن عينه ... وإن حل في وادي أخ وحميم
وقال أيضاً:
يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن
سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن
ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن
بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن
ما بدا إلا استرق له ... حسنه عبداً بلا ثمن
وقال البحتري:
أفي كل يوم منك عين ترقرق ... وقلب على طول التذكر يخفق
على دمنة فيها لأدمانة النقا ... محاسن أيام تخب وتعنق
стр. 41
وقفت فأوقفت الجوى موضع الهوى ... ليالي عود الدهر ريان مشرق
فحرك بثي ربعها، وهي ساكن ... وجدد وجدي رسمها وهو مخلق
وقال ابن المولى، وهو محمد بن عبد الله بن المولى، مولى الأنصار ﵃:
وقال خليلي ... والبكا لي غالب
:
أقاض على هذا البكاو التشوق؟!
وقد طال توقافي أكفكف عبرة ... على دمنة كادت بها النفس تزهق
وإنسان عيني في دوائر لجة ... من الماء يبدو تارة ثم يغرق
وقال الشيخ الأمين أبو البركات بن أبي جرادة الحلبي:
الناس لا هون في أماكنهم ... ونحن في رحلة وفي ظعن
كأننا من متيمي العرب العر ... باء تهوى المعاج بالدمن
هذان البيتان للشيخ الأمين أبي البركات بن أبي جرادة، وكان أميناً على خزانة الملك العادل نور الدين، فكان لا يزال معه في سفر، ولم يكن معتاداً لذلك، فتبرم بما هو فيه من الحركة والسفر المستمر في الأخطار والحروب، فكتب إلى أخيه ثقة الملك أبي عبد الله - رحمهما الله - أبياتاً، منها البيتان المقدمة، وأنا ذاكر القطعة بكمالها:
يا ثقتي أنت مشتكى حزني ... قد فاتني كل مطلب حسن
ما قصرت همتي فأجعلها ... مظنة الإتهام والظنن
أملت أن أقتنى من المجد ... والسؤدد ما لا يباع بالثمن
واقتفى سنة الألى درجوا ... قبلي على واضح من السنن
راغب نفس فيما يزهدني ... ناعم بال بعيشي الخشن
حيث لا أبتغي مزاحمة الخل ... ق ولا أشرئب للمنن
ولا يراني امرؤ ألوذ به ... إلا خليلي في الله أو سكني
هذا الذي رمته فعارضني ... في كونه عارض من الزمن
أصبح شملي إلى الشتات وأص ... بحت غريباً، وما نبا وطني
ولا جفاني أهل الصفاء ولا ... شربت در الصفاء بالضفن
الناس لا هون في أماكنهم ... ونحن في رحلة وفي ظعن
كأننا من متيمي العرب العر ... باء تهوى المعاج بالدمن
لا صبر لي قد خرجت من جلدي ... وقد سلبت الحصين من جنني
وأسخن اليأس ناظري فما ... يقر للمطمعات في الرسن
ومج سمعي لغو الحديث فما ... يطور شيء منه على أذني
وعدت من كل ما أومله ... أوقل: حسبي بصحة البدن
أي عرى حالة علقت بها ... وأي شتى قرنت في قرن
جمعت ... والهفتاه
قلب فتى
يفتر عن هم شارخ يفن
ورتبة في العلاء تتبعها ... صورة مستبذل وممتهن
مت ونفسي على باقية ... وضعت والحافظات تحفظني
واخيبة الحاسدين كم منح ... مغبوطة، وهي أعظم المحن!
يا ليت أني قبل المنية قد ... غببت في حفرتي وفي كفني
يا ليت ما كان من حياتي ... إذ ال
أمر على ما أراه
لم يكن!
وقال عروة بن حزام:
ألا يا غرابي دمنة الدار بيننا ... أبا لهجر من عفراء تنتجيان؟
فإن كان حقاً ما تقولان فانهضا ... بحلمي إلى وكريكما فكلاني
فعفراء أصفى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني
فوالله ما حدثت سرك صاحباً ... نصيحاً، ولا فاهت به الشفتان
سوى أنني قد قلت يوماً لصاحبي ... ضحى، وقلوصانا بنا تخدان
:
ألا حبذا من حب عفراء ملتقى ... نعام، وبرك، حيث يلتقيان
وقال أبو وجزة السعدي:
لمن دمنة بالنعف عاف صعيدها ... تغير باقيها ومح جديدها
لسعدة في عام الهريمة إذ بنا ... تصاف، وإذ لما يرعنا صدودها
وإذ هي أما نفسها فأريبة ... للهو، وأما عن صبي فتذودها
تصيد ألباب الرجال بدلها ... وشيمتها وحشية لا نصيدها
كباسقة الوسمي ساعة أسبلت ... تلألأ فيها البرق وابيض جيدها
وقال الشريف المرتضى ﵁:
فإما شئتما أن تسعداني ... فمرا بين على الدمن البوالي
خرسن، فلو ملكن النطق يوماً ... شكون إليك من جنف الليالي
وقال أيضاً:
فيا دمنة الحي الذين تحملوا ... بوادي الغضى ماذا ألم بنا منك؟
خشعت فلا عين تراك لناظر ... دثوراً، ولا نطق يخبرنا عنك
стр. 42
وأذكرها والشيب يضحك ثغره ... بلماتنا عهد الشبيبة والفتك
ليالي لا حلم لذي الحلم والنهى ... هناك، ولا نسك يصاب لذي نسك
وقال لقيط بن زرارة:
لمن دمنة أقفرت بالجناب ... إلى السفح بين الملا فالهضاب
بكيت لعرفان آياتها ... وهاج لك الشوق نعب الغراب
وقال أشجع بن عمرو السلمي:
دمن إذا اشتثبت عينك عهدها ... رجعت إليك بنظرة المتوسم
فتكت بها سنتان يعتورانها ... بالعاصفات وكل أسحم مرزم
وقال مهيار:
رحلوا بأيامي الرقاق على ... آثارهم، وبعيشي السهل
وعكفت بعدهم على ضمن ... عرف البلى فبلى كما يبلى
جسدي، ودمنته بما نحلا ... يتشاكيان تصدع الشمل
مغنى وضعنا أمس من شعف ... سافي ثراه مواضع الكحل
٧- فصل في ذكر الرسم
قال بشر بن أبي خازم:
عفا رسم برامة فالتلاع ... فكثبان الحضير إلى لفاع
عفاها كل هطال سكوب ... يشبه صوته صوت اليراع
(اليراع: القصب التي يصفر بها، ويروى صوت الرباع يقال: ربع ورباع وهو ولد الناقة إذا كان له عشرة أيام) .
وقفت بها أسائلها طويلا ... وما فيها مجاوبة لداع
تحمل أهلها منها فبانوا ... فأبكتني المنازل للرواع
وقال مزاحم بن الحارث العقيلي:
أشاقتك بالنقع الغداة رسوم ... دوارس أدنى عهدهن قديم
دوارس أما أهلها فتحملوا ... فبانوا، وأما خيمها فمقيم
وما ذاك إلا من جميع تفرقت ... بهم نية بعد الجوار قسم
فعادوا كبرد العصب شق فأصبحوا ... فمحتمل غاد، وظل مقيم
وذلك دأب للنوى ليس مخلفي ... إذا كان لي جار علي كريم
وقال أبو تمام:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شأنيك أن يقفا
لا عذر للصب أن يقنى السلو، ولا ... للدمع بعد مضي الحي أن يقفا
حتى يظل بماء سافح ودم ... في الربع يحسب من عينيه قد رعفا
وقال أبو نواس:
ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي
أنت صور الأشياء بيني وبينه ... فجهلي كلا جهل، وعلمي كلا علم
وقال أبو عبد الله بن الخياط الدمشقي:
هو الرسم لو أغنى الوقوف على الرسم ... هو الحزم لولا بعد عهدك بالحزم
عشية جن القلب فيها جنونه ... ونازعني شوقي منازعة الخصم
فلما أبى إلا البكاء على الأسى ... بكيت فما أبقيت للرسم من رسم
لقد وجدت وجدي الديار بأهلها ... ولو لم تجد وجدي لما سقمت سقمي
منازل أدراسٌ شجاني نحولها ... فهلا شجاها ناحل القلب والجسم؟
سقاها الحيا قبلي فلما سقيتها ... دموي رأت فضل الولي على الوسمي
وقال العرجي:
أفي رسم دار دمعك المتحدر ... سفاهاً، وما استنطاق ما ليس يخبر
تغير ذاك الرسم من بعد جدة ... وكل جديد مرة يتغير
وقال البحتري:
أرسوم دار أم سطور كتاب ... درست بشاشتها مع الأحقاب
يجتاز زائرها بغير لبانة ... ويرد سائلها بغير جواب
ولربما كان الزمان محبباً ... فينا بمن فيها من الأحباب
وقال زهير بن أبي سلمى المزني:
هاج الفؤاد معارف الرسم ... قفراً بذي الهضبات كالوشم
ولقد أراها والحلول بها ... من بعد صرم أيما صرم
فاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولا أرمي
لو كان لي قرناً أناضله ... ما طاش عند حفيظة سهمي
أو كان يعطي النصف قلت له ... أحرزت قسمك فاله عن قسمي
وقال الصمة القشيري:
خليلي عوجا منكما اليوم أو دعا ... نحيي رسوماً بالقبيبة بلقعا
أربت بها الأرواح حتى تنسفت ... معارفها إلا الصفيح الموضعا
وغير ثلاث في الديار كأنها ... ثلاث حمامات تقابلن وقعا
بكيت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
(كان الصمة أعور، فيقول: إنه بكى بعينه الصحيحة، فلما زجرها، أي كفكفها فاضت العين التالفة) .
وقال جرير بن عطية:
أقول لصحبتي لما ارتحلنا ... ودمع العين منهمر سجام
أتمضون الرسوم ولا تحيا ... كلامكم علي إذن حرام
стр. 43
مقام الحي مر له ثمان ... إلى عشرين قد بلى المقام
تعالى فوق أجرعك الخزامي ... بنور، واستهل بك الغمام
وقال البحتري:
ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبى ورسم التصابي
أين أهل القباب بالأجزع الفر ... د، تولوا، لا أين أهل القباب!
عرجوا فالدموع إن أبك في الرسم ... ، دموعي والاكتئاب اكتئابي
وكمثل الأحباب لو يعلم العا ... ذل عندي منازل الأحباب
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أمن رسم دار دمعك المترقرق ... سفاهاً، وما استنطاق ما ليس ينطق
بحيث التقى جمع ومفضى محسر ... معالمه كادت على العهد تخلق
ذكرت بها ما قدمضى وتذكر ال ... حبيب، ورسم الدار مما يشوق
ليالي من دهر إذ الحي حيرة ... وإذ هو مأهول الخميلة مونق
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
أمن آل سلمى الرسم أنت مسائل ... نعم، والمغاني قد درسن مواثل
فظلت بها تفضي على حد عبرة ... كأنك من تجريبك الدهر جاهل
وقد كان ما فيه لذي اللب عبرة ... ورأى لذي رأي، فهل أنت عاقل؟
تذكر إخوان مضوا فتتابعوا ... وشيب علا منك المفارق شامل
وقال ذو الرمة:
أهاجتك أطلال الرسوم الدوائر ... بأدعاص حوضي المغنقات النوادر
نعم هاجت الأطلال شوقاً كفى به ... من الشوق إلا أنه غير ظاهر
فما زلت أطوى النفس حتى كأنها ... بذي الرمث لم تخطر على بال خاطر
حياء وإشفاقاً من الركب أن يروا ... دليلاً على مستودعات الضمائر
وقال مهيار:
ورب رسم ماثل ... أعجم ثم بينا
وقال: من هنا طع ... ن، وغربن من هنا
يا بأبي المسكون لو ... أني وجدت السكنا
قالوا: النوى تسمية ... والموت يعني من عنى
من اشتكى أشجانه ... فما أحس الشجنا
كان فؤادي وهم ... فظعنوا وظعنا
لم يترك الغادون لي ... قلباً نجن الحزنا
وقال المرتضى ﵁:
ما بال رسم بكثيب الحمى ... عطلاً بلا شاء ولا جامل
حالت مغانيه ووجدي به ... غض جديد ليس بالحائل
لو أبصرتني ناحلاً عينه ... لاستأنس الناحل بالناحل
وقال القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين، المعروف بابن الحباب:
أجدك لا تراك العين تذرى ... عقيقاً كلما لاح العقيق
سقى رمل الحمى ورسوم مغنى ال ... لوى هزج يروق بما يريق
فيكسو عاطل الهضبات روضاً ... له من زهره حلى أنيق
أراق الطل مدمعه عليه ... وشق جيوبه فيه الشقيق
وقلت:
وقفت على رسم ببيداء بلقع ... خلي من النادي صموت إذا دعي
نبت عنه عيني ثم قال لها البلى ... : هي الدار فاذرى من دموعك أو دعي
ولا تنكرن للدهر إخلاق جدة ... وتشتيت آلاف وإيحاش مجمع
فللموت سكان الديار، وللبلى ... منازلهم، وشملهم للتصدع
فصبراً فإن رد التفجع والأسى ... عليك الذي ولى من الأمر فاجزع
وقال الشماخ بن ضرار:
طال الثواء على رسم بتمثود ... أودي، وكل جديد مرة مود
دار الفتاة التي كنا نقول لها ... يا ظبية عطلاً حسانة الجيد
وقال البحتري:
ولقد نهيت الدمع يوم سويقة ... فأبت غوالب عبرة ما تلب
عفت الرسوم، وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوق ما يزول فيذهب
ولو أنني أنصفت في حكم الهوى ... ما شمت بارقة ورأسي أشيب
وقال أبو العتاهية:
سل الأيام عن أمم تقضت ... ستخبرك المعالم والرسوم
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نئوم
تروم الخلد في دار المنايا ... وكم قد رام قبلك ما تروم
ألا يأيها الملك المرجى ... عليك نواهض الدنيا تحوم
لأمر ما تصرفت الليالي ... وأمر ما تقلبت النجوم
فصل آخر في ذكر الرسم
قال مالك بن معاوية بن سلمة القشيري:
تذكرت من سلمى وذو الشوق ذاكر ... وحاجة من لم تقض داء مخامر
تذكر ذي شوق وهاج صبابة ... خيال سليمى والرسوم الدوائر
стр. 44
بجو كأن لم تحتلله، ولم يكن ... لأهلك مبدي حوله ومحاضر
وقال كعب بن مشهور المخبلي:
فقولاً لباقي رسم ميلاء باللوى ... لوى الهضب بين المغر والمتخرم
عليك سلام أيها الرسم باللوى ... وحييت مسؤولاً وإن لم تكلم
بما كنت إذ ميلاء ميلاء، والهوى ... جميع، وشعب الدار لم يتقسم
كما يتمنى من تمنى، ولا أرى ... دواماً من الدنيا لحي بأنعم
فإن يخل من ميلاء ربع فما خلا ... بنات الهوى من حبها المتقدم
صحا من تصابي من لداتي وحبها ... شريك المنايا خيض في اللحم والدم
وقال البحتري:
عجباً لهجرك قبل تشتيت النوى ... منا، ووصلك في التنائي أعجب
أني اهتديت، وما اهتديت لمعمد ... من ليل عانة والثريا تجنب
عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوق ما يحول فيذهب
وقال أبو دواد الإيادي:
أمن رسم تعفى أو رماد ... وسحم كالحمامات الفراد
أطاعتك الشؤون فظلت صباً ... كأن وكيفها واهي المزاد
وهل يشتاق مثلك في ديار ... عفتها الريح والديم الغوادي
ذكرت بها سعاد فعجب جهلاً ... على رسم تسائل عن سعاد
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
أمن آل هند بالشريف رسوم ... دوارس منها حادث وقديم
محتها رياح الصيف بعدك والبلى ... وأسحم رجاف العشي سجوم
عهدت بها هنداً، وهند غريرة ... عن الفحش بلهاء العتي نئوم
فشطت نوى عنك الديار فأصبحت ... مناصب رضوى دونها وتسوم
وقال الأخطل:
تغير الرسم من سلمى بأجفار ... وأقفرت من سليمى دمنة الدار
وقد تكون بها سلمى تخدثني ... تساقط الحلى حاجاتي وأوطاري
ثم استمر بسلمى نية قذف ... وسير منقضب الأقران مغيار
كأن قلبي غداة البيت منقسم ... طارت به عصب شتى لأمصار
ولو تلف النوى من قد تشوقه ... إذن قضيت لباناتي وأسراري
وقال النابغة الذبياني:
أرسماً جديداً من سعاد تجنب ... عفت روضة الأجداد منها فيثقب
عفا آيه ريح الجنوب مع الصبا ... وأسحم دان مزنه متصوب
عهدت بها سُعدى وفي العيش غرة ... فأصبح باقي ودها يتقضب
وقد غنيت سُعدى نثيب بودها ... ليالي لا يُسطاع منها التجنب
وقال نافد بن عطارد:
ألا أيها الرسم المحيل ألم تكن ... بك الأنس الراضون والخيل رودا
وبيض العذارى في جميع، كأنها ... نعاج الملا يلبس ريطاً ومجسدا
فإني وتهيامي بهن لكالذي ... إذا نال من صداء شرباً ترددا
فإن كنت ذا عقل فأقصر عن الصبي ... ولا تتبعن عينيك شعباً تبددا
وقال جميل بن معمر:
أهاجك أم لا بالتناصف مربع ... ورسم بأجراع الغديرين بلقع
ديار لليلى إذ نحل بها معاً ... وإذ نحن منها في المودة نطمع
فإن تك قد شطت نواها، وأن نأت ... فإن النوى مما تشت وتجمع
وقال كثير:
لعزة من أيام ذي الغصن هاجني ... بضاحي قرار الروضتين رسوم
هي الدار وحشاً غير أن قد يحلها ... ويغني بها شخص علي كريم
سألت حكيماً: أين شطت بها النوى؟ ... فخبرني ما لا أحب حكيم
تمر السنون الماضيات ولا أرى ... بصحن الشبا أطلالهن تريم
وقال ذو الرمة:
أحادرة دموعك دار مي ... وهائجة صبابتك الرسوم
عفت وعهودها متقادمات ... وقد يبقى لك العهد القديم
وقد يمسي الجميع أولو المحاوي ... بها المتجاور الحلل المقيم
وقال آخر:
لم يبق بعدكم رسم ولا طلل ... إلا وللبين في تغييره عمل
غبتم فأوحشتم الدنيا لغيبتكم ... فاليوم لا عوض منكم ولا بدل
حملتموني على ضعفي بفرقتكم ... ما ليس يحمله سهل ولا جبل
إذا شممت نسيماً من دياركم ... عدمت عقلي، كأني شارب ثمل
وقال البحتري:
أصبا الأصائل إن برقة ثهمد ... تشكوا اختلافك بالهبوب السرمد
لا تبغني عرصاتها إن الهوى ... ملقى على تلك الرسوم الهمد
دمن مواثل كالنجوم، فإن عفت ... فبأي نجم في الصبابة نهتدي؟!
وقال أيضاً:
стр. 45
ولقد وقفت على الرسوم فلم أجد ... عتباً على سكب الدموع الذرف
وسألتها حين انجذبت فلم تصخ ... فيه لدعوة عاشق مستوقف
دمن جنيت بها الهوى من غصنه ... وسحبت فيها اللهو سحب المطرف
فلأجرين الدمع إن لم تجره ... ولأعرفن الوجد إن لم تعرف
وقال ذو الرمة:
ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا ... وإن لم تكن إلا رميماً بواليا
عفت برهة أطلال مي وأدرجت ... بها الريح تحت الغيم قطراً وسافيا
تحمل منها أهل مي فودعوا ... بها أهلها لا ينظرون التواليا
وقد كنت من مي إذ الحي جيرة ... على البخل منها ميت القلب ساهيا
وقال آخر:
بكيت وما أبكاني الرسم إذ عفا ... ولا الربع أضحى نويه وهو دائر
ولكنني لا أستفيق تذكراً ... وليس بمنفك من الدمع ذاكر
٨- فصل في ذكر الآثار
قال ﵎: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) . قيل: نحييهم بالإيمان بعد الكفر، وقيل: بالبعث، "ونكتب ما قدموا": ما عملوا من خير أو شر. "وآثارهم" ما أثروا من سنة حسنة، وسيرة يعمل بها بعدهم، وقيل: "آثارهم": خطاهم إلى المساجد.
وروى سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵏ قال: "كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد فنزلت: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقال لهم النبي: "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا.
وقد روى عن أبي سعيد الخدري ﵀ أن بني سلمة شكوا إلى النبي ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فأنزل الله سبحانه: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقالوا: عليكم منازلكم، فإنما تكتب آثاركم.
وقال عمر بن عبد العزيز - رضوان الله عليه -: لو كان الله تعالى مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفوها الرياح. يعني قوله : (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) .
قال الأحوص:
ضوء نار بدا لعينيك أم شب ... بت بذي الأثل من سلامة نار
تلك بين الرياض والأثل والبا ... نات منا ومن سلامة دار
وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س، وتبقى الرسوم والآثار
وقال المتنبي:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها، وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتقنع
أين الذي الهرمان من بنيانه؟ ... ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟!
تتخلف الآثار عن أربابها=حيناً، ويدركها الفناء فتتبع وللبيد بن ربيعة السبق إلى هذا المعنى الذي قصده الأحوص بقوله:
فعفا آخر الزمان عليهم ... فعلى آخر الزمان الدمار
وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى الرسوم والآثار
وقال سلم بن عمرو الخاسر:
سلام على الأطلال والمنزل القفر ... وإن كان لا يعنيه وصلي ولا هجري
ولكن آثار الأحبة بينها ... بلين، وما تبلى البلابل في صدري
وقال البحتري:
لا تأمرني بالعزاء، وقد ترى ... أثر الخليط، ولات حين عزاء
زدني اشتياقاً بالمدام وغنني ... أعزز علي بفرقة القرناء
فلعلني ألقى الردى فيريحني ... عما قليل من جوى البرحاء
وقال أبو الفرج الواواء:
لمن أسائل لا رسم ولا أثر ... رحلتم وأقام الدمع والسهر
كنتم لعيني صباحاً لا مساء له ... فعاضها البين ليلا ماله سحر
وما أعاب بشيء بعد فرقتكم ... غير البقاء فإني منه أعتذر
وقال علي بن أحمد بن أبي أمية الكاتب:
يا ريح ما تصنعين بالدمن ... كم لك من محو منظر حسن
محوت آثارنا وأحدثت آثا ... راً بربع الحبيب لم تكن
إن تك يا ربع قد بليت من الر ... يح فإني بال من الحزن
قد أوردت هذه الأبيات بتمامها وخبرها في فصل المغاني.
وقلت:
أعاضني الدهر من رؤياكم نظري ... آثاركم، وبرغمي ذلك العوض
ثم استقال فقد أضحت موانعه ... دون التداني من الآثار تعترض
فقل لمن يمنع الحل المباح غداً ... توفى وحقك ما أصبحت تقترض
وقال مهيار:
عمي صباحاً بعدنا وانعمي ... يا دار صفراء على الأنعم
стр. 46
دعاء من أقنعه البين بع ... د العين بالآثار والمعلم
بكى النوى أمس، فلم يدخر ... دمعاً يفيض اليوم في الأرسم
خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم
روى أن الأخطل سأل بكر بن وائل، فلما انتهى إلى بني غبر، فنزل بهم أبطئوا عليه، فقال:
تنزو الدجاج عليها وهي باركة ... ترجو عطاء سويد من بني غبرا
[عليها] : يعني ناقته
قبيلة كشراك النعل دارجة ... إن يهبطوا عفو أرض لا ترى أثرا
(يذمهم بالقلة والضعف) .
وقال آخر:
أرى آثاركم فأذوب شوقاً ... وأسفح في منازلكم دموعي
وأسأل من بفرقتكم بلاني ... يمن علي منكم بالرجوع
وقال القاضي أبو المجد بن سليمان ﵀:
مررت بالدار وقد غيرت ... معالم منها وآثار
فقلت ... والقلب به لوعة
تحرقه، والدمع مدرار
:
أين زمان فيك خلفته ... وأين سكانك يا دار؟!
أجابت الدار على عيها:=إن سكوتي عنك إقرار
أما تراني اليوم من بعدهم ... مقفرة ما في ديار؟!
وقال آخر:
أعاد الدجى في الصبح من بعد فقدهم ... أم الحزن غطى ناظر العين بالدمع
وقفت على آثارهم فقريتها ... دموع اشتياق مثل منهمر الرجع
دموعاً جرت جرياً تحلل عقده ... غداة ربعنا بالهموم على الربع
سلام على قلبي فقد بان إثرهم ... وقد صم
إلا عن حديثهم
سمعي
كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر كتاباً يوصيه فيه بمصالح ملكه، ثم قال له فيه: "اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء، فتخلق الأفعال، وتمحو الآثار، وتميت الذكر، إلا ما رسخ في القلوب بمحبة تتوارثها الأعقاب، فاجهد أن تظفر بالذكر الذي لا يموت، بأن تودع الناس محبة يبقى بها ذكر مناقبك".
وقال أبو [العلاء أحمد بن عبد الله] بن سليمان:
اتبع طريقاً للهدى لاحباً ... وخل آثاراً بملحوب
أف لديناي، فإني بها ... لم أخل من هم وتعذيب
قلت لها: امضي غير مصحوبة ... فقالت: اذهب غير مصحوب
٩- فصل في ذكر المساكن و المحال والمعاهد والأعلام والمعالم والعرصات
المساكن
قال أبو العتاهية:
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا ... وبنوا مساكنهم فما سكنوا
وكأنهم كانوا بها ظعناً ... لما استراحوا ساعة ظعنوا
روى عن أبي الدرداء ﵁ أنه أشرف على أهل حمص فقال: "ألا تستحيون؟ تبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وتجمعون ما لا تأكلون! أين الذين بنوا قبلكم تشييداً، وجمعوا كثيراً، وأملوا بعيداً،؟! أصبحت مساكنهم قبوراً، وآمالهم غروراً، وجمعهم بورا".
وقال أبو [العلاء أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
سكنتك يا دنيا برغمي مكرهاً ... وما كان لي في ذاك صنع ولا أمر
وجربت حتى قد قتلتك خبرة ... فأنت وعاء حشوه الهم والوزر
فإن أرتحل يوماً أدعك ذميمة ... وما فيك من عودي غراس ولا بذر
عن حاتم الأصم ﵀ أنه قال: ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول؛ آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.
وقال النابغة الذبياني:
لليلى بشرقي النجاد مساكن ... قفار تعفتها شمال وداجن
توهمت منها معهداً، فعرفته ... لسبعة أعوام وذا العام ثامن
أقامت على ريب الزمان وأعجت ... بليلى نوى عن دار أهلك شاطن
وقال كثير بن عبد الرحمن:
غشيت لليلى بالبرود مساكناً ... تقادمن واستنت عليها الأعاصر
وأوحشن بعد الحي إلا مساكناً ... يرين حديثات وهن دوائر
وكانت إذ أخلت وأمرع ربعها ... يكون عليها من صديقك حاضر
فقد خف منها الحي بعد إقامة ... فما إن بها إلا الرياح العوائر
المحال
قال العربي [؟] :
لعمري لئن أبكتك كل محلة ... لشماء أو طيف متى تمس يطرق
لتلتمسن عيناً سوى عينك التي ... ذهبت بجاري دمعها المترقرق
وقال البحتري:
أسقى محلتك الغمام، ولا يزال ... نوء بها خضل، ونور جاسد
فلقد عهدت العيش في أفيائها ... فينان يحمد مجتناه الرائد
وقال أيضاً:
стр. 47
قل للسحاب إذا حداه الشمأل ... وسرى بليل ركبه المتحمل
عرج على حلب فسق محلة ... مأنوسة، فيها لعلوة منزل
لغريرة أدنو وتبعد في الهوى ... وأجود بالود المصون وتبخل
أحنو عليك وفي فؤادي لوعة ... وأصد عنك ووجه ودي مقبل
وأعز ثم أذل ذلة عاشق ... والحب فيه تعزز وتذلل
وإذا هممت بوصل غيرك ردني ... وله عليك وشافع لك أول
وقال البحتري أيضاً:
أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما ... وتعلما أن الهوى ما هجتما
هل ترويان من الأحبة حائماً ... أو تسعدان على الصبابة مغرما
أبكيكما دمعاً، ولو أني على ... قدر الهوى أبكى بكيتكما دما
طللاً أكفكف فيه دمعاً معربا ... بجوى، وأقرأ فيه خطاً أعجما
تأبى رباه أن تجيب، ولم يكن ... مستخبر ليجيب حتى تفهما
وقال أبو [العلاء أحمد بن عبد الله] بن سليمان:
محل بأرض الشام يطرد أهله ... ولكنهم عما يقول نيام
وقد تنطق الأشياء وهي صوامت ... وما كل نطق المخبرين كلام
وقال مهيار:
سقيت محلاً، وأحيت ربا ... ك، مدامع كل فتى تهمل
وقال الشريف المرتضى ﵁:
يا محلاً أبلته هوج الليالي ... وغرامي بساكنيه قشيب
ما اطمأنت بك المحاسن حتى ... شردتها عني وعنك الخطوب
ساء عهدي لقاطنيك متى آ ... ويت دمعاً في مقلة لا يصوب
لست فرداً فيما دهته الليالي ... كل شيء بكرهن سليب
وقال البحتري:
محل من القاطول أخلق عامره ... وعادت صروف الدهر جيشاً يغاوره
كأن الصبا توفى نذوراً إذا سرت ... تراوحه أذياله وتباكره
ورب زمان ناعم ثم عهده ... ترق حواشيه ويورق ناضره
تغير حسن الجعفري وأنسه ... وقوض بادي الجعفري وحاضره
تحمل عنه ساكنوه فجاءة ... فعادت سواء دوره ومقابره
إذا نحن زرناه أجد لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت ... على عجل استاره وستائره
ووحشته حتى كأن لم يكن به ... أنيس، ولم تحسن لعين مناظره
المعاهد
قال أبو تمام:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد
سقته ذعافاً عادة الدهر فيهم ... وسم الليالي فوق سم الأساود
به غلة للبين صماء لم تصخ ... لبرء، ولم توجب عيادة عائد
وقال البحتري:
سقيت معاهدك اللواتي شقنني ... ومحل منزلك الذي أبكاني
إما أقمت فإن لبى ظاعن ... أو سرت منطلقاً فقلبي عان
وقال الشريف المرتضى ﵁:
أمعاهد الأحباب هل عود إلى ... مغدى يبل به الجوى ومراح
يكفيك من أنفاسنا ودموعنا ... أن تمطري من بعدنا وتراحي
فسقى اللوى صوب الغمام ودره ... وسقى النوازل فيه صوب الراح
فلرب عيش رق فيه نسيمه ... كالماء رق على جنوب بطاح
المعالم والأعلام
قال أبو الطيب المتنبي:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم
ولكنني مما ذهلت متيم ... كسال، وقلبي بائح مثل كاتم
وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم
ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت استشفى بلثم المناسم
وقال الرئيس أبو علي أبزون العماني:
تحل عقود الصبر مني المعالم ... وتبدي دموع العين ما أنا كاتم
وتطمس آثار العزاء إذا بدت ... رسوم ديار الحي وهي طواسم
خلت من طباء الإنس ثم تبدلت ... ظباء، وقلبي بالمبدل هائم
"يديروني عن سالم وأديره=وجلدة بين العين والأنف سالم" (مضمن) : وقال جميل بن معمر العذري:
أهاجتك المعالم والطلول ... عفون وخف منهن الحلول
نعم وذكرت دنيا قد تولت ... وأي نعيم دنيا لا يزول؟!
أسائل دار بثنة أين حلت ... كأن الدار تفهم ما أقول!
وقال جميل أيضاً:
стр. 48
ألا تلكما أعلام بثنة قد بدت ... كأن ذراها عممت بسبيب
طوامس فيمادونهن عداوة ... لنا، ووراء الطامسات حبيب
بعيد على من ليس يطلب حاجة ... وأما على ذي حاجة قفريب
وقال آخر:
خليلي لا والله ما أملك البكا ... إذا علم من أرض ليلى بداليا
خليلي إلا تبكيا لي أستعن ... خليلا إذا أذريت دمعاً بكى ليا
كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق، ولكن لا إخال تلاقيا
وقال مزاحم العقيلي:
أفي كل يوم أنت من غبر الهوى ... إلى الشم من أعلام ميلاء ناظر؟!
بعمشاء من طول البكاء كأنما ... بها خزر، أو طرفها متخازر
تمنى المنى، حتى إذا نالت المنى ... بدا واكف من دمعها متبادر
كما أرفض هلكي ... بعد ما ضم ضمة
بحبل الفتيل
اللؤلؤ المتناثر
وقال أبو عبد الله محمد بن عثمان المعروف بابن الحداد:
ألا إنها الأعلام من هضباتها ... فكيف تكف العين عن عبراتها
ذراني وإذراء الدموع لعلها ... تسكن ما قد هاج من ذكراتها
'هدت بها أصنام حسن عهدتني ... هوى عبد عزاها، وعبد مناتها
أهل بأشواقي إليها وأتقي ... شرائعها في الحب حق تقاتها
وقال محمد بن هانئ المغربي:
ما للمعالم والطلول، أما كفى ... بالعاشقين معالماً وطلولا؟!
فكأننا شمل الدموع تفرقاً ... وكأننا سر الوداع نحولا
سأروع من ضمنت حجالكم ولو ... غدت الأسنة دون ذلك غيلا
أعصى رماح الخط دونك شرعاً ... وأطيع فيك صبابة وغليلا
وقال أعرابي:
سقى العلم الفرد الذي في ظلاله ... غزالان مكحولان مؤتلفان
أرغتهما صيداً فلم أستطعهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني
وقال ابن هانئ المغربي:
لا مزار منكم يدني سوى ... أن أرى أعلام هضب ونجاد
قد عقلنا العيس في أوطانها ... وهي ما بين ذميل ووخاد
أسلوا عنكم أهجركم ... قلما يسلو عن الماء الصوادي
فعلى الأيام من بعدكم ... ما على الظلماء من ثوب الحداد
العرصات
قال الرماح بن ميادة:
ما هاج شوقك من معارف عرصة ... البرق بين أصالف وفدافد
ولقد رددت بها السؤال صبابة ... والدار قبلي ما تبين لناشد
ولقد نظرت فما رأيت لناظر ... غير الصفيح وغير أس بائد
وقال الشريف المرتضى ﵁:
عرصات أصبحن وهي سماء ... ثم أمسين بالحوادث أرضا
وثرى ينبت النعيم إذا أن ... بت ترب البلاد عشباً وحمضا
وقال أبو محمد بن سنان:
عرصات كأنهن ليال ... فارقتها عند الكمال البدور
تخبر الغافلين كيف يحول الده ... ر عن حاله وكيف يجور
وقال الفرزدق:
ألستم عائجين لنا لعنا ... نرى العرصات أو اثر الخيام؟
فقالوا: إن عرضت فأغن عنا ... دموعاً غير راقئة السجام
١٠- فصل في ذكر الأرض
قالت وجيهة بنت أوس الضبية:
وعاذلة تغدو علي تلومني ... على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب
ولو أن ريحاً بلغت وحي مرسل ... حفي لناجيت الجنوب على النقب
وقلت لها: أدى إليهم رسالتي ... ولا تخلطيها
طال سعدك
بالترب
وقالت علية بنت المهدي:
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد بان عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنفس يستشفى برائحة القرب
وقال قيس بن ذريح:
ما أحببت أرضكم ولكن ... أقبل أثر من وطئ الترابا
لقد لافيت من كلفي بلبني ... بلاء لا أسيغ له شراباً
إذا نادى المنادي باسم لبنى ... عييت، فما أرد له جوابا
وقال آخر: سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها=كحلت بها من شدة الشوق أجفاني
فهل بعد هذا للمحبين غاية ... وهل أحد أشجانه مثل أشجاني؟!
وقال الشريف المرتضى ﵁:
ألا يا نسيم الريح من أرض بابل ... تحمل إلى أهل الخيام سلامي
وقل لحبيب فيك بعض نسيمه: ... أما آن أن تسطيع رجع كلامي؟!
стр. 49
وإني لأهوى أن أكون بأرضكم ... على أنني منها استفدت سقامي
وقال آخر:
أرى كل أرض دمنتها وإن مضت ... لها حجج يزداد طيباً ترابها
ألم تعلمن يا رب، أن رب دعوة ... دعوتك فيها مخلصاً لو أجابها
فأقسم لو أني أرى نسباً لها ... ذئاب الفلا حبت إلى ذئابها
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت ... بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها
وقال قعنب ابن أم صاحب:
قد كنت أقصرت عن نجد فهيجني ... على تذكرها الخفان والحضن
لما وردت بلاداً لست أعرفها ... وشاقني ذكر أخرى هاج لي حزن
فقلت: قد حان من أرض ولدت بها ... أوب، وقد حان من صرف النوى قرن
عل النوى بك يوماً أن تريع، فقد ... تدنو الغريبة حتى يدنو الوطن
وقال أبو نصر بن النحاس الحلبي:
سقى الله أرضاً لبسنا الشبا ... بأرجائها وخلعنا الوقارا
دياراً شكت فرقة الظاعن ... ين بألوانها فتحلت بهارا
زمان صحبناه مستعذباً ... فبان، ولم يبق إلا ادكارا
وقال آخر:
تعوضت من دودان حملاً وأرضها ... فما طاب لي شربي ولا راق مشربي
فإن تلتبس حلى بدودان لا أرم ... لئن كنت ذا ذنب، وإن غير مذنب
ألا إن قوم المرء خير تفيةٍ ... من الأبعد الأقصى، وإن لم تقرب
وقال مروان بن أبي حفصة من قصيدة في معن بن زائدة الشيباني:
إني إلى كل أرض أنت ساكنها ... صب، وإن كنت عنها نازح الوطن
قلدتني منك حبلاً فاعتصمت به ... أسبابه غير رثات ولا وهن
تضيق أعطان قوم إن هم سئلوا ... وأنت بالخير سهل واسع العطن
لو لم تكن للندى جاراً فتطلقه ... ما انفك والبخل مجموعين في قرن
وقال أبو الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الغنوي، من قصيدة يرثى بها محمود بن نصر بن صالح، ويعزى ولده نصر بن محمود، ويمدحه:
فلله ملك زين الأرض ملكه ... وجاد الحيا ملكاً تضمنه القبر
وكنا نظن الأرض تظلم بعده ... فقمت مقام البدر إذ أفل البدر
وكاد شعار الخوف ينبث في الورى ... فنادى شعار الأمن يا نصر يا نصر
وقال أعرابي:
سقى الله أرضاً يعلم الضب أنها ... بعيد من الأدواء طيبة البقل
بنى بيته في رأس نشز وكدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل
فصل آخر في ذكر الأرض
قال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان:
تحمل عن الأرض المريضة غادياً ... ولا ترض للداء العياء سوى الحسم
وما فتئت روح الفتى في نوائب ... تمارسها حتى استقلت عن الجسم
إذا ما تفرقنا خلصنا من الأذى ... ولم يحتج الراعي المسيم إلى الوشم
وقال الشنفرى:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن رام القلى متحول
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
أديم مطال الجرع حتى أمله ... وأضرب عنه الذكر صفحاً فأذهل
واستف ترب الأرض كيلا يرى له ... على من الطول امرؤ متطول
ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدى ومأكل
ولكن نفساً مرة لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحول
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً من بني كلاب يكنى أبا حبال نزل على عبد الله بن عمر بن حفص، ومعه ابنه حبال، فمرض ابنه ثم مات، قال عبد الله: فأمر أبي بكفنه، فكفناه، فلما فرغنا منه استأذن أبوه أبي أن يدخل عليه، فيسلم عليه ويودعه، فأذن له، فدخل، فأكب عليه، فسمعناه يقول:
ولولا حبال لم تنخ بي مطيتي ... بأرض بها الحمى بورد وصالب
وقائلة أرداك والله حبه ... بنفسي حبال من خليل وصاحب
فجعل يكرر ذلك، ثم فقدنا صوته، فقال لنا أبي: أظنه والله قد مات، فدخلنا فوجدناه ميتاً، فجهزناهما، وحملناهما فقبرناهما.
وقال آخر - وتروى لحاتم -:
إن كنت تزعم أن الأض واسعة ... فيها لغيرك مرتاد ومرتحل
فارحل فإن بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسكن منها السهل والجبل
وابغ المكاسب من أرض مطالبها ... من حيث يجمل حتى ينفد الأجل
وقال آخر:
стр. 50
كيف المقام بأرض لا أشد بها ... نضوى إذا ما اعترتني سورة الغضب؟
وقال آخر:
وا سوأتا لامرئٍ شبيبته ... في عنفوان، وماؤه خضل
وهو مقيم بأرض مضيعة ... يمنعه من طلابه الكسل
إلى متى تخدم الرجال ولا ... تخدم يوماً، لأمك الهبل؟
وقال آخر: ما أشغل الحي في الدنيا بحاجته=والميت بالموت مشغول عن الحي
هون عليك فأرض الله واسعة ... والشيء يغنيك في الدنيا عن الشيء
وقال البحتري:
الأرض أوسع من دار ألظ بها ... والناس أكثر من خل أجاذبه
أعاتب الخل فيما ساء واحدة ... ثم السلام علين، لا أعاتبه
وقال أيضاً:
إنني ما حللت بالأرض إلا ... كنت في أهلها المجل المفدى
وإذا القوم لم يراحوا لقرى ... كان لي عنهم مراح ومغدى
وقال أيضاً:
فلا تسألن عن مضجعي ونبوه ... بأرضي وعن نومي بها وامتناعه
أراني مشتاقاً وأهلي حضر ... على رأي عيني ناظر واستماعه
ومغترب المثوى وسرجي سارب ... بأودية الساجور أو بتلاعه
لفرقة من خليت دنياي غضة ... لديه، وعزى معصماً في يفاعه
وما غلبتني نية الدار عنده ... على رفده في ساحتي واصطناعه
وقال آخر: في سعة الأرض وفي عرضها مستبدل بالخل والجار
فمن دنا منك فأهلاً به ... ومن تناءى فإلى النار
وقال آخر:
إذا المرء لم يحببك إلا تكرهاً ... فدعه، ولا يعجزك عنه التحول
وفي الأرض أكفاء وفيها مراغم ... عريض لمن خاف الهوان ومرحل
وقال آخر:
طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقراً
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لعشت حراً
وقال إياس بن قبيصة الطائي:
فما ولدتني حاضن ربعية ... لئن أنا مالأت الهوى لا تباعها
أم تر أن الأرض رحب فسيحة ... فهل تعجزني بقعة من بقاعها؟!
قال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان [المعري] :
أقول لصاحبي إذ هام وجداً ... ببرق ليس يثبته نزوحا
متى نصبح وقد فتنا الرزايا ... نقم حتى تقول الشمس روحا
بأرض للحمامة أن تغني ... بها ولمن تأسف أن ينوحا
وقال أحمد بن محمد بن الفضل الخازن:
سقيت لمعنى حل فيك أوده ... ولولاه لم أسمح لتربك بالقطر
فإنك أرض ما وجدت بها رضى ... وحرة سوء ما تضيع سوى الحر
قد اعتل فيها كل شيء سوى الصبا ... ورق سوى الأخلاق والماء والخمر
وقلت، وأنا بمصر:
ودع أخا العزم مصراً، لا لميس، وخفض ... بالسابحات غمار المهمه البيد
وسر عن الأرض تنبو بالكرام فقد ... طال انتظار الجنى من يابس العود
وقلت:
تطامن إذا أنكرت دهرك إنما ... يفوز بخفض العيش من عاش في خفض
وكن كالذباب إن رأى الريح عاصفاً ... تلاصق من خوف الأذية بالأرض
وقال البستي:
إن ترمك الغربة في معشر ... توافقوا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
١١- فصل في ذكر الأوطان
قال إبراهيم بن أدهم ﵁: "ما قاسيت فيما تركت من الدنيا أشد علي من مفارقة الأوطان".
قال الرياشي: أنشدني أعرابي:
سلم على قطن إن كنت تألفه ... سلام من كان يهوى مرة قطنا
(قطن) : جبل:
أحبه والذي أرسى قواعده ... حباً إذا ظهرت آياته بطنا
يا ليته لا نريم الدهر ساحته ... وليته
حيث سرنا غربة
معنا
ما من غريب وإن أبدى تجلده ... إلا سيذكر بعد الغربة الوطنا
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر:
أهيم بذكر الشرق والغرب دائماً ... وما لي لا شرق البلاد ولا الغرب
ولكن أوطاناً نأت وأحبة ... فقدت، متى أذكر عهودهم أصب
وما أنس من ودعت بالشط سحرة ... وقد غرد الحادون واستعجل الركب
أليفان: هذا سائر نحو غربة=وهذا مقيم سار عن جسمه القلب وقال آخر:
لا تنهرن غريباً طال غربته ... فالدهر يضربه بالذل والمحن
حسب الغريب من الدنيا ندامته=عض الأنامل من شوق إلى الوطن وقال التهامي:
стр. 51
استودع الله في أرض الحجاز رشا ... في روضة القلب مأواه ومرتعه
بالله يا شوق رفقاً بالفؤاد فما ... أطيق أكثر مما أنت تصنعه
وأنت يا وصل عج في ربع فرقتنا=عساك تجمع شملاً عز مجمعه وسقه من حيا التقريب سارية=فإنه دائر قد مح موضعه عسى الليالي بأوطاني التي سلفت=ترجعن فيه رجوعاً لا نودعه عن ابن الكلبي قال: كان رجل من طيء يقال له: زامل بن عفير، نازلاً في أخواله من كلب في الدهر الأول، وذلك قبل حرب الفجار، فأغار عليهم منسر من بني القين، فاستخفوا إبله، فاستنصر أخواله، فأبطئوا عليه، فعمد إلى جمل سائب، فاكتفله وتوجه نحو الشام، فقيل له: أتركب الحرام؟ قال: "يركب الحرام من لا حلال له" فلما قرب من الشام مر بروضة غناء وغدران، فقيد بعيره، وأكل من نبات تلك الروضة، واضطجع، فبينا هو كذلك، إذ أقبل فارس إلى الروضة، فنزل عن فرسه، وحط سرجه، وقيد فرسه، وقعد قريباً من مضطجع الطائي فاستيقظ الطائي بحرسه، فاستوى قاعداً، فقال له الفارس: من الرجل؟ فانتسب له، وسأله عن شأنه، فقص عليه قصته، فقال له الفارس: يا هذا. هل عندك طعام فإني طاو منذ أمس؟ فقال له: أتطلب الطعام وهذا اللحم معرض؟ ثم وثب إلى سيفه، فعقر بعيره، ثم اجتب سنامه، وبقر عن كبده، وذلك بعين الفارس، ثم أوقد ناراً عظيمة، ثم اشتوى، وأقبل يلقى إلى الفارس، حتى انتهى، فما لبث أن ثار العجاج، فإذا الخيل مقبلة، تتوقص بفرسانها، حتى انتهوا إلى الفارس فحيوه بتحية الملك، فركب، وقال: دونكم الرجل، فأردفه بعضهم حتى أتى دار ملكه، فإذا هو الحارث الأكبر الغساني، فأمر بعض غلمانه بإنزال الطائي، وخاف زامل أن يكون قد نسيه الملك، فقال للغلام: هل لك أن توليني عارفة، وتبلغ الملك ما أقول؟ قال: أفعل، فأنشده:
أبلغ الحارث المردد في المج ... د وفي المكرمات جداً فجد
وابن أرباب واطئ السب ... ب الأرحب والمالكين غوراً ونجدا
إنني ناظر إليك ودوني ... عائقات غادرن قربي بعدا
إن أكن نازلاً بمثوى كريم ... ناعم البال في مراح ومغدى
غير أن الأوطان يجتذب المر ... ء إليها الهوى وإن عاش كدا
وتأنى بالشآم مفيدي ... حسرات يقددن قلبي قدا
ليس يستعذب الغريب مقاماً ... في سوى أرضه وإن نال جدا
فتسبب الغلام إلى أن أنشد الملك الأبيات، فقال الملك: وا سوأتاه، كرم ولؤمنا، إيذن له يا غلام، فلما دخل قال: والله لا يرحض عارها عني إلا عطاؤها حتى ترضى، ثم أمر له بجائزة سنية، وقال له: يا زامل. إن الأوطان جواذب، كما ذكرت، فهل لك في المقام في جملتنا يفيء عليك ظلنا، وتسيل عليك صلتنا؟ فقال: أيها الملك. ما كنت لأوثر وطني عليك، ثم أقام بالشام في جواره.
وقال ابن الرومي:
ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودرت هالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الرجال هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبى فيها فحنوا لذلكا
وقال الشريف الرضي ﵁:
لا يذكر الرمل إلا حن مغترب ... له بذي الرمل أوطار وأوطان
يهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان، بل من دارهالبان
أسد سمعي إذا غنى الحمام بها ... كيلا يبين سر الوجد إعلان
ورب دار أوليها مجانبة ... ولي إلى الدار أطراب وأشجان
إذا تلفت في أطلالها ابتدرت ... للقلب والعين أمواه ونيران
قيل لبعض الحكماء: ما اللذة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، ومحادثة الإخوان، وقيل: فما الذلة؟ قال: النزوح عن الأوطان، والتنقل في البلدان.
وقال أبو العرب مصعب بن محمد بن الفرات:
أهم ولى عزمان: عزم مشرق ... وآخر يغري همتي بالمغارب
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ... تشق على أخفافها والغوارب
علي لآمالي اضطراب مؤمل ... ولكن على الأقدار نجح المطالب
فيا نفس لا تستصحبي الهون إنه ... وإن خدعت أسبابه
شر صاحب
ويا وطني إن بنت عني فإنني ... سأوطن أكوار العتاق النجائب
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي، وكل العالمين أقاربي
стр. 52
وقال آخر:
يا بعيد الدار من وطنه ... مفرداً يبكي على سكنه
كلما جد النجاء به ... جدت الأسقام في بدنه
ولقد زاد الفؤاد شجي ... صوت قمري على فننه
شفه ما شفني فبكى ... كل من يبكي على شجنه
وقال آخر:
لابد للمشتاق من ذكر الوطن ... واليأس والسلوة من بعد الحزن
وقال عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن:
أما آن للطيف أن يأتيا ... وأن يطرق الوطن الدانيا؟
وإني لأحسب ريب الزما ... ن يتركني جسداً باليا
سأنشر ذكرك لا ناسيا ... جميل الصفاء ولا قاليا
وقد كنت أنشره ضاحكاً ... فقد صرت أنشره باكيا
وقال الشريف المرتضى ﵁:
هل لليالي بالمنقى رجوع ... مثلما كن لي ونحن جميع
زمن راعني تذكره الثا ... وي وإن كان ماضياً لا يريع
وطن طاب جوه وثراه ... فكأن المصيف فيه ربيع
حيث لا تهتدي الخطوب لا يخ ... فق من خشية الحوادث روع
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
وماء بلادي كان أنجع مشرباً ... ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال
فيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر، فلينعم لساكنك البال
وإن استطع في الحشر آتك زائراً ... وهيهات، لي يوم القيامة أشغال
وقال المتنبي:
بما التعلل؟ لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن
عن رجل من أهل خراسان قال: رأيت علي بن الجهم بعد أن أطلق من محبسه جالساً في المقابر، فقلت: ما يجلسك هنا؟ فقال:
يشتاق كل غريب عند غربته ... ويذكر الأهل والجيران والسكنا
وليس لي وطن أمسيت أذكره ... إلا المقابر إذ كانت لهم وطنا
قلت: لي أبيات تنظر إلى هذا المعنى، وهي:
أشتاق أهلي وأوطاني وقد ملكت ... دوني وأفنى الردى أهلي وأحبابي
فأستريح إلى رؤيا القبور، ففي ... أمثالها حل إخواني وأترابي
ولست أحيا حياة استلذ بها ... من بعدهم ولحاق القوم أولى بي
وقال أبو بكر، المعروف بابن اللبانة، في نكبة آل عباد أرباب الأندلس - وكان تغلب عليهم يوسف بن تاشفين، وملك بلادهم، وكانوا محسنين إلى أجل العلم وإلى هذا الشاعر، وله فيهم أشعار كثيرة يبكيهم ويتأسف على أيامهم:
بكى آل عباد ولا كمحمد ... بأبياته صوب السحاب إذا همى
حبيب إلى قلبي حبيب لقوله: ... "عسى وطن يدنو بهم، ولعلما"
يقول في هذا الشعر:
قصور خلت من ساكنيها فما بها ... سوى الأدم تمشى حول واقفة الدمى
يجيب بها البوم الصدى، ولطالما ... أجاب القيان الطائر المترنما
كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى=بها الوفد جمعا والخميس عرمرما مصاب هوى بالنيرات من العلى=ولم يبق في أرض المكارم معلما
حكيت وقد فارقت ملكك مالكاً ... ومن ولهى أحكى عليك متمما
بكيتك حتى لم يخل لي الأسى ... دموعاً بها أبكى عليك ولا دما
وإني على رسمي مقيم، فإن أمت ... سأترك للباكين رسمي موسما
وقال رجل من تميم:
حنت قلوصي في عدان إلى نجد ... ولم ينسها أوطانها قدم العهد
إذا شئت لاقيت القلوص ولا أرى ... لقومي أشباهاً فيألفهم ودى
وقال آخر:
حن إلى أوطانهم معشر ... لهم غرام ولي اثنان
إذا تشكوا شجناً واحداً ... تكاثرت ععدة أشجاني
وقال آخر (البستي) :
لئن سلمني الله ... وبالحفظ تولاني
وأعطاني أعطاني ... وأوطاني أوطاني
وأخلى ذرعي الآ ... ن، وخلاني خلاني
فلا عدت إلى الغر ... بة ماكر الجديدان
فإن عدت لها يوماً ... فسجاني سجاني
стр. 53
قال الجهم بن المغيرة: كنا عند حيوس بن ثمال القرمطي بضرية، فمرت بنا جارية صفراء مولدة، فقال لي حيوس: استفتح كلامها فإنها ظريفة، فقلت: يا جارية أين نشأت؟ فقالت: بقرقري، قلت: فأين شعبعب؟ فضحكت، ثم قالت: بين الحوض والعطن، قلت: فمن الذي يقول:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... عوجا على صدور الأبغل السنن
ثم ارفعا الصوت ننظر صبح خامسة ... بقرقري، ما عناء النفس بالوطن
هل أجعلن يدي للخد مرفقة ... على شعبعب بين الحوض والعطن؟!
فالتفتت إلى حيوس، فقالت: خبره بقائلها، فقال: ما أعرفه، فقالت: بلى هذا يقوله شاعرنا وظريف بلادنا وغزلها، قال: ويحك: ومن ذاك؟ فقالت: أشهد إن كنت لا تعرفه وأنت من أهل الوادي إنها لسوأة، ذاك يحيى بن طالب الحنفي، وأقسم بالله ما منعك من معرفته إلا غلظ الطبع، وجفاء الخلق، فجعل حيوس يضحك من قولها.
ويحيى بن طالب الحنفي من أهل اليمامة، وكان أديباً كريماً، فابتاع من عامل السلطان غلة ضيعة مما تحت يده يريد بها الربح، فأصاب الناس باليمامة قحط ومسغبة، ففرق يحيى تلك الغلة وأطعمهم إياها، وآن محل الوفاء، ولم يكن له شيء، فهرب إلى الري، وبها توفي.
وقد روى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: غنيت بين يدي الرشيد:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقري قبل الممات سبيل؟!
فأشرب من ماء الحجيلاء شربة ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع من بطن توضح ... حنيني إلى إظلالكن طويل
ويا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى نيلكن قليل
ويا أثلات القاع قدمل صحبتي ... مقامي، فهل في ظلكن مقيل
أحدث عنك النفس أن لست راجعاً ... إليك فهمي في الفؤاد دخيل
أريد رجوعاً نحوكم فيصدني ... إذا رمته
دين على ثقيل
فطرب الرشيد، وسأل عن قائل هذا الشعر: من هو؟ فقلت: هو يحيى بن طالب الحنفي، شاعر من أهل اليمامة، وإنه لحي، وهرب إلى الري من دين غلبه، وقد ذكر ذلك في شعره هذا، فقال:
أريد رجوعاً نحوكم فيصدني ... إذا رمته
دين على ثقيل
فأمر الرشيد أن يكتب إلى عامل الري بقضاء دينه، وإعطائه نفقة، وإنفاذه على البريد، فوصل الكتاب إلى الري يوم مات يحيى بن طالبن وقيل: مات قبل وصوله بشهر.
وقلت:
أين السلو من المروع بالنوى ... أبداً، فلا وطن ولا خلان
عيد البرية موسم لعويله ... وسرورهم فيه له أحزان
وإذا رأى الشمل الجميع تزاحمت ... في قلبه الأمواه والنيران
قال أبو الفرج الوأ واء:
ها قد تبدلت أوطاناً بأوطان ... عمداً، وفارقت إخواناً لإخوان
فليبلغ الشوق بي أقصى مراتبه ... إلى بدور على قضبان كثبان
وكتب إلي القاضي المهذب أبو محمد حسن بن علي بن الزبير قصيدة أنفذها من أسوان، وانا بمصر، منها:
أأحبابنا مالي إذا ما ذكرتكم ... وما أنا ناس
غال صبري غول؟
وإن شام برق الشام طرفي وشمرت ... على البعد عنه للظلام ذيول
تدارك قلبي أن يطير صبابة ... بنان كأنبوب اليراع نحيل
وخيل لي أن السيوف بجوه ... سللن، وأني بينهن قتيل
لئن أقفرت منا الديار ومنكم ... وأمست مغانيهن وهي طلول
فإن لنا في آل منقذ أسوة ... يهون لديها الخطب وهو جليل
نبت بهم أوطانهم فترحلوا ... وللمجد في ذاك الرحيل رحيل
بلاد بها من عزهم وعطائهم ... وعور لمن ينتباها وسهول
وللدهر من أيمانهم ووجدوههم ... بها غرر ما تنقضي وحجول
خلت، فالربيع الغض محل لفقدهم ... بها والصباح المستنير أصيل
وساروا على رغم العدا، ودليلهم ثناء لهم في الخافقين جميل
وما كنت أدرى قبل أن يترحلوا ... بأن الجبال الراسيات تزول
أذلوا خطوب الدهر قهراً فبينهم ... قديماً وبين الحادثات ذحول
وقال أبو بكر بن اللبانة:
قد طال بي أقطع البيداء منفرداً ... وليس يسفر عن وجه المنى سفر
كأنما الأرض عني غير راضية ... فليس لي وطن فيها ولا وطر
قلت: لي أبيات تشابه هذا المعنى، وهي:
стр. 54
وقد أفردتني الحادثات فليس لي ... أنيس، ولا في طارق الخطب أعوان
كأني من غير التراب نبت بي الب ... لاد، فما لي في البسيطة أوطان
أجول، كما جالت قذاة بمقلة ... وأسرى، وسارى النجم في الأفق حيران
إذا قلت: هذا حين ألقى عصا السرى ... دعاني إلى الترحال ظلم وعدوان
وقال أبو الفتيان بن حيوس:
وللحمية لا عن زلة حكمت ... بالبعد فارقت إخواناً وأوطانا
تخيفني بلدة حتى أميل إلى=أخرى، كأني عمران بن حطانا قلت: ربما وقف على هذين البيتين من يتطلع إلى معنى قول أبي الفتيان: "كأني عمران بن حطان" فرأيت أن اذكر شيئاً من أخباره، وإن لم يقتض التأليف ذلك.
عن الهيثم بن عدي قال: طلب الحجاج عمران بن حطان السدوسي، وكان من الخوارج، وكتب فيه إلى عماله، وإلى عبد الملك بن مروان، فهرب، فلم يزل يتنقل في أحياء العرب، وقال في ذلك:
حللنا في بني كعب بن عمرو ... وفي عك وعامر عوثبان
وفي جرم، وفي عمرو بن مر ... وفي زيد، وحي بن العدان
ثم لحق بالشام، فنزل بروح بن زنباع الجذامي، فقال له روح: من أنت؟ فقال: من الأزد أزد السراة، وكان روح يسمر عند عبد الملك بن مروان، فقال لعبد الملك: إن في أضيافنا رجلاً ما سمعت منك حديثاً إلا حدثني به، وزادني ما لم يكن عندي، فقال: ممن هو؟ قال: من الأزد، قال: إني لأسمعك تصف عمران بن حطان، أسمعك تصف وتذكر لغة نزارية، قال روح: وما أنا وعمران بن حطان، ثم أنشد عبد الملك:
يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
قاتل علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فراح روح فأخبر عبد الملك، فقال: من أخبرك؟ قال: ضيفي، قال: أظنه والله عمران بن حطان، فأعلمه أني قد أمرتك أن تأتيني به، فقال: أفعل، فراح روح إلى أضيافه، فأقبل على عمران، فقال له: إني ذكرتك لعبد الملك، فأمرني أن آتيه بك، فقال: قد كنت أحب ذاك، وما منعني من ذكره إلى الحياء، وأنا متبعك، فدخل روح على عبد الملك، فقال له: أين صاحبنك؟ قال: قال لي: أنا متبعك فانطلق، فقال عبد الملك: أظنك والله سترجع فلا تجده، فلما رجع روح إلى منزله، فإذا عمران قد مضى، وإذا هو قد خلف رقعة في كوة عند رأسه، وإذا فيها:
يا روح كم من أخي مثوى نزلت به ... قد ظن ظنك من لخم وغسان
حتى إذا خفته زايلت منزله ... من بعد ما قيل: عمران بن حطان
قد كنت ضيفك حولاً لا يروعني ... فيه طوارق من إنس ومن جان
حتى أردت بي العظمى فأوحشني ... ما أوحش الناس من خوف ابن مروان
فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له ... في الحادثات هنات ذات ألوان
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني
لو كنت مستغفراً يوماً لطاغية ... كنت المقدم في سري وإعلاني
لكن أبت لي آيات مطهرة ... عند التلاوة من طه وعمران
قال: ثم أتى عمران بن حطان الجزيرة، فنزل بزفر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا فجعل شباب بني عامر يتعجبون من طول صلاته، وانتسب لزفر أوزاعياً، فقدم على زفر رجل من أهل الشام، وكان قد رأى عمران بن حطان عند روح بن زنباع، فصافحه وسلم عليه، فقال: زفر للرجل الشامي: أتعرفه؟ قال: نعم، هذا الشيخ من الأزد، فقال زفر: أزدي مرة، وأوزاعي مرة؟ إن كنت خائفاً أمناك، وإن كنت عائلاً أغنيناك، فقال: إن الله هو المغني، وخرج من عنده وهو يقول:
إن التي أصبحت يعيا بها زفر ... أعيا عياها على روح بن زنباع
أمسى يسائلني حولاً لأخبره ... والناس من بين مخدوع وخداع
حتى إذا انجذمت مني حبائله ... كف السؤال، ولم يولع بإهلاعي
فاكفف كما كف روح إنني رجل ... إما صويح وإما فقعة القاع
أما الصلاة فإني غير تاركها ... كل امرئ بالذي يعنى له ساع
فاكفف شبابك عن هزلي ومسألتي ... ماذا تريد إلى شيخ لأوزاع؟!
أكرم بروح بن زنباع وأسرته ... قوم دعا أوليهم للعلى داع
جاورتهم زمنا فيما دعوت به ... عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فاعمل فإنك منعي بحادثة ... حسب اللبيب بهذا الشيب من ناع
стр. 55
ثم خرج فنزل بعمان بقوم يكثرون ذكر أبي بلال، ويبكون عليه، ويذكرون مقتله فأظهر أمره عندهم، فبلغ الحجاج مكانه، فطلبه، فهرب، فنزل فيروذستان "طسوجاً من طساسيج السواد، إلى جانب الكوفة" فلم يزل به حتى مات، وفي ذلك يقول:
نزلت بحمد الله في خير أسرة ... أسر بما فيهم من الخير والخفر
نزلت بقوم يجمع الله شملهم ... وليس لهم عود سوى المجد يعتصر
من الأزد، إن الأزد أكرم أسرة ... يمانية تربو إذا انتسب البشر
فأصبحت فيهم آمناً، لا كمعشر ... أتوني فقالوا: من ربيعة أو مضر؟!
أو الحي قحطان، فتلكم سفاهة ... كما قال لي روح وصاحبه زفر
وما فيهم إلا يسر بنسبة ... تقربني منه، وإن كان ذا نفر
فنحن بنو الإسلام والله واحد ... وأولي عباد الله بالله من شكر
هذا الذي أشار إليه أبو الفتيان بن حيوس.
قلت - وقد نزلت بصور في دار ابن أبي عقيل، وكتبتها على بعض الرخام -:
دار سكنت بها كرهاً وما سكنت ... نفسي إلى سكن فيها ولا شجن
والقبر أرفق لي منها وأجمل بي ... إن صدني الدهر عن عود إلى وطني
فصل آخر في ذكر الأوطان
قال البحتري:
إذا نلت في أرض معاشاً وإن نأت ... فلا تكثرن فيها نزاعاً إلى الوطن
فما هي إلا بلدة مثل بلدة=وخيرهما ما كان عوناً على الزمن وقال أيضاً:
كم مشرق لي قد نقلت نواله ... فجعلته لي عدة للمغرب
وأحب أوطان البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المكسب
وقال آخر:
لا يصرفنك عن عزم تهم به ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد أنت ساكنها ... أرضاً بأرض وإخوانا بإخوان
وقال آخر:
قلقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني في القصور
فمحالفو أوطانهم ... كشبيه سكان القبور
لولا التغرب ما ارتقى=در البحور إلى النحور وقال آخر:
لأرحلن المطايا رحلة عجباً ... يكون أدنى مداها الصين أو عدن
فكل خل إذا صافيته سكن ... وكل أرض إذا أحمدتها وطن
وقال الشريف المرتضى ﵀:
وملوح الخدين تحمله ... أبداً على أعناقها السبل
ناب عن الأوطان فهو متى ... ظفرت به الأوطان يرتحل
ترك البلاد لمن أقام بها ... وتقطعت عن عيسه العقل
يسعى إلى العلياء يحرزها ... سعياً تحامى وقعة الزلل
وإذا الفتى كتب النجاء له ... فالكلم يعفو والأذى جلل
وقال الشيخ أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
يا لهف نفسي على أني رجعت إلى ... أرض الشآم ولم أهلك ببغداذا
إذا رأيت أموراً لا توافقني ... قلت: الإياب إلى الأوطان أدى ذا
وقال جدي الأمير سديد الملك ذو المناقب أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀:
ولست بمحيار العزيمة إن جرت ... عليه رياح الخطب وهي زعازع
يكر إلى الأوطان طرفاً موزعاً ... يلين لها طوراً وطوراً يمانع
إذا ساف من تلقائها الريح لم يزل ... له نفس في إثرها متتابع
أبى ذاك نفس لا يداني عقالها ... ثواء، ولا تقضي عليها المطامع
وقال أيضاً:
لله ما طيف ألم بفتية ... تحنو رؤوسهم على الأكوار
يطوى بهم عرض الفلاة مسربل ... حلل الثناء ممزق الأطمار
لا تلفت الأوطان عزمته ولا ... يهدي الحنين إلى رسوم الدار
وقال آخر:
وقارعتني صروف الدهر فانكشف ... طخياؤها عن كريم الأصل والغصن
عن ابن ليل كنجم الليل همته ... مشيع القلب لا يلوي على وطن
وأي حر إلى الأوطان ملتفت ... إذا ألح عليه الدهر بالمحن
أينفع الظامئ الملهوف موقفه ... وقد فنى الماء بين الحوض والعطن؟!
مسدد العزم إن نابته نائبة ... فما يقيم على ربع ولا سكن
وقال آخر:
قوض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان نابية ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
وقلت - وأنا بمصر -:
يا مصر ما درت في وهمي ولا خلدي ... ولا أجالتك خلواتي بأفكاري
ما أنت أول أرض مس تربتها ... جلدي ولا فيك أوطاني وأوطاري
стр. 56
لكن إذا حمت الأقدار كان لها ... قوى تؤلف بين الماء والنار
وقال آخر:
ترى الذي اتخذ الدنيا له وطناً ... لم يدر أن المنايا عنه تزعجه
من كان يعلم أن الموت مدرجه ... والقبر منزله، والبعث مخرجه
وأنه بين جنات ستبهجه ... يوم القيامة، أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه فهو أسمجه
وقال آخر:
من الخراب من الأوطان أوطاني ... وقد مضى لي في العمران عمران
قد لمت أول من يثني عناني عن ... سبل الهوى وزجرت الثاني الثاني
في مجلس تبهج الرائين رؤيته ... ولي قرينان من حلوان حلوان
لا يحضران امرءاً عندي بمنقصة ... ولا إذا جادت الكفان كفاني
لكن يكدر عيشي بعد ذي هيف ... إدمانه الخطر بالأردان أرداني
تقول ألحاظه: أنظر، فقد ضمنت ... أشباه ما ضمت الأجفان أجفاني
جفا، وما كان يجفوني وغادرني=ميتاً، ولو شاء في الأحيان أحياني
والحين أبعد عن مأواي مسكنه ... ولو تقاربت الداران داراني
وحاسد غره بعدي فأسخطني ... ولو تجاورت الأرضان أرضاني
كم قد وري من حسود ما يعاين من ... فضلي، وكم قد شجى من شأني شاني
١٢- فصل في ذكر المدن
عن سهل بن عبد الله ﵀ أنه كان ينفق ماله في طاعة الله تعالى، فجاءت أمه وإخوته إلى عبد الله بن المبارك ﵁ يشكونه، فقالوا: هذا لا يمسك شيئاً، ونخشى عليه الفقر، فأراد عبد الله أن يعينهم عليه، فقال له سهل: يا عبد الله أرأيت لو أن رجلاً من أهل المدينة اشترى ضيعة برستاق، وهو يريد أن يتحول عن المدينة إليها، أكان يخلف بالمدينة شيئاً وهو يسكن الرستاق؟ فقال عبد الله ﵀: خصمكم، يعني أنه إذا أراد أن يتحول إلى الرستاق لا يترك بالمدينة شيئاً، فالذي يريد أن يتحول إلى الآخرة كيف يترك في الدنيا شيئاً؟! قال أبو نواس:
أين من كان قبلنا ... من ذويب البأس والخطر
سائلوا عنهم المدا ... ئن واستخبروا الخمر
سبقونا إلى الرحي_ل، وإنا لبالأثر
من مضى عبرة لنا ... وغداً نحن معتبر
وقال أبو تمام:
قد قلت للزباء لما أصبحت ... في حد ناب للزمان ومخلب
لمدينة عجماء قد أمسى البلى ... فيها خطيباً باللسان المعرب
فكأنما سكن الفناء فناءها ... أوصال فيها الدهر صولة مغضب
وقلت:
سل المدائن عمن كان يملكها ... هل آنست منهم من بعدهم خبرا
فلو أجابتك قالت ... وهي عالمة
بسيرة الذاهب الماضي ومن غبرا
أرتهم العبر الدنيا، فما اعتبروا ... فصيرتهم لقوم بعدهم عبراً
عن سليمان بن عياش قال: قالت أنيسة زوجة جبهاء الأشجعي لجبهاء: لو هاجرت إلى المدينة، وبعت إبلك، وافترضت في العضاء، كان خيراً لك، قال: أفعل، فأقبل غادياً بإبله، حتى إذا كان بحرة واقم من شرقي المدينة شرعها بحوض واقم يسقيها، فحنت ناقة منها، ثم نزعت، وتبعتها الإبل ففاتته، فقال جبهاء لزوجته: هذه الإبل لا تعقل تحن إلى أوطانها، ونحن أولى بالحنين منها، أنت طالق إن لم ترجعي [فقالت] : فعل الله بك وفعل، فردها، وقال:
قالت أنيسة: دع بلادك والتمس ... داراً بطيبة ربة الآطام
تكتب عيالك في العطاء، وتفترض ... وكذاك يفعل حازم الأقوام
فهممت ثم ذكرت ليل لقاحنا ... بلوى عنيزة أو بقف بسام
إذ هن عن حسبي مذاود كلما ... نزل الظلام بعصبة أعيام
إن المدينة لا مدينة فالزمي=حقف السناد، وقنة الاجام
وتجاوري النفر الذين بنبلهم ... أرمى العدو إذا تهضم رام
الباذلين ... إذا طلبت
تلادهم
والمانعي ظهري من العرام
ذهب الرجال فلا أحس رجالا ... وأرى الإقامة بالعراق ضلالا
وأرى المرجى للعراق وأهله ... ظمآن هاجرة يؤمل آلا
وطربت أن ذكر المدينة ذاكر ... يوم الخميس فهاج لي بلبالا
وجعلت أنظر في السماء كأنني ... أبغي بناحية السماء هلالا
طرباً إلى أهل الحجاز وتارة ... أبكي بدمع مسبل إسبالاً
١٣- فصل في ذكر البلاد
стр. 57
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من بلدة تاب فيها تائب إلا رحم الله تعالى أهل تلك البلدة، ورفع عنهم العذاب".
وقال ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل جلب طعاماً إلى بلد من بلاد المسلمين، فباعه بسعر يومه محتسباً، كان عند الله بمنزلة الشهيد، ثم تلا: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) .
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - "من سعادة الرجل خمس: أن تكون زوجته موافقة، وأولاده أبراراً، وإخوانه أتقياء، وجيرانه صالحين، ورزقه في بلده".
عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: شر المال ما لا ينفق، وشر الإخوان الخاذل في الشدائد، وشر السلاطين من يخافه البريء، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن.
وقال أبو زياد الطائي:
أحقاً عباد الله أن لست ناسياً ... بلادي ولا قومي ولا ساكناً نجدا؟!
ولا ناظراً نحو الحمى اليوم نظرة ... أسلى بها قلبي، ولا محدثاً عهدا
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وكان بها عصر الصبي نضراً رغداً
بلاد بها قومي، وارض أحبها ... وإن لم أجد من طول هجرتها بدا
وقال صدقة بن نافع الغنوي:
ألا ليت شعري هل أسير ناقتي ... ببيضاء نجد حيث كان مسيرها
بلاد بها أنضيت راحلة الصبي ... ولانت لنا أيامها وشهورها
فقدنا بها الهم المضل وشربه ... ودار علينا بالنعيم سرورها
حكي عن كاتب لأمير الحاج أنه قال: نزلنا مرة بظاهر الكوفة، ونحن متوجهون إلى الحج، فكنت كل يوم أغدو إلى الكوفة لحوائجي، ويقابلني رجل زمن يزحف. فكنت أظنه يقصد الحاج للسؤال، فاتفق أن تبعته يوماً، حتى كان بموضع يشرف منه على أخبية الحاج، فسمعته يقول:
أعلمت كيف تصبري ... عن رؤية البلد الحرام
والمشعرين ومسجد ... بالخيف يشهد كل عام
وعن التزام المشعري ... ن وعن صلاة بالمقام
وعن الزيارة للنب ... ي المصطفى خير الأنام
كتصبر المدفوع بال ... أسقام عن طيب المنام
قال: ثم ظعنا عن الكوفة ليالي وأياماً، ثم إني سمرت عند الأمير ليلة، فحدثته الحديث، فأحضر نجاباً، وثلاثة نجب، وقال لي: اذهب مع هذا النجاب فأتيني به، فقلت: إن ذلك يشق علي، وأنا أدل الرسول عليه، فقال: قد علمت أنك تدل الرسول، ولكني أردت عقوبتك؛ لتأخيرك إخباري عنه، فمضيت فأتيت به.
وقال أشجع السلمي:
ومغترب ينقضي ليله ... فنوناً ومقلته تدمع
يؤرقه نأيه في البلا ... د، فما يستقر به مضجع
إذا الليل ألبسه ثوبه ... تقلب فيه فتى موجع
وقال آخر:
ألا هل إلى نص النواعج بالضحى ... وشم الخزامى بالغوير سبيل؟!
بلاد بها أهل الهوى غير أنني ... أميل مع الأقدار حيث تميل
وقال أبو عبد الله محمد بن عثمان المعروف بابن الحداد الأندلسي يرثي صديقاً له:
تيقن أن الله أكرم جيرة ... فأزمع عن دار الفناء رحيلا
فإن أقفرت منه العيون فإنه ... تعوض منها بالقلوب بديلا
ولم أر أنساً بعده صار وحشة ... وبرداً على الأكباد صار غليلا
ومن كن أيام السرور قصيرة ... به كان ليل الحزن فيه طويلا
وقال عيينة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري:
أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني بالقلوب على بعدي؟
فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي، وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد
وقالت امرأة من العرب زوجها عمها رجلاً شامياً، فنقلها إلى الشام، فاشتاقت بلادها:
ألا يا خليلي اللذين أراهما ... ذوي ثقتي من دون من كان حافيا
سقى الله ... والسقيا إليه
بلادنا
بحزم قناوين الذهاب الغواديا
بلاد جميع، والعظيم أحبهم ... وإن كنت قد أيقنت ألا تلاقيا
ألا ليت لي عما بعمى، وليت لي ... مكان بنيه من معد مواليا
أناساً إذا خافوا على ظلامة ... وضيماً أحاطوا بالقنا من ورائيا
فلا بارك الرحمن في وجه حرة ... يمانية بعدي تحب شآميا
стр. 58
وقال موسى بن جابر الحنفي:
وجدنا أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
(الفزر: لقب لسعد بن زيد مناة بن تميم، وكان أنهب معزاه بعكاظ، ويقال لجماعة المعزى: الفزر، فسمي بذلك) :
فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
وقال هلال بن الأسعر المازني:
أقول وقد جاوزت نقمي وناقتي ... تحن إلى جنبي فليج مع الفجر
سقى الله يا ناق البلاد التي بها ... هواك
وإن عنا نأت
سبل القطر
فما عن قلى منا لها خفت النوى ... بنا عن مراعيها وكثبانها العفر
ولكن صرف الدهر فرق بيننا ... وبين الأداني والفتى غرض الدهر
فسقياً لصحراء الإهالة مربعاً ... وللوقبي من منزل دمث مثرى
وسقياً ورعياً حيث حلت لمازن ... وأيامها الغر المحجلة الزهر
وقال آخر:
وارحمنا للغريب في البلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا؟!
فارق أحبابه، فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
وقال آخر: "قيل قائلها بشر بن مروان، وقيل: عبد العزيز بن مروان":
كأني وعمراً لم نسر في مجاهل ... ولم نزجر الوجناء في البلد القفر
لحى الله دنيا تدخل النار أهلها ... وتهتك ما بين الأقارب من ستر
هذان البيتان في عمر بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق حين قتله عبد الملك بن مروان.
عن يحيى بن سعيد الأموي قال: كسا عبد الله بن الزبير ﵀ قومه بني أسد جباباً، فقال أبو العباس الأعمى:
كست أسد إخوانها ولو أنني ... ببلدة إخواني إذن لكسيت
فلم أر مثل الحي حياً تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت
أعف وأحمى عند مختلف القنا ... وأعلم بالمسكين أين يبيت
فلما قدم عبد الملك بن مروان حاجاً سنة خمس وسبعين دخل عليه أبو العباس الأعمى الشاعر، فلما رآه عبد الملك قال له: يا أبا العباس:
كست أسد إخوانها، ولو أنني ... ببلدة إخواني إذن لكسيت
فقال: نعم يا أمير المؤمنين أنا الذي أقول ذلك، فالتفت عبد الملك إلى من عنده من بني أمية، فقالت: عزمت على كل رجل إلا كسا أبا العباس، فكسوه ثلاثين جبة. سوى غيرها من الثياب.
وقال وجيه الدولة بن حمدان وهو بالأهواز:
نأيت بشخص في البلاد مشرق ... وقلب إليكم بالحنين مغرب
لحى الله رأياً زين البعد عنكم ... وهمة قلب رخصت في التقلب
يطيب خبيث الأرض بالقرب منكم ... ويخبث عندي بعدكم كل طيب
وقال آخر:
خليلي لا تستسلما وادعوا الذي ... له كل أمر أن يصوب ربيع
حياً لبلاد شتت المحل أهلها ... وجبراً لعظم في شظاه صدوع
عسى أن يحل الحي جرعاء واصل ... وعل النوى بالظاعنين تريع
أفي كل يوم زفرة مستجدة ... تضمنها مني حشى وضلوع؟!
وقال آخر:
ألام على ليلى، وأحسب أنني ... كريم على ليلى وغيري كريمها
لئن آثرت بالود أهل بلادها ... على نازح عن أرضها لا ألومها
وما يستوي من لا يرى غير لمة ... وآخر ثاو عندها لا يريمها
وقال آخر:
الحين ساق إلى دمشق وما ... كانت دمشق لأهلنا بلدا
قادتك نفسك فاستقدت لها ... وأرتك أمر غواية رشدا
وقلت - وأنا بمصر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة:
هب أن مصر جنان الخلد ما اشتهت ... النفوس فيها في اللذت موجود
ماذا انتفاعي إذا كانت زخارفها ... موجودة، وحبيب النفس مفقود؟!
ما فيك لي سلوة يا مصر عن بلد ... في أهله الفضل والإقدام والجود
وما الحياة لمن بانت أحبته ... رضي، ولا هو في الأحياء معدود
فصل آخر في ذكر البلاد
عن الزبير بن العوام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فحيث وجدت خيراً فأقم، واتق الله تعالى".
وقال بزرجمهر: "إنما يستطيع الرحيل عن بلد من استطاع المقام به".
وقال عيسى بن علي الموصلي:
ما ذممت المقام في بلد قط ... (م) فعاتبته بغير الرحيل
стр. 59
إن تلقاني الزمان بمكرو ... هـ تلقيته بصبر جميل
وقال المتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح:
إن الهوان حمار البيت يعرفه ... والحر ينكره والرسلة الأجد
[الرسلة] : الناقة السهلة
وفي البلاد إذا ما خفت نائرة ... مشهورة عن ولاة السوء منتفد
[النائرة] : ما تنفر منه، والنوار: النفور.
إن الدنية لا يرضى بها أحد ... إلا الأذلان: عير السوء والوتد
هذا على الخسف محبوساً برمته ... وذا يشج وما يبكي له أحد
وقال أيضاً:
إن العراق وأهله كانوا الهوى ... فإنما نبا بك ودهم فليبعد
فلتتركنهم بليل ناقتي ... تذر السماك وتهتدي بالفرقد
لبلاد قوم لا يرام هديهم ... وهدى قوم آخرين هو الردى
الهدى: الجار، يعرض بعمرو بن هند، وطرفة بن العبد.
وقال الحارث (؟)
قالت سليمى قد غنيت فتى ... فاليوم لا تصمى ولا تنمى
الموت تخشى أن توافقه ... والموت يدرك آبد العصم
قوض خيامك والتمس بلداً ... ينأى عن الغاشيك بالظلم
وقال آخر:
وكل البلاد بلاد الفتى ... وما بينه وبلاد نسب
إذا بلد بك يوماً نبا ... فلا تخلدن به واغترب
وقال زياد بن منقذ بن عمرو بن عبد الله:
لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى منا ولا نقم
ولا أحب بلاداً قد رأيت بها ... عنساً، ولا بلداً حلت به قدم
"شعوب، ونقم وعنس وقدم: قبائل من اليمن، ومن عنس عمار بن ياسر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، ولم يشهد أحد من المسلمين بدراً أبواه مؤمنان غيره، ومنهم الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة".
إذا سقى الله أرضاً صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم
وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادي أشى وفتيان به هضم
"وادي أشى بالمدينة"
الموسعون إذا ما جر غرهم ... على العشيرة، والكافون ما جرموا
والمعطمون إذا هبت شآمية ... وباكر الحي من صرادها صرم
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها ... فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
لم ألق بعدهم حياً فأخبرهم ... إلا يزيدهم حباً إلى هم
وقال المتنبي:
شر البلاد بلاد لا صديق بها ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
وقال أيضاً:
بلاد إذا زار الحسان بغيرها ... حصى أرضها نقينه للمخانق
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
تذكرت من ماء العواصم شربة ... وزرق العوالي دون زرق جمامه
وكم بين ريف الشام والكرخ منهل ... موارده ممزوجة بسمامه
يمر به رأد الضحى متنكراً ... مخافة أن يغتاله بقتامه
بلاد يضل النجم فيها سبيله ... ويثنى دجاها طيفها عن لمامه
وقال المتنبي:
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعينى في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
وقال مهيار:
فمالي أقمح ملح الميا ... هـ وإذا كنت أشرب من أدمعي؟!
ويرتاح وجهي لبرد النس ... يم ونار الخصاصة في أضلعي
وهل قابلي بلد أن أقيم ... وقد خط في غيره مضجعي؟!
وقال أيضاً:
لله مر الأباء أعوزه ... من جانب الذل عزه فنبا
وما مقام الكريم في بلد ... ينفق فيه الحياء والأدبا؟!
وقلت:
سر عن بلادهم فقد سئمت بها ... عيسى محول معرسي ومناخي
ودع الأماني إنها غرارة ... ووعودها للراغبين أواخ
ما عندها للواثقين بنيلها ... إلا المطال بموعد متراخ
وقال البسي:
ذرني أسر في البلاد مبتغياً ... فضل ثراء إن لم يفر زانا
فنيذق النطع وهو أحقر ما في ... هـ إذا ساء صار فرزانا
وقال أعرابي:
رمى الفقر بالفتيان حتى كأنهم ... بأطراف آفاق البلاد نجوم
وإن امرأ لم يقفر العام بيته ... ولم يتجدد لحمه للئيم
وقلت من قصيدة:
стр. 60
أظن العدى أن ارتحالي ضائري ... ضلالاً لما ظنوا، وهل يكسد التبر؟
ما زادني بعدي سوى بعد همة ... كما زاد نورا في تباعده البدر
وهل في ارتحالي عن بلاد تنكرت ... لمثلي أو للساكنين بها فخر؟!
وإن بلاداً ضاق عني فضاؤها ... لأرحب من أكنافها للعلى فتر
وأرضاً نبت بي وهي آهلة الربى ... هي القفر، لا، بل دون وحشتها القفر
وهل ينكر الأعداء فضلى وإنه ... لأسير ذكراً أن يواريه الكفر؟
ألست الذي مازال كهلاً ويافعاً ... له المكرمات الغر، والنائل الغمر؟
وخائض وقعات بوارقها الظبى ... ووابل هاتيك البروق دم همر؟
يهول الردى منى تقحمي الردى=ويعتاده من جأشي الرابط الذعر وقال آخر:
بلاد جفاني الناصحون وملني ... صديقي، ولمن يحفل بذلك عودي
ولكن بلاد لو مرضت لعادني ... أوانس يكحلن العيون بإثمد
أوانس يشفين السقيم ملاحة ... وحسن حديث كالجمان المنضد
ولله قوم لم أفارقهم قلى ... كرام أولو عز وفخر وسؤدد
قال أبو عبد الله إبراهيم نفطويه: أنشدنا أحمد بن يحيى، النحوي لرجل من العرب كان أبوه يمنعه الاضطراب في المعيشة شفقة عليه:
ألا خلني أذهب لشأني ولا أكن ... على الناس كلاً، إن ذاك شديد
أرى الضرب في البلدان يغني معاشراً ... ولم أر من أجدى عليه قعود
أتمنعني خوف المنايا ولم أكن ... لأهرب مما ليس منه محيد؟
فدعني أجول في البلاد لعلني ... أسر صديقاً أو يساء حسود
فلو كنت ذا مال لقرب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت: أنت سديد
وقال آخر:
سقيت أيافث من بلاد ... صوب الروائح والغوادي
كم قد تروت هامتي ... فيها وعول من وسادي
دعني لسبل غوايتي ... والزم سبيلك للرشاد
مرت بي هذه الأبيات في خبر أنا مورده لاستغرابي إياه، وإن لم يكن مما يقتضيه التأليف، والعهدة فيه على من رواه، وهو: عن ابن الكلبي عن أبيه عن أشياخ من أهل ذمار - من أهل اليمن - أنه سمعهم يخبرون عن رجل من حمير من ذي الكلاع - وكان رجلاً جلداً شجاعاً يركب الأهوال، وينفرد في الأسفار يقال له: تحياوة بن عمير - قال: خرجت أريد حضرموت، فبت في بعض المفاوز بقراب روضة غناء في ليلة مقمرة، نمت أول الليل، ثم أيقظني حس فانتبهت، فإذا فتيان قريب مني قد جلسوا على شراب لهم، فأنكرت ذلك في نفسي، وقلت: والله ما يقرب من هذا الموضع قرية ولا ماء ولا حلة، فما هؤلاء؟ ثم نمت، فأقبل واحد منهم، فحركني برجله، فأنبهني، فقلت: ما تشاء؟ فقال: إنك قد نزلت بنا، ووجب علينا ذمامك، فقم بنا تصب من طعامنا وشرابنا. فقلت: أما الطعام فلا حاجة لي به، قال: فقم إلى الشراب إذن، فقمت فاستوثقت من عقال جملي، وأخذ سيفي ومضيت معه، فإذا فتيان تسعة، كأنهم الأقمار، فحيوا فرحبوا، فإذا بين أيديهم جفنة فيها شراب كدم الخشف تسطع منه رائحة المسك، فتناول فتى منهم قعباً، فاغترف من الجفنة، فعب فيه حتى أتى على آخره، ثم قام، فأدار على القوم حتى صار إلي، فناولني القعب، فعببت فيه، ثم رددت إليه بعضه، فقال: اشرب، فشربت حتى أتيت على آخره، ثم قالوا للذي سقاهم: تغن يا تُحى، فرفع عقيرته وهو يقول:
ألا يا وادي العلجان أبشر ... ببارقة على وادي الغميم
لعل مصابها يدنى نوانا ... على عدوائه لنوى رميم
فشدا - والله - شدوا ما سمعت مثله حسناً ولا صواباً، فقلت له: يا أخي من يقول هذا الشعر؟ فقال: أنا والله قلته على لسان جذيمة المصطلق الذي منهم جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، فاستوحشت من قوله.
ثم قالوا لآخر: قم يا مسعر، فقام، ففعل كفعل الأول، حتى سقى القوم، ثم قالوا له: تغن، فقال:
تألق والدحى ملقى الجران ... بريق بين صاحة فالعران
كأن وميضه لمعان كف ... مخاطبة
على هول
الجنان
فكان غناؤه كغناء صاحبه وأحسن، فقلت: من يقول هذا يا أخي؟ فقال: أنا والله قلته على لسان علس ذي جدن.
ثم قالوا لآخر: قم يا مقروم، فقام، ففعل كفعل أصحابه، ثم قالوا له: غننا، فقال:
أبرزت من خلل البر ... د بناناً كاللجين
стр. 61
ورنت والعين تذرى ... كالئاً ترنو بعين
م قالت لفتي ... ات كآرام الرهين:
إنما يستمطر الجو ... د بكفي ذي رعين
فقلت له: من يقول هذا يا أخي؟ قال: أنا والله قلته على لسان روضة قينة ذي رعين، فقالوا له: زدنا، وما استزادوا غيره، فقال:
سفرت عن مثل قر ... ن الشمس في الليل البهيم
في جوار قد سلبن اللح ... ظ أطلاء الصريم
ثم قالوا لآخر: قم يا دلهم، ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
طيف تأوب من سعاد ... حتى اجتنى ثمر الفؤاد
ولبئسما متبدل ... طيف السهاد من الرقاد
فقلت: من يقول هذا يا أخي؟ قال: أنا والله قلته على لسان نظام قينة ياسر المنعم. ثم قالوا: قم يا ملدم، فقام ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
نذرت حماتك يا أما ... م دمي. ودون مرامه
دهم تفض جماجم ال ... أقوام تحت قتامه
إن يحجبوك تزره طي ... فك طارقات منامه
فاستخفهم الطرب، فقاموا يصارع بعضهم بعضاً، ثم عادوا إلى مجلسهم، ثم قالوا: قم يا عرقال، قال: فقام، ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
ضنت برجع سلامها هند ... أهو الدلال بها أم الصد؟!
إن لم يكن نيل أعيش به ... فالوعد، ليس يئودك الوعد
قال: فقام القوم، فجعل الرجل منهم يثب، فيجعل قدميه على منكبي صاحبه، ويثب الثاني على الآخر. هكذا حتى يصيروا كالنخلة السحوق، ثم يسقط بعضهم على بعض وهم يتضاحكون، ثم قالوا: قم يا عفير، فقام. ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
سقيت أيافث من بلاد ... صوب الروائح والغوادي
كم قد تروت هامتي ... فيها وعول من وسادي
دعني لسبل غوايتي ... والزم سبيلك للرشاد
ثم قالوا: قم يا معتر، فقام ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
إن المدامة غادرت ... ثوبي قد ثقلا عليا
فأصب بمائك قلبها ... وابعث بمهجتها إليا
واحى اللذاذة بالمدا ... م وشربها مادمت حياً
ثم قالوا: عم ظلاماً، فما رأينا إنسياً أصلب قلباً منك، وغابوا، فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس، فقلت: والله لقد تلاعبت بي الجنان في ليلتي هذه، وآليت على نفسي لا سرت بعدها مسيراً إلا في رفقة.
فصل آخر في ذكر البلاد
عن الأصمعي، قال: مررت بحمى الربذة، وإذا صبيان يتقامسون في الماء، وشاب مليح الوجه، ملوح الجسم، قاعد فسلمت عليه، فرد السلام، وقال: من أين وضح الراكب؟ قلت: من الحمى، قال: ومتى عهدك بها؟ قلت: رائحاً، قال: فأين كان مبيتك منها؟ فقلت: بأدنى هذه المشاقر (يعني نبات العرفج) - فألقى نفسه على ظهره، وتنفس الصعداء، فقلت: تفسأ (أي تشقق) حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول:
سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ما يروى به ويسيم
وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ... يحل به شخص على كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه ... لدى
وإن شط المزار
نعيم
ومن لامني فيه حميم وصاحب ... فرد بيأس صاحب وحميم
ثم سكت سكتة كالمغمى عليه، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء، فصببته على وجهه فأفاق، وأنشأ يقول:
إذا الصب الغريب رأى خضوعي ... وأنفاسي تزين بالخشوع
ولي عين أضر بها التفاتي ... إلى الأجراع مطلقة الدموع
إلى الخلوات تأنس فيك نفسي ... كما أنس الوحيد إلى الجميع
فقلت له: ألا أنزل فأساعدك، أو أكر عودي على بدئي في حاجة إن كانت لك، أو رسالة؟ قال: جزيت خيراً، وصحبتك السلامة، امض لطيتك، فلو علمت أنك تغني عني شيئاً لكنت موضع الرغبة، وحقيقاً بإسعاف المسألة، ولكنك أدركتني في صبابة من الحياة قال: فانصرفت، ولا أراه أمسى إلا ميتاً.
وقال نبهان بن علي العبشمي:
يقر بعيني أن أرى من بلادها ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي وردت به ... سليمى وقد مل السرى كل واخد
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... ولو كان مخلوطاً بسم الأساود
وقال آخر:
يقر بعيني أن أرى من بلادها ... دماجاً، وأن تبدو لعيني الأجادع
بلاداً حماها الخوف عني والعدى ... وحرب ذوي القربى، فما أنا صانع؟!
وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي:
стр. 62
أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنساناهما غرقان؟!
إذا اغرورقت عيناي قال صحابتي ... لقد أولعت عيناك بالهملان
عن حفص بن الأروع قال: رأيت صبية في بلاد طيء، فقلت لها: أي البلاد أحب إليك؟ فقالت:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي، وسلمى، أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال التهامي:
إذا اشتد شوقي قلت قول متيم ... ليوم النوى في القلب منه كلوم
فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فمن ذا الذي من ريبهن سليم؟
وأنشدت شعراً قاله ذو صبابة ... كئيب شجته أربع ورسوم
"سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ما يروى به ويسيم
وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ... يحل به شخص على كريم"
وقال قيس بن ذريح:
وما من حبيب آمن لحبيبه ... ولا ذي هوى إلا له الدهر فاجع
كأن بلاد الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الخلق
قفر بلاقع
وما كل ما منتك نفسك خالياً ... تلاقي، ولا كل الهوى أنت تابع
ولولا رجاء القلب أن تسعف النوى ... لما حملته بينهن الأضالع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم والليل جامع
وقال القاضي أبو الفرج سلامة بن بحر، وتروي للقاضي النعمان المصري:
نوح حمام بيثرب غرد ... هيج شوقي، وزاد في كمدي
واكبدي من فراقهم، وكذا ... من ذاق ما ذقت صاح: واكبدي!
فارقت إلفي فصار في بلد ... بالرغم مني، وصرت في بلد
وقال آخر:
وأنت التي حببت شغباً إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما
حللت بهذا مرة ثم مرة ... بهذا، فطاب الواديان كلاهما
١٤- فصل في ذكر الدار
روى عن يزيد بن الأصم أن الأنصار ﵃ قالوا: "يا رسول الله اقسم بيننا وبين إخواننا من المهاجرين ﵃ الأرض نصفين: قال ﷺ : لا، ولكنكم تكفونهم المئونة، وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم، قالوا: رضينا، فأنزل الله : (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) .
وقوله ﵎: (لهم دار السلام عند ربهم) هي الجنة، وفي تسميتها دار السلام وجهان: أحدهما: لأنها دار السلامة الدائمة من كل آفة.
والثاني: السلام هو الله سبحانه، والجنة داره.
وفي قوله تعالى: عند ربهم وجهان: أحدهما: يعني أن دار السلام عند ربهم في الآخرة؛ لأنها أخص به.
والثاني: معناه أن لهم عند ربهم أن ينزلهم دار السلام.
وكذلك جاء في قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) .
وقوله : (ولدار الآخرة خير، ولنعم دار المتقين) قيل فيه: إن الآخرة خير من الدنيا؛ لفناء الدنيا وبقاء الآخرة.
(ولنعم دار المتقين) قال الحسن ﵁: نعم دار المتقين الدنيا، لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة، ودخول الجنة.
وقوله ﵎: إخباراً عن قارون: (فخسفنا به وبداره الأرض) قال ابن عباس ﵁: شكا موسى ﵇ إلى الله قارون، فأمر الله تعالى الأرض أن تطيع موسى، فلما أقبل قارون وشيعته، قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، ثم قال خذيهم، فخسف بهم، وبدار قارون وكنوزه.
وروى يزيد الرقاشي ﵀ أن قارون لما أخذته الأرض إلى عنقه أخذ موسى ﵇ نعليه، فخفق بهما وجهه، فقال قارون: يا موسى ارحمني، فقال الله تعالى: يا موسى ما أشد قلبك! دعاك عبدي واسترحمك فلم ترحمه، وعزتي لو دعاني لأجبته.
وروى سمرة بن جندب أنه يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، لا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة.
وقال مقاتل: لما أمر موسى ﵇ الأرض فابتلعت قارون، قال بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله؛ لأنه كان ابن عم موسى أخي أبيه، فخسف الله تعالى بداره وجميع أمواله بعد ثلاثة أيام.
стр. 63
وقوله : (الذي أحلنا دار المقامة من فضله) أي دار الإقامة، وهي الجنة، وفي الفرق بين المقامة بالضم والفتح وجهان: أحدهما: أنها بالضم: دار الإقامة، وبالفتح: موضع الإقامة.
الثاني: أنها بالضم: المجلس الذي يجتمع فيه للطعام، وبالفتح المجلس الذي يجتمع فيه للحديث.
وقوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) هم الأنصار ﵃ الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها، قيل: إنهم تبوءوا الدار من قبلهم، والإيمان من بعدهم، وقيل: تبوءوا الدار والإيمان من قبل الهجرة إليهم. (يحبون من هاجر إليهم) بمواساتهم بأموالهم ومساكنهم.
(ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) أي حسداً مما خصوا به من مال الفيء.
(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) يعني أنهم يفضلونهم ويقدمونهم على أنفسهم ولو كانت بهم فاقة وحاجة، وفي إيثارهم قولان: أحدهما: أنهم آثروهم على أنفسهم بما حصل من فيء وغنيمة حتى قسمت في المهاجرين دونهم، وروى أن النبي ﷺ قسم للمهاجرين ما أفاء الله تعالى من النضير - وقيل من قريظة - من أموالهم، فقالت الأنصار ﵃: بل نقسم لهم من أموالنا، ونوثرهم بالفيء، فأنزل الله هذه الآية.
القول الثاني: أنهم آثروا المهاجرين ﵃ بأموالهم، وواسوهم بها، روى بن زيد أن النبي ﷺ قال للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم، فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال ﷺ : أو غير ذلك؟ فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم التمر؟ يعمي مما صار لهم من نخل بني النضير، فقالوا: نعم يا رسول الله.
(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) قيل: الشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له، وقيل: منع الزكاة، وقيل: هوى النفس، وقيل: اكتساب الحرام.
روى الأسود عن ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أتاه، فقالك إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) وأنا رجل شحيح، لا أكاد أخرج من يدي شيئاً، فقال ابن مسعود ﵀ ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل.
وعن النبي ﷺ : "يا عجباً كل العجب من المصدق بدار الخلود وهو يعمل لدار الغرور".
عن أبي الدرداء ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم جمعة، فقال: "أيها الناس توبوا قبل أن تموتوا، زبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، أيها الناس: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وأحزمكم أكثركم له استعداداً، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور".
أنشد علي بن محمد بن ثابت الكاتب:
الدار دار مرازي ومصائب ... وفجيعة بأحبة وحبائب
ما ينقضي نهل بفرقة صاحب ... حتى أعل بفرقة من صاحب
وإذا مضى الآلاف عنك لطية ... والمؤنسون، فأنت أول ذاهب
стр. 64
خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - بالكوفة، فقال - في كلام له -: "سبحانك خالقاً معبوداً، تحسن بلاءك في خلقك، خلقت داراً، وجعلت مأدبة ومطعماً ومشرباً وأزواجاً وقصوراً وخدماً وعيوناً وأنهاراً، ثم أرسلت داعياً إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغبتنا رغبنا، أقبلنا على جيفة نأكل منها، قد زاد بعضنا على بعض حرصاً عليها، وافتضحنا لما اصطلحنا على حبها، عميت أبصار صالحينا وفقهائنا فيها ولها، من في قلبه مرض فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، وقد ملكت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وذهلت عليها نفسه، فهو عبدها، وعبد من في يديه منها شيء، حيثما زالت زال معها، وحيثما أقبلت أقبل إليها، ولا يعقل ولا يسمع، ولا يزدجر من الله بزاجر، ولا يتعظ من الله بواعظ، قد رأى المأخوذين على الغرة، حيث لا إقالة ولا رجعة، كيف فاجأتهم تلك الأمور، ونزل بهم ما كانوا يوعدون، وفارقوا الدور، وصاروا إلى القبور، ولقوا دواهي تلك الأمور، فإذا نزلت بقلوبهم حسرات أنفسهم اجتمعت عليهم خصلتان: حسرة الفوت، وسكرة الموت تفطرت لها قلوبهم، وتغيرت ألوانهم، وتردد فواقهم، وحركوا لمخرج أرواحهم أيديهم وأرجلهم، فعرقت لذلك جباههم، ثم ازداد الموت فيهم، فحيل بين أحدهم ومنطقه، وإنه لبين ظهراني قومه، ففكر بعقل بقي له فيم فني عمره؟ وفيم ذهبت أيامه؟ عن الأصمعي ﵀ قال: حججت فنزلت ضرية في يوم الجمعة، فإذا أعرابي قد كور عمامته، وتنكب قوسه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال: أيها الناس. إن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، فإنه لن يستقبل أحد يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله، وإن أمس موعظة، واليوم غنيمة، وغداً لا يدري من أهله، فاستصلحوا ما تقدمون عليه، وأفنوا ما لا ترجعون إليه، وأخرجوا من الدنيا بقلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها خقتم، وإلى غيرها ندبتم، وإنه لا قوى أقوى من الخالق، ولا ضعيف أضعف من مخلوق، ولا هرب من الله إلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه؟! (كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فار، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) .
عن عيسى بن مريم صلى الله عليه، أنه قال: (من ذا الذي يبني على موج البحر داراً؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً) .
وعن وهب بن منبه ﵀ قال: قال عيسى بن مريم صلى الله عليه: يا دار تخربين، ويفنى ساكنك، ويا نفس اعملي ترزقي، ويا جسد انصب تسترح.
قال رجل للحسن البصري ﵁ يا أبا سعيد: إذا جعت ضعفت، وإذا شبعت وقع على البهر، فقال: يا ابن أخي هذه الدار ليست توافقك، فاطلب داراً غيرها.
عن صالح المري ﵀ قال: لما غضب المنصور على المورياني، وخرب داره، دخلت إليها يوماً أطوف فيها، وأعتبر، فإذا أسود قد خرج علي من بعض الحجر، فقال لي: هذا سخط المخلوق، فكيف بسخط الخالق على المخلوق؟ وعن الحسن البصري ﵁ أنه قال: الدنيا دار عمل، فمن صحبها بالبغض لها، والزهادة فيها، والتهضم لها، سعد بها، ونفعته صحبتها، ومن صحبها بالرغبة فيها، والمحبة لها، شقي بها، وأجحفت بحظه من الله تعالى، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه من عذاب الله وسخطه، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله ولي ميراثها، وأهلها يتحولون إلى منازل لا تبلى، ولا يغيرها طول الزمن، ولا العمر فيها يفنى فيموتون، ولا إن طال الثواء فيها يخرجون، فاحذروا - ولا قوة إلا بالله - ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المنقلب.
نظر ابن مطيع إلى داره، فأعجبه حسنها، ثم بكى، ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسروراً، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا، ثم بكى حتى ارتفع صوته.
روى الخطيب أبو بكر ﵀ في تاريخه بإسناده، قال: قال يعقوب بن شيبة: رأيت على باب دار خراب:
ربت دار بعد عمرانها ... أضحت خراباً ما بها آهل
لم تدخل البهجة دار امرئ ... إلا وما يهدمها داخل
ما يأمن الدنيا وأيامها ... بعدي إلا أنوك جاهل
стр. 65
أما ترى العيش بها زائلاً؟ ... تباً لدنيا عيشها زائل
والشعر لسعيد بن حميد الكاتب.
قال أبو زيد الرقي: قال أبو محمد الفضيل بن عياض ﵁ يا أبا يزيد اشتريت داراً؟ قلت: نعم، قال: وأشهدت شهوداً؟ قلت: نعم، قال: فإنه والله يأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسأل عن بينتك، فيخرجك منها عرياناً مجرداً فانظر ألا تكون اشتريت هذا الدار من غير مالك، ووزنت فيها مالاً من غير حله، فإذا أنت قد خسرت الدنيا والآخرة.
عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في خطبة أحد العيدين: "الدنيا دار بلاء، ومنزل قلعة وعناء، وقد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشة لمن انتصحها، والمغوية لمن أطاعها، والخاترة لمن انقاد لها، فالفائز من أعرض عنها، والهالك من هو راغب فيها، وطوبى لعبد اتقى فيها ربه، وناصح نفسه، وقدم توبته، وأخر شهوته من قبل أن تلفظه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن موشحة غبراء، مدلهمة ظلماء، لا يستطيع أن يزيد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر، إما إلى جنة يدوم نعيمها، وإما إلى نار لا ينفد عذابها".
وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "يا أيها الناس: إن هذه الدار دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الآخرة من يلوي الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، إنها لسريعة الذهاب، وشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها، لمرارة فطامها، وانحزوا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستوجبين".
وقال الشاعر:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
فكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرت عيون دمعها أمس ساكب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها وما اللذات إلا مصائب
وقال ابن المعتز:
يا دار يا دار أطرابي وأشجاني ... أبلى جديد مغانيك الجديدان
لئن تعطلت من لهوي ومن سكني ... لقد تأهلت من بثي وأشجاني
جادتك رائحة في إثر غادية ... تروي ثرى منك أمسى غير ريان
حتى أرى النور في مغناك مبتسماً ... كأنه حدق في غير أجفان
وقال محمود الوراق:
فما أهل الحياة لنا بأهل ... ولا دار الحياة لنا بدار
وما أولادنا والأهل فيها ... ولا أموالنا إلا عواري
وأنفسنا إلى أجل قريب ... سيأخذها المعير من المعار
عن محمد بن الحسن بن عبيد الله الكوفي ﵀ قال: كتب إلي داوود الفارسي ﵀، وكان عالماً ناسكاً - بهذه الألفاظ: يا أخي الدنيا دار زلل وزوال، وتغير حال بعد حال، ثم كتب آخر كتابه هذه الأبيات:
أفرطت في العيش وتأميله ... وللمنايا شيم نكد
وإنما عيش الفتى ساعة ... لا قبلها منها ولا بعد
ما أوسع الدنيا على أهلها ... لو لم يكن آخرها اللحد
وقال سابق البربري:
وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن
عجبت من الدنيا وذمي نعيمها ... وحبي لها في مضمر القلب باطن
وقولي: أعذني رب من كل فتنة ... وأكلف منها بالذي هو فاتن
وقال البحتري:
أرسوم دار أم سطور كتاب ... درست بشاشتها مع الأحقاب؟
يجتاز زائرها بغير لبانة ... ويرد سائلها بغير جواب
ولربما كان الزمان محبباً ... فينا بمن فيها من الأحباب
وقال الكميت:
مالي في الدار بعد ساكنها ... وإن تذكرت أهلها أرب
لا الدار ردت جواب سائلها ... ولا بكت أهلها إذ اغتربوا
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
لمن الدار كأنضاء الكتاب ... هاجت الشوق وعيت بالجواب
لم تزدك الدار إلا طرباً ... والصبي غير شبيه بالتصابي
стр. 66
وبما قد كان فيها ساكن ... أهل أنعام وخيل وقباب
وقال أبو داوود الإيادي (واسمه جارية بن الحجاج) :
وقد عرفت الدار قفراً لم تحل ... بين أجياد خفاف فالرحل
ظعن الحي الألى كانوا بها ... وعفا رسم وأضحى كالخلل
هيج الشوق الذي كان صحا ... حبسك اليوم على ذاك الطلل
وقال جرير بن عطية:
أدار الجميع الصالحين بذي السدر ... أبيني لنا إن التحية عن عفر
لقد طرفت في الدار عيني دمنة ... تعاورها الأزمان بالريح والقطر
فقلت لأدنى صاحبي وإنني ... لأكتم وجداً في الجوانح كالجمر
بعمركما لا تعجلاني موقفاً ... على الدار فيه القتل أو راحة الدهر
وقال أيضاً:
ألا حي رهبي ثم حي المطالي ... فقد كان مأنوساً فأصبح خاليا
فلا عهد إلا أن تذكر أو ترى ... ثماماً حوالي نصب الخيم باليا
فيا ليت أن الحي لم يتفرقوا ... وأمسوا جميعاً جيرة متدانيا
فقد خفت ألا تجمع الدار بيننا ... ولا الدهر إلا أن نجد الأمانيا
وقال أبو حية النميري:
يا دار غيرها التقادم والبلى ... بين السليل ومأمي أكباد
لا زلت في خفض عليك تهافتت ... ديم عليك طويلة الإرعاد
وأنار واديك الربيع، فربما ... نغني به ونراه أبهج واد
وأرى به الأنس الذين تحبهم ... عيني، ويألف من تحب فؤادي
وقال حفص الأموي:
يا دار أقوت من بعد حاضرها ... لم يبق فيها سوى أواصرها
ألقت عليها الرياح أردية ... تنشرها من كسى أعاصرها
حييت من دمنة بما خلفت عين عطوف على جآذرها
يا ربما راقني بساحتها ... طيب هواها، ولهو سامرها
أيام لا خوف من شتات نوى ... تخشى، ولا روع من تطايرها
كنا بها حقبة فأزعجنا ... خطب نفى الخفض عن مجاورها
شتت بين الخليط فارتحلوا ... عنها وأبدى خراب عامرها
فالدار لو زرتها رأيت بها ... آياً تهيج الأسى لزائرها
تلك المغاني فإن مررت بها ... يوماً فسلم على دواثرها
وانظر إليها؛ ألم تصر دمناً ... تهفو السوافي على دعاثرها؟!
قال ابن المعتز:
وسكان دار لا تواصل بينهم ... على قرب بعض في التجاور من بعض
كأن خواتيماً من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض
وقال أبو العتاهية:
ألا يا نفس ما أرجو بدار ... أرى من حلها قلق القرار؟
بدار إنما الشهوات فيها ... معلقة بأيام قصار
نرى الأموال أرباباً علينا ... وما هي بيننا إلا عواري
ونذكر أن ندب لها وننسى ... دبيب الليل فينا والنهار
وقال آخر: (هذه الأبيات من قصيدة تنسب إلى أكثم بن صيفي) :
أيسأل رسم الدار، والدار قلبه ... وأنى لها ما قد حواه من الوجد؟
ويسخط أفعال السحاب بتربها ... إذا معهد منها تغير من عهد؟
وما متعة الأحباب إلا تعلة ... تلم لتشتيت وتقرب عن بعد
روى أن قوماً تشاجروا بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في أشعر الناس، فقال عمر: سأرسل إلى سيد الناس فأسأله، فقال الناس: قد تشاجرنا في سيد الشعراء فنريد الآن أن ننظر إلى سيد الناس، فأرسل إلى عبد الله بن العباس - رضوان الله عليهما - فجاءه، فقال له: يا أبا العباس أنشدنا ما تستحسن من الشعر، فقال: سأنشدكم لسيد الشعراء، فأنشدهم لزهير بن أبي سلمى:
هل في تذكر أيام الصبى فند ... أم هل لما فات من أيامه ردد؟
أم هل يلامن باك هاج عبرته ... بالحجر إذ شفه الوجد الذي يجد؟
أوفى على شرف نشز فأزعجه ... قلب إلى آل سلمى تائق كمد
متى أرى دار حي عهدنا بهم ... حيث التقى الغور من نعمان والنجد؟
لهم هوى من هوانا ما يقربنا ... ماتت على قربه الأحشاء والكبد
إني لما استودعتني يوم ذي عذم ... راع إذا طال بالمستودع الأمد
إن تمس دارهم منا مباعدة ... فما الأحبة إلا هم وإن بعدوا
وقال جميل بن معمر:
على الدار التي لبست بلاها ... قفا يا صاحبي فسائلاها
وما يبكيك من عرصات دار ... تقادم عهدها وبدا بلاها؟!
стр. 67
عن محمد بن يزداد، قال: دخلت على المأمون يوماً فرأيته وبيده رقعة، فقال لي: يا محمد، قرأت ما فيها؟ قلت: هي في يد أمير المؤمنين، فرمى بها إلي، فإذا فيها مكتوب:
إنك في دار لها مدة ... يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطاً بنا ... يقطع فيها أمل الآمل
تعجل الذنب لما تشتهي ... وتأمل التوبة من قابل
والموت يأتي بعد ذا بغتة ... ماذا بفعل الحازم العاقل
قلما قرأتها قال لي المأمون: هذا من أحكم شعر قرأته وقال المساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي:
ودار حفاظ قد حللتم مهانة ... بها نبيكم، والضيف غير مهان
إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم ... أبى كل مجني عليه وجان
وقال ريطة بنت عاصم:
وقفت فأبكنني بدار عشيرتي ... على رزئهن الباكيات الحواسر
غدوا كسيوف الهند وراد حومة ... من الموت أعيا وردهن المصادر
فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا ... بدار المنايا، والقنا متشاجر
ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدت، ولكن تحمل الرزء عامر
وقال البحتري:
يا دار لازالت رباك مجردة ... من كل سارية تعل وتنهل
أذكرتنا دول الزمان وصرفه ... وأريتنا كيف الخطوب النزل
أصبابة برسوم رامة بعدما ... عرفت معارفها الصبا والشمأل
وسألت من لا يستجيب فكنت في استخ ... باره كمجيب من لا يسأل
وقال البحتري أيضاً:
هب الدار ردت رجع ما أنا قائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله
أفي ذاك برء من جوى ألهب الحشى ... توقده، واستغزر الدمع جائله
هو الدمع موقوفاً على كل دمنة ... نعرج فيها أو خليط نزايله
ترادفهم خفض الزمان ولينه ... وجادهم طل الربيع ووابله
وقال آخر:
يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها ... إلا الظباء، وإلا الناشط الفرد
أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا ... فطار عن قلبي التشواق والكمد؟
وقال آخر:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين شط اليرموك فالصمان
فالقريات من بلاس فداريا ... فسكاً إلى الرسوم الدواني
فقفا جاسم، فأودية الصف ... ر مغى قبائل وهجان
ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر وحقاً تصرف الأزمان
نكلت أمهم ... وقد ثكلتهم
يوم حلوا بحارث الجولان
وقال آخر:
عجباً لي ولاغتراري بدار ... لست أبقى لها ولا تبقى لي
ما تصافي قوم على غير ذات الله ... إلا تفرقوا عن تقالي
وقال آخر:
يا مشيد الحصن يبغي نفعه ... قلما تغني من الموت الحصون
تطلب التخليد في دار الفنا ... خاب من يطلب شيئاً لا يكون
سائل الأيام عن أملاكها ... أي در قطعت عنها اللبون
كم بها من راكض أيامه ... وله من ركضها يوم حرون
وقال آخر:
نعمر الدنيا وما الدن ... يا لنا دار إقامه
إنما الغبطة والحس ... رة في يوم القيامة
روى أن فاطمة بنت الحسن - رضوان الله عليه - نظرت إلى دار زوجها الحسن بن الحسين ﵄ فغطت وجهها وقالت:
وكانوا رجاء ثم صاروا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
ثم ضربت على قربه فسطاطاً أقامت فيه سنة، فلما استكملتها أمرت بالفسطاط فقلع، ودخلت المدينة، فسمعت قائلاً يقول - من جانب البقيع -: هل وجدوا ما فقدوا؟ وقائلاً من الجانب الآخر يقول: بل يئسوا فانقلبوا.
قال وهب بن منبه ﵀: نحن بنو آدم من نسل الجنة، سبانا إبليس إلى الدنيا بخطية أبينا، فليس لنا إلا البكاء حتى نعود إلى الدار التي سبانا منها.
روى أن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ﵀ باع دراً بثمانين ألف درهم، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخراً فقال: أنا أجعل هذا المال ذخراً لي عند الله تعالى، وأجعل الله سبحانه ذخراً لولدي، ثم تصدق بالمال.
كتب رجل إلى صالح بن عبد القدوس:
الموت باب وكل الناس داخله ... فليست شعري بعد الباب ما الدار؟
فكتب إليه صالح:
الدار جنة عدن إن عملت بما ... يرضي الإله وإن فرطت فالنار
стр. 68
هما محلان ما للناس غيرهما ... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار
وقال آخر:
درج الليل والنهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالصريم
وخلت دارهم فأضحت يباباً ... بعد عز وثروة ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالناس، وتبقى ديارهم كالرسوم
وقال أبو العتاهية:
ما رأيت العيش يصفو لأحد ... دون كد وعناء ونكد
نحن في دار فناء وبلى ... تنقل الناس إلى دار الأبد
كن لما قدمته مغتنماً ... لا تؤخر عمل اليوم لغد
وقال أبو تمام:
ما إن هذا موقف ... الجازع أقوى، وسؤر الزمن الفاجع
دار سقاها بعد سكانها ... صرف النوى من سمه الناقع
فلا تلومن ذا الهوى إنها ... ليست ببدع حنة النازع
وقال أيضاً:
قرى دارهم مني الدموع السوافك ... وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالك
سقت ربعهم، لا، بل سقت منتواهم ... من الأرض أخلاف السحاب الحواشك
وألبسهم عصب الربيع ووشيه ... ويمنته نبت الندى المتلاحك
وقال أبو نواس:
يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام
عرم الزمان على الذين عهدتهم ... بك قاطنين وللزمان عرام
أيام لا أغشى لأهلك منزلاً ... إلا مراقبة، على ظلام
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا غضارة كل ذاك أثام
وقال الشيخ أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
هل تسمع القول دار غير ناطقة ... وفقدها السمع مقرون إلى الخرس؟!
لأنسينك إن طال الزمان بنا ... كم من حبيب تمادى عهده فنسى؟!
وقال النابغة الجعدي، وهو قيس بن عبد الله:
وهاجت لك الأحزان دار كأنها ... بذي بقر أو بالعنابة مذهب
أواري خيل قد عفت ومنازل ... أراح بها حي كرام وأعزبوا
تحمل منها أهلها فتفرقوا ... فريقين منهم مصعد ومصوب
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
دور عفت بقرى الخابور غيرها ... بعد الأنيس سوا في الريح والمطر
إن تمس دارك ممن كان يسكنها ... وحشاً فذلك صرف الدهر والقدر
وقد تحل بها بيض ترائبها ... كأنها بين كثبان النقا البقر
وقال ابن المولى، وهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن المولى، مولى الأنصار ﵃ من بني عمرو بن عوف:
سلا دار ليلى هل تبين فتنطق ... وكيف ترد القول بيداء سملق؟
وأنى يرد القول دار كأنها ... لطول بلاها والتقادم مهرق
فلا تجزعن للبين، كل جماعة ... وجدك مكتوب عليها التفرق
وخذ بالتعزي؛ كل ما أنت لابس ... جديداً على الأيام يبلى ويخلق
فصبر الفتى عما تولى ففاته ... من الأمر أولى بالسداد وأوفق
وإنك بالإشفاق لا تدفع الردى ... ولا الخير مجلوب فما لك تشفق
كأن لم يرعك الدهر، أو أنت آمن ... لأحداثه فيما يغادي ويطرق
وقال خليلي ... والبكالي غالب
:
أقاض على هذا الأسى والتشوق؟
وقد طال توقا في أكفكف عبرة ... على دمنة كادت بها النفس تزهق
وإنسان عيني في دوائر لجة ... من الماء يبدو تارة ثم يغرق
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
الزم ذراك إذا لقيت خصاصة ... فالليث يستر حاله الإخدار
هذي الجسوم من التراب كوائن ... والمرء لولا أن يحس جدار
ويقول: داري من يقول، وأعبدي ... مه، فالعبيد لربنا والدار
أتروم من زمن وفاء مرضياً؟ ... إن الزمان كأهله غدار
يقفون والفلك المسخر دائر ... ويقدرون فيضحك المقدار
стр. 69
مر رجل من مراد بأويس القرني ﵀ فقال: كيف أصبحت يا أويس؟ قال: أصحبت أحمد الله - قال: كيف الزمان عليك؟ قال: يا أخا مراد. إن الموت وذكره لم يدع في الأرض لمومن فرحاً، وإن علمه بكتاب الله لن يدع في ماله فضة ولا ذهباً، وإن قيامه بالحق لم يدع له صديقاً، قال: حدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قال: يا أخا مراد ما شهدت رسول ﷺ فأحدثك عنه، ولكن افعلوا كما قال لكم رسول الله ﷺ ، حاسبوا نفوسكم قبل أن تحاسبوا، فهو أيسر لحسابكم غداً، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن، فهو أثقل لوزنكم، ولا تخربوا دوركم من الآخرة بعمران دوركم في الدنيا؛ فإن الله ﵎ جعل الدنيا قنطرة للآخرة فاعبروها".
وقال مهيار:
يا دار ليس اليوم عهدك أمس لي ... ظهرت مفارقة وبان خلاف
وتغيرت فيك الصباعن خلقها ... وليانها، فنسيمها إعصاف
وقال آخر:
لن يقنع النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التنقل من حال إلى حال
لأظعنن إلى دار خلقت لها ... وخير زادي فيها خير أعمالي
وقال آخر:
انصرف الناس إلى دورهم ... وغودر الميت في رمسه
مرتهن النفس بأعماله ... لا يرتجى الإطلاق من حبسه
لنفسه صالح أعماله ... وما سواه فعلى نفسه
وقال أبو نواس:
طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
لئن عمرت دور بمن لا أحبه ... لقد عمرت ممن أحب المقابر
وقال المرتضى ﵁:
قالوا نراك بلا سقم، فقلت لهم: ... السقم في القلب ليس السقم في البدن
يا عاذلي خل عن قلب تملكه ... من قبل عذلك طول الهم والحزن
لا يعرف الدار إلا قام يندبها ... ولا يسائلها إلا عن السكن
عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد وهو يقرأ كتاباً ودموعه تتحدر، فلما أبصرني قال: أرأيت ما كان مني؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بالقرطاس، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية:
هل أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة مضى دساكره
وبمن أذل الدهر مصرعه ... وتبرأت منه عساكره
وبمن خلت منه أسرته ... وبمن خلت منه منابره
أين الملوك؟ وأين عزهم؟ ... صاروا مصيراً أنت صائره
يا مؤثر الدنيا للذته ... والمستعد لمن يفاخره
نل ما بدا لك أن تنال من الد ... نيا فإن الموت آخره
فقال الرشيد: والله لكأني أخاطب بهذا دون سائر الناس، فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلاً حتى مات.
وقال الشاعر:
إلى متى أنا في حل وترحال ... وهم عيش بإدبار وإقبال
ونازح الدار لا أنفك مغترباً ... ناء عن الأهل لا يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طوراً ثم مغربها ... لا يخطر الموت من همي على بال
ولو قعدت أتاني الرزق في دعة ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال
عن الأصمعي ﵀ قال: جاءني رسول الرشيد ﵁ ليلة، وقد ذهب من الليل شطر، فقال: أجب أمير المؤمنين، ففزعت من ذلك، وقلت: حدث أمر يكره، فمضيت معه، فإذا هو قاعد في أقصى مجلسه، وبين يديه دواة وقرطاس، وهو يبكي، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: وعليك السلام يا ابن قريب، اجلس، فجلست، فقال: أبكاني هذا البيت وأسهر ليلتي، فقلت: لا أبكى الله عينك يا أمير المؤمنين، وأي بيت هو؟ قال: بيت ابن ذي سلم عند موته:
لم تحتقب غير أثواب يمزقها ... ريب الزمان وطول العهد والقدم
стр. 70
فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد صدق، وهذه سبيل الناس جميعاً، فطوبى للمتقين، فقال: ويحك يا أصمعي ذهب. جلساء الخير، ومجالس الفضل، أين من كان إذا جالسهم المسرفون على أنفسهم وعظتهم صورته، وذكرتهم هيئته، وبلغت بهم كل المبالغ مقالته؟! فقلت: يا أمير المؤمنين. لقد أسعد الله دولتك بجماعة من أهل الفضل، ثم قلت: إن أمرت أن أحدثك بحديث وعشر قرئ على بعض القبور، فقال: هاته، فقلت: حدثني من أثق به قال: غزونا في البحر، فمالت بنا السفينة إلى جزيرة، فإذا نحن بقصر شاهق، وإلى جانبه قبر، وعلى القصر بابان، وبين القصر والقبر فسيل نخل لم أر شيئاً أحسن منه، فإذا على القصر مكتوب:
يؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل
وبات يروي أصول الفس ... يل فعاش الفسيل ومات الرجل
وعلى وجه القصر مكتوب:
وفتى كأن جبينه بدر الدجى ... قامت عليه نوائح وروامس
غرس الفسيل مؤملاً لبقائه ... فحيا الفسيل ومات عنه الفارس
وعلى أحد بابي القصر مكتوب:
تلك المدائن في الآفاق خاوية ... أمست خلاء وذاق الموت بانيها
وعلى الباب الآخر مكتوب:
أين القرون التي عن حظها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
قال الرجل: فبقيت متعجباً أنظر إلى الشعر والقصر، والفسيل والقبر، ثم تمثلت:
ناد رب الدار والحصن الذي ... جمع الدنيا بحرص ما فعل؟!
كان في دار سواها داره ... عللته بالمنى، ثم انتقل
قال: فلم يزل الرشيد يبكي ويصرخ حتى أصبح، فلما أصبح أمر أن يخرج مال جليل فيتصدق به على الفقراء والمساكين، وأن يدفع إلي منه عشرة آلاف درهم.
وقال أبو العتاهية:
هي الدار، دار الأذى والقذى ... ودار الفناء، ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها ... لمت ولم تقض منها الوطر
وقال الراضي يزيد بن محمد بن عباد، من ملوك الأندلس:
هي الدار غادرة بالرجال ... وقاطعة لحبال الوصال
نفجع فيها بغير اللذي ... ذ ونشرق منها بغير الزلال
ونزداد مع ذاك عشقاً لها ... ألا إنما سعينا في ضلال
لمعشوقة ودها لا يدو ... م، وعاشقها أبداً غير سال
وقال الأحوص:
هل هيجتك مغاني الحي والدور ... فاشتقت إن البعيد الدار معذور
وقد يحل بها إذ عيشنا أنق ... بيض أوانس أمثال الدمى حور
وقال مهيار:
سائل الدار إن سألت خبيرا ... واستجر بالدموع تدع مجيرا
أفهمتني على نحول رباها ... فكأني قرأت منها سطورا
يقال: شحطت الدار، إذا بعدت، ونزحت، وشسعت.
ودار شطون، وبين شطون، وإلية شطون: فيه عوج.
ودار غربة قذف، أي بعيدة.
ويقال: أسقبت الدار، إذا قربت وأسعفت.
والولي - بتخفيف اللام -: القرب.
قال ساعدة بن جوية:
هجرت جنوب وحب من يتجنب ... وعدت عواد دون وليك تشعب
والكثب: القرب، يقال: رماه من كثب، أي من قرب.
قال يحيى بن معاذ ﵁: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يشتهي عمارتها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
وقال مهيار:
ما أنت بعد البين من أوطاني ... دار الهوى، والدار بالجيران
كنت المنى من قبل طارقة النوى ... والشمل شملي والزمان زماني
ولئن خلوت فليس أول حادث ... خلت الكناس له من الغزلان
طرب الحمام بطبعهن وإنما اس ... تملين فيك النوح من أحزاني
أبيات في هذا المعنى من شعر جدي، ووالدي، وعمي، وأخي ﵃ وشعري
قال جدي سديد الملك ذو المناقب أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ - رضي الله -
لله ما طيف ألم بفتية ... تحنو رؤوسهم على الأكوار
كيف اهتديت لراحلين ترودوا ... ما شاء قومك من دجى ونهار
لفظتهم دار الإقامة فيكم ... فنضوا عقال مطية الأسفار
ورنوا إلى الحي المقيم بأعين ... ينهلن من ماء الدموع الجاري
وقال عمي عز الدولة أبو المرهف، نصر بن علي ﵀:
لهفي لدار عفاها كل منهمر ... جون ملث عليها رائح ساري
وما عفا ذكر أحبابي الذين لهم ... حزني مقيم ودمعي إثرهم جاري
стр. 71
وقال والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد ﵀:
أيا دار التصابي والتصافي ... وخصب العيش في السنة الجماد
لقد جارت عليك صروف دهر ... رمتك بكل داهية ناد
فكم لي فيك من إخوان صدق ... تملك صفو ودهم قيادي
قضت بفراقهم نوب الليالي ... فميعاد التلاقي في المعاد
وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد بن علي ﵀:
أصبحت دور آل مرشد قفراً ... بعد عز وهيبة وجلال
عظة للعيون فيها اعتبار ... ونذير من حادثات الليالي
تخبر الغافلين أن اقتناء الخ ... لق فان معرض للزوال
فعليها السلام بعد بلاها ... من حزين ما حزنه الدهر بال
وقال أيضاً:
يا حيرة النفس أنى وجهة سلكوا ... ومن هم في سواد القلب حلال
لا أوحش الله داراً كنت أعهدها ... مغنى بكم، وهي بعد البين أطلال
وقال أيضاً:
كفى حسرة في النفس بعد أحبة ... وقرب أعاد يشتهون حمامي
لعمرك ما دار الفتى حين لا يرى ... أحبته فيها بدار مقام
وقلت:
يا دار غيرك البلى وتحكمت ... فيك الخطوب ومحت الآثار
أصبحت تعرفك القلوب توهماً ... ويصد عنك الأعين الإنكار
لم يبق منك الدهر رسماً ماثلاً ... ينبي بأن هناك كانت دار
لهفي على الزمن القصير قطعته ... بك، إن أيام السرور قصار
لم يبقى منه سوى جوى متسعر ... في القلب يذكى ناره التذكار
وقلت:
سقى دارهم هامي الغمام وهامله ... ونور ذاوى الروض فيها وذابله
وعاد بها طيب الليالي التي خلت ... وغبطة عيش قد تقضت غياطله
منى يتمناها على بعد نيلها ... كذوب الأماني ذاهب القلب ذاهله
وبعض الأماني ضلة، وإذا انقضت ... أواخر دهر، كيف تثنى أوائله؟!
ديار بها صاحبت شرخ شبيبتي ... أجادده طوراً، وطوراً أهازله
أروح إلى لهو الصبي ونعيمه ... وأغدو على ليث كمي أنازله
عهدت بها عين ألمها دون حجبها ... أسود الشرى يلقى الردى من تصاوله
وسرب ظباء تحجب الشمس دونه ... وتحجب عن طيف الخيال عقائله
وكل أخي بأس كريم تخاله ... إذا ما انتضى سيفاً جلته صياقله
فلم يبق مما كان إلا إدكاره ... وحسرة قلب لا تقر بلابله
وكنت أرى ما سرني غير زائل ... ويخطى نهج الحزم من هو جاهله
فما كان إلا الطيف يحسب في الكرى ... يقيناً، فإن بان الكرى بان باطله
وقلت:
يقول صحابي: قد أطلت وقوفنا ... على الدار مسلوب الأسى والتماسك
أفي كل دار قد عفت أنت واقف ... تروي ثراها بالدموع السوافك
كأنك في رسم الديار "متمم" ... وفيما عفا من ربعها "قبر مالك"
فقلت: نعم هذي ديار عهدتها ... بها معشري مثل النجوم الشوابك
أصابهم ريب الزمان فأصبحت ... قفاراً، وهم ما بين ناء وهالك
وقلت:
يقولون: قد أعولت في الدار ما كفا ... وليس على ربع عفا بمعول
وكم قدر ما تبقى الدموع إذا جرت ... على كل ربع، أو على كل منزل؟!
فقلت: نعم. هذي ديار عهدتها ... عرين أسودي في الخطوب ومعقلي
فقد أصبحت قفراً، وفرق شملهم ... حوادث دهر بالفراق موكل
سأبكيهم أو يمزج الدم أدمعي ... فينهل سمطاً كالجمان المفصل
وقلت:
يا دار أنت التي كانت الجميع بها ... وكان في ربعك الولدان والحشم
وكنت للضيف والعافين مرتبعاً ... يقتادهم نحوك الإكرام والكرم
أصبحت قفراً، وأضحى أهلك افترقوا ... أيدي سبا، وانثنت عن قصدك الهمم
ما أعجب الدهر! عيش الناس أجمعهم ... إن سرهم صرفه أو ساءهم
حلم
وقلت:
دار على قلل الجبال تفجرت ... فيها بحار فضائل ومكارم
فيها الندى والجود حقاً لا الذي ... كنا نحدث عن سماحة حاتم
وفوارس جمعوا المكارم والعلى ... لين التواضع في قلوب ضراغم
أفناهم ريب المنون فلم يدع ... منهم سوى ذكر لحلم الحالم
وقلت:
يا دار لو روت محولك أدمعي ... لسفحتها بك، أو يمازجها الدم
стр. 72
لكن دمع الحزن يحسب قطره ... ماء بروداً، وهو جمر مضرم
وإذا رأيتك قفرة من معشري ... وبني أبي، وهم لعمرك ما هم؟!
فكأنني عاينت حفرة مالك ... وكأنني
وجداً عليه
متمم
وقلت:
وا وحشتي في الدار لما أصبحت موشحة من الظباء العين
كانت عريناً، وكناساً فاغتدت ... مقفرة الكناس والعرين
تقارن الأسد بها عين المها ... والدهر قطاع قوى القرين
فأصبحت كما ترى ليس بها ... إلا دواعي الوجد والحنين
وقلت:
نظرت إلى دار الأحبة قفرة ... وقد كان فيها العز والكرم المحض
فلما رأى صحبي عليها تلددي ... ودمعي بكى بعض وعنفني بعض
وقالوا: أفق، للأرض تبكي؟ فقلت: لا ... ولكنني أبكي لمن وارث الأرض
وقلت:
يا دار إن بخلت على ... مغناك سارية العهاد
فلأمطرنك من دمو ... عي ما ينوب عن الغوادي
حتى تعود رباك حا ... لية مفوفة الوهاد
كم حل ربعك من غض ... يض الطرف ممنوع الوداد
يستوقف الأبصار فه ... ي عليه حائمة صوادي
فرمت جموعهم اللي ... الي بالتشتت والبعاد
وصروف هذا الدهر تط ... رق بالحوادث أو تغادي
عاداتها رد الأمو ... ر من الصلاح إلى الفساد
يحسن لا عمداً ويأ ... تين الإساءة باعتماد
وقلت:
ما أنت أول من تناءت داره ... فعلام قلبك ليس تخبو ناره؟
إما السلو أو الحمام، وما سوى ... هذين قسم ثالث تختاره
ما بعد يومك من لقاء يرتجى ... أو يلتقي جنح الدجى ونهاره
هذا وقوفك للوداع وهذه أظعان من تهوى وتلك دياره
فاستبق دمعك فهو أول خاذل ... بعد الفراق، وإن طما تياره
مدد الدموع يقل عن أمد النوى ... إن لم تكن من لجة تمتاره
وقلت - وكتبت بها إلى أخي عز الدولة أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد ﵀ وأنا بالعسكر الأتابكي بإربل:
وإن امرأ أضحت بإربل داره ... وفي سيزر إخوانه وشجونه
لغير ملوم في الحنين إليهم ... ومعذورة أن تستهل جفونه
وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي ﵀:
فيا أيها الدار التي شط أهلها ... وبالرغم مني أن سكانها شطوا
رضيت بحكم الدهر فيك وإنما ... رضى من نأت أحبابه بالنوى سخط
بهم كانت الدنيا التي غدرت بهم ... كأنهم فيها الحيا، والورى قحط
تزيد بهم هذي البسيطة بسطة ... ومن مثلهم يستحسن القبض والبسط
أعارتهم الأيام وارتجعتهم ... وكل بخيل في مواهبه ضبط
فصل آخر في ذكر الدار
قالت محبوبة الهذلية:
بان الخليط وخف حاضره ... لما دعا بالبين طائره
يا أنسنا من قرب دارهم ... قبل الذي كنا نحاذره
وتخلفت من بعد فرقتهم ... أوصال صب سار سائره
يا للرجال لأسر مرتهن ... جلب البلاء عليه ناظره
لم يغن عنه عز أسرته ... شيئاً، ولم تنفع معاشره
هذي موارد ما بليت به ... والله أعلم ما مصادره
وقال آخر:
يقول خليلي يوم أكثبة النقا ... وعيناي من فرط الهوى تكفان
أمن أجل دار بين لوذان والنقا ... غداة اللوى عيناك تبتدران؟!
فقلت له: لا، بل قذيت، وإنما قذى العين مما هيج الطللان
فؤاد إذا ما قلت يصحو جلبتما ... عليه الهوى والشوق كل أوان
وقال الراجز:
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... قد درست غير رماد مكفور
مكتئب اللون مراح ممطور ... أزمان عيناء سرور المسرور
عيناء حوراء من العين الحور وقال آخر
يا دار ما للكرب حين وقفتهم ... ما إن سقاك من الدموع لماظ
ترك الغرام عقولهم مشدوهة ... فتخالهم رقدوا وهم أيقاظ
عهدي بظلك والشباب نزيله ... أيام ربعك للحسان عكاظ
وقال الشريف الرضي ﵁:
أمن أجل دار بالمصلى إلى منى ... تعاد كما عيد السليم المؤرق؟!
حنيناً إليها والتواء من الجوى ... كأنك في الحي الولود المطرق
أجل تراب الأرض كانوا حلولها ... وأجزع من مرى عليها وأشفق
стр. 73
ولم يبق عندي للهوى غير أنني ... إذا الركب مروا بي على الدار أشهق
وقال أبو جوثة بن زياد:
خليلي من عمرو عفا الله عنكما ... ولقاكما من كل أمركما يسرا
ألماً على دار لعبلة قد عفت ... كأن لمطلول الخزامى بها نشرا
نظرت بأرمام، وأية ساعة ... نظرت إلى أعلامها نظراً شزرا
وأغيد من طول الكلال يميله ... كلال السرى حتى كأن به سكرا
سرينا به من أجل عبلة بعدما ... تجللت الآفاق أردية خضرا
وقال أبو تمام: أهدى الدموع إلى دار وماصحها=فللمنازل سهم من سوافحها
دار أجل الهوى عن أن ألم بها ... في الركب إلا ويعين من متائحها
وقال أيضاً:
يا دار در عليك أرهام الندى ... واهتز روضك في الثرى فترأدا
سقياً لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا
وقال المتنبي:
أهلاً بدار سباك أغيدها أبعد ما بان عنك خردها
ظلت بها تنطوي على كبد ... نضيجة فوق خلبها يدها
قفا قليلاً بها على فلا ... أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار هوى ... أحر نار الجحيم أبردها
وقال البحتري:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرك المكتوما
ذكرتني الهوى وهن رميم ... كيف لو لم يكن كن رميما؟
وقال أبو تمام:
أدار البؤس حسنك التصابي ... إلي فصرت جنات النعيم
لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أصبحت ميدان الهموم
ومما ضرم الأحشاء أني ... شكوت، فما شكوت إلى رحيم
أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسوماً من بكائي في الرسوم
وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن معاوية:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار؟!
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار
فما عرفت بها شيئاً أعيج به ... إلا الثمام، وإلا موقد النار
وقد أراني ونعماً لاهيين بها ... في الدهر والعيش لم يهمم بإمرار
أيام تعجبني نعم، وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وقال الحطيئة:
يا دار هند عفت إلا أثافيها ... بين الطوى فصارات فواديها
قد غير الدهر بعدي من معارفها ... والريح، فادفنت فيها مغانيها
جرت عليها بأذيال لها عصف ... فأصبحت مثل سحق البرد عافيها
كأنني ساورتني يوم أسألها ... عود من الرقش لا تصغي لراقيها
وقال أيضاً:
أدار سليمى بالرواتك والعرف ... أقامت على الأرواح والديم الوطف
وقفت بها، فاستوقفت ماء عبرتي ... بها العين، إلا ما كففت به طرفي
فراق حباب، وانتهاء من الهوى ... فلا تعذليني، قد بدا لك ما أخفي
يقولون: نستغني، ووالله مال الغنى ... من المال إلا ما يعف وما يكفي
وقال النابغة الذبياني:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلاناً أسائلها ... أعيت جواباً، وما بالربع من أحد
أضحت قفاراً وأضحى أهلها احتملوا ... أخنني عليها الذي أخني على لبد
وقال قيس بن ذريح:
بكت دارهم من نأيهم فتهللت ... دموعي، فأي الجازعين ألوم
أمستعبراً تبكي من الشوق والجوى ... أم آخر يبكي شجوه ويهيم
كذا كان في أصل الشعر، والصحيح: "أمستعبراً يبكي من الهون والبلى".
تهيضني من حب لبنى علائق ... وأصناف حب هولهن عظيم
ومن يتعلق حب لبنى فؤاده ... يمت أو يعش ما عاش وهو سقيم
وإن زماناً شتت الشمل بيننا ... وبينكم فيه العدى لذميم
وقال جميل بن معمر:
ألم تسأل الدار القديمة هل لها ... بأم حسين بعد عهدك من عهد؟
سل الركب هل عجنا بمغناك مرة ... صدور المطايا وهي موقرة تخدي؟
وهل فاضت العين الشروق بمائها ... من أجلك حتى اخضل من دمعها بردى؟
أنى القلب إلا حب بثنة لم يرد ... سواها، وحب القلب بثنة لا يجدي
وكل محب لم يزد فوق جهده ... وقد زدتها في الحب مني على الجهد
وقال ذو الرمة، غيلان بن عقبة بن مسعود:
стр. 74
لك الخير، هلا عجت إذ أنا واقف ... أغيض البكا في دار مي وأزفر
فتنظر إن مالت بصبري صبابتي إلى جزعي، أم كيف إن كنت أصبر؟
إذا شئت أبكاني بجرعاء مالك ... إلى الدحل مستبدي لمي ومحضر
وبالزرق أطلال لمية أقفرت ... ثلاثة أعوام تراح وتمطر
إذا اعترضت حزوى وأعرض حارك ... من الرمل تمشي حوله العين أعفر
(الحارك) : المشرف من الرمل
وجدت فؤادي كاد أن يستخفه ... رسيس الهوى من بعض ما يتذكر
عدتني العوادي عنك يا مي برهة ... وقد يلتوى دون الحبيب فيهجر
على أنني في كل سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور
فإن تحدث الأيام يا مي بيننا ... فلا ناسياً عهداً ولا متغير
وقال غيلان أيضاً:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقفنا فسلمنا فكادت بمشرف ... لعرفان صوتي دمنة الدار تنطق
تجيش إلي النفس في كل منزل ... لمي ويرتاح الفؤاد المشوق
ألا ظعنت مي فهاتيك دارها ... بها السحم تردي والحمام المطوق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت ... ووجه كقرن الشمس ريان مشرق
وعين كعين الرئم فيها ملاحة ... هي السحر أو أدهى التباساً وأعلق
لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لذو عبرة كل تفيض وتخنق
وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو، وتارات يجم فيغرق
وقال عبد الله بن الدمينة:
سلى البانة الغناء بالأجرع الذي ... به البان، هل حييت أطلال دارك؟
وهل قمت في أطلالهن عشية ... مقام أخي الضراء واخترت ذلك
ليهنك إمساكي بكفى على الحشا ... ورقراق دمعي خيفة من زيالك
فلو قلت: طأ في النار أعلم أنه ... رضى لك أو مدن لنا في وصالك
لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي، أو ضلة من ضلالك
وقال آخر:
وقفت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
فعيناني طوراً تغرقان من البكا ... فأعشى، وطوراً يحسران فأبصر
وقال البحتري:
بنا أنت من مجفوة لم تعتب ... ومعذورة في هجرها لم تؤنب
ونازحة والدار منها قريبة ... وما قرب ثاو في التراب مغيب؟!
قضت عقب الأيام فينا بهجرة ... متى ما تغالب بالتجلد تغلب
ألا لا تذكره الحمى إن ذكره ... جوى باطن للمستهام المعذب
ولما تزايلنا من الجزع وانتأى ... مشرق ركب مصعد عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عالج ... تسر، وأن لا خلة بعد زينب
وقال أيضاً:
أبكاء في الدار بعد الدار؟ ... وسلواً بزينب عن نوار؟!
لا هناك الشغل الجديد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلك تمحى ... في صدور العشاق محو الديار
وقال الأحوص:
خليلي من غيط بن مرة بلغا ... رسائل مني، لا أزيد كما وقرا
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر ... سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا
وإني لأستثني الحديث لأجلها ... لأسمع منها
وهي نازحة
ذكرا
وأعجب دار دارها غير أنني ... إذا ما أتيت الدار ترجعني صفرا
عشية ألوي بالرداء على الحشا ... كأن الحشا من دونه مشعر جمرا
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أألحق إن دار الرباب تباعدت ... أو انبت حبل أن لبك طائر
أفق، قد أفاق العاشقون وجانبوا ال ... هوى واستمرت بالرجال المرائر
زع النفس، واستقن الحياء فإنما ... يباعد أو يدني الرباب المقادر
أمت حبها، واجعل مكان وصالها ... ورؤيتها أمثال من لا تجاور
فكالناس علقت الرباب فلا تكن ... أحاديث من يبدو ومن هو حاضر
وهبها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيبته المقابر
فنفسك، لم جئت الذي جئت طائعاً ... وحالفت أمر الغي إذ أنت سادر؟
كان المنصور أنزل أبا دلامة في دار بالقرب من قصره، ثم دعته الحاجة إليها، فأمر بإضافتها إلى قصره، فدخل عليه أبو دلامة فأنشده:
يا ابن عم الرسول دعوة شيخ ... قد دنا هدم داره ودماره
стр. 75
فهو كالماخض التي اعتادها الطل ... ق، فقرت، وما يقر قزاره
إن يحر عسره بكفيك يوماً ... فبكفيك عسره ويساره
أو تدعه إلى البوار فأني؟ ... ولماذا
وأنت حي
بواره؟
هل يخاف الهلاك شاعر قوم ... قدمت في مديحهم أشعاره؟
لكم الأرض كلها، فأعيروا ... شيخكم ما احتوى عليه جداره
فكأن قد قضى وخلف فيكم ... ما أعرتم، وأقفرت منه داره
فاستعبر المنصور، وأمر بتعويضه [داراً] خيراً منها، ووصله.
عن عبد الله بن موسى الكاتب قال: دخلت على عبد الله بن المعتز، وهو يبني داره ويبيضها، فقلت له: ما هذه الغرامة؟ فقال: إن السيل الذي جاء منذ ليال أحدث في داري ما أحوج إلى الغرامة والكلفة، فقلت؟:
ألا من لنفس وأحزانها ... ودار تداعت بحيطانها
أظل نهاري في شمسها ... شقياً معنى ببنيانها
أسود وجهي بتبييضها ... وأهدم كيسي بعمرانها
وقال آخر:
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعل أو عسى سيكون
وما اخترت نأي الدار عنكم لسلوة ... ولكن مقادير لهن شجون
وقال أبو عبد الله بن حجاج:
أخلاي ما استوحشتم عند غيبتي ... لبيني، ولا استأنستم بالأسى بعدي
ألم تعلموا أني أحن إليكم ... كما حنت النيب العطاش إلى الورد
فلا مرحباً بالدار لا تسكنونها ... ولو أنها الفردوس، أو جنة الخلد
وقال آخر:
وما زلت مذ شطت بي الدار باكيا ... أؤمل عطفاً منك حين أؤوب
فأضعفت ما بين حين أبت وزدتني ... عذاباً وإعراضاً وأنت قريب
وقال آخر:
أحب بلاد الله أرض تحلها ... إلي ودار تحتويك ربوعها
لحى الله قلباً لا يهيم صبابة ... إليك وعيناً لا تفيض دموعها
وقال الحسين بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهما -:
لعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل بعد مالي ... وليس للائمي فيها عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً ... حياتي، أو يغيبني التراب
(سكينة: بنته، والرباب: أمها، وهي بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم) .
أورد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ في كتابه "نسب الصحابة" ﵃، أن أبا أحمد بن جحش بن رباب، واسمه عبد، وأمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أسلم هو وأخواه عبد الله وعبيد الله - رحمهما الله - قبل مدخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، وفرغ من خطبته، قام أبو أحمد على باب المسجد على جمل له، فجعل يصيح: أنشد الله يا بني عبد مناف حلفي، أنشد الله يا بني عبد مناف داري، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - فساره بشيء، فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره، فنزل أبو أحمد عن بعيره، وجلس مع القوم، فما سمع ذاكرها، حتى لقي الله ، فقال آل أبي أحمد: إن رسول الله ﷺ قال له: لك بها دار في الجنة.
وقد كان أبو أحمد ﵀ قال في بيع داره لأبي سفيان ﵀:
أقطعت عهدك بيننا ... والحازيات إلى ندامه
ألا ذكرت ليالي العيش ... التي فيها القسامه
عقدي وعقدك قائم ... أن لا عقوق ولا أثامه
دار ابن عمك بعتها ... تشرى بها عنك الندامة
اذهب بها أذهب بها ... طوقتها طوق الحمامة
وجزيت فيها إلى العق ... وق وأسوإ الخلق الرغامة
قد كنت آوي في ذرى ... فيه المقامة والسلامة
ما كان عقدك مثل ما ... عقد ابن عمرو لابن مامه
وكان أبو أحمد هذا ﵀ ضريراً، وله أشعار كثيرة.
عن أبي عبد الله العبدي قال: كان الفرزدق مستخفياً في بني شيبان من عبيد الله بن زياد، ثم تحول عنهم وقال:
تصرم عني ود بكر بن وائل ... وما خلت عني ودهم يتصرم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
فقال رجل من بكر بن وائل يجيبه:
لعمري لئن كان الفرزدق قد نأى ... وأحدث صرماً للفرزدق أظلم
لقد وسطتك الدار بكر بن وائل ... وضمت لك الإحسان إذ أنت مجرم
следующие страницы →