← Адаб

Адаб · id 5416

المنازل والديار

أسامة بن منقذ

Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد ﵀: أيا دار التصابي والتصافي ... وخصب العيش في السنة الجماد لقد جارت عليك صروف دهر ... رمتك بكل داهية ناد فكم لي فيك من إخوان صدق ... تملك صفو ودهم قيادي قضت بفراقهم نوب الليالي ... فميعاد التلاقي في المعاد وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد بن علي ﵀: أصبحت دور آل مرشد قفراً ... بعد عز وهيبة وجلال عظة للعيون فيها اعتبار ... ونذير من حادثات الليالي تخبر الغافلين أن اقتناء الخ ... لق فان معرض للزوال فعليها السلام بعد بلاها ... من حزين ما حزنه الدهر بال وقال أيضاً: يا حيرة النفس أنى وجهة سلكوا ... ومن هم في سواد القلب حلال لا أوحش الله داراً كنت أعهدها ... مغنى بكم، وهي بعد البين أطلال وقال أيضاً: كفى حسرة في النفس بعد أحبة ... وقرب أعاد يشتهون حمامي لعمرك ما دار الفتى حين لا يرى ... أحبته فيها بدار مقام وقلت: يا دار غيرك البلى وتحكمت ... فيك الخطوب ومحت الآثار أصبحت تعرفك القلوب توهماً ... ويصد عنك الأعين الإنكار لم يبق منك الدهر رسماً ماثلاً ... ينبي بأن هناك كانت دار لهفي على الزمن القصير قطعته ... بك، إن أيام السرور قصار لم يبقى منه سوى جوى متسعر ... في القلب يذكى ناره التذكار وقلت: سقى دارهم هامي الغمام وهامله ... ونور ذاوى الروض فيها وذابله وعاد بها طيب الليالي التي خلت ... وغبطة عيش قد تقضت غياطله منى يتمناها على بعد نيلها ... كذوب الأماني ذاهب القلب ذاهله وبعض الأماني ضلة، وإذا انقضت ... أواخر دهر، كيف تثنى أوائله؟! ديار بها صاحبت شرخ شبيبتي ... أجادده طوراً، وطوراً أهازله أروح إلى لهو الصبي ونعيمه ... وأغدو على ليث كمي أنازله عهدت بها عين ألمها دون حجبها ... أسود الشرى يلقى الردى من تصاوله وسرب ظباء تحجب الشمس دونه ... وتحجب عن طيف الخيال عقائله وكل أخي بأس كريم تخاله ... إذا ما انتضى سيفاً جلته صياقله فلم يبق مما كان إلا إدكاره ... وحسرة قلب لا تقر بلابله وكنت أرى ما سرني غير زائل ... ويخطى نهج الحزم من هو جاهله فما كان إلا الطيف يحسب في الكرى ... يقيناً، فإن بان الكرى بان باطله وقلت: يقول صحابي: قد أطلت وقوفنا ... على الدار مسلوب الأسى والتماسك أفي كل دار قد عفت أنت واقف ... تروي ثراها بالدموع السوافك كأنك في رسم الديار "متمم" ... وفيما عفا من ربعها "قبر مالك" فقلت: نعم هذي ديار عهدتها ... بها معشري مثل النجوم الشوابك أصابهم ريب الزمان فأصبحت ... قفاراً، وهم ما بين ناء وهالك وقلت: يقولون: قد أعولت في الدار ما كفا ... وليس على ربع عفا بمعول وكم قدر ما تبقى الدموع إذا جرت ... على كل ربع، أو على كل منزل؟! فقلت: نعم. هذي ديار عهدتها ... عرين أسودي في الخطوب ومعقلي فقد أصبحت قفراً، وفرق شملهم ... حوادث دهر بالفراق موكل سأبكيهم أو يمزج الدم أدمعي ... فينهل سمطاً كالجمان المفصل وقلت: يا دار أنت التي كانت الجميع بها ... وكان في ربعك الولدان والحشم وكنت للضيف والعافين مرتبعاً ... يقتادهم نحوك الإكرام والكرم أصبحت قفراً، وأضحى أهلك افترقوا ... أيدي سبا، وانثنت عن قصدك الهمم ما أعجب الدهر! عيش الناس أجمعهم ... إن سرهم صرفه أو ساءهم حلم وقلت: دار على قلل الجبال تفجرت ... فيها بحار فضائل ومكارم فيها الندى والجود حقاً لا الذي ... كنا نحدث عن سماحة حاتم وفوارس جمعوا المكارم والعلى ... لين التواضع في قلوب ضراغم أفناهم ريب المنون فلم يدع ... منهم سوى ذكر لحلم الحالم وقلت: يا دار لو روت محولك أدمعي ... لسفحتها بك، أو يمازجها الدم

стр. 72

لكن دمع الحزن يحسب قطره ... ماء بروداً، وهو جمر مضرم وإذا رأيتك قفرة من معشري ... وبني أبي، وهم لعمرك ما هم؟! فكأنني عاينت حفرة مالك ... وكأنني وجداً عليه متمم وقلت: وا وحشتي في الدار لما أصبحت موشحة من الظباء العين كانت عريناً، وكناساً فاغتدت ... مقفرة الكناس والعرين تقارن الأسد بها عين المها ... والدهر قطاع قوى القرين فأصبحت كما ترى ليس بها ... إلا دواعي الوجد والحنين وقلت: نظرت إلى دار الأحبة قفرة ... وقد كان فيها العز والكرم المحض فلما رأى صحبي عليها تلددي ... ودمعي بكى بعض وعنفني بعض وقالوا: أفق، للأرض تبكي؟ فقلت: لا ... ولكنني أبكي لمن وارث الأرض وقلت: يا دار إن بخلت على ... مغناك سارية العهاد فلأمطرنك من دمو ... عي ما ينوب عن الغوادي حتى تعود رباك حا ... لية مفوفة الوهاد كم حل ربعك من غض ... يض الطرف ممنوع الوداد يستوقف الأبصار فه ... ي عليه حائمة صوادي فرمت جموعهم اللي ... الي بالتشتت والبعاد وصروف هذا الدهر تط ... رق بالحوادث أو تغادي عاداتها رد الأمو ... ر من الصلاح إلى الفساد يحسن لا عمداً ويأ ... تين الإساءة باعتماد وقلت: ما أنت أول من تناءت داره ... فعلام قلبك ليس تخبو ناره؟ إما السلو أو الحمام، وما سوى ... هذين قسم ثالث تختاره ما بعد يومك من لقاء يرتجى ... أو يلتقي جنح الدجى ونهاره هذا وقوفك للوداع وهذه أظعان من تهوى وتلك دياره فاستبق دمعك فهو أول خاذل ... بعد الفراق، وإن طما تياره مدد الدموع يقل عن أمد النوى ... إن لم تكن من لجة تمتاره وقلت - وكتبت بها إلى أخي عز الدولة أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد ﵀ وأنا بالعسكر الأتابكي بإربل: وإن امرأ أضحت بإربل داره ... وفي سيزر إخوانه وشجونه لغير ملوم في الحنين إليهم ... ومعذورة أن تستهل جفونه وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي ﵀: فيا أيها الدار التي شط أهلها ... وبالرغم مني أن سكانها شطوا رضيت بحكم الدهر فيك وإنما ... رضى من نأت أحبابه بالنوى سخط بهم كانت الدنيا التي غدرت بهم ... كأنهم فيها الحيا، والورى قحط تزيد بهم هذي البسيطة بسطة ... ومن مثلهم يستحسن القبض والبسط أعارتهم الأيام وارتجعتهم ... وكل بخيل في مواهبه ضبط فصل آخر في ذكر الدار قالت محبوبة الهذلية: بان الخليط وخف حاضره ... لما دعا بالبين طائره يا أنسنا من قرب دارهم ... قبل الذي كنا نحاذره وتخلفت من بعد فرقتهم ... أوصال صب سار سائره يا للرجال لأسر مرتهن ... جلب البلاء عليه ناظره لم يغن عنه عز أسرته ... شيئاً، ولم تنفع معاشره هذي موارد ما بليت به ... والله أعلم ما مصادره وقال آخر: يقول خليلي يوم أكثبة النقا ... وعيناي من فرط الهوى تكفان أمن أجل دار بين لوذان والنقا ... غداة اللوى عيناك تبتدران؟! فقلت له: لا، بل قذيت، وإنما قذى العين مما هيج الطللان فؤاد إذا ما قلت يصحو جلبتما ... عليه الهوى والشوق كل أوان وقال الراجز: هل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... قد درست غير رماد مكفور مكتئب اللون مراح ممطور ... أزمان عيناء سرور المسرور عيناء حوراء من العين الحور وقال آخر يا دار ما للكرب حين وقفتهم ... ما إن سقاك من الدموع لماظ ترك الغرام عقولهم مشدوهة ... فتخالهم رقدوا وهم أيقاظ عهدي بظلك والشباب نزيله ... أيام ربعك للحسان عكاظ وقال الشريف الرضي ﵁: أمن أجل دار بالمصلى إلى منى ... تعاد كما عيد السليم المؤرق؟! حنيناً إليها والتواء من الجوى ... كأنك في الحي الولود المطرق أجل تراب الأرض كانوا حلولها ... وأجزع من مرى عليها وأشفق

стр. 73

ولم يبق عندي للهوى غير أنني ... إذا الركب مروا بي على الدار أشهق وقال أبو جوثة بن زياد: خليلي من عمرو عفا الله عنكما ... ولقاكما من كل أمركما يسرا ألماً على دار لعبلة قد عفت ... كأن لمطلول الخزامى بها نشرا نظرت بأرمام، وأية ساعة ... نظرت إلى أعلامها نظراً شزرا وأغيد من طول الكلال يميله ... كلال السرى حتى كأن به سكرا سرينا به من أجل عبلة بعدما ... تجللت الآفاق أردية خضرا وقال أبو تمام: أهدى الدموع إلى دار وماصحها=فللمنازل سهم من سوافحها دار أجل الهوى عن أن ألم بها ... في الركب إلا ويعين من متائحها وقال أيضاً: يا دار در عليك أرهام الندى ... واهتز روضك في الثرى فترأدا سقياً لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا وقال المتنبي: أهلاً بدار سباك أغيدها أبعد ما بان عنك خردها ظلت بها تنطوي على كبد ... نضيجة فوق خلبها يدها قفا قليلاً بها على فلا ... أقل من نظرة أزودها ففي فؤاد المحب نار هوى ... أحر نار الجحيم أبردها وقال البحتري: يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرك المكتوما ذكرتني الهوى وهن رميم ... كيف لو لم يكن كن رميما؟ وقال أبو تمام: أدار البؤس حسنك التصابي ... إلي فصرت جنات النعيم لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أصبحت ميدان الهموم ومما ضرم الأحشاء أني ... شكوت، فما شكوت إلى رحيم أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسوماً من بكائي في الرسوم وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن معاوية: عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار؟! فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار فما عرفت بها شيئاً أعيج به ... إلا الثمام، وإلا موقد النار وقد أراني ونعماً لاهيين بها ... في الدهر والعيش لم يهمم بإمرار أيام تعجبني نعم، وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري وقال الحطيئة: يا دار هند عفت إلا أثافيها ... بين الطوى فصارات فواديها قد غير الدهر بعدي من معارفها ... والريح، فادفنت فيها مغانيها جرت عليها بأذيال لها عصف ... فأصبحت مثل سحق البرد عافيها كأنني ساورتني يوم أسألها ... عود من الرقش لا تصغي لراقيها وقال أيضاً: أدار سليمى بالرواتك والعرف ... أقامت على الأرواح والديم الوطف وقفت بها، فاستوقفت ماء عبرتي ... بها العين، إلا ما كففت به طرفي فراق حباب، وانتهاء من الهوى ... فلا تعذليني، قد بدا لك ما أخفي يقولون: نستغني، ووالله مال الغنى ... من المال إلا ما يعف وما يكفي وقال النابغة الذبياني: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد وقفت فيها أصيلاناً أسائلها ... أعيت جواباً، وما بالربع من أحد أضحت قفاراً وأضحى أهلها احتملوا ... أخنني عليها الذي أخني على لبد وقال قيس بن ذريح: بكت دارهم من نأيهم فتهللت ... دموعي، فأي الجازعين ألوم أمستعبراً تبكي من الشوق والجوى ... أم آخر يبكي شجوه ويهيم كذا كان في أصل الشعر، والصحيح: "أمستعبراً يبكي من الهون والبلى". تهيضني من حب لبنى علائق ... وأصناف حب هولهن عظيم ومن يتعلق حب لبنى فؤاده ... يمت أو يعش ما عاش وهو سقيم وإن زماناً شتت الشمل بيننا ... وبينكم فيه العدى لذميم وقال جميل بن معمر: ألم تسأل الدار القديمة هل لها ... بأم حسين بعد عهدك من عهد؟ سل الركب هل عجنا بمغناك مرة ... صدور المطايا وهي موقرة تخدي؟ وهل فاضت العين الشروق بمائها ... من أجلك حتى اخضل من دمعها بردى؟ أنى القلب إلا حب بثنة لم يرد ... سواها، وحب القلب بثنة لا يجدي وكل محب لم يزد فوق جهده ... وقد زدتها في الحب مني على الجهد وقال ذو الرمة، غيلان بن عقبة بن مسعود:

стр. 74

لك الخير، هلا عجت إذ أنا واقف ... أغيض البكا في دار مي وأزفر فتنظر إن مالت بصبري صبابتي إلى جزعي، أم كيف إن كنت أصبر؟ إذا شئت أبكاني بجرعاء مالك ... إلى الدحل مستبدي لمي ومحضر وبالزرق أطلال لمية أقفرت ... ثلاثة أعوام تراح وتمطر إذا اعترضت حزوى وأعرض حارك ... من الرمل تمشي حوله العين أعفر (الحارك) : المشرف من الرمل وجدت فؤادي كاد أن يستخفه ... رسيس الهوى من بعض ما يتذكر عدتني العوادي عنك يا مي برهة ... وقد يلتوى دون الحبيب فيهجر على أنني في كل سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور فإن تحدث الأيام يا مي بيننا ... فلا ناسياً عهداً ولا متغير وقال غيلان أيضاً: أداراً بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق وقفنا فسلمنا فكادت بمشرف ... لعرفان صوتي دمنة الدار تنطق تجيش إلي النفس في كل منزل ... لمي ويرتاح الفؤاد المشوق ألا ظعنت مي فهاتيك دارها ... بها السحم تردي والحمام المطوق لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت ... ووجه كقرن الشمس ريان مشرق وعين كعين الرئم فيها ملاحة ... هي السحر أو أدهى التباساً وأعلق لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لذو عبرة كل تفيض وتخنق وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو، وتارات يجم فيغرق وقال عبد الله بن الدمينة: سلى البانة الغناء بالأجرع الذي ... به البان، هل حييت أطلال دارك؟ وهل قمت في أطلالهن عشية ... مقام أخي الضراء واخترت ذلك ليهنك إمساكي بكفى على الحشا ... ورقراق دمعي خيفة من زيالك فلو قلت: طأ في النار أعلم أنه ... رضى لك أو مدن لنا في وصالك لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي، أو ضلة من ضلالك وقال آخر: وقفت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر فعيناني طوراً تغرقان من البكا ... فأعشى، وطوراً يحسران فأبصر وقال البحتري: بنا أنت من مجفوة لم تعتب ... ومعذورة في هجرها لم تؤنب ونازحة والدار منها قريبة ... وما قرب ثاو في التراب مغيب؟! قضت عقب الأيام فينا بهجرة ... متى ما تغالب بالتجلد تغلب ألا لا تذكره الحمى إن ذكره ... جوى باطن للمستهام المعذب ولما تزايلنا من الجزع وانتأى ... مشرق ركب مصعد عن مغرب تبينت أن لا دار من بعد عالج ... تسر، وأن لا خلة بعد زينب وقال أيضاً: أبكاء في الدار بعد الدار؟ ... وسلواً بزينب عن نوار؟! لا هناك الشغل الجديد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار ما ظننت الأهواء قبلك تمحى ... في صدور العشاق محو الديار وقال الأحوص: خليلي من غيط بن مرة بلغا ... رسائل مني، لا أزيد كما وقرا ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر ... سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا وإني لأستثني الحديث لأجلها ... لأسمع منها وهي نازحة ذكرا وأعجب دار دارها غير أنني ... إذا ما أتيت الدار ترجعني صفرا عشية ألوي بالرداء على الحشا ... كأن الحشا من دونه مشعر جمرا وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أألحق إن دار الرباب تباعدت ... أو انبت حبل أن لبك طائر أفق، قد أفاق العاشقون وجانبوا ال ... هوى واستمرت بالرجال المرائر زع النفس، واستقن الحياء فإنما ... يباعد أو يدني الرباب المقادر أمت حبها، واجعل مكان وصالها ... ورؤيتها أمثال من لا تجاور فكالناس علقت الرباب فلا تكن ... أحاديث من يبدو ومن هو حاضر وهبها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيبته المقابر فنفسك، لم جئت الذي جئت طائعاً ... وحالفت أمر الغي إذ أنت سادر؟ كان المنصور أنزل أبا دلامة في دار بالقرب من قصره، ثم دعته الحاجة إليها، فأمر بإضافتها إلى قصره، فدخل عليه أبو دلامة فأنشده: يا ابن عم الرسول دعوة شيخ ... قد دنا هدم داره ودماره

стр. 75

فهو كالماخض التي اعتادها الطل ... ق، فقرت، وما يقر قزاره إن يحر عسره بكفيك يوماً ... فبكفيك عسره ويساره أو تدعه إلى البوار فأني؟ ... ولماذا وأنت حي بواره؟ هل يخاف الهلاك شاعر قوم ... قدمت في مديحهم أشعاره؟ لكم الأرض كلها، فأعيروا ... شيخكم ما احتوى عليه جداره فكأن قد قضى وخلف فيكم ... ما أعرتم، وأقفرت منه داره فاستعبر المنصور، وأمر بتعويضه [داراً] خيراً منها، ووصله. عن عبد الله بن موسى الكاتب قال: دخلت على عبد الله بن المعتز، وهو يبني داره ويبيضها، فقلت له: ما هذه الغرامة؟ فقال: إن السيل الذي جاء منذ ليال أحدث في داري ما أحوج إلى الغرامة والكلفة، فقلت؟: ألا من لنفس وأحزانها ... ودار تداعت بحيطانها أظل نهاري في شمسها ... شقياً معنى ببنيانها أسود وجهي بتبييضها ... وأهدم كيسي بعمرانها وقال آخر: ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعل أو عسى سيكون وما اخترت نأي الدار عنكم لسلوة ... ولكن مقادير لهن شجون وقال أبو عبد الله بن حجاج: أخلاي ما استوحشتم عند غيبتي ... لبيني، ولا استأنستم بالأسى بعدي ألم تعلموا أني أحن إليكم ... كما حنت النيب العطاش إلى الورد فلا مرحباً بالدار لا تسكنونها ... ولو أنها الفردوس، أو جنة الخلد وقال آخر: وما زلت مذ شطت بي الدار باكيا ... أؤمل عطفاً منك حين أؤوب فأضعفت ما بين حين أبت وزدتني ... عذاباً وإعراضاً وأنت قريب وقال آخر: أحب بلاد الله أرض تحلها ... إلي ودار تحتويك ربوعها لحى الله قلباً لا يهيم صبابة ... إليك وعيناً لا تفيض دموعها وقال الحسين بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهما -: لعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل بعد مالي ... وليس للائمي فيها عتاب ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً ... حياتي، أو يغيبني التراب (سكينة: بنته، والرباب: أمها، وهي بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم) . أورد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ في كتابه "نسب الصحابة" ﵃، أن أبا أحمد بن جحش بن رباب، واسمه عبد، وأمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أسلم هو وأخواه عبد الله وعبيد الله - رحمهما الله - قبل مدخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، وفرغ من خطبته، قام أبو أحمد على باب المسجد على جمل له، فجعل يصيح: أنشد الله يا بني عبد مناف حلفي، أنشد الله يا بني عبد مناف داري، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - فساره بشيء، فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره، فنزل أبو أحمد عن بعيره، وجلس مع القوم، فما سمع ذاكرها، حتى لقي الله ، فقال آل أبي أحمد: إن رسول الله ﷺ قال له: لك بها دار في الجنة. وقد كان أبو أحمد ﵀ قال في بيع داره لأبي سفيان ﵀: أقطعت عهدك بيننا ... والحازيات إلى ندامه ألا ذكرت ليالي العيش ... التي فيها القسامه عقدي وعقدك قائم ... أن لا عقوق ولا أثامه دار ابن عمك بعتها ... تشرى بها عنك الندامة اذهب بها أذهب بها ... طوقتها طوق الحمامة وجزيت فيها إلى العق ... وق وأسوإ الخلق الرغامة قد كنت آوي في ذرى ... فيه المقامة والسلامة ما كان عقدك مثل ما ... عقد ابن عمرو لابن مامه وكان أبو أحمد هذا ﵀ ضريراً، وله أشعار كثيرة. عن أبي عبد الله العبدي قال: كان الفرزدق مستخفياً في بني شيبان من عبيد الله بن زياد، ثم تحول عنهم وقال: تصرم عني ود بكر بن وائل ... وما خلت عني ودهم يتصرم قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم فقال رجل من بكر بن وائل يجيبه: لعمري لئن كان الفرزدق قد نأى ... وأحدث صرماً للفرزدق أظلم لقد وسطتك الدار بكر بن وائل ... وضمت لك الإحسان إذ أنت مجرم

стр. 76

فإن تنأ عنها لا تضرها، وإن تعد ... تجدها على العهد الذي كنت تعلم أنشد ابن خالويه لبعض العرب: ألم تعلمي يا دار بلجاء أنني ... إذا أخصبت أو كان جدباً جنابها أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها أورد لاشيخ الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ﵁ في فضائل مالك بن أنس - رضوان الله عليه - أن الرشيد سأل مالكاً: هل لك من دار؟ قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها داراً، فأخذها مالك، ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص من المدينة، قال لمالك: ينبغي أن تخرج معنا، فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان - رضوان الله عليه - الناس على القرآن، فقال له مالك: أما حملك الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا ﵃ فعند كل أهل مصر علم، وقد قال رسول الله ﷺ : "اختلاف أمتي رحمة" وأما خروجي معك فليس إليه سبيل، فقال ﷺ : "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" وقال ﷺ : "المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد" وهذه دنانيركم، كما هي، إن شتم خذوها، وإن شئتم دعوها. أراد أنك تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعت إلي، ولا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ . وقال المهدي يوماً لمالك: هل لك في دار؟ قال: لا، ولكني أحدثك: سمعت ربيعة بن عبد الرحمن يقول: "نسب المرء داره". وقال ربيعة بن مقروم الضبي: يا دار أسماء بالأمثال فالرجل ... حييت من دمنة قفر ومن طلل كأنها بعد عهد العاهدين بها ... مهارق العجم أو مشية الحلل دار غنينا بها حيناً، وأي غنى ... عن أهله يا ابنة الضبي لم يحل؟! وقال نصيب: ألا تسأل الدار التي لعب البلى ... بجدتها، فلم تكد تستبينها؟! متى بان منها أهلها؟ أم هل البكا ... إن العين بالدمع استهل شؤونها يريح هوى نفس عصتك وأصبحت ... تنازع شتى لا جميعاً شجونها إذا غشيت ربعاً لزينب راجعت ... به الشوق، حتى يستبان دفينها فلا حدث الأيام أنساك ذكرها ... ولا غربة الدار الشديد شطونها وقال آخر (ينسب إلى المجنون قيس بن الملوح) : يا دار ليلى بسقط الخل قد درست ... إلا الثمام، وإلا موقد النار أبلى عظامي ... بعد الحب دارسها كما تتبع عود الشوحط الباري ما تبرح الدهر من ليلى تموت جفاً ... في موقف وقفته أو على دار؟! وقال المرار الفقعسي: خليلي إن الدار غفر لذي الهوى ... كما ينكس المحموم أو صاحب الكلم أبى منزل بالبرق إلا يهيجني ... ودار لها بين الأجارع والرضم (الغفر: النكس والتغطية، وشعر الساق غفر) . وقال الغطمش الضبي: أقول لجواب وقيس بن عازب ... وقد بل جفن العين ماء مسيلها قفا حييا الدار التي لو وجدتما ... بها أهلها ما كان نحساً مقيلها وقال طلحة بن رفاعة: سقى الله داراً بين أمواه بارق ... وذي نخب لم يبق إلا صعيدها بها كان عهد المالكية فانقضى ... كذاك الغواني لا تدوم عهودها وكانت تمنيناً وتزعم أنه ... يجئ على بعض الأماني جودها فما زادها أن أيسرت لديوننا ... قضاء، ولكن كان بخلاً يزيدها روى أن إبراهيم بن حذيفة ﵀ باع داره، فلما أراد المشتري أن يشهد عليه قال: لست أشهد عليها ولا أسلمها حتى تشتروا مني جوار سعيد بن العاصي، وتزيدوا في الثمن، قالوا: وله رأيت أحداً اشترى جواراً أو باعه؟ قال: ألا تشترون جوار من إن أسأت إليه أحسن، وإن جهلت عليه حلم، وإن أعسرت وهب؟ لا حاجة لي في بيعكم، ردوا علي داري، فبلغ ذلك سعيد بن العاصي، فبعث إليه بمائة ألف درهم.

стр. 77

وروى المدائني قال: باع جار لفيروز داره بأربعة آلاف درهم، فجيء بها، فقال البائع: هذا ثمن داري، فأين ثمن جاري؟ قال: ولجارك ثمن؟ قال: لا أنقصه والله من أربعة آلاف، فبلغ ذلك فيروز، فأرسل إليه بثمانية آلاف درهم، وقال: هذا ثمن دارك وجارك، والزم دارك لا تبيعها. وقال أبو تمام: إن بكاء في الدار من أربه ... فشايعا مغرماً على طربه جيدت بداني الأكناف ساحتها ... نائي المدى داني الحيا سربه مزن إذا ما استطار بارقه ... أعطى البلاد الأمان من كذبه وقال أيضاً: قد مررنا بالدار وهي خلاء ... وبكينا طلولها والرسوما وسألنا ربوعها، وانصرفنا ... بسقام وما سألنا حكيما وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان [المعري] : أنا من أقام الحرف وهي كأنها=نون بدارك والمعالم أسطر بالسعد جادتك السماء لتسعدي ... والغفر، عل ذنوب أهلك تغفر وقال أيضاً: إذ ذن أنف البرد سرت فليته ... عقيب التنائي كان عوقب بالجدع وما أورقت أوتاد دارك باللوى ... ودارة حتى أسقيت سبل الدمع وقال البحتري: ولقد منعت الدار إعلان الهوى ... وطويت عنها سرك المكتوما أتغيض من حذر الوساة مدامعي ... فإذا خلوت تفيضهن سجوما؟ وقال آخر: ولو كنت في الدار التي مسقط الصفا=مرضت، ولكن غاب عني معللي هنالك لو أني مرضت لعادني ... عوائد من لم يأت منهن يرسل وقال آخر: لا تطلبن دنو دا ... ر من خليل أو معاشر أبقى لأسباب المود ... ة أن تزور ولا تجاور قال أحمد بن إسماعيل بن الخصيب: شكا إلي ميمون بن هارون بعد داره إذا أراد زيارتي، فقلت: من هذا المنزل أقصدك إذا زرتك، ثم كتبت إليه: لا تجلعن بعد داري ... مخسساً لنصيبي فرب شخص بعيد ... إلى الفواد قريب ورب شخص قريب ... إليه غير حبيب ما البعد والقرب إلا ... ما كان بين القلوب كتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون من خراسان: "بعدت داري عن ظل أمير المؤمنين، وإن كنت حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به، وقد اشتد إلى أمير المؤمنين شوقي، لأرى مجلسه، وأتشرق بخطابه، وأتجمل بخدمته، وأنقح عقلي من حسن أدبه، فلا شيء آثر عندي من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبها الله به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المصير إليه؛ لأحدث عهداً بالمنعم على، وأتهنأ بالنعمة التي آثرها لدي، فعل محسناً إن شاء الله". فوقع المأمون في كتابه: "قربك يا أبا العباس إلي حبيب، وأنت مني حيث كنت قريب، وإنما بعدت دارك نظراً لك ورغبة فيك وسمواً، واتبع قول الشاعر: رأيت دنو الدار ليس بنافع ... إذا لم يكن بين القلوب قريب ويروى: "إذا كان ما بين القلوب بعيد": وقال الشاعر: وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله أحامقه حتى يقال: سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وقال أبو الحسن علي بن ثروان الكندي: درت عليك غوادي المزن يا دار ... ولا عفت منك آيات وآثار دعاء من لعبت أيدي الغرام به ... وساعدتها صبابات وأذكار وقال ذو الرمة: أستحدث الركب عن أشياعهم خبراً=أم راجع القلب من أطرابه طرب أم دمنة نسفت عنها الصبا سفعاً ... كما تنشر بعد الطية الكتب لا، بل هو الشوق من دار تخونها ... مر سحاب ومر بارح ترب يبدو لعينيك منها وهي مزمنة ... نؤى ومستوقد بال ومحتطب ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب غراء تزداد إبهاجاً إذا سفرت ... وتحرج العين فيها حين تنتقب براقة الجيد، واللبات واضحة ... كأنها طبية أفضى بها لبب نجلاء في برج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاة وفي أنيابها شنب وقال البحتري: وما في سؤال الدار إدراك حاجة ... إذا استعجمت آياتها أن تكلما وتيمني أن الجوى غير مقصر ... وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى

стр. 78

قيل: كان يونس بن المختار في أعلى مرتبة في دار المأمون، وكان يجلس دونها، فقال له الحاجب: يا أبا العباس مرتبتك، فقال: قد رفعني إليها أمير المؤمنين وليس لي عمل يفي بها، فأنا أكرمها عن القعود فيها إلى أن يتهيأ الشكر عليها، فبلغ ذلك المأمون، فقال: هذا والله هو الشكر، وبه تدوم النعم. وقال قيس بن ذريح: سقى طلل الدار التي أنتم بها ... حناتم وبل، صيف وربيع وخيماتك اللاني بمنعرج اللوى ... بلين بلى لم تبلهن ربوع مضى زمن والناس يستشفعون بين ... فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع؟! إذا أمرتني العاذلات بهجرها ... هفت كبد عما يقلن صديع وكيف أطيع العاذلات وحبها ... يؤرقني والعاذلات هجوع وقال جميل بن معمر: هاجت فؤادك للحبيبة دار ... أقوت وغير آيها الأمطار وعفا الربيع رسومها فكأنها ... لم يغن قبل بربعها ديار لما وقفت بها القلوص تبادرت ... مني الدموع وهاجني استعبار ولقد علمت على التكالف أنه ... تشقى القلوب وتغلب الأفدار وإذا حللت بذي الأراك ودوننا ... علم المريب وجونة وتعار فهناك حين تريث عنك رسائلي ... وهناك تقطع عنكم الأخبار فسقى ديارك حيث كنت من النوى ... غيث أجش وديمة مدرار وقال ذو الرمة: خليلي عوجا اليوم ... حتى تسلما على دارمي من صدور الركائب تكن عوجة بجزيكما الله عنده ... بها الأجر، أو تقضى ذمامة صاحب وقفنا فسلمنا فردت تحية ... علينا، ولم ترجع جواب المخاطب عصتني بها نفس تريع إلى الهوى ... إذا مد دعاها دعوة لم تغالب وقال أيضاً: يا دار مية بالخلصاء فالجرد ... سقياً، وإن هجت أدنى الشوق للكمد من كل ذي لجب باتت بوارقه ... تجلو أغر الأعالي حالك النضد [حالك النضد] : متراكب السحاب. مجلجل الرعد عراصاً إذا ارتجست ... نوء الثريا به، أو نثرة الأسد أسقى الإله به حزوى، فجاد به ... ما قابل الزرق من سهل ومن جلد أرضاً معاناً من الحي الذين هم ... أهل الجياد وأهل المجد والعدد كانت تحل بها مي، فقد قذفت ... عنا بها نية من طية قدد وقال مرقش: هل تعرف الدار عفا رسمها ... إلا الأثافي ومبنى الخيم أعرفها داراً لأسماء فالدم ... ع على السربال فيض سجم أمست خلاء بعد سكانها ... مقفرة ما إن بها من إرم بعد جميع قد أراهم بها ... لهم قباب وعليهم نعم وقال آخر: هل الريح أو برق الغمامة مخبر ... ضمائر حاج لا أطيق لها ذكرا سليمى سقاها الله حيث تصرفت ... بها غربات الدار عن دارنا قطرا إذا درجت ريح الصبا أو تنسمت ... تعرفت من نجد وساكنه نشرا فقرف قرح القلب بعد اندماله ... وهيج دمعاً لا جموداً ولا نزرا وقال البحتري: أأطلال دار العامرية باللوى ... سقت ربعك الأنواء ما فعلت هند؟ أدار الهوى بين الصريمة واللوى ... أما للهوى إلا رسيس الجوى قصد؟ وقال أيضاً: قف العيسى قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها وما أعرف الأطلال من بطن توضح ... لطول تعفيها، ولكن إخالها إذا قلت: أنسى وصل سعدى على النوى ... تصور في أقصى الضمير خيالها وقد كنت أرجو وصلها عند هجرها ... فقد بان مني هجرها ووصالها وقال أيضاً: ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها ... نعم ونسألها عن بعض أهليها يا دمنة جاذيتها الريح بهجتها ... تبيت تنشرها طوراً وتطويها لازلت في حلل للغيث ضافية ... يثيرها البرق أحياناً ويسديها تروح بالوابل الداني روائحها ... على ربوعك أو تغدو غواديها وقال ذو الرمة: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى=ولا زال منهلاً بجرعائك القطر وإن لم تكوني غير شام مقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ... ولف الثريا في ملاءته الفجر فوالله ما أدري أجولان عبرة ... تجود بها العينان أحجى أم الصبر

стр. 79

وفي هملان العين من غصة الشجا ... شفاء، وفي الصبر الجلادة والأجر وقال أيضاً: يا دار مية لم يترك لها علما ... تقادم العهد والهوج المراويد سقياً لأهلك من حي تقسهم ... ريب المنون وطيات عباديد وقال أيضاً: دنا البين من مي وردت جمالها وهاج الهوى تقويضها واحتمالها عرفت لها داراً، فأبصر صاحبي ... صيفة وجهي قد تغير حالها وقلت لنفسي في حياء رددته ... إلهيا وقد بل الجفون بلالها أمن أجل دار طير البين أهلها ... أيادي سبا بعدي وطال احتبالها فؤادك مبثوث عليك شجونه ... وعينك تعصي عاذليك انهمالها لقد علقت مي بنفسي علاقة بطيئاً على مر الليالي انحلالها وقال ذو الرمة: ألا ظعنت مي فهاتيك دارها ... بها السحم تردي والحمام الموشم كأن أنوف الطير في عرصاتها ... خراطيم أقلام تخط وتعجم ألا لا أرى مثلي يحن من الهوى ... ولا مثل هذا الشوق لا يتصرم ولا مثل ما ألقى إذ الحي جيرة ... على أثر الأظعان يلقاه مسلم كفى حزة في النفس يا مي أنني ... وإياك في الأحياء لا ننتكلم أدور حواليك البيوت كأنني ... إذا جئت عن إتيان بيتك محرم وقال توبة بن الحمير: نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها يقول أناس: لا يضرك نأيها ... بلى، كل ما شف النفوس يضيرها أليس يضير العين أن تدمن البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها؟! وقال مهيار: بكر العارض تحدوه النعامى ... وسقاك الري يا دار أماما وتمشت فيك أرواح الصبا ... يتأرجن بأنفاس الخزامى وإذا مغنى خلى من زائر ... بعد ما فورق أو زير لماما فقضى حكم الهوى أن تصبحي ... للمحبين مناخاً ومقاما أورد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ في كتاب "نسب الصحابة" رضوان الله عليهم عن عثمان بن الأرقم، أنه كان يقول: أنا ابن سبع الإسلام، أسلم أبي سابع سبعة، وكان داره بمكة على الصفا، وهي الدار التي كان النبي ﷺ ، يكون فيها في أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، فأسلم فيها قوم كثير، وقال ليلة الاثنين فيها: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام" فجاء عمر - رضوان الله عليه - من الغد بكرة، فأسلم في دار الأرقم، وخرجوا منها، فكثروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودعيت دار الأرقم دار الإسلام، وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصفا، أنها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع ولا تورث، شهد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص".

стр. 80

قال: فلم تزل هذه الدار صدقة قائمة، بها ولده يسكنونها ويؤاجرون عليها، حتى كان زمن أبي جعفر المنصور، قال يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم: إني لأعلم اليوم الذي وقعت في نفس أبي جعفر، وذاك أنه كان يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها، ونحن على ظهر الدار في فسطاط، فيمر تحتنا، ولو أشاء أن آخذ قلنسوة عليها لأخذتها، وإنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن ﵁ بالمدينة، كان عبد الله بن ع ثمان بن الأرقم ممن بايعه، ولم يخرج معه، فتعلق عليه أبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلاً من أجل الكوفة يقال له: شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامله بالمدينة أن يفعل ما يأمره به، فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان بن الأرقم الحبس، وهو شيخ كبير بن بضع وثمانين سنة وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له: هل لك أن أخلصك مما أنت فيه وتبيعني دار الأرقم، فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى إن بعته إياها أن أكلمه فيك، فيعفو عنك؟ قال: فإنها صدقة، ولكن حقي منها له، ومعي فيها شركاء، إخوتي وغيرهم، فقال: إنما عليك نفسك، فأعطنا حقك، وبرئت، فأشهد له، وكتب عليه كتاب شرى على سبعة عشر ألف دينار، ثم تتبع إخوته، ففتنهم بكثرة المال، فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن أقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون، فعرفت بها، ثم لجعفر بن موسى الهادي، ثم اشترى عامتها وأكثرها غسان بن عبادة، من ولد جعفر بن موسى. وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله [بن سليمان [المعري] : فيا برق ليس الكرخ داري وإنما ... رماني إليه لدهر منذ ليال فهل فيك من ماء المعرة قطرة ... تروي بها ظمآن ليس بسال فليت سنيراً بان منه لصحبتي ... بروقى غزال مثل قرن غزال وقال أيضاً: متى ينزل الحي الكلابي بالساً ... يحييك عنا ظاعنون وقفال تحية ود ما الفرات وماؤه ... بأعذب منها وهو أزرق سلسال فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب، ولكن دون ذلك أهوال وقال أحمد بن أبي خيثمة: ولكن قرب الدار ممن تحبه ... على البعد من قلب الحبيب شديد وليس تنائي الدار للصب ضائراً ... إذا لم يكن بين القلوب بعيد وقال أبو حكيمة راشد بن إسحاق: ومستوحش لم يمس في دار غربة ولكنه ممن يحب غريب طواه الهوى واستشعر الهجر إلفه ... وشطت نواه والمزار قريب وقال آخر: هذا هو الصبر، لا الصبر الذي سلفا ... لما دنت دار من يهوى ومن ألفا قد كان في البعد إذهال لذي كلف ... لكن في القرب ما أغرى به الكلفا وقال سعيد بن حميد: إذا نائل شطت بها الدار مرة ... فلست على شيء من الدهر أشفق ولم يبق مني حبها غير مهجة ... تذوب، وقلب خشية الهجر يخفق وقال أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبار بن أبي حصينة السلمي: لون داراً أخبرت عن ناسها ... لسألت رامة عن ظباء كناسها بل كيف تسأل دمنة ما عندها ... علم بوحشتها ولا إيناسها ممحوة العرصات يشغلها البلى ... عن ساحبات الريط فوق دهاسها بيض إذا انصاع النسيم من الصبا ... خلناه ما ينصاع من أنفاسها يا صاحبي سقى منازل جلق ... غيث يروى ممحلات طساسها فرواق جامعها فباب بريدها ... فمسارب القنوات من باناسها فلقد قطعت بها زماناً للصبى ... واللهو مخضر كخضرة آسها من لي برد شبيبة قضيتها ... فيها وفي حمص وفي ميماسها وزمان لهو بالمعرة مونق ... بسياثها، وبجانبي هرماسها أيام قلت لذي المودة: سقني ... من خندريس حناكها أوحاسها حمراء تغنينا بساطع نورها ... في الليلة الظلماء عن نبراسها رقت فما أدرى أكأس زجاجها ... في جسمها أم جسمها في كاسها كان هذا الشاعر ابن أبي حصينة مداحاً للأمير تاج الأمراء معز الدولة أبي العلوان شمال بن أد الدولة صالح بن مرداس، فامتدحه بقصيدة شكا فيها كثرة أولاده، وكان له أربعة عشر ولداً، أولها: سرى طيف هند والمطي بنا يسري ... فأخفى دجى ليل، وأبدى سنا فجر يقول فيها:

стр. 81

جنيت على نفسي بنفسي جناية ... فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري عداد الثريا مثل نصف عدادهم ... ومن نسله ضعف الثريا من يثرى؟! وأخشى الليالي الغادرات عليهم ... لأن الليالي غير مأمونة الغدر ولي منك إقطاع قديم وحادث ... تقلبت منه تحت ظلك من عمري وما أنا بالممنوع منه، ولا الذي أخاف عليه منك حادثة تجري وكلنني أبغية ملكاً مخلداً ... خلود القوافي الباقيات على الدهر والقصيدة طويلة ما اقتضى التأليف ذكرها بأسرها، فلماس معها معز الدولة أمر بإحضار شهود أشهدهم بتمليكه أبا الفتح الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة ضيعتين من أعمال حلب ومنبج، فأثرى، وحسنت حاله، وعمر بحلب داراً عند حمام الواساني، وكتب على إزار روشنها: دار عمرناها، وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس قوم محوا بوسي ولم يتركوا ... علي للأيام من باس قل لبني الدنيا: ألا هكذا فليفعل الناس مع الناس وقال ابن نباتة: يا دار بين الرقتين وبابل ... شقت عليك من السحاب جيوب وأطاع تربك وابل متعمد ... من أن تزعزعه صباً وجنوب يا حبذا ماء الفرات لو أنه ... يشفي غليل الشارب المشروب وقال آخر: سقى الله داراً لي، وأرضاً تركتها ... إلى جنب داري معقل ويسار أبو مالك جار لها، وابن برثن ... "فيالك جاري ذلة وصغار"! وقال آخر: إن جار السوء حمل فادح ... فاستعذ بالله من سوء الجوار ما لجار السوء عندي حيلة ... في جميع الأرض إلا بيع داري وقال عيسى بن القاشي في دار إسماعيل بن بلبل: أيا داراً تفيض بكل خير ... وفيها كل شهوات المريض ترقى في السماء ولا تملي ... فكم أبصرت مثلك في الحضيض وكوني كيف شئت، فأنت عندي ... وعند الناس من دور القبوض وقال آخر: إنا رأينا حجاباً منك أغرضنا ... فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا اسمع مقالي، ولا تغضب علي، فما ... أبغي بنصحك لا مالاً ولا عرضا في هذا الدار، في هذا المكان على ... هذا السرير رأيت العز فانقرضا وقال علي بن بسام في أبيه، وقد عمر له داراً: شدت داراً خلتها مكرمة ... سلط الله عليها الغرقا وأرانيك صريعاً وسطها ... وأرانيها صعيداً زلقا وقال أبو الهندي: ولو أن لي داراً يحل دخولها ... لمتعتكم بالعزف فيها وبالخمر ولكنني في دار سوء كأنها ... بقية ناووس على ساحل البحر أؤدي إلى من عجل الله موته ... لأدفنه فيها ثلاثين في الشهر وقال آخر: جمال الدار بالإطعا ... م، لا بالفرش والنقش وما للدار من فضل ... ولو شيدت إلى العرش وقال معاوية بنقرة المنقري: إذا خفت من أمر فواتاً فوله ... سواك وعن دار الأذى فتحول فما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل وقال ابن سارة المغربي: مقام حر بدار هون ... عجز لعمري من المقيم ارحل فإن لم تجد كريماً ... فمن لئيم إلى لئيم قال بعضهم: اجتزت بباب دار، وإذا لها حش مفتوح، وفيه كساح، وهو يترنم: وإياك والسكنى بدار مذلة ... تعد مسيئاً فيه إن كنت محسنا ونفسك فأكرمها فإن ضاق مسكن ... عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا قال: فاطلعت عليه، وقلت: وهل فوق ما أنت عليه منزلة للهوان؟ فقال: نعم مسألة سفلة الناس أهون مما أنا فيه، وأنا أغنى الناس، قال: فأفحمني وأعجبني. وقال آخر: إذا قل إنصاف الفتى لصديقه ... على غير معروف فلا لوم في الهجر وما الناس إلا منصف في مودة ... وإلا معين للصديق على الدهر وإن مقام الحر في دار ذلة ... ليصرف عنه الفقر شر من الفقر وقال ابن المعتز: إني غريب بدار لا كرام بها ... كغربة الشعرة السوداء في الشمط ما أطلق العين في شيء تسر به ... ولست أبدي الرضى إلا على سخط وقال بعض العرب في امرأته: سقى الله داراً فرق الله بيننا ... وبينك فيها وابلاً سبل القطر

стр. 82

ولا ذكر الرحمن يوماً وليلة ... ملكناك فيها لم تكن ليلة القدر وقال آخر: صبر الأديب على الهوان مذلة ... ما للأديب يرى بدار هوان أرضى الإله لخلقه مبسوطة ... والرزق مقسوم بكل مكان وقال آخر: لا أوطن الدار إيطان البعير إذا ... كانت حوادث فيها لا تواتيني أكلما أخطأت يوماً يدي قدمي ... هويت عندك في زوراء ترديني؟! وقال آخر: وليس اقتنائي سمرقند محلة ... ودار مقام لاختيار ولا رضى ولكن قلبي حل فيها فعاقني ... وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا وإني ممن يرقب الدهر راضياً ... بيوم سرور غير مغرى بما مضى وقال آخر: أحب الدار تسكنها سليمى ... وإن كانت تواريها الجدوب وما دهري بحب تراب أرض ... ولكن من يحل بها حبيب وقال عنترة بن شداد العبسي: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم (ردمت الشيء، إذا أصلحته، يقول: ما ترك الشعراء من معنى إلا وقد سبقوا إليه: يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي ولقد حبست بها طويلاً ناقتي ... أشكو إلى سفع رواكد جثم حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم وقال جرير بن عطية: لمن رسم دار هم أن يتغيرا ... تراوحه الأرواح والقطر أعصرا وكنا عهدنا الدار والدار مرة ... هي الدار إذ حلت بها أم يعمرا ذكرت بها عهداً على الهجر والقلى ... ولابد للمحزون أن يتذكرا وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أفي رسم دار دارس أنت واقف ... بقاع تعفيه الرياح العواصف وقفت بها، لا من أسائل ناطق ... ولا أنا إذ لم تنطق الدار صادف ولا أنا عمن يألف الدار ذاهل ... ولا التبل مردود ولا القلب عازف وقال حارثة بن بدر الغداني: سلم على الدار أقوت بعد آباد ... قفراً بطارف أعلى ذات إمهاد الدار لم يبق منها ريثما لقيت ... إلا مضارب أطناب وأوتاد كأنها بالفيافي يوم مطلعها ... من بطن ذات السنا أخلاق أبراد فما تبينتها حتى وقفت بها ... وطال بالطرف إفراعي وإصعادي فانهلت العين من عرفانها سكباً ... نضح السقاة لجم ماء أعداد فظلت كالشارب النشوان محتبساً ... يوماً طويلاً على عنس وأقتاد أراسل الطرف وهناً ثم أعطفه ... في متشتى ومصطاف ومرتاد إذ لا النوى بين أهلينا مفرقة ... ولا المكتم من أسرارنا باد وقال آخر: دار علا دور الملوك بهاؤها ... كعلو صاحبها على الأملاك فكأنها من حسنها وعلوها ... بنيت قواعدها على الأفلاك وقال رجل من عبس - من أهل الكوفة تحول إلى أخواله جعف -: لما نبت داري نبوت بها ... فتركتها ونزلت في جعف فحللت في عز وتكرمة ... بمحل بين العين والأنف هذا من قول النبي ﷺ : "عمار جلدة ما بين عيني وأنفي" يعني عمار بن ياسر ﵀. ١٥- فصل في ذكر البيت قال الله ﵎: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً، وهدى للعالمين) . قال مجاهد ﵀: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ولا اختلاف بين أهل السير أنه أول بيت وضع للناس، واختلفوا: هل كان أول بيت وضع بغيرها على قولين: أحدهما: أنه قد كان قبله بيوت كثيرة، وهو قول علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، والحسن ﵁. والثاني: أنه لم يوضع قبله بيت، وهو قول مجاهد وقتادة. وروى عن أبي ذكر ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ : أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي بيت؟ قال: بيت المقدس. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. وقال الله ﵎: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) . أول من دله الله على مكان البيت - بعد آدم - إبراهيم ﵉، وهو أول من بناه مع إسماعيل ﵇، وأول من حجه، وغنما كانوا قبله يصلون نحوه، ولا يعرفون مكانه.

стр. 83

واختلفوا في سبب بنائه عند ابتداء الخلق على قولين: أحدهما: ما رواه محمد بن علي عن أبيه - رضوان الله عليهما - أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً على أربع أساطين، وسماه الضراح، وهو البيت المعمور، وقال تعالى للملائكة ﵈ طوفوا به، ثم بعث ملائكته ﵈ فقال: ابنوا لي بيتاً في الأرض بمثاله وقدره، وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به. والثاني: ما روي عن ابن عباس - رضوان الله عليهما - قال: لما أهبط - آدم ﵇ من الجنة إلى الأرض قال له تعالى: "يا آدم اذهب، فابن لي بيتاً، فطف به، واذكرني حوله، كما رأيت الملائكة يصنعون حول عرشي، فأقبل آدم ﵇ يتخطى، فطويت له الأرض، وقبضت له المفاوز، فلم يقع قدمه على شيء إلا صار عمراناً، حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام، وأن جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة السفلى، وقذفت إليه الملائكة بالصخر، فما يطيق الصخرة ثلاثون رجلاً، وأنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور زيتا، وطورسينا، والجودي، وحرى، فكان آدم ﵇ أول من أسس البيت، وصلى فيه، وطاف به، ولم يزل كذلك حتى بعث الله تعالى الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله إبراهيم وإسماعيل ﵉، فوضعا قواعد البيت وأعلامه، ثم بنته قريش بعد ذلك، وهو على حد البيت المعمور، لو سقط ما سقط إلا عليه. ثم روى علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه -: أن الله تعالى لما أمر إبراهيم ﵇ بعمارة البيت، خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل، وأمه هاجر، وبعث معه السكينة لها لسان تتكلم به، يغدو إبراهيم معها إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلى مكة، فقالت لإبراهيم: ابن على موضعي الأساس، فرفع البيت هو وإسماعيل ﵉، حتى إلى موضع الركن، فقال لابنه: يا بني أبغني حجراً أجعله عليها علماً للناس، فجاء بحجر فلم يرضه، فقال: أبغني غيره، فذهب يلتمس، فجاءه وقد أتى بالركن، فوضعه موضعه، فقال: يا أبة من جاءك بهذا الحجر؟ قال: من لم يكلني إليك يا بني، فلما رفع إبراهيم وإسماعيل ﵉ القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة، فيها رأس، فنادت: أن ارفعا على تربيعي. قال القاضي المارودي ﵀: فهذا ما جاءت به الآثار في البيت قبل الطوفان وبعده. وقال ابن إسحاق ﵀: لما بلغ رسول الله ﷺ خمساً وعشرين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها، ويهابون هدمها، وإنما كانت رضماً فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفراً سرقوا كنز الكعبة، وكان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز "دويكاً" - مولى لبني مليح بن عمرو، من خزاعة - فقطعت قريش يده، وقيل: إن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر رمى سفينة إلى جدة لتاجر من الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار قبطي، فتهيأ لهم بعض ما يصلحها, وكان حية تخرج من بئر الكعبة، فتتشرق على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، فبعث الله تعالى إليها طائراً، فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا [ل] نرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجراً، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع رباً، ولا مظلمة أحد من الناس. وقد نحل هذا الكلام إلى الوليد بن المغيرة، والأول أثبت، وأبو وهب خال رسول الله ﷺ ، وكان شريفاً، وله يقول شاعر من العرب: [و] لو بأبي وهب أنخت مطيتي ... غدت من نداه رحلها غير خائب بأبيض من فرعي لوي بن غالب ... إذا حصلت أنسابها في الذوائب أبي لأخذ الضيم يرتاح للندى ... توسط جداه فروع الأطايب

стр. 84

ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود، والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولبني عدي بن لؤي، وهو الحطيم موضع الصنم. ثم إن الناس هابوا هدمها، وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدو كم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، فإنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، إن أصيب لم نهدم شيئاً، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله بما صنعنا فهدمنا، فأصبح الوليد غادياً على عمله، وهدم وهدم الناس، حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم ﵇، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها ببعض، [ ... ] . قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، وتعاقدوا هم وبنو عبد الله بن كعب بن لؤي على الموت، وغمسوا أيديهم في ذلك الدم، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا، فروي أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم - وكان أسن قريش كلها عامئذ - قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه، قال ﷺ : هلم إلي ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً" ففعلوا، حتى إذا بلغوا [به] موضعه وضعه هو بيده، وبنى عليه. قال أحمد بن يحيى: قال رسول الله ﷺ حين وضع الحجر في الثوب -: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، فرفعوه، ثم وضعه ﷺ في موضعه، فلما وضع الحجر احتاج إلى حجر يسنده به، فذهب رجل من أهل نجد ليأتيه [به] ، فقال: لا، وأمر العباس - رضوان الله عليه - فأتاه بحجر فأسنده، فغضب النجدي، وقال: عمدتم إلى أصغركم سناً، وأقلكم مالاً، فوليتموه هذه المكرمة! فكان يقال: إنه إبليس لعنه الله - فقال أبو طالب - في وضع الركن -: إن لنا أوله وآخره ... في الحكم، والحق الذي لن ننكره وقد عمرنا خيره وأكثره ... لما وضعنا إذ تماروا حجره وقال الله ﵎: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ... ) الآية، يعني بالمثابة أنهم يثابون على حجه، وقيل: مجمعاً، لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة، وقيل: مرجعاً، من قولهم: ثابت العلة، إذا رجعت. وقال الله ﵎: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . في سبب مقامه على الحجر قولان: أحدهما: أنه لما ارتفع بنيان البيت، وضعف إبراهيم ﵇ عن رفع الحجارة، قام على هذا الحجر، فهو مقام إبراهيم. والثاني: أنه حجر وضعته زوجة إسماعيل ﵇ تحت قدم إبراهيم ﵇ حين غسلت رأسه، فوضع قدمه عليه، فغابت قدمه فيه. و (أنا مورد سبب غسل إبراهيم - صلى الله عليه - رأسه، مختصراً ما أورده أصحاب السير في ذلك) .

стр. 85

لما ولدت هاجر إسماعيل ﵇ أمر الله سبحانه إبراهيم ﵇ أن يسكنهما مكة، فحملهما إليها، فلما أراد الرجوع قالت له هاجر: يا إبراهيم، من أمرك أن تضعني بأرض لا زرع فيها ولا ضرع، ولا أنيس ولا ماء ولا زاد؟ قال: ربي أمرني، قالت: فإنه لن يضيعنا، فلما مضى إبراهيم قال: "ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن" يعني من الحزن، فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض الأرض بعقبيه، فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذ عميق، فأشرفت، فلما تر شيئاً، فانحدرت في الوادي، فسعت فيه حتى خرجت منه، فأتت المروة، فصعدت واستشرفت، فلم تر شيئاً، ففعلت ذلك سبع مرات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يدحض الأرض بعقبه، وقد نبعت العين - وهي زمزم - فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، وأفرغته في سقائها، فقال النبي ﷺ : "رحمها الله، لو تركتها لكانت عيناً سائحة تجري إلى يوم القيامة" وكانت "جرهم" يومئذ بواد قريب من مكة، ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت "جرهم" الطير قد لزمت الوادي قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى "هاجر"، فقالوا: لو شئت لكنا معك وآنسناك، والماء ماؤك، قالت: نعم، فكانوا معها، حتى شب إسماعيل ﵇ وماتت "هاجر"، فتزوج امرأة من "جرهم"، فاستأذن إبراهيم ﵇ سارة أن يأتي "هاجر" فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم إبراهيم ﵇ وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، فقال: هل عندك ضيافة؟ فقالت: ما عندي طعام ولا شراب. فقال إبراهيم ﵇: إذا رجع زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: فليغير عتبة باب داره، وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءني شيخ [صفته] كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه. قال: فما قال لك؟ قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، فطلقها، وتزوج أخرى، فلبث إبراهيم ﵇ ما شاء الله، ثم استأذن سارة في أن يأتي إسماعيل، فأذنت له، واشترطت عليه ألا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل [﵉] ، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، وهو يجئ الآن إن شاء الله، فانزل - رحمك الله - فقال: هل عندك ضيافة؟ فقالت: نعم، فقال: هل عندك خبز، أو بر، أو شعير، أو تمر؟ فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز، أو بر، أو شعير، أو تمر، فكانت مكة أكثر أرض الله براً وشعيراً وتمراً، ثم قالت له - وقد رأته أشعث الرأس -: انزل - يرحمك الله - حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، واعتذر، فجاءته بالمقام، فوضعته تحت شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه، ثم غسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شق رأسه الأيسر فغسلته، كما فعلت بالجانب الأيمن، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه ﵉ فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً، قال لي: كذا، وقلت له: كذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدمه، وقال لي: قولي لزوجك إذا جاء: قد استقامت عتبة بابك، فقال: ذاك أبي إبراهيم خليل الرحمن . إنما أوردت هذا الخبر مختصراً؛ لئلا يقف على ذكر غسل إبراهيم ﵇ رأسه من لا يكون عرف كيف كان ذلك، فيتطلع إلى معرفته. وقال ﵎: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ... ) فيه خمسة أوجه: أحدهما: من الأصنام، والثاني: من الكفار، والثالث: من الأنجاس، والرابع: من الآفات والريب، والخامس: أنه لمن حجه وطاف به. فإن قيل: فلم يكن على عهد إبراهيم ﵇، قبل بناء البيت - بيت مطهر؟ فعن هذا جوابان: أحدهما: أن ابنيا بيتي مطهراً. والثاني: أن طهرا مكان بيتي للطائفين. وقال ﵎: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ... ) الآية. فيه وجهان: أحدهما: أنه من خرج للهجرة من مكة، فمات في طريقه قبل وصوله المدينة، فقد استحق ثواب عمله، وجزاء هجرته. والثاني: فيمن خرج غازياً، فمات قبل الوقعة، فله ثواب جهاده.

стр. 86

واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقيل: إنها نزلت في أبي أمية ضمرة بن جندب الخزاعي خرج من مكة مهاجراً، فمات بالشعب. وقيل: نزلت في خالد بن حزام أخي حكيم بن حزام، خرج مهاجراً، فمات في الطريق. وقال ابن عباس - رضوان الله عليه - في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ يخبر أهل مكة بما ينزل من القرآن، فكتب إليهم بقوله : (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فم كنتم، قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيراً) قال حبيب بن ضمرة الليثي - لما قرأها، وكان شيخاً كبيراً -: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي إلى الطريق، فحملوه على سرير، متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت، فصفق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعت رسول الله ﷺ ومات، فبلغ خبره أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: لو كان وافى المدينة لكان أتم أجراً، فأنزل الله : (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ... ) الآية. وقال الله ﵎: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيراً) قال عطاء بن أبي رباح ﵀: حدثني من سمع أم سلمة ﵂ تذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ﵍ ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها، فقال ﷺ : ادعي لي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي، والحسن، والحسين - رضوان الله عليهم - فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيراً) فأخذ النبي ﷺ فضل الكساء، فغشاهم به، ثم أخذ بيديه فألو بهما إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس أهل البيت، وطهرهم تطهيراً، قالت: فأدخلت رأسي البيت، وقلت: وأنا معكم يا رسول الله، فقال: إنك إلى خير، إنك إلى خير) . وقال الله ﵎: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا ... ) الآية. قال أكثر المفسرين: لما بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، ﵂، أولم عليها بتمر وسويق، وذبح شاة، قال أنس بن مالك ﵀ وبعثت إليه أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني النبي ﷺ أن أدعو أصحابه ﵃ إلى الطعام، فجعل القوم يجيئون، فيأكلون، ويخرجون، فقلت: يا رسول الله قد دعوت حتى لا أجد أحداً أدعوه، قال: ارفعوا طعامكن، فرفعوا، وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، فأطالوا المكث، وتأذى بهم رسول الله ﷺ وكان شديد الحياء، فأنزل الله هذه الآية. وقوله ، حكاية عن إبراهيم ﷺ : (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) . (ذريته: إسماعيل، وأمه هاجر. (بواد غير ذي زرع) يعني مكة، أسكنها بأبطحها، ولم يكن بها ساكن، ثقة بالله تعالى، وتوكلاً عليه. (عند بيتك المحرم) : أضاف البيت إليه سبحانه، لأنه لا يملكه غيره، والمحرم؛ لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من جماع واستبذال. وقوله : (والبيت المعمور) فيه أربعة أوجه: أحدها: ما رواه قتادة عن أنس بن مالك ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتي بي إلى السماء السابعة، فرفع لنا البيت المعمور، فإذا هو حيال الكعبة، لو خر خر عليهما، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه". والثاني: أن البيت المعمور هو بيت في ست سموات ودون السابعة يدعى الضراح، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس، لا يعودون إليه أبداً، وهو بحذاء البيت العتيق.

стр. 87

والثالث: ما قاله الربيع بن أنس أنه كان في الأرض البيت المعمور، في موضع الكعبة، في زمان آدم ﵇ حتى كان زمان نوح ﵇ فأمرهم نوح أن يحجوه، فأبوا عليه؛ وعصوه، فلما طغى الماء رفع، فجعل بحذائه من سماء الدنيا، فيعبره كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرجعون إليه، حتى ينفخ في الصور، قال: فبوأ الله تعالى لإبراهيم ﵇ الكعبة البيت الحرام، حيث يقول سبحانه: (وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ... ) الآية. والرابع: ما قاله الحسن ﵁ أن البيت المعمور هو البيت الحرام، والمعمور: قيل: إنه معمور بالقصد إليه، وقيل: بالمقام عليه. وقال ﵎: (في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه) قيل: هي المساجد، وقيل: إنها سائر البيوت. (أذن الله أن ترفع) أي تبنى، كقوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) أي يبني، وقيل: ترفع فيها الحوائج إلى الله . وقال ﵎: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا، وتسلموا على أهلها ... ) الآية. روى عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار، فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب، فيدخل علي، وإنه لا يزال يدخل رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال أبو بكر الصديق - رضوان الله عليه -: يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة ... ) الآية. وفي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا، وتسلموا على أهلها) ثلاثة أوجه: قيل: حتى تستأذنوا. وقيل: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح، فيعلموا بالدخول عليهم. وقيل: (حتى تستأنسوا) أي تعلموا هل فيها أحد تستأذنوه، فتسلموا عليه، ومنه قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً) ، أي علمتم. والإذن: يكون بالقول، والإشارة، عن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "رسول الرجل إذنه". فإن استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له ولى ولم يراجع، روى عن الحسن البصري عن الأشعري: أنه استأذن على عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - ثلاثاً، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل إليه عمر، فقال: ما ردك؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "من استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له، فليرجع" فقال عمر - رضوان الله عليه -: "لتجيئنني ببينة، وإلا جعلتك نكالاً" فأتى طلحة ﵀ فشهد له. قال الحسن ﵀: الأولى: إذن، والثانية: مؤامرة، والثالثة: عزمة إن شاءوا إذنوا، وإن شاؤوا ردوا، ولا يستأذن وهو مستقبل الباب إن كان الباب مفتوحاً، وإذا أذن لأول القوم، فقد أذن لآخرهم، ولا يقعد على الباب بعد الرد، فإن للناس حاجات. ثم قال تعالى: (وتسلموا على أهلها) والسلام ندب، والاستئذان حتم، وفي السلام قولان: [الأول] : أنه مسنون بعد الإذن على ما تضمنته الآية من تقديم الإذن عليه، ولأن السلام من تحيات اللقاء، واللقاء يكون بعد الإذن. والثاني: أنه مسنون قبل الإذن، وأنه وإن تأخر في التلاوة فهو مقدم في الحكم، وتقدير الكلام: حتى تسلموا، وتستأذنوا؛ لما روى محمد بن سيرين ﵀ أن رجلاً استأذن على رسول الله ﷺ : أأدخل؟ فقال النبي ﷺ لرجل عنده: "قم فعلمه كيف يستأذن، فإنه لم يحسن" فسمعها الرجل، فسلم واستأذن. وقد قيل: إن وقعت العين على العين قبل الاستئذان، فالأولى تقديم السلام على الاستئذان، وإن لم تقع العين على العين قبل الإذن، فالأولى تقديم الاستئذان على السلام. فأما الاستئذان على منازل الأهل: فإن كانوا غير ذوي محرم لزم الاستئذان عليهم، كالأجانب. وإن كانوا ذوي محارم، وكان المنزل مشتركاً، هو فيه، وهم ساكنون، لزمه قبل دخوله إنذارهم، إما بوطء أو بنحنحة مفهمة، إلا الزوجة، فلا يلزم ذلك في حقها؛ لارتفاع العورة بينهما. وإن لم يكن المنزل مشتركاً، ففي الاستئذان عليهم وجهان: أحدهما: النحنحة والحركة. والثاني: بالقول، كالأجانب.

стр. 88

وقد روى عطاء بن يسار ﵀ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: فإني أخدمها، قال: استأذن عليها، فعاوده ثلاثاً، فقال ﷺ : أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها. (فإن لم تجدوا فيها أحداً) يعني يأذن لكم (فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) . ولا يجوز أن يتطلع إلى المنزل، ليرى من فيه فيستأذنه إذا كان الباب مغلقاً؛ لقول النبي ﷺ : "إنما جعل الاستئذان لأهل البصر" إلا أن يكون الباب مفتوحاً؛ فيجوز أن ينظر إذا كان خارجاً منه؛ لأن صاحبه بالفتح قد أباح النظر. (فإن قيل لكم: ارجعوا، فارجعوا، هو أزكى لكم) وهذا إن كان بعد الدخول عن إذن، لزم الانصراف وحرم اللبث، فإن كان قبل الدخول، فهو رد للإذن، ومنع من الدخول، ولا يلزمه إلا الانصراف عن موقفه. وقال ﵎: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) قيل: الخانات المشتركة ذوات البيوت المسكونة، وقيل: حوانيت التجار، وقيل: منازل الأسفار، ومناخات الرحال التي يرتفقون بها مارة الطريق في أسفارهم، وقيل: الخرابات المعطلة، وقيل هي بيوت مكة (فيها متاع لكم) فلا يلزم الاستئذان في هذه المنازل. وقال ﵎: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) . قيل: كما أخرجك ربك من مكة إلى المدينة بالحق مع كراهة فريق من المؤمنين، كذلك ينجز وعدك بنصرك على أعدائك. وقيل: في قوله تعالى: (بالحق) قولان: أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق، والثاني: أنه أخرجك بالحق الذي وجب عليك. وقال ﵎: حكاية عن المشركين: ( [وقالوا] لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً [أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً. أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً] أو يكون لك بيت من زخرف) . قيل: الزخرف: المنقوش، وقيل: الذهب. قال مجاهد: لم أكن أدري ما الزخرف، حتى سمعنا في قراءة ابن مسعود ﵁ "بيت من زخرف" وأصله من الزخرفة، وهو تحسين الصورة، ومنه قول الله : (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) . والذين قالوا لرسول الله ﷺ هذا القول نفر من قريش، قال ابن عباس ﵁: وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج. وقال ﵎: (: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) فيه قولان: (الأول) : لو تخلفتم لبرز الذين كتب عليهم القتل، ولم ينجهم قعودهم. والثاني: لو تخلفتم لخرج منكم المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم، ويكون معنى قول الله : (الذين كتب عليهم القتل) أي فرض عليهم القتال، فعبر عنه بالقتل، لأنه يئول إليه، إما بالظفر، أو بالشهادة. وقال الله ﵎: (ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: إن بيوتنا عورة) . قال السدي: الذي استأذنه ﷺ منهم رجلان من الأنصار: أبو عرابة بن أوس، وأوس بن قيظي، ورجع ثمانون رجلاً بغير إذن. (يقولون إن بيوتنا عورة) أي قاصية من المدينة، نخاف على عورة النساء والصبيان من السبي. وقيل: أي خالية، ليس فيها إلا العورة من النساء. وقيل: مكشوفة الحيطان يخاف عليها السرق والطلب، والعرب تقول: أعور منزلك، إذا ذهب ستره، أو سطق جداره، وكل ما كره انكشافه عندهم فهو عورة. (ولو دخلت عليهم من أقطارها) أي لو دخل على المنافقين من أقطار المدينة ونواحيها، (ثم سئلوا الفتنة لآتوها) قيل: سئلوا القتال في العصبية، لأسرعوا إليه. وقيل: لو سئلوا الشرك لأجابوا إليه مسرعين، (وما تلبثوا [بها] ) عن الإجابة إلى الفتنة (إلا يسيرا) وقيل: ما لبثوا في المدينة إلا قليلاً حتى يعذبوا. وقال الله ﵎: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) . قيل: بأيديهم، لنقض الموادعة، وأيدي المسلمين بالمقاتلة. وقيل: بأيديهم في تركها، وبأيدي المؤمنين بإجلائهم عنها.

стр. 89

وقيل: بأيديهم في خراب دواخلها وما فيها، لئلا يأخذه المسلمون، وأيدي المؤمنين في خراب ظواهرها، ليصلوا بذلك إليهم. وقيل: كانت منازلهم مزخرفة، فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، فخربوها من داخل، وخربها المسلمون من خارج. وقيل: إنهم كانوا كلما هدم عليهم المسلمون من حصونهم شيئاً نقضوا من بيوتهم ما يعمرون به ما خرب من حصونهم. وقيل: تخريبهم لبيوتهم أنهم لما صولحوا على حمل ما أقلته إبلهم، جعلوا ينقضون ما أعجبهم من بيوتهم، حتى الأوتاد، ليحملوها على إبلهم. وقال الله ﵎: (والله جعل لكم من بيوتكم سكناً) قال مجاهد: موضعاً تسكنون فيه (وجعل [لكم] من جلود الأنعام بيوتاً) وهي الخيام (تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم) فذكر الله لهم النعمة عليهم فيما جعله لهم من بيوت الأوطان الثابتة، وبيوت الأسفار المنقلة، لتعمهم النعمة في إقامتهم وأسفارهم. وقال الله ﵎: حكاية عن نوح ﵇ (رب اغفر لي، ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً) قيل: أراد أباه لمكاً، وأمه منخيل، وكانا مؤمنين، وقيل: أراد أباه وجده. (ولمن دخل بيتي مؤمناً) قيل: صديقي الداخل إلى منزلي، وقيل: من دخل مسجدي وقيل: من دخل في ديني. وقال الله ﵎: (ليس [على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ولا على أنفسكم] أن تأكلوا من بيوتكم، أو بيوت آبائكم، أو بيوت أمهاتكم، أو بيوت إخوانكم، أو بيوت أخواتكم، أو بيوت أعمامكم، أو بيوت عماتكم، أو بيوت أخوالكم، أو بيوت خالاتكم) . أباح سبحانه الأكل في بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام مبذولاً، فإن كان محرزاً دونهم لم يكن لهم هتك حرزه، ولا يجوز أن يتجاوز الأكل إلى الادخار، [أو] إلى ما ليس بمأكول، وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن منهم. وقال الله ﵎: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً) أي مساكن يسكنونها، وقيل: [في] قوله "مصر" إنها الإسكندرية، وقيل: بل هي مصر، وقيل: اتخذوا قصوراً، وقيل: مساجد (واجعلوا بيوتكم قبلة) ، قيل: مقابل بعضها بعضاً، وقيل: اجعلوا مساجدكم قبل الكعبة. وقال الله ﵎: (وأوحى ربك إلى النخل أن اتخذي من الجبال بيوتاً، ومن الشجر ومما يعرشون) . في (أوحى) ثلاثة أقوال: أحدها: ألهمها. والآخر: سخرها. والثالث: أنه سبحانه جعل ذلك في غرائزها مما يخفى مثله على غيرها. (أن اتخذي من الجبال بيوتاً) ذكر الله تعالى بيوتها لما ألهمها وأودعه غرائزها من صحة القسمة، وحسن الصنعة. وقال الله ﵎: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) . يعني سبحانه آلهة من أصنام وأوثان عبدوها، (كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) يعني أنهم عبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً، كبيت العنكبوت لا يستر الأبصار، ولا يدفع الأيدي. وعن عطاء عن ابن عباس ﵁ ذكر آلهة المشركين فقال سبحانه: (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: - حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فما أنزل على محمد ﷺ : أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله : (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ... ) الآية. قال القاضي الماوردي ﵀: البعوضة من صغار البق، سميت بذلك لأنها كبعض البقة في صغرها. وقيل: نسجت العنكبوت مرتين: مرة على داوود ﵇، ومرة على النبي ﷺ ، وجمع عنكبوت عناكب، وتصغيره عنيكب.

стр. 90

وقد ذكر علي - رضوان الله عليه - العنكبوت في كلام له، روى أن رجلاً أتى علياً - رضوان الله عليه - فقال: يا أمير المؤمنين إنه قضيت علي قضية ذهب فيها مالي وأهلين فخرج إلى الرحبة، فاجتمع عليه الناس، فقال - رضوان الله عليه -: ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، وإن أشقى الناس رجل قمش علماً في أوباش الناس بغير علم ولا دليل، فاستكثر مما قل منه خير، فأكثر، حتى إذا ارتوى من آجن آسن غير طائل جلس للناس مفتياً؛ ليخلص ما التبس على غيره، فهو في قطع من الشبهات، في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، خباط عشوات، ركاب جهالات، لم يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم، ولم يسكت فيسلم، تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، وتستحل بقضائه الفرج الحرام، أولئك الذين حلت عليهم النياحة في أيام حياتهم. -أوجب إيراد هذا الحديث ما فيه من ذكر العنكبوت) . عن أنس بن مالك ﵀ قال: قال النبي ﷺ : ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد إنساناً قد نفذ أجله، وانقطع عمله، ألقى عليه غم الموت، فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، وجهرت الباكية بشجوها، والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: ويلكم، وفيم الفزع؟ وفيم الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وغن لي فيكم عودة، ثم عودة، ثم عودة، حتى لا أبقى منكم أحداً. قال النبي ﷺ : فوالذي نفسي بيده، لو يرون مكانه، أو يسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، حتى إذا حمل الميت على نعشه، رفرفت الروح فوق النعش، فهو ينادي: يا أهلي، ويا ولدي. لا تلعبن بكم الدنيا، كما لعبت بي، جمعت المال من حله ومن غير حله، ثم خلفته لغيري، فالهناءة له، والتبعة علي، فاحذروا ما حل بي. عن أبي موسى الأشعري ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل بيت يذكر الله تعلى فيه، وبيت لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت". وقال ﷺ : "نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن يفر منها الشيطان". وقال ﷺ : "نزول الضيف في البيت بركة". وقال ﷺ : "لا تدخل الخيانة بيتاً إلا خرب". وقال ﷺ : "لا تدخل السرقة بيتاً إلا أورثتهم الذل". وقال ﷺ : "ما من أحد يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضى بما يصنع". وقال ﷺ : "ما من أحد يخرج من بيته مجاهداً في سبيل الله تعالى إلا لم تزل الملائكة تستغفر له حتى يرجع". وقال الوزير الكامل أبو القاسم بن المغربي، وقد حج: أستار بيتك أمن الخوف منك وقد ... علقتها مستجيراً منك يا باري وما أظنك لما أن علقت بها ... خوفاً من النار تدنيني من النار وها أنا جار بيت أنت قلت لنا: حجوا إليه، وقد أوصيت بالجار قرئ على حائط قصر بأعلى الحجاز، قد خرب، وباد أهله: بالله ربك كم بيت مررت به ... قد كان يعمر باللذات والطرب طارت عقاب المنايا في سقائفه ... فصار من بعدهم للويل والحرب (هذان البيتان لإبراهيم بن المهدي) . وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري: كل بيت للهدم، ما تبتنى الور ... قاء، والسيد الرفيع العماد واللبيب اللبيب من ليس يغت ... ر بكون مصيره لفساد وقال أبو العتاهية: عش ما بدا لك قصرك الموت ... لا معقل منه ولا فوت بينا غنى بيت وساكنه ... زال الغنى، وتقوض البيت وقال آخر أظنه أبا العتاهية: قد آن أن يسمعك الصوت ... أنائم قلبك أم ميت؟! يا باني البيت على غرة ... أمامك المنزل والبيت وإنما الدنيا على طولها ... ثنية مطلعها الموت وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان من قصيدة يرثي بها والده: هنيئاً لك البيت الجديد موسدا ... يمينك فيه بالسعادة واليمن مجاور سكن من ديار بعيدة ... من الحي سقياً للديار وللسكن

стр. 91

أمر بربع كنت فيه كأنما ... أمر من الإجلال بالحجر والركن وإجلال مغناك اجتهاد مقصر ... إذا النصل أودى فالعفاء على الجفن وقال آخر: أسعداني بعبرة أسراب ... من دموع كثيرة التسكاب إن أهل الحصاب قد تركوني ... موزعاً مولعاً بأهل الحصاب أهل بيت تتابعوا للمنايا ... ما على الدهر بعدهم من عتاب فارقوني، وقد علمت يقيناً ... ما لمن ذاق ميتة من إياب كم بذاك الحجون من [حي صدق] ... وكهولٍ أعفة وشباب فلى الويل بعدهم وعليهم ... صرت فرداً، وملني أصحابي عن حماد الراوية قال: حدثنا ابن أخت لنا من مراد قال: وليت صدقات قوم من العرب، فبينا أنا أقسمها في أهلها، إذ قال لي رجل منهم: ألا أريك عجباً؟ قلت: بلى، فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد بن قنا قد نشب في ذروة من الجبل مكتوب عليه: ألا هل إلى أبيات شمخ إلى اللوى ... لوى الرمل يوماً للنفوس معاد؟! بلاد بها كنا، وكنا من أهلها ... إذ الناس ناس، والبلاد بلاد ثم أخرجني إلى ساحل البحر، فإذا أنا بحجر يعلوه الماء طوراً، يظهر طوراً، عليه مكتوب: يا ابن آدم، يا عبد ربه، اتق الله، ولا تعجل في أمرك؛ فإنك لن تسبق رزقك، ولا ترزق ما ليس لك. ومن البصرة إلى دبيل ستمائة فرسخن فمن لم يصدق، فليمش على الطريق على الساحل حتى يتحققه، فمن لم يقدر على ذلك فلينطح برأسه هذا الحجر" وقال أبو بكر محمد بن عيسى الداني - من شعراء الأندلس - يندب المعتمد على الله أبا القاسم محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن محمد بن عباد، حين تغلب على بلاده يوسف بن تاشفين المثلم، وانتزعه من ملكه، وكان أدبياً جواداً محسناً إلى أهل الأدب: يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ ... في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد ويا مؤمل واديهم ليسكنه ... خف القطين، وجف الزرع بالوادي ضللت سبل الندى يا ابن السبيل فسر ... بغير قصد، فما يهديك من هاد إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا ... وقد خلت قبل حمص أرض بغداد سارت سفائنهم والنوح يتبعها ... كأنها إبل يحدو بها حاد وأول هذا الشعر: تبكي السماء بدمع رائح غاد ... على البهاليل من أبناء عباد عريسة دخلتها الحادثات على ... أساود منهم فيها وآساد وكعبة كانت الآمال تعمرها ... فاليوم لا عاكف فيها ولا باد كم من درارى سعود قد هوت وزهت ... منهم، ومن درر للمجد أفراد (وبعده الشعر المقدم) . وقال الشمردل بن شريك المنقري يرثي أخاه وائلاً: لعمرك إن الموت منا لمولع ... بمن كان يرجى نفعه وفواضله وما البعد إلا أننا بعد صحة ... كأن لم نبايت وائلاً ونقايله فأصبح بيت الهجر قد حال دونه ... وغال أمرأً ما كان تخشى غوائله سقى الصفرات الغيث ما دام ثاوياً ... بهن، وجادت أهل شول مخايله وما بي حب الأرض إلا جوارها ... صداه، وقول ظن أني قائله عن عمير الرماح قال: رأيت مهنأة بنت الذيال اليشكرية، وقد أفسدت الدموع خديها، لكثرة بكائها، فقلت لها: إلى كم هذه العبرة، وشرق الحسرة؟ قالت: إلى أن يضمني ما ضم مسعود، تعني القبر، ومسعود بن عبد الله بن عوف زوجها، قتله بنو جعفر من كلاب يوم الحاصة، فقالت لناعيه: هل قال شيئاً، وهو يجود بنفسه؟ قال: نعم قال: أترى التي خلفتها في بيتها ... وضممت ساعدها إلى نحري ثبتت على العهد الذي عاهدتها ... أم أخلفته وأغفلت أمري فصاحت وقالت: يا مسعود إن أغفلته فأغفلني الله من رحمته. وقال آخر: لله أبيات إذا أوطنتها ... غنى الفقير بها، وعز الجاني قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... منحوه سلوته عن الأوطان عن ابن جريح قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى ليحب البيت الخصيب" يعني الكثير الخير.

стр. 92

حضرت جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان أخت جساس بن مرة - قاتل كليب، وهي امرأة كليب بن ربيعة - مأتم زوجها كليب، فأخرجتها أخته، وقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا، وشقيقته، فلما خرجت لقيها أبوها مرة، فقال: ما وراءك يا جليلة؟ قالت: ثكل الأبد، وقلة العدد، وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد. فقال لها: أويكف ذلك كرم الصفح، وإغلاء الديات؟ فقالت: أمنية مخدوع ورب الكعبة، أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها؟! ثم قالت جليلة في ذلك: يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي جل عندي فعل جساس فيا ... حسرتا عما انجلت أو تنجلي يا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عل هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأول خصني يوم كليب بلظى ... من ورائي، ولظى مستقبلي ليس من يبكي ليوميه كمن ... إنما يبكي ليوم قد خلى يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل مثكلي إنني قاتلة مقتولة ... فلعل الله أن يرتاح لي عن إسماعيل بن محمد بن أبي محمد، قال: قلت لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق. كل شعرك حسن عجيب، وقد مرت بي منذ أيام لك أبيات استحسنتها جداً، وقال: إنها معادة من أنصاف أوائلها على أواخرها، كأنها رسالة، لو كتبها إنسان إلى صديق له كان حسناً. فدع ما يكون من شعر، فقال: وما هي؟ فأنشدته: المرء في مآخير مدته ... كالثوب يخلق بعد جدته وحياته نفس يعد له ... ووفاته استكمال عدته ومصيره من بعد أنسته ... بالناس، ظلمة بيت وحدته من مات مال ذوو مودته ... عنه، وحالوا عن مودته عجباً لمحتجب يضيع ما ... يحتاج فيه ليوم رقدته أزف الرحيل ونحن في لعب ... لا نستعد له بعدته ولقلما تبقي الخطوب على ... أشر الشباب وحر وقدته عن هشام بن عروة قال: قال ابن عمر بن الخطاب لعمر ﵄: اخطب على ابنة نعيم النحام ﵀ فقال: ليس بفاعل؛ إن له ابن أخ يتيم في حجره، وإنه لن يعدوه بها، فقال ابن عمر لأبيه: إيذن لي في ذلك، فأنا أكلمه، قال: فخرج حتى كلمه، فقال: يا ابن أخي والله لأبوك خير من أبيها، وأنت خير منها، ولكن لي ابن أخ يتيم في حجري قد زوجته إياها، وأصدقتها عنه من مالي عشرة آلاف درهم، ولست بالذي أنفض لحوم الناس وأترك لحمي ترباً، ثم تمثل بشعر قاله خالد بن واثلة الليثي: ولست ببان لامرئ سمك بيته ... وأترك بيتي خالياً بخمالي جعلت بناتي في موالي قصرة ... وما راعني ذو سورة وجمال رأيت الألى يأتون للنصر دعوتي ... موالي والأقصين غير موال فصل آخر في ذكر البيت مما ينسب إلى المجنون قيس بن الملوح: ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وهجرانه منى إليه ذنوب هجرتك إشفاقاً، وزرتك خائفاً ... وفيك على الدهر منك رقيب أرى أهلك الأدنين صاروا لنا عدى ... وأنت لنا سلم وفيك حبيب سأستعتب الأيام فيك لعلها ... بيوم سرور في الزمان تئوب فكم من بعيد الدار ساعفه الهوى ... ومنقطع الأسباب وهو قريب! ومما ينسب إليه أيضاً: لعمرك إن البيت بالظاهر الذي ... مررت فلم ألمم به لي شائق وإن مروري لا أكلم أهله ... أشد من الموت الذي أنا ذائق وبالجرع من أعلى الجنينة منزل ... فسيح شحا صدري به متضايق وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق أجل صدق الواشون أنت حبيبة ... إلي، وإن لم تصف منك الخلائق كأن على أنيابها الخمر شابها ... بماء الندى من آخر الليل غابق وما ذقته إلا بعيني تفرساً ... كما شيم من أعلى السحابة بارق وقال آخر: ألا أيها البيتان بالأجرع الذي ... بأسفل مفضاه غضى وكثيب هجرتكما هجر البغيض، وفيكما ... من الناس إنسان إلى حبيب وقال آخر:

стр. 93

وإني على هجران بيتك كالذي ... رأى نهلاً رياً وليس بناهل رأى برد ماء ذيد عنه وروضة ... برود الضحى فينانة بالأصائل وقال قيس بن ذريح: أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر ... وهجران لبنى يا لك الخير منكر فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وأنت عليها بالملا كنت تقدر وقال كثير: ما بال ذا البيت الذي كنت آلفاً ... أنارك فيه بعد إلفك نائر؟ تزور بيوتاً حوله ما تحبها ... وتهجره؟! سقيا لمن أنت هاجر قال بعضهم: خرجت [أنا] والأحوص بن محمد الأنصاري مع عبد الله بن الحسن إلى الحج، فقلنا لعبد الله: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل، فأنشدنا من شعره؟ فأرسل إليه، فأتانا، فاستنشدناه، فأنشدنا قصيدته التي أولها: يا بيت خنساء الذي أتجنب ... ذهب الشباب وحبها لا يذهب أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأجنب مالي أحن إذا جمالك قربت ... وأصد عنك وأنت مني أقرب؟! وأرى البعيد يحبكم فأحبه ... إن كان ينسب منك أو يتنسب لله درك؟ هل لديك معول ... لمتيم، أم هل لودك مطلب تبكي الحمامة شجوها فتهيجني ... ويروح عازب همي المتأوب وتهب جارية الرياح من أرضكم ... فأرى البلاد لها تطل وتخصب وأرى السمية باسمكم فيزيدني ... شوقاً إليك سميك المتنسب وأخالق الواشين منك تجملاً ... وهم على ذوو ضغائن درب ثم اتخذتهم على وليجة حتى غضبت، ومثل ذلك يغضب قال: فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، فقدم المدينة، فدخل عليه الأحوص، فاستصحبه، أي طلب منه أن يصحبه إلى دمشق، فوعده أبو بكر بذلك، فلما خرج الأحوص قال له بعض جلسائه: تقدم بالأحوص الشام، وفيه من يناسبك من بني أبيك، وهو من السفه على ما قد علمت؟، فلما أراد أبو بكر الرجوع من الحج، دخل عليه الأحوص مستنجزاً لما وعده من الصحابة، فدعا له بمائة دينار، وأثواب، وقال: يا خال إني نظرت فيما سألتني فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين من غير إذن، فيحجبك، فيشمت بي عدوي من أهل بيتي، ولكن خذ هذه الدنانير والثياب، وأنا استأذن لك أمير المؤمنين، فإذا أذن لك كتبت إليكفقدمت، قال: لا، ولكني قد سبعت عندك، ولا حاجة لي بعطيتك، ثم خرج من عنده، وبلغ ذلك أخاه عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو يومئذ أمير المدينة فأرسل إلى الأحوص، فأتاه، فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار، وكساه ثياباً فأخذ ذلك منه، ثم قال له: يا خال هب لي عرض أخي أبي بكر، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص، فقال في عراض قصيدة سليمان بن أبي دباكل قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز، أولها: يا بيت عائكة التي أتعزل ... حذر العدى، وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إيك مع الصدود لأميل هل عيشنا بك في زمانك راجع ... فلقد تفاحش بعدك المتعلل وتجنبي بيت الحبيب أوده ... أرضى البغيض به حديث معضل ولئن صددت لأنت ... لولا رقبتي أهوى من اللائي أزور وأدخل أين الشباب وعيشنا اللذ الذي ... كنا به زمناً نسر ونجذل ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... حزناً يعل به الفؤاد وينهل إلا تذكر ما مضى وصبابة ... منيت لقلب متيم لا يذهل أودي الشباب وأخلفت أيامه ... وأنا الحزين على الشباب المعول والقصيدة طويلة، ثم خرج فيها إلى مدح عمر بن عبد العزيز ﵁ وشكره، ثم ختمها بقوله: وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل وأرى المدينة حين صرت أميرها ... أمن البريء بها، ونام الأعزل فلما أنشدها قال عمر ﵁: ما أراك أعفيتني مما استعفيك منه؛ ذلك أنه مدح عمر، وعرض بأخيه أبي بكر. وقال الأحوص، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح: أدور، ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور وما كنت زواراً، ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور

стр. 94

أزور على أن ليس ينفك ... كلما أتيت عدو بالبنان يشير فقد أنكرت بعد اعتراف زيارتي ... وقد وغرت فيها على صدور وقال أيضاً: وإني لآتي البيت ما إن أحبه ... وأكثر هجر البيت وهو حبيب وأغضى على أشياء منك تسوءني ... وأدعي إلى ما سركم فأجيب وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ولهن بالبيت العتيق لبانة ... والركن يعرفهن لو يتكلم لو كان حياً قبلهن ظعائناً ... حياً الحطيم وجوههن وزمزم لبثوا ثلاث مني بأنعم عيشة ... وهم على سفر لعمرك ما هم متجاورين بغير دار إقامة ... ول قد أجد رحيلهم لم يندموا وكأنهن وقد حسرن لواغباً ... بيض بأكناف الحطيم مركم وقال يزيد بن الطثرية: ألا أيها البيت الذي أنا هاجره ... وإني بتلماح من الطرف ناظره لهنك من بيت إلى لمونق ... وآنق في عيني من البيت عامره أصد حياء أن يلج بي الهوى ... وأنت المنى لولا عدو أحاذره وفيك حبيب النفس لو نستطيعه ... لمات الهوى والشوق حين نجاوره فإن يكن الأعداء أحموا كلامه ... علينا، فلما تحم عنا مناظره أتهجر بيتاً بالحجاز تلعبت ... به الحرب، والأعداء، أم أنت زائره فإن آته لا أنج إلا بظنةٍ ... وإن يأته غيري تنط بي جرائره ومستخبر عنها؛ ليعلم ما الذي ... لها في فؤادي، ود أني أحاوره تركت على عمياء ظن ولم أكن ... إذا ما وشى واش بليلي أناظره وقال آخر: أمر مجنباً عن بيت ليلى ... ولم ألمم به وبي الغليل أمر مجنباً وهواي فيه ... وطرفي عنه منكسر كليل وقلبي فيه مرتهن فهل لي ... إلى قلبي ومالكه سبيل؟! فآمل أن أعل بشرب ليلى ولم أنهل فكيف لي العلول؟ وقال آخر: وإني وإن لم آت أبيات بحدل ... إلى أم يحيى من مدى العين ناظر بنفسي مجرى الطوق منها وحبذا ... إلينا غشاشاً طرفها المتشازر وقال أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن [خالد بن] محرث: لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل وإن حديثاً منك لو تبدلينه ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل فتلك التي لا يذهب الدهر حبها ... ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل ولو أن ما عند ابن بجرة عندها ... من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل وقال آخر: ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حب أهلك ما أتيت ألا يا بيت أهلك أوعدوني ... كأني كل ذنبهم جنيت وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري: أيا جارة البيت الممنع جاره ... رحلت ومن لي عندكم بمقيل نسيت مكان العقد من دهش النوى ... وعلقته في وجنة ومسيل وأرسلت طيفاً خان لما بعثته ... فلا تثقي من بعده برسول أسرت أخانا بالخداع وإنه ... يعد إذا اشتد الوغى بقبيل فإن تطلقيه ترتجى شكر قومه ... وإن تقتليه تؤخذي بقتيل وإن عاش لاقى ذلة، واختياره ... وفاة عزيز، لا حياة ذليل وقال أبو نواس: أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير فإن كنت لا خلماً ولا أنت زوجة ... فلا برحت دوني عليك ستور وجاورت قوماً لا تجاور بينهم ... ولا وصل إلا أن يكون نشور يقول فيها: تقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغنى متطلب؟! ... بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت لها ... واستعجلتها بوادر جرت فجرى في جريهن عبير : ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور؟! فتى يشترى حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور

стр. 95

روى الفرزدق قال: أبق غلامان لرجل منا، فخرج في طلبهما، فلما صار في ماء لبني حنيفة ارتفعت له حلة، قال: فعدلت إلى بعض ديارهم، وسألت القرى، فأجابوا، فدخلت الدار، وأنخت الناقة، وجلست تحت ظلة لهم من جريد النخل، وفي الدار جارية سوداء، إذ دخلت جارية، كأنها سبيكة فضة، فقالت للسوداء: لمن هذه الناقة؟ قالت: لضيفكم، فعدلت إلي، فسلمت، فرددت السلام، وقالت: من الرجل؟ قلت: رجل من بني حنظلة، قالت: من أيهم؟ قلت: من بني نهشل، فتبسمت، ثم قالت: أنت إذن ممن عناه الفرزدق بقوله: إن الذي رفع السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع، وأبو الفوارس نهشل فضحكت، فقالت: فإن ابن المراغة قد نقض عليكم بيتكم هذا حيث يقول: أخزى الذي رفع السماء مجاشعاً ... وبنى بناءك بالحضيض الأسفل بيتاً يتمم قينكم بفنائه ... دنس مقاعده خبيث المأكل قال: فوجمت، فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا عليك، فإن الناس يقولون ويقال لهم، ثم قالت: أين تؤم؟ قلت: اليمامة فتنفست الصعداء، ثم قالت: تذكرني بلاداً خير أهلي ... بها أهل المروءة والكرامة ألا فسقى الإله أجش صوب ... يسح بدره بلد اليمامة وحيا بالسلام أبا نجيد ... وقل له التحية والسلامة قال: فأنست بها، وقلت: أخالية أم ذات بعل؟ فقالت: إذا رقد النيام فإن عمراً ... تؤرقه الهموم إلى الصباح تقطع قلبه الذكرى وقلبي ... فلا هو بالخلي ولا بصاح سقى الله اليمامة دار قوم ... بها عمرو يحن إلى الرواح فقلت لها: ومن عمرو؟ فأنشأت تقول: سألت، ولو علمت بحال عمرو ... ومن لك بالجواب سوى الخبير؟! فإن تك ما علمت، فإن عمراً ... لكالقمر المضيء المستنير وما لي بالتبعل مستراح ... ولو رد التبعل لي أسيري ثم سكتت سكتة، كأنها تسمع إلى كلام، ثم تهافتت، وقالت: تخيل لي هيا عمرو بن كعب ... كأنك قد حملت على السرير فإن تك هكذا يا عمرو إني ... مبكرة عليك إلى القبور ثم شهقت شهقة فخرت ميتة، فقلت: من هذه؟ قالوا: هذه عقيلة بنت الضحاك بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء: فقلت لهم: ومن عمرو هذا؟ قالوا: ابن عمها، عمرو بن كعب [بن عمرو] بن محرق، قال: فارتحلت من عندهم، فلما دخلت اليمامة، سألت عن عمرو، فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قالت فيه ما قالت. قال مهيار: استودع الله في أبياتكم قمراً ... تراه بالشوق عيني، وهو محجوب أرضاه أسخط أو أرضى تلونه ... وكل ما يفعل المحبوب محبوب وقال البحتري: مقام الفتى في الحي حياً مسلماً ... معافى مقام ذلة بالفتى يزري متى ما تنم في ظل بيتك عاجزاً ... تصبك خطوب الدهر بالناب والظفر وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري: لزمت بيتاً بناه الجد من مدر ... كأنه بيت شعر ليس يتزن إذا شتوت فمن توكافه عنتي ... وبالحرور إذا ما صفت يقترن عدم فحسبي، وعين غير مبصرة ... وشقوة وحليف الشقوة اليفن لولا القناعة جاءتني بمملكة ... لهتكت دوني الأستار والجنن وقال آخر: وليلة واكف لا نوم فيها ... سهرت بها إلى الصبح الفتيق ترق قلوب جيرتنا علينا ... إذا نظروا إلى الغيم الرقيق حماني النوم فيه سقف بيت ... كأن سماءه عين المشوق تواصلت السحائب وهو بيت ... وصدت وهو قارعة الطريق وقال آخر: وبيت تساوى والغمام وإنه ... لآغزر منها دمعة حين تذرف إذا السحب عنه أقلعت فلو كفه ... سحاب هتون ماؤها ليس ينزف فثؤبي من توكاف أسود سقفه ... وتربته الحمراء برد مفوف فدعه، ونم تحت السحاب فإنه ... سحاب ولكن صيب الجو أنظف وقال آخر: بيتي ستور العنكبوت ستوره ... ومطارح الغبراء فيه مطارحي وإذا أصابته السماء بطلها ... فسماؤه تهمي بوكف سافح وكأنني من ضيقه وظلامه ... ميت دفين في ثرى وصفائح وقال آخر: العنكبوت بنت بيتاً على وهو ... تأوى إليه ومالي مثلها وطن

стр. 96

والخنفساء لها من حشها سكن ... وليس لي مثلها إلف ولا سكن وقال آخر: إذا نحن جئنا للسلام ورفعت ... ستورك، فانظر ما به أنا خارج فسيان بيت العنكبوت وجوسق ... على الشط ما لم تقض فيه الحوائج وقال أبو القاسم أسعد بن إبراهيم، وتروى لابن الشقاق: رأيت ليوسف في بيته ... فخربه الله بين البيوت حصير صلاة علاه الغبا ... ر، وقد نسجت فوقه العنكبوت فقلت له: كم لهذا الحص ... ير، وكم لك لم تقر فيه القنوت؟ فقال: هنالك ألفيته ... وثم يدوم إلى أن أموت وقال آخر: لما رأيت الزمان نكساً ... وليس في أهله انتفاع لزمت بيتي وصنت نفساً ... لها عن الذلة امتناع أشرب مما اقتنيت راحاً ... لها على راحتي شعاع لي من قواريرها ندامى ... ومن قواقيزها سماع وأجتني من ثمار قوم ... قد أوحشت منهم الرباع قال الأحنف بن قيس: جزية المسلم كرى بيته، وذلك رقبته، وعذاب الرجل سوء خلق امرأته. وقال آخر: وبيت خلا من كل خير علمته ... وضاق علينا وهو رحب المساكن كأنا مع الجدران في جنباته ... دمى، في انقطاع الرزق لا في المحاسن وقال ابن المرعزي النصراني: نزلت في آل مكحول، وضيفهم ... كنازل بين سمع الأرض والبصر لا تستضيء بضوء في بيوتهم ... إن لم يكن لك تطفيل على القمر وقال آخر: يريد إهال النحض، والنحض معوز ... وليس لنا ناب يكب ولا بكر ولا ضأن يغنينا، ولا ماعز لنا ... ويقبح أن يشكى إلى جارنا الفقر ونحن أناس منفضون بمعزل ... عن الخير، لا بر لدينا، ولا تمر ولو كان في الأرض العريضة نابت ... رعينا، ولكن لا نبات ولا قطر فدنونك هذا البيت فاستتري به ... وأستر منه إن رضيت به القبر روى أن رجلاً تعاهد هو وامرأته: أيهما مات لا يتزوج الآخر بعده، فمات الرجل، فلما أوفت الامرأة العدة، خطبت، فامتنعت، فما زلن بها النساء يسهلن عليها الأمر، ويشرن عليها بالزوج، حتى أجابت، وحمل إليها الصداق، فرأت قبل دخلوها بليلة كأن زوجها قد وقف ببابها، ومد يديه فأخذ عضادتي الباب، وقال: حييت ساكن هذا البيت كلهم ... إلا الرباب، فإني لا أحييها استبدلت بدلاً مني، فقد علمت ... أن القبور توارى من ثوى فيها فاستيقظت مرعوبة، وقد حفظت الأبيات، فردت ما قدم لها، وقالت: والله لا ضمني وبعلاً بيت أبداً. وقال مهيار: نعم سقى الله بيوتاً بالحمى ... مسدلة على الدمى أستارها وأوجها يشف من أثوابها ... عنصرها الكريم [أ] ونجارها وقال الفرزدق: عزفت بأعشاش وما كدت تعزف ... وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف ولج بك الهجران حتى كأنما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تيلف وقال جميل بن معمر العذري: ثلاثة أبيات: فبيت أحبه ... وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي ألا أيها البيت الذي حيل دونه ... بنا أنت من بيت، وأهلك من أهل بنا أنت من بيت دخولك لذة ... وظلك لو يسطاع بالبارد السهل وقال آخر: ألا هل إلى الأبيات بالحبل ذي الغضى ... ذراهن أو أظلالهن سبيل بنفسي من قد حيل دون لقائه ... ومن حبه حب على ثقيل وقال إبراهيم بن خفاجة - في الحمام -: أهلاً ببيت النار من منزل ... شيد لأبرار وفجار نقصده ملتمسي لذة ... فندخل الجنة في النار نزل حماد عجرد على محمد بن طلحة، فأبطأ عليه بالطعام، واشتد جوع حماد، فقال: زرنا امرأ في بيته مرة ... له حياء وله خير يكره أن يتخم أضيافه ... إن أذى التخمة محذور ويشتهي أن يؤجروا عنده ... بالصوم، والصائم مأجور فقال هل محمد: عليك لعنة الله، ما حملك على هذا؟ قال: الجوع وحياتك، وإن زدت في الإبطاء زدت في القول، فبادر بإحضار المائدة. وقال صخر بن الجعد: مررت على أبيات كاس فأسبلت ... مدامع عيني، والرياح تميلها وفي دارهم قوم سواهم فأسبلت ... دموع من الأجفان باق مثيلها

стр. 97

كذاك الليالي، ليس فيها بسالم ... صديق، ولا يبقى عليها خليلها ١٦- فصل في بكاء الأهل والإخوان قلت: هذا الفصل كان موضعه صدر الكتاب؛ إذ كانت المنازل والديار إنما تبكي لسكانها من الأهل والإخوان والأحباب، لكني أخرته؛ لأختم به الكتاب. روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - أنه كان كثيراً ما يتمثل بهذا الشعر: ألا قد أرى والله أن لست منكم ... ولا أنتم مني، وإن كنتم أهلي وإني ثوى قد أحم انطلاقه ... يحييه من حياه وهو على رجل ومنطلق منكم بغير صحابة ... وتابع إخواني الذين مضوا قبلي ألم أك قد صاحبت عمراً ومالكاً ... وأدهم يغدو في فوارس أو رجل؟! وصاحبت شيباناً وصاحبت ضابئاً ... وصاحبني الشم الطوال بنو شبل أولئك إخواني مضوا لسبيلهم ... يكاد ينسيني تذكرهم عقلي يقول أناس أخلياء: تناسهم ... وليس بناس مثلهم أبداً مثلي أولاك أخلائي إذا ما ذكرتهم ... بكيت بعين ماء عبرتها كحلي وكانوا إذا ما القر هبت رياحه ... وضم سواد الليل رحلاً إلى رحل يدرون بالسيف الوريدين والنسا ... إذا لم يقم راعي أناس إلى رسل إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم ... وإن قتلوا لم يقشعروا من القتل فكم من أسير قد فككتم قيوده ... وسجل دم أهرقتموه على سجل وقال يزيد بن ضبة بن مقسم: لم ينس سلمى فؤادك السدك ... وكيف تصبو وأنت محتنك؟ لو كان ما واحداً هواك لقد ... أقصرت، لكن هواك مشترك تقول سلمى ... واستنكرت : عجباً ما بال أشياء منك تنتهك فقلت: من ترحة، ومن أسف ... أبناء عوف ومالك هلكوا خلوا فجاجاً علي فانخرقت ... لم يستطع سدهن من تركوا وقال وعيل العبسي: ألم ترني بعد الذين تتابعوا ... وكانوا الألى أعطي بهم وأمانع كذي وقرات كدن يكسرن عظمه ... ولن تلبث العظم الصحيح القوارع فإني وتأميلي الحياة، وقد مضوا ... كمحتبس عن مطلع، وهو طالع وقال مقاس بن شريك بن عمرو، حليف لبني شيبان: بكيت شريكاً في الغوار، وأسودا ... وذو العلق حتى ما بعيني من بلل رجالاً له ربعية المجد لم يخف ... مجاورهم ريب الحوادث والزلل وكنا بهم نرعى الجميع، ونأكل الر ... بيع، ونكفي حامل الغرم ما حمل وقال ابن المعتز: لله أقوام فقدتهم ... سكنوا بطون الأرض والحفرا وقال نهار بن توسعة، يرثي أخاه عتبان: عتبان قد كنت امرأ لي جانب ... حتى رزئتك، والجدود تضعضع قد كنت أشوس في المقادة سادراً ... فنظرت قصدي واستقام الأخدع وفقدت إخواني الذين بعيشهم ... قد كنت أعطي ما أشاء وأمنع فلمن أقول، إذا تلم ملمة ... أرني برأيك، أو إلى من أفزع؟! وقال البراء بن ربعي: أبعد بني أمي الذين تتابعوا ... أرجى حياة، أو من الموت أجزع؟! ثمانية كانوا ذؤابة قومهم ... بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع وكانوا كنبل المرتمى في كنانة ... فأضحت وما فهيا من النبل أهزع وقال أبو كبير الهذلي: ولرب من طأطأته في حفرة ... من كل مقتبل الشباب محبر ثم انثنيت، فلا أبثك خيبتي ... رعش القيام أميس ميس الأصور وقال آخر: أصبحت بعد مضرس ومغلس ... غرضاً بصردحة لمن راماني فلأرمينهم ... برغم أنوفهم أبداً على عدم من الفتيان أنشد أبو زيد عن المفضل: أخ لا أخا لي غيره، غير أنني كراعي الخيال يستطيف بلا فكر فإن حراماً أن أرى الدهر باكياً ... على إلفه إلا بكيت على عمرو وقال هذيلة بن سماعة بن أشول: وعاذلة باتت بليل تلومني ... فبت كأن الهم قرن أجاذبه ذكرت بني سهل وبيني وبينهم ... شراج الحمى أركانه ومناكبه أجدى لن ألقى زياداً، ولا أرى ... قناناً يقود الخيل شعثاً ذوائبه ولا مثل فتيان تولوا بمنعجٍ ... عجالي إذا ما الخوف أوضع راكبه رجالاً لو أن الصم من جانبي قنا ... هوت مثلهم منه لزلت جوانبه

стр. 98

وقال الفرزدق، همام بن غالب، يرثي همام بن ناشرة، أحد بني عامر: وقفت فأبكتني بدار عشيرتي ... على رزئهن الباكيات الحواسر غدوا كسيوف الهند وراد حومة ... من الموت أعيا وردهن المصادر محامين حاموا عن حريم، وحافظا ... بدار المنايا، والقنا متشاجر كأنهم تحت الخوافق إذ غدوا ... إلى الموت أسد الغابتين الهواصر ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدت، ولكن تحمل الرزء عامر عن الشعبي قال: كنت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضوان الله عليهما - فأنشدته قول حارثة بن بدر الغداني: وكان لنا نبع تقينا فروعه ... فقد بلغت إلا قليلاً عروقها وشيب رأسي واستخف حلومنا ... رعود المنايا حولنا وبروقها وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... وتترك أخرى مرة ما تذوقها رأيت المنايا باديات وعوداً ... إلى دارنا، سهلاً إلينا طريقها وقد قسمت نفسي فريقين: منهما ... فريق مع الموتى، وعندي فريقها فقال لي ابن جعفر ﵄: نحن كنا أحق بهذا الشعر، وجاءه غلام بدراهم في منديل، فقال: هذه غلة أرضك بمكان كذا وكذا، فقال: ألقها في حجر الشعبي، فرمى بها إلي وقال أبو دواد الإيادي: لا أعد الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام من رجال من الأقارب فادوا ... من خذام، هم الرؤوس العظام [فادوا] يريد ماتوا [خذام] : قبيلة. من رجال أبوهم وأبو عمرو وكع ... ب بيض الوجوه وسام وشباب كأنهم أسد غيل ... حالفت فرط حدها الأحلام (حالفت ... إلخ) يريد خالط حدتهم حلم. وكهول بني لهم أولوهم ... مأثرات يهابها الأقوام فيهم للملاينين أناة ... وعرام إذا يراد العرام وسماح لدى السنين إذا ما ... قحط القر، واستقل الغمام (استقل) : ارتفع سلط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام وكذاكم يصير كل أناس ... سوف حقاً تبليهم الأيام فعلى إثرهم تساقط نفسي ... حسرات، وذكرهم لي سقام وقال الشريف الرضي ﵁: بني أبي، قد رمى فيكم بشكته ... ونال ما شاء هذا الأزلم الجذع كنتم نجوماً لدى الدهناء زاهرة ... تضيء منها الدياجي السود والدرع إن تخب أنواركم من بعد ما صدعت ... ثوب الدجى، فلضوء الصبح منقطع أرسى النسيم بناديكم، ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع وقال زبان بن منظور بن سيار: لئن فجعت بالقرناء يوماً ... لقد متعت بالأمل البعيد وما تجد المنية فوق نفسي ... ولا نفس الأحبة من مزيد ألسنا أنفساً، وبني نفوس ... ولسنا بالسلام ولا الحديد قال الأصمعي: أنشدني المذحجي لأم معدان الأنصارية: لا يبعد الله فتياناً رزئتهم ... بانوا لوقت مناياهم فقد بعدوا أضحت قبورهم شتى، وتجمعهم ... زو المنون، ولم يجمعهم بلد الزو: الهلاك واختلاف المنية ميت بمصر، وميت بالعراق ومي ... ت بالحجاز، منايا بينهم بدد رعوا من المجد أكنافاً إلى أجل ... حتى إذا بلغت أظماؤهم وردوا كانت لهم همم فرقن بينهم ... إذا القعاديد عن أمثالها قعدوا فعل الجميل، وتفريج الجليل ... وإعطاء الجزيل إذا لم يعطه أحد قلت: لي أبيات تشبه معنى هذه الأبيات، وهي شرح حال صحيحة، لا على مذاهب الشعراء وذلك أنني مر بي قول رسول الله ﷺ : "من زار قبر أبويه، أو أحدهما في كل جمعة غفر له، وكتب براً" فآسفني ما حرمته من زيارتهما، وشتات شملنا أحياء وأمواتاً، فقلت: نافستني صروف دهري في الفو ... ز ببر الآباء في الرجم لو كنت أسطيع أن أزورهما ... مشياً على الرأس لا على القدم لكن بمصر قبر، وفي شي ... زر قبر وداري بمنتأى العجم والظلم في الأرض ما نعي كل ... ل ما أبغيه حتى زيارة الرمم وما ظننت الذي لقيت من الد ... نيا تراه عيناي في الحلم وقال آخر:

стр. 99

وكانوا ... بني كن كثراً فأصبحوا بني الأرض، قد وارتهم غير واحد وقد خط للباقي المخلف أنه ... لما وردوا من حومة الموت وارد وقال أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خالد، وهلك له بنون خمسة في عام واحد أصابهم الطاعون، وكانوا توجهوا إلى مصر: أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع؟! قالت أميمة: ما لجسمك شاحباً ... منذ ابتدلت ومثل مالك ينفع أم مالجنبك لا يلائم مضجعاً ... إلا أقض عليك ذاك المضجع فأجبتها أن مالجسمي أنه ... أودى بني من البلاد فودعوا أودى بني وأعقبوني حسرة ... بعد الرقاد، وعبرة ما تقلع سبقوا هوى، وأعنقوا لهواهم ... ففقدتهم، ولكل جنب مصرع ولبثت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... وإذا المنية أقبلت لا تدفع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فالعين بعدهم كأن حداقها ... كحلت بشوك فهي عور تدمع حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقر كل يوم تقرع وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع وقال أبو ذؤيب أيضاً: فإنك ... حقاً أي نظرة ناظر نظرت، و"وقف" دونها و"قبر" ديار التي قالت ... غداة لقيتها : صبوت أبا ذيب وأنت كبير تغيرت بعدي أو أصابك حادث ... من الدهر، أم مرت عليك مرور فقلت لها: فقد الأحبة، إنني حديث بأرزاء الكرام جدير فراق كنغض السن، فالصبر، إنه ... لكل أناس عثرة وجبور "نغض السن: تحريكها، قال الله تعالى (فسينغضون إليك رؤوسهم) أي يحركونها، ويروي "كقيض السن" وقيضها: انشقاقها. فأصبحت أمشي في ديار كأنها ... خلاف ديار الكاهلية عور "يقال: خلف أعور، إذا كان فاسداً، يقول: هذا الدار خلف أعور من هاتيك" أنادي إذا أوفى من الدهر مربئاً ... لأي سميع، لو أجاب بصير وقال إبراهيم بن هرمة: تفانوا، ولم يبقوا، وكل قبيلة ... سريع إلى ورد الفناء كرامها وكيف وقد صاروا عظاماً وأقبراً ... يصيح صداها بالعشي وهامها؟! وقال أبو العيص بن حزام: وكم من صاحب قد ناء عني ... رميت بفقده وهو الحبيب فلم أبد الذي تخفى ضلوعي ... عليه وإنني لأنا الكئيب مخافة أن يراني مستكيناً ... عدو، أو يساء به قريب فيشمت كاشح، ويظن أني ... جزوع عند نائبة تنوب فبعدك مدت الأعداء طرفاً ... إلى ورابني دهر مريب وأنكرت الزمان، وكل أهلي ... وهرتني لغيبتك الكليب وكنت تقطع الأبصار دوني ... وإن وغرت من الغيظ القلوب ويمنعني من الأعداء أني ... وإن رغموا لمخشى مهيب فلم أر مثل يومك كان يوماً ... بدت فيه النجوم، فما تغيب وليل ما أنام به، طويل ... كأني للنجوم به رقيب وما يك جائياً لا بد منه ... إليك فسوف تجلبه الجلوب وقال كتير بن عبد الله، وهو ابن الغريرة، وهي أمه: ألا من لشوق آخر الليل شائق ... وقلب كمكسور الجناحين خافق وصب حزين كلما جن ليله ... تذكر ذكرى من حبيب مفارق فلا تعذليني يا ابنة الخير إنما ... تخرمت الأيام مني أصادقي فأصبحت رهناً بعدهم في ديارهم ... كمستوثق منه، وليس بآبق وقال الحارث بن عوف الجشمي: فإن تكن الحوادث غيرتني ... فلم أر هالكاً كابني زياد هما رمحان خطيان كانا ... من السمر المثقفة الجلاد تهال الأرض أن يطآ عليها ... بمثلهما تسالم أو تعادي وقال تميم بن أبي بن مقبل العجلاني: تذكرت إخواني الذين عهدتهم ... كأن لم يكن شكلي لهم مرة شكلا هجرتهم من غير بغض ولا قلى ... ولكن مر الدهر كان لهم شغلا وقال محمد بن خالد بن الوليد بن عقبة: هل في الخلود إلى القيامة مطمع ... أم للمنون عن ابن آدم مدفع؟! هيهات ما للنفس من متأخر ... عن وقتها، لو أن علمك ينفع

стр. 100

أين الملوك، وعيشهم فيما مضى ... وزمانهم فيهم وما قد جمعوا؟! ذهبوا، ونحن على طريقة من مضى ... منهم، فمفجوع به، ومفجع عثر الزمان بنا، فأوهى عظمنا ... إن الزمان بما كرهت لمولع وقال إبراهيم بن كنف: تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً ... لحادثة أو كان يغني التذلل لكان التعزي عند كل مصيبة ... ونائبة بالحر أولى وأجمل فكيف، وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مزحل فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤسي ونعمي والحوادث تفعل فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للتي ليس تجمل ولكن رحلناها نفوساً أبية ... تحمل ما لا تستطيع فتحمل وقال أبو الحسن علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: هبني بقيت على الأيام والأبد ... ونلت ما شئت من مال ومن ولد من لي برؤية من قد كنت آلفهم ... وبالزمان الذي ولى فلم يعد؟! لا فارق الحزن قلبي بعدهم أبداً ... حتى يفرق بين الروح والجسد وقال آخر: صبرت ابتغاء الأجر بعد خويلد ... وبعد رزام والنفوس توالف وبعد الفتى فجر وليث تتابعاً ... فلم يبقى بعد الإلف إلا المعارف فقد جعلت نفسي تلذ إتّباعهم ... كما لذ برد الماء حران صائف غاب شبيب بن البرصاء عن أهله غيبة، ثم عاد بعد مدة، وقد مات جماعة من أهله، وبنى عمه، فقال: تخرم الدهر إخواني وغادرني ... كما يغادر ثور الطارد الفرد إني لباق قليلاً ثم لاحقهم ... ووارد منهل الحوض الذي وردوا وقال العتبي: ينام المسعدون ومن يلوم ... وتوقظني وأوقظها الهموم صحيح بالنهار لمن يراني ... وليلى لا ينام ولا ينيم كأن الليل محبوس دجاه ... وأوله وآخره مقيم لمهلك فتية تركوا أباهم ... وأصغر ما به منهم عظيم يذكرنيهم ما كنت فيه ... فسيان المساءة والنعيم وبالخدين من دمعي ندوب ... وبالأحشاء من وجدي كلوم فإن يهلك بني فليس شيء ... من الدنيا على أحد مقيم وقال أبو زبيد الطائي: من رأى العير لابن أروى على ظه ... ر المروري حداتهن عجال مصعدات، والبيت بيت أبي وه ... ب خلاء تهب فيه الشمال يعرف الجاهل المضلل أن الد ... هر فيه النكراء والزلزال ليت شعري! كذاكم العهد أم كا ... نوا أناساً كمن يزول فزالوا بعد ما تعلمين يا أم زيد ... كان فيهم عز لنا وجمال من وجوه بودنا مشرقات ... ونوال إذا أريد النوال وقال البريق بن عياض الهذلي: ما إن أبو زيد برث سلاحه ... جبان وما إن وجهه بدميم وكنت إذا الأيام أحدثن نكبة ... أقول: شوى، ما لم يصبن صميمي يقال: رمى فأصمي، إذا أصاب مقتلاً، ورمى فأشوى، إذا لم يصب مقتلا. أصبن أبا زيد، ولا حي مثله ... وكان أبو زيد أخي وحميمي فأصبحن لا أدعو من الناس واحداً ... سوى ولدة في الدار غير حكيم (يقول: لم يبق الموت إلا الأطفال) . كأن عجوزي لم تلد غير واحد ... وماتت بذات الشرى غير عقيم (الشرى: الحنظل، [وذات الشرى] : موضع) . يقول: كانت كثيرة الولد، فماتوا، ويقيت أنا وحدي؛ فكأنها لم تلد غيري. وقال وضاح اليمن، واسمه عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال: كأني إذ أكفكف دمع عيني ... وأنهاها، أقول لها: هريقي سأصبر للقضاء، فكل حي ... سيلقى سكرة الموت المذوق فما الدنيا بقائمة وفيها ... من الأحياء من عين رموق فأغناهم كأعدمهم إذا ما ... تقضت مدة العيش الرقيق كذلك يبعثون وهم فرادى ... ليوم فيه توفية الحقوق وقال أبو سعيد، مولى قايد: أثر الدهر في رجالي فقلوا ... بعد جمع، فراح عظمي مهيضا ما تذكرتهم فتملك عيني ... فيض دمعي، وحق لي أن تفيضا وقال أيضاً:

стр. 101

أولئك قومي بعد عز وثروة ... تفانوا، فإلاتذرف العين أكمد أرى أسرتي في كل يوم وليلة ... يروح بهم ريب المنون ويغتدي كأنهم لا ناس للموت غيرهم ... وإن كان فيهم منصف غير معتقد وقال نصيب، يرثي عبد العزيز بن مروان: عرفت، وجربت الأمور فما أرى ... كماض تلاه الغابر المتأخر ولكن أهل الفضل، من أهل نعمتي ... يمرون أرسالاً أمامي وأغبر فإن أبكهم أعذر، وإن أغلب الأسى ... بصبر فمثلي عندما اشتد يصبر دخل نصيب على عبد الملك بن مروان، فاستنشده ما قال في أخيه عبد العزيز، فلما أنشده هذه الأبيات، قال: أنا كنت أولى منك بهذا القول. وقال عصيمة التيمي -[من] تيم الله بن ثعلبة -: ولو أن قومي مثل قوم عباعب ... وإخوتهم ما استيق ظلماً ركائبي ولكن أصابتهم خطوب، وأخطأت ... رجالاً أروني بالنهار كواكبي وقال أبو عبد الله القزاز، وهو محمد بن جعفر النحوي من أبيات: واحسرتا، مات إخواني وأقراني ... وشتت الدهر خلاني وأعواني وغيرت غير الأيام خالصتي ... والمصطفى الحر من أهلي وجيراني وصار من كنت في السراء أذكره ... بل لست أنساه في الضراء ينساني وقال الفقيه أبو طاهر إبراهيم بن خفاجة المغربي: أإخواني، ولا إخوان صدق ... أصافي بعدكم إلا الصفاح لحسن الصبر دونكم حران ... وللعبرات بعدكم جماح فديتكم بنفسي من كرام ... يهز بهم معاطفه السماح أرى بهم النجوم ولا ظلام ... وأوضاح النهار ولا صباح لهم همم كما شمخت جبال ... وأخلاق كما دمثت بطاح قيل إن الرشيد أحضر بعض جواري البرامكة - بعد نكبتهم - وقال لها: غنى، فغنت: أبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا، وريب الدهر عداء فظلت أبكيهم طوراً وأندبهم ... حتى أنثنيت، وما في مقلتي ماء وقال آخر: مضوا بدداً عني وحلق بعدهم ... بما سرني في العيش قادمتا نسر فما أغمض الأجفان إلا على قذى ... ولا أقلب الجنبين إلا على جمر وأصبحت أعفو عن ذنوب كثيرة ... وأحمل زلات الصديق على الدهر واعذر قوماً لو أحاكم بعضهم ... إلى نفسه أغضى حياء من العذر وقال آخر: نقبوا في البلاد من حذر المو ... ت، وجالوا في الأرض كل مجال ثم صاروا إلى التي خلقوا من ... ها، وكل مصيره لزوال وقال آخر: ثوى بين الحريش وتل محرى ... فوارس من نمارة غير ميل فلا فرحين إن نعماء واتت ... ولا جزعين للخطب الجليل وقال ابن الرومي: قد كنت أبكى على من مات من سلفي ... وأهل ودي جميع غير أشتات فالقيوم ... إذ فرقت بيني وبينهم نوى بكيت على أهل المودات وما حياة امرئ أضحت مدامعه ... مقسومة بين أحياء وأموات؟! وقال عنان جارية النطاف: نفسي على حسراتها موقوفة ... فوددت لو خلصت من الحسرات لو في يدي حساب أيامي إذن ... خطرفتهن تعجلاً لوفاتي لا خير بعدك في الحياة وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي وقال الحسين بن الضحاك: تخون الدهر منا إذ تخونهم ... ما لا يعود علينا آخر الأبد يا ليت شعري إذا ما برمك درجت ... وأصبح الفرح المسرور ذا كمد هل يستقل كيحيى بعده بشر ... أم هل يجود كجود الفضل من أحد؟ وقال شقران: ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمور الماضيات وكيل [ويروى: أبا] أوفى. وإن افتقادي واحداً بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الفراق قليل وقال أبو العتاهية: كم من أخ لي لا يرى ... متصرفاً فيمن تراه أمسى قريب الدار في ال ... أجداث قد شحطت نواه قد كان مغتراً بيو ... م وفاته حتى أتاه الناس في غفلاتهم ... والموت دائرة رحاه فالحمد لله الذي يبقى ويهلك من سواه وقال آخر:

стр. 102

أخلاي من أهل القبور: عليكم الس ... لام، أما من دعوة تسمعونها؟ ولا من كلام ترجعون جوابه ... إلينا، ولا من حاجة تلطبونها سكنتم ظهور الأرض في الدهر برهة ... فلم تلبثوا حتى سكنتم بطونها وقد كان في الدنيا قرون كثيرة ... ولكن ريب الدهر أفنى قرونها وقال أصرم بن حميد - وقيل: هي لمفضل العمى: عادات قومي من بني أسدٍ ... ريُّ القنا، وخضاب كل حسام لهفي على قتلى النباج فإنهم ... كانوا الذرى ورواسي الأعلام كانوا على الأعداء جمراً محرقاً ... ولقومهم حرماً من الأحرام لا تهلكي أسفاً، فإني واثق ... برماحنا وعواقب الأيام وصف أعرابي قومه فقال: كانوا والله ليوث حرب، وغيوث جدب، إن قاتلوا أبلوا، وإن أعطوا أغنوا، ثم عجل لهم الدهر ما أخر لغيرهم. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - لعمرو بن معد يكرب الزبيدي: صف لي قومك، فقال: نعم القوم عند السيف المسلول، والخير المسؤول، والطعام المأكول. وقال آخر: أبعد بني بكر أؤمل مقبلاً ... من الدهر أو آسى على فقد مدبر؟! وليس وراء الفوت شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر، فاصبر وقال ابن المعتز: أشكو إلى الله أحداثاً من الزمن ... برينني مثل بري القدح بالسفن لم يبق في العيش لي إلا مرارته ... إذا تذوقته، والحلو منه فني يا نفس صبراً، وإلا فاهلكي جزعاً ... إن الزمان على ما تكرهين بني وقال الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي: أثبت بالحظ لو ناديت مستعماً ... والحظ عني بالجهال في شغل تقدمتني رجال كان شوطهم ... وراء ظهري لو أمشى على مهل هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل فإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل وقال بيهس ... ويلقب نعامة وقد قتل إخوته: أرقاداً أردت أم تهويما ... أم عرتك الهموم، فانف الهموما لا، بل الحادث الجليل من الخط ... ب أتاني، فبت أرعى النجوما عين فابكي الحماة للمجد، وابكي ... من يجير الجاني ويحمي الحريما وقال ابن المعتز: أسد الوغى وبدور أن ... دية، وفرسان المنابر خاضوا غدير الموت من ... جرداً من الأقذاء حاسر فمضوا وأبقوا آجناً ... مراً تقسمه الحناجر وقال أيضاً: لا يهنأ الدهر الخئ ... ون، ولا أساغ، فكم أكل فتك الزمان بمثله ... بطل أتيح له بطل من للمحامد، لا أقو ... ل عسى يكون، ولا لعل! أنشد ابن دريد عن أبي حاتم: ألا في سبيل الله ماذا تضمنت ... بطون الثرى، واستودع البلد القفر بدور، إذا الدنيا دجت أشرقت بهم ... وإن أجدبت يوماً فأيديهم القطر فيا شامتاً بالموت، لا تشمتن بهم ... حياتهم فخر، وموتهم ذكر حياتهم كانت لأعدائهم عمى ... وموتهم للفاخرين بهم فخر وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي: الدهر لاءم بين ألفتنا ... زمناً، وفرق بيننا الدهر وكذاك يفعل في تصرفه والدهر ليس يناله وتر كنت الضنين بمن فجعت به ... وسلوت حين تفاقم الأمر ولخير حظك في الرزية أن ... يلقاك عند نزولها الصبر وقال السيد بن برك الأسدي: أبعد أبي حصن حصين، ومالك وعبدة، أبكى الهالكين وأجزع أولئك إخوان الصفاء رزئتهم ... وما الكف إلا إصبع ثم إصبع كان الشمردل بن شريك المنقري خرج هو وإخوته: حكم، ووائل، وقدامة في جيش مع وكيع بن أبي سود، فبعث كل واحد منهم في جيش، فأتاه الشمردل، فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن تبعثنا معاً في وجه واحد؛ فإنا إذا اجتمعنا تعاونا، وتواسينا، وتناصرنا، فأبى عليه، وبعث كل واحد منهم في جيش، فقتل إخوته، وأتاه نعيهم، فرثاهم، قال: أعاذل كم من روعة قد شهدتها ... وغصة حزن من فراق أخ جزل إذا وقعت بين الحيازيم أسدفت ... على الضحى حتى يوسيني أهلي أقول ... إذا آسيت نفسي بإخوة مضوا لا ضعاف في الحياة ولا عزل

стр. 103

أبى الموت إلا أن كل بني أب ... سيمسون شتى غير مجتمعي الشمل سأبكي أخلائي الذي تبرضوا ... دموعي، حتى أسرع الحزن في عقلي كأنك لم نعش يوماً، ونحن بغبطة ... جميعاً، وينزل عند رحلهم رحلي كان متمم بن نويرة لا ينفك يبكي أخاه مالكاً، فخاف قومه عليه أن يذهب بصره من البكاء، فزوجوه أم خالد، لعله يسلو، ويكف عن البكاء، فبينا هو وضاع رأسه على فخذها، إذ بكى، فقالت: لا إله إلا الله، ألا تنسى أخاك في حال؟! فقال: أقول لها ... لما نهتني عن البكا : أفي مالك تلحينني أم خالد؟! فإن كان إخواني أصيبوا وأخطأت ... بني أمك أسباب الحتوف الرواصد فكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعيانهم غير واحد ذريني، فإن لا أبك لم أنس ذكره ... وإن أمرتني بالعزاء عوائدي ذريني، فكم من صالح قد رزئته ... أخ لي كصدر الهندواني ماجد بودي لو أني تمليت عمره ... بمالي من مال طريف وتالد وبالكف من يمنى يدي حياته ... ففارقني منها بناني وساعدي فعشنا لنا أيد ثلاث وإنما ... تصافي الحياة بذلها بالتحامد وقال متمم أيضاً: لعمري، وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزعاً، والدهر يعثر بالفتى لئن مالك خلي على مكانه ... لفي أسوة إن كان ينفعني الأسى كهول ومرد من بني عم مالك ... وأيسار صدق لو تمليتهم رضى سقوا بالعقار الصرف حتى تتابعوا ... كدأب ثمود إذ رغا بكرهم ضحى وهون وجي بعد ما كدت أنتحى ... على السيف حتى يبلغ الجوف والشحى رجال أراهم من ملوك وسوقة ... خبوا بعد ما نالوا السلامة والغنى على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه، وليبك من بكى على يسر منهم يسير، وفارس ... إذا ارتدف الشيء الحوارك والذرى إذا القوم قالوا من فتى؟ يوم نجدة ... فما كلهم يعنى، ولكنه الفتى تقول أمامة لما رأت ... نشوزي عن المضجع الأنفس وقلة نومي على مضجعي ... لدى هجعة الأعين النعس: أبي ما عراك؟ فقلت: الهمو ... م عرون أباك، فلا تبأسي لفقد الأحبة إذ نالها ... سهام من الحدث المؤيس رمتها المنون بلا نصل ... ولا طائشات ولا نكس بأسهمها المتلفات النفو ... متى ما تصب مهجة تخلس فصرعنهم بنواحي البلا ... ملقى بأرض ولم يرمس فذاك الذي غالني فأعلمي ... ولا تسأللي بامرئ مؤتس أولئك قومي أناخت بهم ... نوائب من زمن متعس قال: فرأيت دموع عبد الله بن حسن بن حسن ﵃ تتحدر على خده. ويروى أن هذا الشعر لأبي سعيد مولى فايد مولى عمر بن عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - يرثي قتلى بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا علي بن عبد الله بن العباس ﵃ وكان الرشيد لما حج أحضرأبا سعيد، وقال له: أنشدني قصيدتك: "تقول أمامة لما رأت ... فأنشده، وقال: يا أمير المؤمنين، كان القوم موالي، وأنعموا على، فرثيتهم ولم أهج أحداً، فتركه. وقال الأشهب بن رميلة: إن الألى حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد هم ساعد الدهر الذي يتقى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد أنشد النجيرمي لمنظور بن مرثد الراجز، يرثي مقاتلاً، وحبيشاً ابني جزء: أما تريني اليوم يا أم صالح ... طويلاً قيامي للأسى وقعودي فإن مصيبات أصبن مقاتلاً ... وأصحابه استجهلن كل جلدي وكانوا جمالي في الحياة وعدتي ... وحرزي إذا ما قلت أي أسودي وقال دعبل بن علي الخزاعي: كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت ... فقص مر الليالي من حواشيها هذا أبو القاسم الثاوي ببلقعة ... تسفي الرياح عليه من سوافيها هبت، وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيراً إذ يباريها أضحى قرى للمنايا إذ نزلن به ... وكان في سالف الأيام يقريها من للخصوم إذا جد الخصام بهم ... بعد ابن سعد، ومن للضمر القود وموقف قد كفيت الناطقين به ... في مجمع من نواصي الناس مشهود

стр. 104

فرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ وقلب غير مزؤود فقال الرشيد: أعد، فأعاد، فقال له: ويحك، كأن قائل هذا الشعر يصف يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه، ووصل الزبير بصلة سنية. وقال أبو خراش الهذلي، يرثي إخوته: فقدت بني لبنى فلما فقدتهم ... صبرت، ولم أقطع عليهم أناملي رماح من الخطي، زرق نصالها ... حداد أعاليها، شداد الأسافل فلهفي على ميت بنعمان للفتى ... ولهفي على ميت بقوس المعاقل حسان الوجوه طيب حجزاتهم ... كريم نثاهم غير لف معازل وقال آخر: أجدك ما تعفوا كلوم مصيبة ... على صاحب إلا فجعت بصاحب؟! تقطع أحشائي إذا ما ذكرتهم ... وتنهل عيني بالدموع السواكب وكن امرأ جلداً على ما ينوبني ... ومعترفاً بالصبر عند النوائب فهد أبو سفيان ركني، ولم أكن ... جزوعاً ولا مستنكراً للنوائب غنينا معاً بضعاً وخمسين حجة ... خليلي صفاء، ودنا غير كاذب فأصبحت لما حالت الأرض دونه ... على قربه مني كمن لم أصاحب وقال أعشى بني أسد، وهو خيثمة بن معروف، أخو الكميت بن معروف: نام الخلي، وبت الليل مرتفقاً ... كما تزاور يخشى دفه النكب إذا رجعت إلى نفسي أحدثها ... عمن تضمن من أصحابي القلب ازددت وجداً على وجد أكابده ... حتى تكاد بنات الصدر تلتهب فقد علمت وإن مليت بعدهم ... أني سأنهل بالشرب الذي شربوا وقال أبو العباس الأعمى، وهو السائب بن فروخ: آمت نساء بني أمية بعدهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام وقال أيضاً: ليت شعري من أين رائحة المس ... ك وما إن إخال بالخيف إنسي؟! حين غابت بنو أمية عنها ... والبهاليل من بني عبد شمس خطباء على المنابر فرسا ... ن، عليها، وقالة غير خرس لا يعابون صامتين، وإن قا ... لوا أصابوا، ولم يقولوا بلبس بحلوم، إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس عن خداش بن فراس النميري، قال: أغارت علينا بنو جشم بن بكر بظهر البشر، فأصابوا منا أخوين فارسين سيدين، يقال لأحدهما: مسعود، وللآخر حاتم، ابنا شيظم، وكانت لهما أخت سيدة برزة، يقال لها: رائطة بنت شيظم، فبكتهما، ورثتهما طويلاً، وكانت أحر ما تكون أسى وأسفاً، وأطول ما تكون حزناً ولهفاً، إذا صاح صائحنا، وذعر سارحنا، وركب فارسنا، ولقد رأيتها على مثل تلك الحال في بعض الأيام، وساس ثائرون والأصوات متواترة، والخيل متبادرة، والصارخ هاتف، وهي تندبهما، وتقول: لهفي على الأخوين كالأ ... سدين مسعود وحاتم السيدين المانعين الذ ... ائدين عن المحارم الفاتقين الراتقين السابقين إلى المكارم الضاربين جماجم ال ... أبطال بالبيض الصوارم والطاعنين بكل ما ... رنة وقاصمة وقاصم حدق الفوارس بالأس ... نة والقلوب لدى الغلاصم كانا يدي فشلتا ... بالساعدين وبالمعاصم فبقيت كالطير المقص ... ض ريشه واهي القوادم لا أستطيع، ولا أطي ... ق أرد عني كف ظالم مع كل رنة مأتم ... لي مأتم، وعلى ماتم فاليوم أخضع للذلي ... ل وللمجارب والمسالم وقال فاطمة بنت الأجحم بن دندنة الخزاعية، ترثي أباها. (والجحم: حمرة العين) . قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراح، وكنت أنت جناحي قد كنت لي جبلاً ألوذ بظله ... فتركتني أمشي بأجرد ضاح فالآن أخشع للذليل وأتقى ... منه، وأدفع ظالمي بالراح وإذا دعت قمرية شجناً لها ... يوماً على فننٍ دعوت صباحي وقع الطاعون بالكوفة، فأفنى بني غاضرة، ومات فيه بنو زر بن حبيش صاحب أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه، فقال ابن ميادة يرثيهم: أبعد بني زر وبعد ابن جندل ... وعمرو، أرجى لذة العيش في خفض مضوا وبقينا نأمل العيش بعدهم ... ألا إن من يبقى على إثر من يمضي وقال الخنساء بنت عمرو بن الشريد:

стр. 105

تعرقني الدهر نهساً وحزاً ... وأوجعني الدهر قرعاً وغمزاً وأفنى رجالي، فبادروا معاً ... فأصبح قلبي لهم مستفزا وكانوا سراة بني مالك ... وزين المقامة فخراً وعزا كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس في ذاك من عز بزا وقال البحتري يرثي المتوكل والفتح بن خاقان من قصيدة: مضى جعفر والفتح بين مزمل ... وبين صبيغ بالدماء مضرج أأطلب أنصاراً على الدهر بعدما ... ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي؟! أولئك ساداتي الذين بفضلهم ... حلبت أفاويق الربيع المثجج وقال توبة بن مضرس: وسائلة عن توبة بن مصرس ... وهان عليها ما أصاب به الدهر وسائلة أخرى حفي سؤالها ... إذا ذكرته فاض من دمعها غزر رأت إخوتي بعد ائتلاف تفرقوا ... فلم يبق إلا واحداً منهم شفر فلا وأبيك الخير، ما كان إخوتي ... معازيل أبراماً إذا جارد القطر أرب بهم ريب المنون كأنما ... على الدهر فيهم أن يفرقهم نذر وقال أيضاً: وقائلة لما رأت شيب لمتى ... لها ويلها! ما بال شعر أبي الجعد؟! برأسي خطوب ... لو علمت كثيرة أصبت بها ظلماً، وأطلبها وحدي تعرى المصيبات الفتى وهو عاجز ... ويلعب ريب الدهر بالجازم الجلد وإني امرؤ لا ينقض العجز مرتي ... إذا ما انطوى مني الفؤاد على الحقد ولست بمختار الحياة بسبة ... تثنى بها حياً على بنو سعد وقال دريد بن الصمة، يرثي إخوته: تقول: ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر فقلت: أعبد الله أبكي، أم الذي ... على الشرف الأعلى، قتيل أبي بكر؟ وعبد يغوث أم نديمي مالكاً ... وعز المصاب حثو قبر على قبر أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره، والقدر يجري على القدر قال أبو الفرج الأصبهاني: ذكر عند النبي ﷺ قس بن ساعدة الإيادي، فقال رجل: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجباً، فقال: وما رأيت؟ قال: بينا أنا بجبل يقال له: سمعنا، في يوم شديد الحر، إذا بقس بن ساعدة تحت ظل شجرة عند عين ماء، وعنده سباع، كلما زأر منها سبع على صاحبه ضربه بيده، وقال: كف حتى يشرب الذي ورد قبلك، قال: فرقت، فقال: لا تخف، وإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران اللذان أراهما؟ قال: هما قبرا أخوين كانا لي، فماتا، فاتخذت بينهما مسجداً أعبد الله فيه حتى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما، فبكى، وأنشأ يقول: خليلي هبا، طال ما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما؟ ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... ومالي فيه من حبيب سواكما؟ أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما كأنكما، والموت أقرب غاية ... بجسمي في قبريكما قد أتاكما فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله قساً". وروى أن هذا الشعر لعيسى بن قدامة الأسدي وكان له نديما، فماتا براوند فكان يجيء فيجلس بين القبرين بموضع يقال له حزاق، فيشرب، ويصب على القبرين، حتى يقضي وطره، وينصرف، وينشد وهو منصرف: خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما؟ أم تعلما مالي براوند من أخ ... ولا بجزاق من نديم سواكما مقيماً على قبريكما، لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما جرى النوم مجرى اللحم والدم منكما ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما تحمل من يهوى القفول، وغادروا ... أخاً لكما أشجاه ما قد شجاكما فأي أخ يجفو أخاً بعد موته ... فلست الذي من بعد موت جفاكما أصبت على قبريكما من مدامة ... فإلا تذوقاها ترو ثراكما أناديكما كيما تجيبا وتنطقا ... وليس مجاباً صوته من دعاكما أمن طول نوم لم تجيبا وتنطقا؟ ... خليلي ما هذا الذي قد دهاكما؟ قضيت بأني لا محالة هالك ... وأني سيعروني الذي قد عراكما سأبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد على ذي لوعة إن بكاكما؟!

стр. 106

وذكر العتبي أن الشعر للحارث بن الحارث، أحد بني عامر بن صعصعة، وكان له نديمان: أحدهما من بني أسد، والآخر من بني حنيفة، فمات أحدهما، فكانا يشربان ويصبان على قبره، ويقول أحدهما: لا تصرد هامة عن شربها ... واسقه الراح وإن كان قبر كان حراً فهوى فيمن هوى ... كل عود ذي شعوب ينكسر ثم مات الآخر، فكان الثالث يشرب عند قبريهما، وينشد: خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما؟ الأبيات وقال أعرابي: ألا يا دهر أفرش عن شريدي ... فقد أدركت مني ما تريد [أفرش] أي كف: ذهبت بسالم، وأبي سنان ... فما للرزء بعدهما مزيد تصيب أقاربي، وتحيد عني ... ومن حولي التخوف والوعيد ومن تكن المنية غيبته ... فسوف على تفيئته تعود [تفيئته] : هكذا رأيتها بخط الوزير أبي القاسم بن المغربي، وكنت أظنها "بقيته". كان محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم - لما من عليه المتوكل، وأخرجه من الحبس سلمه إلى الفتح بن خاقان، وضمنه إياه ألا يفارق "سر من رأى" فكان مقيماً بها يلتمس الرجوع إلى الحجاز، فلا يقدر، وكان مألفاً لسراة الناس، ووجوه أهل البلد، وكان كثير الأنس بسعيد بن حميد، لا يكاد يفارقه، وفي سعيد يقول محمد بن صالح: أصاحب من صاحبت ثمت أنثني ... إليك أبا عثمان عطشان صاديا أبى القلب لم ينقع بهم وهو حائم ... إليك، وإن كانوا الفروع العواليا وإنا إذا جئناك لم نبغ مشراً ... سواك، وروينا العظام البواليا فتوفى محمد بن صالح ... ﵀ بسر من رأى، فجزع عليه سيعد، وقال يرثيه: بأي يد أسطو على الدهر بعدما ... أبان يدي عضب الذبابين قاضب وهاض جناحي حادث جل خطبه ... فسدت على الصبر الجميل المذاهب ومن عادة الأيام أن صروفها ... إذا سر منها جانب ساء جانب لعمري لقد غال التجلد أننا ... فقدناك فقد الغيث، والعام جادب وما أعرف الأيام إلا ذميمة ... ولا الدهر إلا وهو بالثأر طالب لعمري لئن كان الردى بك فاتني ... فكل امرئ يوماً إلى الله ذاهب لقد أخذت مني النوائب حقها ... فما تركت حقاً على النوائب ولا تركتني أرهب الدهر بعد ... لقد كل عني بابه والمخالف سقى جدثاً أمسى الكريم ابن صالح ... يحل به دان من المزن ساكب لما ظهر عبد الله بن يحيى الكندي الإباضي، الملقب بطالب الحق، واستولى على صنعاء، وكثير من بلاد اليمن، جهز أبا حمزة في جيش من الإباضية فيهم أبرهة بن الصباح، وبلج بن عقبة، فاستولى على المدينة ومكة، فجهز إليه مروان بن محمد عبد الله بن عطية، فلقيه أبو حمزة بوادي العفرة، فقتل أبا حمزة من معه، واستولى عبد الله بن عطية على عسكرهم، وحاز غنائمهم، وبلغ ذلك عبد الله بن يحيى الملقب بطالب الحق، وهو بصنعاء، فسار يريد عبد الله بن عطية وبلغ مسيره ابن عطية، فسار إليه، فالتقى العسكران فظفر به عبد الله بن عطية وقتل عبد الله بن يحيى الكندي، ومعظم جمعه، وتفرق من سلم منهم من القتل في البلاد، وبعث برأسه إلى مروان بن محمد، فقال عمرو بن الحصين العنبري يرثي عبد الله بن يحيى، وأبا حمزة، وأبرهة، وبلجا، وغيرهم ممن قتل من الإباضية: هبت قبيل تبلج الفجر ... هند تقول ودمعها يجري إذ أبصرت عيني وأدمعها ... ينهل واكفها على نحري: أنى عراك، وكنت عهدي لا ... سرب الدموع، وكنت ذا صبر أقذى بعينك ما يفارقها ... أم عائر، أم مالها تذري؟! أم ذكر إخوان فجعت بهم ... سلكوا سبيلهم على خبر فأجبتها: من ذكر مصرعهم ... لا غيره، عبراتها تجري في فتية صبروا نفوسهم ... للمشرفية والقنا السمر تالله ألقى الدهر مثلهم ... حتى أكون رهينة القبر أوفى بذمتهم إذا عقدوا وأعف عند العسر واليسر متأهلون لكل صالحة ... ناهون من لاموا عن النكر صمت إذا احتضروا مجالسهم ... أذن لقول جليسهم، وقر

стр. 107

متأوهون كأن جمر غضى ... للخوف بين ضلوعهم يسري لم تلقهم إلا كأنهم ... صدروا لخوفهم عن الحشر كم من أخ لك قد فجعت به ... قوام ليلته إلى الفجر صوام وقدة كل هاجرة ... تراك لذته على قدر تراك ما تهوى النفوس إذا ... رغب النفوس دعت إلى النزر خواض غمرة كل متلفة ... في الله تحت العثير الكدر في فتية صبر رزئتهم ... كانوا يدي، وهم أولو نصري (القصيدة طويلة: اقتصرت منها على ما أثبته) . روى أن رجلين قدما الموسم أيام الحج، فسألا رجلاً يعرف بابن أبي دباكل أن يقفهما على قبر ابن سريج، فلما وقفا حسر أحدهما عمامته فإذ هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، فنزل فعقر ناقته، وأنشد عند قبر ابن سريج: وقفنا على قبر بدسم فهاجنا ... وذكرنا بالعيش إذ هو مصحب فجالت بأرجاء الجفون سوافح ... من الدمع تستتلي الذي يتعقب إذا أبطأت عن ساحة الخد ساقها ... دم بعد دمع إثره يتصبب فإن تسعدا نندب عهداً بعبرة ... وقل له منا البكا والتنحب ثم نزل صاحبه، فعقر ناقته، فقال له القرشي: خذ في صوت أبي يحيى، فاندفع يغني: أسعداني بعبرة أسراب ... من دموع كثيرة التسكاب إن أهل الحصاب قد تركوني ... موزعاً مولعاً بأهل الحصاب أهل بيت تتابعوا للمنايا ... ما على الدهر بعدهم من عتاب فارقوني، وقد علمت يقيناً ... ما لمن ذاق ميتة من إياب كم بذاك الحجون من حي صدق ... وكهول أعفة، وشباب فلي الويل بعدهم، وعليهم ... صرت فرداً وملني أصحابي قال: ثم وهبا لي عشرين ديناراً، وسارا، فعدت إلى الناقتين فبعتهما ورحليهما بثلاثين ديناراً. وقال الفرزدق يرثي بنيه: إذا ذكرت عيني الذين هم لها ... قذى هيج منها للبكاء انسكابها بنى الأرض قد كانوا بنى فعزني ... عليهم لآجال المنايا كتابها ولولا الذي للأرض ما ذهبت بهم ... ولما يفلل بالسيوف جذابها إذا ذكرت أسماؤهم، أودعوا بها ... تكاد حيازيمي تفرى صلابها وقال شتيم بن خويلد، يرثي بني خالدة: لا يبعد الله رب العباد وال ... ملح ما ولدت خالدة هم المطعمون سديف العشا ... ر واللحم في الليلة الباردة وهم يكسرون صدور الرما ... ح في الخيل تطرد أو طارده يذكرني حسن آلائهم ... تأوه معولة فاقدة فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالدة وإن التي بقيت بعدهم ... على إثر موردهم وارده بنو خالدة الذين رثاهم شتيم بن خويلد خمسة، منهم: كردم، وهو الذي طعن دريد بن الصمة يوم قتل أخوه عبد الله، الذي يقول فيه دريد: تنادوا، فقالا: أردت الخيل فارساً ... فقلت: أعبد الله ذلكم الردى؟ فوقع دريد بين القتلى، فأقبل رجل من بني عبس، فرآه، فقال: إني لأظنه حياً، فأهوى له ليطعنه، فقال كردم بالسيف دونه، وقال: لا يدن من قتيلي أحد، ثم إن دريداً تحامل في الليل، ومضى إلى قومه، وبرأ، وحج كردم بعد زمان في أصحاب له، فلم يشعروا حتى هجموا على بيت دريد بن الصمة، فأقبل دريد، حتى انتهى إليهم، فسلم عليهم، ورحب بهم، وقال من القوم؟ وهو لا يعرفهم فغالطوه عن نسبهم، وكان دريد عالماً بالنسب، فلم يزل حتى عرفهم، فلما رأى ذلك كردم كشف عن وجهه، فعرفه دريد، فسلم عليه، وحياه، وقال: مرحباً بكم وبمن معكم، وأمر بقبة، فضربت على كردم، وبعث إليه بحلة وجزور، فقال كردم: أما الجزور فقد قبلتها، وأما الحلة فتكون عندك حتى أرجع إليك، فأقام ما أقام، ثم ارتحل، فكان آخر العهد به. ورأيت هذه الأبيات بخط الوزير الكامل أبي القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، منسوبة إلى الحارث بن عمرو الفزاري، يرثي بني خالدة، كردم واخوته، وهم بنو سعد بن حرام، والبيت السادس من الأبيات ما أورده الوزير. وقال آخر: أميم، هيهات الصبي، ذهب الصبي ... وأطار عني الحلم جهل غرابي أبكي الألى بالأمس كانوا جيرة ... أمسوا دفين جنادل وتراب ماتوا، ولو أني قدرت بحيلة ... لأحدت صرف الموت عن أحبابي

стр. 108

ما حيلتي إلا البكاء عليهم ... إن البكاء سلاح كل مصاب وقال النابغة الجعدي، يرثي أهله، من قصيدة أولها: ألم تسأل الدار الغداة متى هيا عهدت بها حياً كراماً، كأنهم ... عظام الملوك عزة وتباهيا لهم مجلس غلب الرقاب مرازب ... بدار الحفاظ أو يعدن الأعاديا وفتيان صدق غير وخش أشابة ... مكاسب للمال الطريف معاطيا الوخش: الرديء، والأشابة: الأخلاط. غدا فتيا دهر، وراحا عليهم ... نهار وليل يلحقان التواليا فلم يبق من تلك الديار وأهلها ... سرى الليل والأيام إلا مغانيا مغاني من غالت شعوب فأصبحت ... حلولهم تبكي، وتبكي البواكيا إذا أتيا حياً كراماً بغبطة ... أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا وقال النابغة أيضاً: لمن الدار كأنضاء الخلل ... عهدها من حقب الدهر الأول دار قومي قبل أن يدركهم ... عنت الدهر، وعيش ذو خبل إذ هم من خير حي سوقة ... وطيء الأرض بسهل أو جبل لغريب قام فيهم سائلاً ... ولجار جنب جاء فحل يستخفون إلى الداعي بهم ... وإلى الضيف إذا الضيف نزل هزة النائل فيهم والندى ... وثقال عند أطراف الأسل ولهم سيما إذا ما رئيت ... بينت ريبة من كان سأل حسن أجسام وسرو ظاهر ... ورماح وجباب وحلل وسوام لجب سامره ... طلح ذادته يوم النهل جعلوه دون أحسابهم ... فوقاهم كل ذم وبخل سألتني جارتي عن أمتي ... وإذا ما عي ذو اللب سأل سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل طلبوا المجد فلما أدركوا ... لكتاب وانتهى ذاك الأجل وضع الدهر عليهم بركه ... فأراه لم يغادر غير فل وأراني طرباً في إثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل أنشد الناس، ولا أنشدهم ... إنما ينشد من كان أضل وقال النابغة [الجعدي] أيضاً: وقالت سليمى: أرى رأسه ... كناصية الفرس الأشهب وذلك من وقعات الزما ... ن، ففيئي إليك ولا تعجبي أتين على إخوتي سبعة ... وعدن على ربعي الأقرب الربع: الدار، أراد أهلها، وقال أبو عمرو: ربعه: فخذه من عشيرته. وسادة رهطي حتى بقي ... ت فرداً كصيصية الأعضب أصابهم القتل ثم الوفا ... ة، هذ الأشاءة بالمخلب [الأشاءة] : الفسيلة -[المخلب] : المنجل. مضوا سلفاً ثم لم يرجعوا ... إلينا، فيالك من موكب! غيوثاً تنوء على المقتري ... ن إن يكذب الغيث لم تكذب كراماً لدى الضيف عند الشتا ... ء، والجدب في الزمن الأجدب إذا أعزب الناس أحلامهم ... أراحوا الحلوم فلم تعزب وقال أيضاً يرثي قومه: دار حي كانت لهم زمن التو ... بة لا عزل، ولا أكفال يريد [بالتوبة] الإسلام. لا أرى مثلهم ولو قذف الأع ... داء فيهم هواجر الأقوال من كهول غلب ملاويث قط ... ساعين قد الأسير ذي الأغلال وهم مهرب الذليل كما يه ... رب من خاف في رؤوس الجبال هاجروا يطلبون ما وعد الله فبانوا، وجارهم غير قال فسلام الإله يغدو عليهم ... وفيوء الفردوس ذات الظلال وقال أبو بلال، مرداس الخارجي، يرثي قتلى من الخوارج: أبعد ابن وهب ذي النباهة والتقى ... ومن خاض في تلك الحروب المهالكا أحب بقاء، أو أرجى سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا؟! فيا رب سلم نيتي وبصيرتي ... وهب لي ألتقي حتى ألاقي أولئكا وقال أبو الشغب العبسي: أبعد بني الزهر الغطارفة الألى ... أرجى رجاء أو نوالاً من الدهر؟! غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ... ألهفي على تلك الغطارفة الزهر لهم ذكر يعتدن قلبي، كأنما ... يلدغنه بين الجوانح بالجمر يذكرنيهم كل خير رأيته ... وشر فما أنفك منهم على ذكر سقى الله أجساداً ورائي تركتها ... بحافة قنسرين من سبل القطر (أظنها حاضر قنسرين) : ثووا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الموت أسباب جرين على قدر

стр. 109

ولو يستطيعون الرواح تروحوا ... معي ومضوا في المصبحين على ظهر لعمري لقد وارت قبور ضمنهم ... أكفاً شداد القبض للأسل السمر وآخر عهد منك يا شغب شمة ... بشرج وداعاً والمطي بنا تسري فكان وداعاً، لا تلاقي بعده ... وبينا إلى يوم القيامة والحشر وقال أيمن بن خريم الأسدي: رمى المحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا فإنك لو رأيت بكاء هند ... ورملة إذ تصكان الخدودا بكيت بكاء معولة فقيد ... أصاب الدهر واحدها الفقيدا وقال أعرابي: ألا أيها الموت الذي ليس جانياً ... أرحني، فقد أفنيت كل خليل أراك بصيراً بالذين أحبهم ... كأنك تهدي نحوهم بدليل وقال- أم الصريح الكندية: هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ... بحسمان من أسباب مجد تهدما أبوا أن يفروا، والقنا في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلما ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما عن شبل بن بشير أنه خرج في سفر وخلف الطاعون في أهله، فلم يدع منهم أحداً إلا أمة سوداء، تحولت إلى بعض الجيران، فقدم شبل فجعل يدق الباب، فسمعته الأمة، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا رب الدار، فقالت ما بقى في الدار أحد، فجاء الناس يعزونه على ما افترط من أهله، فقال: أتى دون حلو العيش حتى أمره ... نكوب على آثارهن نكوب تتابعن في الأحباب حتى أبدنهم ... فلم يبق منهم في الديار عريب إذا ذر قرن الشمس عللت بالمنى ... ويأوي إلي الحزن حين تغيب ونام خلي البال عني ولم أنم ... كما لم ينم عاري الفناء عزيب أضرت به الأيام حتى تركنه ... بطول الذي عفين وهو رقوب وكيف بقاء المرء من بعد أهله ... وليس له في الغابرين حبيب؟! وما ترك الطاعون من ذي هوادة ... إلينا إذا حان الإياب يئوب وكنت أرجى أن أؤوب إليهم ... فغالهم من دون ذاك شعوب مقادير لا يغفلن من حان يومه ... لهن على كل النفوس رقيب سقين بكأس الموت من قد أمتنه ... وفي الحي من أنفاسهن ذنوب أريد لأنسى ذكرهم فيهيجني ... فؤاد إلى أهل القبور طروب فلسنا بأحيا منهم، غير أننا ... إلى أجل ندعى له فنجيب وقال الرقيع بن عبيد الأسدي: لحى الله دهراً شره دون خيره ... وجداً بصيفي نأى بعد معبد بقية خلاني أتى الدهر دونهم ... فما جزعي أم كيف عنهم تجلدي؟! فلو أنها إحدى يدي رزئتها! ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي كأني وصيفياً أخا الصدق لم نقل ... لموقد نار آخر الليل : أوقد فلست بباك بعده إثر هالك ... قدي الآن من وجدي على هالك قدي وقال الشريف الرضي ﵁: ما للهموم كأنها ... نار على كبدي تشب أفراق إخوان الشبا ... ب غدت مطاياهم تخب؟ فارقتهم، فالعين عي ... ن بعدهم، والقلب قلب ما كنت أحسب أنني ... جلد على الأرزاء صعب أو أنني أبقى وظه ... ري بعد إخواني أجب ما أخطأتك الحادثا ... ت إذا أصابت من تحب وقال أبو رفاعة: أصبحت من حلول قومي وحشاً ... رحب الجدر جلسها فالبطاح ولقد ألفيت وفيها كهول ... وشباب بيض الوجوه صباح ومهادير في الندى ولا ينف ... ك فيه منهم ندى وسماح وقال البريق بن عياض الهذلي: ألم تسل عن ليلى وقد ذهب العمر ... وقد أوحشت منها الموارج والحضر [الموارج، والحضر] : مواضع وقد هاجني منها بوعساء فروع ... فأجراع ذي اللهباء منزلة قفر يظل بها داعي الهديل، كأنه ... على الساق نشوان تميل به الخمر فإن تبك في رسم الديار، فإنها ... ديار بني زيد وهل عنهم صبر؟ وقال آخر: ألا ليت شعري! هل يعودن ما مضى ... ليالي عيش الأصفياء رطيب؟ وهل عائد قبل الممات، فراجع ... إلى عهده دهر إلي حبيب؟!

стр. 110

وهل يجمعن شملي من الدهر جامع ... بلى، ذاك إن شاء الإله قريب ولي كبد حرى بما قد تضمنت=عليكم وعين بالدموع سكوب روى أن عبد الله بن عمرو العبلي قال له عبد الله بن حسن بن حسن ﵃: أنشدني شيئاً مما رثيت به قومك، فأنشده: أصعد أنفاسي حنيناً إليكم كما حن مقصور اليدين نجيب وقال حيان بن قيس: تطاول ليلى بالغطاط إلى الغمر ... وبات فراشي مشعراً جاحم الجمر تذكرت من أضحت بحوران داره ... وكيف مع الأحداث أصبو إلى الذكر؟! فإن أرهم لا أصدف الدهر عنهم ... سوى سفر حتى أغيب في القبر لعمري لقد أمست إلي بغيضة ... نوى فرقت بيني وبين بني عمرو إذا هبطوا الأدوات، والبحر دوننا ... فقل في تناء بيننا آخر الدهر وقال كشاجم: تخرم الدهر أشكالي فأفردني ... منهم، وكنت أراهم خير جلاس وصرت آلف قوماً لا خلاق لهم ... والوحش يأنس عند المحل بالناس وقالت ليلى، أخت الوليد بن طريف الشاري، تبكيه: ذكرت الوليد، وأيامه ... إذ الأرض من شخصه بلقع فأقبلت أطلبه في السماء ... كما يبتغي أنفه الأجدع أضاعك قومك، فليطلبوا ... إفادة مثل الذي ضيعوا لو أن السيوف الذي حدها ... يصيبك تعلم ما تصنع نبت عنك، أو جعلت ... هيبة وخوفاً لصولك لا تقطع وقالت فارعة المرية، أخت مسعود بن شداد، تبكيه: يا من رأى بارقاً قد بت أرمقه ... جوداً، على الحرة السوداء والوادي أسقي به قبر من أعني، وحب به ... قبراً إلي، وغن لم يفده فاد شهاد أندية، رفاع ألوية ... شداد أوهية، فتاح أسداد نحار راغية، قتال طاغية ... حلال رابية، فكاك أقياد قوال محكمة، نقاض مبرمة ... فراج مبهمة، حباس أوراد حلال ممرعة، حمال مضلعة ... فراج مفظعة، طلاع أنجاد أبا زرارة لا تبعد، وكل فتى ... يوماً رهين صفيحات وأعواد وقال الشريف المرتضى، ﵀: أوردتني ومضيت مبتدراً ... حز المدى، ولواذع الجمر وتركتني ... والدهر ذو دول أعشى اللحاظ مقلم الظفر أمري، فلا أصمي، وإن رميت ... جهتي رميت معرض النحر وأصد عن لقيا العدو، وهل ... ألقى العدو، ولست من ظهري؟ وإذا مضى من كان يعضدني ... ويشد يوم كريهة أزري ويرد عني كل طارقة ... ويخوض كل ردى إلى نصري فالحظ لي ألا أهيج وغى ... حتى أكون مسالماً دهري لا متعة لي في الحياة ... فما أحياه بعدك ليس من عمري وقال آخر: يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا، ووقرت في العظم وسلبتنا ما لست مخلفه ... يا دهر ما أنصفت في الحكم لو كان لي قرن أناضله ... ما طاش عند حفيظة سهمي أو كان يعطي النصف قلت له: ... أحرزت سهمك فاله عن سهمي وقال أميمة بنت عبد شمس، ترثي قومها: أبى ليلك أن يذهب ... ونيط الطرف بالكوكب وهذا الصبح لا يأتي ... ولا يدنو ولا يقرب لفقد عشيرة منا ... كرام الخيم والمنصب أمال عليهم دهر ... حديد الناب والمخلب فحل بهم وقد أمنوا ... فلم يقصر ولم يشطب وما عنه إذا ما حل ... ل، لا منجى، ولا مهرب ألا يا عين فابكيهم ... بدمع منك مستغرب فإن أبك، فهم عزى ... وهم ركني، وهم منكب وقال هلال بن الأسعر، يرثي رجلاً من قومه يقال له: المغيرة بن قنبر، كان يعوله ويفضل عليه: ألا ليت المغيرة كان حياً ... وأفنى قبله الناس الفناء ليبك على المغيرة كل خيل ... إذا أفنى عرائكها اللقاء ويبك على المغيرة كل كل ... فقير كان ينعشه العطاء ويبك على المغرة كل جيش ... تمور لدى معاركه الدماء فتى الفتيان، فارس كل حرب ... إذا شالت وقد رفع اللواء لقد وارى جديد الأرض منه خصالاً عقد عصمتها الوفاء وصبراً للنوائب إن ألمت ... إذا ما ضاق بالحدث الفضاء
следующие страницы →